← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

والخاتم من الحديد لا يساوي شيئاً. وقد ذهب بعض العلماء: أن أقل الصداق عشرة دراهم. وهذا مذهب أبي حنيفة. لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم) رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف. وذهب بعضهم: إلى أن أقله ربع دينار. وهذا مذهب مالك. قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص. فائدة: لا حد لأكثر الصداق. قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون كثيراً. لقوله تعالى (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً). (الكافي). قال القرطبي: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ. (بداية المجتهد). جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ لأِكْثَرِ الْمَهْر. (وأن يكون معلوماً). أي: يجب أن يكون المهر معلوماً. فإن اتفقا على مهر مجهول لم يصح، ووجب للزوجة مهر المثل.

стр. 2557

مثال: لو قال أعطيك أحد دوري، أو أحد عبيدي، فلها مهر المثل. قال ابن قدامة: ولا يصح الصداق إلا معلوما، وهذا مذهب الشافعي. وقال الشيخ ابن عثيمين: لو أصدقها شيئاً مجهولاً فلا يجوز، ولها مهر المثل. (وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ لَمْ يَصِح). أي: إن جعل صداقها أن يعلمها القرآن لم يصح. أ-لقوله تعالى (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ … ). ب- وقال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَات … )، فالفروج لا تستباح إلا بالأموال. ج-وروي أن رسول الله ﷺ زوج امرأة على سورة من القرآن، ثم قال (لا تكون لأحد بعدك مهراً) رواه سعيد بن منصور ولا يصح. د- وقالوا: إن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة، فلا يجوز أن يكون صداقاً كالصلاة. هـ-أن تعليم القرآن أمر يختلف ولا ينضبط فأشبه المجهول، والمجهول لا يصح جعله مهراً. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز. وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم. لحديث الواهبة نفسها وفيه (قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ). والراجح - والله أعلم - أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقاً إذا كان المال متيسراً على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقاً، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الواهبة، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقاً لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال ولم يجد شيئاً.

стр. 2558

فائدة: قال ابن قدامة: فإن قلنا بجوازه فأصدقها تعليم بعض القرآن فمن شرطه تعيين ذلك البعض لأن التعليم والمقاصد تختلف باختلافه. (الكافي) (وَمَتَى بَطَلَ المُسَمَّى وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ). هذه قاعدة: إذا بطل المسمى لأي سبب فلها مهر المثل. ويبطل المسمى: إما لجهالته، أو لعدم ماليته، أو لكونه مغصوباً. لجهالته: لو أصدقها عبد آبق لم يصح، ولها مهل المثل. لعدم ماليته: كأن يصدقها شيئاً محرماً كخمر. فإذا بطل المسمى وجب مهر المثل. وقد تقدم في حديث ابن مسعود في امرأة عقد عليها زوجها ثم مات ولم يسم لها صداقاً فقال (لها مهر مثلها) رواه أبو داود. - والمراد بمثلها: ما اعتاد الناس أن يدفعوه مهراً لأمثال هذه المرأة من قريباتها. (وَإِذَا أُجِّلَ الصَّدَاقُ أَوْ بَعْضُهُ صَح). أي: يَجُوز أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مُعَجَّلًا، وَمُؤَجَّلًا، وَبَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ. (المغني). مثال: قال لكِ خمسة آلاف حالة وخمسة آلاف مؤجلة إلى سنة، فإن هذا التأجيل يصح. - لكن الأولى عدم التأجيل: لقصة الواهبة، فإن النبي ﷺ قال للرجل (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم يقل النبي ﷺ يبقى في ذمتك.

стр. 2559

(فَإِنْ عَيَّنَا أَجَلاً أُنِيط به، وَإِلاَّ فَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ). أي: إذا عيّن الزوج والزوجة أجلاً معيناً للصداق تعين به. وإن لم يعينا فمحله ومكانه الفرق بموت أو طلاق. قال ابن القيم: تأجيل جزء من المهر وحكم المؤجل … الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وان لم يسميا أجلاً، بل قال الزوج مائة مقدمة ومائة مؤخرة؛ فإن المؤخر لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة. هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل، لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة. واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد. (إعلام الموقعين). قال الشيخ ابن عثيمين: الصداق المؤجل جائز ولا بأس به، فإذا اشترط الرجل تأجيل الصداق أو بعضه فلا بأس، ولكن يحل إن كان قد عين له أجلاً معلوماً، فيحل بهذا الأجل، وإن لم يؤجل فيحل بالفرقة: بطلاق، أو فسخ، أو موت، ويكون دَيْنًا على الزوج يطالب به بعد حلول أجله في الحياة، وبعد الممات كسائر الديون. … (مجموع الفتاوى). فإن مات الزوج أولاً: حق للزوجة أن تأخذ من تركته مؤخر صداقها، قبل إخراج وصيته، أو توزيع تركته على الورثة، ثم تأخذ نصيبها من التركة كاملاً، إن بقي شيء فيها. وإن كانت الزوجة هي التي ماتت قبل زوجها: فلورثتها أن يأخذوا نصيبهم في مؤخر الصداق، كغيره من أموالها، ويوزع عليهم بحسب نصيبهم في الميراث، بمن فيهم الزوج.

стр. 2560

الخلاصة: أن المهر المؤجل لا يخلو من أمرين: الأول: أن يعين الأجل، مؤجل إلى مدة سنة أو إلى سنتين، فيرجع إلى هذا الاتفاق. والثاني: أن يكون مؤجلاً ويطلق، فيحل إذا حصلت الفرقة، إما بموت إذا مات الزوج حل المهر، أو طلقها طلاقاً بائناً حل المهر. (وَإِنْ وَجَدَتِ المُبَاحَ مَعِيباً خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَقِيمَتِه). أي: وإن وجدت المرأة المهر معيباً فإنها تخيّر بين أمرين: بين أرشه وقيمته. مثال: هذا رجل أصدقها بعيراً، ثم وجدته يعرج، فنقول لك الخيار، إن شئت أخذت القيمة، وإن شئت أخذت الأرش، فتأخذ القيمة إذا ردته إلى زوجها، وإن أبقته فلها الأرش، فيقال: هذا البعير يساوي لو كان سليماً مائة، ومعيباً ثمانين، فتعطى عشرين. - والمراد بالعيب ما تنقص به قيمة المبيع. - والأرش هو فرق ما بين القيمتين معيباً وسليماً. (ويصح على ألف لها وألف لأبيها ويملكه بقبضه). أي: إذا قال الأب في النكاح مهرها ألف لي وألف لها، فهذا صحيح. لماذا صحيح؟ لقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇ (إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) فَجَعَلَ الصَّدَاقَ الْإِجَارَةَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ.

стр. 2561

وَلِأَنَّ لِلْوَالِدِ الْأَخْذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ (أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ). فَإِذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ، يَكُونُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ، وَلَهُ ذَلِكَ. (المغني). وذهب بعض العلماء: أنه لا يجوز للأب أن يشترط شيئاً من مهر ابنته. قال الشيخ ابن عثيمين: والذي تؤيده السنة أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئاً من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء، أو الأم، أو الخالة، أو ما أشبه ذلك شيئاً من باب الإكرام، فلا بأس به، كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئاً لنفسه. (تفسير سورة النساء). (وإن شرط لغير الأب فلها المسمى كله). أي: غير الأب لا يجوز أن يشترط شيئاً من المهر. قال ابن قدامة: إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَجَمِيعُ الْمُسَمَّى لَهَا. (المغني) قال الشيخ ابن عثيمين: المهر أو الصداق أو الجهاز أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالة على العوض الذي تعطاه المرأة في مقابل نكاحها هذا مما يكون ملكاً للزوجة لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ولا يحل لأحد أن يشترط لنفسه منه شيئاً لا الأب ولا غيره ولكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يكرم أحداً من أقارب الزوجة بهدية فلا حرج وكذلك أيضاً إذا تم العقد واستلمت المرأة مهرها وأراد أبوها أن يتملك منه شيئاً فلا حرج عليه لأن النبي ﷺ يقول (أنت ومالك لأبيك) وأما جعل هذا شرطاً عند العقد بحيث يعرف أن لأبيها أو لأخيها أو من يتولى عقدها شيئاً مما جعل لها فإن ذلك حرام. (فتاوى نور على الدرب).

стр. 2562

فائدة: حكم الهدايا التي يقدمها الخطيب لمخطوبته؟ إذا تم فسخ الخطبة؟ الأصل تحريم الرجوع في الهدية والهبة، لما ورد في ذم ذلك والنهي عنه. عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ). فما يقدمه الخاطب لمخطوبته قبل العقد، قد يكون جزءاً من المهر، وقد يكون هدية من الهدايا، ويعرف ذلك بالتصريح، أو بالعرف، فالشبكة في بعض البلدان تكون جزءاً من المهر، ولهذا قد يقدم الخاطب قبلها خاتماً أو شيئاً يسيراً من الذهب هدية للمخطوبة. وبناء على هذا التفصيل ينبني الحكم: فإن كانت الشبكة جزءاً من المهر، وعُلم ذلك، بالتصريح، أو بجريان العرف في بلدك، فإن الشبكة تعود للخاطب عند فسخ الخطبة، سواء تم الفسخ من جهتها أو جهتك؛ لأن المهر لا يُستحق شيء منه إلا بالعقد، وإذا دُفع إلى المخطوبة كان أمانة في يدها حتى يتم العقد. وإن كانت الشبكة هدية من الهدايا، ففي حكمها خلاف: فقيل: الخاطب يسترد ما كان باقياً دون ما هلك أو استهلك. وهذا مذهب الحنفية. وقيل: إن كان الفسخ من جهته فليس له الرجوع، وإن كان الفسخ من جهتها فله الرجوع.

стр. 2563

وهذا قول للمالكية. لأنه في نظير شيء لم يتم. وقيل: له الرجوع. وهذا مذهب الشافعي. والراجح: أن الفسخ إن جاء من الخاطب، فليس له الرجوع والمطالبة بهداياه، وإن كان الفسخ من المخطوبة، فله المطالبة بذلك، لأن هديته ليست هبة محضة، وإنما هي هبة يراد منها العوض، وهو التزويج، فإذا لم يزوجوه جاز له الرجوع في الهبة. وإلى هذا ذهب المالكية في قول، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعزاه إلى أحمد ﵀. (الإسلام سؤال وجواب). (وَمَنْ زَوَّجَ بِنْتَهُ وَلَوْ ثَيِّباً بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ). أي: يصح للأب أن يزوج بنته - ولو كانت ثيباً - بدون مهر المثل. فإذا كان مهر مثيلاتها عشرة آلاف درهم، فزوجها بخمسة آلاف درهم، فإن هذا يصح. لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا وَيَصُونُهَا وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ الصَّدَاقِ إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِخِلَافِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْعِوَض. (كشاف القناع).

стр. 2564

(وَإِنْ زَوَّجَهَا بِهِ وَلِيٌّ غَيْرُهُ بِإِذْنِهَا صَحَّ). أي: وإن زوجها (به) أي: بدون مهر المثل (ولي غيره) أي: غير الأب، كالأخ أو العم، (بإذنها) وموافقتها صح. لأن الحق لها، وقد أسقطته. (الروض المربع). كما لو أذنت ببيع سلعتها بدون قيمتها. (حاشية الروض). (وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ فَمَهْرُ المِثْلِ). أي: فإن زوج الأخ (مثلاً) الأخت بخمسين ومهر مثيلاتها مائة ولم تأذن فيجب على الزوج مهر المثل على المذهب. لأنه عوض بضعها ولم تأذن بإسقاطه. جاء في (كشاف القناع) لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَسَادُ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمِهَا. (ويتقرر الصداق كاملاً بالموت) أي: ويتأكد ويتقرر المهر كاملاً للزوجة إذا مات زوجها (سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده). لحديث ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُود) رَوَاهُ أبو داود. فهذا الحديث دليل على أن المرأة تستحق كامل المهر بموت زوجها، فإن كان المهر مسمى فتستحقه كاملاً، وإن لم يسمى فإنه يفرض لها مثل صداق نسائها.

стр. 2565

فائدة: ١ ولعل هذا - والله أعلم - فيه جبر لخاطرها بما حصل من العقد دون الدخول بسبب الموت، وهو مصيبة بالنسبة لها، لما كانت ترجو من الخير وراء هذا الزواج. فائدة: ٢ وهذا الحديث اشتمل على حكمين آخرين أيضاً هما: أنه يجب عليها عدة الوفاة بالإجماع _ أربعة أشهر وعشرة أيام - وهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، مثل قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) فهي عامة في المدخول بها وغير المدخول بها. وأيضاً لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات، لأنها زوجة، والإرث يجب بمجرد العقد. (والدخول). أي: ويتقرر المهر كاملاً للزوجة بالدخول بالزوجة. قال ابن رشد: اتفق العلماء على أن الصداق يجب كله، بالدخول، أو الموت. لقوله ﷺ ( … ولها المهر بما استحللت من فرجها). (والخلوة) أي: إذا خلا بها ولم يمسها ثم طلقها، فإنه يتقرر المهر كاملاً. فإذا تم الطلاق قبل الدخول، لكن مع وقوع خلوة كاملة يتمكن من الدخول بها: فقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعي - في القديم من مذهبه - والحنابلة إلى لها المهر كاملاً. والخلوة الصحيحة: وجود المرأة مع الرجل في مكان لا يمكن أن يطلع عليهما فيه أحد، كغرفة أغلقت أبوابها ونوافذها وأرخيت ستورها.

стр. 2566

ونقل ابن حزم ذلك عن الخلفاء الراشدين، وعن عدد من الصحابة. وذكر ابن قدامة - في المغني - إجماع الصحابة على ذلك. فقال: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَهْرُهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. لإجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃. ثم ذكر بعض الآثار الآتية ثم قال: وَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا. (المغني) وهذا هو المنقول عن الصحابة ﵃، وهو كالإجماع منهم على ذلك، فيما ذكر. فقد ثبت ذلك عن عدد من كبار علمائهم، كعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر. بل استشار عمر ﵁ عدداً من أصحاب النبي ﷺ فلم يختلفوا في وجوب المهر. عن زرارة بن أوفى قال (قضى الخلفاء الراشدون المهديون: أن من أغلق باباً، أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، ووجبت العدة). أخرجه البيهقي وعن عمر قال (إذا أُجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر) أخرجه الدارقطني. وعن علي قال (من أصفق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة) أخرجه البيهقي.

стр. 2567

قال ابن قدامة: وَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعاً. (المغني). وقال البهوتي: وَهَذِهِ قَضَايَا اُشْتُهِرَتْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاع. … (كشاف القناع). كما استدلوا بقوله تعالى (وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) ووجه الاستدلال: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها. ولأن المرأة سلمت المبدل، حيث رفعت الموانع، وذلك وسعها فيتأكد حقها في البدل. ولأن وجوب إتمام المهر لا يتوقف على الاستيفاء، بل على التسليم. القول الثاني: أنه لا يستقر المهر بالخلوة فحسب، بل لابد من الوطء. وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وداود وشريح. قالوا: لأن الله قال (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ … ) والمطلقة التي خلا بها من غير وطء مطلقة قبل المسيس، لأن المسيس هو الجماع. فائدة: ١ ثم اختلف العلماء في استنباط العلة من جعل الخلوة كالجماع؟ فقيل: العلة هي أن الخلوة مظِنة الوطء، أي: أنه إذا حصلت الخلوة، فإنه يغلب على الظن حصول الدخول الحقيقي، فأقيمت غلبة الظن في هذا، مقام تحقق الدخول. وقيل: لأن ردها بعد الخلوة، وقبل الدخول: كسر لقلبها، وفيه شيء من الإهانة لها، فجبر ذلك بتقرر المهر كاملاً، وليس نصفه. وقيل: العلة هي أن المرأة حصل منها التمكين، فقد فعلت ما وجب عليها، فاستحقت المهر كاملاً.

стр. 2568

ومع أن هذه العلل: عامتها معقولة، متجهة؛ فقد نقل عن بعض الصحابة ﵃، ما يقوي أن التعليل الأخير، وهو حصول التمكين من الزوجة، هو مناط الحكم. قال البيهقي ﵀ في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٥٦): "ظاهر ما روينا عن عمر وعلى رضى الله عنهما: يدل على أنهما جعلا الخلوة كالقبض في البيوع. فائدة: ٢ اتفق العلماء على أنه ليست كل خلوة تحصل بين الزوجين تكون ملحقة بالدخول، بل المقصود بالخلوة هنا: التي يتمكن الزوج فيها من الاستمتاع بزوجته، بلا ممانعة منها. ولذلك اتفقوا على أنه لابد لهذه الخلوة من شروط: الشرط الأول: أن لا يكون عندهما مميز، لأن وجود شخص ثالث معهما يمنع الزوج من الاستمتاع. الشرط الثاني: أن لا تمنعه نفسها. قال ابن قدامة: وَإِنْ خَلَا بِهَا، فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا لَمْ يَكْمُلْ صَدَاقُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ التَّمَكُّنُ مِنْ جِهَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَخْلُ بِهَا.

стр. 2569

الشرط الثالث: أن يأمنا من اطلاع أحد عليهما. وعلى هذا؛ فالخلوة في السيارة داخل المدينة، أو الخلوة في محل، أو مكتب مفتوح الباب، أو الخلوة في جانب من طريق عام، أو الخلوة في بيت أهلها مع وجود بعض أهلها في البيت، وتمكنهم من الدخول عليها في أي وقت، أو مع فتح باب الغرفة .. ونحو ذلك: كل هذا لا يترتب عليه شيء، من أحكام الخلوة السابقة. جاء في (الموسوعة الفقهية) في بيان مذهب الحنفية في شروط الخلوة التي تقرر المهر وتوجب العدة: "وَلَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالطَّرِيقِ، وَالصَّحْرَاءِ، وَعَلَى سَطْحٍ لَا حِجَابَ عَلَيْهِ؛ لأِنَّ الْمَسْجِدَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَالطَّرِيقُ مَمَرُّ النَّاسِ لَا تَخْلُو عَنْهُمْ عَادَةً، وَذَلِكَ يُوجِبُ الاِنْقِبَاضَ فَيَمْنَعُ الْوَطْءَ، وَكَذَا الصَّحْرَاءُ وَالسَّطْحُ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، لأِنَّ الإْنْسَانَ يَنْقَبِضُ عَنِ الْوَطْءِ فِي مِثْلِهِ لاِحْتِمَال أَنْ يَحْصُل هُنَاكَ ثَالِثٌ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ" انتهى. الشرط الرابع: أن يعلم بها. فقد يكون الزوج مريضاً أو مغمى عليه، فتزوره زوجته في المستشفى وتبقى معه في الغرفة ساعة أو نحوها لا يشعر بها، فلا حكم لهذه الخلوة. قال المرداوي: فعلى المذهب، يتقرر المهر كاملاً إن لم تمنعه؛ بشرط أن يعلم بها. وقال الشيخ محمد بن عثيمين: يشترط في الخلوة - يعني على مذهب الإمام أحمد - أن تكون المرأة مطاوعة، وأن يكون عالماً بها، وأن يكون قادراً على الوطء. … (الشرح الممتع).

стр. 2570

(ويتنصف بكل فرقة قبل الدخول من جهة الزوج كطلاقه). أي: وتستحق الزوجة نصف المهر إذا فارقها زوجها قبل الدخول، إذا كان الطلاق من قِبَلِه، إن كان المهر مسمى. جاء في (الموسوعة الفقهية) اتفق الفقهاء على أن من طلق زوجته قبل الدخول بها وقد سمى لها مهرا يجب عليه نصف المهر المسمى. لقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). فدلت الآية على أن للزوجة المطلقة نصف الصداق المعين إذا طلقت قبل الجماع، ومعلوم أن الطلاق فرقة من جهة الزوج. مثال: عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف، وقبل الدخول طلقها، فلها خمسة آلاف ريال. - وفي حال عدم تحديد المهر فإنها تستحق متعة على قدر سعته؛ لقوله تعالى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) كما سيأتي إن شاء الله. - قوله (من جهة الزوج) فلو كانت الفرقة من قِبل الزوجة فلا مهر لها كما سيأتي. فائدة: قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) أي: المطلقات، أي: إلا أن تعفو المطلقات قبل المسيس عما وجب لهن على أزواجهن من نصف المهر المفروض. قال الرازي: المعنى إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً. (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) وهو الزوج على القول الصحيح، فهو الذي بيده عقدة النكاح، والمعنى: أو يعفو الذي بيده النكاح -وهو الزوج- فيترك للزوجة المهر كاملاً ولا يطالبها برد نصف المهر.

стр. 2571

(وَأَنْ تَعْفُوا) أيها الأزواج، أو أيها الأزواج والزوجات. (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: إلى تقوى الله. وفي هذا ترغيب بالعفو والتسامح، وبخاصة بين الزوجين، فمن عفا عن صاحبه فهو أقرب لتقوى الله . قال ابن عاشور: ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه. (ويسقط بفرقة من قِبلها). أي: ويسقط المهر ولا يصبح لها شيئاً إذا كانت الفرقة من قِبَلِها. مثال: كرجل عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف ريال، وبعد فترة طلبت الطلاق، فطلقها، فلا مهر لها، لأن الفرقة جاءت من جهتها (أو فسخهِ لعيبها). أي: ويسقط المهر ولا يكون لها شيئاً إذا فسخ الزوج النكاح بسبب عيب فيها. مثال: إنسان عقد على امرأة وقبل الدخول تبين أن فيها عيباً، ففسخ العقد، فليس لها مهر، لأن الفرقة جاءت من قِبلها.

стр. 2572

فائدة: قال بعض العلماء: ويسقط المهر كله أيضاً إذا الفسخ من قِبلِها بسبب عيبٍ بالزوج. وذهب بعض العلماء: إلى أن لها النصف. لأن الفرقة جاءت من قِبل الزوجة لكن بسبب عيب الزوج. (فإن طلقها قبل الدخول - ولم يسم لها مهراً - فلها المتعة). أي: وإن طلقها قبل أن يدخلها ولم يفرض لها مهراً فيجب لها المتعة. والمتعة: بضم الميم هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق. فالراجح من أقوال أهل العلم: أن المتعة إنما تجب على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها. والدليل على ذلك: قوله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) وقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ). وجه الدلالة من الآية: (. . ومتعوهن. .) فأمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها، والله قسم المطلقات إلى قسمين: فأوجب المتعة لمن لم يسمِّ لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سميَ لها، وذلك يدل على اختصاص كل قسمٍ بحكمه. وهناك أقوال أخرى في المسألة: فقيل: المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.

стр. 2573

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم. لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقاً). وقيل: المتعة مستحبة لكل مطلقة. لقوله تعالى ( … حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ( … حقاً على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقاً على كل أحد. والراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة. فائدة: ١ الحكمة من المتعة: تعويضاً لها عما فاتها من المهر، وجبراً لمصيبتها، وإحساناً إليها. (بقدر يسر الزوج وعسرهِ). أي: أن المتعة تكون على قدر حال الزوج. لقوله تعالى (عَلَى الْمُوسِعِ) الغني (قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ) الفقير (قَدَرُه). قال ابن قدامة: ولمتعة معتبرة بحال الزوج (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) فقدرها بحال الزوج دون حال المرأة. وفي قدرها روايتين: إحداهما: يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم فيفرض لها ما يؤديه اجتهاده إليه لأنه أمر لم يرد الشرع بتقديره ويحتاج إلى الاجتهاد فرد إلى الحاكم كالنفقة

стр. 2574

والثانية: أعلى المتعة خادم وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها وأوسطها ما بين ذلك لقول ابن العباس: أعلى المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة وهذا تفسير من الصحابي فيجب الرجوع إليه. … (الكافي). (وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ). مثال الوطء بشبهة: وطئ امرأة يظنها زوجته، فلها مهر المثل. (هذا يسمى شبهة اعتقاد). لأن الزوج جامعها معتقداً أن هذا الجماع حلال، فوجب مقتضاه وهو مهر المثل. - لكن في شبهة العقد إذا كان قد سمى لها مهراً، وجامعها على هذا الأساس، فلها أيضاً: مهر المثل. مثال هذا: رجل تزوج امرأة بعقد، ومهر مسمى، ثم تبين أنها أخته من الرضاع، فالشبهة هنا شبهة عقد، لأنه تزوجها وجامعها على أنها زوجته، فلها مهر المثل. وتعليل ذلك أنه لما بطل أصل العقد، بطلت توابع العقد، وهو المهر، فتبطل التسمية، ويجب مهر المثل. قال الشيخ ابن عثيمين: ولكن في هذا نظراً، لأننا نقول: إنهما قد رضيا بهذا المسمى، وجامعها على أن هذا مهرها، وليس هناك ما يبطله. فالصواب: أنه إذا كانت الشبهة شبهة عقد، وسمى لها صداقاً فلها صداقها المسمى، سواء كان مثل مهر المثل، أو أكثر، أو أقل. (أَوْ زِناً كُرْهاً). أي: ويجب مهر المثل للمكرهة على الزنا. وبهذا قال المالكية، والشافعية، ومذهب الحنابلة. لحديث (. . . فلها المهر بما استحل من فرجها). وجه الدلالة: أن المكرِه على الزنا مستحل لفرجها، فإن الاستحلال هو الفعل في غير موضع الحل. (المغني). ب- أن المهر ما هو إلا بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، وهنا قد تم الوطء. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب للمكرهة على الزنا مهر مطلقاً. والراجح قول الجمهور.

стр. 2575

فائدة: قوله (أو زناً كُرهاً) فلو كانت راضية فلا شيء لها، لأنها مختارة ببذل بضعها فلا تستحق شيئاً، ويدل لهذا قول النبي ﷺ (مهر البغي خبيث). (ولا يجبُ معَه أرْشُ بكارةٍ). أي: إذا زنى بامرأة كرهاً فلها مهر المثل كما تقدم، لكن لا يجب لها أرش زوال بكارتها. لدخوله - أي هذا الأرش - في المهر. قال ابن قدامة: وَالدليل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَرْشُ، أَنَّهُ وَطْءٌ ضَمِنَ بِالْمَهْرِ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ أَرْشٌ، كَسَائِرِ الْوَطْءِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْوَطْءِ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِهِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عُدْوَانًا، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ، لِكَوْنِ الْوَاجِبِ لَهَا مَهْرَ الْمِثْل. (المغني). (وَلِلمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الحَالَّ). أي: إذا كان المهر حالاً، فيحق للمرأة أن تمتنع عن الذهاب لزوجها وتمكينه منها حتى يسلمها إياه. لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تُتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَهْرُ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ. (كشاف القناع). قال ابن قدامة: فَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا، وَكَانَ حَالًّا، فَلَهَا ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا. (المغني). جاء في (الموسوعة الفقهية): اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَنْعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا، لأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا؛ كَالثَّمَنِ عِوَضٌ عَنِ الْمَبِيعِ؛ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ حَقُّ حَبْسِ نَفْسِهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ حَالًّا وَلَمْ يَحْصُل وَطْءٌ وَلَا تَمْكِين.

стр. 2576

فائدة: قال ابن قدامة: وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: لَا أُسَلِّمُ إلَيْهَا الصَّدَاقَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا. أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ أَوَّلًا، ثُمَّ تُجْبَرُ هِيَ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا. لأن فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرَ إتْلَافِ الْبُضْعِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ثَمَنَهُ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا امْتَنَعَتْ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهَا بِحَقٍّ. (المغني). وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا، فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِتَأْجِيلِهِ رِضَى بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ فِي الْبَيْعِ. جاء في (كشاف القناع) (وَلَوْ أَبَى كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ (أُجْبِرَ زَوْجٌ) عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ (ثُمَّ) تُجْبَرُ (زَوْجَةٌ) عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِأَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيم نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرُ إتْلَافِ الْبُضْعِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْع. قال الشيخ ابن عثيمين: مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على صداق قدره عشرة آلاف ريال غير مؤجلة، فقالت له: أعطني المهر، فقال: انتظري، فلها أن تمنع نفسها، وتقول: لا أسلم نفسي إليك حتى تسلم المهر؛ وذلك أن المهر عوض عن المنفعة ويخشى إن سلمت نفسها واستوفى المنفعة أن يماطل بها ويلعب بها، فيُحْرَم منها حتى يسلم الصداق. (الشرح الممتع). (فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً، أَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعاً فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُها). أي: إذا كان المهر مؤجلاً، فليس للمرأة طلبه ولا المطالبة به حتى يحل أجله، وليس لها أن تمنع نفسها من الزوج؛ لأن حقها لم يحل بعد. جاء في (كشاف القناع) (وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا (لَمْ تَمْلِكْ مَنْعَ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الطَّلَب بِهه.

стр. 2577

جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ مُؤَجَّلاً إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَلَيْسَ لَهَا الاِمْتِنَاعُ لِقَبْضِ الْمَهْرِ وَلَوْ حَل الأْجَل قَبْل الدُّخُول؛ لأِنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا وَتَعْجِيل حَقِّهِ؛ فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّل يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ. - وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ. (المغني). - قوله (أَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعاً فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُها). أي: إذا سلمت المرأة سلمت نفسها ابتداءً ثقة بالزوج على أنه سيسلم المهر الحال، فلا تملك أن تمنع نفسها، لو ماطل الزوج ولم يدفع المهر. لأنها رضيت بالتسليم بدون شرط، فلا يمكن أن ترجع، لكن لها أن تطالبه. واختار الشيخ ابن عثيمين أن لها أن تمنع نفسها. جاء في (الموسوعة الفقهية). . . . فَإِنْ تَطَوَّعَتِ الْمَرْأَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْل قَبْضِ الْمَهْرِ؛ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: .. لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ. لأِنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فِي جَمِيعِ الْوَطَآتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي هَذَا الْمِلْكِ؛ لَا بِالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْأَةِ الأْولَى خَاصَّةً. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمَهْرِ الْحَال بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ قَبْل قَبْضِهِ. لأِنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيع.

стр. 2578

بَابُ وَلِيمَةِ العُرْسِ قال ابن قدامة: الوليمة: اسم للطعام في العرس خاصة، لا يقع هذا الاسم على غيره. كذلك حكاه ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر. (وتُسَنُّ وَلِيمَةُ العُرْسِ). هذا قول جماهير العلماء، أن وليمة العرس سنة مستحبة. ودلّ على مشروعيتها سنة رسول الله ﷺ القولية والفعلية. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: " مَا هَذَا? "، قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي تَزَوَّجْتُ اِمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: " فَبَارَكَ اَللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف أولم أمر، وأقل أحوال الأمر الاستحباب. وأولم ﷺ في زواجه من بزينب بشاة. عن أنس قَالَ (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً) متفق عليه. وأولم في زواجه بصفية وعلى أخرى بمدين من شعير. وذهب بعض العلماء: إلى وجوبها. أ- لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. ب- ولقوله ﷺ (إنه لا بد للعرس من وليمة). رواه أحمد، قال ابن حجر: سنده لا بأس به. ج- وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ فَكَانَتْ وَاجِبَةً.

стр. 2579

والراجح الأول. أ-لأن وليمة العرس طعام لحادث سرور فلم تجب كسائر الولائم. ب- إن سبب هذه الوليمة عقد النكاح، هو غير واجب، ففرعه أولى بعدم الوجوب قال ابن قدامة: وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. لأَنَّهَا طَعَامٌ لَسُرُورٍ حَادِثٍ؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ. وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَوْنِهِ أَمَرَ بِشَاةِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالسَّلَامِ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِجَابَةُ الْمُسَلِّمِ وَاجِبَةٌ. (المغني). (وتَجِبُ الإجابةُ إليها). أي: أن حكم إجابة دعوة العرس واجبة. وهذا مذهب جماهير العلماء. بل نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك كابن عبد البر، والقاضي عياض وغيرهما. قال ابن حجر: وقد نقل ابن عبد البر، ثم عياض، ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر. أ- عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى اَلْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ; عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ).

стр. 2580

وفي رواية (ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُم). وفي رواية (أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا). ووجه الدلالة: أنها تضمنت الأمر بإجابة الدعوة لوليمة العرس، والأمر للوجوب، والخطاب عام لكل من عُيّن بالدعوة، فكانت الإجابة فرض عين على من دعي إليها. ب- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (شَرُّ اَلطَّعَامِ طَعَامُ اَلْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ اَلدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فهذا ظاهر على الوجوب، لأنه حكِمَ بالعصيان على من ترك الإجابة، ولا يحكم بالعصيان إلا على ترك واجب. قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب، ولجعْل الذي لم يجب عاصياً، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور. وذهب بعض العلماء: إلى أنها مستحبة. وإليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: لأن الأصل في الوليمة أنها مندوبة فيكون الحضور مندوباً. وقالوا: لأن الوليمة تمليك مال، وتمليك المال ليس بواجب وذهب بعضهم: إلى أنها فرض كفاية. قالوا: لأن المقصود من حضور الوليمة إظهار الزواج وإعلانه، وهذا يحصل ببعض الناس. والراجح القول الأول وهو الوجوب. ولهذا قال ابن عبد البر: وفي قوله في هذا الحديث (فقد عصى الله ورسوله) ما يرفع الإشكال، ويغني عن الإكثار.

стр. 2581

فائدة: ١ حكم إجابة دعوة غير العرس: اختلف العلماء على قولين: القول الأول: مستحبة. وعزاها ابن حجر للجمهور. أ- لحديث ابن عمر (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب). قالوا: فلما خص الوجوب بوليمة العرس دل على أن غيرها لا يجب. ب-ولحديث أنس (أن جاراً فارسياً لرسول ﷺ كان طيب المرق فدعا رسول الله ﷺ فقال الرسول وهذه [لعائشة]؟ فقال الفارسي: لا فقال النبي: لا، فعاد يدعوه فقال رسول الله ﷺ : وهذه [لعائشة] قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه، قال: نعم، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله) رواه مسلم. قال العلماء: وإنما أبى الفارسي من حضور عائشة: أن هذا المرق كان قليلاً لا يكفي اثنين، فأراد أن يؤثر به النبي ﷺ .

стр. 2582

القول الثاني: الوجوب كالعرس. وهذا مذهب ابن عمر وهو قول أهل الظاهر وبعض الشافعية ونصره ابن حزم. أ- لرواية مسلم (. . . عرساً كان أو نحوه) فهذا دليل على وجوب إجابة الدعوة مطلقاً. ب- ولقوله ﷺ (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله). ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (حق المسلم على المسلم خمس: وذكر منها إجابة الدعوة) وفي رواية لمسلم (حق المسلم على المسلم: وإذا دعاك فأجبه). د- ولقوله ﷺ (عودوا المريض وأجيبوا الداعي). رواه البخاري فائدة: ٢ قوله (يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا) هذه الجملة فيها ثلاثة فوائد: الأولى: أنها للتعليل، ثانياً: فيها الإخبار عن واقع الناس، ثالثاً: فيها التحذير، كأنه قيل: لا ينبغي أن يدعى لها من يأباها ويمنعها من يأتيها. (منحة العلام). (فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ). هذه شروط حضور وليمة العرس. الشرط الأول: أن تكون الدعوة في المرة الأولى. أ-لأن الوجوب سقط في المرة الأولى. ب- استدل بعضهم بحديث اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ اَلثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ اَلثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وِمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ: عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ.

стр. 2583

وهذا الحديث فيه ضعف، وجاءت عدة أحاديث في هذا المعنى، لكن بعض العلماء رأي أنها تتقوى بذلك. ورأى أن هذه الأحاديث - وإن كان كل منها لا يخلو من مقال - فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلاً. وهذا رأي الحافظ ابن حجر، والشوكاني. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، … ثم ذكرها وقال: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان " قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب وقال: أهل رياء وسمعة، فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة. قال النووي: إذا أولم ثلاثاً فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة وفي الثاني لا تجب قطعاً ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. (فتح الباري). (إِجَابَةُ مُسْلِمٍ) هذا الشرط الثاني: أن يكون الداعي مسلماً. قال ابن قدامة: فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ لِلْمُسْلِمِ لِلْإِكْرَامِ وَالْمُوَالَاةِ وَتَأْكِيدِ الْمَوَدَّةِ وَالْإِخَاءِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَة. (المغني). فإن كافراً لم تجب الإجابة وإنما تجوز حسب المصلحة، وإنما سقط الوجوب، لانتفاء طلب المودة معه وعدم الموالاة. قال ابن قدامة: وَلَكِنْ تَجُوزُ إجَابَتُهُمْ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ (أَنْ يَهُودِيًّا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَأَجَابَهُ). [ما تتعلق بشعائرهم الدينية فهذا لا يجوز الحضور مطلقاً لأن إجابته معناها الرضا بما هو عليه من الكفر والضلال].

стр. 2584

(يَحْرُمُ هَجْرُهُ إِلَيْهَا). والذي يحرم هجره: المسلم المستقيم غير المبتدع، وغير المجاهر بالمعصية. فإن دعاك ممن يجب هجره فلا تجيب. قال الشيخ ابن عثيمين: أن الهجر ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: من يجب هجره. وذلك كصاحب البدعة الداعي إلى بدعته، إذا لم ينتهِ إلا بالهجر، فإنه يجب علينا أن نهجره وجوباً؛ لأن في الهجر فائدة، وهو ترك الدعوة إلى البدعة. القسم الثاني: من هجره سُنة. وهو هجر فاعل المعصية التي دون البدعة، إذا كان في هجره مصلحة … فإن لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يهجر؛ لأن الأصل أن هجر المؤمن حرام. القسم الثالث: هجر مباح. وهو ما يحصل بين الإنسان وأخيه بسبب سوء تفاهم، وهو مقيد بثلاثة أيام فأقل. لقوله ﷺ (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة). والقول الراجح أن الهجر لا يجب، ولا يسن، ولا يباح إلا حيث تحققت المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة هجرنا وإلا فلا. (الشرح الممتع)

стр. 2585

(إِنْ عَيَّنَهُ) الشرط الرابع: أن يعين الداعي المدعو. فإن كانت الدعوة عامة كأن يقول: يا أيها الناس احضروا الوليمة، أو يقول ادع من شئت، فلا تجب، لأن صاحب الطعام لم يعينه. قال ابن قدامة: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عَلَى مَنْ عُيِّنَ بِالدَّعْوَةِ، بِأَنْ يَدْعُوَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمَاعَةً مُعَيَّنِينَ. • لكن هل تكره (تسمى دعوة الجَفَلى)؟ قيل: تكره الإجابة. قالوا: لأن في ذلك دناءة بالنسبة للمدعو، ومباهاة ومفاخرة للداعي. وقيل: لا تكره. لحديث أنس. قَالَ (لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْساً فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ فَقَالَ أَنَسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اذْهَبْ فَادْعُ لِي فلاناً وفلاناً ومَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ [قال قلت لأنس: عددَكَم كم؟ قال: زُهاء ثلاثمائة] فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ [فدخلوا حتى امتلأت الصُفة والحُجْرة … ). فعيَّن في الأول، ثم عمم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح أن الإجابة ليست مكروهة، بل في ظني أن عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب. وهذا الراجح. قال ابن قدامة: فَإِنْ دَعَا الْجَفَلَى؛ بِأَنْ يَقُولَ: يَا أَيُّهَا النَّاسِ، أَجِيبُوا إلَى الْوَلِيمَةِ.

стр. 2586

أَوْ يَقُولَ الرَّسُولُ: أُمِرْت أَنْ أَدْعُوَ كُلَّ مَنْ لَقِيت، أَوْ مَنْ شِئْت. لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَلَمْ تُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيَّنْ بِالدَّعْوَةِ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْصُلُ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي بِتَرْكِ إجَابَتِهِ، وَتَجُوزُ الْإِجَابَةُ بِهَذَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الدُّعَاءِ. … (المغني). (وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ). هذه الشرط الخامس: أن لا يكون هناك منكر. فإن كان هناك منكر فلا يجوز الحضور. قال تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). وقال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً). وقال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر) رواه أحمد. فائدة: قال ابن قدامة: إذَا دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ، فِيهَا مَعْصِيَةٌ، كَالْخَمْرِ، وَالزَّمْرِ ونحوه، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ، لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَالْإِنْكَارُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَيْنِ: إجَابَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ - وَإِزَالَةَ الْمُنْكَرِ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ، لَمْ يَحْضُرْ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُنْكَرِ حَتَّى حَضَرَ، أَزَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ انْصَرَفَ. (المغني).

стр. 2587

وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان المجيب قادراً على تغيير المنكر فيجب الحضور لسببين: إجابة للحضور - وتغييراً للمنكر. - إذا امتنع حضوره بسبب المنكر فإنه عليه أن يبلغ الداعي السبب وذلك لأسباب: لبيان عذره - وردعاً لهؤلاء - ربما هؤلاء يجهلون أن هذا الأمر محرم. [الممتع ١٢/ ٣٤٠]. (وَمَنْ صَوْمُهُ وَاجِبٌ دَعَا وَانْصَرَفَ وَالمُتَنَفِّلُ يُفْطِرُ إِنْ جَبَرَ) أي: أن إجابة الدعوة واجبة ولو كان الإنسان صائماً. ثم هو لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون صومه واجباً [كقضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة]. فلا يجوز له الإفطار، لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، بل يدعو وينصرف [لكن يخبر الداعي بذلك حتى لا يقع في قلبه شك وريب]. عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ; فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعَمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ. وَقَالَ: (فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ). (فليصلِ: فليدع). قال النووي: وَأَمَّا الصَّائِم فَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْأَكْل، لَكِنْ إِنْ كَانَ صَوْمه فَرْضًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْل لِأَنَّ الْفَرْض لَا يَجُوز الْخُرُوج مِنْهُ.

стр. 2588

الحالة الثانية: أن يكون صومه نفلاً. فإنه يجوز له الفطر، لأن التطوع يجوز قطعه خاصة إذا وجد سبب كتطييب خاطر الداعي. قال النووي: فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم. أ-عَنْ أُمِّ هَانِئٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ) رواه أحمد قال في تحفة الأحوذي عقب هذا الحديث: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا أَنْ يُفْطِرَ لا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي دَعْوَةٍ إِلَى طَعَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ا. هـ ب- وعن أبي سعيد الخدري قَالَ (صَنَعْت لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ أَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعَاك أَخُوك وَتَكَلَّفَ لَك، أَفْطِرْ فَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْت) أخرجه البيهقي، قَالَ الْحَافِظُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ صَوْمًا تَطَوُّعًا، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّوْمِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْأَكْلِ إجَابَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِهِ، كَانَ أُولَى.

стр. 2589

وَقَدْ رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي دَعْوَةٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ نَاحِيَةً، فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ، وَتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ، ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شِئْت). وَإِنْ أَحَبَّ إتْمَامَ الصِّيَامِ جَازَ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَكِنْ يَدْعُو لَهُمْ، وَيَتْرُكُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِصِيَامِهِ؛ لِيَعْلَمُوا عُذْرَهُ، فَتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ. (المغني). (وَلَا يَجِبُ الأَكْلُ). أي: لا يجب الأكل من الوليمة، وإنما الواجب هو الحضور. لحديث جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) مسلم. وهذا قول الحنابلة والشافعية. قالوا: لأن الذي أمر به النبي ﷺ وتوعد على تركه هو الحضور، أما الأكل فلم يأت ما يدل على وجوبه. لكن لاشك أن الأكل أفضل وأكمل. قال ابن قدامة: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَكْلُ، لَوَجَبَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ، فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَكْلُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا كَانَ مُفْطِرًا. وَقَوْلُهُمْ: الْمَقْصُودُ الْأَكْلُ. قُلْنَا: بَلْ الْمَقْصُودُ الْإِجَابَةُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ. (المغني).

стр. 2590

وقال بعض العلماء: أن الأكل واجب. لقوله ﷺ (وإن كان مفطراً فليطعم) وهذا أمر. وقالوا: لأن المقصود من الحضور هو الأكل. والقول الأول أصح. (وَكُرِهَ النِّثَار). النثار: ما ينثر ويطرح في النكاح وغيره عند اجتماع الناس من طعام أو نقود. فالنثار مكروه. أ- لحديث عَبْد اللهِ بْن يَزِيد قَالَ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ) رواه البخاري. ب- ولأن فيه دناءة. (وَالْتِقَاطُهُ). أي: ويكره التقاطه وأخذه. لما في ذلك من الدناءة. آداب الأكل (يستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعدَه). أي: يستحب لمن أراد الأكل أن يغسل يده قبل ذلك. وقد ورد في ذلك أحاديث لكن لا تصح. كحديث (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) رواه أبو داود. [المراد بالوضوء هنا غسل اليدين لا الوضوء الشرعي]. وحديث (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ خَيْرَ بَيْتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ وَإِذَا رُفِع) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 2591

وحديث (الوضوء قبل الطعام وبعده ينفي الفقر وهو من سنن المرسلين). وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يستحب. قال ابن القيم في حاشية السنن: في هذه المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما: يستحب غسل اليدين عند الطعام. والثاني: لا يستحب وهما في مذهب أحمد وغيره. ورجح النووي أنه لا يستحب إلا إن كان على اليد قذر. قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِسْتِحْبَاب غَسْل الْيَد قَبْل الطَّعَام وَبَعْده وَالْأَظْهَر اِسْتِحْبَابه أَوَّلًا إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّن نَظَافَة الْيَد مِنْ النَّجَاسَة وَالْوَسَخ، وَاسْتِحْبَابه بَعْد الْفَرَاغ إِلَّا أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى الْيَد أَثَر الطَّعَام بِأَنْ كَانَ يَابِسًا وَلَمْ يَمَسّهُ بِهَا. (شرح مسلم). (وتسن التسمية). أي: يسن أن يقول: بسم الله قبل الأكل. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب ذلك. أ- لحديث عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يَا غُلَامُ! سَمِّ اَللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب- وعن عائشة. أن النّبيّ ﷺ قال (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى، فإنْ نَسِىَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ في أوَّلِه وَآخِرِهِ). أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ.

стр. 2592

قال ابن القيّم: وَالصّحِيحُ: وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِه. (زاد المعاد). فائدة: ١ صيغة التسمية قبل الأكل؟ قول: بسم الله. للحديث السابق (سم الله). قال العيني في عمدة القارئ: وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة ﵂ مرفوعاً (إذا أكل أحدكم الطعام فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره) والأمر بالتسمية عند الأكل محمول عل الندب عند الجمهور، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر. فائدة: ٢ لكن ما الحكم لو زاد (الرحمن الرحيم)؟ لا باس بذلك. وهذا قول أكثر لعلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا قال عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً فإنه أكمل. وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب الفقهاء إلى أن التسمية عند البدء في الأكل من السنن، وصيغتها: بسم الله، وبسم الله الرحمن الرحيم. . . " انتهى. وقال النووي ﵀: من أهم ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية … والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة. (. الأذكار)

стр. 2593

وتعقبه الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: " لَمْ أَرَ لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْأَفْضَلِيَّة دَلِيلًا خَاصاً. (الفتح). وقال الشيخ الألباني ﵀: وأقول: لا أفضل من سنته ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا "بسم الله"، فلا يجوز الزيادة عليها، فضلاً عن أن تكون الزيادة أفضل منها، لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث "وخير الهدي هدي محمد ﷺ . (السلسلة الصحيحة). فائدة: ٣ حكم من نسي التسمية قبل الأكل: المشروع لمن نسي التسمية في أول الطعام أن يقول حين يذكرها (بسم الله أَوَّلَه وآخرَه) أو يقول (بسم الله في أوَّلِه وآخرِه) لحديث عائشة السابق (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَذكُرِ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ، فَإِن نَسِيَ أَن يَذكُرَ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَليَقُل: بِسمِ اللَّهِ فِي أَوَّلَهُ وَآخِرَه). وقوله: (فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل .. ) شامل لمن تذكر التسمية أثناء الطعام، أو آخره، أو بعد الفراغ منه بالزمن اليسير، لعموم مفهوم الحديث. قال في كشاف القناع (٥/ ١٧٣): وظاهره ولو بعد فراغه من الأكل. وجاء في مغني المحتاج (٤/ ٤١١: (فإن تركها (أي التسمية) في أوله أتى بها في أثنائه، فإن تركها في أثنائه أتى بها في آخره. انتهى. وقال في نهاية المحتاج (١/ ١٨٤: (لا يأتي بها (أي التسمية) بعد فراغ وضوئه، بخلاف الأكل فإنه يأتي بها بعده " انتهى. قال في الحاشية على نهاية المحتاج: محله إذا قَصُرَ الفصل، بحيث يُنسَبُ إليه عُرفًا " انتهى.

стр. 2594

وقد دل الحديث أيضا على أن قول (بسم الله في أوله وآخره) يقوم مقام التسمية في البداية، ويكتب للمسلم أجر الاستعانة بالله في أول الطعام، تكرماً وتفضلاً منه . يقول المناوي في "فيض القدير" (١/ ٢٩٦): لا يقال كيف تَصدُقُ الاستعانة ببسم الله في الأول، وقد خلا الأول عنها؟! لأنَّا نقول: الشرع جعله إنشاء استعانةٍ في أوله، وليس هذا إخبارا حتى يُكَذَّبَ، وبه يصير المتكلم مستعينا في أوله، ويترتَّبُ عليه ما يترتب على الاستعانة في أوله. (الإسلام سؤال وجواب) فائدة: ٤ كم مرّة يقوم الفرد بالتّسمية عندما يأكل؟ فالجواب: أنّ قول الرسول ﵇ في الحديث السّابق (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى) يدلّ على أنّ التّسمية تكون مرّة واحدة عند الأكل، فلو وُضعت على المائدة أصناف من الطّعام، فإنّ التّسمية الواحدة تكفي؛ لأنّ المطلوب يحصل بالمرّة الواحدة. أمّا إذا رُفعت، وأُتي بأنواع أخرى فتعاد التّسمية، وهكذا لو جيء بالشّاي بعد الأكل فعليك أن تسمّي الله كذلك؛ لأنّك تريد الشرب والتناول منه. فائدة: ٥ هل يشرع تذكير الحاضرين بالتسمية؟ نعم، بل هو السّنّة، ولك الأجر في ذلك. لحديث عمر بن أبي سلمة السابق. فذكّره ﷺ بالتّسمية، وفيه دليل على أنّ لك تذكير غيرك بها، وإذا رأيت منهم تضايقاً، فاستعمل الحكمة واللّطف في ذلك، ويمكنك أن تجهر أنت بالتسمية من غير أن تأمرهم بها، حتى يسمعوا. ولك أن تذكرهم بأنّ التّسمية واجبة على جميع الآكلين، ولا يكفي أن يسمي بعضهم.

стр. 2595

فائدة: ٦ هل تسمية غيره تكفي عنه؟ قال الشّيخ ابن باز: وهذا هو الصواب، أنّ تسمية غيره لا تكفي عنه، والرّسول ﷺ قال لعمرو بن سلمة: (سمّ الله)، والرسول ﷺ قد سمّى هو وأصحابه، فلم تكف تسميتهم عنه؛ ولهذا جاء في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع رسول اللَّه ﷺ طعاماً، فجاءت جارية كأنما تُدْفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطعام، فأخذَ رسولُ اللَّه ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابيّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فأخذ بيده، فقالَ رسول اللَّه ﷺ : (إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهذَا الأعْرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يَدي مَعَ يَدَيْهِمَا)، ثم ذكرَ اسمَ اللَّه وأكل، ولو كانت تسمية الواحد تكفي، لما وضع الشيطان يده في ذلك الطّعام. فائدة: ٧ هل يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل؟ لا يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل، فلو قالها سراً، فقد امتثل أمر النبي ﷺ ، بالتسمية قبل الأكل، ولكن أقل ذلك أن يحرك بها لسانه، وإن لم يجهر بالصوت. والأفضل له أن يجهر بها حتى يُذَكِّر الناس، ويُعَلِّم الجاهل. (والأكل باليمين). أي: ويستحب الأكل باليمين. وهذا قول جمهور العلماء. استدلوا بما سيأتي من الأحاديث الآمر بالأكل باليمين، وحملوا الأمر بالأكل باليمين على الاستحباب والندب، والنهي عن الأكل بالشمال على الكراهة والتنزيه؛ لأن الصارف لذلك هو قصد الإرشاد والأدب والفضيلة. وذهب بعض العلماء: إلى وجوب الأكل باليمين.
следующие страницы →