Полный текст (3 390 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
• تعرف المرأة الطهر بإحدى علامتين:
الأولى: نزول القصة البيضاء.
والثانية: حصول الجفاف التام، بحيث لو احتشت بقطنة خرجت نظيفة، ليس عليها أثر من دم أو صفرة أو كدرة.
وقال الباجي في (المنتقى): وَالْمُعْتَادُ فِي الطُّهْرِ أَمْرَانِ: الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: الْجُفُوفُ، وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْقُطْنَ أَوْ الْخِرْقَةَ فِي قُبُلِهَا فَيَخْرُجَ ذَلِكَ جَافًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، وَعَادَةُ النِّسَاءِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْجَفَافَ.
وقد كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. رواه البخاري معلقاً (كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره).
والدُّرْجة: هو الوعاء التي تضع المرأة طيبها ومتاعها.
والكرسف: القطن.
والقَصَّة: ماء أبيض يخرج عند انتهاء الحيض.
ومعنى الصفرة: أي ماء أصفر.
فعائشة اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً وقالت (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) أي: علامة الطهر.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: فما بعد الطهر من كدرة، أو صفرة، أو نقطة، أو رطوبة، فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته؛ لأنه ليس بحيض.
قالت أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً) أخرجه البخاري، وزاد أبو داود: (بعد الطهر) وسنده صحيح، وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة ولا تمنعها من صلاتها وصيامها ومباشرة زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر؛ لأن بعض النساء إذا جف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ بالكرسف - يعني: القطن - فيه الدم فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. (٦٠ سؤالاً عن أحكام الحيض).
стр. 282
فوائد:
فائدة ١:
الدم الذي يكون في باطن الفرج [مكان إدخال القطنة] ولا ينتقل ويبرز إلى الظاهر: يعد حيضاً، ولا يشترط في الدم حتى يأخذ حكم الحيض أن يخرج إلى ظاهر الفرج، بل إذا بقي في باطن الفرج يلوث القطن الداخل فهو حيض أيضا.
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ورواية عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
أ-ويدل عليه ظاهر قول الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين).
فقوله (قل هو أذى) إشارة إلى أن العبرة بوقوع الأذى، وهو حاصل حتى لو لم يبرز الدم إلى ظاهر الفرج، فهذا الأذى يظهر بالآلام المرافقة، وبأعراض الطمث الأخرى.
ب- ويدل عليه أيضا ما رواه مالك في " الموطأ " بسنده عن أم علقمة قالت: (كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ، فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ) تُرِيدُ بِذلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَة.
وفيه دلالة على أن النساء كن يعددن الصفرة التي تكون على (الكرسف) علامة على الحيض، وأكدت ذلك عائشة ﵂، والمراد بالكرسف هنا القطن الذي كانت النساء تدخله لتتبع الحيضة.
وروى ابن أبي شيبة في " المصنف " بإسناده أنه كانت عمرة بنت عبدالرحمن المدنية - من فقهاء التابعين- تقول للنساء: إذا إحداكن أدخلت الكرسفة فخرجت متغيرة، فلا تصلين حتى لا ترى شيئا
وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس بحيض حتى يبرز الدم إلى ظاهر الفرج.
وهو مذهب الحنفية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "يرى بعض العلماء أن الحيض إذا انتقل -ليس إذا أوجع البطن- ولكن ما خرج وبقي داخل الفرج، يرى أنه مثل الخارج، وهذا القول ضعيف.
والصحيح: أنه لا تفطر المرأة أو لا يفسد صومها إلا بخروج الحيض بارزاً، أما ما دام مجرد أوجاع، أو أنها أحست بأنه انتقل، لكن ما خرج فهذا لا يؤثر شيئاً.
وقال: " إذا أحست بانتقال الحيض قبل الغروب لكن لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها تام ولا يبطل على القول الصحيح، لأن الدم في باطن الجوف لا حكم له، ولأن النبي ﷺ لما سُئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) فعلق الحكم برؤية المني لا بانتقاله، فكذلك الحيض لا تثبت أحكامه إلا برؤيته خارجاً لا بانتقاله.
стр. 283
فائدة ٢:
• إذا طهرت الحائض العشاء تقضيها وتقضي المغرب معها.
قال ابن قدامة:. . . وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ،
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَجَبَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِهِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ.
وَلَنَا: مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا.
وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ. (المغني).
فائدة ٣:
قال ابن قدامه ﵀: "إذا انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة، ولما تغتسل، فهل تنقضي عدتها بطهرها؟ فيه روايتان ذكرهما ابن حامد:
إحداهما: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل، ولزوجها رجعتها في ذلك. . .، وهذا قول كثير من أصحابنا، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود. . .، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فيكون إجماعا، ولأن أكثر أحكام الحيض لا تزول إلا بالغسل، وكذلك هذا.
والرواية الثانية: أن العدة تنقضي بمجرد الطهر قبل الغسل. . .؛ لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، والقرء: الحيض، وقد زالت، فيزول التربص. (المغني).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ شارحاً لعبارة الزاد -: قوله: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها)، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، وهي من المسائل الكبيرة التي تكاد الأدلة فيها أن تكون متكافئة.
ثم نقل ﵀ القولين في المسألة، ومال إلى القول: بصحة الرجعة مادام أن المرأة لم تغتسل من حيضها؛ استدلالاً بالآثار الواردة عن الصحابة
стр. 284
باب النفاس
النفاس: هو دم يخرج من المرأة عند الولادة أو معها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق.
وأحكامه هي أحكام الحيض فيما يجب ويحرم.
(وأكثره أربعون يوماً).
هذا الصحيح من أقوال العلماء، أن أكثر النفساء ٤٠ يوماً.
وهذا المذهب، وبه قال أكثر أهل العلم.
قال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
قال الشوكاني: والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين.
أ- لحديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَتِ اَلنُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (وَلم يَأْمُرْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ اَلنِّفَاسِ) وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
ب-وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً. رواه ابن الجارود في المنتقى.
قال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار: ليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءَت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم، لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم والنفس تسكن إليهم فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل.
وقال ابن قدامة: ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً.
قال الشيخ ابن باز: ومتى أكملت - أي النفساء - الأربعين وجب عليها الغسل وإن لم تر الطهر، لأن الأربعين هي نهاية النفاس في أصح قولي العلماء.
стр. 285
وهذا القول هو الصواب وذلك لأمور:
الأول: أنه قول الصحابة ولا مخالف لهم.
الثاني: أنه لا بد في المسألة من تحديد أيام تجلس فيها النفساء ولا يمكن تجاوز قول الصحابة إلى غيرهم.
الثالث: أنه قول الأطباء وهم من أهل الاختصاص في معرفة الدم فاتفق قولهم مع رأي ابن عباس وقول أكثر أهل العلم.
وأما أقل النفاس فلا حدَّ له في قول أكثر أهل العلم فإذا رأت النفساء الطهر وهو انقطاع الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي. (الإسلام سؤال وجواب).
(ولا حّد لأقلهِ).
وهذا المذهب وبه قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وجمهور العلماء.
لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلاً وكثيراً.
وهذا القول هو الصحيح.
فمتى طهرت المرأة من نفاسها وجب عليها الاغتسال والصلاة، ولو كان ذلك قبل مرور أربعين يوماً.
قال الترمذي ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: متى طهرت المرأة ولو بعد وضع الحمل بيوم أو أيام قليلة، فإنها تكون طاهراً، وتجب عليها الصلاة، ويصح منها الصوم، ويجوز لزوجها أن يجامعها.
(ومتى رأت الطهر، اغتسلت وهي طاهرة).
أي: متى رأت النفساء الطهر أثناء الأربعين، فيجب عليها الاغتسال، وتأخذ حكم المرأة الطاهرة، لأن النفاس كما تقدم لا حد لأقله
стр. 286
(ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهر).
أي: يكره وطء النفساء إذا طهرت قبل الأربعين.
أ- لأن زوجة عثمان بن أبي العاص تزيَّنت له وأتته قبل الأربعين في نفاسها، فقال لها: لا تقربيني. رواه عبدالرزاق.
ب- ولأنها لا تأمن عود الدم في زمن الوطء.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز لزوجها أن يطأها ولا يكره.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لأن الكراهية تحتاج إلى دليل، ولا دليل على الكراهة.
ب- ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء، فكذا في الوطء.
وهذا أرجح.
(فإن عاد في الأربعين فهو نفاس أيضاً).
أي: إذا عاودها الدم أثناء الأربعين بعد أن طهرت فيأخذ حكم النفاس، لأنه لم يجاوز الأربعين، فتتوقف عن الصلاة والصوم،
قال الشيخ ابن باز: إذا طهرت النفساء في الأربعين فصامت أياماً، ثم عاد إليها الدم في الأربعين فإن صومها صحيح، وعليها أن تدع الصلاة والصيام في الأيام التي عاد فيها الدم.
• لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما يتبين فيه خلق إنسان.
فلو وضعت سقطاً صغيراً لم يتبين فيه خلق إنسان، فليس دمها دم نفاس، بل هو دم عرق، فيكون حكمها حكم المستحاضات.
وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء مدة الحمل.
стр. 287
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سلسلة
دروس فقهية
مقدمة - باب الأذان والإقامة - باب شروط الصلاة
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
الموقع/ رياض المتقين
www.almotaqeen.net
стр. 288
كتاب الصلاة
تعريف الصلاة:
الصلاة لغة: الدعاء بالخير.
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي: ادع لهم.
وقال ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ) رواه مسلم.
[فليصل] أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة.
وشرعاً: هي عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
• فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين (ليلة الإسراء والمعراج)، وكان النبي ﷺ يصليها ركعتين ركعتين إلا المغرب فثلاث ركعات، فلما هاجر إلى المدينة بقيت الركعتان للسفر، وزيدت صلاة المقيم إلى أربع ركعات، إلا الفجر فبقيت ركعتين.
روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ حديث الإسراء المشهور، وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ … قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً).
وقد أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس لم تفرض إلا في هذه الليلة.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئاً. (تفسير ابن كثير).
ثم نزل جبريل ﵇ وعلم النبي ﷺ أوقات الصلاة:
فروى البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (بِهَذَا أُمِرْت) فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ؟ أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.
стр. 289
وروى النسائي عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ (جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ جَاءَهُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ الْمَغْرِبَ، فَقَامَ فَصَلَّاهَا حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ سَوَاءً، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ الشَّفَقُ جَاءَهُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ الْعِشَاءَ. فَقَامَ فَصَلَّاهَا … الحديث، وفيه: فَقَالَ - يعني جبريل - (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ كُلُّهُ).
وروى عبد الرزاق في (مصنفه) وابن إسحاق في سيرته، كما في فتح الباري (٢/ ٢٨٥) أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة.
قال القرطبي ﵀: ولم يختلفوا في أن جبريل ﵇ هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال فعلم النبي ﷺ الصلاة ومواقيتها.
وقال شيخ الإسلام ﵀: بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء. (شرح العمدة (٤/ ١٤٨)
(وهي واجبة).
أي: أن الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
أ- قال تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)
كتاباً: أي فرضاً. موقوتاً: أي بأوقات محددة.
ب- وقال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
ج- وعن ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) متفق عليه.
د- وعن معَاد. قَالَ (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) متفق عليه.
стр. 290
وأجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
• فرضت ليلة الإسراء والمعراج، فرضت أولاً خمسين ثم خففت إلى خمس.
قال الشيخ ابن عثيمين: فرضت خمسين صلاة، لكن خففت فجعلت خمساً في الفعل وخمسين في الميزان، فكأنما صلى خمسين صلاة، وليس المراد تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، لأنه لو كان المراد الحسنة بعشر أمثالها لم يكن لها مزية على غيرها من العبادات، إذ في كل عبادة الحسنة بعشر أمثالها، لكن الظاهر أنه يكتب للإنسان أجر خمسين صلاة بالفعل.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (أُتيت بالبراق فركبته … فأوحى الله إليّ ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة … فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة). رواه مسلم وعند النسائي: (فخمس بخمسين).
• ولأهميتها:
فرضت من الله إلى رسوله بدون واسطة، وفرضت في ليلة هي أفضل الليالي لرسول ﷺ ، وفرضت في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت خمسين أولاً، وهذا يدل على محبة الله لها وعنايته بها.
• الصلاة كانت مشروعة في الأمم الماضية.
قال تعالى (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين).
قال شيخ الإسلام: ومن كان قبلنا لهم صلاة، ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات، ولا في الهيئات.
• وهي ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين.
• وهي أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة.
• وهي عمود الدين.
стр. 291
(والصلوات المفروضة خمس).
قال ابن قدامة: والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارض من نذر أو
غيره هذا قول أكثر أهل العلم.
أ- عن طَلْحَة بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قال (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) متفق عليه.
ب- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ». قَالُوا لَا يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئاً. قَالَ «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايا) متفق عليه.
ج- وحديث بعث معاذ السابق ( … فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ).
د- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (الصَّلَاةُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِر) رواه مسلم
هـ-وعن عُبَادَة. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة) رواه أبو داود.
стр. 292
فائدة:
في حديث أبي هريرة السابق (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيه ...... ) دليل على فضل الصلوات الخمس، وأنها سبب لمحو الخطايا والذنوب.
قال ابن رجب: هذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجعل مثل ذلك مثل من ببابه نهر يغتسل فيه كل يوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه ينقى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء.
وقال: وتمثيله بالنهر: هو مبالغة في إنقاء الدرن، فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد، فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان، ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كما سبق ذكره في الطهارة.
وقال ابن حجر: وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس.
وقال ابن العربي: وجه التمثيل، أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويُطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تُطهّر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبقي له ذنباً إلا أسقطته وكفّرته.
• والحديث دليل على أن الصلوات الخمس تكفر وتمحو الخطايا والذنوب، والمراد بالذنوب التي تكفرها الصلاة هي الصغائر دون الكبائر.
قال ابن رجب: واستدل بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر).
وفيه - أيضاً - عن عثمان، عن النبي ﷺ قال (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله).
وخرج النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال (والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام).
стр. 293
وخرج الإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبي ﷺ معناه أيضاً.
وقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وروي عنه مرفوعاً. والموقوف أصح.
وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تصب المقتلة.
وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة.
(وهي واجبة على كل مسلم).
أي: أن الصلاة المفروضة تجب على المسلم. (وهو من جاء بالشهادة).
لقول الرسول ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة … ).
• وأما الكافر فلا تجب عليه حال كفره.
لقوله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ … ).
• ولا يلزم الكافر إذا أسلم أن يقضيها، وذلك لأمور:
أولاً: لقوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
ثانياً: لقوله ﷺ (الإسلامُ يهدم ما قبلَه) رواه مسلم.
ثالثاً: لأن في إلزامه بقضائها بعد إسلامه مشقة وتنفير عن الإسلام. (الشرح الممتع).
رابعاً: وأسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير، وبعده، فلم يؤمر أحد منهم بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيراً عن الإسلام، فعفي عنه. (المغني).
стр. 294
(بالغ عاقل).
البالغ: فلا تجب على الصغير، العاقل: فلا تجب على المجنون.
أ-لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق). رواه الترمذي
ب-ولأنهما ليسا أهلاً للتكليف.
(لا حائضاً ولا نُفساء).
أي: لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء، ولا تصح منهما.
أ- عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ) متفق عليه.
(أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَضَمّ الرَّاء الْأُولَى وَهِيَ نِسْبَة إِلَى حَرُورَاء، وَهِيَ قَرْيَة بِقُرْبِ الْكُوفَة قَالَ السَّمْعَانِيّ: هُوَ مَوْضِع عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْكُوفَة، كَانَ أَوَّل اِجْتِمَاع الْخَوَارِج بِهِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: تَعَاقَدُوا فِي هَذِهِ الْقَرْيَة فَنَسَبُوا إِلَيْهَا. فَمَعْنَى قَوْل عَائِشَة ﵂ إِنَّ طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج يُوجِبُونَ عَلَى الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زَمَن الْحَيْض، وَهُوَ خِلَاف إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَام الَّذِي اِسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَة هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار أَيْ هَذِهِ طَرِيقَة الْحَرُورِيَّة، وَبِئْسَ الطَّرِيقَة. (نووي).
ب-قوله ﷺ في حديث أبي سعيد (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) متفق عليه.
ج- وقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ( … فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) متفق عليه.
قال النووي: هَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا تَجِب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال.
(فمن جحَد وجوبها لجهلهِ عرّف ذلك).
أي: من جحد وجوبها لجهله فإنه يعرف بذلك حتى يزول عنه الجهل.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
стр. 295
(وإن جحدها عناداً كفر).
أي: من ترك الصلاة عناداً فهو كافر.
لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.
قال ابن عبد البر ﵀: أجمع المسلمون على أن جاحد فرض الصلاة كافر يقتل إن لم يتب من كفره ذلك.
وحكى الإجماع أيضاً ابن قدامة، فقال: … وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ; لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَخْفَى وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافاً. (المغني).
قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ). …
ومكذب للرسول ﷺ بقوله (بني الإسلام على خمس: وذكر منها: وإقامة الصلاة) متفق عليه.
(ومن تركها تهاوناً كفر، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً).
أي: من ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً فإنه يكفر أيضاً.
وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع.
أ-لحديث جابر قال: قال ﷺ (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم.
ب-ولحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي.
ج-وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال (لم يكن أصحاب محمد ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي.
стр. 296
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكفر.
وبه قال الحنفية، والمالكية، ونسبه النووي للأكثر من السلف والخلف.
أ-لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) رواه البخاري.
ب-ولقوله ﷺ (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه مسلم.
فقد صرح النبي ﷺ أن من قال لا إله إلا الله فقد استحق دخول الجنة.
ج-ولقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
والراجح القول الأول أنه كافر.
• فإذا قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحداً لوجوبها؟
قلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين:
الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به، فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود، ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة دون الإقرار بوجوبها، فلم يقل الله تعالى: فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة، ولم يقل النبي ﷺ : بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة. أو العهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة، فمن جحد وجوبها فقد كفر.
ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ). وقال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم).
الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم:
فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك.
فلو صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط، وأركان، وواجبات، ومستحبات، لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافراً مع أنه لم يتركها. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 297
• فإن قال قائل: ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا: الجواب: أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن، أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة. ونحو ذلك.
ومن تأملها وجدها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.
القسم الأول: ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة.
مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء).
فإن معنى قوله تعالى (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله، فهو كافر كفراً لا يغفر وليس ذنبه من الشرك، … ولو سلمنا أن معنى (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما سوى ذلك، لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركاً.
القسم الثاني: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة
مثل قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار).
• ماذا يترتب على قولنا بأنه كافر؟
قال الشيخ محمد بن عثيمين: وإذا تبين أن تارك الصلاة كافر كفر ردة فإنه يترتب على كفره أحكام المرتدين ومنها:
أولاً: أنه لا يصح أن يزوج، فإن عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل.
ثانياً: أنه إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته.
ثالثاً: لا يرث ولا يورث.
رابعاً: إذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين.
خامساً: أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
стр. 298
• اختلف العلماء القائلون بتكفير تارك الصلاة هل يكفر بترك صلاة واحدة؟ أو بترك صلاتين؟ أو ثلاث؟ أو بالترك الكلي، فلا يسجد لله سجدة على أقوال:
القول الأول: يكفر بترك صلاة واحدة، واختاره الشيخ ابن باز.
قال ابن حزم: وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃ أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد. (المحلى: (٢/ ١٥)
القول الثاني: أنه لا يكفر حتى يترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة.
القول الثالث: أنه تارك الصلاة، لا يكفر إلا بالترك الكلي، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
لأن النبي ﷺ قال (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، فمن كان يصلي أحياناً لم يصدق عليه أنه ترك الصلاة.
• وقوله (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً) أي: يقال له: تب إلى الله وصل وإلا قتلناك.
• وقوله (ثلاثاً) أراد به ثلاثة أيام، وكيفية استتابته في مدة الثلاث أن يُدعى إلى فعلها كل وقت حتى يُصلي.
• وجمهور العلماء على أن قتله حداً، لأنهم لا يرون كفر تارك الصلاة، وقيل: بل قتله ردة لكفره.
جاء في (الموسوعة الفقهية ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَاركَ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلاً، لَا جُحُودًا، يُقْتَل حَدًّا أَيْ أَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَيُغَسَّل، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ تَكَاسُلاً يُدْعَى إِلَى فِعْلِهَا وَيُقَال لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلاَّ قَتَلْنَاكَ، فَإِنْ صَلَّى، وَإِلاَّ وَجَبَ قَتْلُهُ. وَلَا يُقْتَل حَتَّى يُحْبَسَ ثَلَاثًا وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُل صَلَاةٍ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا، وَقِيل كُفْرًا، أَيْ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنْ لَا يُرَقُّ وَلَا يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ " انتهى.
стр. 299
(ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر).
أي: أن الصبي إذا بلغ سبع ودخل في الثامنة، فإنه يؤمر بالصلاة، وإذا بلغ العاشرة من عمره ضرب عليها.
لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) رواه أبو داود.
قال ابن قدامة: هَذَا الْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، كَيْ يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا، وَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغ.
وقال العيني: يؤمر الصبي ابن سبع سنين بالصلاة تخلقاً وتأدباً يعني أنها غير واجبة عليه لا يأثم بتركها.
وقال الشيخ ابن عثيمين: أمر النبي ﷺ أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، وأن نضربهم عليها لعشر سنين، مع أنهم لم يُكلفوا بعد، من أجل أن يتمرنوا على فعل الطاعة ويألفوها، حتى تسهل عليهم بعد الكبر، وتكون محبوبة لديهم، كذلك الأمور التي ليست بالمحمودة، لا ينبغي أن يعود الصغار عليها وإن كانوا غير مكلفين؛ وذلك لأنهم يألفونها عند الكبر ويستسيغونها. (نور ع الدرب).
قال النووي: من لا تلزمه الصلاة لا يؤمر بفعلها لا إيجاباً ولا ندباً إلا الصبي والصبية فيؤمران بها ندباً إذا بلغ سبع سنين وهما مميزان، ويضربان على تركها إذا بلغا عشر سنين، فإن لم يكونا مميزين لم يؤمروا; لأنها لا تصح من غير مميز.
ودليل هذه القاعدة:
قوله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة).
وقوله تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً).
وقوله ﷺ (وإن لولدك عليك حقاً) رواه مسلم.
وقوله ﷺ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). … (المجموع).
فيؤمر الصبي والجارية بالصلاة لسبع، ويضربان عليها لعشر، كما يؤمران بصوم رمضان، ويشجعان على كل خير، من قراءة القرآن، وصلاة النافلة، والحج والعمرة، والإكثار من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويمنعان من جميع المعاصي.
• ويشترط في ضرب الصبي على الصلاة أن يكون ضربا هينا غير مبرّح، لا يشق جلداً، ولا يكسر سناً أو عظماً، ويكون على الظهر أو الكتف وما أشبه ذلك، ويتجنب الوجه لأنه يحرم ضربه، لنهي النبي ﷺ .
ولا يكون فوق عشرة أسواط، ويكون للتأديب والتربية، فلا يظهر به الرغبة في العقاب إلا عند الحاجة إلى بيان ذلك، لكثرة نفور الصبي وتركه للصلاة ونحوه.
стр. 300
(فإن بلغ في أثنائِها أو بعدها أعاد).
أي: إذا بلغ الصبي في أثناء فعله للصلاة، أو بعد فعلها فإنه يجب عليه أن يعيد.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وداود.
أ-أن الصلاة التي صلاها قبل البلوغ نافلة في حقه فلا تجزئ عن الفريضة.
ب-وقالوا: القياس على النافلة، فإن المصلي - بالغاً أو غير بالغ - إذا نوى صلاة نافلة لم تجزئه عن الفريضة، فكذا الصبي إذا صلى قبل البلوغ فصلاته نافلة فلا تنقلب فرضاً.
ج-أن من لم يبلغ صلى قبل وجوبها عليه فلم تجزه بعد وجود سبب وجوبها عليه كمن صلى قبل دخول الوقت.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزمه إعادتها.
وهو قول الشافعي، اختاره ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين.
أ-لقوله ﷺ (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع … ) قالوا: إن الصبي قد صلى كما أمر، فلا يؤمر بإعادة الصلاة مرة ثانية.
ب-وقالوا: قياساً على الصيام إذا بلغ في أثنائه، فكما لا يعيده كذلك لا يعيد الصلاة إذا بلغ في أثنائها.
وهذا القول هو الصحيح والله أعلم.
• أما إذا بلغ الصبي ولم يكن قد صلى، فهنا يجب عليه أن يصلي، وهذا لا نزاع فيه.
(ويحرم تأخيرها عن وقتها).
أي: يحرم تأخير الصلاة عن وقتها.
قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة.
стр. 301
جاء في الموسوعة الفقهية: اتفق الفقهاء على تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر شرعي.
أ-قال تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً).
ب-وقَالَ تَعَالَى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ هُمْ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا.
ج-وقَالَ تَعَالَى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: إضَاعَتُهَا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَلَوْ تَرَكُوهَا لَكَانُوا كُفَّارًا.
قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا كانت مفروضةً في وقت معيَّن فتأخيرُها عن وقتها حرامٌ. وكذلك النَّبيُّ ﷺ وقَّتَ أوقاتَ الصَّلاة، وهذا يقتضي وجوبَ فعلها في وقتها.
وتأخيرها يشمَلُ تأخيرها بالكلِّيَّة؛ أو تأخيرَ بعضها، بحيث يؤخِّر الصَّلاة حتَّى إذا لم يبقَ إلاَّ مقدارُ ركعةٍ صلَّى، فإنَّه حرامٌ عليه؛ لأنَّ الواجبَ أن تقع جميعُها في الوقت.
قال ابن تيمية: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلَ، وَلَا يُؤَخِّرَ صَلَاةَ اللَّيْلِ إلَى النَّهَارِ لِشُغْلِ مِنْ الْأَشْغَالِ، لَا لِحَصْدِ وَلَا لِحَرْثِ وَلَا لِصَنَاعَةٍ وَلَا لِجَنَابَةِ. وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا صَيْدٍ وَلَا لَهْوٍ وَلَا لَعِبٍ وَلَا لِخِدْمَةِ أُسْتَاذٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؛ بَلْ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلِّيَ الْفَجْرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا يَتْرُكَ ذَلِكَ لِصَنَاعَةٍ مِنْ الصِّنَاعَاتِ، وَلَا لِلَّهْوِ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْغَالِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَمْنَعَ مَمْلُوكَهُ، وَلَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَ الْأَجِيرَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا.
وقال ﵀: فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لِجَنَابَةِ وَلَا حَدَثٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَقَدْ عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ خَافَ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ خَافَ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضِ أَوْ لِبَرْدِ. وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ عُرْيَانَا، وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ فِي ثِيَابِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُزِيلَهَا فَيُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ حَالِهِ. وَهَكَذَا الْمَرِيضُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي الْوَقْتِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) فَالْمَرِيضُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ قَاعِدًا أَوْ عَلَى جَنْبٍ، إذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ، وَلَا يُصَلِّي بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَائِمًا. وَهَذَا كُلُّهُ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَرْضٌ، وَالْوَقْتُ أَوْكَدُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ. (مجموع الفتاوى: ٢٢/ ٣٠).
стр. 302
• لكن إذا استيقظ الإنسان من نومه قبل طلوع الشمس وهو جنب، فإن اغتسل طلعت الشمس، وإن تيمم صلى بالوقت، هنا يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس.
قال ابن تيمية: وَإِذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ وَقْتِ الْفَجْرِ فَإِذَا اغْتَسَلَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ هُنَا يَقُولُونَ: يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: بَلْ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا هُنَا وَيُصَلِّي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ خَيْرٌ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَهُ بِالْغُسْلِ.
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
لِأَنَّ الْوَقْتَ فِي حَقِّ النَّائِمِ هُوَ مِنْ حِينِ يَسْتَيْقِظُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا)
، فَالْوَقْتُ فِي حَقِّ النَّائِمِ هُوَ مِنْ حِينِ يَسْتَيْقِظُ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا فِي حَقِّهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِسَالُ وَالصَّلَاةُ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِهَا فَقَدْ صَلَّى الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يُفَوِّتْهَا؛ بِخِلَافِ مَنْ اسْتَيْقَظَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْوَقْتَ فِي حَقِّهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّتَ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَذَكَرَهَا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ. (مجموع الفتاوى: ٢٢/ ٣٦).
(إلا لناوٍ جمعَها).
أي: يستثنى من تحريم تأخير الصلاة، من يحق له الجمع كالمسافر والخائف، فيؤخر الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء.
(أو مشتغلٍ بشرطِها).
وهذا أيضاً مما يستثنى من تأخير الصلاة عن وقتها، وهو من يشتعل بشرط الصلاة الذي يحصله قريباً.
مثاله: إنسان انشقَّ ثوبه فصار يخيطُه فحانَ خروجُ الوقت، فإن صَلَّى قبل أن يخيطَه صلَّى عُرْياناً، وإن انتظر حتَّى يخيطَه صلَّى مستتراً بعد الوقت، فهذا تحصيلُه قريب، فهنا يجوز أن يؤخِّرها عن وقتها، أمَّا إذا كان بعيداً فلا.
ومثله لو وصل إلى الماء عند غروب الشَّمس، فإن اشتغل باستخراجه غربتِ الشَّمسُ، فله أن يؤخِّرها عن وقتها، لأنَّه اشتغل بشرطٍ يُحصِّلُه قريباً، وهو استخراج الماء من البئر، وإن كان يحتاج إلى حفر البئر فلا يؤخِّرها، لأن هذا الشَّرطَ يُحصِّله بعيداً.
стр. 303
وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في المشهور، واختاره ابن قدامة.
أ- لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ب- أن الصلاة لا تصح إلا بشروطها ما دام قادراً عليها أو على بعضها، فمتى كان شرطاً مقدوراً عليه وجب الاشتغال بتحصيله.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز أن يؤخرها في هذه الحالة، فيصلي الصلاة في وقتها ولو بالتيمم عارياً إذا لم يمكنه تحصيل الماء لطهارته، والثوب لستر عورته إلا بعد خروج الوقت.
وبهذا قال زفر، وبعض الحنفية، واختاره ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً).
ب- قوله ﷺ (الصلاة ما بين هذين الوقتين).
وجه الدلالة: أن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت آكد فرائض الصلاة، فيجب على العبد أن يصلي في الوقت كما أمر بحسب الإمكان، فما قدر عليه من شروط الصلاة فعله، وما عجز عنه سقط عنه.
قال ابن تيمية: … إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد قَالُوا يَشْتَغِلُ بِتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ. وَهَكَذَا قَالُوا فِي اشْتِغَالِهِ بِخِيَاطَةِ اللِّبَاسِ وَتَعَلُّمِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، بَلْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ سَقَطَ عَنْهُ.
وهذا القول هو الراجح.
(ويقضي من زال عقلُه بنوم).
أي: من نام عن الصلاة فإنه يجب عليه أن يقضيها إذا استيقظ.
قال الشوكاني: أجمع العلماء على وجوب قضاء الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان.
أ- لحديثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ " أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) متفق عليه.
وَلِمُسْلِمٍ (مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا. فَكَفَّارَتُهَا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا).
ب-ولأن النبي ﷺ قضى صلاة الفجر لما نام عنها في السفر.
ج-وعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى قال لبلال: اكلأ لنا الليل فصلى بلال
ما قدر له ونام رسول الله ﷺ وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ رسول ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس … الحديث - وفيه: قال رسول الله ﷺ اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى الصبح فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصليها إذا ذكرها).
стр. 304
وفي رواية (فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، قال ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين. ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة).
فائدة: إن قال قائل: أليس النبي ﷺ لما أستيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكان آخر؟
فالجواب: أن النبي ﷺ علل بقوله (هذا منزل حضرنا فيه الشيطان)، فلا ينبغي أن يصلى في أماكن حضور الشياطين.
قال القرطبي: أخذ بهذا بعض العلماء فقال: من انتبه من نوم عن صلاة فائتة في سفر، فليتحول عن موضعه، وإن كان وادياً فيخرج عنه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه.
وقال غيره: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان استحب له التحول عنه، ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر.
• اختلف العلماء لو فاتت الصلاة بغير عذر؛ هل تقضى أم لا مع الاتفاق أنه آثم؟ على قولين:
القول الأول: أنه يقضيها.
وبه قال أكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وحكي إجماعاً ورده ابن رجب وابن القيم.
أ-لقوله ﷺ (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها).
قال النووي: فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
ب- قوله تعالى (وأقم الصلاة لذكري) وقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله ﷺ (خمس صلوات افترضهن الله … ).
وجه الدلالة: أن هذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الصلاة، فلا يجوز إسقاطها إلا ببرهان نص أو إجماع.
ج- أن النبي ﷺ أمر من أفطر بالجماع في رمضان عمداً أن يقضي يوماً مكانه (كما عند أبي داود) ويقاس عليه الصلاة، بجامع أن كلاً منهما أخّر عبادة عظيمة من أركان الإسلام عن وقتها المحدد عمداً، فإذا جاز القضاء لأحدهما جاز للآخر ولا فرق.
د- أن النبي ﷺ أمر بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، مما يدل على أن صلاتهم صحيحة مجزئة - مع إيقاعهم للصلاة في غير وقتها - وإن كانوا آثمين بالتأخير، وقد نهى النبي ﷺ عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، فسمى صلاتهم صلاة.
القول الثاني: أنه لا يقضي.
وبه قال بعض السلف، وهو مذهب أهل الظاهر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية واختاره الشيخ ابن عثيمين، ومال إليه ابن رجب وابن القيم.
أ- لقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ).
ب- ولقوله تَعَالَى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
وجه الدلالة: أن تأخيرها عن وقتها من السهو عنها، وهو أيضاً من إضاعتها، فتوعد الله سبحانه من فوّت الصلاة عن وقتها بوعيد تاركها، ولو كان العامد لترك الصلاة مدركاً لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل، ولا لقي الغيّ، كما لا ويل ولا غي لمن أخرها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركاً لها.
ج- قوله ﷺ (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) رواه البخاري.
د- قوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن تأخير الصلاة عن وقتها إحداث عمل ليس عليه أمر الرسول ﷺ فيكون مردوداً، وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة فليست بصحيحة ولا مقبولة.
هـ- القياس على من صلاها قبل الوقت، إذ لا فرق بين من صلاها قبل الوقت وبين من صلاها بعده، فكلاهما صلى في غير الوقت، فكما لا تصح قبله لا تصح بعده، لقوله ﷺ (الصلاة ما بين هذين الوقتين). … والله أعلم.
стр. 305
(أو إغماء).
أي: ويقضي من زال عقله بإغماء.
وهذا المذهب، واستدلوا:
أ-عن عمار بن ياسر (أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق في بعض الليل فقضاهن) رواه عبد الرزاق.
ب-قياساً على النوم.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب عليه القضاء.
وهذا مذهب مالك، والشافعي.
لقوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فهذا المغمى عليه جميع الوقت لم يدرك ركعة من الصلاة.
وهذا القول هو الصحيح، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
وقياس المغمى على النائم قياس غير صحيح، لأن النائم ينام باختياره، ويمكن أن يوقظ، لكن المغمى عليه لا يمكن أن يوقظ لأنه لا يشعر، فهو شبيه بالمجنون، وهناك من تطول مدة إغمائه وخاصة في هذا العصر.
وقال بعضهم: إن أغمي خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل.
وهذا قول أبي حنيفة.
• فائدة: اعلم أن الخلاف في المغمى عليه فقط، أما غيره:
o فالمجنون لو عقل بعد خروج الوقت لا يلزمه القضاء بلا خلاف.
o الصبي إذا بلغ بعد خروج الوقت لا يلزمه القضاء إجماعاً.
o الكافر إذا خرج وقت الصلاة ولم يصلِّ، ثم أسلم بعد خروج وقت الصلاة، فإنه لا يلزمه القضاء بلا خلاف.
• إذا غاب عن الوعي باختياره، كمن أخذ البنج أو المادة المنوّمة لإجراء عملية مثلا، فهذا يلزمه القضاء.
وإلى هذا ذهب الحنابلة، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قال في (الإنصاف) أما إذا زال عقله بشرب دواء، يعني مباحاً، فالصحيح من المذهب: وجوب الصلاة عليه. وعليه جماهير الأصحاب. وقيل: لا تجب عليه … وقال المصنف في المغني، ومن تبعه: من شرب دواء فزال عقله به: فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً، فهو كالإغماء، وإن تطاول فهو كالمجنون.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إذا أغمي على المريض وفقد الوعي فإنه لا صلاة عليه … فلو قدر أن المريض أغمي عليه لمدة يوم أو يومين أو شهر أو شهرين ثم أفاق فإنه لا قضاء عليه، ولا يمكن أن يقاس الإغماء على النوم؛ لأن النائم يمكن أن يستيقظ إذا أوقظ، والمغمى عليه لا يمكن، فهو في حال بين الجنون وبين النوم، والأصل براءة الذمة، وعلى هذا فيكون من أغمي عليه لمرض أو حادث فإنه لا يقضي الصلوات قلّت أو كثرت، أما إذا أغمي عليه للبنج الذي استعمله باختياره ولكنه لم يصح بعد البنج إلا بعد يومين أو ثلاثة فعليه أن يعيد الصلاة؛ لأن هذا حصل باختياره.
стр. 306
(أو سكر).
أي: أن السكران يقضي ما فاته حال سكره.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً.
وقال ابن عبد البر: وكل صلاة تركها السكران أو صلاها أو بعضها في حالة سكره وتمكن الخمر من رأسه فعليه قضاؤها. اهـ
• اتفق العلماء على عدم صحة صلاة السكران وقت سكره، وجماهير العلماء على إيجاب القضاء عليه لما فاته حال سكره.
• قال ابن تيمية: صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق، بل ولا يجوز أن يُمكّن من دخول المسجد.
• جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في عقوبة من شرب الخمر وأنه لا تُقبل صلاته أربعين يوماً، وقد ورد هذا من حديث عمرو بن العاص، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو.
من هذه الأحاديث ما رواه ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَدَغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّار).
وليس معنى عدم قبول الصلاة أنها غير صحيحة، أو أنه يترك الصلاة، بل المعنى أنه لا يثاب عليها. فتكون فائدته من الصلاة أنه يبرئ ذمته، ولا يعاقب على تركها.
قال أبو عبد الله ابن منده: " قوله " لا تقبل له صلاة " أي: لا يثاب على صلاته أربعين يوماً عقوبة لشربه الخمر، كما قالوا في المتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب إنه يصلي الجمعة ولا جمعة له، يعنون أنه لا يعطى ثواب الجمعة عقوبة لذنبه.
وقال النووي: وَأَمَّا عَدَم قَبُول صَلاته فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لا ثَوَاب لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَة فِي سُقُوط الْفَرْض عَنْهُ، وَلا يَحْتَاج مَعَهَا إِلَى إِعَادَة.
وهذه العقوبة على شارب الخمر إنما هي لمن لم يتب، أما من تاب وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه ويتقبل منه أعماله. كما في الحديث السابق: (فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ). وكما قال النبي ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). رواه ابن ماجه
стр. 307
باب الأذان والإقامة
تعريفه:
الأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ … ) أي: إعلام من الله ورسوله.
وشرعاً: إعلام بحلول فعل الصلاة.
• وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ).
والسنة أحاديث كثيرة ستأتي إن شاء الله.
وأجمعت الأمة على أن الأذان مشروع للصلوات الخمس. [قاله ابن قدامة].
• والصحيح أن الأذان شرع في المدينة في السنة الأولى ولم يكن قد شُرع بمكة.
ويدل لذلك: حديث ابْن عُمَر: أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ يُنَادِى بِهَا أَحَدٌ فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِى بِالصَّلَاةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاة) متفق عليه.
وهذا يدلُّ على: أنَّ الأذان لم يكن قد شرع في مكَّة قبل الهجرة، لأنَّه لو كان مشروعًا، ما فعل الصحابة ذلك.
• قال ابن حجر: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث.
• وقد شرع برؤية رآها عبد الله بن زيد بن ربِهِ وأقره النبي ﷺ عليها.
عن عبد الله بن زيد بن ربه قال (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يًعمل ليُضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل
ناقوساً في يده، فقلت يا عبد الله! أتبيع الناقوس، قال: وما تصنع به، فقلت ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلكَ على ما هو خير لك من ذلك، فقلت له: بلى، فقال، تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أن محمداً رسول الله، اشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلتُ أُلقيهِ عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيت مثلَ ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد) رواه أبوداود.
стр. 308
• الحكمة من الأذان:
ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة. [شرح النووي].
(الأذان فضله عظيم).
حيث جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان فضله.
أ-عن مُعَاوِيَةُ. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيَامَة) رواه مسلم.
ب-وعَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) متفق عليه.
ج-وعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) متفق عليه.
د-وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ. قال: قال ﷺ ( … فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة) رواه البخاري.
• قوله (أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيَامَة)؟
قيل: أكثر الناس تشوقاً إلى رحمة الله.
وقيل: إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء والعرب تصف السادة بطول العنق. [شرح النووي].
• قوله (ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) لماذا يهرب الشيطان عند سماع الأذان؟
قيل: لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة.
وقيل: إنما يُدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه.
وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. [شرح النووي].
стр. 309
• اختلف العلماء: أيهما أفضل الإمامة أو الأذان على قولين؟
القول الأول: أن الأذان أفضل.
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين.
أ- واستدلوا بالأحاديث التي سبقت والتي تدل على فضل الأذان.
ب-ولأن الأذان أشق.
القول الثاني: أن الإمامة أفضل.
وهو مذهب الحنفية والمالكية.
أ-لقول النبي ﷺ : (فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم).
ب-أن النبي ﷺ تولاها بنفسه، وكذلك خلفاؤه، ولم يتولوا الأذان، ولا يختارون إلا الأفضل.
ج-ولأن الإمامة يُختار لها من هو أكمل حالاً وأفضل.
وأجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني:
قالوا: كون النبي ﷺ لم يقم بمهمة الأذان ولا خلفاؤه الراشدون يعود السبب فيه لضيق وقتهم عنه، لانشغالهم بمصالح المسلمين التي لا يقوم بها غيرهم، فلم يتفرغوا للأذان، ومراعاة أوقاته.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لولا الخلافة لأذَّنتُ. (الموسوعة الفقهية).
وقال الشيخ ابن عثيمين: وإنما لم يؤذن رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون؛ لأنهم اشتغلوا بأهم من المهم، لأن الإمام يتعلق به جميع الناس فلو تفرغ لمراقبة الوقت لانشغل عن مهمات المسلمين.
стр. 310
• جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ هَل الأْذَانُ أَفْضَل أَمِ الإْمَامَةُ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّ الإْمَامَةَ أَفْضَل مِنَ الأْذَانِ.
لأِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ، وَلَمْ يَتَوَلَّوُا الأْذَانَ، وَهُمْ لَا يَخْتَارُونَ إِلاَّ الأْفْضَل، وَلأِنَّ الإْمَامَةَ يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ أَكْمَل حَالاً وَأَفْضَل.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأْذَانَ أَفْضَل مِنَ الإْمَامَةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِل صَالِحًا).
قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂: نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِينَ.
وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأْوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا).
وَقَوْلِهِ ﷺ (الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَل النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَة).
وَلِقَوْلِهِ ﷺ (الإْمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأْئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ).
وَالأْمَانَةُ أَعْلَى وَأَحْسَنُ مِنَ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنَ الإْرْشَادِ.
قَالُوا: كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقُمْ بِمُهِمَّةِ الأْذَانِ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَعُودُ السَّبَبُ فِيهِ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ، لاِنْشِغَالِهِمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلأْذَانِ، وَمُرَاعَاةِ أَوْقَاتِهِ.
قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لأَذَّنْتُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضْل.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الإْمَامَةِ وَجَمِيعِ خِصَالِهَا، فَهِيَ أَفْضَل، وَإِلاَّ فَالأْذَانُ أَفْضَل.
стр. 311
• هل أذن النبي ﷺ -؟
قيل: أذن مرة في السفر.
لحديث يعلى بن بسرة: (أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر فانتهوا إلى مضيق فحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته وأقام … ) رواه الترمذي.
وقيل: لم يباشر الأذان.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما الحديث السابق فهي رواية مختصرة، وقد جاءت رواية أخرى بلفظ (فأمر المؤذن فأذن وأقام).
فعرف أن معنى قوله (فأذن) أمر به.
(والأذان والإقامة فرضا كفاية).
أي: أن الأذان والإقامة حكمهما فرض كفاية (فإذا كانوا في بلد وأذن بعض الناس الذين تقوم بهم الكفاية، فإن هذا يكفي).
أ-لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم … ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ب-ولحديث أبي الدرداء. قال: قال رسول الله ﷺ (ما من ثلاثة في قرية لا يؤَذَّنُ ولا تُقام فيهِم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان) رواه أبو داود. فترك الأذان استحواذ من الشيطان فيجب تجنبه.
ج-وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَاناً أَمْسَكَ وَإِلاَّ أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَى الْفِطْرَةِ». ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ». فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِى مِعْزًى) رواه مسلم.
стр. 312
فدل الحديث على أن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر.
وهذا القول هو الصحيح، وهو أنه فرض كفاية، (فإذا كانوا في بلد وأذن بعض الناس الذين تقوم بهم الكفاية، فإن هذا يكفي).
والدليل كونه فرض كفاية قوله ﷺ لمالك بن الحويرث (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) وهذا يدل على أنه يكتفَى بأذان واحد، ولا يجب الأذان على كل أحد.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه سنة.
وهو مذهب الحنفية والشافعية. واستدلوا:
أ-بحديث المسيء في صلاته، قالوا: فالنبي ﷺ أمر الأعرابي باستكمال شروط وأركان الصلاة وواجباتها، ولم يذكر معها الأذان والإقامة.
ب-وأن الأذان ثبت عن مشورة حتى تقرر برؤيا عبد الله بن زيد، وليس هذا من صفات الواجبات، وإنما هو من صفات المندوبات.
(على الرجال).
أي: فلا يجب على النساء، ولا على الصغار.
• واختلف العلماء لو أذّنت المرأة وأقامت لجماعة النساء أو لنفسها على أقوال:
قيل: يكره لهن الأذان والإقامة.
وهذا مذهب الحنابلة.
وقيل: يكره لهن الأذان وتستحب الإقامة.
وقيل: يستحب لهن الأذان والإقامة.
وقيل: يباح لهن الأذان والإقامة مع خفض الصوت.
وهذا أرجح.
стр. 313
• وقوله (على الرجال) أي: يجب على الجماعة، (اثنان فأكثر) فلا يجب على المنفرد لكنه يستحب في حقه.
لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم، يخاف شيئاً، قد غفرت له، وأدخلته الجنة). رواه أبو داود
قال الشيخ ابن عثيمين: الأذان والإقامة للمنفرد سنة، وليسا بواجب؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، ولكن نظراً لأن الأذان ذكر لله ، وتعظيم، ودعوة لنفسه إلى الصلاة وإلى الفلاح.
قال الشوكاني: والحديث يدل على شرعية الأذان للمنفرد فيكون صالحاً لرد قول من قال: إن شرعية الأذان تختص بالجماعة.
(المقيمين).
أي: فالمسافرون لا يجب عليهم الأذان.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوبه.
واختاره الشيخ السعدي.
لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه لما أرادوا السفر (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم … ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
قال الشيح محمد بن عثيمين مرجحاً هذا القول: الصحيح أن الأذان للمسافر واجب … ثم ذكر حديث مالك السابق … حيث أمرهم النبي ﷺ بالأذان، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان حضراً ولا سفراً.
стр. 314
(للصلوات الخمس ولو مقضية).
أي: أن الأذان خاص بالصلوات الخمس المكتوبة، فلا يجب لغيرها، كالوتر، والسنن، والعيد، والاستسقاء، والكسوف.
أ- لأنه لم يؤذن على عهد رسول الله ﷺ لغير الصلوات الخمس المفروضة.
ب- أن المقصود من الأذان الإعلام بوقت الصلاة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غير المكتوبة.
• قوله (ولو مقضية)
أي: ولو كانت الصلاة قضاء، فإنه يسن لها الأذان.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.
أ-لحديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ (سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ قَالَ مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ، فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى) متفق عليه.
حيث أن النبي ﷺ أذن وقد فاتتهم الصلاة.
ب-ولقوله ﷺ (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم … ) وهذا يشمل حضورها في الوقت، وحضورها بعد الوقت.
ج-ولأن الأذان من سنن الصلاة المفروضة، فاستوى حاله في الوقت وغيره كالإقامة.
تنبيه: وهذا إذا كان من فاتتهم الصلاة حتى خرج وقتها في مكان لم يؤذن فيه كالصحراء، أما إذا كانوا في البلد فيكتفَى بأذان البلد، لأنه حصلت به الكفاية.
• فائدة: العبادة توصف بثلاثة أوصاف:
أداء: ما فعل في وقته أولاً.
قضاء: ما فعل بعد الوقت.
إعادة: ما فعل في الوقت ثانياً لخلل في الأولى.
(وتحرم أجرَتُهما، لا رَزق من بيت المال لعدم متطوع).
أي: يحرم على الإنسان أن يؤذن بعقد إجارة فإن فعل فهو آثم، بأن يستأجر شخصاً يؤذن ويقيم.
стр. 315
وهذه المسألة لها أحوال:
أ- اتفق الفقهاء على جواز أخذ الأجرة على الأذان إذا كان ذلك من بيت المال، إلا أن الشافعية والحنابلة قيدوا ذلك بعدم وجود متبرع.
وإنما كان جائزاً إذا كان من بيت المال لأمور:
أولاً: أن ما يأخذه من بيت المال ليس عوضاً وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة.
ثانياً: أن بالمسلمين حاجة إلى الأذان والإقامة وقد لا يوجد متطوع بهما، وإذا لم يدفع الرزق فيهما تعطّلتا.
ثالثاً: أن بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح.
ب- أخذ الأجرة على الأذان من غير بيت المال، فهذه اختلف العلماء فيها على أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وبه قال أبو حنيفة.
أ-لقوله تعالى (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
ب- ولحديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ اِجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
ج-ولأن الأذان قربة لفاعله، لا يصح إلا من مسلم، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه كالصوم والصلاة.
وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن أخذ الأجرة على القُرَب يفوّت الأجر بالاتفاق.
القول الثاني: أنه يجوز.
وهذا مذهب المالكية والشافعية.
أ-لحديث أبي محذورة وما جاء في تعليم النبي ﷺ له الأذان، وفيه: ( … ثم دعا لي حين قضيت التأذين فأعطاني صُرةً فيها شيء من فضة) رواه أحمد والنسائي.
وقالوا: إن حديث (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) محمول على الندب والورع.
لكن أجاب أصحاب القول الأول عن حديث أبي محذورة: أن النبي ﷺ أعطاه صرة من فضة تأليفاً لقلبه وليس أجرةً على أذانه.
القول الثالث: أنه لا يجوز إلا في حالة الحاجة من غير شرط. (كأن يكون الآخذ فقيراً).
واختار هذا ابن تيمية.
стр. 316
وعللوا المنع بحديث عثمان بن أبي العاص.
وعللوا الجواز في حالة الحاجة: بقلة من يقوم بالأذان حسبة لله تعالى، فبمراعاته للأوقات والاشتغال به يقلّ اكتسابه عما يكفيه لنفسه وعياله، فيأخذ الأجرة لئلا يمنعه الاكتساب عن إقامة هذه الوظيفة الشريفة.
قال ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال الماضية: وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ - وَهُوَ أَقْرَبُ - قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا لِلَّهِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بَلْ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ وَهَذَا فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَانَ هُوَ مُخَاطَبًا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا.
ج-هل يجوز للمسلمين أن يعيّنوا شخصاً يؤذن فيهم ويُجمع له راتب؟
نعم، لا بأس بشرط ألا يشارطهم ويقول: لا أؤذن إلا بكذا وكذا.
(والأذان خمس عشرة كلمة يرتلها على علو).
أي: أن عدد جمل الأذان (١٥) جملة لا ترجيع فيها.
لحديث عبد الله بن زيد فإنه فيه الأذان: ١٥ جملة يسمى أذان بلال، لأن النبي ﷺ أمر بلال أن يلقيه.
عن عَبْدِ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ (لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ
أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَلِلَّهِ الْحَمْد). رواه أبو داود
стр. 317
وذهب بعض العلماء: إلى أنه ١٩ جملة بالتكبير في أوله أربعاً مع الترجيع.
لحديث أبي محذورة كما عند أبي داود (بتربيع التكبير).
عن أبي مَحْذُورَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً: الأَذَانُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَالإِقَامَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه ١٧ جملة.
وهذا مذهب مالك.
التكبير مرتين في أوله مع الترجيع.
لحديث أبي محذورة كما في رواية مسلم.
عَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ - ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ - مَرَّتَيْنِ - حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ - مَرَّتَيْنِ». زَادَ إِسْحَاقُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) رواه مسلم.
والراجح أن كل هذا وردت به السنة فينبغي أن يؤذن بهذا مرة وبهذا مرة إن لم يحصل تشويش.
فالقاعدة: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن تنوع، ففيها:
حفظاً للسنة، وحضوراً للقلب، وحفظاً للشريعة.
стр. 318
• (الترجيع) هو: أن يقول الشهادتين بصوت منخفض يُسمع من كان بقربه، ثم يقولهما بصوت مرتفع كسائر جمل الأذان.
اختلف العلماء في حكم الترجيع في الأذان على أقوال:
القول الأول: أنه سنة.
وهذا مذهب مالك الشافعي.
لحديث أبي محذورة، فإن فيه الترجيع.
القول الثاني: أنه غير مشروع.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لحديث عبد الله بن زيد، فهو أصل في مشروعية الأذان، وليس فيه ذكر الترجيع، فالأخذ به أولى، لأن بلالاً كان يؤذن به مع رسول الله ﷺ سفراً وحضراً.
القول الثالث: فعله سنة وتركه سنة.
وهذا مذهب أحمد وإسحاق ورجحه ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن عثيمين.
عملاً بجميع الأحاديث.
قال ابن تيمية: فكل واحد من أذان بلال وأبي محذورة سنة، فسواء رجّع المؤذن أو لم يرجّع … فقد أحسن واتبع السنة.
وهذا القول هو الراجح، لأن هذا من التنوع في العبادات.
• قوله (يرتلها) أي: يقولها جملة جملة.
هذا المذهب.
أن السنة أن يقف المؤذن على كل تكبيرة ويؤديها بنَفَس واحد.
أ-لحديث جابر. أن رسول الله ﷺ قال لبلال (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) رواه الترمذي وهو ضعيف.
وجه الدلالة: قالوا: إن الترسل هو التأني والتمهل، وهذا لا يكون إلا بالوقف بعد نهاية كل جملة.
ب-ولحديث أبي محذورة قال (ألقىَ عليّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه فقال قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … ). رواه أبو داود
стр. 319
وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة أن يقرن بين التكبيرتين، فيصل كل تكبيرتين بصوت واحد وبنفس واحد.
وهذا قول الحنفية الشافعية ورجحه الألباني.
أ-لحديث أنس قال (أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ اَلْآذَانَ … ).
ب- ولحديث عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّة). رواه مسلم
فهذا ظاهره أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين، وأن السامع يجيبه كذلك.
والله أعلم.
(والإقامة إحدى عشرة كلمة).
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أن عدد ألفاظ الإقامة (إحدى عشرة جملة) [ما عدا التكبير في أولها وآخرها وقول: قد قامت الصلاة، فهي مثنى].
أ-لحديث عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان وفيه ( … ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ .. ).
ب- ولحديث أَنَس قَالَ: (أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ اَلْآذَانَ، وَيُوتِرَ اَلْإِقَامَةَ، إِلَّا اَلْإِقَامَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ اَلصَّلَاةُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ اَلِاسْتِثْنَاءَ، وَلِلنَّسَائِيِّ: (أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِلَالاً).
فقوله (وَيُوتِرَ اَلْإِقَامَةَ) معناه: يأتي بها وتراً ولا يثني بخلاف الأذان.
وقد استشكل: عدم استثناء التكبير في الإقامة فإنه يثنى كما في حديث عبد الله بن زيد، وأجيب: بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان، فإن التكبير في أول الأذان أربع.
وقوله (إِلَّا اَلْإِقَامَةَ): يعني إلا لفظ: قد قامت الصلاة، فإنه لا يوترها بل يثنيها.
وذهب بعض العلماء: أن عدد ألفاظها (سبع عشرة جملة) [التكبير في أولها أربعاً، وبقية ألفاظها مثنى ما عدا: لا إله إلا الله].
стр. 320
وهذا قول الحنفية.
لحديث أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه) رواه أبو داود.
وذهب بعضهم: أن عدد ألفاظها (١٠). [كلها مفردة ما عدا التكبير في أولها وآخرها].
هذا مذهب مالك.
لحديث أنس السابق ( … وَيُوتِرَ اَلْإِقَامَة … ).
فالحديث صرح بأن الإقامة وتر، فدل على أن قول (قد قامت الصلاة) يكون مفرداً.
والجواب عن هذا: بأن للحديث روايات أخرى صحيحة اشتملت على زيادة وهي قوله (إلا الإقامة) وهذا يدل على أنها مستثناة من الإيتار لكونها تثنى.
والراجح - والله أعلم - أن يقال بأن القول الأول والثاني كلاهما صحيح، وأن الاختلاف فيهما محمول على الإباحة والتخيير، كالاختلاف في الترجيع ورجح هذا القول ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني.
(ويكونُ المؤذنُ صيتاً أميناً عالماً بالوقت).
هذه بعض الصفات التي تنبغي بالمؤذن:
(صيتاً) أي: رفيع الصوت.
قال النووي: الصِّيت بتشديد الياء، هو: شديد الصوت ورفيعه.
أ- لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد ( … فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ … ).
وفي رواية للترمذي بلفظ (فقم مع بلال، فإنه أندى أو أمد صوتاً منك).
والمراد بقوله (أو أمد صوتاً منك) أي: أرفع صوتاً منك.
واختار ﷺ أبا محذورة للأذان لكونه صيتاً.
следующие страницы →