← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وحديث (الوضوء قبل الطعام وبعده ينفي الفقر وهو من سنن المرسلين). وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يستحب. قال ابن القيم في حاشية السنن: في هذه المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما: يستحب غسل اليدين عند الطعام. والثاني: لا يستحب وهما في مذهب أحمد وغيره. ورجح النووي أنه لا يستحب إلا إن كان على اليد قذر. قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِسْتِحْبَاب غَسْل الْيَد قَبْل الطَّعَام وَبَعْده وَالْأَظْهَر اِسْتِحْبَابه أَوَّلًا إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّن نَظَافَة الْيَد مِنْ النَّجَاسَة وَالْوَسَخ، وَاسْتِحْبَابه بَعْد الْفَرَاغ إِلَّا أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى الْيَد أَثَر الطَّعَام بِأَنْ كَانَ يَابِسًا وَلَمْ يَمَسّهُ بِهَا. (شرح مسلم). (وتسن التسمية). أي: يسن أن يقول: بسم الله قبل الأكل. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب ذلك. أ- لحديث عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يَا غُلَامُ! سَمِّ اَللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب- وعن عائشة. أن النّبيّ ﷺ قال (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى، فإنْ نَسِىَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ في أوَّلِه وَآخِرِهِ). أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ.

стр. 2592

قال ابن القيّم: وَالصّحِيحُ: وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِه. (زاد المعاد). فائدة: ١ صيغة التسمية قبل الأكل؟ قول: بسم الله. للحديث السابق (سم الله). قال العيني في عمدة القارئ: وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة ﵂ مرفوعاً (إذا أكل أحدكم الطعام فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره) والأمر بالتسمية عند الأكل محمول عل الندب عند الجمهور، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر. فائدة: ٢ لكن ما الحكم لو زاد (الرحمن الرحيم)؟ لا باس بذلك. وهذا قول أكثر لعلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا قال عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً فإنه أكمل. وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب الفقهاء إلى أن التسمية عند البدء في الأكل من السنن، وصيغتها: بسم الله، وبسم الله الرحمن الرحيم. . . " انتهى. وقال النووي ﵀: من أهم ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية … والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة. (. الأذكار)

стр. 2593

وتعقبه الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: " لَمْ أَرَ لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْأَفْضَلِيَّة دَلِيلًا خَاصاً. (الفتح). وقال الشيخ الألباني ﵀: وأقول: لا أفضل من سنته ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا "بسم الله"، فلا يجوز الزيادة عليها، فضلاً عن أن تكون الزيادة أفضل منها، لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث "وخير الهدي هدي محمد ﷺ . (السلسلة الصحيحة). فائدة: ٣ حكم من نسي التسمية قبل الأكل: المشروع لمن نسي التسمية في أول الطعام أن يقول حين يذكرها (بسم الله أَوَّلَه وآخرَه) أو يقول (بسم الله في أوَّلِه وآخرِه) لحديث عائشة السابق (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَذكُرِ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ، فَإِن نَسِيَ أَن يَذكُرَ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَليَقُل: بِسمِ اللَّهِ فِي أَوَّلَهُ وَآخِرَه). وقوله: (فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل .. ) شامل لمن تذكر التسمية أثناء الطعام، أو آخره، أو بعد الفراغ منه بالزمن اليسير، لعموم مفهوم الحديث. قال في كشاف القناع (٥/ ١٧٣): وظاهره ولو بعد فراغه من الأكل. وجاء في مغني المحتاج (٤/ ٤١١: (فإن تركها (أي التسمية) في أوله أتى بها في أثنائه، فإن تركها في أثنائه أتى بها في آخره. انتهى. وقال في نهاية المحتاج (١/ ١٨٤: (لا يأتي بها (أي التسمية) بعد فراغ وضوئه، بخلاف الأكل فإنه يأتي بها بعده " انتهى. قال في الحاشية على نهاية المحتاج: محله إذا قَصُرَ الفصل، بحيث يُنسَبُ إليه عُرفًا " انتهى.

стр. 2594

وقد دل الحديث أيضا على أن قول (بسم الله في أوله وآخره) يقوم مقام التسمية في البداية، ويكتب للمسلم أجر الاستعانة بالله في أول الطعام، تكرماً وتفضلاً منه . يقول المناوي في "فيض القدير" (١/ ٢٩٦): لا يقال كيف تَصدُقُ الاستعانة ببسم الله في الأول، وقد خلا الأول عنها؟! لأنَّا نقول: الشرع جعله إنشاء استعانةٍ في أوله، وليس هذا إخبارا حتى يُكَذَّبَ، وبه يصير المتكلم مستعينا في أوله، ويترتَّبُ عليه ما يترتب على الاستعانة في أوله. (الإسلام سؤال وجواب) فائدة: ٤ كم مرّة يقوم الفرد بالتّسمية عندما يأكل؟ فالجواب: أنّ قول الرسول ﵇ في الحديث السّابق (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى) يدلّ على أنّ التّسمية تكون مرّة واحدة عند الأكل، فلو وُضعت على المائدة أصناف من الطّعام، فإنّ التّسمية الواحدة تكفي؛ لأنّ المطلوب يحصل بالمرّة الواحدة. أمّا إذا رُفعت، وأُتي بأنواع أخرى فتعاد التّسمية، وهكذا لو جيء بالشّاي بعد الأكل فعليك أن تسمّي الله كذلك؛ لأنّك تريد الشرب والتناول منه. فائدة: ٥ هل يشرع تذكير الحاضرين بالتسمية؟ نعم، بل هو السّنّة، ولك الأجر في ذلك. لحديث عمر بن أبي سلمة السابق. فذكّره ﷺ بالتّسمية، وفيه دليل على أنّ لك تذكير غيرك بها، وإذا رأيت منهم تضايقاً، فاستعمل الحكمة واللّطف في ذلك، ويمكنك أن تجهر أنت بالتسمية من غير أن تأمرهم بها، حتى يسمعوا. ولك أن تذكرهم بأنّ التّسمية واجبة على جميع الآكلين، ولا يكفي أن يسمي بعضهم.

стр. 2595

فائدة: ٦ هل تسمية غيره تكفي عنه؟ قال الشّيخ ابن باز: وهذا هو الصواب، أنّ تسمية غيره لا تكفي عنه، والرّسول ﷺ قال لعمرو بن سلمة: (سمّ الله)، والرسول ﷺ قد سمّى هو وأصحابه، فلم تكف تسميتهم عنه؛ ولهذا جاء في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع رسول اللَّه ﷺ طعاماً، فجاءت جارية كأنما تُدْفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطعام، فأخذَ رسولُ اللَّه ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابيّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فأخذ بيده، فقالَ رسول اللَّه ﷺ : (إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهذَا الأعْرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يَدي مَعَ يَدَيْهِمَا)، ثم ذكرَ اسمَ اللَّه وأكل، ولو كانت تسمية الواحد تكفي، لما وضع الشيطان يده في ذلك الطّعام. فائدة: ٧ هل يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل؟ لا يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل، فلو قالها سراً، فقد امتثل أمر النبي ﷺ ، بالتسمية قبل الأكل، ولكن أقل ذلك أن يحرك بها لسانه، وإن لم يجهر بالصوت. والأفضل له أن يجهر بها حتى يُذَكِّر الناس، ويُعَلِّم الجاهل. (والأكل باليمين). أي: ويستحب الأكل باليمين. وهذا قول جمهور العلماء. استدلوا بما سيأتي من الأحاديث الآمر بالأكل باليمين، وحملوا الأمر بالأكل باليمين على الاستحباب والندب، والنهي عن الأكل بالشمال على الكراهة والتنزيه؛ لأن الصارف لذلك هو قصد الإرشاد والأدب والفضيلة. وذهب بعض العلماء: إلى وجوب الأكل باليمين.

стр. 2596

اختاره ابن أبي موسى، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، ومحمد بن صالح العثيمين غيرهم. أ-لحديث جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ; فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وجه الدلالة: دل الحديث على النهي عن الأكل بالشمال، بدلالة قوله (لا تأكلوا) وهذا نهي، والأصل في النهي إذا ورد مجرداً عن القرائن فإنه يقتضي التحريم. ب- ولحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ) رواه مسلم. قال ابن القيم: ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح، فإن الآكل بها، إما شيطان، وإما مشبه به. ج- ولحديث عمر بن أبي سلمة السابق (يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك). وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بالأكل باليمين. قال العيني: وأما الأكل باليمين فقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب لظاهر الأمر. د- وعن سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع ﵁ (أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينكَ) قَالَ: لا أسْتَطيعُ. قَالَ: (لا استَطَعْتَ) مَا مَنَعَهُ إلاَّ الكِبْرُ فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيه) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: فيه استعمال الاستطاعة بمعنى الإرادة، فقوله (لا أستطيع) أي: لا أريد، ومنه قول الحواريين (هل يستطيع ربك) أي: هل يريد ربك. (قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ) هذا دعاء منه ﷺ عليه، لأنه لم له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة.

стр. 2597

(قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) أي: أن ذلك الرجل لم يستطع بعد ذلك اليوم أن يرفع يده اليمنى إلى فيه، وهو كناية أنها شلّت بدعائه ﷺ عليه. قال الصنعاني في شرح حديث الباب: وفي الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين للأمر به أيضاً، ويزيده تأكيداً أنه ﷺ أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وفعل الشيطان يحرم على الإنسان ويزيده تأكيداً أن رجلاً أكل عنده ﷺ بشماله فقال: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع قال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" فما رفعها إلى فيه، أخرجه مسلم، ولا يدعو ﷺ إلا على من ترك الواجب، وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل أيضاً، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معاً. (سبل السلام) (والأكل مما يليه). أي: يسن أن يأكل مما يليه. ومعناه: أنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَلِيهِ فِي الطَّعَامِ مُبَاشَرَةً، وَلَا تَمْتَدُّ يَدُهُ إلَى مَا يَلِي الْآخَرِينَ، وَلَا إلَى وَسَطِ الطَّعَام. لحديث عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يَا غُلَامُ! سَمِّ اَللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ). فائدة: ١ الحكمة من ذلك: قال النووي: لِأَنَّ أَكْله مِنْ مَوْضِع يَد صَاحِبه سُوء عِشْرَة وَتَرْك مُرُوءَة فَقَدْ يَتَقَذَّرهُ صَاحِبه لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاق وَشَبَههَا، وَهَذَا فِي الثَّرِيد وَالْأَمْرَاق وَشَبَههَا، فَإِنْ كَانَ تَمْرًا أَوْ أَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَة اِخْتِلَاف الْأَيْدِي فِي الطَّبَق وَنَحْوه، وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيم النَّهْي حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عُمُومه حَتَّى يَثْبُت دَلِيل مُخَصِّص.

стр. 2598

فائدة: ٢ يستثنى من ذلك: أولاً: إذا كان الطعام منوعاً. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. قال (إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ. قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ. قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ) متفق عليه ثانياً: إذا كان الإنسان لوحده. (وأن يأكل بثلاثة أصابع). أي: يسن أن يأكل بثلاثة أصابع. لحديث كَعْبِ بْن مَالِك. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا) رواه مسلم. (وأن يلعق أصابعه بعد الأكل). أي: ويسن أن يلعق أصابعه بعد الانتهاء من الأكل. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا) ق. وقد جاء في الحديث بيان الحكمة من ذلك:

стр. 2599

عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ) م. عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ) م. قال في تحفة الأحوذي عند شرح هذا الحديث: قال النووي: معناه أن الطعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة. فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة. وأصل البركة: الزيادة وثبوت الخير والامتناع به. والمراد هنا ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك. (ويحمد الله بعد فراغه من الطعام). أي: ومن آداب الطعام أن يحمد الله بعد فراغه من طعامه. وقد ورد عدة صيغ عن النبي ﷺ : عن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) رواه مسلم

стр. 2600

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا) رواه البخاري. وعن مُعَاذ بْن أَنَس أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) رواه أبو داود. فائدة: ١ ومن الآداب: أن لا يأكل من وسط الصحفة. عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ اَلْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا). رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِي. - فإن قيل: لماذا نهى النبي ﷺ عن الأكل من وسط القصعة مع أن البركة تنزل فيها؟ لأنهم متى فعلوا ذلك ذهبت البركة من الطعام، وربما لم يصب أحدهم منها شيئاً؛ لأن أعلاها فيه البركة، ومتى ذهب بعضهم بأعلاها ذهبت البركة، ولم يبق شيء ينحدر منها من أعلاها إلى جوانبها، وفي هذا من سوء الأدب وسوء العشرة والشره والحرص وعدم القناعة ما يجعل الناس يشمئزون وينفرون من الطعام ومن مجلسه، وبذلك تذهب البركة أو تقل. قال الصنعاني ﵀: دل على النهي عن الأكل من وسط القصعة، وعلله بأنه تنزل البركة في وسطها، وكأنه إذا أكل منه لم تنزل البركة على الطعام. (سبل السلام).

стр. 2601

وقال الحافظ العراقي ﵀: وجه النهي عن الأكل من الوسط أن وجه الطعام أفضله وأطيبه، فإذا قصده بالأكل استأثر به على رفقته، وهو ترك أدب وسوء عشرة. والمراد بالبركة هنا الإمداد من الله. فائدة: ٢ يجوز قطع اللحم بالسكين. قال ابن القيم ﵀: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ: فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا الْمَرْوِيُّ: النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا (زاد المعاد). قال العيني ﵀: قَالَ ابْن حزم: وَقطع اللَّحْم بالسكين للْأَكْل حسن، وَلَا يكره أَيْضا قطع الْخبز بالسكين؛ إِذْ لم يَأْتِ نهي صَرِيح عَن قطع الْخبز وَغَيره بالسكين. (عمدة القارئ). الحديث المشار إليه: (لا تقطعوا اللحم والخبز بالسكين) ولا يصح. وهو معارض بما اتفق عليه الشيخان: عن عمرو بن أمية قال (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).

стр. 2602

باب عشرة النساء (يَلْزَمُ الزَّوْجَيْنِ العِشْرَةُ بِالمَعْرُوفِ، من الصحبةِ الجميلة، وكف الأذى). أي: يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بما يقره الشرع والعرف من الصحبة والقيام بحقه وكف الأذى. أ- قال تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). أي: صاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، فأدوا ما لهن، واصبروا على أذاهن وتقصيرهن. ب- وقال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها أيضاً عليه حقاً، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى، لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية. • ينبغي أن ينوي كل واحد من الزوجين بالمعاشرة بالمعروف استجابة أمر الله.

стр. 2603

(وَيَحْرُمُ مَطْلُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَلْزَمُهُ لِلآخَرِ، وَالتَّكَرُّهُ لِبَذْلِهِ). أي: ويجب على كل واحد من الزوجين أن يؤدي حق الآخر ويقوم به مع قدرته على أدائه، ويحرم أن يماطل أو يتكره عند الأداء، بل يؤديه ببشر وطلاقة. كأن تقول المرأة: أريد كسوة فيقول إن شاء الله، ثم يماطل وتمضي الأيام ولم يأتي لها بشيء. لأن المطل مع القدرة عليه حرام، ولذلك قال النبي ﷺ (مطل الغني ظلم). (وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه). لقوله تعالى (وللرجال عليهن درجة). جاء في (الموسوعة الفقهية) حَقُّ الزَّوْجِ: عَلَى الزَّوْجَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْحُقُوقِ، بَل إِنَّ حَقَّهُ عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى (وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). قَال الْجَصَّاصُ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا، وَأَنَّ الزَّوْجَ مُخْتَصٌّ بِحَقٍّ لَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ. وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَيْهَا مُقَدَّمٌ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ فَوْقَهَا. وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ (لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأِحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا). (الموسوعة). (ويلزمُهَا طاعتُهُ في الاستمتاع). أي: ويجب عليها طاعته للاستمتاع بها. والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) متفق عليه.

стр. 2604

وفي رواية: (حتى ترجع). وفي لفظ (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ). وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلاَّ كَانَ الَّذِى فِي السَّمَاءِ سَاخِطاً عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا) رواه مسلم. إذاً: عقوبة المرأة إذا دعاها زوجها للفراش وامتنعت من غير سبب: أولاً: لعنتها الملائكة حتى تصبح. ثانياً: غضب الله حتى يرضى الزوج. فائدة: ١ صار هذا الترهيب للمرأة إذا لم تستجب لزوجها: لأن امتناعها يؤدي إلى الإضرار بالزوج، لأنه قد يؤدي به إلى الأمر المحرم، وما يسببه الامتناع من التوتر النفسي والغضب. فائدة: ٢ قوله (لعنتها الملائكة) اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله، واختلف في المراد بالملائكة: فقيل: الحفظة. وقيل: ملائكة السماء، للرواية الأخرى: (لعنتها الملائكة في السماء) وهذا هو الصحيح. فائدة: ٣ قال العلماء: هذا اللعن مقيد بما إذا كان الزوج أدى حق الزوجة من نفقة ومسكن وكسوة، ثم دعاها وامتنعت، وهذا القيد مأخوذ من عمومات الشريعة، فأما إذا ظلمها ومنعها حقها وتعدى عليها، فإنه لا يلزمها السمع والطاعة لأنه لا بد من المعاوضة.

стр. 2605

فائدة: ٤ قوله (فبات غضبان عليها) معنى هذه الرواية مقيدة بما إذا غضب زوجها عليها، أما إذا لم يغضب أو تنازل عن حقه فلن يكون هناك لعن. فائدة: ٥ قوله [حتى تصبح] وفي الرواية الأخرى (حتى ترجع): والفرق بين الروايتين: ذكر الحافظ ابن حجر أن رواية (حتى ترجع) أكثر فائدة، لأن رواية (حتى تصبح) مقيدة بالليل [إذا امتنعت بالليل] لكن رواية حتى ترجع تشمل حتى لو دعاها بالنهار، وتحمل رواية (حتى تصبح) محمولة على الغالب، يعني غالباً أن الرجل يدعو زوجته ليلاً. (مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا). فإن أضر بها فإنه يحرم عليه. مثال: لو فرض أنها حامل، والاستمتاع يشق عليها مشقة عظيمة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يباشرها. (أَوْ يَشْغَلْهَا عَن فَرْضٍ). كأن يضيق وقت الصلاة، فليس له وطئها لئلا يشغلها عنه، أو حال صومها الفرض. مثال: كأن يطلب منها الجماع وهي لم تصل الفجر وقد بقي على طلوع الشمس زمناً قليلاً (كأربع دقائق مثلاً)، فهنا لا يجوز له أن يستمتع بها، لأنه يشغلها عن فرض وهي الصلاة.

стр. 2606

(ولا يجوزُ لها أن تتطوع بصوم وهو حاضر إلا بإذنه). وذلك لأمرين: أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (غَيْرَ رَمَضَانَ). ب- لأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل. فائدة: ١ الحكمة من المنع: لأن حق الزوج واجب، وصيام غير الفرض مستحب، ومن الفقه تقديم الواجبات، ومن ذلك تقديم طاعة الزوج على المستحبات. فائدة: ٢ صوم الفرض كرمضان لا يحتاج إذن الزوج. لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فائدة: ٣ هل يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في قضاء رمضان أم لا؟

стр. 2607

هذه المسألة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن يضيق الوقت، بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان. فهنا لا يجب أن تستأذنه. الحال الثانية: إذا لم يضق الوقت، (الوقت موسع للقضاء) فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ- لحديث عائشة قالت (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه. ب- أنه ليس لها أن تمنع الزوج حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور. القول الثاني: أنه لا يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تصومن امرأة تطوعاً وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وهذا لفظه. فمفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعاً. ب- أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها، لأن لها حقاً في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 2608

فائدة: ٤ نستفيد من قوله ﷺ (وزوجها شاهد) نستفيد: أن الزوج إذا كان غائباً فيجوز لها أن تصوم ولا تحتاج إلى إذنه. أ- لمفهوم الحديث. ب- ولأن صيامها لا يضيع عليه حقاً من حقوقه. ج- ولأن المعنى المراد من المنع لا يوجد. (ويحْرُمُ وَطْؤُها في الحيضِ). أي: يحرم على الزوج جماع زوجته في فرجها حال الحيض. أ-لقوله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). ب- ولحديث أنس. قال: قال ﷺ (اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اَلنِّكَاحَ) رواه مسلم، أي: الجماع. ج-وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه الترمذي. قال الشوكاني: ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة الدين. (والدُّبُرِ). أي: ويحرم وطؤها أيضاً في الدبر. أ- لقوله تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) والدبر ليس محلاً للحرث.

стр. 2609

ب- عن جَابراً قال (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). [أتى امرأته] أي جامعها. [من دبرها] أي من جهة دبرها. [في قبلها] أي أن الوطء في القبل، لكن جاءها من خلفها. [كان الولد أحول] أي جاء الولد الذي ينتج عن الوطء أحولاً. [نساؤكم] أي زوجاتكم. [حرث لكم] أي إن النساء موضع إنبات الولد. [فأتوا حرثكم] أي واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث. [أنى شئتم] أي من أي جهةٍ شئتم، مقبلة أو مدبرة أو على جنب أو غير ذلك. وليس المعنى: من أي مكان شئتم، حيث يستدل بها على وطء الدبر، فإن سبب النزول يرد هذا المعنى. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) لم يبيّن هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة (حَيْثُ) وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِتْيَانُ فِي الْقُبُلِ فِي آيَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: هِيَ قَوْلُهُ هُنَا (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ). لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَأْتُوا) أَمْرٌ بِالْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، وَقَوْلِهِ: (حَرْثَكُمْ)، يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِتْيَانَ الْمَأْمُورَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ يَعْنِي بَذْرَ الْوَلَدِ بِالنُّطْفَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْقُبُلُ دُونَ الدُّبُرِ كَمَا لَا يَخْفَى; لِأَنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلُّ بَذْرٍ لِلْأَوْلَادِ، كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ.

стр. 2610

الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمُ الْوَلَدُ، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَقَدْ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْتِغَاءَ الْوَلَدِ إِنَّمَا هُوَ بِالْجِمَاعِ فِي الْقُبُلِ. فَالْقُبُلُ إِذَنْ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيهِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَلْتَكُنْ تِلْكَ الْمُبَاشَرَةُ فِي مَحَلِّ ابْتِغَاءِ الْوَلَدِ، الَّذِي هُوَ الْقُبُلُ دُونَ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، يَعْنِي الْوَلَدَ. وَيَتَّضِحُ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (أَنَّى شِئْتُمْ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ شَاءَ الرَّجُلُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْتَلْقِيَةً، أَوْ بَارِكَةً، أَوْ عَلَى جَنْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جَابِرًا ﵁ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَأْتُوهُنَّ فِي الْقُبُلِ عَلَى أَيَّةِ حَالَةٍ شِئْتُمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ وَرَائِهَا. وَالْمُقَرَّرُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْع. (أضواء البيان). وقد جاءت الأدلة على تحريم وطء الدبر، يقوي بعضها بعضاً: عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ملعون من أتى امرأة في دبرها) رواه أبو داود. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها) رواه الترمذي. [وهذه الأحاديث مختلف فيها لكن بعضها يقوي البعض].

стр. 2611

وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى امرأة حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد). رواه الترمذي [مختلف في صحته] قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه الأحاديث: " لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به. (فتح الباري). وقد ساق ابن القيم ﵀ أوجها كثيرة لتحريم الوطء في الدبر فقال: وَأَيْضًا: فَلِلْمَرْأَةِ حَقّ عَلَى الزّوْجِ فِي الْوَطْءِ وَوَطْؤُهَا فِي دُبُرِهَا يُفَوّتُ حَقّهَا وَلَا يَقْضِي وَطَرَهَا وَلَا يُحَصّلُ مَقْصُودَهَا. وَأَيْضًا: فَإِنّ الدّبُرَ لَمْ يَتَهَيّأْ لِهَذَا الْعَمَلِ وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ وَإِنّمَا الّذِي هُيّئَ لَهُ الْفَرْجُ فَالْعَادِلُونَ عَنْهُ إلَى الدّبُرِ خَارِجُونَ عَنْ حِكْمَةِ اللّهِ وَشَرْعِهِ جَمِيعًا. وأيضاً: فإن ذلك مُضِرّ بِالرّجُلِ وَلِهَذَا يَنْهَى عَنْهُ عُقَلَاءُ الْأَطِبّاءِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنّ لِلْفَرْجِ خَاصّيّةً فِي اجْتِذَابِ الْمَاءِ الْمُحْتَقَنِ وَرَاحَةُ الرّجُلِ مِنْهُ وَالْوَطْءُ فِي الدّبُرِ لَا يُعِينُ عَلَى اجْتِذَابِ جَمِيعِ الْمَاءِ وَلَا يُخْرِجُ كُلّ الْمُحْتَقَنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَمْرِ الطّبِيعِيّ. وَأَيْضًا: يَضُرّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إحْوَاجُهُ إلَى حَرَكَاتٍ مُتْعِبَةٍ جِدّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلطّبِيعَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ مَحَلّ الْقَذَرِ وَالنّجْوِ فَيَسْتَقْبِلُهُ الرّجُلُ بِوَجْهِهِ وَيُلَابِسُهُ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يَضُرّ بِالْمَرْأَةِ جِدّا لِأَنّهُ وَارِدٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ عَنْ الطّبَاعِ مُنَافِرٌ لَهَا غَايَةَ الْمُنَافَرَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُحْدِثُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالنّفْرَةَ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُسَوّدُ الْوَجْهَ وَيَظْلِمُ الصّدْرَ وَيَطْمِسُ نُورَ الْقَلْبِ وَيَكْسُو الْوَجْهَ وَحْشَةً تَصِيرُ عَلَيْهِ كَالسّيمَاءِ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فِرَاسَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُوجِبُ النّفْرَةَ وَالتّبَاغُضَ الشّدِيدَ وَالتّقَاطُعَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَلَا بُدّ. (زاد المعاد). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى.

стр. 2612

(والخروج والسفر إلا بإذنهِ). أي: ويحرم عليها الخروج من بيته ولا السفر إلا بإذنه. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) متفق عليه. فإذا كان هذا في الصوم، فكيف بمن تسافر؟ فائدة: ١ إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها، سقط حقها من القسم، وكذلك سقط حقها من النفقة. لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد منعت ذلك بالسفر. [قاله النووي] - معنى قولنا (إن سافرت بغير إذنه فلا قسم) أي: لا يلزمه القضاء إذا رجعت. فائدة: ٢ فإن سافرت بإذن زوجها لحاجتها، للتجارة مثلاً، أو للحج، أو للعمرة، أو لزيارة أقاربها، ففي هذه المسألة قولان: القول الأول: لا قسْم لها ولا نفقة. لأن النفقة في مقابل الاستمتاع، وقد تعذر بسبب من جهتها، فتسقط. أما القسم فيسقط، لأنها اختارت ذلك بسفرها.

стр. 2613

القول الثاني: لها النفقة. لأنها سافرت بإذنه، فأشبه إذا سافرت معه، فهو الذي أسقط حقه في الاستمتاع. وهذا الراجح. فإن سافرت بإذنه لحاجته فلها النفقة والقسم، مثلاً، له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة، لأن ذلك لحاجته. (ولا يعزِل عن الحرة بغير إذنها). العزل: النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج. قال القاضي عياض: العزل أن يعزل الرجل الماء عن رحم المرأة إذا جامعها حذر الحمل. والعزل جائز: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ اَلْقُرْآنُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اَللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا). وقد جاء الجواز في العزل عن عشرة من الصحابة ﵃. وهو جائز من الحرة بإذنها. لأن لها في الولد حقاً، وعليها في العزل ضرر.

стр. 2614

فائدة: ١ علة النهي عن العزل: فقيل: لتفويت حق المرأة. وقيل: لمعاندة القدر. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني هو الذي تقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك. فائدة: ٢ ترك العزل أولى لأمرين: أولاً: أن فيه إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها. ثانياً: أنه يفوت بعض مقاصد النكاح فائدة: ٣ ثبت كما تقدم جواز العزل، فما الجواب عن حديث جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ قَالَتْ: (حَضَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ. . . . ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (ذَلِكَ اَلْوَأْدُ اَلْخَفِيُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قال النووي: الْعَزْل هُوَ أَنْ يُجَامِع فَإِذَا قَارَبَ الإِنْزَال نَزَعَ وَأَنْزَلَ خَارِج الْفَرْج، وَهُوَ مَكْرُوه عِنْدنَا فِي كُلّ حَال، وَكُلّ اِمْرَأَة، سَوَاء رَضِيَتْ أَمْ لا لأَنَّهُ طَرِيق إِلَى قَطْع النَّسْل، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث تَسْمِيَته (الْوَأْد الْخَفِيّ) لأَنَّهُ قَطْع طَرِيق الْوِلادَة كَمَا يُقْتَل الْمَوْلُود بِالْوَأْدِ. وَأَمَّا التَّحْرِيم فَقَالَ أَصْحَابنَا: لا يَحْرُم. . . . ثُمَّ هَذِهِ الأَحَادِيث مَعَ غَيْرهَا يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي النَّهْي مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَمَا وَرَدَ فِي الإِذْن فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْي الْكَرَاهَة. (شرح مسلم).

стр. 2615

(ويسنّ أن يلاعِبَها قبل الجماع). سواء بالكلام أو بالفعل، لأن ذلك يحرك الشهوة، وتكمل اللذة، وهذا من العشرة بالمعروف. (وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ، وَقَوْلُ الْوَارِدِ). أي: يسن إذا أراد الرجل أن يجامع زوجته أن يسمي ويقول ما ورد. لحديث ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اَللَّهِ. اَللَّهُمَّ جَنِّبْنَا اَلشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا; فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ اَلشَّيْطَانُ أَبَدًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ويقال هذا الدعاء قبل الشروع في الجماع. لرواية (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله) وهي عند أبي داود. فائدة: ١ ما المراد بالضرر المنفي في قوله (لم يضره … )، اختلف العلماء في ذلك على أقوال: فقيل: لم يطعن في بطنه، وهذا ضعيف. لقوله ﷺ (إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا عيسى بن مريم) متفق عليه. وقيل: لم يصرعه، وهذا ضعيف. وقيل: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية.

стр. 2616

وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه. وقد جاء عن مجاهد: (أن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه). ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر. وأقربها الأخير والذي قبله، والله أعلم بالصواب. فائدة: ٢ أن هذا الدعاء يقوله الرجل دون المرأة. فليس هناك دعاء خاص تقوله المرأة قبل الجماع. فائدة: ٣ بركة اسم الله - أن ذكر الله يطرد الشيطان. (وليس عليها خدمة زوجِها في عجن وخبزٍ وطبخٍ ونحوه). هذا المذهب، أنه لا يجب على الزوجة خدمة زوجها. قالوا: إن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع فلا يلزمها غيره. جاء في (الموسوعة الفقهية) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الزَّوْجَةَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْدُمَ زَوْجَهَا فِي الْبَيْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا أَوْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا. إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْخِدْمَةِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ) إِلَى أَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا لَكِنَّ الأْوْلَى لَهَا فِعْل مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ)

стр. 2617

وذهب بعض العلماء: إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها بالمعروف من مثلها لمثله. وبه قال المالكية، واختاره ابن تيمية. أ-لقوله تعالى (الرجالون قوامون على النساء). وجه الدلالة: أن مقتضى القوامة من الرجل على المرأة أن تخدمه. ب- ولقوله ﷺ (لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ، وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ، لَكَانَ نَوْلُهَا أَنْ تَفْعَل) رواه ابن ماجه. ج- أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه بخدمته كقوله (يا عائشة اسقينا .. يا عائشة أطعمينا) رواه أحمد. د- عن عَلِي (أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِسَبْىٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَذَكَرَتْ لِعَائِشَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لَهُ فَأَتَانَا وَقَدْ دَخَلْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يحكم على عليّ بأن يأتيها بخادم، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحداً.

стр. 2618

ه- عن أَسْمَاء بِنْت أَبِى بَكْر قَالَتْ (تَزَوَّجَنِى الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِى الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَىْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ - قَالَتْ - فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَأَعْلِفُهُ وَأَسْتَقِى الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ لِى جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ - قَالَتْ - وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِى أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِى وَهْىَ عَلَى ثُلُثَىْ فَرْسَخٍ - قَالَتْ - فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِى فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَعَانِى ثُمَّ قَالَ «إِخْ إِخْ». لِيَحْمِلَنِى خَلْفَهُ - قَالَتْ - فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِى سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد رأى ما تلقاه أسماء من هذا العناء، ومع ذلك لم يقل للزبير لا خدمة عليها وأن هذا ظلم لها. جاء في (الموسوعة الفقهية). . . . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، إِلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةَ زَوْجِهَا فِي الأْعْمَال الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا. لِقِصَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ﵂، حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ بِمَا كَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ مِنَ الأْعْمَال، وَلِحَدِيثِ: لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأِحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُل مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ، وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ لَكَانَ نَوْلُهَا أَنْ تَفْعَل). قَال الْجُوزَجَانِيُّ: فَهَذِهِ طَاعَتُهُ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ؟

стр. 2619

وَلأِنَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ بِخِدْمَتِهِ فَيَقُول: يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ وَاشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ. وَقَال الطَّبَرِيُّ: إِنَّ كُل مَنْ كَانَتْ لَهَا طَاقَةٌ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى خِدْمَةِ بَيْتِهَا فِي خَبْزٍ، أَوْ طَحْنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ، إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّ مِثْلَهَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. (الموسوعة الفقهية). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف، فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه، وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها، ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك، وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته، فإن الله تعالى فوقه، وهو العلي الكبير ، قال الله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) " انتهى من "فتاوى نور على الدرب". وقال في (الشرح الممتع) والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف.

стр. 2620

فصل (وَإِنْ سَافَرَ فَوْقَ نصف سنة وَطَلَبَتْ قُدُومَهُ وَقَدِرَ لَزِمَهُ). أي: إذا سافر الزوج من دون زوجته فلا يخلو من أمرين: الأول: أن لا تطلب قدومه بل يتراضيان، فالأمر راجع إليها. والثاني: أن تطلب الزوجة قدومه، فيجب أن يقدم إذا توفرت عدة شروط: أ-أن يكون السفر فوق نصف سنة، فإن كان أقل لم يجب أن يقدم إذا طلبت. لأن المرأة لا تصبر غالباً عن زوجها أكثر من ستة أشهر. ب- أن لا يكون في جهاد أو حج واجبين، أو في طلب رزق يحتاجه. ج- أن يقدر على القدوم، فإن عجز فلا يلزمه. (فَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِهَا). أي: إن أبي الزوج أن يقدم من سفره وتوفرت فيه الشروط، فإنه يفرق بينهما إذا طلبت المرأة التفريق. (ويحرمُ عليها الخروج بلا إذنه). أي: يحرم على الزوجة أن تخرج من البيت من غير إذن زوجها. فإن خرجت دون إذنه، كانت عاصية ناشزاً، تسقط نفقتها، وتأثم بذلك. لكن يستثنى حالات الاضطرار، وقد مثّل لها الفقهاء بأمثلة: منها: إذا خرجت لشراء ما لا بد منه، أو خافت من انهدام المنزل، ونحو ذلك. ولا فرق في ذلك بين أن تكون الزوجة في بيت زوجها أو بيت أهلها، فليس لها أن تخرج إلا بإذنه، فإذا منعها وجب عليها امتثال ذلك، لأنها مأمورة بطاعة زوجها في غير المعصية، وقد جعل الله تعالى له القوامة عليها، وهو مسئول عنها.

стр. 2621

ومما يدل على اشتراط إذن الزوج في الخروج حتى لزيارة أهلها: ما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ (أتأذن لي أن آتي أبوي) متفق عليه. قال العراقي: فيه: أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها. جاء في (الموسوعة الفقهية) يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ بِلَا إِذْنِ الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ لَهَا نَازِلَةٌ، وَلَمْ يُغْنِهَا الزَّوْجُ الثِّقَةُ أَوْ نَحْوُ مَحْرَمِهَا، وَكَذَا لِقَضَاءِ بَعْضِ حَوَائِجِهَا الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا، كَإِتْيَانِهَا بِالْمَاءِ مِنَ الدَّارِ، أَوْ مِنْ خَارِجِهَا، وَكَذَا مَأْكَلٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا غَنَاءَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يَقُمِ الزَّوْجُ بِقَضَائِهِ لَهَا، وَكَذَا إِنْ ضَرَبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا، أَوْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ لِقَاضٍ تَطْلُبُ عِنْدَهُ حَقَّهَا.

стр. 2622

باب القَسْم تعريفه: القسْم بفتح فسكون، وهو بمعنى القسمة وهو العطاء، والمراد به هنا: القسْم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة. (وقيل توزيع الزمان بين الزوجات). وعرفه بعضهم بقوله (القسم هو مبيت الزوج مع زوجته في نوبتها سواء حصل في هذا المبيت وطء أم لم يحصل). جاء في كشاف القناع: القسم هو توزيع الزمان على زوجاته إن كنّ ثنتين فأكثر. (يجب عليه التسوية بين زوجاتهِ في المبيت). أي: يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في القسم. وذلك في المبيت. أ- لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). قال ابن قدامة: وليس مع الميل معروف. ب- ولحديث عائشة قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك) رَوَاهُ أبو داود. ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه الترمذي.

стр. 2623

قال الشوكاني: وفيه دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج كالقسمة والطعام والكسوة. د- وعن عَائِشَةَ قَالَتْ (لَمَّا (ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ) متفق عليه. من هذا الحديث قال العلماء بوجوب القسم على الزوج ولو كان مريضاً هذا إذا استطاع فإن شق عليه ذلك استأذن في المكوث عند واحدة منهن كما فعل النبي ﷺ في استئذانه باقي نسوته في المكوث عند عائشة السابق الذكر فأذن له فمكث عندها حتى مات في بيتها. عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان وكنت أعدل بينهما حتى في القبل. وعن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء، حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب القسم، والتسوية بين الزوجات في القسم خلافاً. فائدة: ١ هل يجب أن يعدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجب عليه، إذا كفّى كل واحدة وأعطى واحدة منهن زيادة. وهذا قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.

стр. 2624

قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ لَهُ امْرَأَتَانِ: لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي النَّفَقَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْكُسَى، إذَا كَانَتْ الْأُخْرَى فِي كِفَايَةٍ، وَيَشْتَرِي لِهَذِهِ أَرْفَعَ مِنْ ثَوْبِ هَذِهِ، وَتَكُونُ تِلْكَ فِي كِفَايَةٍ. (المغني). مثال: لو أعطى الأولى ١٠٠ وهو كفايتها، وأعطى الثانية ١٠٠ كفايتها وزادها ١٠٠. قالوا: لأنه أدى الواجب للأولى [وهو كفايتها] ولم يظلمها. أ-أن التسوية في النفقة والكسوة فيما زاد على الواجب أمر يصعب التحرز منه، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء. ب-أن حقهن في النفقة والكسوة، وقد سوى بينهن، وما زاد على ذلك فهو متطوع، فله أن يفعله إلى من شاء. القول الثاني: يجب عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أ- لعموم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). ب- ولحديث (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما … ). ج- ولأن عدم العدل بين الزوجات في النفقة يوغر الصدور، ويثير الأحقاد، مما يؤثر على الحياة الزوجية ويعكر صفوها، (والعدل في النفقة أن يعطي كل واحدة ما يكفيها). وهذا القول أقرب للصواب، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ السعدي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وعلماء اللجنة الدائمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما العدل في " النفقة والكسوة " فهو السنة أيضًا اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة؛ مع تنازع الناس في القسم: هل كان واجباً عليه؟ أو مستحباً له؟ وتنازعوا في العدل في النفقة: هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة.

стр. 2625

فائدة: ٢ هل القسْم كان واجباً على النبي ﷺ ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن القسم كان واجباً عليه ﷺ -. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. أ-لعموم الأدلة القاضية على وجوب القسم بين النساء، كقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ). ب- وبقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم. ج- واستدلوا باستئذان رسول الله ﷺ أهله في أن يمرض في بيت عائشة ﵂ عن عَائِشَة قَالَتْ (أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا وَأَذِنَّ لَهُ. . .) متفق عليه. قالوا: لو كان القسم واجباً عليه لما احتاج إلى استئذانهن في ذلك. القول الثاني: لم يكن واجباً. وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن جرير. لقوله تعالى (تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً).

стр. 2626

قال أبو بكر الجصاص ﵀: وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي ﷺ ، وأنه كان مخيراً في القسم لمن شاء منهن، وترك من شاء منهن. . . . وحمل أصحاب هذا القول حديث ﷺ (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) على مكارم الأخلاق وجميل العشرة منه ﷺ . فائدة: ٣ قوله (طاف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد). قال الفقهاء: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة؟ والجواب من أوجه: قيل: إنه برضا صاحبة النوبة. وقيل: إنه يفعل ذلك عند استيفاء القسمة ثم يستأنف القسمة. وقيل: إنه كان يفعل ذلك عند إقباله من السفر. وقيل: قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب القسمة، ثم ترك بعدها. (لا في الوطء). أي: فلا يجب أن يسوي بينهن في الوطء. أ- لقوله تعالى (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). قال البغوي: أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم على العدل. وقال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.

стр. 2627

وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة. وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل. وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع. ب- ولحديث عائشة السابق (أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك). ج- أن النبي ﷺ أخبر أن عائشة أحب نسائه إليه. قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ. وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ (وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ) وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ حَتَّى فِي الْقُبَلِ. (المغني).

стр. 2628

وقال ابن القيم: إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه، ولكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل. (وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ) أي: أن عماد القسم بالليل لمن كان معاشه بالنهار. قال ابن قدامة: لَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارَ لِلْمَعَاشِ، وَالْخُرُوجِ، وَالتَّكَسُّبِ، وَالِاشْتِغَالِ … فَعَلَى هَذَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي مَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَمَا شَاءَ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ … إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَعَاشُهُ بِاللَّيْلِ، كَالْحُرَّاسِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. … (المغني). (وَيَقْسِمُ لِحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، وَمَرِيضَةٍ). أي: أن الزوجة إذا كانت مريضة أو حائضاً أو مريضة فإنه يقسم لها. قال في المغني: لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ. وقد روت عائشة: (أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟). ومن الأدلة: ما رواه البخاري عن ميمونة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض). قال الشافعي ﵀: ويبيت عند المريضة التي لا جماع فيها، والحائض والنفساء؛ لأن مبيته سكن إلف وإن لم يكن جماع أو أمر تحبه المرأة وترى الغضاضة عليها في تركه. (الأم).

стр. 2629

وفي كشاف القناع (وَيقسِمُ الزَّوْجُ لزَوْجَةٍ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ؛ لأَنَّ الْقَصْدَ السَّكَنُ وَالإِيوَاءُ وَالأُنْسُ وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِك). (ويجب على الزوج المريض أن يقسم بين زوجاته كالصحيح). أ-لعموم ما تقدم من أدلة وجوب القسم. ب- ولحديث عائشة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولَ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ … ). فلو سقط بالمرض لم يكن للاستئذان معنى. ج- ولأن القسم للصحبة والمؤانسة، وذلك يحصل من المريض كما يحصل من الصحيح. فائدة: اختلف الفقهاء فيما لو شق على المريض الطواف بنفسه على زوجاته فكيف يقسم؟ قيل: يستأذن من أزواجه أن يكون عند إحداهن، فإن لم يأذن له أقام عند من تعينها القرعة ولا يقضي للباقيات.

стр. 2630

وهذا مذهب الحنابلة. أ- لحديث عائشة قَالَتْ (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ … ) متفق عليه. ب- أنهم إذا لم يأذن لهن أقرع بينهن، لتساويهن في الحق، فتميز القرعة بينهن. وقيل: يقيم عند من شاء الإقامة عندها لرفقها به في تمريضه، لا لميله إليها، ثم إذا صح ابتدأ القسم، ولا يقضي للأخرى. والراجح الأول. (ويَحرمُ دخوله في نوبة واحدة إلى غيرها إلا لضرورة، وفي نهارها إلا لحاجة). خروج الزوج من بيت صاحبة النوبة ودخوله بيت الأخرى فيه تفصيل: أولاً: فإن كان ذلك في النهار: فإنه يجوز للحاجة، كوضع متاع، وتسليم نفقة وتعرف خبرٍ، وعيادة، ونحو ذلك. أ- لحديث عائشة قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا) رواه أبوداود. ب- وعنها قالت (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ … ) رواه البخاري.
следующие страницы →