Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
فَفِي «مُوَطَّئِهِ» مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرًا لِقَوْمٍ، أَوْ زَرْعًا، أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ، أَوِ الزَّرْعِ، أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ. وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَلَّا يُصَدِّقُوهُ، وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ; فَإِنْ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ.
فائدة: ٢
إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد إلا إنساناً حياً معصوماً لم يبح له قتله إجماعاً، ولا قطع عضو من أعضائه لأنه مثله.
فلا يجوز له أن يبقي نفسه بإتلاف غيره، لأن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأكثر منه، وهذا لا خلاف فيه.
فائدة: ٣
حكم أكل المضطر من الآدمي الميت؟
قيل: لا يجوز.
وهو قول الجمهور: من الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
أ-لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم).
стр. 3117
وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ مِن إكرامِ بَني آدَمَ حمايةَ جسدِه مِنَ الاعتِداءِ حَيًّا ومَيِّتًا؛ فلا يُباحُ لأحدٍ أكْلُه.
ب-وعن عائشة. أن رسول الله ﷺ قال (كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه حَيّاً) رواه ابن ماجه.
وجهُ الدَّلالة: أنَّ الميِّتَ كالحيِّ في الحُرمةِ؛ فيَحرُمُ أذيَّتُه في جِسمِه كعظْمِه.
ج- أنَّ الآدميَّ لا يُسمَّى مَيْتةً؛ فلمْ يَجُزْ للمُضطَرِّ أنْ يَأكُلَه بإباحةِ اللهِ تعالى له أكْلَ المَيْتة.
وقيل: يجوز.
لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، فيجوز الأكل من الميت قدر الحاجة فقط.
قال ابن قدامة: وإن وجد معصوماً ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا، وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح، وهو أولى لأن حرمة الحي أعظم.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لكن إذا كان ميتًا فالمشهور عندنا -يعني في مذهب الحنابلة- أنه لا يجوز أكله حتى وإن كان ميتًا؛ لقول النبي ﷺ (كسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَياً) فإذا قال: يا جماعة، أنا أموت إذا لم آكل منه، قلنا: ولتمت، هذا أجلك، وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعلّلوا ذلك بأن حُرمة الحي أعظم من حرمة الميت.
فائدة: ٤
اختلف الفقهاء في حكم الأكل للمضطر من الآدمي الحي غير المعصوم (كالحربي مثلاً):
فقيل: له قتله وأكله.
وقيل: لا يجوز للمضطر أن يقتل الإنسان ليأكله وإن كان غير معصوم.
стр. 3118
(وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرَةٍ، أَوْ مُتَسَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ الأَكْلُ مِنْهُ مَجَّاناً مِنْ غَيْرِ حَمْل).
إذا مرّ الإنسان على بستان فيه ثمر فله الأكل منه مجاناً بشروط:
أولاً: أن يكون الثمر على الشجر، أو متساقط منه.
ثانياً: ألا يكون على البستان ناظر وليس له حائط.
فإن كان له ناظر أو حائط فلا بد من الإذن، لأن وضعها قرينة على عدم الرضى بالأكل.
ثالثاً: أن لا يحمل شيئاً.
فإن حمل أو أخذ شيئاً فهو حرام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحّدة، ونون- قَالَ الخطّابيّ: الخُبْنة: ما يأخذه الرجل فِي ثوبه، فيرفعه إلى فوقُ، ويقال للرجل إذا رفع ذيله فِي المشي: قد رفع خُبْنته. انتهى.
стр. 3119
وَقَالَ فِي (النهاية) الْخُبْنة: مِعْطف الإزار، وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه فِي ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خبأ شيئًا فِي خُبْنة ثوبه، أو سراويله.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) ورواه ابن ماجه بلفظ: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَاشْرَبْ فِي غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَكُلْ فِي أَنْ لا تُفْسِدَ).
فدلت هذه الأحاديث على جواز أن يأكل الإنسان من ثمر غيره، دون أن يحمل معه، بشرط أن ينادي صاحبه أولاً ثلاثاً، فإن أجابه استأذنه، وإن لم يجبه أكل.
واشترط بعضهم: ليس عليه حائط.
فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليل على أنه لا يرضى أن يأكله أحد.
قال الشيخ ابن عثيمين: اشتراط انتفاء الحائط فيه نظر؛ لأن لفظ الحديث (من دخل حائطاً) والحائط هو المحوطُ بشيء، وعلى هذا فلا فرق بين الشجر الذي ليس عليه حائط، وبين الشجر الذي عليه حائط.
فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل بدون حمل، وألا يرمي الشجر، بل يأخذ بيده منه، أو ما تساقط في الأرض، وأيضاً يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثاً، إن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل.
стр. 3120
هذا الذي دل عليه الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀. (الشرح الممتع).
وذهب جمهور العلماء: إلى أن ذلك ليس بجائز.
قَالَ النوويّ فِي "شرح المهذب": اختلف العلماء، فيمن مر ببستان، أو زرع، أو ماشية، قَالَ الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً، إلا فِي حال الضرورة، فيأخذ، وَيغرَم عند الشافعيّ، والجمهور. (المجموع).
لأن الأصل في مال المسلم التحريم، فلا يجوز بغير إذنه.
وأجابوا عن أحاديث الجواز: بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به.
وبأنه معارِضٌ للقواعد القطعية، فِي تحريم مال المسلم، بغير إذنه، فلا يُلتفت إليه.
ومنهم منْ جمع بين الحديثين بوجوه منْ الجمع، منها: حمل الإذن عَلَى ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي عَلَى ما إذا لم يعلم.
ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطرّ، أو بحال المجاعة مطلقاً، وهي متقاربة.
وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: أن حديث الإذن كَانَ فِي زمنه ﷺ وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده منْ التشاح، وترك المواساة. (الفتح).
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) عند كلامه على هذا الحديث: وأحاديث في الباب بمعناه: ظاهر أحاديث الباب جواز الأكل من حائط الغير، والشرب من ماشيته بعد النداء المذكور من غير فرق بين أن يكون مضطراً إلى الأكل أو لا إلى أن يقول: والممنوع إنما هو الخروج بشيء من ذلك من غير فرق بين القليل والكثير.
стр. 3121
(وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً).
هذا بيان حكم الضيافة.
وقد أمر الشرع بالضيافة وحث عليها.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ [وفي رواية: فلا يؤذ جاره] وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) متفق عليه.
وقد كان النبي ﷺ كان معروفا بإكرام الضيف حتى قبل البعثة.
فحين رجع النبي ﷺ إلى خديجة من غار حراء فزعاً من لقائه جبريل ﵇ قال لخديجة: أي خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي) أخبرها الخبر، قالت خديجة (كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) متفق عليه.
قال القسطلاني: وتَقرِي الضيف أي: تهيئ له طعامه ونزله.
ج- أن النبي ﷺ جعل للضيف حقا على المُضيف: ففي حديث ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال له: (وإن لزَوْرِك عليك حقاً) رواه البخاري.
قال ابن حجر: قوله: (لزَورك) بفتح الزاي، أي: لضيفك.
وأما حكمها:
فهي واجبة في حق أهل البوادي دون القرى.
وهذا المذهب.
قال ابن حجر: وخصه أحمد بأهل البوادي دون القرى.
стр. 3122
قال النووي: وقد جاء في حديث: (الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر) لكنه حديث موضوع.
قال: ولأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول.
وقيل: واجبة مطلقاً.
وبه قال الليث مطلقاً.
لحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ (قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِى يَنْبَغِي لَهُم) متفق عليه.
قال النووي: واحتج بحديث: (ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم).
وبحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) رواه البخاري
وقيل: أنها سنة مؤكدة غير واجبة.
قال النووي: وهو قول عامة الفقهاء.
وقال ابن حجر: وقال الجمهور الضيافة سنة مؤكدة.
وأجاب الجمهور عن حديث عقبة:
قيل: حمله على المضطرين.
وقيل: أن ذلك كان في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة، ورجح هذا النووي.
وقيل: أن هذا خاص بالعمال المبعوثين لمقتضى الصدقات من جهة الإمام.
وقيل: أن هذا خاص بأهل الذمة.
والراجح -والله أعلم- أن ضيافة المسافر المجتاز - لا المقيم - واجبة، وأن وجوبها على أهل القرى، والأمصار، دون تفريق.
стр. 3123
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ سُنَّةٌ، وَمُدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الأْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَمُدَّتُهَا يَوْمٌ لَيْلَةٌ، وَالْكَمَال ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَبِهَذَا يَقُول اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ فِي حَالَةِ الْمُجْتَازِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُبَلِّغُهُ وَيَخَافُ الْهَلَاكَ.
وَالضِّيَافَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى وَالْحَضَرِ، إِلاَّ مَا جَاءَ عَنِ الإْمَامِ مَالِكٍ وَالإْمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ.
قال الشيخ ابن عثيمين: حكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف - أيضاً - واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي ﵇: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
قوله: (المجتاز به) يعني: الذي مرَّ بك وهو مسافر، وأما المقيم: فإنه ليس له حق ضيافة.
قوله (في القرى) دون الأمصار، والقرى: البلاد الصغيرة، والأمصار: البلاد الكبيرة.
قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم، وفنادق، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة. وهذا -أيضاً- خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف - ولو في الأمصار: فالصحيح: الوجوب. (الشرح الممتع).
стр. 3124
وقال الشوكاني: والحق وجوب الضيافة لأمور:
الأول: إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب.
والثاني: التأكد البالغ بجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر يفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها، ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة فهو دال على لزومها بالأولي.
والثالث: قوله: (فما كان وراء ذلك فهو صدقة) فإنه صريح في أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعاً.
قال الخطابي: يريد أن يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وألطاف، ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته، فما جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك. (نيل الأوطار).
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ فِي حَالَةِ الْمُجْتَازِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُبَلِّغُهُ وَيَخَافُ الْهَلَاكَ.
وَالضِّيَافَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى وَالْحَضَرِ، إِلاَّ مَا جَاءَ عَنِ الإْمَامِ مَالِكٍ وَالإْمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ، وَقَال سَحْنُونٌ: الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى، وَأَمَّا أَهْل الْحَضَرِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ الْحَضَرَ وَجَدَ نُزُلاً - وَهُوَ الْفُنْدُقُ - فَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ إِلَيْهَا وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ تَعَيُّنَهَا عَلَى أَهْل الْقُرَى لَمَعَانٍ:
أحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ، فَلَوِ الْتَزَمَ أَهْل الْحَضَرِ الضِّيَافَةَ لَمَا خَلَوْا مِنْهَا، وَأَهْل الْقُرَى يَنْدُرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَلَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ.
ثَانِيها: أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجِدُ فِي الْحَضَرِ الْمَسْكَنَ وَالطَّعَامَ، فَلَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ لِعَدَمِ الضِّيَافَةِ، وَحُكْمُ الْقُرَى الْكِبَارِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الْفَنَادِقُ وَالْمَطَاعِمُ لِلشِّرَاءِ وَيَكْثُرُ تَرْدَادُ النَّاسِ عَلَيْهَا حُكْمُ الْحَضَرِ، وَهَذَا فِيمَنْ لَا يَعْرِفُهُ الإْنْسَانُ، وَأَمَّا مَنْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةَ مَوَدَّةٍ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ أَوْ صِلَةٌ وَمُكَارَمَةٌ، فَحُكْمُهُ فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ.
стр. 3125
فائدة: ١
وجوب الضيافة مقيد بيوم وليلة.
عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْعَدَوِىِّ أَنَّهُ قَالَ. قال ﷺ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ». قَالُوا وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ -وَقَالَ- مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) متفق عليه.
وفي لفظ (وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ قَالَ «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ).
قال الخطابي: قوله: (جائزته يوم وليلة) سئل مالك بن أنس عنه فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة.
قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث: فهو صدقة، ومعروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. (معالم السنن).
وقال ابن القيم: إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب: حق واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات، فالحق الواجب: يوم وليلة، وقد ذكر النبي ﷺ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي -وساق الحديث السابق.) زاد المعاد).
وقال ابن قدامة: والواجب يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام؛ لما روى أبو شريح الخزاعي - وساق الحديث -.
стр. 3126
فائدة: ٢
قوله (وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ) لفظ البخاري (حتى يحرجه).
قال النووي: مَعْنَاهُ لَا يَحِلّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيم عِنْده بَعْد الثَّلَاث حَتَّى يُوقِعهُ فِي الْإِثْم؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابهُ طُول مَقَامه، أَوْ يُعَرِّض بِمَا يُؤْذِيه، أَوْ يَظُنّ بِهِ مَا لَا يَجُوز، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى (اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا أَقَامَ بَعْد الثَّلَاث مِنْ غَيْر اِسْتِدْعَاء مِنْ الْمُضِيف، أَمَّا إِذَا اِسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَ زِيَادَة إِقَامَته، أَوْ عِلْم أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُكْرَه إِقَامَته فَلَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ، لِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ يُؤْثِمهُ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى، وَالْحَالَة هَذِهِ فَلَوْ شَكَّ فِي حَال الْمُضِيف هَلْ تُكْرَه الزِّيَادَة وَيَلْحَقهُ بِهَا حَرَج أَمْ لَا تَحِلّ الزِّيَادَة إِلَّا بِإِذْنِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيث. وَاللَّهُ أَعْلَم.
جاء في (الموسوعة الفقهية) مَنْ نَزَل ضَيْفًا فَلَا يَزِيدُ مُقَامَهُ عِنْدَ الْمُضِيفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ : الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا زَادَ فَصَدَقَةٌ لِئَلاَّ يَتَبَرَّمَ بِهِ وَيَضْطَرَّ لإِخْرَاجِهِ، إِلاَّ إِنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَنْزِل بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ عَنْ خُلُوصِ قَلْبٍ فَلَهُ الْمُقَامُ.
فائدة: ٣
قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا خمسة فإنها من سنة رسول الله ﷺ : إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب.
فائدة: ٤
إذا ترك المضيف حق ضيفه عليه، فلم يقدم له ما يحتاجه، فهل له أن يأخذ بقدر ضيافته بالمعروف، ولو لم يأذنوا به؟
إلى ذلك ذهب بعض أهل العلم القائلين بوجوب الضيافة. وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
стр. 3127
لأن الشرع قد جعل ذلك حقا له، فإن لم يعطه المضيف طوعاً، كان له أن يأخذه قهراً؛ إما بنفسه، أو عن طريق القضاء.
لما رواه أبو داود عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاه).
وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْه).
وروى البخاري ومسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُم).
قال الإمام أحمد ﵀: يعني أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم. (المغني).
وقال الشيخ ابن عثيمين: الضيف إذا نزل بشخص وامتنع من ضيافته فإن للضيف أن يأخذ من ماله ما يكفيه لضيافته بالمعروف من غير علمه؛ لأن الحق في هذا ظاهر؛ فإن الضيف إذا نزل بالشخص يجب عليه أن يضيفه يوماً وليلة حقاً واجباً، لا يحل له أن يتخلف عنه.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الضيف لا يحل له أن يأخذ من مال مضيفه شيئا بغير إذنه، حتى ولو يقدم له ما ينبغي في ضيافته، أو لم يضفه أصلا؛ لقول النبي ﷺ : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد.
وهذا ظاهر على مذهب الجمهور الذين يرون الضيافة مكرمة ومستحبة، ولا يرون وجوبها من حيث الأصل.
стр. 3128
بَابُ الذَّكَاةِ
تعريفها:
لغة: تمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل.
وشرعاً: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر ممتنع.
وقيل: إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها.
(لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ).
أي: أن الذكاة شرط لحل الحيوان المباح.
أجمع العلماء على أنه لا يحل الحيوان المأكول اللحم غير السمك والجراد إلا بذكاة.
لقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) فاشترط الله الذكاة.
والحكمة منها: تطييب الحيوان المذكى، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طِيْب، لأنه يسارع إليه التجفف.
والميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل.
(إِلاَّ الْجَرَادُ وَالسَّمَكُ، وَكُلُّ مَا لَا يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْمَاءِ).
أي: أن السمك وكذا حيوانات البحر لا تحتاج إلى ذكاة، لأن ميتته حلال.
لحديث أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود.
وكذا الجراد، لا يحتاج إلى تذكية.
стр. 3129
لأن ميتته حلال، لقوله ﷺ (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد … ) رواه أحمد، والراجح أنه حديث موقوف لكن له حكم الرفع.
(وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ).
هذه شروط الذكاة التي لا بد من توفرها تكون صحيحة يحل بها الحيوان المذكى.
(أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّي، بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلاً).
هذا الشرط الأول: أن يكون المذكي عاقلاً.
وهذا قول جماهير العلماء.
لأن الذكاة يعتبر لها قصد كالعبادة، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق الشاة فذبحتها.
فلا تصح تذكية المجنون والسكران أو الطفل غير المميز لعدم إمكان القصد منهم.
(مُسْلِماً أَوْ كِتَابِيّاً، وَلَوْ مُرَاهِقاً، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ، أَوْ أَعْمَى).
هذا الشرط الثاني: أن يكون المذكي مسلماً أو كتابياً.
أما المسلم فظاهر.
ولو امرأة أو أعمى تحل تذكيتهم.
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَاري.
فهذا الحديث يفيد حل ذبيحة المرأة ولو كانت حائضاً.
وقد بوب البخاري على الحديثين: باب ذبيحة المرأة والأمَة.
стр. 3130
قال ابن حجر: كأنه يشير إلى الرد على من منع ذلك، وقد نقل محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته وفي المدونة جوازه وفي وجه للشافعية يكره ذبح المرأة الأضحية وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة والصبي لا بأس إذا أطلق الذبيحة وحفظ التسمية وهو قول الجمهور. (الفتح).
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الذَّبْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، إذَا ذَبَحَ، حَلَّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ.
وَقَدْ رُوِي (أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ سَبْعٌ:
أَحَدُهَا: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ
وَالثَّانِيَة: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْأَمَةِ.
وَالثَّالِثَةُ: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ.
وَالرَّابِعَةُ: إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ.
وَالْخَامِسَةُ: إبَاحَةُ ذَبْحِ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
وَالسَّادِسَةُ: حِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَالسَّابِعَةُ: إبَاحَةُ ذَبْحِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ. (المغني).
وأما الكتابي: (وهو اليهودي والنصراني) فتحل بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 3131
قال تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم.
وعن أنس. (أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها) رواه أحمد.
وعنه أيضاً (أن يهودياً دعا رسول الله ﷺ إلى خبز وشعير وإهالة سنخة فأجابه) رواه أحمد.
[الإهالة السنخة] الشحم المذاب إذا تغيرت رائحته.
قال شيخ الإسلام: ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.
فغير الكتابي لا تحل ذبيحته: كالمجوسي والوثني والمرتد والعلماني والرافضي وغيرهم من المشركين.
فائدة:
اختلف العلماء: هل يشترط لحل ما ذكاه الكتابي أن يكون أبواه كتابيين أو أن المعتبر هو بنفسه؟
الصحيح أن ذلك ليس بشرط وأن المعتبر هو بنفسه، فإذا كان كتابياً حل ما ذكاه وإن كان أبواه أحدهما من غير أهل الكتاب، كأن يكونا من الوثنيين أو المجوس.
وهذا مذهب والحنفية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا القول هو الثابت عن الصحابة ﵃ ولا أعلم في ذلك بينهم نزاعاً.
وقيل: لا تحل ذبيحته.
وهذا المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة.
لأن قد وجد في ذبيحته ما يقتضي الإباحة وهو كونه كتابياً، ووجد فيها ما يقتضي التحريم وهو كون أحد أبويه غير كتابي فغلب ما يقتضي التحريم.
стр. 3132
والصحيح - كما تقدم - أن ذبيحته حلال مطلقاً.
أ-لأن الأدلة الدالة على إباحة ذبائح أهل الكتاب أدلة عامة لم تفرق بين من كان أبواه كتابيين وبين غيره من أهل الكتاب.
ب-أن هناك عرباً دخلوا في دين اليهودية مع أن آباءهم لم يكونوا يهوداً (كتابيين) ومع ذلك لم يفرق رسول الله ﷺ بينهم وبين من كان أبواه يهوديين في أكل طعامهم وحل نسائهم، بل حكم في الجميع بحكم واحد.
ج- أن الشخص يأخذ حكم المسلمين إذا كان مسلماً ولو كان أبواه كافرين، ويأخذ حكم المشركين ولو كان أبواه مسلمين، لأن الدين يتعلق بالنفس والاعتقاد والإرادة، وإن تقرر هذا فكذلك من كان كتابياً أخذ حكم أهل الكتاب ولو كان أبواه غير كتابيين.
(وأن يقصد التذكية).
هذا الشرط الثالث: أن يقصد التذكية.
لأن الله تعالى قال (إلا ما ذكيتم) فأضاف الفعل إلى المخاطبين.
فلو لم يقصد التذكية لم تحل الذبيحة: مثل أن تصول عليه البهيمة فيذبحها للدفاع عن نفسه فقط.
فائدة:
هل يشترط مع قصد التذكية قصد الأكل أم لا؟
قيل: يشترط ذلك.
وأنه لا بُد أن يقصد الأكل، فإن لم يقصد الأكل لم تحل الذبيحة.
وقيل: لا يشترط.
وهذا الأقرب.
стр. 3133
(وأن يكون بآلة محددة).
هذا الشرط الرابع: أن يكون الذبح بآلة محددة.
(بآلة) أي: فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا التردية ـ أي: أن يرديها من الجبل حتى تموت ـ ولا الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لا بد من آلة.
(محددة) ولا بد أن تكون الآلة محددة، أي لها حد يقطع، فكل محدد تصح به الذكاة: من حديد أو حجر.
أ-عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَا أُنْهِرَ اَلدَّمُ، وَذُكِرَ اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ لَيْسَ اَلسِّنَّ وَالظُّفْرَ; أَمَّا اَلسِّنُّ; فَعَظْمٌ; وَأَمَّا اَلظُّفُرُ: فَمُدَى اَلْحَبَشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(مَا أُنْهِرَ اَلدَّمُ) أي: أساله، وصبه بكثرة، ووزنه أفعل، منْ النهر، شُبِّهَ خُروج الدم بجري الماء فِي النهر، والذي ينهر الدم ما له نفوذ في البدن، وهو المحدد كالسهم والحديد والخشب الذي له حد والزجاج.
ب-ولحديث شَدَّادِ بْن أَوْس قال: قال ﷺ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) رواه مسلم.
ج- ولأن الذبح بغير المحدد فيه إيلام للبهيمة، بخلاف المحدد ففيه إراحة لها وتعجيل بزهوق النفس.
فكل ما أنهر الدم فإن التذكية به صحيحة مجزئة كالحديد والحجر والخشب.
فإن ذبحها بغير محدد مثل أن يقتلها بالخنق، أو بالصعق الكهربائي، أو غيره، أو بالصدم أو بضرب الرأس ونحوه حتى تموت لم تحل، وإن
ذبحها بالسن أو بالظفر لم تحل وإن جرى دمها بذلك.
стр. 3134
(إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُرَ).
هذا مستثنى مما سبق، أي: كل شيء يكون محدداً ينهر الدم، فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة إلا السن والظفر ولو كان محدداً.
للحديث السابق (مَا أُنْهِرَ اَلدَّمُ، وَذُكِرَ اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ لَيْسَ اَلسِّنَّ وَالظُّفْرَ; أَمَّا اَلسِّنُّ; فَعَظْمٌ; وَأَمَّا اَلظُّفُرُ: فَمُدَى اَلْحَبَشِ).
فائدة: ١
لا فرق في السن والظفر أن يكونا متصلين أو منفصلين من آدمي أو غيره لظاهر الحديث.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وقالت الحنفية: تجوز الذكاة بالسن والظفر المنفصلين، وإنما تحرم الذكاة بهما إذا كانا متصلين، وأجابوا عن حديث رافع السابق، بأن المراد به النهي عن الذبح بالسن القائم والظفر القائم، لأن الحبشة إنما كانت تفعل لإظهار الجلادة وذلك بالقائم لا بالمنزوع.
والصحيح مذهب جمهور العلماء وهو عدم صحة التذكية بالسن والظفر مطلقاً لعموم الحديث.
قال في المغنى رداً عليهم: ولنا عموم حديث رافع، ولأن مالم تجز الذكاة به متصلاً لم تجز به منفصلاً.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: والأقرب عندي أن الأصل في ذلك أن الحبشة كانوا يذبحون بأظافرهم فنهى الشارع عن ذلك لأنه يقتضي مخالفة الفطرة من وجهين:
أحدهما: أنه يستلزم توفير الأظافر ليذبح بها وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم الأظافر.
الثاني: أن في القتل بالظفر مشابهة لسباع البهائم والطيور التي فضلنا عليها ونهينا عن التشبه بها.
стр. 3135
فائدة: ٢
علل النبي ﷺ منع الذكاة بالسن بأنه عظم.
فاختلف العلماء: هل الحكم خاص في محله وهو السن، أو عام في جميع العظام؟
القول الأول: أنه خاص في محله وهو السن، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد.
لأن النبي ﷺ لو أراد العموم لقال غير العظم والظفر، لكونه أخصر وأبين، والنبي ﷺ أعطي جوامع الكلم ومفاتيح البيان.
ولأننا لا نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم، فكيف نعدي الحكم مع الجهل.
القول الثاني أن الحكم عام في جميع العظام.
وهذا قول الشافعي.
لعموم العلة، لأن النص على العلة يدل على أنها مناط الحكم متى وجدت وجد الحكم.
(قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ).
هذا الشرط الخامس: قطع ما يجب قطعه.
فإن في رقبة الحيوان أربعة عروق:
الحلقوم: وهو مجرى النفس خروجاً ودخولاً.
المريء: وهو مجرى الطعام والشراب.
стр. 3136
والودجان: وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء.
إذا قطع هذه الأشياء الأربعة حلت المذكاة بإجماع العلماء.
ثم اختلفوا إذا قطع بعض هذه الأربعة هل يجزئ أم لا؟
فالمشهور من مذهب الحنابلة: أن الشرط قطع الحلقوم والمرئ.
وقيل: لا بد من قطع الأربعة، فلا يكفي قطع بعضها فقط. واختاره ابن المنذر.
وقيل: لا بد من قطع ثلاثة بدون تعيين.
وهذا مذهب أبي حنيفة (وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية).
وقيل: أنه لا بد من قطع ثلاثة معينة وهي: الحلقوم والودجان.
وهذا مذهب مالك.
وسبب الخلاف أن النبي ﷺ قال (ما أنهر الدم. . .) ولم يحدد، فلذلك اختلفوا.
والراجح الله أعلم.
стр. 3137
(أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللهِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْواً أُبِيحَتْ لَا عَمْداً).
هذا الشرط السادس: التسمية عند الذبح.
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها شرط لا تسقط مطلقاً، حتى لو تركها نسياناً أو جاهلاً فلا تحل.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: وهذا أظهر الأقوال، فإن الكتاب والسنة قد علقا الحل بذكر اسم الله عليه في غير موضع.
أ-لقوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).
قالوا: وهذا عام، ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وتسميته فسقاً.
ب- ولحديث رافع بن خديج. قال: قال ﷺ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل).
فقرن بين إنهار الدم وذكر اسم الله على الذبيحة في شرط الحل، فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسياً أو جاهلاً لم تحل الذبيحة، فكذلك إذا لم يسم، لأنهما شرطان قرن بينهما النبي ﷺ في جملة واحدة، فلا يمكن التفريق بينهما إلا بدليل.
القول الثاني: أنها واجبة في حال الذكر دون حال النسيان.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، والمشهور في مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
стр. 3138
القول الثالث: أنها سنة مطلقاً.
وهذا مذهب الشافعي.
أ- لقوله تعالى (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ).
قال النووي: فأباح التذكي من غير اشتراط التسمية.
ب-ولقوله تعالى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) وهم لا يسمون.
والجواب عن الآية: بأن المراد (إلا ما ذكيتم) وذكرتم اسم الله عليه، لما ثبت من الأدلة الأخرى على الأمر بالتسمية.
وأما آية (وطعام الذين أوتوا الكتاب. . .) أن المراد بذبائح أهل الكتاب المباحة هي ما ذبحوها بشرطها كذبائح المسلمين.
ج- ولحديث (ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله) وهو حديث ضعيف.
والصحيح الأول وأنها لا تسقط مطلقاً، واختاره ابن عثيمين ﵀.
قال ابن تيمية: وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ " مَشْرُوعَةٌ.
لَكِنْ قِيلَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ. كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ مَعَ الْعَمْدِ وَتَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ.
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ مُطْلَقًا؛ فَلَا تُؤْكَلُ الذَّبِيحَةُ بِدُونِهَا سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ.
فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ عَلَّقَ الْحَلَّ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).
وَقَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
стр. 3139
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
(وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا).
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ لَعَدِيٍّ (إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَقَتَلَ فَكُلْ وَإِنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابُ آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِه).
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْجِنَّ سَأَلُوهُ الزَّادَ لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ فَقَالَ (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ) فَهُوَ ﷺ لَمْ يُبِحْ لِلْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ إلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَكَيْفَ بِالْإِنْسِ. (مجموع الفتاوى).
فائدة: ١
يشترط أن يكون بلفظ: بسم الله.
فلو قال: بسم الرحمن أو باسم رب العالمين:
فقيل: لا يجزئ.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى: بسم الله.
وقيل: يجزئ.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
قالوا: المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص: بسم الله، وهذا الراجح.
стр. 3140
فائدة: ٢
قال الشيخ ابن عثيمين: ويعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه، فلو سمى على شاة ثم تركها إلى غيرها أعاد التسمية، وأما تغيير الآلة فلا يضر، فلو سمى وبيده سكين ثم ألقاها وذبح بغيرها فلا بأس.
أما في الصيد، لو سمى على صيد فأصاب غيره حل، مثال: أرسل كلبه على أرنب، ثم إن الكلب صاد غزالاً فإنه يحل.
والفرق: أن التسمية في باب الصيد تقع على الآلة، والتسمية في باب الذكاة تقع على عين المذبوح.
فائدة: ٣
وقت التسمية: وقتها عند الجميع وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز منه.
(وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ، وَالنَّعَمِ الْمُتَوَحِّشَةِ، وَالْوَاقِعَةِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا، بِجَرْحِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُبَاحُ).
أي: أن الحيوان الذي هرب ولا يمكن إدراكه من الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها من الحيوانات المستأنسة، فإنه يكفي إنهار دمه من أي مكان.
لحديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلاً وَغَنَماً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ
فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ. فَقَالَ: إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) متفق عليه.
стр. 3141
(فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا) قَالَ فِي "الفتح": كأن الصحابيّ قَالَ هَذَا ممهّدًا لعذرهم فِي ذبحهم الإبل، والغنم التي أصابوا. وفي رواية: "وتقدّم سَرَعان النَّاس، فأصابوا منْ المغانم"، وفي رواية: (فأصبنا نَهْب إبل وغنم).
(وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ) جمع أخرى، وفي رواية: "فِي آخر النَّاس"، وَكَانَ ﷺ ، يَفعَل ذَلِكَ؛ صَوْنًا للْعَسْكَر، وَحِفْظًا؛ لِأَنَّه لو تَقَدَّمَهُم لَخَشِيَ أَن يَنقَطِع الضَّعِيف مِنْهُمْ دُونه، وَكَانَ حِرْصِهمْ عَلَى مُرَافَقَته شَدِيدًا، فَيَلْزَم مِنْ سَيْره فِي مَقَام السَّاقَة، صَوْن الضُّعَفَاء؛ لِوُجُودِ مَن يَتَأَخَّر مَعَهُ قَصْدًا منْ الأَقْوِيَاء.
(فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ) يعني مِن الجُوع الَّذِي كَانَ بهِمْ، فَاستَعجَلُوا، فَذَبَحُوا الَّذِي غَنِمُوهُ، وَوَضَعُوهُ فِي القُدُور، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة (فَانْطَلَقَ نَاس، منْ سَرَعَان النَّاس، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا قُدُورهمْ، قَبل أن يُقْسَم) وَفِي رِوَايَة (فَأَغْلَوْا القُدُور) أَي أَوْقَدُوا النَّار تَحْتهَا، حَتَّى غَلَتْ
(فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ) -بِضَم الهَمْزَة، وَسُكُون الكَاف- أَي قُلِبَتْ، وَأُفْرغَ مَا فِيهَا.
(ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ) قَالَ القرطبيّ: يعني أنه ﷺ قسم ما بقي منْ الغنيمة عَلَى الغانمين، فجعل عشرة منْ الغنم بإزاء جَزور، ولم يَحتج إلى القرعة؛ لرضا كلّ منهم بما صار إليه منْ ذلك، ولم يكن بينهم تشاحّ فِي شيء منْ ذلك. قَالَ: وكأن هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم، ولو كَانَ فيها غيرهما، لقُوّم جميع الغنيمة، ولَقُسم عَلَى القِيَم.
(فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ) بفتح النون، وتشديد الدال المهملة: أي هرب منْ تلك الإبل المقسومة بعيرٌ نافرًا.
стр. 3142
(وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) فِيهِ تَمهِيد لِعُذْرِهِم فِي كَوْن الْبَعِير الَّذِي نَدَّ أَتْعَبَهُم، وَلَمْ يَقدِرُوا عَلَى تَحْصِيله، فَكَأنَّهُ يَقُول: لَوْ كَانَ فِيهِم خُيُول كَثِيرَة؛ لأَمكَنَهُمْ أَنْ يُحِيطُوا بِهِ، فَيَأخُذُوهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عند البخاريّ": "وَلَمْ يَكُن مَعَهُم خَيل": أَي كَثِيرَة، أَو شَدِيدَة الْجَرْي، فَيَكون النَّفْي لِصِفَةٍ فِي الْخَيْل، لا لِأَصْلِ الْخَيْل، جمَعًا بَين الرِّوَايَتَينِ.
(فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ) أَي أَتْعَبَهُم، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تحَصِيلِه.
(فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْم) أي: قصد نحوه، ورماه. قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى اسم هَذَا الرامي.
(فَحَبَسَهُ اللهُ) أي أصابه السهم، فوقف.
(إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) وفِي رِوَايَة: (إِنَّ لِهَذِه الإبِل).
(أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) جَمْع آبِدَة -بِالْمَدِّ، وَكَسْر المُوَحَّدَة-: أَيْ غَرِيبَة، يُقَال: جَاءَ فُلَان بِآبِدَةٍ: أَي بِكَلِمَةٍ، أَو فَعْلَة مُنَفِّرَة، ويُقَال: أَبَدَتْ -بِفَتْح المُوَحَّدَة- تَأبُدُ -بِضَمِّهَا- وَيَجُوز الكَسْر، أُبُودًا، وَيُقَال: تَأَبَّدَتْ: أَيْ تَوَحَّشَتْ، وَالمُرَاد أنَّ لَهَا تَوَحُّشًا. قاله فِي "الفتح"
(فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) وَفِي رِوَايَة لَه (فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافعَلُوا مِثْل هَذَا) وفي رواية الطبرانيّ (فَاصْنَعُوا بِهِ ذَلِكَ، وَكُلُوهُ).
هذا الحديث دليل على أن البهائم الإنسيّة، إذا توحّشت، ونفرت، تُعْطَى حُكْم المُتَوَحِّش الأصليّ، فيجوز عَقْر النَّادّ منها لِمَن عَجَزَ عَن ذَبحِهِا، كَالصَّيْدِ البَرِّيّ، وَيَكُون جمَيع أَجْزَائِها مَذْبَحًا، فَإِذَا أُصِيبَت فَمَاتَت مِنْ الإصَابَة حَلَّت، أمَّا المَقْدُور عَلَيْهِ، فَلا يُبَاح إِلَّا بِالذَّبْحِ، أَو النَّحْر إِجْمَاعًا، وبهذا قَالَ الجمهور.
قَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب ما ندّ منْ البهائم، فهو بمنزلة الوحش"، وأجازه ابن مسعود، وَقَالَ ابن عباس: ما أعجزك منْ البهائم، مما فِي يديك، فهو كالصيد، وفي بعير تردّى فِي بئر، منْ حيث قدرتَ عليه، فذكّه. ورأى ذلك عليّ، وابن عمر، وعائشة ﵃. انتهى.
стр. 3143
وَقَدْ نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم فِي ذلك مالكٌ، والليث. ونقل أيضاً عن سعيد بن المسيب، وربيعة، فقالوا: لا يحلّ أكل الإنسيّ إذا توحّش، إلا بتذكيته فِي حلقه، أو لبّته، وحجة الجمهور حديث رافع رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب. أفاده فِي (الفتح)
وقال ابن قدامة: وَكَذَلِكَ إنْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، فَجَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، أُكِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ، فَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُعِينُ عَلَى قَتْلِهِ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَلَنَا، ثم ذكر حديث الباب.
وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الذَّكَاةِ بِحَالِ الْحَيَوَانِ وَقْتَ ذَبْحِهِ، لَا بِأَصْلِهِ، بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَجَبَتْ تَذْكِيَتُهُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَكَذَلِكَ الْأَهْلِيُّ إذَا تَوَحَّشَ يُعْتَبَرُ بِحَالِهِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ رَأْسُ الْمُتَرَدِّي فِي الْمَاءِ، لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُعِينُ عَلَى قَتْلِهِ، فَيَحْصُلُ قَتْلُهُ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ، فَيَحْرُمُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ. (المغني).
قال النووي: قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ: الْحَيَوَان الْمَأْكُول الَّذِي لَا تَحِلّ مَيْتَته ضَرْبَانِ:
مَقْدُور عَلَى ذَبْحه، وَمُتَوَحِّش.
فَالْمَقْدُور عَلَيْهِ: لَا يَحِلّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْق وَاللَّبَة كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ.
وَسَوَاء فِي هَذَا الْإِنْسِيّ وَالْوَحْشِيّ إِذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحه بِأَنْ أَمْسَكَ الصَّيْد أَوْ كَانَ مُتَأَنِّسًا فَلَا يَحِلّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْق وَاللَّبَة.
стр. 3144
وَأَمَّا الْمُتَوَحِّش: كَالصَّيْدِ فَجَمِيع أَجْزَائِهِ يُذْبَح مَا دَامَ مُتَوَحِّشًا، فَإِذَا رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَة فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْهُ وَمَاتَ بِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا إِذَا تَوَحَّشَ إِنْسِيّ بِأَنَ نَدَّ بَعِير أَوْ بَقَرَة أَوْ فَرَس أَوْ شَرَدَتْ شَاة أَوْ غَيْرهَا فَهُوَ كَالصَّيْدِ، فَيَحِلّ بِالرَّمْيِ إِلَى غَيْر مَذْبَحه، وَبِإِرْسَالِ الْكَلْب وَغَيْره مِنْ الْجَوَارِح عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَدَّى بَعِير أَوْ غَيْره فِي بِئْر وَلَمْ يُمْكِن قَطْع حُلْقُومه وَمَرِيئُهُ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ النَّادّ فِي حِلّه بِالرَّمْيِ
ثم قال النووي: قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّد الْإِفْلَات، بَلْ مَتَى تَيَسَّرَ لُحُوقه بَعْد وَلَوْ بِاسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يُمْسِكهُ وَنَحْو ذَلِكَ فَلَيْسَ مُتَوَحِّشًا، وَلَا يَحِلّ حِينَئِذٍ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَح. … (شرح مسلم).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: إنهار الدم له حالات:
الحالة الأولى: أن يكون المذكى غير مقدور عليه، مثل أن يهرب أو يسقط في بئر أو في مكان سحيق لا يمكن الوصول إلى رقبته أو نحو ذلك، فيكفي في هذه الحال إنهار الدم في أي موضع كان من بدنه حتى يموت، لحديث الباب.
الحالة الثانية: أن يكون مقدوراً عليه، بحيث يكون حاضراً أو يمكن إحضاره بين يدي المذكي، فيشترط أن يكون الإنهار في موضع معين وهو الرقبة.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ).
أي: يكره الذبح بآلة كآلة (أي غير حادة قد استعملت مراراً وتكراراً حتى صارت لا تنهر الدم إنهاراً تاماً).
أ-لقوله ﷺ : (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم.
فقوله (وليحد أحدكم شفرته) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ب-ولأن في الذبح بالآلة الكآلة إيلام للبهيمة بدون فائدة.
والصحيح أن الذبح بآلة كالة حرام، وأنه يجب إحداد الشفرة لقوله ﷺ (وليحد .. ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
стр. 3145
(وَأَنْ يَحُدَّهَا وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ).
أي: يكره أن يحد السكين ونحوها والحيوان يبصره.
أ-وقد ورد في حديث في مسند أحمد (أن النبي ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم) وفيه ضعف.
الشفار جمع شفرة وهي السكين.
ب- ولأن في ذلك أذية للحيوان.
ج- أنَّها تَعرِفُ رَبَّها ، وتُسَبِّحُ بحَمدِه، وتَعرِفُ المَوتَ؛ ولهذا تَهرَب، فإذا كانت تَعرِفُ ذلك وهو يَذبَحُ أُختَها عِندَها، كان فيه زيادةُ ألَمٍ غَيرِ مُحتاجٍ إليه.
قال النووي: قوله (وَلْيُحِدَّ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء يُقَال: أَحَدّ السِّكِّين وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا بِمَعْنًى، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته، بِإِحْدَادِ السِّكِّين وَتَعْجِيل إِمْرَارهَا وَغَيْر ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُحِدّ السِّكِّين بِحَضْرَةِ الذَّبِيحَة، وَأَلَّا يَذْبَح وَاحِدَة بِحَضْرَةِ أُخْرَى، وَلَا يَجُرّهَا إِلَى مَذْبَحهَا. وَقَوْله ﷺ : (فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة) عَامّ فِي كُلّ قَتِيل مِنْ الذَّبَائِح، وَالْقَتْل قِصَاصًا، وَفِي حَدّ وَنَحْو ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْجَامِعَة لِقَوَاعِد الْإِسْلَام. (شرح مسلم)
جاء في (الموسوعة الفقهية) في بيان أداب الذبح: إِحْدَادُ الشَّفْرَةِ قَبْل إِضْجَاعِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ أَنْ يَحُدَّ الذَّابِحُ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيِ الذَّبِيحَةِ، وَهِيَ مُهَيَّأَةٌ لِلذَّبْحِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلاً أَضْجَعَ شَاةً يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلاَّ حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْل أَنْ تُضْجِعَهَا.
стр. 3146
(وَأَنْ يُوَجِّهَهُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ).
أي: يكره أن يوجه الحيوان عند الذبح إلى غير القبلة.
لحديث جابر قال (ضحى النبي ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما .. ) رواه ابن ماجه وفيه مقال.
فالسنة في الذبح توجيه الذبيحة إلى القبلة، وليس ذلك بلازم، فلو ذبحها إلى جهة أخرى حلت الذبيحة، لكن يكون تاركا للسنة.
روى أحمد وأبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ (ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ذَبَح).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) في بيان آداب الذبح: أنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، وَالذَّبِيحَةُ مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ بِمَذْبَحِهَا لَا بِوَجْهِهَا إِذْ هِيَ جِهَةُ الرَّغْبَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ؛ وَلأِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُل ذَبِيحَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ
(وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَهُ، أَوْ يَسْلُخَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ).
أي: يكره أن يكسر العنق قبل أن يذبح، ويكره أن يسلخها قبل أن تخرج روحه.
لحديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء .. وفيه: وليرح ذبيحته).
قال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أن كسر العنق والسلخ قبل الموت حرام، لأنه إيلام بلا حاجة.
стр. 3147
فائدة:
لا حرج على الجنب أن يذبح أو يصطاد، وذبيحته حلال باتفاق العلماء، لأن الجنابة لا تمنع التسمية.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٩/ ٧٤): نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، قال: وإذا دل القرآن على حل إباحة ذبيحة الكتابي مع أنه نجس، فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى. قال: والحائض كالجنب.
وقال ابن قدامة ﵀: (وإن كان جنباً جاز أن يسمّي ويذبح) وذلك أن الجنب له التسمية ولا يُمنع منها؛ لأنه إنما يمنع من القرآن لا من الذكر، ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله، وليست الجنابة أعظم من الكفر، والكافر يسمي ويذبح. وممن رَخص في ذبح الجنب: الحسن والحكم والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً منع من ذلك. وتباح ذبيحة الحائض؛ لأنها في معنى الجنب. (المغني).
стр. 3148
باب الصيد
الصيد: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مقدور عليه.
حكم الصيد على أقسام:
القسم الأول: صيد للانتفاع بالمصيد، إما بالأكل، أو البيع، أو التصدق به على المحتاجين، أو إهدائه للأصدقاء والأقارب، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع.
فهذا مباح بإجماع العلماء.
قال الشيخ ابن عثيمين: فهذا لا شك في جوازه، وهو مما أحله الله في كتابه، وثبتت به السنة عن النبي ﷺ ، وأجمع عليه المسلمون.
القسم الثاني: أن يكون الصيد على سبيل اللهو والعبث والتسلية فقط، وإذا صاده تركه دون أن ينتفع به بشيء.
فهذا النوع من الصيد مكروه عند بعض العلماء، ومنهم من مال إلى تحريمه.
ومن الأدلة على كراهته ما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). قِيلَ: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ (أَنْ تَذْبَحَهَا فَتَأْكُلَهَا، وَلَا تَقْطَعْ رَأْسَهَا فَيُرْمَى بِهَا) رواه النسائي.
стр. 3149
وقال الذهبي في "المهذب" (٧/ ٣٦١٤): "إسناده جيد"، وصححه ابن الملقن في "البدر المنير" (٩/ ٣٧٦)، وحسنه ابن كثير في "إرشاد الفقيه" (١/ ٣٦٨).
قال الشيخ ابن عثيمين: " فهذا مكروه، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه؛ لأنه عبث، وإضاعة مال، وإضاعة وقت.
وقال ابن حجر: فَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، بِإِتْلَافِ نَفْسٍ عَبَثاً.
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٢/ ٥١٢): " أما قتله لمجرد اللعب واللهو فممنوع؛ لما فيه من ضياع المال، مع تعذيب الحيوان، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك" انتهى.
جاء في (الموسوعة الفقهية) إِذَا عُلِمَ أَنَّ الأْصْل فِي الصَّيْدِ الإْبَاحَةُ، فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ خِلَافُ الأْوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ، إِلاَّ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ بِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي … وَيُكْرَهُ الصَّيْدُ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّلَهِّيَ وَالْعَبَثَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) رواه مسلم (١٩٥٧)؛ أَيْ هَدَفًا " انتهى.
قال ابن تيمية: الصيد لحاجة جائز، وأما الصيد الذي ليس فيه إلا اللهو واللعب فمكروه، وإن كان فيه ظلم للناس بالعدوان على زرعهم وأموالهم فحرام. (الفتاوى الكبرى).
وقال الشيخ منصور البهوتي: يكره الصيد لهواً؛ لأنه عبث، وإن كان في الصيد ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم فهو حرام؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. (كشاف القناع).
فائدة: ١
فإن قيل: ما الجواب عن حديث: (من اتبع الصيد غفل) رواه الترمذي.
فالجواب: المراد الإكثار منه حتى يشغله.
стр. 3150
فائدة: ٢
صيد الطيور في الأشهر الحرم جائز؛ لأن الأشهر الحرم إنما يحرم فيها القتال، على أن كثيراً من العلماء أو أكثر العلماء يقولون: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ.
(لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ فِي الاصْطِيَادِ إِلاَّ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ).
هذا الشرط الأول: أن يكون الصائد من أهل الذكاة.
وهو المميز العاقل المسلم أو الكتابي.
لأن الاصطياد كالذكاة وقائم مقامها، لقوله ﷺ (فإن أخذ الكلب ذكاة) متفق عليه.
فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني، أو مرتد.
قال الشيخ ابن عثيمين: وصيد غير العاقل لا يحل، ويتفرع على هذا أن يكون قاصداً.
فلو أن رجلاً يرمي على هدف، من خرق، أو عمود، أو ما أشبه ذلك، فإذا بصيد يمر فقتله، فلا يحل؛ لأنه ما قصده، لكن لو سمى على صيد فأصاب غيره حل؛ لأنه قصد الصيد، مثل أن يرى طيراً على غصن شجرة، فيرميه قاصداً هذا الطير، فإذا هو يصيد آخر على غصن آخر، فإنه يحل؛ ولهذا لو أنه رمى على فِرْق من الطير، وأصاب عشرة جميعاً تحل؛ لأنه قصد الصيد.
(الثاني: الآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ: مُحَدَّدٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي آلَةِ الذَّبْحِ، وَأَنْ يَجْرَحَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يُبَحْ، وَمَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ، وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ لَا يَحِلُّ مَا قُتِلَ بِهِ).
آلة الصيد نوعان:
أولاً: ما يرمى به الصيد من كل محدد.
كالرماح، والسيوف، والسهام وما جرى مجراها مما يجرح بحده كرصاص البنادق اليوم.
стр. 3151
ثانياً: الجوارح، وهي الكواسر من السباع، كالكلاب والطير، كما سيأتي إن شاء الله.
فالنوع الأول: ماله حد يجرح كسيف، وسكين، وسهم.
فهذا يشترط له ما يشترط لآلة الذكاة:
وتقدم أن آلة الذبح يشترط فيها أن تكون غير سن ولا ظفر.
وأن يجرح.
أي: ويشترط أيضاً أن يجرح الصيد.
(فلو قتل الصيد بثقله لم يبح).
فمن أجل ثقله مات الصيد فإنه لا يحل، لأنه لا بد أن يجرح.
عَنْ عَدِي بن حاتم قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ اَلْمِعْرَاضِ فَقَالَ (إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي.
(صَيْدِ اَلْمِعْرَاض) قال النووي: بكسر الميم، هي خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره.
وفي رواية (إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ).
(إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ) أي: بأن نفذ في اللحم، وقطع شيئاً من الجلد.
(فَكُلْ) لأنه قد ذكي ذكاة شرعية.
(وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) أي: بغير طرفه المحدد.
(فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ) أي: فهو حرام، لعدّ الله تعالى الموقوذة منْ المحرّمات. و"الوقيذ": -بِالْقَافِ، وآخِره ذال مُعْجَمة، وَزْن عَظِيم، فعِيل بِمعنى مفْعُول، وهُوَ مَا قُتِل بِعصًا، أو حَجَر، أوْ مَا لا حَدّ لهُ، والموْقُوذَة: هي الَّتِي تُضْرب بِالخَشَبةِ حتَّى تَمُوت.
стр. 3152
قال النووي: وَالْوَقْذ وَالْمَوْقُوذ هُوَ الَّذِي يُقْتَل بِغَيْرِ مُحَدَّد مِنْ عَصًا أَوْ حَجَر وَغَيْرهمَا.
فهذا الحديث يفيد: أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، وإن قتله بصدمه وثقله فلا يباح، لأنه وقيذ محرم.
قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير: أَنَّهُ إِذَا اِصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ لِهَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ فُقَهَاء الشَّام: يَحِلّ مُطْلَقًا. (شرح مسلم)
وقال ابن حجر: وَحَاصِله أنَّ السَّهْم، وما فِي معناهُ، إِذَا أصَابَ الصَّيد بِحدِّهِ حَلَّ، وكانت تِلك ذكاته، وإِذَا أصَابهُ بِعَرْضِهِ لمْ يحِلّ؛ لِأنَّهُ فِي مَعْنى الخَشَبة الثَّقِيلة، والحَجَر، وَنَحْو ذَلِكَ مِن المُثَقَّل.
(وَمَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ، وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ لَا يَحِلُّ مَا قُتِلَ بِهِ).
أي: إذا كانت الآلة ليست محددة، فإنه لا يحل ما قتل بها:
كالبندق: واحدها بندقة، وهي عبارة عن حصاة يرمى بها.
فهذه البندق لو رمى بها صيد فمات فلا يحل، لأنه غير محدد.
العصا: أن يضرب الصيد بالعصا فيقتل فلا يحل، لأنه لا يجرح.
الشبكة والفخ: إذا مات الصيد فيها اختناقاً فلا يحل.
стр. 3153
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً).
النوع الثاني من آلات الصيد: الجارحة. ويدخل فيها نوعان:
ما يصيد بمخلبه: كالصقر، والبازي، والعقاب ونحوها.
ما يصيد بنابه: كالفهد، والكلب.
وكلاهما يحل به الصيد.
لقوله (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ).
فائدة:
قال ابن قدامة: وَكُلُّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَيُمْكِنُ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، كَالْفَهْدِ، أَوْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَلْبِ فِي إبَاحَةِ صَيْدِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ) هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ، وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ، وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا.
وَبِمَعْنَى هَذَا قَالَ طاووس، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ إلَّا بِالْكَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين) يَعْنِي كَلَّبْتُمْ مِنْ الْكِلَابِ.
وَلَنَا؛ مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ (سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: إذَا أَمْسَكَ عَلَيْك، فَك).
وَلِأَنَّهُ جَارِحٌ يُصَادُ بِهِ عَادَةً، وَيَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَأَشْبَهَ الْكَلْب. (المغني).
стр. 3154
(إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً).
أي: يشترط لحل الصيد بهذه الجوارح أن تكون معلمة.
قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ.
أ- لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).
ب- وَعَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُل) متفق عليه.
(بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لا يأكل).
هذه صفة تعليم الكلب:
أولاً: بأن يسترسل إذا أرسل.
ثانياً: وينزجر إذا زجر.
وهذا يكون لأحد غرضين: يكون بطلب وقوفه وكفه عن العدو، ويكون الزجر لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد.
وهذان الشرطان اتفقت المذاهب الأربعة على اعتبارهما.
(وإذا أمسك لا يأكل).
فإن أكل لم يبح.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
قال النووي: وبه قال أكثر العلماء.
أ-لحديث عدي -فقد جاء في رواية- (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه). وهذا نص.
ب-ولقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه.
وذهب بعض العلماء: أنه يحل.
стр. 3155
وهو قول مالك.
واستدلوا بحديث أبي ثعلبة قال (يا رسول الله، إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها؟ قال: كل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه) رواه أبو داود، وقال الحافظ: لا بأس بسنده.
والراجح القول الأول.
وأما الجواب عن حديث أبي ثعلبة:
أن حديث عدي مقدم عليه، لأنه أصح.
ومنهم من حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر.
وأيضاً رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأن الأصل في الميتة التحريم.
فائدة: وأما تعليم الطير فإنه يكون بأمرين:
أن يسترسل إذا أرسل - أن ينزجر إذا زجر.
واختلفوا هل يشترط أن لا يأكل أم لا على قولين:
فقيل: يشترط.
وهذا مذهب الشافعي قياساً على جارحة الكلب.
وقيل: لا يشترط.
وهذا قول الحنفية والحنابلة.
وهذا الراجح.
قال ابن قدامة: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْبَازِي مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْكَلْبِ، إلَّا تَرْكُ الْأَكْلِ، فَلَا يُشْتَرَطُ، وَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ.
следующие страницы →