Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
قال أبو بكر الجصاص ﵀: وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي ﷺ ، وأنه كان مخيراً في القسم لمن شاء منهن، وترك من شاء منهن. . . .
وحمل أصحاب هذا القول حديث ﷺ (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) على مكارم الأخلاق وجميل العشرة منه ﷺ .
فائدة: ٣
قوله (طاف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد).
قال الفقهاء: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة؟
والجواب من أوجه:
قيل: إنه برضا صاحبة النوبة.
وقيل: إنه يفعل ذلك عند استيفاء القسمة ثم يستأنف القسمة.
وقيل: إنه كان يفعل ذلك عند إقباله من السفر.
وقيل: قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب القسمة، ثم ترك بعدها.
(لا في الوطء).
أي: فلا يجب أن يسوي بينهن في الوطء.
أ- لقوله تعالى (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ).
قال البغوي: أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم على العدل.
وقال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.
стр. 2627
وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة.
وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.
وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع.
ب- ولحديث عائشة السابق (أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك).
ج- أن النبي ﷺ أخبر أن عائشة أحب نسائه إليه.
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.
وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ (وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ) وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ حَتَّى فِي الْقُبَلِ. (المغني).
стр. 2628
وقال ابن القيم: إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه، ولكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل.
(وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ)
أي: أن عماد القسم بالليل لمن كان معاشه بالنهار.
قال ابن قدامة: لَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارَ لِلْمَعَاشِ، وَالْخُرُوجِ، وَالتَّكَسُّبِ، وَالِاشْتِغَالِ … فَعَلَى هَذَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي مَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَمَا شَاءَ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ … إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَعَاشُهُ بِاللَّيْلِ، كَالْحُرَّاسِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. … (المغني).
(وَيَقْسِمُ لِحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، وَمَرِيضَةٍ).
أي: أن الزوجة إذا كانت مريضة أو حائضاً أو مريضة فإنه يقسم لها.
قال في المغني: لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ.
وقد روت عائشة: (أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟).
ومن الأدلة: ما رواه البخاري عن ميمونة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض).
قال الشافعي ﵀: ويبيت عند المريضة التي لا جماع فيها، والحائض والنفساء؛ لأن مبيته سكن إلف وإن لم يكن جماع أو أمر تحبه المرأة وترى الغضاضة عليها في تركه. (الأم).
стр. 2629
وفي كشاف القناع (وَيقسِمُ الزَّوْجُ لزَوْجَةٍ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ؛ لأَنَّ الْقَصْدَ السَّكَنُ وَالإِيوَاءُ وَالأُنْسُ وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِك).
(ويجب على الزوج المريض أن يقسم بين زوجاته كالصحيح).
أ-لعموم ما تقدم من أدلة وجوب القسم.
ب- ولحديث عائشة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولَ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ … ). فلو سقط بالمرض لم يكن للاستئذان معنى.
ج- ولأن القسم للصحبة والمؤانسة، وذلك يحصل من المريض كما يحصل من الصحيح.
فائدة:
اختلف الفقهاء فيما لو شق على المريض الطواف بنفسه على زوجاته فكيف يقسم؟
قيل: يستأذن من أزواجه أن يكون عند إحداهن، فإن لم يأذن له أقام عند من تعينها القرعة ولا يقضي للباقيات.
стр. 2630
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث عائشة قَالَتْ (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ … ) متفق عليه.
ب- أنهم إذا لم يأذن لهن أقرع بينهن، لتساويهن في الحق، فتميز القرعة بينهن.
وقيل: يقيم عند من شاء الإقامة عندها لرفقها به في تمريضه، لا لميله إليها، ثم إذا صح ابتدأ القسم، ولا يقضي للأخرى.
والراجح الأول.
(ويَحرمُ دخوله في نوبة واحدة إلى غيرها إلا لضرورة، وفي نهارها إلا لحاجة).
خروج الزوج من بيت صاحبة النوبة ودخوله بيت الأخرى فيه تفصيل:
أولاً: فإن كان ذلك في النهار:
فإنه يجوز للحاجة، كوضع متاع، وتسليم نفقة وتعرف خبرٍ، وعيادة، ونحو ذلك.
أ- لحديث عائشة قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا) رواه أبوداود.
ب- وعنها قالت (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ … ) رواه البخاري.
стр. 2631
ويجوز للزوج أن يستمتع بزوجته عند دخوله عليها، بغير الجماع.
لقول عائشة (كان رسول الله ﷺ يدخل عليّ في يوم غيري، فينال مني كل شيء، إلا الجماع).
ولحديثها السابق (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ. . .).
ثانياً: الخروج للزوجة الثانية ليلاً:
فلا يجوز إلا لضرورة، كمرضها المخوف، وشدة الطلق، وخوف النهب والحرق.
فإن أطال المكث قضى لصاحبة النوبة.
أ- أن الليل هم عماد القسم وأصله.
ب- ولما فيه من إبطال حق ذات النوبة، وترك الواجب عليه.
ج- ويجوز حال الضرورة، لأن حال الضرورة يباح له ترك الواجب، لإمكان قضائه في وقت آخر.
قال ابن قدامة ﵀: وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي زَمَنِهَا:
فَإِنْ كَانَ لَيْلًا لَمْ يَجُزْ إلَّا الضَّرُورَةُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَهَا، أَوْ تُوصِي إلَيْهِ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنَّ خَرَجَ، لَمْ يَقْضِ.
وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي النَّهَارِ إلَى الْمَرْأَةِ فِي يَوْمِ غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ، أَوْ عِيَادَةٍ، أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، أَوْ زِيَارَتِهَا لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ. (المغني).
стр. 2632
فائدة:
لو خرج أثناء الليل مما لم تجر العادة بالخروج في أثنائه، فإن لم يلبث وعاد لم يقض لمن خرج من عندها هذا الوقت للمسامحة به.
وغن طال زمن خروجه، فاختلف العلماء في وجوب القضاء عليه على قولين:
قيل: عدم وجوب القضاء.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية.
وقيل: يجب عليه القضاء لصاحبة النوبة.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ- لعموم أدلة وجوب العدل بين النساء.
ب- أنه مع طول الزمن لا يسمح به عادة، فيكون حقها قد فات بغيبته عنها.
والله أعلم.
(وَإِنْ سَافَرَتْ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا، أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ، أَوْ المَبِيتَ عِنْدَهُ فِي فِرَاشِهِ، فَلَا قَسْمَ لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ).
هذه عدة أمور يسقط فيها القسم:
أولاً: (وَإِنْ سَافَرَتْ بِلَا إِذْنِهِ).
فإذا إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها، سقط حقها من القسم والنفقة، لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد منعت ذلك بالسفر. [قاله النووي]
стр. 2633
(أَوْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا).
إذا سافرت بإذنه لكن لحاجتها هي.
قالت له مثلاً: إني أريد أن أزور أقاربي أو ما أشبه ذلك، فأذن لها.
فلا قسم لها. (فلا يقضي لها).
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ- لأنها فوتت حقه من الاستمتاع بها، ولم تكن في قبضته، وإذنه لها بالسفر رافع للإثم خاصة.
ب- أن القسم للأنس، وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها، فسقط كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها.
- فإن سافرت بإذنه لحاجته هو، فلا يسقط حقها من القسم.
مثلاً له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال لها القسم ولها النفقة.
والخلاصة: سفر المرأة له أحوال:
أولاً: أن تسافر من غير إذنه: فلا قسم لها، ولا نفقة لها لأنها ناشز.
ثانياً: أن تسافر بإذنه لحاجته هو: فهذه لها القسم والنفقة.
ثالثاً: أن تسافر بإذنه لحاجتها، فلا قسم لها.
(أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ).
فلو رفضت السفر معه فليس لها قسم ولا نفقة.
(أَوْ المَبِيتَ عِنْدَهُ فِي فِرَاشِهِ).
أي: إذا دعاها إلى الفراش فأبت ورفضت فلا قسم لها ولا نفقة. وتقدم خطر ذلك.
стр. 2634
(وَمَنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِضَرَّتِهَا بِإِذْنِهِ جَازَ، فَإِنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لَهَا مُسْتَقْبَلاً).
أي: يجوز للزوجة أن تنازل من حقها في القسم ووهبها نوبتها لضرتها، لكن بشرط إذن الزوج.
قال ابن قدامة: ويجوز للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها، أو لبعض ضرائرها، أو لهن جميعاً، ولا يجوز إلا برضى الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه. (المغني).
قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).
عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- لكن يشترط: أن يرضى الزوج بذلك.
لأن الأصل أن حق الزوج متعلق بالزوجة الواهبة، فليس لها أن تسقط حق زوجها إلا برضاه، وسودة وهبت يومها من النبي ﷺ لعائشة، وقد قبِلَ النبي ﷺ ذلك، فكان يقسم لعائشة يومين.
стр. 2635
فائدة: ١
فعلت سودة ذلك لأمور:
الأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ .
الأمر الثاني: جاء عند مسلم (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة).
الأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله ﷺ ، قالت عائشة (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا، … ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله ﷺ منها).
وقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول ﷺ : إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة).
فائدة: ٢
وتصرفها هذا يدل على أمرين:
الأول: على فقهها، لأن الرسول ﷺ لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة.
الثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول ﷺ وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان إهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي ﷺ .
стр. 2636
فائدة: ٣
يجوز للمرأة أن تهب نوبتها للزوج، فيتصرف فيها كيف يشاء، وللزوج أن يجعلها لمن شاء من زوجاته.
لكن إن شاء جعلها للجميع، ومعنى للجميع: بدل ما كان يقسم لأربع، يصير الآن يقسم لثلاث، فصار الجميع اسْتفدْن من حقوق هذه الليلة، بخلاف ما لو أعطيت لواحدة.
وله أن يخص به واحدة منهن، لكن كونه للجميع هذا أقرب للعدل وأبعد عن الميل.
فائدة: ٤
إسقاط الزوجة للقسم بعوض:
أولاً: كون العوض غير مالي.
يجوز للزوجة أن تسقط حقها من القسم كله أو بعضه مقابل عوض غير مالي، كأن تسقطه لأجل أن يمسكها الزوج فلا يطلقها، أو تسقط بعض القسم لكي ترضي الزوج.
أ- عنْ عَائِشَةَ، ﵂، (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا، أَوْ إِعْرَاضًا) قَالَتْ هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا تَقُولُ لَهُ أَمْسِكْنِي، وَلَا تُطَلِّقْنِي ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيَّ وَالْقِسْمَةِ لِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) متفق عليه.
ب- إسقاط سودة قسمها - كما تقدم - لأجل أن يمسكها النبي ﷺ .
стр. 2637
ثانياً: كون العوض مالياً.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يجوز أن تتنازل الزوجة عن قسمها بعوض مالي سواء كان ذلك من الزوج، أو من قبل الضرة الأخرى.
وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية.
لقوله تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا، أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) وهذا يشمل الصلح بإسقاط القسم بعوض.
القول الثاني: لا يجوز للزوجة أخذ العوض مقابل إسقاط قسمها.
وهذا قول جمهور العلماء.
لأنه اعتياض عن حق لم يجب.
والراجح جوازه.
فائدة: ٥
هل يجوز للواهبة الرجوع؟ الجمهور أنه يجوز أن ترجع.
فائدة: ٦
قال ابن قدامة: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُثِيرُ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ، وَتَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِسَّهُ إذَا أَتَى إلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَرَى ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ.
стр. 2638
(وإذا أراد سفراً أقرع بين نسائه).
أي: أنه يجب على أن الرجل إذا أراد السفر بإحدى نسائه أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها.
أ-عن عَائِشَة قَالَت (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) متفق عليه.
ب- ولأن السفر ببعضهن من غير قرعة فيه تفضيل وميل، وهذا لا يجوز.
قال ابن قدامة: وجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، فَأَحَبَّ حَمْلَ نِسَائِهِ مَعَهُ كُلِّهِنَّ، أَوْ تَرْكَهُنَّ كُلِّهِنَّ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لِتَعْيِينِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْهُنَّ بِالسَّفَرِ، وَهَاهُنَا قَدْ سَوَّى، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِبَعْضِهِنَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إلَّا بِقُرْعَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (المغني).
وقال النووي: فيه: أن من أراد سفراً ببعض نسائه: أقرع بينهن كذلك، وهذا الإقراع عندنا واجب.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) واتفق الشافعية والحنابلة: على أن الزوج لا يجوز له أن يسافر ببعض زوجاته - واحدة أو أكثر - إلا برضاء سائرهن أو بالقرعة.
فائدة: ١
هل يقضي للحاضرة بعد رجوعه؟
لا يقضي.
قال ابن قدومه: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِلْحَاضِرَاتِ بَعْدَ قُدُومِهِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ ".
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
стр. 2639
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَقْضِي؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ).
وَلَنَا، أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَذْكُرْ قَضَاءً فِي حَدِيثِهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الَّتِي سَافَرَ بِهَا يَلْحَقُهَا مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ السَّكَنِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ السَّكَنِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَلَوْ قُضِيَ لِلْحَاضِرَاتِ، لَكَانَ قَدْ مَالَ عَلَى الْمُسَافِرَةِ كُلَّ الْمَيْلِ. (المغني).
فائدة: ٢
أ- إن سافر بإحداهن بغير قرعة، أثم، وقضى للبواقي بعد سفره. … (المغني).
ب- إن رضين بخروج إحداهن معه بلا قرعة فلا بأس، لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة، وكذا لو كان كثير الأسفار، وأراد أن يجعل لكل واحدة سفرة فإنه يجوز، لأن هذا حق متميز لا خفاء فيه.
ج- ومتى سافر بأكثر من واحدة، سوى بينهن كما يسوي بينهن في الحضر.
فائدة: ٣
حديث عائشة السابق دليل على العمل بالقرعة، وقد ذكرت القرعة في موضعين من القرآن:
قال تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ).
وقال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).
стр. 2640
وجاءت في أحاديث كثيرة: منها الحديث السابق.
وحديث (لو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة) رواه مسلم.
قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ونبينا محمد ﷺ .
وقال الإمام أحمد: أقرع النبي ﷺ في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين.
والقرعة يعمل بها: عند التساوي في الاستحقاق وعدم إمكان الجمع، قال ابن القيم: الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها.
فصل
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِكْراً أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً ثُمَّ دَارَ، وَثَيِّباً ثَلاثاً).
أي: أن الرجل إذا تزوج امرأة جديدة، فإنه يجلس عندها سبعاً إذا كانت بكراً، ويجلس عندها ثلاثاً إذا كانت الزوجة الجديدة ثيباً.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد.
قال في المغني: مَتَى تَزَوَّجَ صَاحِبُ النِّسْوَةِ امْرَأَةً جَدِيدَةً، قَطَعَ الدُّورَ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَلَا يَقْضِيهَا لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَقْضِيهَا.
وقال النووي: وَفِيهِ أَنَّ حَقّ الزِّفَاف ثَابِت لِلْمَزْفُوفَةِ وَتَقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْر كَانَ لَهَا سَبْع لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا بِلَا قَضَاء، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَانَ لَهَا الْخِيَار إِنْ شَاءَتْ سَبْعًا، وَيَقْضِي السَّبْع لِبَاقِي النِّسَاء، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا وَلَا يَقْضِي. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن جَرِير وَجُمْهُور الْعُلَمَاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْحَكَم وَحَمَّاد: يَجِب قَضَاء الْجَمِيع فِي الثَّيِّب وَالْبِكْر وَاسْتَدَلُّوا بِالظَّوَاهِرِ الْوَارِدَة بِالْعَدْلِ بَيْن الزَّوْجَات.
стр. 2641
وَحُجَّة الشَّافِعِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَهِيَ مُخَصَّصَة لِلظَّوَاهِرِ الْعَامَّة. (نووي).
مثال: رجل عنده زوجة اسمها فاطمة، ثم بعد ذلك تزوج امرأة أخرى اسمها عائشة وكانت بكراً، فنقول: يجلس عند عائشة سبع أيام ثم يقسم.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ (مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله (أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ) لما طلبت منه أن لا يخرج، ففي رواية لمسلم (أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة، فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه)
وقوله (إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) قيل: المراد بالأهل قبيلتها، وقيل: أراد بالأهل نفسه ﷺ ، أي: ليس اقتصاري على الثلاثة لهوانك عليّ، ولا لعدم رغبتي فيك، ولكن لأنه الحكم الشرعي.
فائدة: ١
الحكمة من ذلك:
أولاً: أن البكر تنفر من الرجل أكثر من نفور الثيب.
ثانياً: أن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب.
стр. 2642
باب النشوز
تعريفه:
لغة: مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض.
واصطلاحاً: معصية الزوجة الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته.
(وإن خاف نشوزَ امرأتهِ، وظهرتْ منها قرائنُ معصيتهِ وعظَهَا).
أي: إذا خاف الرجل نشوز امرأته بأن ظهر منها قرائنه، كأن تمنعه حقه بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة متكرهة، فإنه: يعظها.
هذا العلاج الأول لنشوز المرأة: الوعظ.
والوعظ التذكير بما يرغّب أو يخوف.
لقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ).
بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:
مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح).
ومثل قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).
فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو:
стр. 2643
(فإن أصرّت هجَرَها في المضجع).
هذا العلاج الثاني من علاج نشوز المرأة: وهو هجرها في المضجع.
لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
• ويهجرها ما شاء حتى ترتدع وترجع.
(فإن لم ترتدع ضربها ضرباً غير مبرِّح).
أي: فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها.
لقوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ).
стр. 2644
لكن لهذا الضرب شروطاً:
أولاً: أن يكون غير مبرحاً أي: غير شديد.
أ-عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع (اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) رواه مسلم.
ب- ولأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام.
ثانياً: أن يتقي الوجه.
عن مُعَاوِيَةَ بن حَيْدَة الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ (أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْت) قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَا تُقَبِّحْ: أَنْ تَقُولَ قَبَّحَكِ اللَّه.
ب- وعن جَابِرٍ ﵁ قال (نهى رسول اللَّهِ ﷺ عن الضَّرْبِ في الْوَجْه) رواه مسلم.
قال النَّوَوِيُّ ﵀ -وأما الضرب في الوجه: فمنهيٌّ عنه في كل الحيوان المحترم، مِن الآدمي، والحمير، والخيل، والإبل، والبغال، والغنم، وغيرها، لكنه في الآدمي أشد؛ لأنه مجمع المحاسن، مع أنه لطيف؛ لأنه يَظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه، وربما آذى بعض الحواس.
جاء في (الموسوعة الفقهية) طُرُقُ تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ:
الْوَعْظ - الْهَجْرُ فِي الْمَضْجَعِ - الضَّرْبُ غَيْرُ الْمُبَرِّحِ.
وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَلَا يَنْتَقِل إِلَى الْهَجْرِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُجْدِ الْوَعْظُ، هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ).
стр. 2645
جَاءَ فِي الْمُغْنِي: فِي الآْيَةِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، فَإِنْ أَصْرَرْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأْظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ - إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّبَهَا بِالضَّرْبِ بَعْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ مِنْهَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلَا تَرْتِيبَ عَلَى هَذَا الْقَوْل بَيْنَ الْهَجْرِ وَالضَّرْبِ بَعْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ يُوَافِقُ رَأْيَ الْجُمْهُورِ. (الموسوعة الفقهية).
(ويُمنعُ من ذلك إن كان مانعاً لحقِّها).
أي: يمنع الزوج ولا يجوز له أن يستعمل هذه المراتب إذا كان مانعاً لحقها، وذلك بأن يمنع زوجته حقها من النفقة والقسْم، أو تجد منه إساءة خلق، أو أن يؤذيها، سواء كان بالضرب أو بغيره بلا سبب.
(وإن خيف الشقاق بينهُما: بعث الحاكم حكماً من أهله وحكماً من أهلها).
أي إذا كان الشقاق بين الزوجين، وعدم قيام كل واحد بما يجب عليه، فإنه يبعث القاضي حكماً من أهلها وحكماً من أهله.
قال تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً).
فالحل يكون عند الحاكم، والحاكم حينئذ يقيم حكمين أحدهما من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة.
فائدة: ١
اختلف العلماء في الرجلين المبعوثين هل هما حكمان أم وكيلان للزوجين على قولين:
أحدهما: أنهما وكيلان. والثاني: أنهما حكمان، وهذا هو الصحيح.
ورجح هذا القول ابن القيم وقال: العجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين
وعلى هذا القول فإنها يلزمان الزوج بدون إذنهما ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع.
стр. 2646
لأن الله سمى كلاً منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم.
وقد روى ابن أبي شيبة هذا القول عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وسعيد بن جبير، وهو قول مالك.
واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه الأصح، لأن الوكيل ليس بحَكَم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل.
فائدة: ٢
والسر في اختيار كل واحد من الحكمين من أقارب الآخر: لأنهما أدري بحالهما وأعلم ببواطن الأمور، لأن الزوجين يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهم.
قال الآلوسي: وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة.
فائدة: ٣
وعلى الحكمين المذكورين تقوى الله والنظر فيما يصلح شأنهما ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، وبعد ذلك يقرران ما يريانه من جمع أو تفريق.
فائدة: ٤
قوله تعالى (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً):
الضمير في قوله (إِنْ يُرِيدَا) يعود للحكمين - وهذا قول الجمهور -
وقيل: على الزوجين.
والأول أصح، لأن الحكمين هما اللذان يريدان أن يحكما، فنية الإصلاح تكون منهما، أما الزوجان فالخلاف قائم بينهما، وكل واحد يريد الانتصار لنفسه.
стр. 2647
باب الخلع
قال ابن حجر: الخلع بضم المعجمة وسكون اللام وهو في اللغة: فراق الزوجة على مال.
قال ابن قدامة: فإذا ثبت هذا، فإن هذا يسمى خلعاً؛ لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها.
قال الله تعالى (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ويسمى افتداء؛ لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله.
قال الله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
(وهو فراق زوجته بعوضٍ منها أو من غيرِها)
هذا تعريف الخلع، وهو فراق الزوج زوجته بعوض منها أو من غيرها.
فائدة: ١
قوله (بعوض) يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، كالفسخ لوجود عيب أو غيره.
فائدة: ٢
قوله (أو من غيرها).
أي: يصح عوض الخلع ولو من أجنبي، بأن يدفع العوض للزوج على أن يخالع زوجته.
وهذا قول الجمهور.
لكن بشرط أن يكون قصده:
مصلحة الزوج: كأن يكون الزوج كارهاً الزوجة، إلا أنه يشح أن يفارقها بلا عوض، فيعطيه عوضاً ليفارقها.
أو يقصد مصلحة الزوجة: كأن تكون كارهة الزوج، ولكن ليس لديها من المال ما تدفعه عوضاً.
فإن قصد غير ذلك لم يجز.
стр. 2648
فائدة: ٣
الحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وسماه الله افتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسْر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله.
(والأصل فيه قوله تعالى (وإِنْ خفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).
هذه الآية: هي الدليل على إباحة الخلع:
قال تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)
(وإِنْ خِفْتُمْ) الخطاب في الآية لذوي السلطان من ولاة الأمر، أو لأقارب الزوجين. (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) هي ما يجب لكل واحد منهما على الآخر. (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: دفعته فداءً عن البقاء معه.
ومن السنة على جوازه:
حديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً). رواه البخاري
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا).
وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: (أَنَّ اِمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اِخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً).
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ: (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيماً وَأَنَّ اِمْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اَللَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَسَقْتُ فِي وَجْهِهِ).
وَلِأَحْمَدَ: مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي اَلْإِسْلَام).
стр. 2649
فائدة: ١
[ثابت بن قيس] بن شماس الأنصاري الخزرجي، مشهور بخطيب الأنصار، أول مشاهده غزوة أحد، وقد بشره النبي ﷺ بالجنة، قتل يوم اليمامة شهيداً سنة ١٢ هـ.
[ما أعتب عليه] يعني ما ألوم عليه أي تصرف، وفي رواية (ما أعيب) العيب معناه الرداءة والنقص.
[في خُلق ولا دين] أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان دينه ولكن أكرهه بغضاً وقد جاء في رواية (لا أطيقه).
[أكره الكفر في الإسلام] هذه الجملة فيها قولان للعلماء:
القول الأول: الأخذ بظاهرها، والمعنى أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك الكفر لأجل أن ينفسخ النكاح.
القول الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وهذا أصح، وأما الذي قبله فما أبعده احتمالاً، في صحابيّة فاضلة، تكلم النبي ﷺ بمثله ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد، قال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه، من نشوز وفرك وغيره، مما يقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر.
[أتردين عليه حديقته] هذا استفهام حقيقي ولذلك قالت: نعم. (الاستفهام الذي يطلب به الجواب فيكون على معناه الحقيقي) والحديقة: هي البستان من النخيل وفي رواية عند البزار (وكان قد تزوجها على حديقة نخل) وعند أبي داود (فإني أصدقتها حديقتين).
[اقبل الحديقة وطلقها] قيل: هذا أمر إيجاب، لأن النبي ﷺ لما نظر بحالها وواقعها أمَره أمْر إيجاب، وقيل: أمر إرشاد وإصلاح، والراجح القول الأول.
[وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً] أي طلقة واحدة بائنة فليس له رجعة عليها إلا برضاها وعقد جديد.
стр. 2650
فائدة: ٢
الحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه كما سيأتي إن شاء الله.
فائدة: ٣
هل مجرد وقوع الشقاق من المرأة وحدها كاف في جواز الخلع أم لا بد منهما جميعاً؟
ظاهر الحديث أن مجرد وقوع الشقاق من المرأة وحدها كافٍ في جواز الخلع، فلا يشترط أن سوء العشرة منهما معاً. وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث ثابت السابق فهو نص صريح، فأمره بالخلع بمجرد أن سمع كلام زوجته.
وقيل: لابد أن يقع الشقاق منهما معاً.
وهؤلاء اخذوا بظاهر الآية (فإن خفتم ألا يقيما. . .).
وهذا القول قال به داود الظاهري.
قال الشوكاني: وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع، واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا وتمسك بظاهر الآية، وبذلك قال طاوس والشعبي وجماعة من التابعين، وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضياً لبغض الزوج لها، فنسبت المخالفة إليهما لذلك، ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه ﷺ لم يستفسر ثابتاً عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له.
(فَإِذَا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِهَا، أَوْ خَلْقَهُ، أَوْ نَقْصَ دِينِهِ، أَوْ خَافَتْ إِثْماً بِتَرْكِ حَقِّهِ أُبِيحَ الخُلْعُ).
هذا بيان متى يباح الخلع:
стр. 2651
(فإذا كرهت المرأةُ خُلُق زوجِها) الخُلُق بالضم هو الصورة الباطنة، فإذا كرهت الزوجة أخلاقه كأن تكون أخلاقه سيئة.
(أو خَلْقَه) والخلقة هي الصورة الظاهرة، فإذا كرهت الزوجة خلقَه بأن تكون صورته دميمة، فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تخالع.
(أَوْ نَقْصَ دِينِهِ) كأن يكون متهاوناً بصلاة الجماعة ونحوها.
(أَوْ خَافَتْ إِثْماً بِتَرْكِ حَقِّهِ أُبِيحَ الخُلْعُ) أي: وإذا خافت المرأة ألا تقوم بالحقوق الواجبة عليها وهي (حدود الله) أي: شرائعه التي أوجبها الله عليها لزوجها، بسبب بغضها له فله فداء نفسها.
لحديث ابن عباس السابق، فإن امرأة ثابت بن قيس قالت (يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) وجاء في رواية (ولكني لا أطيقه).
قال ابن تيمية: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه، فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كل منهما مريداً لصاحبه فهذا الخلع محرم في الإسلام.
قال ابن قدامة: أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَرِهَتْ زَوْجَهَا، لِخَلْقِهِ، أَوْ خُلُقِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ كِبَرِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَخَشِيَتْ أَنْ لَا تُؤَدِّيَ حَقَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ، جَازَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ بِعِوَضٍ تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.
стр. 2652
فائدة:
هل يلزم الزوج قبول الخلع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يستحب له ولا يجب.
القول الثاني: يجب عليه.
أ- لقول النبي ﷺ (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) وهذا الأمر للوجوب.
ب- ولما فيه من إزالة الضرر عن المرأة مع ثبوت حق الرجل وعدم ضياع حقه.
(ويُكرهُ مع استقامة).
أي: يكره الخلع مع استقامة الحال.
وذهب بعض العلماء: إلى تحريمه من غير سبب.
أ- لحديث ثوبان. قال: قال ﷺ (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) رواه الترمذي.
فهذا يدل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها من غير سبب من كبائر الذنوب.
стр. 2653
ب- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَات) رواه أحمد.
قال ابن قدامة: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا وَبِزَوْجِهَا، وَإِزَالَةٌ لِمَصَالِحِ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَحُرِّمَ لِقَوْلِهِ ﵇ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). … (المغني).
فائدة: ١
أكثر العلماء: إن خالعته مع استقامة الحال يكره ويقع. [ذكر ذلك ابن قدامة في المغني].
فائدة: ٢
عدة المختلعة.
اختلف العلماء في عدة المختلعة على قولين:
القول الأول: عدتها ثلاث حيض.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة.
وقال الشنقيطي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ.
جاء في) الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ قَوْل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
واحتجوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ).
وَلأِنَّ الْخُلْعَ فُرْقَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الدُّخُول فَكَانَتِ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ كَغَيْرِ الْخُلْع.
стр. 2654
القول الثاني: عدتها حيضة واحدة.
أ- لحديث ابن عباس (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة) رواه الترمذي وأبو داود
ب- وعن الربيع بنت معوذ (أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة) رواه الترمذي.
ج-وعن ابن عمر قال: (عدة المختلعة حيضة) رواه أبو داود.
قال الترمذي: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ. قَالَ إِسْحَاقُ وَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى هَذَا فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِىٌّ.
قال ابن القيم ﵀: أَمْرِهِ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ. أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ بَلْ تَكْفِيهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا كَمَا أَنّهُ صَرِيحُ السّنّةِ فَهُوَ مَذْهَبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّاب وَالرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ وَعَمّهَا وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ.
стр. 2655
(وتَبِينُ به).
أي: إن الخلع طلاق بائن، فليس للزوج رجعة إلا برضاها وعقد جديد.
أ- لأن الله تعالى قال (فيما افتدت له) وإنما يكون فداء إذا خرجت من قبضته وسلطانه، ولو كان للزوج عليها رجعة في العدة لم يكن لدفع العوض معنى.
ب- ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جازت الرجعة لعاد الضرر.
قال ابن قدامة: وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وقال ابن عبد البر: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِرِضًى مِنْهَا، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَصَدَاقٍ مَعْلُوم.
وقال ابن رشد: جمهور العلماء: أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة … والجمهور أجمعوا على أن له أن يتزوجها برضاها في عدتها. … (بداية المجتهد).
وقال الشنقيطي: لَيْسَ لِلْمُخَالِعِ أَنْ يُرَاجِعَ الْمُخْتَلِعَةَ فِي الْعِدَّةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ; لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا بِمَا بَذَلَتْ لَهُ مِنَ الْعَطَاءِ.
وقال ﵀: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُخْتَلِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فِي الْعِدَّةِ، وَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا تَزْوِيجَهَا لِمَنْ خَالَعَهَا، كَمَا يَمْنَعُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَلَا وَجْهَ لَهُ بِحَالٍ. كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 2656
(وهو بلفظ خلعٍ، أو فسخٍ أو مُفاداة فسخٌ).
أي: أن الخلع فسخ وليس بطلاق. (لا ينقص به عدد الطلاق).
فلو قال: خالعتك بكذا وكذا، أو فسختك بكذا وكذا (ولكنه لم يأتِ بلفظ الطلاق) فإنها تبين منه ولكن لا نحسب هذا طلاقاً.
وهذا المذهب، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، وابن عثيمين.
واختاره الصنعاني والشوكاني والسعدي.
أ- لقوله تعالى (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ … ) ثم ذكر الخلع فقال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ … ) ثم ذكر الطلقة الثالثة فقال (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ). فلو كان الخلع طلاقاً لكانت هذه الطلقة هي الرابعة.
قالوا: وهذا هو الذي فهمه ابن عباس، فقد ورد عنه عند عبد الرزاق (أن إبراهيم بن سعد سأل ابن عباس عن رجل طلق زوجته تطليقتين ثم اختلعت منه؟ أيَنكِحُها؟ قال: نعم، ذكر الله الطلاق في أول الآية وفي آخرها والخلع بين ذلك).
ب- ما جاء عند أبي داود (أن امرأة ثابت اختلعت منه فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة).
وجه الدلالة: أن الاعتداد بحيضة دليل على أن الخلع فسخ، لأن هذا غير معتبر بالطلاق، فلو كان طلاقاً لم يُكتفى بحيضة.
قالوا: إنه جاء في بعض الروايات ذكر الفراق وما شابهه، فقد جاء في رواية (فردت عليه [يعني حديقته] وأمره ففارقها) وعند أبي داود (قال: خذهما ففارقْها).
стр. 2657
وقال الإمام الخطابي أيضاً معلقاً على قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس: (فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) قال: "هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد.
وذهب بعض العلماء: أن الخلع طلاق (طلقة بائنة بينونة صغرى).
وهذا قول الجمهور من المالكية، والحنفية، والشافعية، واختاره محمد بن إبراهيم، والشنقيطي، وابن باز.
لرواية (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً). فهذا نص على أن الخلع طلاق.
والراجح المذهب.
فائدة:
اختلف العلماء في حكم الخلع إذا كان بلفظ الطلاق، كقوله: (طلقت زوجتي على مال قدره كذا) على قولين:
القول الأول: أنه يكون طلاقاً.
وهذا قول جماهير أهل العلم.
فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
قالوا: بأنه إذا وقع بلفظ الطلاق لم يحتمل غير الطلاق، فلا يكون فسخاً بل طلاقاً.
القول الثاني: أنه فسخ وليس بطلاق.
وهو مروي عن ابن عباس ﵄، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إنه المنصوص عن الإمام أحمد وقدماء أصحابه، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
стр. 2658
قال ابن عثيمين: فكل لفظ يدل على الفراق بالعوض فهو خلع، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، بأن قال مثلاً: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال، فنقول: هذا خلع، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس ﵄: أن كل ما دخل فيه العوض فليس بطلاق، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس ﵄، أي: أنه فسخٌ بأي لفظ كان، ولا يحسب من الطلاق.
ويترتب على هذا مسألة مهمة، لو طلق الإنسان زوجته مرتين متفرقتين، ثم حصل الخلع بلفظ الطلاق، فعلى قول من يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق تكون بانت منه، لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وعلى قول من يرى أن الخلع فسخ ولو بلفظ الطلاق، تحل له بعقد جديد حتى في العدة، وهذا القول هو الراجح. لكن مع ذلك ننصح من يكتبون المخالعة أن لا يقولوا طلق زوجته على عوض قدره كذا وكذا، بل يقولوا: خالع زوجته على عوض قدره كذا وكذا؛ لأن أكثر الحكام (القضاة) عندنا وأظن حتى عند غيرنا يرون أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً، ويكون في هذا ضرر على المرأة، فإن كانت الطلقة الأخيرة فقد بانت، وإن كانت غير الأخيرة حسبت عليه. (الممتع).
أ- لقوله ﷺ للزوج المخالع (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).
فالنبي ﷺ ذكر لفظ الطلاق في معرض الخلع، وهذا يدل على أن الخلع يقع أيضاً بلفظ الطلاق.
ب-قال ابن عباس: كل ما أجازه المال فليس بطلاق. رواه البيهقي.
وهذا الراجح.
стр. 2659
فائدة الخلاف:
على القول بأن الخلع فسخ فلا ينقص به عدد الطلاق، أي: لا يحسب من الطلقات الثلاث، أما على القول بأن الخلع طلاق فإنه يحسب من عدد الطلاق.
ب- على القول بأن الخلع فسخ يصح خلع الزوجة وهي حائض، وعلى القول بأنه طلاق لا يصح.
(فَإِنْ عَضَلَهَا ظُلْماً لِلافْتِدَاءِ حرُم).
أي: يحرم على الزوج أن يعضل زوجته ويمنعها حقها ظلماً (من غير فاحشة ولا نشوز) من أجل تفتدي هي.
والعضل: هو المنع، وفي الاصطلاح: منع الزوجة من حقها لكي تفتدي.
مثال: رجل عنده زوجة وملّ منها أو رغب عنها، فقال: لو طلقتها ذهب مالي، فبدأ يعضلها، وأصبح
لقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
فقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ) الخطاب للأزواج، والعضل المنع والحبس، والمعنى:
قال ابن كثير: أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.
وقال الرازي: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.
فالمراد هنا الأزواج كما ذهب إليه هؤلاء العلماء.
стр. 2660
(لا إنْ زنت أو نشزت).
أي: يجوز أن يعضلها في هذه الحالة لتفتدي، فإذا جاءت بفاحشة مبينة كزنا، أو نشزت فيجوز له العضل.
لقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
قوله (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي لا يحل لكم أن تعضلوهن بحال من الأحوال إلا في حالة إتياهن بفاحشة مبينة، والفاحشة كل ما فحش وظهر قبحه، واختلف في المراد بالفاحشة هنا:
فقيل: المراد الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.
وقيل: النشوز.
وقيل: بذاءة اللسان.
واختار الطبري وابن كثير القول بالتعميم، وهو الصحيح.
(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ الرَّجْعَةِ فِيهِ).
أي: لا يصح شرط الرجعة في الخلع.
بأن قال: أنا أخالعك، لكن لي أن أرجع في الخلع، فأعطيك العِوَض وأراجعك.
فهذا الشرط لا يصح، لأنه ينافي مقصود الخلع. [مقصود الخلع: أن تملك المرأة نفسها على وجه لا رجعة للزوج فيه].
(وَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ).
وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، والحنابلة.
قال السعدي: أما الخلع، فكما قالوا: لا بد أن يكون بعوض؛ لأنه ركنه الذي ينبني عليه، وإذا خلا منه، فليس بخلع، بل يكون طلاقاً رجعيًّا إذا نوى به الطلاق.
أ- لقوله تعالى (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
إذ إن الأصل عدم جواز الخلع إلا بعوض لورود النص به.
стр. 2661
ب- لقوله ﷺ (أتردين عليه حديقته).
ج- أن الخلع عقد معاوضة، فإذا لم يكن فيه عوض خرج عن أصله فلم يصح.
د- ثم إن أخْذ الزوج للفداء فيه إنصاف وعدل، لأنه هو الذي دفع المهر وقام بتكاليف الزواج، ثم قابلت هذا الزوجة بالجحود والنكران. فمن العدل أن يُعطَى ما أعطى.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصح بدون عوض ورضي بعدم بذل العوض صح.
قال شيخ الإسلام ﵀: ويصح الخلع بغير عوض، وتقع به البينونة إما طلاقًا، وإما فسخًا على إحدى القولين، وهذا مذهب مالك المشهور عنه في رواية ابن القاسم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي.
وهذا القول له مأخذان:
أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاطها سقطت.
والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكن ورضي هو بترك استرجاعها. وكما أن له أن يجعل العوض إسقاط ما كان ثابتًا لها من الحقوق كالدين، فله أن يجعله إسقاط ما ثبت لها بالطلاق، كما لو خالفها على نفقة الولد. وهذا قول قوي وهو داخل في النفقة من غيره. (انتهى).
стр. 2662
قالوا: إن الخلع قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق.
ولأن المقصود من الخلع تخليص الزوجة نفسها وقد حصل هذا بدون عوض، فيصح.
ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره سقط. واختاره ابن تيمية.
(ويكرهُ بأكثر مما أعطاها).
أي: يكره الخلع بأكثر مما أعطاه في المهر.
وهذا المذهب.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز للزوج أخذ الزيادة.
مثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفاً، فعلى هذا القول يجوز.
وهذا قول الجمهور.
قال ابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أنه يصح الخلع بأكثر من الصداق.
قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاه وقال مالك لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق.
قال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَادِيَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).
أ- لقوله (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
ب- وعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز.
стр. 2663
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها.
وهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة.
واستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي ﷺ أمر ثابتاً أن يأخذ حديقته ولا يزداد).
والراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع، لأمرين:
الأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع.
الأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.
(وَإِنْ خَالَعَتْ حَامِلٌ بِنَفَقَةِ عِدَّتِهَا صَحَّ).
لأن الحامل لها نفقة على زوجها.
فلو قالت: أخالعك بنفقة حملي، فقال: قبلت، صح.
فلو فرض أن نفقة حملها ألف ريال، فتكون كأنها خالعته بألف ريال.
فائدة: ١
يجوز الخلع أثناء الحيض.
لأن الخلع لا يكون إلا بطلب من المرأة لما يلحقها من سوء عشرة زوجها، فجاز وقوعه حال الحيض لإزالة الضرر.
قال ابن قدامة: وَلَا بَأْسَ بِالْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَالْخُلْعُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَ مَنْ تَكْرَهُهُ وَتُبْغِضُهُ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ طُولِ الْعِدَّةِ، فَجَازَ دَفْعُ أَعْلَاهُمَا بِأَدْنَاهُمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ عَنْ حَالِهَا، وَلِأَنَّ ضَرَرَ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَالْخُلْعُ يَحْصُلُ بِسُؤَالِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِضَاءً مِنْهَا بِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهَا فِيهِ. (المغني).
стр. 2664
وقال البغوي في تفسيره: والخلع في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه: لا يكون بدعياً؛ لأن النبي ﷺ أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال.
وقال ابن تيمية: ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض، لأنه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق، بل فرقة بائنة.
وفي الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين: واعلم أن الخلع ليس له بدعة، بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض لأنه ليس بطلاق، والله إنما أمر بالطلاق للعدة: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الطلاق) ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كانت حائضاً، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامعها في الحال، لأنه ليس بطلاق، بل هو فداء، ولأن أصل منع الزوج من التطليق في حال الحيض، أو في حال الطهر الذي جامعها فيه، أن فيه إضراراً بها لتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها. انتهى.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى جواز الخلع في زمن الحيض لإطلاق قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال.
فائدة: ٢
إذا طلق الرجل زوجته وفي أثناء عدتها طلبت الخلع فأجابها صح؛ لأنها زوجة.
قال ابن قدامة: والرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه، بالإجماع، وإن خالعها صح خلعه.
فائدة: ٣
قال ابن قدامة: ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقبوله، من غير لفظ الزوج.
стр. 2665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سلسلة
دروس فقهية
كتاب الطلاق
كتاب الطلاق - باب الرجعة - باب الإيلاء - كتاب الظهار -
كتاب اللعان - كتاب العدد - باب الإحداد - باب الاستبراء -
كتاب الرضاع - كتاب النفقات - باب الحضانة
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
الموقع/ رياض المتقين
www.almotaqeen.net
следующие страницы →