Полный текст (3 390 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال الإمام النووي: وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ﵁ أَنْ يَقُول: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالكُمْ فِي نَفْس الْأَذَان، وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ فِي آخِر نِدَائِهِ. وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - فِي الْأُمّ فِي كِتَاب الْأَذَان، وَتَابَعَهُ جُمْهُور أَصْحَابنَا فِي ذَلِكَ، فَيَجُوز بَعْد الْأَذَان، وَفِي أَثْنَائِهِ لِثُبُوتِ السُّنَّة فِيهِمَا، لَكِنَّ قَوْله بَعْده أَحْسَن لِيَبْقَى نَظْم الْأَذَان عَلَى وَضْعه، وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ قَالَ: لَا يَقُولهُ إِلَّا بَعْد الْفَرَاغ، وَهَذَا ضَعِيف مُخَالِف لِصَرِيحِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ﵄، وَلَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن الْحَدِيث الْأَوَّل حَدِيث اِبْن عُمَر ﵄; لِأَنَّ هَذَا جَرَى فِي وَقْت وَذَلِكَ فِي وَقْت، وَكِلَاهُمَا صَحِيح. (نووي)
وأما الجواب عن أصحاب القول الأول في أنها تقال بدلاً من الحيعلتين: فقد قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال (خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله)
فوائد:
فائدة: ١
لا يجوز أذان امرأة للرجال.
ويدل لذلك:
عن ابْن عُمَرَ ﵄ قال: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا بِلالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاة).
فهذا الحديث يدل على أنه من المقرر عند الصحابة أنه لا ينادي للصلاة إلا الرجال، وأنه لا مدخل للنساء في ذلك، لقول عمر ﵁: (أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاة).
стр. 352
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاء).
قال الحافظ": وَكَأَنَّ مَنْعَ اَلنِّسَاءِ مِنْ اَلتَّسْبِيحِ لأَنَّهَا مَأْمُورَة بِخَفْضِ صَوْتِهَا فِي اَلصَّلاةِ مُطْلَقًا لِمَا يُخْشَى مِنْ اَلافْتِتَانِ ". انتهى
فإذا كانت المرأة منهية عن تنبيه الإمام بالقول إن أخطأ، وإنما تصفق، حتى لا ترفع صوتها بحضرة الرجال، فكيف يسمح لها بالأذان؟!
فلا يشرع لها أن تؤذِّن لدعوة الناس إلى صلاة الجماعة باتفاق العلماء، وأقوالهم في ذلك تدور بين التحريم والكراهة.
قال الشافعي في الأم: ولا تؤذن امرأة، ولو أذنت لرجال لم يجز عنهم أذانها.
وقال في المغني: ولا يعتد بأذان المرأة؛ لأنها ليست ممن يشرع له الأذان.
• وقد اختلف العلماء، هل إذا أذنت المرأة كما يؤذن الرجال هل يصح أذانها أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا يصح أذانها.
وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
قال النووي: فإذا أذنت للرجال لم يعتد بأذانها.
وقال في الإنصاف: لا يعتد بأذان امرأة.
القول الثاني: صحة هذا الأذان مع الكراهة.
وهو مذهب الحنفية.
والصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه هو مذهب الجمهور وهو عدم أذان النساء للرجال لأن ذلك من المحدثات، ولم يكن في السلف، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة؛ ولأن المؤذن يستحب له أن يشهر نفسه ويؤذن على المكان العالي ويرفع صوته، والمرأة منهية عن ذلك كله لما في ذلك من تعرضها.
стр. 353
باب شروط الصلاة
تعريف الشرط:
لغة: العلامة، قال تعالى (فقد جاء أشراطها).
واصطلاحاً: ما يَلزَمُ من عَدَمِه العَدَم، ولا يَلْزَم من وجوده الوُجود.
مثاله: الوُضُوء شرط لصحَّة الصَّلاة، يلزم مِن عَدَمِه عَدَمُ الصِّحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة؛ لأنه قد يتوضَّأ ولا يُصلِّي.
• والفرق بين الأركان والشروط:
أولاً: أنَّ الشُّروط قبل الصلاة والأركانَ فيها.
وثانياً: أنَّ الشُّروطَ مستمرَّة من قبل الدّخول في الصَّلاة إلى آخر الصَّلاة، والأركان ينتقل من ركن إلى ركن: القيام، فالرُّكوع، فالرَّفع من الرُّكوع، فالسُّجود، فالقيام من السُّجود، ونحو ذلك.
ثالثاً: الأركان تتركَّبُ منها ماهيَّةُ الصَّلاة بخلاف الشُّروط، فَسَتْرُ العورة لا تتركَّبُ منه ماهيَّة الصَّلاة؛ لكنه لا بُدَّ منه في الصَّلاة.
(الشرح الممتع).
(أحدها: الطهارة من الحدث).
أي: أن من شروط الصلاة الطهارة من الحدث، وقد تقدم ذلك.
أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري (قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساء أو ضراط).
وتفسير أبي هريرة للحدث بالفساء أو الضراط تفسير للحدث منه، لأن الحدث أعم من ذلك، وكأن أبا هريرة فسره بالأخص:
أولاً: تنبيهاً بالأخف على الأغلظ، وثانياً: ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما.
ب-وحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول) رواه مسلم.
قال النووي: وهذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة.
стр. 354
ج- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا اشتكى أحدكم في صلاته فلم يدرِ أخرج منه شيء أم لا، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم.
ففي هذا الحديث: أن خروج الريح من الدبر ينقض الوضوء وتبطل به الصلاة، وقد أجمع العلماء على ذلك.
• من أحدث أثناء الصلاة، فإنه يجب أن يخرج ويتوضأ ويعيدها، وهذا قول جماهير العلماء.
أ-لحديث عَلِي بْن طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ اَلصَّلَاةَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
ب-وقد يستدل بحديث أبي هريرة (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فإنه يفيد أن صلاة المحدث لا تقبل، وهذا يعم ما قبل الصلاة من الحدث اختياراً وما حصل في أثنائها اضطراراً، لأنه ﷺ لم يفرق بين حدث وحدث.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن الإنسان إذا أحدث في صلاته فإنه ينصرف ويتوضأ ويبني على ما مضى.
وهذا مذهب الحنفية.
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (من أصابه قيء أو قلس أو رعاف أو مذي فلينصرف وليتوضأ وليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم)، لكن هذا الحديث ضعيف.
من انتقض وضوءه وهو إمام فإنه يجب أن يخرج من صلاته، ولا يجوز أن يكمل صلاته، ويقدم أحد المأمومين ليكمل بالمصلين.
• ما حكم صلاة المأموم إذا تبين له حدث إمامه بعد الفراغ من الصلاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يعيد المأموم صلاته.
وهذا مذهب الحنفية.
القول الثاني: إن كان الإمام يعلم حدثه لزمت المأموم الإعادة، وإن كان لا يعلم حدثه صحت صلاة المأموم.
القول الثالث: تصح صلاة المأموم فلا يعيدها، وهذا القول هو الصحيح.
أ-لقوله ﷺ في الصلاة خلف أئمة الجور (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) رواه البخاري.
ب-ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفة حدث الإمام فكان معذوراً في الاقتداء به، لأنه لم يكلف علم ما غاب عنه من أمره، وإذا صح اقتداؤه صحت صلاته فلا يعيدها.
стр. 355
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ مُحْدِثًا، أَوْ جُنُبًا، غَيْرَ عَالِمٍ بِحَدَثِهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
لإجماع الصَّحَابَةِ ﵃.
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرُفِ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعَ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْغَدَاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا. رَوَاهُ كُلَّهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا. (المغني).
وكذلك على القول الراجح لو أحدث الإمام في أثناء الصلاة، فصلاة المأمومين صحيحة، ويخرج الإمام ويقدم من يكمل بهم.
(اجتناب النجاسة في بدنه، وثوبه، وموضعَ صلاته).
أي: ومن شروط الصلاة، طهارة البدن، والثوب، والبقعة.
في البقعة:
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاء فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وقال ﷺ في المساجد (إنَّه لا يصلُح فيها شيءٌ من الأذى والقَذَر) رواه مسلم.
стр. 356
وفي الثوب:
أ-لقوله تعالى (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) على أحد التفسيرين.
ب-أنَّ النبيَّ ﷺ أمر الحائض إذا أصابها دم الحيض أن تغسله ثم تُصلِّي فيه.
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ -فِي دَمِ اَلْحَيْضِ يُصِيبُ اَلثَّوْبَ- (تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ج-خَلْعُ النبيِّ ﷺ نعليه لمَّا أخبره جبريلُ أنَّ فيهما أذى، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز استصحاب النَّجَاسة في حال الصَّلاة.
وفي البدن:
لحديث ابن عباس (مر النبي بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير … أما أحدهما فكان لا يتنزه من بوله … ). متفق عليه
وكذلك أحاديث الاستنجاء والاستجمار كلُّها تفيد أنه يجب التنزُّه من النَّجاسة في البدن.
(وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علِم بها ثم نسيها أعاد).
لأن طهارة اللباس شرط لصحة الصلاة.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب الحنابلة.
مثال: رَجُل صَلَّى؛ فلما سَلَّم وَجَدَ على ثوبه نجاسة يابسة؛ يتيقَّن أنها أصابته قبل الصَّلاة، ولكن لم يعلم بها، فإنه يعيد.
مثال آخر: علم بالنجاسة على ثوب، لكنه نسيها ولم يتذكرها إلا بعد الصلاة، فإنه يعيد.
стр. 357
ومثل ذلك لو نسي أن يغسلها.
أ- لعموم الأدلة الدالة على أن طهارة اللباس شرط لصحة الصلاة، فهذه الأدلة جاءت عامة، ولم تفرق بين العامد والجاهل والناسي.
ب- واحتجوا بالقياس على الحدث، فكما لا تصح الصلاة مع الحدث، سواء كان جاهلاً أو ناسياً، فكذا لا تصح مع النجاسة ولا فرق.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا إعادة عليه.
وهذا قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين.
فقد حكي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، وسالم بن عبد الله، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي.
وهو قول المالكية، والقديم للشافعي.
واختار هذا القول من الحنابلة ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن سعدي.
أ- لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى -وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) رواه أبو داود.
стр. 358
وجه الشاهد: أن النبي ﷺ لم يعد أول صلاته التي صلاها مع وجود النجاسة في النعل، لأنه كان جاهلاً وجودها، فدل على أن من صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً فصلاته صحيحة.
ب- ولحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن حبان.
قال الخطابي: فيه من الفقه: أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإن صلاته مجزئة ولا إعادة عليه.
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن الكلام ونحوه في الصلاة يعفى فيه عن الجاهل والناسي، فتقاس عليه النجاسة، بجامع أن كلاً منهما من باب المنهي عنه في الصلاة.
(وإنْ علِم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاتهِ).
أي: من رأى نجاسة على ثيابه أثناء الصلاة أو طرأت عليه وهو يصلي فإنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يمكنه طرح النجاسة من غير زمن طويل، ولا عمل كثير.
فهنا يجب طرحها وإزالتها في الحال، وذلك بتنحيتها إن كانت يابسة، أو بخلع ما طرأت عليه إن كانت رطبة ويبني على ما مضى من صلاته.
لحديث أبي سعيد السابق، فإن النبي ﷺ لما أخبره جبريل بأن فيهما قذراً ألقاهما وأكمل صلاته.
الحال الثانية: أن يحتاج طرح النجاسة وإزالتها إلى زمن طويل أو عمل كثير.
فهنا يجب عليه أن يقطع صلاته ويزيل النجاسة ويستأنف من جديد، لأن حاله لا يخلو من حالين:
أ- إما أن يصلي مستصحباً للنجاسة زمناً طويلاً وهو عالم بها.
ب- وإما أن يقوم بعمل كثير في صلاته يؤثر فيها من أجل إزالتها.
وكل واحد من الأمرين يبطل الصلاة.
стр. 359
• وقد اختلف العلماء هل يعفى عن يسير البول والغائط إذا وقع على لباس المصلي أم لا على قولين:
القول الأول: لا يعفى عن يسير البول والغائط ونحوهما من النجاسات.
وإلى هذا ذهب أبو ثور.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لعموم الأدلة على اشتراط طهارة اللباس لصحة الصلاة، من غير تفريق بين يسير النجاسة وكثيرها.
ب- ولحديث أبي سعيد السابق، في قصة خلع النبي ﷺ نعليه، وهو في صلاته لما أخبره جبريل.
وجه الدلالة: لو كان يسير النجاسة الواقع على لباس المصلي معفواً عنه لما خلع النبي ﷺ نعليه وهو في صلاته، إذْ إن القذر الذي كان موجوداً في نعليه يسير.
ج-أن يسير البول ونحوه نجاسة لا تشق إزالتها، ويمكن الاحتراز منها غالباً فوجب إزالتها كالكثير.
القول الثاني: يعفى عن يسير البول والغائط ونحوهما من النجاسات.
وإليه ذهب الحنفية ما عدا زفر.
أ- قالوا: أن الاستنجاء بالماء غير واجب بالإجماع، ومعلوم أن الاستجمار بالأحجار لا يستأصل النجاسة.
ب- أن القليل من النجاسات يشق الاحتراز منه، فلم تجب إزالته.
والراجح الأول.
• وذهب أكثر العلماء إلى أنه يعفى عن يسير الدم.
قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ.
لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (قَدْ كَانَ يَكُونُ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ، فِيهِ تَحِيضُ وَفِيهِ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ، فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا) وَفِي لَفْظٍ (مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ، فِيهِ تَحِيضُ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
стр. 360
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ لَا يُطَهَّرُ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ بِهِ ظُفُرُهَا، وَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ أَمْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وروى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ، فَيُخْرِجُ يَدَيْهِ، فَيَضَعُهُمَا بِالْأَرْضِ، وَهُمَا يَقْطُرَانِ دَمًا، مِنْ شِقَاقٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ.
وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. (المغني).
وجاء عن أبي هريرة أنه لم يكن يرى بالقطرتين من الدم في الصلاة بأساً. رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن عباس أنه قال: إذا كان الدم فاحشاً فعليه الإعادة، وإن كان قليلاً فليس عليه إعادة.
ولأن يسير الدم يشق التحرز منه، وتعم به البلوى.
(الثاني: الوقت).
أي: ومن شروط الصلاة دخول الوقت، فمن صلى قبل الوقت فصلاته غير صحيحة، سواء كان عالماً أو جاهلاً، والمراد بالوقت: الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه.
قال تعالى (إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً). (كتاباً) أي مفروضاً، (موقوتاً) أي محددة في أوقات.
قال في المغني: أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة.
(فوقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثلَه).
أي: بداية وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس.
أ- لحديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس) متفق عليه.
ب- ولحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ. أَنَّ نَبِيَّ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَقْتُ اَلظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ اَلشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ اَلرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ اَلْعَصْرُ، وَوَقْتُ اَلْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ اَلشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ اَلْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ اَلشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ اَلْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اَللَّيْلِ اَلْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ اَلشَّمْسُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 361
ج-ولحديث بريدة: (أن النبي ﷺ لما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الصلاة) رواه مسلم.
د- وعن أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قال (كَان ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ … ). رواه البخاري
نهاية وقتها: حين يكون ظل الشيء مثله.
وبذلك قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-لحديث عبد الله بن عمرو السابق ( … وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر).
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلاً، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، … ) رواه النسائي.
• صلاة الظهر لها أسماء: تسمى الهاجرة: لحديث جابر قال: (كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة).
وسميت بالهاجرة لأن الناس يهجرون فيها السعي في أعمالهم نظراً لشدة الحر.
وتسمى الأولى: والسبب في ذلك أنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ .
стр. 362
قال ابن رجب: في قوله (كَان ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى … ) في هذه الرواية: أن لصلاة الظهر اسمين آخرين:
أحدهما: الهجير؛ لأنها تصلى بالهاجرة. (وهُوَ وَقْتُ شِدَّةِ الْحَر).
والثاني: الأولى.
وقيل: سميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي عند البيت، في أول ما فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
وقال ابن دقيق العيد: وإنما قيل لصلاة الظهر الأولى؛ لأنها أول صلاة أقامها جبريل للنبي ﷺ على ما جاء في حديث إمامة جبريل ﵇.
وقال ابن عبد الهادي: " أول صلاة صلاها النبي ﷺ من الخمس مطلقاً: الظهر بمكة، باتفاق.
(ووقت صلاة العصر - وهي الوسطى - من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس).
أي: يدخل وقتها إذا صار ظل الشيء مثله يكون دخل وقت صلاة العصر، وخرج وقت صلاة الظهر.
وهذا قول جمهور العلماء.
نقله عنهم النووي في شرح مسلم، وكذلك الشوكاني حيث قال: وأما أول وقت العصر فذهب الجمهور إنه مصير ظل الشيء مثله. (نيل الأوطار).
للحديث السابق (ووقت الظهر إذا زال الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر).
يدل هذا على أنه إذا حضر وقت العصر خرج وقت الظهر.
قال النووي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا بَعْدهَا دَلِيل لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء أَنَّ وَقْت الْعَصْر يَدْخُل إِذَا صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يَدْخُل حَتَّى يَصِير ظِلّ الشَّيْء مِثْلَيْهِ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة لِلْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ مَعَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ﵁ فِي بَيَان الْمَوَاقِيت، وَحَدِيث جَابِر، وَغَيْر ذَلِكَ. (شرح مسلم).
стр. 363
• وينتهي إذا اصفرت الشمس.
لحديث ابن عمرو السابق (وَوَقْتُ اَلْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ اَلشَّمْسُ).
وذهب بعض العلماء: إلى أن وقت العصر ينتهي ويمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه.
واستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ … ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، .. الحديث … فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ). رواه أبو داود
والراجح القول الأول، وأن وقتها ينتهي باصفرار الشمس.
• ووجه هذا الترجيح:
أ- أن حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم وهو متأخر، لأن إمامة جبريل كانت بمكة في أول الفرض.
ب- أنه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث ابن عباس، والأخذ بالزيادة لا ينافي ذلك.
ج- أنه من قول الرسول ﷺ وحديث ابن عباس فعل، والقول أقوى من الفعل.
د- لأن جعْل وقتها إلى اصفرار الشمس أخذ بالزائد، والأخذ بالزائد أخذ بالزائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد.
• معنى اصفرار الشمس: أن يرى الإنسان الصفرة أو الحمرة على الأرض أو الأبنية.
стр. 364
• قوله في حديث عبد الله بن عمرو (وَقْتُ اَلظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ اَلشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ اَلرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ اَلْعَصْرُ):
قال النووي: وَفِيهِ: دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَلِلْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا اِشْتَرَاك بَيْن وَقْت الظُّهْر وَوَقْت الْعَصْر، بَلْ مَتَى خَرَجَ وَقْت الظُّهْر بِمَصِيرِ ظِلّ الشَّيْء مِثْله غَيْر الظِّلّ الَّذِي يَكُون عِنْد الزَّوَال، دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْر، وَإِذَا دَخَلَ وَقْت الْعَصْر لَمْ يَبْقَ شَيْء مِنْ وَقْت الظُّهْر. وَقَالَ مَالِك ﵁ وَطَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء: إِذَا صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله دَخَلَ وَقْت الْعَصْر وَلَمْ يَخْرُج وَقْت الظُّهْر، بَلْ يَبْقَى بَعْد ذَلِكَ قَدْر أَرْبَع رَكَعَات صَالِح لِلظُّهْرِ وَالْعَصْر أَدَاء، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇: (صَلَّى بِي الظُّهْر فِي الْيَوْم الثَّانِي حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله، وَصَلَّى بِي الْعَصْر فِي الْيَوْم الْأَوَّل حِين صَارَ كُلّ شَيْء مِثْله). فَظَاهِره اِشْتِرَاكهمَا فِي قَدْر أَرْبَع رَكَعَات. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ بِظَاهِرِ الْحَدِيث الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث جِبْرِيل ﵇ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَرَغَ مِنْ الظُّهْر حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله، وَشَرَعَ فِي الْعَصْر فِي الْيَوْم الْأَوَّل حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله، فَلَا اِشْتِرَاكَ بَيْنهمَا. فَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيِّن لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَحَادِيث، وَأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاك يَكُون آخِر وَقْت الظُّهْر مَجْهُولًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا اِبْتَدَأَ بِهَا حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله لَمْ يَعْلَم مَتَى فَرَغَ مِنْهَا، وَحِينَئِذٍ يَكُون آخِر وَقْت الظُّهْر مَجْهُولًا، وَلَا يَحْصُل بَيَان حُدُود الْأَوْقَات. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ حَصَلَ مَعْرِفَة آخِر الْوَقْت وَانْتَظَمَتْ الْأَحَادِيث عَلَى اِتِّفَاق. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. (شرح مسلم)
• قوله (وهي الوسطى).
أي: أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي أثنى الله عليها في القرآن.
وقد اختلف العلماء في تحديد الوسطى على أقوال: أصحها أنها صلاة العصر.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة ﵃ فَمَنْ بَعْدهمْ فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ جَمَاعَة: هِيَ الْعَصْر؛ مِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ: عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود وَأَبُو أَيُّوب وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَبِيدَة السَّلْمَانِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ ﵃. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ ﵃. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ ﵀ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيث فِيهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْح لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي الْعَصْر وَمَذْهَبه اِتِّبَاع الْحَدِيث. (شرح مسلم).
قال الماوردي: هو قول جمهور التابعين.
стр. 365
وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر.
وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية" انتهى من (فتح الباري).
وقال النووي ﵀: الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر، وهو المختار. (المجموع).
عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ (مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ) متفق عليه.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ).
• فضل صلاة العصر:
أولاً: أن المحافظة عليهما من أسباب دخول الجنة.
لحديث أبي موسى. قال: قال ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
ثانياً: سبب للنجاة من النار.
قال ﷺ : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني الفجر والعصر) متفق عليه.
ثالثاً: الملائكة يجتمعون في هاتين الصلاتين.
قال ﷺ : (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) متفق عليه.
قال الحافظ: وقد ورد أن الرزق يُقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله.
стр. 366
• فائدة: قوله (مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) اختلف في المراد بهؤلاء الملائكة:
فقيل: المراد بهم الحفظة.
وقيل: بل غيرهم، ورجحه القرطبي، والحافظ ابن حجر.
قال الحافظ ابن حجر: ويقوّيه أنه لم يُنقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار
رابعاً: سبب لرؤية الله في الآخرة.
قال ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) متفق عليه.
خامساً: خصصها الله بالمحافظة عليها.
قال تعالى (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِين).
سادساً: جاء في الترهيب في تركها ما لم يرد في غيرها.
عن بُرَيْدَةَ. قال: قال النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) رواه البخاري.
وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) متفق عليه.
• قوله (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَه).
قال النووي: رُوِيَ بِنَصْبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعهمَا، وَالنَّصْب هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله.
وَمَعْنَاهُ: اِنْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَهَذَا تَفْسِير مَالِك بْن أَنَس.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة النَّصْب فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَسُلِبَهُ، فَبَقِيَ بِلَا أَهْل وَلَا مَال، فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَاب أَهْله وَمَاله.
وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ: مَعْنَاهُ عِنْد أَهْل اللُّغَة وَالْفِقْه أَنَّهُ كَاَلَّذِي يُصَاب بِأَهْلِهِ وَمَاله إِصَابَة يَطْلُب بِهَا وَتْرًا، وَالْوَتْر الْجِنَايَة الَّتِي يَطْلُب ثَأْرهَا فَيَجْتَمِع عَلَيْهِ غَمَّانِ: غَمّ الْمُصِيبَة وَغَمّ مُقَاسَاة طَلَب الثَّأْر.
وَقَالَ الدَّاوُدِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة: مَعْنَاهُ يَتَوَجَّه عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِرْجَاع مَا يَتَوَجَّه عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْله وَمَاله، فَيَتَوَجَّه عَلَيْهِ النَّدَم وَالْأَسَف لِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاة.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنْ الثَّوَاب مَا يَلْحَقهُ مِنْ الْأَسَف عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَق مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ.
стр. 367
• ما المراد بتفويت الصلاة؟
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِفَوَاتِ الْعَصْر فِي هَذَا الْحَدِيث:
فَقَالَ اِبْن وَهْب وَغَيْره: هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتهَا الْمُخْتَار.
وَقَالَ سَحْنُون وَالْأَصِيلِيّ: هُوَ أَنْ تَفُوتهُ بِغُرُوبِ الشَّمْس.
وَقِيلَ: هُوَ تَفْوِيتهَا إِلَى أَنْ تَصْفَرّ الشَّمْس، وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث. قَالَ فِيهِ: وَفَوَاتهَا أَنْ يَدْخُل الشَّمْس
صُفْرَة.
وَرُوِيَ عَنْ سَالِم أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا.
وَعَلَى قَوْل الدَّاوُدِيّ هُوَ فِي الْعَامِد، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه (مَنْ تَرَكَ صَلَاة الْعَصْر حَبَطَ عَمَله) وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْعَامِد.
• هل يلحق غير العصر بالعصر؟
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَلْحَق بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَات: وَيَكُون نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرهَا، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا تَأْتِي وَقْت تَعَب النَّاس مِنْ مُقَاسَاة أَعْمَالهمْ وَحِرْصهمْ عَلَى قَضَاء أَشْغَالهمْ وَتَسْوِيفهمْ بِهَا إِلَى اِنْقِضَاء وَظَائِفهمْ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر، لِأَنَّ الشَّرْع وَرَدَ فِي الْعَصْر، وَلَمْ تَتَحَقَّق الْعِلَّة فِي هَذَا الْحُكْم فَلَا يُلْحَق بِهَا غَيْرهَا بِالشَّكِّ وَالتَّوَهُّم، وَإِنَّمَا يُلْحَق غَيْر الْمَنْصُوص بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عَرَفْنَا الْعِلَّة وَاشْتَرَكَا فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح النووي).
(ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس).
أي: ويبدأ وقت الضرورة من اصفرار الشمس إلى غروبها.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْر) متفق عليه.
فحديث عبد الله بن عمرو يحمل على وقت الاختيار، وحديث أبي هريرة (من أدرك ركعة) على وقت الضرورة.
стр. 368
• ومعنى وقت ضرورة:
هو أن يؤخر الصلاة لهذا الوقت للضرورة، كالحائض تطهر في هذا الوقت، أو كافر يسلم، أو نائم يستيقظ، أو مغمى عليه يستيقظ، أو جريح اشتغل بتضميد جرحه، فهؤلاء يصلون ولو بعد اصفرار الشمس، وتكون صلاتهم أداء.
قال ابن قدامة: … إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، أَوْ كَافِرٍ يُسْلِمُ، أَوْ صَبِيٍّ يَبْلُغُ، أَوْ مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أَوْ نَائِمٍ يَسْتَيْقِظُ، أَوْ مَرِيضٍ يَبْرَأُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (مَعَ الضَّرُورَةِ). (المغني).
• لكن لا يجوز للإنسان أن يؤخر صلاة العصر إلى وقت الضرورة.
قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ، حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا) وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ. (المغني).
وقال النووي: وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت.
(ووقتُ المغربِ من الغروب إلى أن يغيب الشفق الأحمر).
وهذا بإجماع العلماء.
قال ابن قدامة: أما دخول وقت المغرب بغروب الشمس، فإجماع أهل العلم، لا نعلم بينهم خلافاً فيه.
وقال النووي: فأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وتكامل غروبها، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر وخلائق لا يحصون الإجماع فيه.
أ-لحديث جابر (أن النبي ﷺ كان يصلي المغرب إذا وجبت) رواه مسلم.
ب-ولحديث أبي موسى (أنه ﷺ صلى المغرب حين وقعت الشمس) رواه مسلم.
ج- ولحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال (كَانَ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، … ) متفق عليه.
стр. 369
وينتهي وقتها إلى مغيب الشفق. (الشفق هو الحمرة كما هو مذهب الجمهور).
أ-لحديث عبد الله بن عمر السابق ( … ووقت المغرب ما لم يغب الشفق).
ب-ولحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: أن النبي ﷺ قال (إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق).
(ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل، ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني).
أي: ووقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل.
أما بداية وقتها من مغيب الشفق، فهذا بإجماع المسلمين.
قال ابن قدامة: لا خلاف في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق.
لحديث أبي موسى (أنه ﷺ أمر فأقام العشاء حين غاب الشفق) رواه مسلم.
وأما نهاية وقتها ففيه خلاف والصواب أنه إلى نصف الليل.
لحديث عبد الله بن عمرو السابق (وَوَقْتُ صَلَاةِ اَلْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اَللَّيْلِ اَلْأَوْسَط).
• كيف معرفة منتصف الليل؟
من أجل معرفة نصف الليل: نحسب من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، فنصف ما بينهما هو آخر وقت صلاة العشاء.
فلو أن الشمس تغيب الساعة الخامسة، والفجر يؤذن الساعة الخامسة فمنتصف الليل هو الساعة الحادية عشرة مساءً، ولو أن الشمس تغيب الساعة الخامسة والفجر يطلع الساعة السادسة، فمنتصف الليل الساعة الحادية عشرة والنصف وهكذا.
стр. 370
(ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني).
هذا هو الوقت الثاني لصلاة العشاء، وهو وقت الضرورة، ويبدأ من منتصف الليل إلى الفجر.
لحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى) رواه مسلم
قالوا: الحديث يدل على أن وقت كل صلاة يمتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها لا تمتد إلى الظهر، فإن العلماء أجمعوا على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس.
قال الحافظ: عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه ليس للعشاء وقت ضرورة.
واختاره ابن حزم ورجحه الألباني.
وأجابوا عن حديث: (ليس في النوم تفريط … ):
أنه ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما فيها بيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عن وقتها مطلقاً سواء كان يعقبها صلاة أخرى، مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر.
والراجح المذهب.
فائدة الخلاف: لو طهرت حائض قبل الفجر، فعلى القول الراجح تصلي العشاء.
стр. 371
(ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس).
أي: ويبدأ وقت الفجر من طلوع الفجر الثاني.
قال ابن قدامة: وجملته أن وقت الصبح يبدأ بطلوع الفجر الثاني إجماعاً.
وقال النووي: وأجمعت الأمة على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق وهو الفجر الثاني.
أ-لحديث عبد الله بن عمرو السابق، حيث جاء في رواية (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَان).
ب- وفي حديث أبي موسى (أنه ﷺ أقام الفجر حين انشق القمر) رواه مسلم.
ج- وفي حديث بريدة (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ، يَعْنِى الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، … الحديث وفيه: ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) رواه مسلم.
وينتهي وقتها بطلوع الشمس.
لحديث عبد الله بن عمرو السابق (ووقت صلاة الصبح ما لم تطلع الشمس).
(والصلاة في أول وقتها أفضل).
أي: أن فعل الصلاة في أول وقتها أفضل.
ومما يدل على استحباب ذلك، أدلة عامة، وأدلة خاصة.
الأدلة العامة:
قوله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ … ).
وقوله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ … ).
ولحديث ورد في ذلك (الصلاة في أول وقتها) عند من صححها.
ومما يدل تفضيل ذلك، ما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل.
والنبي ﷺ كان يبادر بالصلاة بعد الأذان، بعد وقت يتوضأ فيه المتوضئ ويتهيأ فيه.
وبعضهم استدل بحديث ابن مسعود في الصحيحين الذي سبق (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا).
وقد اختلف العلماء في معنى: الصلاة على وقتها، على قولين:
فقيل: المعنى أداء الصلاة في الوقت سواء كان في أول الوقت أو وسطه أو آخره، بحيث لا يخرجها عن وقتها.
وقيل: أي في أول وقتها.
والصحيح الأول. [لوقتها] أي أدائها في الوقت، ونأخذ أفضلية أول الوقت من أدلة أخرى.
وقد جاء في رواية (أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وضعف بعض العلماء هذه الرواية.
стр. 372
وأما الأدلة الخاصة على استحباب الصلاة في أول الوقت:
صلاة الفجر.
أ-عن جابر قال (كَانَ اَلنَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَس) متفق عليه.
ب- وعن عَائِشَة. قالت (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَس) متفق عليه.
والغلس: قال النووي: هو بقايا ظلام الليل، قَالَ الدَّاوُدِيّ: مَعْنَاهُ مَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاء هُنَّ أَمْ رِجَال.
وقال في سبل السلام: الغَلَس: ظلمة آخر الليل، كما في القاموس، وهو أول الفجر.
وقال الشيخ الفوزان: هو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل مع غلبة الظلمة.
قال ابن قدامة: وَأَمَّا صَلاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ بِهَا أَفْضَلُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِك.
صلاة الظهر.
عن جابر بن سمرة. قال (كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يُصَلِّي الظُّهْر إِذَا دَحَضَتْ الشَّمْس) رواه مسلم.
(دَحَضَتْ) هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَالْحَاء أَيْ إِذَا زَالَتْ.
قال النووي: وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب تَقْدِيمهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ.
صلاة العصر.
تقدم حديث أبي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّيَ اَلْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) متفق عليه.
وعن بُرَيْدَة. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ «صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ». يَعْنِى الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) رواه مسلم.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة) رواه مسلم.
стр. 373
وعَنه قَالَ (كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ) رواه مسلم.
قال النووي: وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا بَعْدهَا الْمُبَادَرَة لِصَلَاةِ الْعَصْر أَوَّل وَقْتهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن أَنْ يَذْهَب بَعْد صَلَاة الْعَصْر مِيلَيْنِ وَثَلَاثَة وَالشَّمْس بَعْدُ لَمْ تَتَغَيَّر بِصُفْرَةٍ وَنَحْوهَا إِلَّا إِذَا صَلَّى الْعَصْر حِين صَارَ ظِلّ الشَّيْء مِثْله، وَلَا يَكَاد يَحْصُل هَذَا إِلَّا فِي الْأَيَّام الطَّوِيلَة. وَقَوْله: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْر، ثُمَّ يَخْرُج الْإِنْسَان إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف فَيَجِدهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْر.
قَالَ الْعُلَمَاء: مَنَازِل بَنِي عَمْرو بْن عَوْف عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَة، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي تَعْجِيل صَلَاة رَسُول اللَّه ﷺ وَكَانَتْ صَلَاة بَنِي عَمْرو فِي وَسَط الْوَقْت، وَلَوْلَا هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة، وَلَعَلَّ تَأْخِير بَنِي عَمْرو لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَهْل أَعْمَال فِي حُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَحَوَاطِيهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالهمْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرهَا ثُمَّ اِجْتَمَعُوا لَهَا، فَتَتَأَخَّر صَلَاتهمْ إِلَى وَسَط الْوَقْت لِهَذَا الْمَعْنَى. (شرح مسلم).
وقال في المجموع: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل، وبه قال جمهور العلماء.
صلاة المغرب.
أ-عن سلَمة بن الأكوع (أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب) متفق عليه.
(قال النووي: اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى، وَأَحَدهمَا تَفْسِير لِلْآخَرِ).
ب-وعن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ (كُنَّا نُصَلِّي اَلْمَغْرِبَ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قال النووي: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُبَكِّر بِهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا بِمُجَرَّدِ غُرُوب الشَّمْس، حَتَّى نَنْصَرِف وَيَرْمِي أَحَدنَا النَّبْل عَنْ قَوْسه وَيُبْصِر لِبَقَاءِ الضَّوْء.
وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِب تُعَجَّل عَقِب غُرُوب الشَّمْس وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. (نووي).
وقال في العمدة: معنى الحديث، أنه يبكّر بالمغرب في أول وقتها بمجرد غروب الشمس، حتى ينصرف أحدنا، ويرمى النبل عن قوسه، ويبصر موقعه لبقاء الضوء.
ج- وروى أحمد من طريق علي بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا).
стр. 374
قال الحافظ ابن حجر: ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.
وقال ابن رجب بعد ذكره لعدة أحاديث في ذلك: وهذا كله يدل على شدة تعجيل النبي ﷺ لصلاة المغرب، ولهذا كانت تسمى صلاة البصر، كما خرجه الإمام أحمد من رواية أبي طريف الهذلي قال (كنت مع النبي ﷺ حين جاء خبر أهل الطائف، فكان يصلي بنا صلاة البصر، حتى لو أن رجلاً رمي لرأى موقع نبله) قال الإمام أحمد: صلاة البصر: هي صلاة المغرب.
(إلا العشاء إذا لم يشق).
أي: إلا العشاء فيستحب تأخيرها إذا لم يشق على الناس.
أ- لحديث أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّيَ اَلْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ اَلنَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا .... ) متفق عليه.
ب- وعن جابر. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا
وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ كَانُوا أَوْ - قَالَ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) متفق عليه.
ج- وعن عائِشَةَ قَالَتْ (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى) متفق عليه. … قوله [إنه لوقتها] أي: الفاضل.
стр. 375
قال النووي: وقوله [حتى ذهب عامة الليل] أَيْ كَثِير مِنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَكْثَره، وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيل لِقَوْلِهِ ﷺ : (إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذَا الْقَوْل مَا بَعْد نِصْف اللَّيْل؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء: إِنَّ تَأْخِيرهَا إِلَى مَا بَعْد نِصْف اللَّيْل أَفْضَل.
د- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ (مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا نَدْرِى أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى) رواه مسلم.
هـ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ: الصَّلاةُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ) متفق عليه.
لكن هذا مقيد بما لم يشق على الناس:
لحديث جابر السابق ( … وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا: إِذَا رَآهُمْ اِجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ).
ولذلك الغالب من فعل النبي ﷺ في صلاة العشاء أنه يراعي اجتماع الناس فإذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطئوا تأخر.
وفي حديث عائشة السابق (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ: إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي).
стр. 376
• والسبب في أن تأخير العشاء أفضل:
أولاً: أن فيه انتظاراً للصلاة، وفي الحديث (ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة).
ثانياً: أن تأخيرها يوافق سكون الناس وهذا أدعى إلى الخشوع.
• قوله في الحديث (وَكَانَ يَكْرَهُ اَلنَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) فيه دليل على كراهة النوم قبل صلاة العشاء.
قال النووي: قال العلماء: وسبب كراهية النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة.
وفيه دليل أيضاً على كراهة الحديث بعدها.
قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها (نووي).
والسبب: أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف فيه غلبة النوم عن صلاة الفجر، أو قيام الليل، ولأن السهر بالليل سبب للكسل في النهار عما يتوجب من حقوق الوالدين من الطاعات ومصالح الدين.
• يستثنى: ما فيه مصلحة وخير، فلا كراهة فيه، كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس. [قاله النووي].
ولذلك بوب البخاري [باب السهر في الفقه والخير بعد العشاء].
ثم ذكر حديث ابن عمر قال: (صلى النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام النبي ﷺ فقال: أرأيتكم ليلتكم … ).
وبوب أيضاً [باب السهر مع الضيف والأهل].
وذكر حديث أبي بكر مع أضيافه.
وقد روى الترمذي من حديث عمر (أن النبي ﷺ كان يسهر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما).
• المراد في الحديث في قوله ﷺ (وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) الحديث المباح، لأن المحرّم لا اختصاص لكراهته بما بعد صلاة العشاء، بل هو
حرام في الأوقات كلها.
و- قوله في حديث أبي برزة (الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ) اختلف العلماء في تسمية العشاء بالعتمة على أقوال:
القول الأول: الجواز.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه.
стр. 377
القول الثاني: الكراهة.
لحديث ابن عُمَرَ. قال: قال ﷺ (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ) رواه مسلم
القول الثالث: الجواز بشرط عدم هجران الاسم الشرعي وهو العشاء، ورجح هذا ابن القيم.
قال ابن القيم: والتحقيق: كراهية هجر الاسم المشروع وهو العشاء، والاستبدال به اسم العتمة، فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي ولم يهجر، وأطلق الآخر أحياناً فلا بأس وعلى هذا تتفق الأحاديث. [تحفة الودود ٩٩]
قال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في ذلك فمنهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه نقله بن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الراجح وسيأتي للمصنف وكذلك نقله بن المنذر عن مالك والشافعي واختاره.
وقال النووي: وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَسْمِيَتهَا بِالْعَتَمَةِ كَحَدِيثِ (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْح وَالْعَتَمَة لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) وَغَيْر ذَلِكَ. وَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِبَيَانِ الْجَوَاز، وَأَنَّ النَّهْي عَنْ الْعَتَمَة لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: يَحْتَمِل أَنَّهُ خُوطِبَ بِالْعَتَمَةِ مَنْ لَا يَعْرِف الْعِشَاء فَخُوطِبَ بِمَا يَعْرِفهُ، وَاسْتَعْمَلَ لَفْظ (الْعَتَمَة)؛ لِأَنَّهُ أَشْهَر عِنْد الْعَرَب.
(والظهر في شدة الحر).
أي: وإلا الظهر، فيسن تأخيرها في شدة الحر.
لحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا اِشْتَدَّ اَلْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ اَلْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ): أي: أخروها حتى يبرد الجو، قال الخطابي: الإبراد: انكسار شدة حر الظهيرة، قال النووي: أَيْ أَخِّرُوهَا إِلَى الْبَرْد وَاطْلُبُوا الْبَرْد لَهَا.
(مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) جملة تعليلية لمشروعية التأخير المذكور، وفيح جهنم: أي من وهج حرها وسعة انتشارها.
стр. 378
• المراد بالصلاة في قوله في الحديث (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) صلاة الظهر.
أ- لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالباً في أول وقتها.
ب-وقد ورد صريحاً في حديث أبي سعيد (أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري.
قال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبْرَاد إِنَّمَا يُشْرَع فِي الظُّهْر، وَلَا يُشْرَع فِي الْعَصْر عِنْد أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء إِلَّا أَشْهَب الْمَالِكِيّ، وَلَا يُشْرَع فِي صَلَاة الْجُمُعَة عِنْد الْجُمْهُور. وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: يُشْرَع فِيهَا.
وقال الحافظ ابن حجر: ولم يقل أحد به في المغرب، ولا في الصبح، لضيق وقتهما.
• إلى متى يكون الإبراد؟
قال الشيخ ابن عثيمين: الإبراد لا يتحقق إلا إذا أُخّرتْ صلاة الظهر إلى قريب من صلاة العصر، لأنه حينئذ يحصل الإبراد، أما ما يفعله الناس من كونهم يبردون بها فيؤخّرونها بعد الأذان بنصف ساعة أو إلى ساعة أحياناً، فهذا ليس بإبراد.
• قوله ﷺ (فإن شدة الحرّ من فيح جهنم) اختلف في معناها.
فقيل: أن في الكلام تشبيهاً، والمعنى أن شدة الحر تشبه نار جهنم، وهذا ضعيف.
وقيل أن الشمس هي شعلة من النار أخرجها الله منها شرارة ثم استقرت في المكان الذي هي فيه لمصلحة العباد.
وقيل: إن لشدة الحر سببين: سبب شرعي: فهو من حر جهنم، وسبب طبيعي: من الشمس.
وهذا هو الصحيح وأنه على ظاهره.
ويؤيد هذا قوله ﷺ (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) متفق عليه.
والمراد بالزمهرير: شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار: محلها، وفيها طبقة زمهريرية. (فتح الباري).
стр. 379
• الحكمة من الإبراد:
اختلف في حكمة هذا التأخير.
فقيل: دفع المشقة، لكون شدة الجر مما يذهب الخشوع. قال الحافظ ﵀: وهذا أظهر.
وقيل: لأنه وقت تُسْجَرُ فيه جهنم، ويؤيده حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم، حيث قال له: "أقْصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم". وقد استُشْكلَ هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مَظِنَّةٌ لطرد العذاب، فكيف أَمر بتركها؟
وقال ابن رجب: اختلف في السبب الذي من أجله أمر بالإبراد:
فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة.
ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بَعُدَ من المسجد بمشيه في الحرّ.
ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم، فلا فرق بين من يصلي وحده أو جماعة.
• فإن قيل: ما الجمع بين حديث الإبراد وحديث جابر (كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة)؟
أجيب عنه بأجوبة لعل من أظهرها، أن النبي ﷺ كان يصليها أولاً بالهاجرة ثم أمر بالإبراد بعد ذلك، وهذا جواب الإمام أحمد، فإنه قال (هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
ويدل لذلك حديث المغيرة بن شعبة قال (كنا نصلي مع النبي ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا ﷺ : أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم).
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث خباب قال (شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا، أي لم يعذرنا ولم يزل شكوانا) رواه مسلم.
الجواب عليه:
قيل: إنه منسوخ، وهذا ذهب إليه الأثرم والطحاوي.
стр. 380
واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة قال (كنا نصلي مع النبي ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا أبردوا بالصلاة .... الحديث) وهو حديث رجاله ثقات رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . (الفتح).
ومما يدل على النسخ حديث المغيرة: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد.
وقيل: إن قوله (فلم يشكنا) أي فلم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد.
وقيل: إن حديث خباب محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً على وقت الإبراد.
وقيل: إن الإبراد أفضل، وحديث خباب يدل على الجواز.
(ومن كبّر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها).
أي: أن إدراك الوقت يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
قالوا: لأن من أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جزءاً من الوقت، وإدراك الجزء كإدراك الكل، لأن الصلاة لا تتبعض.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة قبل خروج الوقت.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه.
ب- وعنه. قال: قال ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ مِنْ اَلصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلِ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ اَلْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلْعَصْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه
ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة ثم طلعت عليه الشمس أو غربت أنه لا يكون مدركاً للوقت.
وهذا قول الشافعي واختار ذلك ابن تيمية.
стр. 381
• حديث (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) نص في جميع الإدراكات، سواء إدراك وقت، أو إدراك جماعة.
قال ابن تيمية: إن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئاً من الأحكام لا في الوقت ولا في الجمعة ولا الجماعة ولا غيرها، فهو وصف ملغي في نظر الشارع فلا يجوز اعتباره، وإنما علق الشارع الأحكام بإدراك ركعة.
وهذا القول هو الراجح.
• وينبني على القولين أمور منها:
أولاً: أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام فإن صلاة العصر تلزمها، وعلى القول الصحيح أنها تلزمها إذا كان هناك وقت يتسع لغسلها وتأدية ركعة كاملة من الصلاة.
ثانياً: أن المرأة إذا حاضت قبل غروب الشمس ولو بقدر تكبيرة الإحرام فإنها تلزمها الصلاة إذا طهرت، لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام في الوقت، وعلى القول الصحيح أنها لا تلزمها.
(ومن حاضت بعد دخول الوقت قضتها).
أي: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت، فإنه يجب عليها قضاء الصلاة بعد طهرها.
وكذا لو أن عاقلاً بالغاً جنّ بعد دخول الوقت، أو أغمي عليه بعد دخول الوقت، فإنه يجب أن يقضي الصلاة بعد زوال هذا العذر.
لكن اختلف العلماء متى تكون واجباً عليه القضاء على أقوال:
القول الأول: إن أدرك ولو قدر تكبيرة الإحرام قبل أن يطرأ العذر وجبت الصلاة في ذمته.
وهذا المذهب. تعليلهم:
أ-أنه أدرك جزءاً من الصلاة، والصلاة لا تتجزأ، فيكون كما لو كان أدركها كاملة.
ب-وقالوا: إن الصلاة وجبت بدخول وقتها، والأصل عدم سقوطها فيجب عليه القضاء.
القول الثاني: إن أدرك من الصلاة ركعة قضى.
لحديث النبي ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه.
القول الثالث: لا يلزمه القضاء إلا إذا بقي من وقت الصلاة بمقدار فعل الصلاة، حينئذٍ يلزم القضاء.
وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 382
قالوا: إن الإنسان له أن يؤخر هذه الصلاة، فإذا طرأ المانع فقد طرأ عليه في وقت يجوز له تأخيرها إليه، وهو غير مفرط ولا معتدي، بل فاعل ما يجب عليه، ولأن هذا يقع كثيراً في حيض النساء، ولم ينقل أن المرأة إذا حاضت في أثناء الوقت ألزمت بقضاء الصلاة التي حاضت في أثناء وقتها، والأصل براءة الذمة.
والقول الثاني أصح، وهو أحوط واختاره الشيخ ابن عثيمين.
(ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته).
كامرأة زال حيضها وطهرت قبل خروج الوقت، أو بلغ قبل خروج الوقت، أو زال الإغماء قبل خروج الوقت.
فهنا يلزمه تلك الصلاة.
لكن اختلف العلماء متى تكون واجبة عليه على أقوال:
القول الأول: أن من أدرك قدر تكبيرة الإحرام قضى الصلاة.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.
وعلى هذا القول لو طهرت الحائض قبل غروب الشمس بدقيقة فإنها تقضي.
لحديث عائشة قال: قال ﷺ (من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها) رواه مسلم.
قالوا: الحديث صريح على أن من أدرك من الصلاة جزءاً يسيراً - كسجدة ونحوها - فقد أدركها، فكذلك من أدرك منها تكبيرة الإحرام، فإنه تلزمه لأنه أدرك وقتها.
القول الثاني: أن من الصلاة قدر ركعة قبل خروج الوقت فإنه يلزمه.
وهذا مذهب المالكية ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
لحديث أبي هريرة السابق (من أدرك من العصر … ).
ولحديث (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
стр. 383
وجه الدلالة: أن مفهوم الحديثين يدل على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام يشمل إدراك الوقت والجماعة والجمعة، فمن طرأ عليه التكليف قبل خروج الوقت بركعة فقد أدرك الصلاة فتلزمه وإلا فلا.
وهذا الصحيح.
وأما دليل القول الأول، فالجواب عنه: أن المراد بالسجدة هنا الركعة، فقد جاء في آخر حديث عائشة (والسجدة إنما هي الركعة).
(وما يُجمع إليها قبلَها).
أي: ولزمه ما يُجمع إليها قبلها.
فلو أن حائضاً طهرت العصر، فإنه يجب عليها أن تصلي العصر والظهر.
ولو طهرت العشاء، فإنه يجب عليها أن تصلي العشاء والمغرب.
يلزمها أن تصلي العشاء لأنها أدركت وقتها، وكذلك يلزمها أن تصلي المغرب؛ لأنها تُجمع مع العشاء عند وجود العذر.
وهذا قول جمهور العلماء.
وأما إذا طهرت بعد الصبح أو بعد الظهر أو بعد المغرب فإنه لا تصلي إلا صلاة واحدة، وهي الصلاة التي طهرت في وقتها:
(الصبح أو الظهر أو المغرب)؛ لأن هذه الصلوات لا تُجمع إلى شيء قبلها.
قال ابن قدامة: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، صَلَّوْا الظُّهْرَ فَالْعَصْرَ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ.
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
стр. 384
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا.
أ-وَلَنَا مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا.
ب- وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ. (المغني).
(وَيَجِبُ قضاءُ الفَوَائِتِ مرتبة فوراً).
قوله (ويجب) الواجب: ما أُمِرَ به على وجه الإلزام بالفعل.
وقوله: (قضاء الفوائت) الفوائت جمع فائتة، وهي كلُّ عبادة مُؤقَّتة خرج وقتها قبل فعلها؛ سواء كانت نَفْلاً أم فرضاً كالصَّلوات الخمس.
وقوله (فوراً) أي: مبادرة بدون تأخير.
• مباحث قضاء الفوائت:
أولاً: الفائتة كل عبادة خرجت عن وقتها سواء كانت نفلاً كالوتر، أو فرضاً كالصلوات الخمس.
وسمي قضاءً لأنه فعل العبادة بعد خروج وقتها.
стр. 385
• فيجب قضاء الصلاة الفائتة:
أ-لحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) متفق عليه.
واللام للأمر والأمر للوجوب، فدل على وجوب المبادرة بقضاء الصلاة الفائتة. وربما يستدل لذلك بقوله تعالى (وأقم الصلاة لذكري) أي لتذكري.
ب- ولحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) متفق عليه.
ج- ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شغلت ذمته بها فوجب عليه قضاؤها، لأنها كانت ديناً عليه.
هـ-والنبي ﷺ قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السفر.
قال الشوكاني: الحديثان يدلان على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان، وهو إجماع.
• قوله (مرتبة) أي: يجب أن تكون مرتبة.
فإذا كان عليه خمس صلوات؛ بدأ بالظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر.
قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن الترتيب واجب في قضاء الفوائت.
نص عليه أحمد في مواضع … ونحوه عن النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والليث، وأبي حنيفة، وإسحاق.
وقال الشافعي: لا يجب; لأن قضاء الفريضة فائتة، فلا يجب الترتيب فيه، كالصيام …
إذا ثبت هذا، فإنه يجب الترتيب فيها وإن كثرت، وقد نص عليه أحمد.
стр. 386
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة; ولأن اعتباره فيما زاد على ذلك يشق، ويفضي إلى الدخول في التكرار، فسقط، كالترتيب في قضاء صيام رمضان. … (المغني).
فتحصل من ذلك أن الترتيب واجب عند الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنفية والمالكية لا يوجبونه إذا زادت الفوائت على صلوات يوم وليلة.
والدليل على وجوب ذلك:
أ- حديث أنس السابق: ( … فليصلها إذا ذكرها) فهذا يشمل عين الصلاة وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن يكون في موضعها الترتيبي، فمثلاً الظهر يصليها ما بين الفجر والعصر
ب- ولحديث جابر السابق (فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، يَعْنِي الْعَصْرَ - بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ).
ج- وكان النبي ﷺ في الجمع يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأولى. ويمكن أن يستدل بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي).
• ويجب الترتيب بين الفوائت والصلاة الحاضرة.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْوَقْتِيَّةِ إِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ. فَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ وَهُوَ فِي وَقْتِ أُخْرَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً، ثُمَّ يُؤَدِّيَ
الصَّلَاةَ الْوَقْتِيَّةَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَتَّسِعُ لأِكْثَرَ مِنَ الْحَاضِرَةِ فَيُقَدِّمُهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ، عَلَى أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ مَعَ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا.
• قوله (فوراً) أي: يجب قضاء الفائتة مباشرة من حين أن يتذكرها.
لحديث أنس السابق ( … فليصلها إذا ذكرها)، فهذا يدل على أنها تقضى فور الذكر.
стр. 387
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:
فذهب بعض العلماء - وهو الصحيح عند الشافعية - أن من فاتته الصلاة لعذر يقضيها على التراخي ويستحب أن يقضي على الفور.
وذهب الجمهور إلى وجوب القضاء على الفور بكل حال إلا أن يتضرر بالقضاء، فيؤخر بما لا يحصل له به ضرر.
قال في (حاشية الروض المربع) أي: يجب قضاء الفوائت فوراً، والفور مصدر مأخوذ من فور القدر، وذلك ما لم يتضرر في بدنه، والتضرر أن يلحقه مشقة، أو نقص في بدنه بضعف أو خوف أو مرض أو نصب أو إعياء، وهو أقل من النصب لأن النصب هو التعب، فتسقط عنه الفورية إلى القدرة بلا ضرر، والمريض يقضيها وإن كان جالساً، ما لم يتضرر ولا يؤخرها ليصلي قائماً.
وقال: أي يجب في أول الإمكان بحيث يلحقه الإثم بالتأخير عنه قضاء الفرائض الفوائت ما لم يلحقه ضرر، لقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ولغيره من الأحاديث المستفيضة في الأمر بالصلاة عند الذكر والأمر يقتضي الوجوب، فتجب المبادرة إلى فعلها على الفور وهو قول جمهور الفقهاء، … وحجة من رأى التأخير أن النبي ﷺ لم يصلها في المكان الذي ناموا فيه، وهو لا يدل إلا على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضًا عن القضاء، بل يفعله لتكميل الصلاة، ومن اختيار بقعة. (الحاشية).
стр. 388
فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث الذي فيه: أن النبي ﷺ نام وأصحابه عن صلاة الفجر ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فلم يصلها ﷺ مباشرة بل قال (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) وفي رواية: (أمر بالارتحال وقال: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان).
والجواب: أن هذا ليس فيه دلالة على التأخير المستمر، لأن حديث أنس: (من نام عن صلاة … ) نص صريح في الوجوب على الفور، وأما هذا الحديث فمحمول على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضاً عن القضاء، وخاصة أنه جاء في الحديث بيان السبب، هو: (أن هذا مكان حضرنا فيه الشيطان).
قال المرداوي: قوله (لزمه قضاؤها على الفور) مقيد بما إذا لم يتضرر في بدنه أو في معيشة يحتاجها؛ فإن تضرر بسبب ذلك: سقطت الفورية.
• متى يسقط الترتيب؟
أولاً: في حالة النسيان.
مثال: إنسان عليه قضاء صلاة الظهر والعصر والمغرب، فبدأ بالعصر نسياناً صح القضاء.
لقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
ولقوله ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه.
وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد ﵀.
ثانياً: الجهل.
مثال: إنسان عليه عدة صلوات فائتة، فبدأ بالظهر ثم المغرب ثم العصر ثم العشاء ثم الفجر جاهلاً بذلك فقضاؤه صحيح.
ثالثاً: إذا خشي خروج وقت الحاضرة.
مثال: رجل ذكر أن عليه فائتة، وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الحاضرة [صلاة الفجر].
فنقول له: قدم الحاضرة وهي الفجر. ثم بعد ذلك صلِ الفائتة.
стр. 389
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: لأنك إذا قدمت الفائتة لم تستفد شيئاً، بل تضررت، لأنك إذا قدمت الفائتة صارت كلتا
الصلاتين قضاء، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداء والثانية قضاء، وهذا أولى بلا شك.
• حكم من نسي صلاة ثم تذكرها وهو يصلي:
من نسي الصلاة حتى دخل وقت الصلاة الثانية، ثم ذكرها فله ثلاثة أحوال:
أولاً: أن يتذكر الصلاة الفائتة قبل أن يبدأ في الصلاة الحاضرة، فيجب عليه حينئذٍ أن يبدأ بالصلاة الفائتة، ثم يُصلي الصلاة الحاضرة.
ثانياً: أن يصلي الصلاة الحاضرة ويتمها ثم يتذكر أن عليه صلاة فائتة لم يصلها، فإن الصلاة الحاضرة صحيحة ويصلي الصلاة الفائتة فقط. وهو معذور في عدم الترتيب بالنسيان.
ثالثاً: أن يتذكر أثناء الصلاة الحاضرة أنه لم يصلِّ الصلاة السابقة (الفائتة).
فإنه يتم الحاضرة وتكون نفلاً، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد بعدها الحاضرة محافظة على الترتيب.
وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀.
وهو قول عبد الله بن عمر ﵄.
روى مالك في الموطأ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ فَلْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ لِيُصَلِّ بَعْدَهَا الأُخْرَى.
وقال شيخ الإسلام ﵀: (ومتى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها، ولو لم يذكر الفائتة حتى فرغت الحاضرة فإن الحاضرة تجزئة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد … ).
стр. 390
(وكونه يتم الصلاة التي هو فيها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، فإذا قطعها ثم صلى الصلاة الفائتة ثم الحاضرة بعدها كان ذلك جائزاً).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يتم الصلاة (الحاضرة) التي هو فيها ثم يصلي الفائتة، ولا يلزمه إعادة الحاضرة مرة أخرى.
وهو مذهب الشافعي، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
• الصلاة الفائتة تقضى على صفتها.
لأن القضاء يحكي الأداء.
أ-ففي حديث - نوم النبي ﷺ والصحابة عن صلاة الفجر - قال (فصلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم) رواه مسلم.
ب-ولقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله (فليصلها) يشمل فعل الصلاة وكيفيتها.
فإذا قضى صلاة الليل في النهار جهر بها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسر فيها بالقراءة.
قال النووي: قَوْله: (كَمَا كَانَ يَصْنَع كُلّ يَوْم) فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنَّ صِفَة قَضَاء الْفَائِتَة كَصِفَةِ أَدَائِهَا.
وقد سئل الشيخ ابن باز: من فاتته صلاة الفجر، فصلاها بعد طلوع الشمس، هل يسر بصلاته أم يجهر بها؟
فأجاب ﵀: يجهر، إذا صلاها بعد طلوع الشمس يجهر بها، النبي ﷺ ، لما نام هو أصحابه عن صلاة الفجر في بعض الليالي في بعض الأسفار صلاها بعد ارتفاع الشمس، وجهر بالقراءة ﵊، فالسنة الجهر بالقراءة، القضاء يحكي الأداء " انتهى من " فتاوى نور على الدرب لابن باز.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وقوله: (قضاء الفوائت) يستفاد منه أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار، جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسر فيها بالقراءة، والدليل على ذلك ما يلي: قول الرسول ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضاً، ومن صفاتها الجهر بالقراءة إذا كانت الصلاة ليلية، والإسرار بالقراءة إذا كانت الصلاة نهارية … (الشرح الممتع).
следующие страницы →