← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة; ولأن اعتباره فيما زاد على ذلك يشق، ويفضي إلى الدخول في التكرار، فسقط، كالترتيب في قضاء صيام رمضان. … (المغني). فتحصل من ذلك أن الترتيب واجب عند الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنفية والمالكية لا يوجبونه إذا زادت الفوائت على صلوات يوم وليلة. والدليل على وجوب ذلك: أ- حديث أنس السابق: ( … فليصلها إذا ذكرها) فهذا يشمل عين الصلاة وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن يكون في موضعها الترتيبي، فمثلاً الظهر يصليها ما بين الفجر والعصر ب- ولحديث جابر السابق (فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، يَعْنِي الْعَصْرَ - بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ). ج- وكان النبي ﷺ في الجمع يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأولى. ويمكن أن يستدل بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي). • ويجب الترتيب بين الفوائت والصلاة الحاضرة. جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْوَقْتِيَّةِ إِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ. فَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ وَهُوَ فِي وَقْتِ أُخْرَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً، ثُمَّ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَقْتِيَّةَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَتَّسِعُ لأِكْثَرَ مِنَ الْحَاضِرَةِ فَيُقَدِّمُهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ، عَلَى أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ مَعَ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا. • قوله (فوراً) أي: يجب قضاء الفائتة مباشرة من حين أن يتذكرها. لحديث أنس السابق ( … فليصلها إذا ذكرها)، فهذا يدل على أنها تقضى فور الذكر.

стр. 387

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب بعض العلماء - وهو الصحيح عند الشافعية - أن من فاتته الصلاة لعذر يقضيها على التراخي ويستحب أن يقضي على الفور. وذهب الجمهور إلى وجوب القضاء على الفور بكل حال إلا أن يتضرر بالقضاء، فيؤخر بما لا يحصل له به ضرر. قال في (حاشية الروض المربع) أي: يجب قضاء الفوائت فوراً، والفور مصدر مأخوذ من فور القدر، وذلك ما لم يتضرر في بدنه، والتضرر أن يلحقه مشقة، أو نقص في بدنه بضعف أو خوف أو مرض أو نصب أو إعياء، وهو أقل من النصب لأن النصب هو التعب، فتسقط عنه الفورية إلى القدرة بلا ضرر، والمريض يقضيها وإن كان جالساً، ما لم يتضرر ولا يؤخرها ليصلي قائماً. وقال: أي يجب في أول الإمكان بحيث يلحقه الإثم بالتأخير عنه قضاء الفرائض الفوائت ما لم يلحقه ضرر، لقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ولغيره من الأحاديث المستفيضة في الأمر بالصلاة عند الذكر والأمر يقتضي الوجوب، فتجب المبادرة إلى فعلها على الفور وهو قول جمهور الفقهاء، … وحجة من رأى التأخير أن النبي ﷺ لم يصلها في المكان الذي ناموا فيه، وهو لا يدل إلا على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضًا عن القضاء، بل يفعله لتكميل الصلاة، ومن اختيار بقعة. (الحاشية).

стр. 388

فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث الذي فيه: أن النبي ﷺ نام وأصحابه عن صلاة الفجر ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فلم يصلها ﷺ مباشرة بل قال (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) وفي رواية: (أمر بالارتحال وقال: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان). والجواب: أن هذا ليس فيه دلالة على التأخير المستمر، لأن حديث أنس: (من نام عن صلاة … ) نص صريح في الوجوب على الفور، وأما هذا الحديث فمحمول على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضاً عن القضاء، وخاصة أنه جاء في الحديث بيان السبب، هو: (أن هذا مكان حضرنا فيه الشيطان). قال المرداوي: قوله (لزمه قضاؤها على الفور) مقيد بما إذا لم يتضرر في بدنه أو في معيشة يحتاجها؛ فإن تضرر بسبب ذلك: سقطت الفورية. • متى يسقط الترتيب؟ أولاً: في حالة النسيان. مثال: إنسان عليه قضاء صلاة الظهر والعصر والمغرب، فبدأ بالعصر نسياناً صح القضاء. لقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). ولقوله ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه. وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد ﵀. ثانياً: الجهل. مثال: إنسان عليه عدة صلوات فائتة، فبدأ بالظهر ثم المغرب ثم العصر ثم العشاء ثم الفجر جاهلاً بذلك فقضاؤه صحيح. ثالثاً: إذا خشي خروج وقت الحاضرة. مثال: رجل ذكر أن عليه فائتة، وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الحاضرة [صلاة الفجر]. فنقول له: قدم الحاضرة وهي الفجر. ثم بعد ذلك صلِ الفائتة.

стр. 389

قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: لأنك إذا قدمت الفائتة لم تستفد شيئاً، بل تضررت، لأنك إذا قدمت الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاء، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداء والثانية قضاء، وهذا أولى بلا شك. • حكم من نسي صلاة ثم تذكرها وهو يصلي: من نسي الصلاة حتى دخل وقت الصلاة الثانية، ثم ذكرها فله ثلاثة أحوال: أولاً: أن يتذكر الصلاة الفائتة قبل أن يبدأ في الصلاة الحاضرة، فيجب عليه حينئذٍ أن يبدأ بالصلاة الفائتة، ثم يُصلي الصلاة الحاضرة. ثانياً: أن يصلي الصلاة الحاضرة ويتمها ثم يتذكر أن عليه صلاة فائتة لم يصلها، فإن الصلاة الحاضرة صحيحة ويصلي الصلاة الفائتة فقط. وهو معذور في عدم الترتيب بالنسيان. ثالثاً: أن يتذكر أثناء الصلاة الحاضرة أنه لم يصلِّ الصلاة السابقة (الفائتة). فإنه يتم الحاضرة وتكون نفلاً، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد بعدها الحاضرة محافظة على الترتيب. وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. وهو قول عبد الله بن عمر ﵄. روى مالك في الموطأ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ فَلْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ لِيُصَلِّ بَعْدَهَا الأُخْرَى. وقال شيخ الإسلام ﵀: (ومتى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها، ولو لم يذكر الفائتة حتى فرغت الحاضرة فإن الحاضرة تجزئة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد … ).

стр. 390

(وكونه يتم الصلاة التي هو فيها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، فإذا قطعها ثم صلى الصلاة الفائتة ثم الحاضرة بعدها كان ذلك جائزاً). وذهب بعض العلماء إلى أنه يتم الصلاة (الحاضرة) التي هو فيها ثم يصلي الفائتة، ولا يلزمه إعادة الحاضرة مرة أخرى. وهو مذهب الشافعي، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀. • الصلاة الفائتة تقضى على صفتها. لأن القضاء يحكي الأداء. أ-ففي حديث - نوم النبي ﷺ والصحابة عن صلاة الفجر - قال (فصلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم) رواه مسلم. ب-ولقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله (فليصلها) يشمل فعل الصلاة وكيفيتها. فإذا قضى صلاة الليل في النهار جهر بها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسر فيها بالقراءة. قال النووي: قَوْله: (كَمَا كَانَ يَصْنَع كُلّ يَوْم) فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنَّ صِفَة قَضَاء الْفَائِتَة كَصِفَةِ أَدَائِهَا. وقد سئل الشيخ ابن باز: من فاتته صلاة الفجر، فصلاها بعد طلوع الشمس، هل يسر بصلاته أم يجهر بها؟ فأجاب ﵀: يجهر، إذا صلاها بعد طلوع الشمس يجهر بها، النبي ﷺ ، لما نام هو أصحابه عن صلاة الفجر في بعض الليالي في بعض الأسفار صلاها بعد ارتفاع الشمس، وجهر بالقراءة ﵊، فالسنة الجهر بالقراءة، القضاء يحكي الأداء " انتهى من " فتاوى نور على الدرب لابن باز. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وقوله: (قضاء الفوائت) يستفاد منه أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار، جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسر فيها بالقراءة، والدليل على ذلك ما يلي: قول الرسول ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضاً، ومن صفاتها الجهر بالقراءة إذا كانت الصلاة ليلية، والإسرار بالقراءة إذا كانت الصلاة نهارية … (الشرح الممتع).

стр. 391

(وستر العورة). أي: ومن شروط الصلاة ستر العورة. (أي تغطية العورة). قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو قادر على الاستتار. جاء في الموسوعة الفقهية: ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بسترها، وقد اتفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها قصداً، واختلفوا فيما لو انكشفت بلا قصد متى تبطل صلاته. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). فالآية تدل على وجوب ستر العورة في الصلاة، لأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة، وهي الثياب الساترة للعورة عند كل صلاة، والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على أن ستر العورة في الصلاة شرط لا تصح إلا به. وهذه الآية وإن كانت نزلت في شأن الطواف بالبيت عراة كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ب- حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قالَ: نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) رواه أبو داود. فهذا الحديث يدل على أن ستر العورة في الصلاة شرط، لأن أمره ﷺ له بزرهِ ولو بشوكة إنما هو خشية انكشاف العورة، ولولا أنها شرط ما أمره بذلك. ج- حديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب عام حجة الوداع أن يؤذّن في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).

стр. 392

وجه الدلالة: أن الطواف إذا مُنِع فيه من التعري فالصلاة أولى، إذ يشترط فيها ما يشترط في الطواف وزيادة. والزينة المأمور بأخذها عند الصلاة قسمان: زينة واجبة: هي ستر العورة كما سيأتي، وزينة مستحبة: وهي ستر ما زاد على العورة. وقال ﷺ : (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به). متفق عليه (بِثَوْبٍ مُبَاحٍ). أي: بشرط أن يكون الثوب الساتر مباحاً، فلا يجوز أن يكون محرماً. والمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: محرم لعينه: كما لو صلى بثوب حرير [ومن المعلوم أن الحرير حرام للرجال] فلا تصح صلاته. محرم لكسبه: كمن صلى بثوب مغصوب أو مسروق، فلا تصح صلاته. محرم لوصفه: كمن صلى في ثوب مسبل. وقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه) رواه أحمد وهو ضعيف وذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة بالثوب المحرم مع الإثم، وهذا القول هو الصحيح. لأن جهة الأمر والنهي مختلفة.

стр. 393

(لَا يَصِفُ اَلْبَشْرَةَ). هذا الشرط الثاني للثوب الساتر، أن لا يصف البشرة، يعني لا يكون رقيقاً يصف البشرة، فإن كان رقيقاً يصف البشرة من احمرار أو اسوداد ونحو ذلك؛ فإنه لا يصح الستر به، لأنه لا يسمى ساتراً. قال ابن قدامة: والواجب الستر بما يستر لون البشرة، فإن كان خفيفا يَبِينُ لونُ الجلد من ورائه فيعلم بياضه أو حمرته لم تجز الصلاة فيه؛ لأن الستر لا يحصل بذلك " انتهى. وقال النووي: قال أصحابنا: يجب الستر بما يحول بين الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق يُشاهَد من ورائه سوادُ البشرة أو بياضُها " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان الثوب الذي على البدن يبين تماما لون الجلد فيكون واضحا، فإن هذا ليس بساتر، أما إذا كان يبين منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر " انتهى. ولأن الحديث عن النبي ﷺ (صنفان من أهل النار لم أرهما … نساء كاسيات عاريات) قال العلماء: يدخل في الكاسية العارية التي تلبس ثوباً تكتسي به لكنه عاري في نفس الوقت لخفته لكونه خفيفاً. • ومن الشروط: أن يكون طاهراً، فإن كان نجساً فإنه لا تصح الصلاة به، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة. وهذا أدلته أدلة اجتناب النجاسة، ومنها حديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ كان يصلي ذات يوم بأصحابه، فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً). رواه أبو داود

стр. 394

(وَالْعَوْرَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) أي: أن العورة على أقسام ثلاثة: مغلظة، ومخففة، ومتوسطة. وسيأتي ذكر هذه الأنواع إن شاء الله. (مُغَلَّظَةٌ، وَهِيَ: عَوْرَةُ اَلْمَرْأَةِ اَلْحُرَّةِ اَلْبَالِغَةِ، فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ فِي اَلصَّلَاةِ إِلَّا وَجْهَهَا). هذا النوع الأول: وهي العورة المغلظة، وَهِيَ: عَوْرَةُ اَلْمَرْأَةِ اَلْحُرَّةِ اَلْبَالِغَةِ، فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ فِي اَلصَّلَاةِ إِلَّا وَجْهَهَا) وعورة المرأة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: شعرها. يجب على المرأة أن تستر شعر رأسها في الصلاة إجماعاً. نقله ابن قدامة في المغني، وأنه لو ظهر جميع شعر رأسها في الصلاة أنها تعيد هذه الصلاة، وكذلك رقبتها. أ- لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى قبول صلاة المرأة إذا صلت مكشوفة الرأس إلا بخمار، وهذا يدل على وجوب ستر رأس المرأة في الصلاة، بل على اشتراطه، وإذا تقرر هذا الحكم في الرأس ففي البطن وغيره من سائر البدن أولى. ب-ولحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) رواه الترمذي. وجه الدلالة: أن قوله ﷺ (المرأة عورة) يقتضي وجوب ستر جميع بدنها، وهو عام في الصلاة وفي غيرها، إلا أنه يستثنى الوجه في الصلاة فلا يجب ستره بالإجماع، وكذلك الكفان والقدمان لا يجب سترهما عند طائفة. قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة. فائدة: قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: إذَا انْكَشَفَ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ شَعْرِهَا وَبَدَنِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا الْإِعَادَةُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

стр. 395

ثانياً: وجهها. وأما وجه المرأة الحرة في الصلاة؛ فقد أجمع العلماء على جواز كشفه. وممن حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم. ثالثاً: الكفان والقدمان. اختلف العلماء في حكم ستر المرأة لكفيها ويديها في الصلاة على أقوال: القول الأول: لا يجب سترهما. وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين. أ-قالوا: وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كَانَ لَهُنَّ قُمَّصٌ وَكُنَّ يَصْنَعْنَ الصَّنَائِعَ والقمص عَلَيْهِنَّ فَتُبْدِي الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا إذَا عَجَنَتْ وَطَحَنَتْ وَخَبَزَتْ، وَلَوْ كَانَ سَتْرُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، كَذَلِكَ الْقَدَمَانِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْخِمَارِ فَقَطْ مَعَ الْقَمِيصِ فَكُنَّ يُصَلِّينَ بقمصهن وَخُمُرِهِنَّ. (مجموع الفتاوى). ب-ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه … ). فأخبر النبي ﷺ أن الكفين والقدمين يسجدان مع المصلي كما يسجد الوجه، ومن المعلوم أن المرأة لا يجب عليها أن تستر وجهها في الصلاة فكذلك كفاها وقدماها. ج-ولأن القول بوجوب تغطية المرأة كفيها وقدميها في الصلاة فيه حرج كبير.

стр. 396

القول الثاني: لا يجوز للمرأة الحرة أن تكشف كفيها وقدميها. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث ابن مسعود. قال: قال ﷺ (المرأة عورة) رواه الترمذي. وجه الدلالة: أنه يدل بعمومه على أن المرأة عورة كلها، لكن خرج منه الوجه بالإجماع. القول الثالث: يجوز لها في الصلاة أن تكشف كفيها دون قدميها. وهذا مذهب المالكية والشافعية، واختاره ابن جرير، وابن المنذر، والموفق، والمرداوي، وابن باز. لقوله ﷺ (المرأة عورة). قالوا: إن قوله (عورة) يقتضي بعمومه ستر جميع بدنها، ويستثنى من ذلك ما دعت الحاجة إلى كشفه كالوجه والكفين، وأما ما عداه [ومن ذلك القدمان] فيبقى على العموم. والراجح القول الأول. وأما الحديث الأول (المرأة عورة) فالاستدلال به لا يصح، لأن الحديث فيه زيادة عند ابن خزيمة وهي (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) وهذا يدل على أن المرأة عورة خارج الصلاة عند الأجانب. • وقوله (الحرة) خرج بذلك الأمة، فإن عورتها من السرة إلى الركبة، وهذا مذهب جماهير العلماء، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، فقد قال ابن قدامة: "وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائز لا نعلم أحداً خالف في هذا إلا الحسن البصري". • وقوله (البالغة) تخرج غير البالغة، فهذه كلها عورة إلا الرأس والكفين والقدمين، فلها أن تصلي في ثوبها دون أن تستر رأسها ما دام أنها لم تبلغ لمفهوم حديث عائشة: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).

стр. 397

(وَمُخَفَّفَة وَهِيَ: عَوْرَةُ اِبْنِ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى عَشْرٍ، وَهِيَ اَلْفَرْجَانِ) هذا القسم الثاني، وهي العورة المخففة، وهي عَوْرَةُ اِبْنِ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى عَشْرٍ، وَهِيَ اَلْفَرْجَان. أي: إذا ستر قُبُله ودُبُرَه فقد أجزأ السترُ، ولو كانت فخذيه بادية. (وَمُتَوَسِّطَةٌ: وَهِيَ عَوْرَةُ مِنْ عَدَاهُمْ، مِنْ اَلسُّرَّةِ إِلَى اَلرُّكْبَةِ). هذا القسم الثالث: وهي العورة المتوسطة، وهي عورة من عدا ما مضى، وهو الرجل من عشر فما فوق، فإن عورته من السرة إلى الركبة. أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن ما فوق سرة الرجل وما تحت ركبتيه ليس بعورة. ثانياً: لا خلاف بينهم في أن القبل والدبر عورة. ثالثاً: وإنما الخلاف فيما عدا الفرجين مما تحت السرة وفوق الركبة. فذهب أكثر العلماء: من المالكية، والحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الفخذ عورة. أ-عن جرهد الأسلمي (أن النبي ﷺ مرّ به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ : غط فخذك فإنها من العورة) رواه أبو داود والترمذي ب-وعن محمد بن جحش قال (مرّ النبي ﷺ وأنا معه - على معْمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر، غط فخذيك فإن الفخذين عورة) رواه أحمد والبخاري تعليقاً. ج-وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) رواه أبو داود. وهذه الأحاديث صححها جمع من العلماء: كابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن حجر، والألباني. وذهب بعض العلماء: إلى أن عورة الرجل الفرجان فقط.

стр. 398

وهذا مذهب الظاهرية. أ-لحديث أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ قَالَ فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ … ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كانت عورة ما كشفها رسول الله ﷺ . ب-ولحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ … فلما خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِى مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِى مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ) رواه مسلم. وأجاب جمهور العلماء عن هذين الحديثين بما يلي: أما حديث أنس: قالوا: إن الحديث محمول على أن الإزار انكشف وانحسر بنفسه، لا أن النبي ﷺ تعمد كشفه، بل انكشف لضرورة الإغارة والجري والزحام، وعلى هذا تدل رواية مسلم: (فانحسر الإزار). والرد على هذا: قال ابن حجر: لا فرق بين الروايتين: (حسر، وانحسر) في الدلالة على الحكم، فعلى التسليم يكون قد انحسر بنفسه فإن بقاءه مكشوفاً يدل على أن الفخذ ليس بعورة، إذ لو كان كذلك لما تركه النبي ﷺ ، ولما أقرَّ عليه، ولنبه عليه كما كان يفعل، فاستوى الحال في كون الإزار انحسر بنفسه أو بفعله. وهناك جمع آخر لابن القيم، قال: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث، ما ذكر غير واحد من أصحاب أحمد وغيره، أن العورة عورتان: مخففة، ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين، لكونها عورة، وبين كشفها، لكونها عورة مخففة.

стр. 399

وأما حديث عائشة: أ-قالوا: إن هذا الحديث لا حجة فيه، مشكوك في المكشوف هل هما الساقان أو الفخذان، حيث جاء في رواية مسلم التردد في كون النبي ﷺ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، والساق ليس بعورة إجماعاً. ب- أن هذه حكاية فعل لا تنتهض على معارضة الأحاديث القولية الدالة على أن الفخذ عورة، لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي، وإظهار شرعٍ عام، فكان العمل بها أولى. قال الألباني: وأدلة القائلين بأنه عورة؛ قولية من جهة، وحاضرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيداً عن الهوى، قاعدتان: أن الحاضر مقدم على المبيح - والقول مقدم على الفعل لاحتمال الخصوصية وغيرها. • وقوله (من السرة إلى الركبة) ظاهره أن السرة والركبة ليسا من العورة، بل العورة ما بينهما. وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة ويدل على أنهما ليسا من العورة: أ-حديث (الفخذ عورة) صححه الألباني. ب- وحديث علي في قصة حمزة لما شرب الخمر وثمل شارفي جمل علي وطعنهما … في الحديث أن حمزة صعد النظر إلى سرة النبي ﷺ ، فدل على أن السرة ليست من العورة. ج- وأيضاً جاء في صحيح مسلم في قصة أبي بكر: (قد جاء وفد رفع ثوبه وأبدى ركبتيه فقال ﷺ : أما صاحبكم فقد غافر) د- وجاء في حديث: (ما بين السرة إلى الركبة عورة).

стр. 400

• وقوله (من السرة إلى الركبة) ظاهره يدل على أنه لا يجب ستر أحد العاتقين، وهذا هو الصحيح خلافاً لبعض العلماء الذين قالوا: يجب على الرجل أن يستر أحد العاتقين في الفرض. مثال: لو صلى سنة الظهر وقد ستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته صحيحة، وفي فرض الظهر لو أنه صلى وستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته غير صحيحة. وهذا هو مذهب الحنابلة. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). متفق عليه قالوا: فيجب على المصلي في صلاة الفرض أن يستر أحد عاتقيه، وخصوه بالفرض دون النفل لأن صلاة النفل مبناها على التخفيف. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب ستر العاتق في الصلاة. واستدلوا بحديث جابر أن النبي ﷺ قال: (إن كان ضيقاً فاتزر به). متفق عليه ومعنى ذلك أن جابر سوف يصلي وعاتقاه مكشوفتان. وأما حديث أبي هريرة: (لا يصلي أحدكم وليس على عاتقه … ) فمحمول على الاستحباب، ولأنه أبلغ في الزينة. • والمراد بالثوب في قوله: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد … ) الإزار الذي يكسوا أسفل جسم الإنسان، أو الرداء الذي يكسو أعلاه، ليس المراد به القميص. • لا خلاف بين العلماء في جواز كشف الرجل عاتقيه خارج الصلاة. • لا خلاف بينهم في مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، وأن ذلك هو الأكمل والأفضل في حق المصلي [وإنما الخلاف في الوجوب كما سبق]

стр. 401

(وتستحب صلاته في ثوبين). أي: أن الأفضل أن يصلي الرجل في ثوبين. عن أَبِى هُرَيْرَةَ. (أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ «أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ) متفق عليه. قال النووي: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي ثَوْب وَاحِد، وَلَا خِلَاف فِي هَذَا إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود ﵁ فِيهِ، وَلَا أَعْلَم صِحَّته، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الصَّلَاة فِي ثَوْبَيْنِ أَفْضَل. (ويكفي ستر عورتهِ في النفل، ومع أحد عاتقيهِ في الفرض). أي: في صلاة النفل يكفي ستر العورة (كما تقدم حدها) وأما في صلاة الفرض فيجب أن يستر أحد العاتقين مع العورة. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال ﷺ (لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي اَلثَّوْبِ اَلْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) متفق عليه. وهذا المذهب، وذكر بعض الحنابلة أنها من المفردات. أ-للحديث السابق (لا يصلي أحدكم في الثوب … ). قالوا: هذا محمول على صلاة الفريضة، لأن الفرض هو المكلف به. ب- ولحديث عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد بعضه علي) رواه أبو داود. قالوا: ظاهر هذا الحديث أنه كان في صلاة نفل. ج- وقالوا: إن صلاة النفل مبناها على التخفيف. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئاً من اللباس فرضاً كانت الصلاة أم نفلاً. وهذا ذهب إليه المالكية والحنابلة في رواية، ورجح هذا القول جمع من العلماء: ابن المنذر، والبخاري، وابن بطال، وابن حجر، وابن رجب، وابن قدامة. للحديث السابق (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على العاتق منه شيء نهياً مؤكداً، والأصل في النهي التحريم، فدل على وجوب ستر العاتق في الصلاة. قالوا: والحديث عام، فيشمل الفرض والنفل، لأنه ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل. وذهب بعضهم: إلى أنه مستحب لا واجب. وإليه ذهب جمهور العلماء: الحنفية، وأكثر المالكية، والشافعية.

стр. 402

واستدلوا على الاستحباب بالحديث السابق (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد … ). واستدلوا على عدم الوجوب: بحديث جابر: ( … وإذا كان ضيقاً فاتزر به) فدل ذلك على أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة. واستدلوا بالقياس: وهو أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن. واستدلوا: بالإجماع المحكي على جواز الصلاة مع ترك ستر العاتقين [وهذا الإجماع فيه نظر]. والراجح: القول بوجوب ستر أحد العاتقين في الصلاة إن تيسر قول قوي، ويكون حديث جابر تجتمع به الأدلة. (وصلاتها في درعٍ وخمارٍ وملحفة). أي: ويسن للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة، فهذا الأفضل والأكمل. لما ورد عن ابن عمر قال: إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة. أخرجه ابن أبي شيبة. الدرع وهو القميص يغطي بدنها وقدميها. والخمار يغطي رأسها. والملحفة: ما يلف على الجسم كله كالعباءة والجلباب. (ويُجزئُ سترُ عورتِها). أي: يجزئ المرأة ستر عورتها، فلو تلفلفتْ المرأة بثوب يستر رأسها وكفيها وقدميها وبقية بدنها، ولا يخرج منه إلا الوجه أجزأ. (ومن انكشفَ بعضُ عورتهِ وفحُشَ، أو صلى في ثوب محرّمٍ، أو نجسٍ أعاد). • هذه مسائل: المسألة الأولى: من انكشفت بعض عورته - عن غير عمد - وفحش، فإنه يجب أن يعيد. وذهب بعض العلماء إلى عدم البطلان، إذا كان الزمن قليلاً، ورجحه الشيخ ابن عثيمين: فقال في الشرح الممتع: خلاصة هذه المسألة: أولاً: إذا كان الانكشاف عَمْداً بطلت الصَّلاة، قليلاً كان أو كثيراً، طال الزَّمنُ أو قَصُرَ. ثانياً: إذا كان غير عَمْدٍ وكان يسيراً، فالصَّلاة لا تبطل.

стр. 403

ثالثاً: إذا كان غير عَمْد، وكان فاحشاً لكن الزمن قليل، فظاهر كلام المؤلِّف أنها تبطل، والصَّحيح أنها لا تبطل. ويُتَصَوَّرُ ذلك فيما لو هبَّت ريحٌ، وهو راكع وانكشف الثَّوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة تبطل، والصَّحيح: أنها لا تبطل؛ لأنه ستره عن قُرْب، ولم يتعمَّد الكشف، وقد قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). رابعاً: إذا انكشف عن غير عَمْد انكشافاً فاحشاً، وطالَ الزَّمن بأن لم يعلم إلا في آخر صَلاتِهِ، أو بعد سلامه، فهذا لا تصحُّ صلاته؛ لأنَّه فاحش والزَّمن طويل. مثاله: إنسانٌ صَلَّى في سروال أو إزار، وبعد صلاته وَجَدَ أن هناك فتحة كبيرة تُحاذي السَّوأة، ولكن لم يعلم بها إلا بعد أن سَلَّم، فنقول: صلاتُه غير صحيحة ويُعِيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصَّلاة، والغالب عليه في مثل الحال أنه مفرِّط. أما إذا انشق الثَّوب في أثناء الصَّلاة، وهذا يقع كثيراً، ولا سيَّما في الثِّياب الضيِّقة، ثم بسرعة أمسكه بيده فالصَّلاة صحيحة؛ لأنه وإن كان فاحشاً فالزَّمن قصير، ولم يتعمَّد. (الشرح الممتع). قال في (كشاف القناع) ولا تبطل الصلاة بكشف يسير من العورة بلا قصد … ولو كان الانكشاف اليسير في زمن طويل، وكذا لا تبطل الصلاة إن انكشف من العورة شيء كثير في زمن قصير، فلو أطارت الريح سترته عن عورته، فظهر منها ما لم يُعْفَ عنه لو طال زمنه لفُحْشه ولو كان الذي انكشف كل العورة، فأعادها سريعاً بلا عمل كثير لم تبطل صلاته، لقصر مدته أشبه اليسير في الزمن الطويل، فإن احتاج في أخذ سترته لعمل كثير بطلت صلاته. وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في (دليل الطالب) في فصل ما يبطل الصلاة: يبطلها كشف العورة عمداً، لا إن كشفها ريح فسترها في الحال أولا وكان المكشوف لا يفحش في النظر. اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (شرح العمدة) يعفى عن يسير العورة قدراً أو زماناً، فلو انكشف منها يسير ـ وهو ما لا يفحش في النظر ـ في جميع الصلاة، أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة، أو انحل مئزره فربطه لم تبطل صلاته، وسواء في ذلك العورة المغلظة والمخففة. اهـ.

стр. 404

• حد اليسير: وقال ابن تيمية: حد اليسير ما لا يفحش في النظر في عرف الناس وعادتهم إذ ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، وإن كان يفحش من الفرجين ما لا يفحش من غيرهما. • الخلاصة: وقع الخلاف: في الانكشاف الكثير في زمن قصير (كما لو هبت ريح فكشفت العورة فسترها في الحال). والراجح لا تبطل صلاته. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة. أ-لقوله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به). ب- لقوله ﷺ (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان … ). وجه الدلالة: أن هذا الانكشاف للعورة حصل بسبب عارض خارج عن قصد المصلي، ومن غير تقصير منه، وما كان كذلك فهو معفو عنه. ب- ولحديث عمرو بن سلَمة وفيه ( … فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيص) رواه البخاري. وجه الدلالة: أنه يدل على أن انكشاف العورة اليسير أثناء الصلاة غير مؤثر في الصلاة ولا مبطل لها، فكذلك الانكشاف الكثير في الزمن اليسير، بجامع أن كلاً منهما غير مقصود ولا متعمد، ومثل ذلك يشق التحرز عنه. وقع الخلاف أيضاً: في الانكشاف اليسير في المقدار إذا طال زمنه. والراجح أيضاً أن الصلاة لا تبطل بالانكشاف اليسير في المقدار - غير المتعمد - إذا طال زمنه. أ- لحديث عمرو بن سلَمة وفيه ( … فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيص) رواه البخاري.

стр. 405

وجه الدلالة: أنه كان يصلي بقومه، فإذا سجد انكشفت عورته لتقلص بردته عنها، وقد كان هذا على عهد النبي ﷺ وعهد صحابته، وهو مما ينتشر، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أنه أنكر عليه أو أمره بالإعادة. ب- ولحديث سهل بن سعد. قال (كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا) رواه البخاري ومسلم وزاد (من ضيق الأُزُر). وجه الدلالة: أن النساء أمِرنَ بعدم رفع رؤوسهن قبل نهوض الرجال، لئلا تنكشف عوراتهم بسبب ضيق الأُزُر، فدل ذلك على أن انكشاف العورة اليسير بغير اختيار المصلي مما يَعفَى عنه، إذ لم يؤمروا بالإعادة مع احتمال الانكشاف. ج- أن ثياب كثير من الفقراء لا تخلو في الغالب من خرق أو فتق يسير، والاحتراز عن ذلك يشق. (أحكام اللباس: الغامدي). المسألة الثانية: قوله (أو صلى في ثوب محرّمٍ .... أعاد). وقد تقدم أن المحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: محرم لعينه: كما لو صلى بثوب حرير [ومن المعلوم أن الحرير حرام للرجال] فلا تصح صلاته. محرم لكسبه: كمن صلى بثوب مغصوب أو مسروق، فلا تصح صلاته. محرم لوصفه: كمن صلى في ثوب مسبل. وقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه) رواه أحمد وهو ضعيف وذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة بالثوب المحرم مع الإثم، وهذا القول هو الصحيح. لأن جهة الأمر والنهي مختلفة.

стр. 406

المسألة الثالثة: قوله ( .. أو نجسٍ أعاد). أي: صلى في ثوب نجس فإنه يجب أن يعيد. وهذا إذا كان يعلم نجاسته، فهذا واضح أنها لا تصح صلاته. وأما إن كان جاهلاً، أو ناسياً، فإنه لا يعيد على القول الراجح. وقد تقدم: أن من صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علِم بها ثم نسيها، فصلاته صحيحة. وهذا قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، فقد حكي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاووس وعطاء وسالم بن عبد الله ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي. وهو قول المالكية والقديم للشافعي، واختار هذا القول من الحنابلة ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. أ- لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى -وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) رواه أبو داود. وجه الشاهد: أن النبي ﷺ لم يعد أول صلاته التي صلاها مع وجود النجاسة في النعل، لأنه كان جاهلاً وجودها فدل على أن من صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً فصلاته صحيحة. • لكن: لو لم يكن عنده إلا ثوب نجس، ولم يجد ما يغسله به، ولا ما يستر به عورته؟

стр. 407

فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: يصلي عرياناً ولا يعيد. وبه قال الشافعي. القول الثاني: يصلي به ويعيد. وهذا المشهور عند الحنابلة. القول الثالث: يصلي فيه ولا يعيد. وبه قال مالك. واختار هذا القول ابن قدامة، وابن تيمية. أ- القياس على ستر العورة بجامع أنهما شرطان في الصلاة، فكما أنه إذا عجز عن ستر عورته صحت صلاته عرياناً، فكذلك إذا عجز عن اجتناب النجاسة فصلى في ثوب نجس صحت للضرورة. ب-عموم قوله ﷺ (غط فخذك). ج- أن مصلحة الستر أعظم من مصلحة اجتناب النجاسة. د- أن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، وقد عجز عنه فيسقط عنه كسائر شروط الصلاة عند العجز عنها، فإذا صلى صحت صلاته فلا يعيدها. واستدلوا على عدم لزوم الإعادة: أ- أن المسلم مأمور بأن يتقي الله حسب استطاعته، وهذا قد فعل ما في وسعه. و- وقالوا: إن الله لم يأمر العبد أن يصلي الفرض مرتين بدون سبب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً: فقيل: يُصلي عرياناً. وقيل: يُصلي فيه ويُعيد. وقيل: يُصلي فيه ولا يُعيد. وهذا أصح أقوال العلماء.

стр. 408

فإن الله لم يأمر العبد أن يُصلي الفرض مرتين إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، مثل: أن يُصلي بلا طمأنينة فعليه أن يُعيد الصلاة كما أمر النبي من صلى ولم يطمئن أن يُعيد الصلاة، وقال: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، وكذلك من نسي الطهارة وصلى بلا وضوء فعليه أن يُعيد كما أمر النبي من توضأ وترك لمعة في قدمه لم يمسها الماء أن يُعيد الوضوء والصلاة، فأما من فعل ما أُمِرَ به بحسب قدرته فقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). (ومن وجدَ كفاية عورتهِ سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكْفِهِما فالدبر). أي: من وجد كفاية عورته وجب عليه سترها، لأن ذلك من شروط الصلاة. فإن لم يوجد معه ما يكفي فإنه يستر الفرجان. فإن لم يكف الموجود الفرجين ستر الدبر، لأن القُبُل إذا ضم فخذيه ستره. قال ابن قدامة: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ. لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرَهُمَا آكَدُ، وَهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَاخْتُلِفَ فِي أَوْلَاهُمَا بِالسَّتْرِ: فَقِيلَ: الدُّبُرُ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ، لَا سِيَّمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقِيلَ: الْقُبُلُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَسْتُرُهُ، وَالدُّبُرُ مَسْتُورٌ بِالْأَلْيَتَيْنِ. (المغني). (فإن عدِمَ السترَ بكل حالٍ صلى جالساً يومئ بالركوع والسجود، وإن صلى قائماً جاز). قال ابن قدامة: … أَنَّ الْعَادِمَ لِلسُّتْرَةِ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا.

стр. 409

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُصَلِّي قَائِمًا، بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. أ- لِقَوْلِهِ ﵇ (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِساً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ب-وَلِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ لَهُ كَالْقَادِرِ عَلَى السَّتْرِ. وَلَنَا مَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ، فَخَرَجُوا عُرَاةً، قَالَ: يُصَلُّونَ جُلُوسًا، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ. وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ، وَالسَّتْرَ يَجِبُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا، فَتَرْكُ أَخَفِّهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ آكَدِهِمَا. وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَتَرَ أَتَى بِبَدَلٍ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالسَّتْرُ لَا بَدَلَ لَهُ. وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ لَا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ، فَلَا يَفِي بِتَرْكِ الْقِيَامِ. قُلْنَا: إذَا قُلْنَا الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ. فَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُ آكَدِهَا وُجُوبًا فِي السَّتْرِ، وَأَفْحَشِهَا فِي النَّظَرِ، فَكَانَ سَتْرُهُ أَوْلَى. وَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. (المغني)

стр. 410

(وإنْ أعِيرَ سترةً لزمَه قبولها). لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. وَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ. (المغني). (وإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ). أي: إن وجد الذي يصلي عرياناً في أثناء الصلاة سترة: فإن كانت قريبة: أخذها وبنى. مثال: جاء إليه رجل وهو يصلي عرياناً، فقال: خذ استر نفسك. وإن كانت بعيدة، فإنه يقطع صلاته، ويبتدئ الصلاة من جديد. والدليل على ذلك: أن السترة إذا كانت قريبة منه فهو واجد لها، فيلزمه استعمالها، ويبني على ما مضى من صلاته، قياساً على أهل قباء لما علموا بتحويل القبلة في الصلاة استداروا إلى الكعبة وبنوا على ما مضى من صلاتهم، لأنهم دخلوا في صلاتهم بوجه صحيح، وهذا عمل قليل فلم يمنع من البناء على ما مضى من الصلاة … وأما إذا كان العمل كثيراً فلا تصح الصلاة، لأن السترة شرط لصحة الصلاة، وهو واجد لها فلا بد من استعمالها، ولا يصح ذلك مع العمل الكثير، لأن العمل الكثير يبطل الصلاة لأنه ينافيها. وذهب بعض العلماء: إلى أنه تبطل صلاته ويلزمه الستر بها، وإعادة الصلاة من أولها. وهذا مذهب الحنفية.

стр. 411

قالوا: قياساً على المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة فيلزمه استعماله، وإعادة صلاته من أولها. وقالوا: إن ستر العورة شرط لصحة الصلاة وقد سقط عن العاري للعجز عنه، فإذا وجد السترة فقد زال العجز وحصلت القدرة على الستر فلزمه استعمالها. والراجح الأول. وقياس من قال تبطل صلاته على المتيمم، فالجواب عنه: بالفارق بينهما، وذلك لأن واجد الماء لا يمكنه تحصيل الطهارة إلا بإبطال صلاته، وهو منهي عن إبطال عمله، أما من وجد السترة قريبة منه فإنه يمكنه الستر من غير إبطال لصلاته فافترقا. فائدة: من صلى عرياناً لعدم وجود سترة، ثم وجد سترة بعد الفراغ من صلاته، فتصح صلاته ولا يعيد. وهذا قول جماهير العلماء. أ- أن سترة العورة شرط من شروط الصلاة فسقط عند العجز عنه، كما لو عجز عن استقبال القبلة فصلى إلى غيرها فلا يعيد. ب- أن العري عذر عام وربما اتصل ودام، فيكون مسقطاً للإعادة، إذْ لو أوجبنا الإعادة معه لحصل الحرج والمشقة. (ومنها: استقبال القبلة، فلا تصح بدونه). أي: ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، فلا تصح بدونه، والمراد بالقبلة الكعبة. والدليل على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة: أ- قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). وهذا أمر يفيد وجوب استقبال القبلة. ب- ولحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) متفق عليه.

стр. 412

فقوله (أمِر) أمر يفيد وجوب الاستقبال، وكذا أهل قباء استداروا في صلاتهم واستقبلوا القبلة، وهذه حركة كثيرة، فلولا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة لما اغتُفِر ذلك. ج- وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) متفق عليه. وأجمع المسلمون على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة، وممن نقل الإجماع ابن عبد البر، والقرطبي. • والقبلة هي الجهة التي يستقبلها المصلي، وسميت قبلة لإقبال الناس عليها، أو لأن المصلي يقابلها وهي تقابله. • الحكمة من ذلك: أن يتجه الإنسان ببدنه إلى بيت الله، كما يتجه بقلبه إلى ربه في السماء. • وكانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس، ثم نسخت إلى الكعبة، وكان تحويل القبلة في شعبان في السنة الثانية. (إلا لعاجز). أي: فيسقط استقبال القبلة. أي: من الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة إذا كان عاجزاً. مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يتجه حيث كان وجهه، ومثله المأسور والمصلوب إلى غير القبلة. لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا). ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). ولأن هذا شرط عجز عنه فسقط. (لا واجب مع العجز).

стр. 413

(ومتنفلٍ راكبٍ سائرٍ في سفر). أي: ومن الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة: المسافر المتنفل على راحلته. المسافر: فلا يجوز للمقيم أن يصلي إلى غير القبلة. المتنفل: فلا يجوز في الفرض أن يصلي إلى غير القبلة. على راحلته: فلا يجوز للمسافر النازل أن يتنفل إلى غير القبلة، فلا بد أن يكون مسافراً، ويصلي نافلة على راحلته. والدليل على هذا فعل النبي ﷺ : أ- عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه) متفق عليه. ب- وعن جابر: (أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة) رواه البخاري. ج- وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به). متفق عليه. زاد البخاري: (يومئ برأسه - ولم يكن يصنعه في المكتوبة). • قال النووي: جواز التنفل على الراحلة حيث توجهت به جائز بإجماع المسلمين. وقال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ. (المغني). • قوله (كان يسبح) قال الحافظ: أي يصلي النافلة، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل. • كيفية الصلاة على الراحلة: يومئ برأسه كما في الحديث السابق عند البخاري. وعند الترمذي: (يجعل السجود أخفض من الركوع). قال الشوكاني: الحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج، ولا يبذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض سجوده بمقدار يفترق فيه السجود عن الركوع.

стр. 414

• الحكمة من هذا التخفيف: حتى لا ينقطع المسافر عن العبادة، ولا المتعبد عن السفر. قال المباركفوري: كأن السر فيما ذكر من جواز التطوع على الدابة في السفر؛ تحصيل النوافل على العبادة وتكثيرها تعظيماً لأجورهم رحمة من الله بهم. • فإن قيل: هل تجوز الفريضة للرَّاكب السَّائر في السَّفر بدون استقبال القِبْلة؟ فالجواب: لا؛ إلا في الحال التي يتعذَّر فيها استقبال القِبْلة. فإن قيل: إذا كان المسافرُ نازلاً في مكان، فهل يجوز أن يتنفَّل إلى غير القبلة؟ فالجواب: لا؛ لأنَّ تخصيص العام يُقتصر فيه على الصُّورة التي وقع فيها التَّخصيص فقط. فإن قيل: إذا كان الإنسانُ في بلده، لكن البلد متباعد الأحياء؛ فهل له أن يتنفَّل في هذه الحال إلى جهة سيره؟ فالجواب: ليس له ذلك؛ لأنه غير مسافر. (الشرح الممتع). (ويلزمه افتتاح الصلاة إليها). أي: يلزم الراكب افتتاح الصلاة إلى الكعبة. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث أَنَسٍ قال (كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهَ رِكَابِهِ) رواه أبو داود وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب ذلك.

стр. 415

وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-لما فيه من المشقة. ب-ولأن الأحاديث في الصحيحين التي وصفت صلاة النبي ﷺ على الراحلة ليس فيها الاستقبال. ج- ولأنه جزء من الصلاة أشبه سائرها. قالوا: حديث أنس فعل، والفعل يدل على الاستحباب. فيحمل حديث أنس على الاستحباب كما قال ابن قدامة في المغني. قال ابن قدامة: … لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ، فَسَقَطَ، وَخَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ وقال ابن القيم بعد ذكره لحديث أنس: وفي الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وحديثهم أصح من حديث أنس هذا. فحديث أنس (كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ … ) مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين، فإن هذه الأحاديث ليس فيه استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة، كما قال ابن القيم. (وفرْضُ من قرُب من القبلة إصابة عينِها، ومن بعُدَ جهتُها). أي: من كان قريباً مشاهداً للكعبة ففرضة إصابة عينها، وأما البعيد فإلى جهتها. ففرض المصلي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يمكنه مشاهدة الكعبة، ففرضه أن يتجه إلى عين الكعبة. وهذا بالاتفاق. قال ابن قدامة: … ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. القسم الثاني: من لا يمكنه مشاهدة الكعبة كالبعيد، فالواجب عليه أن يتجه إلى جهة الكعبة.

стр. 416

وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- لحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِي. قال الصنعاني: والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة، لا العين في حق من تعذرت عليه العين. وقال الشيخ ابن عثيمين: وبهذا نعرف أن الأمر واسع، فلو رأينا شخصاً يصلي منحرفاً يسيراً عن مسامتة [أي: محاذاة] القبلة، فإن ذلك لا يضر، لأنه متجه إلى الجهة. ب-أن الصف الطويل صلاتهم صحيحة بالإجماع، مع أنه يجزم بأنه ليس كلهم مستقبلي القبلة. ج-أن إلزام الناس استقبال عين الكعبة في الأماكن البعيدة متعذر ومتعسر. • الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر ما دام في الجهة. (وإن خفيتْ عليه القبلة في الحضر، سأل واستدل بمحاريب المسلمين). أي: من خفيت عليه القبلة عند إرادة الصلاة فالمشروع في حقه أمران: الأول: أن يسأل عن جهة القبلة، فإن أخبرَ بجهتها من قِبل رجل أو امرأة عمل بما أخبر به. الثاني: أن يستدل عليها بما في المساجد من محاريب المسلمين.

стр. 417

• من يقبل خبره في شأن القبلة: يشترط فيمن يقبل خبره في تحديد اتجاه القبلة أن يكون: مُسْلِمًا، عَاقِلاً، بَالِغًا، عَدْلاً، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَة. فلا يُقبَلُ خبر الكافر في اتجاه القبلة، لأن هذا من الأمور الدينية، وهذه لا يقبل فيها خبر الكافر. قال الإمام النووي: وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَافِرِ فِي الْقِبْلَةِ بِلَا خِلَافٍ. . . وجاء في الموسوعة الفقهية: وَلَا يُقْبَل خَبَرُ الْكَافِرِ فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ، وَلَا خَبَرُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ. . اهـ. وإذا كان فاسقاً لم تقبل شهادته أيضا في تحديد اتجاه القبلة. جاء في الموسوعة الفقهية عن شهادة الفاسق في اتجاه القبلة: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْفَاسِقِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ قَبُول خَبَرِهِمَا، لأِنَّ رِوَايَتَهُمَا وَشَهَادَتَهُمَا لَا تُقْبَل. . . أَمَّا الْفَاسِقُ فَلِقِلَّةِ دِينِهِ، وَتَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ. . اهـ. (فإن أخطأ فعليه الإعادة). أي: في الحضر. أي: فإن اجتهد في الحضر، فبان أنه صلى إلى غير القبلة، فإن عليه الإعادة. أ- لأن الحضر ليس بمحل اجتهاد، لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها. ب- ولوجود من يخبره عن يقين غالباً. وإنما وجب الإعادة عليهما لتفريطهما بعدم الاستخبار، أو الاستدلال بالمحاريب مع القدرة عليه. قال ابن قدامة:. . . . فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، سَوَاءٌ إذَا صَلَّى بِدَلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ مَنْ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْقِبَلِ الْمَنْصُوبَةِ، وَيَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ. وقال في الكافي: وإن أتى بفرضه فبان أنه أخطأ، وكان في الحضر، أعاد، لأن ذلك لا يكون إلا لتفريط، وإن كان مسافراً، لم يعده، لأنه أتى بما أمر من غير تفريط فلم تلزمه إعادة. انتهى.

стр. 418

وقال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أن البصير إذا صلى في الحضر فأخطأ عليه الإعادة مطلقاً وعليه الأصحاب، وعنه لا يعيد إذا كان عن اجتهاد، احتج أحمد بقضية أهل قباء. • فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ أن الحضر ليس موضعاً للاجتهاد. لأن بإمكانه أن يعرف القبلة عن يقين وأن يسأل أهل البلد وينظر للمحاريب … إلى آخره. وقال بعض العلماء: إن الحضر موضع للاجتهاد. إذا كان من مجتهد يعرف أدلة القبلة وكيف يستدل بها. والمذهب أحوط. (وإن خفيتْ في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه). أي: إن خفيت القبلة على المسافر، فالمشروع في حقه أن يجتهد، فإن تبين له أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه. وهذا قول جماهير العلماء. قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ الَّذِي صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. أ-لأنه قد أدى الواجب عليه من الاجتهاد. أ- ولأنه داخل في عموم قول الله تعالى (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله). ب-ولأنه أتى بما أمر به وهو في الصلاة إلى جهة تحريه، فخرج من عهدته كالمصيب. ج-أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة في حال القدرة، فيسقط عند العجز عنه كسائر شروطها. وقد ورد في ذلك حديث:

стр. 419

عن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: (كُنَّا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مَظْلَمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا اَلْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ اَلشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ اَلْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. • المجتهد هو من يعرف أدلة القبلة وكيف الاستدلال بها. • من ظهر خطؤه وهو في الصلاة. ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والحنابلة، وقول للشافعية إلى أنه يستدير ويبني على ما مضى في صلاته. وقال المالكية، والشافعية، يقطع صلاته ويعيدها لاتجاه القبلة. والراجح هو رأي جمهور أهل العلم القائل بالاستدارة لجهة القبلة مع إتمام الصلاة. أ- وذلك لأنه في أول صلاته قد أدى ما عليه واجتهد قدر وسعه فلا تثريب عليه فيه فلما ظهر له الصواب أتى بما عليه. ب- ولحديث ابْنِ عُمَر قَالَ (بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) متفق عليه. وجه الدلالة: لم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة. ج- ولحديث الْبَرَاء بْن عَازِبٍ، ﵄، قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ … فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) متفق عليه.

стр. 420

(وإن صلى بغير اجتهادٍ ولا تقليد مع قدرته أعاد). (إن صلى بلا اجتهاد) إن كان من أهل الاجتهاد، بأن يعرف أدلة القبلة وكيف يستدل بها، ثم بعد ذلك ترك النظر في أدلة القبلة … إلى آخره وصلى، فيقول المؤلف ﵀: بأنه يعيد. (ولا تقليد) إنسان لا يعرف أدلة القبلة جاهل لكن هناك مجتهد يعرف أدلة القبلة ومع ذلك لم يقلده وصلى، فإنه يعيد. لأنه مفرط، فلم يأتِ بما يجب عليه. (الواجب الاجتهاد إن كان من أهله، أو التقليد إن لم يكن من أهله مادام أنه وجد مجتهداً). • التقليد عند الفقهاء: قبول قول غيره من غير حجة. • وقوله (أعاد) ظاهره ولو أصاب القبلة، فإنه يجب أن يعيد. وقيل: إن أصاب القبلة فإنه لا يعيد. فالخلاصة: إن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فلا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يخطي القبلة. فهنا يعيد لأنه مفرط. الحال الثانية: إن يصيب القبلة: فقيل: يعيد، لأنه مفرط. وقيل: لا يعيد. وهذا هو الصحيح.

стр. 421

(ويجتهدُ العارفُ بأدلةِ القبلة لكل صلاة). أي: يلزم المجتهد أن يجتهد لكل صلاة، فإذا اجتهد مثلاً لصلاة الظُّهر؛ وتبيَّن له أن القِبْلة أمامه؛ ووضع العلامة على القِبْلة؛ وصَلَّى فصلاته صحيحة، فإذا جاء العصر فلا يعتمد على الاجتهاد الأوَّل، ويجب أن يعيد الاجتهاد مرَّة ثانية، وينظر إلى الأدلَّة مرَّة ثانية، فلكلِّ صلاة اجتهاد؛ لاحتمال الخطأ في الاجتهاد الأوَّل. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة مالم يطرأ عليه ما يوجب تغير الاجتهاد. ورجحه ابن عثيمين. (ومنها: النية). أي: ومن شروط الصلاة النية. قال ابن قدامة: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى). وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الصلاة لا تجزئ إلا بالنية. قال ابن رجب: والنيةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين: أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلاً، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه، أو تمييز العباداتِ مِنَ العادات، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيراً في كلامِ الفُقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي تُوجَدُ كثيراً في كلام السَّلَفِ المتقدّمين.

стр. 422

(فيجب أن ينوي عينَ صلاةٍ معينةٍ). • أي: فيجب أن ينوي المصلي عين صلاة معينة كالظهر أو العصر، أو الوتر أو راتبة الفجر. (وينوي مع التحريمة). هذا محل النية. أي: يجعل النية مقارنة لتكبيرة الإحرام. (وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت). أي: له أن يقدّم النية قبل التحريمة بزمن يسير في الوقت. • قوله (بزمن يسير) فلو طال الفصل لا تصح. وقيل: بل يصح ما لم ينوِ فسخها. (وإنْ قطعَها أثناء الصلاة أو تردد بطلت). ذكر هنا ما يبطل النية، فمما يبطل النية قطعها. فإذا قطع النية في أثناء الصلاة بطلت. مثال: كرجل قام يتنفل، ثم ذكر أن له شغلاً، فقطع النية، فإن الصلاة تبطل. لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نوى القطع فانقطعت. قال ابن قدامة: وَلَنَا، أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ، فَفَسَدَتْ لِذَهَابِ شَرْطِهَا

стр. 423

• قوله (أو تردد). أي: ومما يبطل النية التردد في القطع. كأن يسمع قارعاً يقرع الباب فتردد بين قطع الصلاة والاستمرار فيها. لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ مَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا. (المغني). وذهب بعض العلماء: إلى أنها لا تبطل بالتردد. لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وذلك لأن الأصل بقاء النية. ولحديث ابن مسعود ﵁ قال (أنه قال كنت مع النبي ﷺ حتى هممت بأمر سوء قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأن أدعه). قال الشيخ ابن عثيمين: قال بعض أهل العلم: لا تبطل الصلاة بالتردد؛ لأن الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها، وهذا القول هو الصحيح، فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو في الصلاة " انتهى. (وإن قلبَ منفردٌ فرضَه نفلاً في وقتع المتسع جاز). مثال: دخل رجل في صلاة الظهر منفرد، وفي أثناء الصلاة قلب الفرض إلى نفل. هذا العمل جائز بشرط: أن يكون الوقت متسعاً للصلاة، فإن كان ضيقاً بحيث لم يبق منه إلا مقدار أربع ركعات، فإن هذا الانتقال لا يصح، لأن الوقت الباقي تعين للفريضة، وإذا تعين للفريضة لم يصح أن يشغله بغيرها. لكن هذا العمل مستحب أو مكروه؟ هذا العمل يكره لغير غرض صحيح، لكونه أبطل عمله. وقال الشيخ ابن عثيمين: هو مستحب في بعض الأمور، وذلك فيما إذا شرع في الفريضة منفرداً، ثم حضرت جماعة، ففي هذه الحال يستحب له أن يقطعها لأجل أن يحصّل الجماعة.

стр. 424

الخلاصة: يشترط لكي يقلب فرضه نفلاً شروط: الشرط الأول: أن يقلبه إلى نفل مطلق. الشرط الثاني: أن يتسع الوقت لفعل الفريضة. الشرط الثالث: أن لا يؤدي ذلك إلى ترك واجب كالجماعة وكالإئتمام بالإمام ونحو ذلك. (وإن انتقل بنيتهِ من فرض إلى فرض بطلا). مثال: إنسان شرع يصلي العصر، ثم ذكر أنه صلى الظهر على غير وضوء، فنوى أنها الظهر؛ فلا تصح صلاة الظهر ولا العصر، فالعصر بطلت لأنه قطع النية، والظهر لم تنعقد لأنه لم يبدأ بها من أولها. قال ابن قدامة: وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الْأُولَى، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا. • فالانتقال من معين إلى معين لا يصح. كما لو انتقل من سنة العشاء إلى الوتر فلا يصح. يبطل الأول، ولم ينعقد الثاني. مثال آخر: انتقل من صلاة الظهر إلى السنة الراتبة القبلية، فإنسان أحرم بصلاة الظهر ثم تذكر أنه لم يصلي السنة الراتبة ثم انتقل، نقول بطلت الفريضة ولم تنعقد الثانية. • إن انتقل نفل معين أو فرض معين إلى نفل مطلق، صح. كما لو رجل دخل يصلي بنية الفجر، ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة، فهذا يصح.

стр. 425

• فإن انتقل من مطلق إلى معين: لا يصح. رجل قام يصلي ركعتين تطوعاً لله تعالى، ثم ذكر أنه لم يصل الفجر، فنواها عن صلاة الفجر، فلا يصح لأنه انتقل من مطلق إلى معين، والمعين لا بد أن ينويه من أوله. • سئل الشيخ - أيضاً -: هل يجوز تغيير النية من معيَّن إلى معيَّن؟ فأجاب: " لا يجوز تغيير النية من معيَّن إلى معيَّن، أو من مطلق إلى معيَّن، وإنما يجوز تغيير النية من معيَّن إلى مطلق. مثال الأول: من معيَّن إلى معيَّن، تغير النية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر؛ لأنه تحول عنها، ولا تنعقد صلاة العصر؛ لأنه لم ينوها من أولها وحينئذ يلزمه قضاء الصلاتين. ومثال الثاني: من مطلق إلى معيَّن: أن يشرع في صلاة نفل مطلق ثم يحول النية إلى نفل معين فيحولها إلى الراتبة، يعنى أن رجلاً دخل في الصلاة بنية مطلقة، ثم أراد أن يحولها إلى راتبة الظهر - مثلاً - فلا تجزئه عن الراتبة، لأنه لم ينوها من أولها. ومثال الثالث: من معيَّن إلى مطلق أن ينوي راتبة المغرب ثم بدا له أن يجعلها سنَّة مطلقة فهذا صحيح لا تبطل به الصلاة؛ وذلك لأن نية الصلاة المعينة متضمنة لنية مطلق الصلاة، فإذا ألغى التعيين بقي مطلق الصلاة لكن لا يجزئه ذلك عن الراتبة لأنه تحول عنها " انتهى. • وقوله (بنيتهِ) خرج ما لو انتقل من فرض إلى فرض بتحريمة، والتَّحريمة بالقول، ففي المثال الذي ذكرنا ذكر أنه صَلَّى الظُّهر على حَدَث فانتقل من العصر وكبَّر للظُّهر؟ نقول: بطلت صلاةُ العصر؛ لأنه قطعها وصحَّت الظُّهر؛ لأنه ابتدأها من أوَّلها، ولهذا قيَّده المؤلِّف بقوله: «بنيَّة»، أي: لا بتحريمة. (الشرح الممتع). (ويجبُ نيةُ الإمامةِ والائتمام). أي: يجب على الإمام أن ينوي أنه إمام يقتدى به، ويجب على المأموم أن ينوي أنه مأموم يقتدي بالإمام • أما المأموم فلا إشكال أنه لا يكون مأموم إلا بنيته، فإن لم ينو لم يكن مأموماً.
следующие страницы →