Полный текст (3 390 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(ويجتهدُ العارفُ بأدلةِ القبلة لكل صلاة).
أي: يلزم المجتهد أن يجتهد لكل صلاة، فإذا اجتهد مثلاً لصلاة الظُّهر؛ وتبيَّن له أن القِبْلة أمامه؛ ووضع العلامة على القِبْلة؛ وصَلَّى فصلاته صحيحة، فإذا جاء العصر فلا يعتمد على الاجتهاد الأوَّل، ويجب أن يعيد الاجتهاد مرَّة ثانية، وينظر إلى الأدلَّة مرَّة ثانية، فلكلِّ صلاة اجتهاد؛ لاحتمال الخطأ في الاجتهاد الأوَّل.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة مالم يطرأ عليه ما يوجب تغير الاجتهاد.
ورجحه ابن عثيمين.
(ومنها: النية).
أي: ومن شروط الصلاة النية.
قال ابن قدامة: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).
وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الصلاة لا تجزئ إلا بالنية.
قال ابن رجب: والنيةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين:
أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلاً، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه، أو تمييز العباداتِ مِنَ العادات، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيراً في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي تُوجَدُ كثيراً في كلام السَّلَفِ المتقدّمين.
стр. 422
(فيجب أن ينوي عينَ صلاةٍ معينةٍ).
• أي: فيجب أن ينوي المصلي عين صلاة معينة كالظهر أو العصر، أو الوتر أو راتبة الفجر.
(وينوي مع التحريمة).
هذا محل النية.
أي: يجعل النية مقارنة لتكبيرة الإحرام.
(وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت).
أي: له أن يقدّم النية قبل التحريمة بزمن يسير في الوقت.
• قوله (بزمن يسير) فلو طال الفصل لا تصح.
وقيل: بل يصح ما لم ينوِ فسخها.
(وإنْ قطعَها أثناء الصلاة أو تردد بطلت).
ذكر هنا ما يبطل النية، فمما يبطل النية قطعها.
فإذا قطع النية في أثناء الصلاة بطلت.
مثال: كرجل قام يتنفل، ثم ذكر أن له شغلاً، فقطع النية، فإن الصلاة تبطل.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نوى القطع فانقطعت.
قال ابن قدامة: وَلَنَا، أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ، فَفَسَدَتْ لِذَهَابِ شَرْطِهَا
стр. 423
• قوله (أو تردد).
أي: ومما يبطل النية التردد في القطع.
كأن يسمع قارعاً يقرع الباب فتردد بين قطع الصلاة والاستمرار فيها.
لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ مَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنها لا تبطل بالتردد.
لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وذلك لأن الأصل بقاء النية.
ولحديث ابن مسعود ﵁ قال (أنه قال كنت مع النبي ﷺ حتى هممت بأمر سوء قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأن أدعه).
قال الشيخ ابن عثيمين: قال بعض أهل العلم: لا تبطل الصلاة بالتردد؛ لأن الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها، وهذا القول هو الصحيح، فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو في الصلاة " انتهى.
(وإن قلبَ منفردٌ فرضَه نفلاً في وقتع المتسع جاز).
مثال: دخل رجل في صلاة الظهر منفرد، وفي أثناء الصلاة قلب الفرض إلى نفل.
هذا العمل جائز بشرط: أن يكون الوقت متسعاً للصلاة، فإن كان ضيقاً بحيث لم يبق منه إلا مقدار أربع ركعات، فإن هذا الانتقال لا يصح، لأن الوقت الباقي تعين للفريضة، وإذا تعين للفريضة لم يصح أن يشغله بغيرها.
لكن هذا العمل مستحب أو مكروه؟
هذا العمل يكره لغير غرض صحيح، لكونه أبطل عمله.
وقال الشيخ ابن عثيمين: هو مستحب في بعض الأمور، وذلك فيما إذا شرع في الفريضة منفرداً، ثم حضرت جماعة، ففي هذه الحال يستحب له أن يقطعها لأجل أن يحصّل الجماعة.
стр. 424
الخلاصة:
يشترط لكي يقلب فرضه نفلاً شروط:
الشرط الأول: أن يقلبه إلى نفل مطلق.
الشرط الثاني: أن يتسع الوقت لفعل الفريضة.
الشرط الثالث: أن لا يؤدي ذلك إلى ترك واجب كالجماعة وكالإئتمام بالإمام ونحو ذلك.
(وإن انتقل بنيتهِ من فرض إلى فرض بطلا).
مثال: إنسان شرع يصلي العصر، ثم ذكر أنه صلى الظهر على غير وضوء، فنوى أنها الظهر؛ فلا تصح صلاة الظهر ولا العصر، فالعصر بطلت لأنه قطع النية، والظهر لم تنعقد لأنه لم يبدأ بها من أولها.
قال ابن قدامة: وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الْأُولَى، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا.
• فالانتقال من معين إلى معين لا يصح.
كما لو انتقل من سنة العشاء إلى الوتر فلا يصح.
يبطل الأول، ولم ينعقد الثاني.
مثال آخر: انتقل من صلاة الظهر إلى السنة الراتبة القبلية، فإنسان أحرم بصلاة الظهر ثم تذكر أنه لم يصلي السنة الراتبة ثم انتقل، نقول بطلت الفريضة ولم تنعقد الثانية.
• إن انتقل نفل معين أو فرض معين إلى نفل مطلق، صح.
كما لو رجل دخل يصلي بنية الفجر، ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة، فهذا يصح.
стр. 425
• فإن انتقل من مطلق إلى معين: لا يصح.
رجل قام يصلي ركعتين تطوعاً لله تعالى، ثم ذكر أنه لم يصل الفجر، فنواها عن صلاة الفجر، فلا يصح لأنه انتقل من مطلق إلى معين، والمعين لا بد أن ينويه من أوله.
• سئل الشيخ - أيضاً -: هل يجوز تغيير النية من معيَّن إلى معيَّن؟ فأجاب:
" لا يجوز تغيير النية من معيَّن إلى معيَّن، أو من مطلق إلى معيَّن، وإنما يجوز تغيير النية من معيَّن إلى مطلق.
مثال الأول: من معيَّن إلى معيَّن، تغير النية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر؛ لأنه تحول عنها، ولا تنعقد صلاة العصر؛ لأنه لم ينوها من أولها وحينئذ يلزمه قضاء الصلاتين.
ومثال الثاني: من مطلق إلى معيَّن: أن يشرع في صلاة نفل مطلق ثم يحول النية إلى نفل معين فيحولها إلى الراتبة، يعنى أن رجلاً دخل في الصلاة بنية مطلقة، ثم أراد أن يحولها إلى راتبة الظهر - مثلاً - فلا تجزئه عن الراتبة، لأنه لم ينوها من أولها.
ومثال الثالث: من معيَّن إلى مطلق أن ينوي راتبة المغرب ثم بدا له أن يجعلها سنَّة مطلقة فهذا صحيح لا تبطل به الصلاة؛ وذلك لأن نية الصلاة المعينة متضمنة لنية مطلق الصلاة، فإذا ألغى التعيين بقي مطلق الصلاة لكن لا يجزئه ذلك عن الراتبة لأنه تحول عنها " انتهى.
• وقوله (بنيتهِ) خرج ما لو انتقل من فرض إلى فرض بتحريمة، والتَّحريمة بالقول، ففي المثال الذي ذكرنا ذكر أنه صَلَّى الظُّهر على حَدَث فانتقل من العصر وكبَّر للظُّهر؟ نقول: بطلت صلاةُ العصر؛ لأنه قطعها وصحَّت الظُّهر؛ لأنه ابتدأها من أوَّلها، ولهذا قيَّده المؤلِّف بقوله: «بنيَّة»، أي: لا بتحريمة. (الشرح الممتع).
(ويجبُ نيةُ الإمامةِ والائتمام).
أي: يجب على الإمام أن ينوي أنه إمام يقتدى به، ويجب على المأموم أن ينوي أنه مأموم يقتدي بالإمام
• أما المأموم فلا إشكال أنه لا يكون مأموم إلا بنيته، فإن لم ينو لم يكن مأموماً.
стр. 426
• وأما الإمام: فالمذهب يرون أنه يشترط لصحة الإمامة وصحة صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة.
أ- لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
ب- وقالوا: إنه يترتب على صلاة الجماعة أحكام كثيرة منها: سقوط السهو عن المأموم، ومنها وجوب المتابعة، وأحكام أخرى كثيرة،
ولا يتميز الإمام عن المأموم إلا بنية
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط أن ينوي الإمامة.
وهذا مذهب الشافعي.
أ- لحديث ابْن عَبَّاسٍ قَالَ (بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي، ثم قام معه ابن عباس فاقتدى برسول الله ﷺ بعدما أحرم الرسول، ولم ينكر عليه، فدل على أن نية الإمامة ليست شرطاً.
ب- ولحديث عائشة (أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم النبي ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي منفرداً، فلما رآه الصحابة اقتدوا به، ولم ينكر عليهم ﷺ ، فدل على أن نية الإمامة ليست شرطاً.
стр. 427
ج-ولحديث أبي سعيد الخدري (أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فقام رجل فصلى معه) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: حيث أن الرجل لم ينوِ الإمامة، لأن الذي قام معه قام بعد أن أحرم بالصلاة، والنية لا تكون إلا قبل تكبيرة الإحرام.
وهذا الراجح.
فائدة: قال النووي في روضة الطالبين: لكن هل تكون صلاته صلاة جماعة إذا لم ينوها؟ وجهان: أصحهما: لا ينالها، لأنه لم ينوها، وقال القاضي حسين: فيمن صلى منفرداً، فاقتدى به جمع ولم يعلم بهم، ينال فضيلة الجماعة، لأنهم نالوها بسببه، وهذا كالتوسط بين الوجهين.
(وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح)
مثاله: شخصٌ ابتدأ صلاته منفرداً؛ ثم حضرت جماعة فصلُّوا جماعة؛ فانتقل من انفراده إلى الائتمام بالإمام الذي حضر.
فهذا لا يصح.
لأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة، فتبعَّضت النيَّة؛ حيث كان في أول الأمر منفرداً ثم كان مؤتمّاً، فلما تبعّضت النيَّة بطلت الصلاة.
وذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك يصح.
لأنه ثبت في السنة - كما سيأتي في حديث ابن عباس إن شاء الله - صحة انتقال الإنسان من انفراد إلى إمامة، فكما يصح الانتقال من انفراد إلى إمامة يصح الانتقال من انفراد إلى ائتمام ولا فرق.
وهذا الراجح.
• انتقال المنفرد إلى إمامة.
مثاله: رجُلٌ ابتدأ الصَّلاة منفرداً، ثم حضر شخصٌ أو أكثر فدخلوا وصلوا معه، فصار إماماً لهم، (فانتقل من انفراد إلى إمامة).
الصحيح أنه جائز في الفرض والنفل.
стр. 428
لحديث ابْن عَبَّاسٍ قَالَ (بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة) متفق عليه.
فانتقل النبي ﷺ هنا من انفراد إلى إمامة.
فإن قيل: هذا في النفل؟
فالجواب: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
(وإن انفرد مؤتمٌ بلا عذرٍ بطلت).
أي: انتقل المصلي من مؤتم إلى انفراد، فهذا إن كان لعذر جاز، وإن لم يكن عذر لم يجز.
لحديث جَابِر قَالَ (كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا وَاللَّهِ وَلآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلأُخْبِرَنَّهُ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأخبره بذلك، فَقَال ﷺ : يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا، اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) متفق عليه.
وجه الدلالة: قال ابن قدامة: لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ
• وَالْأَعْذَارُ الَّتِي يَخْرُجُ لِأَجْلِهَا، مِثْلُ الْمَشَقَّةِ بِتَطْوِيلِ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَرَضِ، أَوْ خَشْيَةِ غَلَبَةِ النُّعَاسِ، أَوْ شَيْءٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ مَالٍ أَوْ تَلَفِهِ، أَوْ فَوْتِ رُفْقَتِهِ، أَوْ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّفِّ لَا يَجِدُ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ، وَأَشْبَاهُ هَذَا. (المغني).
стр. 429
من الأعذار: تطويل الإمام تطويلاً زائداً على السُّنَّة، فإنه يجوز للمأموم أن ينفرد، كما في الحديث السابق.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان قَيْئٌ في أثناء الصَّلاة؛ لا يستطيع أن يبقى حتى يكمل الإمام؛ فيخفِّف في الصَّلاة وينصرف.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان غازاتٌ «رياح في بطنه» يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه فينفرد ويخفِّف وينصرف.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ عليه احتباسُ البول أو الغائط فيُحصر ببول أو غائط.
(وتبطل صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاة إمامهِ فلا استخلاف).
أنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم، وأنه لا يجوز ولا يصح للإمام أن يستخلف، وهذا معنى قوله (فلا استخلاف).
والاستخلاف هو أن ينيب الإمام رجلاً من الجماعة ليكمل الصلاة بالباقين
فعند الحنابلة إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم ولا يصح ولا يجوز أن يستخلف.
قالوا لارتباط صلاة الإمام بالمأموم فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم.
وذهب بعض العلماء: إلى عدم بطلان صلاة المأمومين ببطلان صلاة الإمام.
وهذا القول هو الصحيح: سواء كان بطلان صلاته أثناء الصلاة أو لم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة.
قال العثيمين: والصحيح في هذه المسألة: أنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ بكُلِّ حالٍ، إلا مَن عَلِمَ أنَّ الإِمامَ مُحدِثٌ، وذلك لأنهم كانوا جاهلين، فهم معذورون بالجهلِ، وليس بوسعِهم ولا بواجبٍ عليهم أن يسألوا إمامَهم: هل أنت على وُضُوءٍ أم لا؟ وهل عليك جنابةٌ أم لا؟ فإذا كان هذا لا يلزمُهم وصَلَّى بهم وهو يعلم أنه مُحدثٌ، فكيف تَبطلُ صلاتُهم؟!! وههنا قاعدةٌ مهمَّةٌ جداً وهي: «أنَّ مَن فَعَلَ شيئاً على وَجْهٍ صحيحٍ بمقتضى الدَّليلِ الشَّرعي، فإنَّه لا يمكن إبطالُه إلا بدليلٍ شرعيٍّ»، لأننا لو أبطلنا ما قامَ الدليلُ على صحَّتِهِ لكان في هذا قولٌ بلا عِلْمٍ على الشرعِ، وإعنات للمكلف ومشقَّةٌ عليه، فهم فعلوا ما أُمِرُوا به مِن الاقتداء بهذا الإِمامِ، وما لم يكلَّفوا به فإنَّه لا يلزمهم حُكمه. اهـ
стр. 430
وقال السعدي: الذي نختار أن المأموم المعذور الذي لا يعلم حدث إمامه ولا نجاسته، أن صلاته صحيحة ولو كان الإمام عالماً بحدث نفسه ونجاسته، لأن لكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، والمأموم لم يحصل له من مبطلات الصلاة ومفسداتها شيء، فكيف يحكم ببطلان صلاته؟! اهـ
أ- قال ﷺ في الصلاة خلف أئمة الجور (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) رواه البخاري.
قال الإمام البغوي: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم وكان جنباً أو محدثاً، فإن صلاة القوم صحيحة، وعلى الإمام الإعادة،
سواء كان عالماً بحدثه متعمداً الإمامة، أو كان جاهلاً.
وقال ابن المنذر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت، فسدت صلاة من خلفه.
وقال ابن تيمية معلقاً على الحديث السابق: فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَخْطَأَ كَانَ دَرْكُ خَطَئِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَأْمُومِينَ. فَمَنْ صَلَّى مُعْتَقِدًا طَهَارَتَهُ وَكَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَقُلْنَا عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا يُعِيدُ مِنْ الْحَدَثِ: فَهَذَا الْإِمَامُ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ خَطَؤُهُ عَلَيْهِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ. وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلَهُمْ هَذِهِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَطَئِهِ شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَهَذَا نَصٌّ فِي إجْزَاءِ صَلَاتِهِمْ.
ب- ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفة حدث الإمام فكان معذوراً في الاقتداء به، لأنه لم يكلف علم ما غاب عنه من أمره، وإذا صح اقتداؤه صحت صلاته فلا يعيدها.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ مُحْدِثًا، أَوْ جُنُبًا، غَيْرَ عَالِمٍ بِحَدَثِهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
لإجماع الصَّحَابَةِ ﵃.
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرُفِ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا.
стр. 431
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعَ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْغَدَاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا. رَوَاهُ كُلَّهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا. (المغني).
وكذلك على القول الراجح لو أحدث الإمام في أثناء الصلاة، فصلاة المأمومين صحيحة، ويخرج الإمام ويقدم من يكمل بهم.
• هناك أحوال تبطل بها صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، فمن ذلك:
• إذا بطلت صلاة الإمام بسبب ظاهر واضح لا يخفى عادة على المأمومين واستمروا على متابعته في الصلاة، والاقتداء به، كما لو ترك استقبال القبلة وستر العورة، أو ترك تكبيرة الإحرام، أو ترك قراءة الفاتحة في صلاة جهرية.
قال ابن قدامة: إذَا اخْتَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، كَالسِّتَارَةِ [ستر العورة] وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ " انتهى.
• وتبطل صلاة الإمام والمأموم إذا مر بين الإمام وبين سترته ما يقطع الصلاة كالمرأة والحمار والكلب الأسود، فإذا مرت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاته وبطلت صلاة المأمومين جميعا؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لقوله ﷺ : (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؟
فأجاب: لا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؛ لأن صلاة المأموم صحيحة، والأصل بقاء الصحة، ولا يمكن أن تبطل إلا بدليل صحيح، فالإمام بطلت صلاته بمقتضى الدليل الصحيح، ولكن المأموم دخل بأمر الله فلا يمكن أن تفسد صلاته إلا بأمر الله، القاعدة: " أن من دخل في عبادة حسب ما أمر به فإننا لا نبطلها إلا بدليل.
ويستثنى من ذلك ما يقوم به مقام المأموم مثل السترة، فالسترة للإمام سترة لمن خلفه، فإذا مرت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاة الإمام وبطلت صلاة المأموم؛ لأن هذه السترة مشتركة، ولهذا لا نأمر المأموم أن يتخذ سترة، بل لو اتخذ سترة لعد متنطعاً مبتدعا" انتهى
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٢/ ٣٧٢)
стр. 432
(وَتَصِحُّ اَلصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ).
أي: الأصل أن الصلاة تصح في كل موضع من الأرض.
ويدل لذلك حديث جابر في قوله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي … وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وهذا من خصائص هذه الأمة، لأن الأمم السابقة لا تصح صلاتهم إلا في مواضع معينة.
لكن هناك مواضع مستثناة لا تصح بها وهي:
(إِلَّا: فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ).
أي: فلا تصح الصلاة في محل ومكان نجس، وقد سبق أن من شروط الصلاة طهارة ثوب المصلي وبدنه وبقعته.
والدليل على أن الصلاة لا تصح إذا كانت البقعة نجسة:
أ-لقوله تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود).
ب- ولحديث أنس قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه). متفق عليه [بذنوب] الذنوب الدلو المليء بالماء.
• لكن لو حبسَ في مكان نجس؛ فإن صلاته صحيحة، لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة (أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ).
هذا هو الموضع الثاني الذي لا تصح فيه، وهو المقبرة، والمقبرة: موضع دفن الموتى.
стр. 433
والأدلة على عدم صحة الصلاة في المقبرة:
أ-حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق عليه.
ب- ولحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) رواه مسلم.
فإذا نهي عن الصلاة إلى القبور؛ فالنهي عن الصلاة عندها من باب أولى.
ج- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه الترمذي.
د-وعن ابن عمر. أن النبي ﷺ قال (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً) متفق عليه.
قوله (من صلاتكم) المراد النوافل بدليل ما رواه مسلم مرفوعاً (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته).
(ولا تتخذوها قبوراً) أي: كالمقابر لا يُصلى فيها، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة. [فتح الباري].
• الحكمة من النهي عن الصلاة في المقبرة:
سداً للذريعة، ولئلا تتخذ القبور مساجد.
стр. 434
أما قول بعض العلماء: إن العلة هي خشية نجاسة المقبرة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، أو ربما تنبش القبور ويخرج منها صديد الأموات فينجس التراب؟ فهذا تعليل ضعيف، لأمور:
أولاً: أن الأصل عدم نبش القبور.
ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، وهذا يدل على أن العلة تتعلق بخشية تعظيم المقبورين.
ثالثاً: أن صلاة الجنازة تجوز في المقبرة، كما صلى ﵊ على المرأة التي كانت تقم المسجد، وهذا يدل على أن العلة ليست نجاسة الأرض.
رابعاً: أن قبور الأنبياء لا تجوز الصلاة فيها ولا إليها، مع أن الأنبياء أطهار طاهرون أحياء وأمواتاً.
قال ابن تيمية: وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة في المقبرة نهي عنها من أجل النجاسة؛ لاختلاط تربتها بصديد الموتى، ولحومهم،
وهؤلاء قد يفرقون بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون. والتعليل بهذا ليس مذكورًا في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نَصاً ولا ظاهرًا، وإنما هي علة ظنّوها، والعلة الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف في زمن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إنما هو ما في ذلك من التشبه بالمشركين، وأن تصير ذريعة إلى الشرك، ومعلوم أن النهي لو لم يكن إلا لأجل النجاسة، فمقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يَبْلُون، وتراب قبورهم طاهر، والنجاسة أمام المصلي لا تبطل صلاته.
• اختلف العلماء: هل القبر الواحد يمنع الصلاة أم لابد من ثلاثة فأكثر؟
قيل: إن القبر الواحد والاثنين لا يمنع صحة الصلاة.
وقيل: بل يمنع.
والصحيح أنه يمنع حتى القبر الواحد، لأن المكان قُبرَ فيه فصار الآن مقبرة بالفعل. (الشرح الممتع).
стр. 435
• لو عُيّنت الأرض مقبرة ولم يدفن فيها أحد، فإنه تصح الصلاة فيها لأنه لم يدفن فيها أحد.
• يستثنى من النهي عن الصلاة في المقبرة شيء: الصلاة على القبر، فإنه يجوز.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ - أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْه) متفق عليه.
وقاس على ذلك بعض العلماء فقالوا: يجوز الصلاة على الميت في المقبرة.
(أَوْ حَمَّامٍ).
هذا هو الموضع الثالث الذي لا تصح الصلاة فيه، وهو الحمام، والحمام: هو موضع الاغتسال بالماء الحار، ثم قيل لموضع الاغتسال بأي ماء كان.
لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه الترمذي.
• والعلة من النهي:
قيل: النجاسة.
لأنه ربما يقع فيه شيء من النجاسات.
وقيل: لأنها مأوى الشياطين.
لأن الشيطان يرغب بأماكن كشف العورات. وهذا هو الصحيح.
• ومثل ذلك الحش (وهو مكان قضاء الحاجة) وهو أولى، لأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين.
وإذا نُهي عن الصلاة في الحمام فالنهي عن الصلاة في الحُش (وهو موضع قضاء الحاجة) من باب أولى، وإنما لم يرد النهي عن الصلاة في الحش لأن كل عاقل سمع النبي ﷺ ينهي عن الصلاة في الحمام علم أن الصلاة في الحش أولى بهذا النهي.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولم يرد في الحشوش نص خاص (يعني بالنهي عن الصلاة فيها) لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج إلى دليل.
стр. 436
(أَوْ أَعْطَانِ إِبِلٍ).
هذا هو الموضع الرابع من المواضع التي لا تصح الصلاة فيه، وهو أعطان الإبل.
والأعطان: جمع عَطَن: هي مباركها وما تقيم فيه وتأوي إليه
فأعطان الإبل لا تصح الصلاة فيها.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث جابر بن سمرة: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) رواه مسلم.
ب- ولحديث البراء قال (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا
منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها فإنها بركة) رواه أبو داود.
• العلة من تحريم ذلك:
قيل: لنجاستها.
لكن هذا ليس بصحيح لأمرين:
الأول: لأن الراجح أن أبوال وأرواث الإبل طاهرة.
والثاني: لأن النبي ﷺ قال (صلوا في مرابض الغنم) ولا فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء.
وقيل: لأن كثيراً من الناس يتقون بالإبل إذا بركت فيتبولون، والغالب أن معاطنها يبول الناس فيه.
وهذا ضعيف، لأنه غير مطرد.
وقيل: لأنها مأوى للشياطين، وهذا هو الصحيح.
لقوله ﷺ (لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين).
стр. 437
(أو مغصوب).
هذا هو الموضع الخامس الذي لا تصح الصلاة فيه وهو المغصوب، فمن صلى في أرض مغصوبة لا تصح صلاته.
والمغصوب: كل ما أخذ من مالكه قهراً بغير حق.
وهذا المذهب عند الحنابلة.
أ- لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
قالوا: والصلاة في المكان المغصوب محرّمة، وليست من أمر الإسلام فتكون مردودة غير مقبولة.
ب- أن الصلاة عبادة وقربة إلى الله، وقد أتى بها على وجهٍ منهيّ عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها
وذهب بعض العلماء: إلى صحة الصلاة في الأرض المغصوبة مع الإثم.
وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
أ- لقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وهذا موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء.
ب- إجماع العلماء على صحة الصلاة في الموضع المغصوب وسقوط الفرض بها إذا صلى، ولم ينقل عن أحد من العلماء أنهم أمروا بإعادة الصلاة في الموضع المغصوب، كما أجمع السلف على عدم أمر الظلمة بإعادة الصلاة إذا صلوا بالدور المغصوبة، فدل ذلك على إجماع السلف على صحتها فلا تعاد.
ج- أن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة، بل لأمر خارج عنها.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: (والقول في المسألة أنها تصح في المكان المغصوب مع الإثم، لأنهم يقولون: إن الصلاة لم ينه عنها في المكان المغصوب، بل نهي عن الغصب، والغصب أمر خارج … وهذا هو القول الصحيح). والله أعلم
والراجح -وقد سبقت المسألة- أن الصلاة في مكان مغصوب أو ثوب مغصوب صحيحة، لأن تحريمها لأمر خارج عن الصلاة.
стр. 438
(وتصح الصلاة إليها).
أي: وتصح الصلاة إلى هذه الأماكن.
لعموم (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وإن كان الأولى والأفضل عدم الصلاة إلى الحش والحمام، لأن المصلي قد يتأذى من الرائحة الكريهة.
• أما الصلاة إلى المقبرة فالصحيح أنها حرام ولا تجوز.
أ-لحديث أبي مرثد السابق (لَا تُصَلُّوا إِلَى اَلْقُبُور).
ب- ولأن العلة من منع الصلاة في المقبرة موجودة في الصلاة إلى القبر.
• أما الصلاة في أسطحتها، فالصحيح أيضاً أنه يصح ذلك لعموم (لعموم (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
فتصح فوق سطح الحش، وفوق سطح الحمام، وفوق سطح أعطان الإبل … الخ، ما عدا المقبرة، فلا يصح فوف سطحها، لأن العلة من تحريم ذلك سد ذريعة الشرك.
(ولا تصح الفريضة في الكعبة).
وهذا المذهب.
وهو قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح.
أ- لقوله تعالى (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).
وجه الدلالة: قالوا: إن المصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها.
ب- أن النبي ﷺ إنما صلى في جوف الكعبة النافلة، وقال عقب الصلاة خراج البيت وهو يشير إلى الكعبة: هذه القبلة.
لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها، لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض.
ج - ولحديث ابن عمر. قال (نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة) رواه الترمذي وهو ضعيف.
стр. 439
وجه الدلالة: أن النهي عن الصلاة فوق الكعبة تنبيهاً على النهي عن الصلاة فيها، لأنهما سواء في المعنى.
د- أن لمصلي في جوف الكعبة يستدبر منها ما يصلح أن يكون قبلة مع قدرته على عدم استدباره.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه تصح الفريضة في الكعبة.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي.
لحديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه ركعتين) متفق عليه.
قالوا: وما ثبت في حق النفل ثبت في الفرض إلا بدليل تخصيص أحدهما دون الآخر.
قال ابن عبد البر: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى فيها ركعتين، وهو المبين عن الله مراده، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة جازت فيه صلاة الفريضة قياساً ونظراً، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له.
وهذا القول هو الصحيح.
• أما النافلة فتصح في الكعبة.
قال ابن قدامة: وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافاً، لأن النبي ﷺ صلى في البيت ركعتين.
فائدة:
لم يثبت أن النبي ﷺ دخل البيت في الحج، ولا هو من سنن الحج، وجعْل الدخول بالبيت من سنن الحج غلط.
الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل البيت يوم فتح مكة، وقد قال ابن عباس: (يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء). رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.
وجاء عند البخاري معلقاً: (وكان ابن عمر يحج كثيراً ولا يدخل).
стр. 440
آداب المشي إلى الصلاة
(يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهَا ماشياً).
أي: يستحب الإتيان إلى المسجد ماشياً على الأقدام مقارباً بين خطاه.
وقد ورد الأجر العظيم في المشي إلى المسجد:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ). رواه مسلم
وعنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ) رواه مسلم.
ج- وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ) رواه مسلم.
فانظر أخي المسلم إلى هذا الثواب العظيم من الرب الكريم، حيث دل الحديث على إثبات الأجر في الخطا في الرجوع من الصلاة كما في الذهاب إليها، ولهذا آثر هذا الصحابي ﵁ المشي على قدميه مع بعد داره عن المسجد.
د- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) رواه مسلم.
هـ- وعَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود.
стр. 441
قال في دليل الفاتحين: الظُّلَم: جمع ظلمة، وهي تعم ظلمة العشاء والفجر. وفي الحديث: فضل المشي إلى الصلاة سواء كان المشي طويلاً أو قصيراً، وفضل المشي إليها للجماعات في ظلم الليل " انتهى.
وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ صَلَاةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بضْعاً وعِشْرينَ دَرَجَةً، وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دخل الْمَسْجِدَ كانَ في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ التي تحبِسُه) متفق عليه.
ب- وعن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ (من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب له حسنة ذاهباً وراجعاً) رواه أحمد.
ج-وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (كل سلامى من الناس عليه صدقة، … وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة) متفق عليه.
فهذه الأحاديث وغيرها فيها حث للمسلم على أن يجتهد في إتيان المسجد ماشياً لا راكباً ولو كانت داره بعيدة، ما لم تكن مشقة أو عذر ككبر ونحوه، وألا يعوَّد نفسه ركوب السيارة، إذا كان المسجد تصله القدم بلا مشقة.
• ضابط مقاربة الخطا، أن يمشي على العادة دون تكلف، فالمقاربة المقصودة هي المشي الموافق للعادة دون تكلف.
• قوله في حديث أبي هريرة ( … لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ) ظاهر هذا الحديث أن الخطوة توجب شيئين اثنين: رفعة الدرجة وحط الخطيئة.
لكن جاء في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِىَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَة).
стр. 442
وفيه أيضاً من حديث عائشة أن الرسول ﷺ قال ( .. إلا كتب له بها حسنة أو حُط عنه بها خطيئة).
وهذه الأحاديث فيها إشكال:
الجمع بينها هو ما استظهر ابن حجر: أن العبد إذا خطا خطوة، إما أن تكون عليه خطيئة أو لا تكون عليه خطيئة، فإذا كانت عليه خطيئة محيت تلك الخطيئة، وإن لم تكن عليه خطيئة كتب له بها حسنة توجب رفعة درجة.
قال ابن رجب: والمشيُ إِلَى المسجد أفضل من الركوب كما تقدّم في حديث أوس في الجُمُعة، ولهذا جاء في حديث معاذ ذكرُ المشي عَلَى
الأقدام، وكان النبي ﷺ لا يخرجُ إِلَى الصلاة إلا ماشيًا حتى العيد يخرج إِلَى المُصلَّى ماشيًا، فإن الآتي للمسجد زائر الله، والزيارة عَلَى الأقدام أقربُ إِلَى الخضوع والتذلل كما قيل:
لو جئتكم زائرًا أسعى عَلَى بصري … لم أدِّ حفًّا وأي الحق أديت؟!
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (من غدا إِلَى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح).
والنزل: هو ما يعد للزائر عند قدومه.
وكلما شقَّ المشي إِلَى المسجد كان أفضل، ولهذا فضل المشي إِلَى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعدل بقيام الليل كله كما في "صحيح مسلم عن عثمان عن النبي ﷺ قال (من صلّى العشاء في جماعة فكأنَّما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (أثقل صلاة عَلَى المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
وإنما ثقلت هاتان الصلاتان عَلَى المنافقين لأنّ المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه الناس كما قال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
стр. 443
وصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمة، فلا ينشط للمشي إليهما إلا كل مخلصٍ يكتفي برؤية الله وحده لعلمه به.
وثواب المشي إِلَى المساجد في الظلم: النور التام في ظلم القيامة كما في سنن أبي داود والترمذي عن بريدة عن النبي ﷺ قال (بشر المشائين في الظلم إِلَى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
حديث أوس بن أوس هو. قوله ﷺ (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا).
(بِسَكِينَةٍ وَوَقَار).
أي يسن أن يذهب إلى الصلاة بسكينة ووقار.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) متفق عليه.
[السكينة] التأني في الحركات واجتناب العبث [والوقار] في الهيئة؛ كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
• الحكمة في عدم الإسراع:
جاء في صحيح مسلم بيان الحكمة، فقد ذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره ( … فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي أنه في حكم المصلي، فينبغي اعتماد ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
وأيضاً عدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا، وهذا مقصود لذاته، وقد جاءت فيه أحاديث كما تقدم.
• قوله (ولا تسرعوا) نهي عن الإسراع، وهو عام في جميع الأحوال.
فلا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية أو يخاف شيئاً من ذلك، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، لأن النصوص عامة ولم تستثن حالة واحدة.
وبهذا قال جمهور العلماء.
стр. 444
قال ابن رجب: وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الاسراع والهرولة في المشي، ولما في ذلك من كثرة الخطا إلى المساجد. وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الأولى والركعة، فإن خشي فواتها، ورجا بالإسراع إدراكها، فاختلفوا: هل يسرع حينئذ، أم لا؟ فيه قولان.
أحدهما: أنه يسعى لإدراكهما.
وروي عن ابن مسعود، أنه سعى لإدراك التكبيرة.
ونحوه عن ابن عمر، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير.
والقول الثاني: أنه لا يسرع بكل حالٍ.
روي عن أبي ذر، ويزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعطاء.
وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء، وهو قول الثوري.
• قوله (وما فاتكم) فيه دليل على جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهية فيه، وبهذا قال جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين، وقال: إنما يقال لم ندركها. (قاله النووي).
قال النووي: قوله ﷺ في الحديث (إذا سمعتم الإقامة) إِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَة لِلتَّنْبِيهِ بِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ إِتْيَانهَا سَعْيًا فِي حَال الْإِقَامَة مَعَ خَوْفه فَوْت بَعْضهَا فَقَبْل الْإِقَامَة أَوْلَى، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ الْعِلَّة فَقَالَ ﷺ (فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة) وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع أَوْقَات الْإِتْيَان إِلَى الصَّلَاة، وَأَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا آخَر قَالَ: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَحَصَلَ فِيهِ تَنْبِيه وَتَأْكِيد لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْت بَعْض الصَّلَاة، فَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنْ الصَّلَاة مَا فَاتَ، وَبَيَّنَ مَا يُفْعَل فِيمَا فَات. (شرح مسلم).
стр. 445
ويحتمل أن هذا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف الفوت، فأما من بادر في أول الوقت فلا يفعل ذلك، لوثوقه بإدراك أول الصلاة.
قال ابن رجب: قوله (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسعوا) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطاً للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة.
• في الحديث النهي عن الإسراع، فما الجواب عن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)؟
الجواب: أن المراد بالإسراع في الآية المضي والذهاب، يقال: سعيت إلى كذا، أي: ذهبت إليه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى).
• قوله (فما أدركتم فصلوا … ) نستفيد منه أنه ينبغي الدخول مع الإمام ولو لم يدرك إلا قليلاً من الصلاة.
فإذا دخل المصلي المسجد والإمام في الصلاة دخل معه على أي حال كان؛ في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين.
أ-لهذا الحديث (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).
قال الحافظ: استُدِل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها.
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة) رواه أبو داود.
ج-وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَام). رواه الترمذي
وقد نقل ابن حزم ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: واتفقوا أن من جاء والإمام قد مضى من صلاته شيء قلّ أو كثر ولم يبق إلا السلام فإنه مأمور بالدخول معه وموافقته على تلك الحال التي يجده عليها ما لم يجزم بإدراك الجماعة في مسجد آخر.
стр. 446
وقال ابن قدامة: ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه، وإن لم يعتد له به … وذكر بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة. وقال بعضهم: لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له.
• قوله (فأتموا) استدل به من يقول: أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته، وما يقضي هو آخرها.
قال النووي: وبهذا قال الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف.
لقوله (فأتموا … ) ومعنى أتموا: أكملوا، وهذا معناه أن ما أدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته.
فعلى هذا لو أدرك المسبوق مع الإمام الركعة الثانية من صلاة المغرب فهذه الركعة تكون هي الثانية للإمام والأولى لهذا المأموم، ثم الثالثة للإمام تكون هي الثانية للمأموم، فإذا سلم الإمام قام هذا المسبوق ليتم صلاته فتكون هذه هي الركعة الثالثة له، فيقرأ فيها بالفاتحة سراً.
وذهب بعض العلماء: إلى أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو آخر صلاته.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لأنه جاء في رواية: (فاقضوا … ) والقضاء لا يكون إلا شيء قد فات.
والراجح الأول.
стр. 447
والجواب عن قوله (فاقضوا):
أ- أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).
ب-وأما رواية (فاقضوا) أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَضَاءِ الْفِعْل لَا الْقَضَاء الْمُصْطَلَح عَلَيْهِ عِنْد الْفُقَهَاء، وَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَال الْقَضَاء بِمَعْنَى الْفِعْل فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَاوَات) وَقَوْله تَعَالَى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ) وَقَوْله تَعَالَى: (فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة) وَيُقَال: قَضَيْت حَقّ فُلَان، وَمَعْنَى الْجَمِيع الْفِعْل. (شرح مسلم للنووي).
(ولا يشبك بين أصابعه).
أي: إذا خرج الإنسان للصلاة فلا يشبك بين أصابعه.
لحديث كَعْبَ بْنَ عُجْرة. أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ) رواه أبو داود.
وتشبيك الأصابع ينقسم إلى أقسام:
أولاً: أن يكون في الصلاة، فهذا مكروه.
لما روي عن كعب بن عجرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله ﷺ بين أصابعه) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
ثانياً: أن يكون في المسجد منتظراً لها.
وهذا أيضاً مكروه.
وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
لأن انتظار الصلاة هو في حكم الصلاة.
لحديث كَعْبَ بْنَ عُجْرة. أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ) رواه أبو داود.
فهذا الحديث دليل على النهي عن تشبيك الأصابع حال المشي إلى المسجد للصلاة؛ لأن هذا العامد إلى المسجد في حكم المصلي.
стр. 448
قال الخطابي ﵀: تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضها في بعض، والاشتباك بهما، وقد يفعله بعض الناس عبثاً، وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم، فيكون ذلك سبباً لانتقاض طهره، فقيل لمن تطهر وخرج متوجهاً إلى الصلاة: لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيءٌ منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي.
ثالثاً: أن يكون بعد الفراغ من الصلاة ولو كان في المسجد.
فهذا لا يكره.
لحديث ذي اليدين:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ- قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا- قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِد ..... ) متفق عليه.
رابعًا: في غير المسجد.
فهو أولى بالإباحة وعدم الكراهة.
لحديث أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ) متفق عليه.
قال ابن حجر عن الجمع بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي: وجمع الإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّد بِمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ أَوْ قَاصِدًا لَهَا، إِذْ مُنْتَظِر الصَّلاةِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية من ذلك، أما الأولان فظاهران، وأما حديث أبي هريرة فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة.
стр. 449
• اختلف في الحكمة في النّهي عن التّشبيك في المسجد.
فقيل: إنّ النّهي عنه لما فيه من العبث.
وقيل: لما فيه من التّشبّه بالشّيطان.
وقيل: لدلالة الشّيطان على ذلك.
وقيل: لأنّه يجلب النّوم، والنّوم من مظانّ الحدث.
ولما نبّه عليه في حديث ابن عمر ﵄ في الّذي يصلّي وهو يشبّك أصابعه: (تلك صلاة المغضوب عليهم)، فكره ذلك لما هو في حكم الصّلاة حتّى لا يقع في المنهيّ عنه، وكراهته في الصّلاة أشد.
(فَإِذَا دَخَلَ اَلْمَسْجِدَ قَالَ الدعاء الوارد في ذلك).
أي: يسن عند دخول المسجد أن يقول الدعاء الوارد في ذلك.
ومما ورد:
أ-عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ - أَوْ عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك) رواه مسلم.
وعند أبي داود (فليسلم على النبي).
ب- وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، قَالَ: أَقَطْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ: ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ) رواه مسلم.
• هذا الدعاء سنة.
• قال الشوكاني: السر في تخصيص الرحمة بالدخول؛ والفضل بالخروج: أن الداخل مشتغل بتحصيل الثواب والقرب إلى جنته، وأما الخارج فساع في تحصيل الرزق الحلال.
• لم يثبت دعاء في الذهاب للمسجد، وأما حديث (اللهم إني أسألك بحق السائلين، وبحق ممشاي … ) فلا يصح.
وأما حديث (اللهم اجعل في قلبي نوراً، ومن خلفي نوراً … ) فالصحيح أنه يقال ضمن الأدعية التي تقال بعد التشهد الأخير وقبل السلام.
стр. 450
(وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُمْنَى لِدِخُوْلِ المَسْجِدِ وَاليُسْرَى لِلخُرُوْجِ مِنْهُ).
أي: ويسن أن يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى للخروج.
وقد سبقت القاعدة: أن ما كان من باب التكريم يكون باليمين، وما كان ضد ذلك يبدأ به بالشمال.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله). متفق عليه
وعن أنس ﵁ قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمين، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى). رواه الحاكم
وقد قال البخاري في صحيحه: باب التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى.
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ).
فاستدل البخاري ﵀ بحديث عائشة، وهو من أمثل الأدلة في استحباب دخول المسجد في الرجل اليمنى.
وأما الأحاديث الصريحة في هذا المعنى فلم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ ، وأقوى ما جاء من المنقول ما علقه البخاري هنا عن ابن عمر (كان إذا دخل المسجد دخل برجله اليمنى وإذا خرج قدم اليسرى) وهذا مما علقه البخاري مجزوماً.
стр. 451
(ولا يجلس حتى يصلي ركعتين).
أي: إذا دخل المصلي المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
وهذه التحية سنة.
لحديث أَبِى قَتَادَةَ السَّلَمِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِس) متفق عليه.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبها.
ونسب لداود الظاهري، ورجحه الشوكاني، والألباني.
أ-للحديث السابق (فليركع) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ب-وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا - ثُمَّ قَالَ - إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) رواه مسلم.
وذهب جماهير العلماء إلى عدم وجوبها.
والصارف عن الوجوب:
أ-حديث الأعرابي لما أخبره النبي ﷺ بأن عليه خمس صلوات، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع)
ب-حديث عبد الله بن بسر (أن رجلاً دخل المسجد والنبي ﷺ يعظ الناس فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت) رواه أبو داود.
ج-حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وهو في الصحيحين.
د-وبقصة الثلاثة الذين جاؤوا والنبي ﷺ في حلقة جالس مع أصحابه (فإن أحدهم جلس في الحلقة، وأما الثاني فجلس خلفهم … ) متفق عليه.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 452
• قوله (قبل أن يجلس) نص على الجلوس، فهو يشمل من دخل المسجد بنية الجلوس فيه، ومن باب أولى من دخل المسجد للنوم.
وأيضاً: ظاهره لا يتناول من لم يرد الجلوس، كمن دخل ماراً بالمسجد، أو دخل ليعمل عملاً وهو واقف.
• قوله (إذا دخل أحدكم المسجد … ) عام يشمل جميع المساجد حتى المسجد الحرام.
لكن يستثنى المسجد الحرام في حالة واحدة: فإن تحيته الطواف لمن أراد أن يطوف، أما إذا دخل المسجد الحرام للصلاة أو لغرض آخر غير الطواف، فإن له تحية المسجد كغيره من المساجد.
فلا يخلو حال الداخل إلى المسجد الحرام من حالين:
الأول: أن يدخله بقصد الطواف، سواء كان للحج أو العمرة أو تطوعاً:
فهذا أول ما يبدأ به الطواف، ولا يشرع له البدء بركعتي تحية المسجد قبل الطواف، إذ لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا أفراد، منهم ابن عقيل من الحنابلة - كما نقله عنه ابن تيمية في "شرح عمدة الفقه" -.
ويستثنى من ذلك ما إذا منع مانعٌ كالزحام الشديد عن البدء بالطواف، فيصلي ركعتين تحية المسجد، وينتظر حتى ينجلي الزحام ليشرع في الطواف.
الثاني: أن يدخله بقصد الصلاة أو الجلوس أو حضور حلق العلم أو الذكر أو قراءة القرآن أو غيرها من العبادات:
فيستحب له أن يصلي ركعتي تحية المسجد؛ لعموم حديث أبي قتادة.
وأما ما يرويه الناس من حديث (تحية البيت الطواف) فليس له أصل في كتب السنة، ولم يرو عن النبي ﷺ بإسناد أصلاً، فلا يجوز نسبته إليه.
стр. 453
قال الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (رقم/ ١٠١٢): لا أعلم له أصلاً وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب " الهداية " من الحنفية بلفظ (من أتى البيت فليحيه بالطواف)، وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إلى أنه لا أصل له، بقوله (٢/ ٥١): " غريب جدا "، وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر، فقال في "الدراية" (ص ١٩٢): " لم أجده، قلت - أي الشيخ الألباني -: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل إن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضاً، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إلا بعد ثبوته، وهيهات، لا سيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
وإن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحكم إنما هو بالنسبة لغير المحرم، وإلا فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم بالركعتين بعده.
• لو دخل الإنسان المسجد في وقت النهي، هل يصلي هذه التحية أم لا؟
اختلف العلماء في الصلوات ذات السبب (كتحية المسجد، وصلاة الاستخارة، والكسوف) هل تفعل في وقت النهي أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
أ-لعموم الأدلة (لا صلاة بعد الصبح … ).
ب-وحديث عقبة بن عامر (ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ اَلشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ … ).
стр. 454
ففي هذه الحديث النهي عام عن جميع الصلوات، فتدخل ذوات الأسباب في هذا العموم.
القول الثاني: يجوز في أوقات النهي فعل ماله سبب.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية، وابن القيم، والشيخ ابن عثيمين، وابن باز.
أ-لحديث بلال: (أن النبي ﷺ قال له: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة؟ فقال بلال: ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي من أني أتطهر طهوراً من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله) متفق عليه.
فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه.
ب-أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات السبب خاصة، والخاص مقدم على العام.
ج-أن الصلوات ذات السبب مقرونة بسبب فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين، لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لئلا يتشبه المصلي المسلم بالمشركين، فإذا كانت الصلاة لها سبب معلوم، كانت المشابهة بعيدة.
د-وأيضاً جاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال (لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها) رواه مسلم.
وجه الاستدلال: أن النهي جاء عن تحري الصلاة، والتحري هو التعمد وقصد الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يكون إلا في التطوع المطلق، وأما ماله سبب فلم يتحره المصلي بل فعله لأجل سببه، وهذا القول هو الراجح.
• لو دخل المسجد بعد العشاء وصلى الوتر ركعة، فهل تجزئ عن تحية المسجد أم لا؟ الذي عليه جمهور الفقهاء أن التحية لا تسقط بفعل ركعة واحدة.
стр. 455
لأن الحديث نص على ركعتين (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فمفهومه عدم إجزاء الواحدة.
قال الحافظ ابن حجر قوله (ركعتين) هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين.
• لو جاء الإنسان المسجد والناس يصلون الفريضة فدخل معهم فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد.
• قال الشيخ ابن عثيمين في هل تجزئ صلاة الجنازة عن تحية المسجد: لا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، فلا تجزئه عن تحية المسجد.
• حكم تحية المسجد إذا تكرر دخوله:
قيل: تستحب لكل مرة إذا تكرر دخوله.
قال النووي: وهو الأقوى والأقرب لظاهر الحديث.
وقيل: لا تكرر إذا عاد للمسجد من قرب.
قال الشيخ ابن عثيمين: … أما الذي يخرج من المسجد ويعود عن قرب فلا يصلي تحية المسجد؛ لأنه لم يخرج خروجاً منقطعاً، ولهذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا خرج لبيته لحاجة وهو معتكف ثم عاد أنه كان يصلي ركعتين، وأيضاً فإن هذا الخروج لا يعد خروجاً، بدليل أنه لا يقطع اعتكاف المعتكف، ولو كان خروجه يعتبر مفارقة للمسجد لقطع الاعتكاف به، ولهذا لو خرج شخص من المسجد على نية أنه لن يرجع إلا في وقت الفرض التالي، وبعد أن خطا خطوة رجع إلى المسجد ليتحدث مع شخص آخر ولو بعد نصف دقيقة فهذا يصلي ركعتين؛ لأنه خرج بنية الخروج المنقطع.
• الحكم إذا جلس ولم يصل تحية المسجد وطال جلوسه:
قال الشيخ ابن عثيمين: … وكذلك تحية المسجد إذا جلس الإنسان وطال الجلوس فإنه لا يقضيها لأنها فاتت عن وقتها.
стр. 456
(وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
هذا لفظ حديث عن النبي ﷺ أخرجه مسلم في صحيحه.
أي: إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز للإنسان أن يبدأ بنافلة، لا فرق بين سنة الفجر ولا غيرها.
أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ) رواه مسلم.
وقال الإمام الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا المكتوبة وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّى وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعاً) رواه مسلم.
وفي رواية البخاري (وَقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكار، وأعاده تأكيداً للإنكار.
• الحكمة من عدم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة:
قال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته
بعض مكملات الفريضة فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، قال القاضي: وفيه حكمة أخرى وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والحكمةُ مِن النَّهي هو: أن لا يتشاغلَ الإنسانُ بنافلةٍ يقيمُها وحدَه إلى جَنْبِ فريضةٍ تقيمُها الجماعةُ؛ لأنه يكون حينئذٍ مخالفاً للنَّاسِ مِن وجهين:
الوجه الأول: أنَّهُ في نافلةٍ، والنَّاسُ في فريضةٍ.
الوجه الثاني: أَنَّهُ يُصلِّي وحدَه، والنَّاسُ يصلُّون جماعةً.
стр. 457
• اختلف العلماء في حكم من يصلي النافلة وقد أقيمت الصلاة على أقوال:
القول الأول: أنه يقطعها.
وبه قال الظاهرية، واختاره ابن باز.
أ-لعموم قوله ﷺ (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستدل بعموم قوله (فلا صلاة إلا المكتوبة) لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة،
ب- واستدلوا ببعض الآثار الواردة عن السلف ومنها:
عن بيان بن بشر الأحمسي قال (قيس بن أبي حازم يؤمنا فأقام المؤذن الصلاة، وقد صلى ركعة، قال: فتركها، ثم تقدم فصلى بنا).
وعن مغيرة عن الشعبي قال (إذا كان الرجل قائماً يصلي فسمع الإقامة فليقطع، وقال إبراهيم: يضيف إليها أخرى ولا يقطع).
القول الثاني: يتم النافلة ما لم يخش فوات الجماعة.
وهذا قول الجمهور.
قال النووي: قال المصنف رحمه الله تعالى (وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لأن الجماعة أفضل).
الشرح: هذه المسألة مشهورة عند الأصحاب على التفصيل الذي ذكره المصنف ومراده بقوله (خشي فوات الجماعة) أن تفوت كلها بأن يسلم من صلاته هكذا صرح به الشيخ أبو حامد والشيخ نصر وآخرون والله أعلم. (المجموع).
وقال ابن قدامة: إن أقيمت الصلاة وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها ولم يقطعها لقول الله تعالى (ولا تُبْطِلُوا أَعَمَالَكُم (وإن خشي فوات الجماعة فعلى روايتين إحداهما:
يتمها لذلك.
стр. 458
والثانية يقطعها، لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجراً وأكثر ثواباً مما يفوته بقطع النافلة، لأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده سبعاً وعشرين درجة. (المغني).
أ-استدلوا بقول الله تعالى (ولا تُبْطِلُوا أَعَمَالَكُم)، قالوا: إذا شرع المصلي في النفل يجب عليه صونه عن البطلان لهذه الآية.
ب- كما أنهم استدلوا ببعض الآثار الواردة عن السلف ومنها:
عن فضيل عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أهما يكرهان الصلاة عند الإقامة، وقال إبراهيم: إن كنت قد دخلت في شيء فأتمه.
وعن إبراهيم قال: إذا افتتحت الصلاة تطوعاً وأقيمت الصلاة، فأتم.
وعن ميمون بن مهران قال: إن كبرت بالصلاة تطوعاً قبل أن يكبر بالإقامة فصل ركعتين.
وعن عطاء بن أبي رباح قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة، فإذا خرج الإمام وأنت راكع، فاركع إليها أخرى خفيفة، ثم سلم وفي رواية أخرى عنه: إذا كنت في المسجد فأقيمت الصلاة فلا تركع، إلا أن تكون على وتر فلتشفع.
وأجابوا عن أدلة القول الأول:
أما الحديث فالنفي فيه يحتمل أن يكون للصحة أو إلى الكمال، وهو عندي إلى نفي الصحة أقرب، ولكن قد يتوجه معناه فيكون: لا ابتداء لنافلة بعد إقامة الصلاة، أما من كان في نافلة وقد أيقن أنه سيدرك الصلاة فليتمها خفيفة ويدخل مع الإمام وإلا فليقطعها وبهذا
تجتمع الأدلة.
قال الشيخ ابن عثيمين: والذي يظهر أن قولَه ﷺ (لا صلاة) المراد به ابتداؤها، وأنه يَحرُمُ على الإنسانِ أن يبتدئَ نافلةً بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ، أي: بعدَ الشروعِ فيها؛ لأنَّ الوقت تعيَّنَ لمتابعةِ الإمام .... ثم قال بعد ذلك … وأما ما ورد عن السلف في ذلك فيجاب عليه بأنه معارض بكلامهم الآخر والله تعالى أعلم ..
стр. 459
القول الثالث: يتمها ولا يقطعها.
لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
القول الرابع: أنه إذا كان في أولها قطعها، وإذا في الركعة الثانية أتمها خفيفة.
واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
وقال ﵀: والذي نرى في هذه المسألةِ: أنك إنْ كنتَ في الرَّكعةِ الثانيةِ فأتمَّها خفيفةً، وإنْ كنت في الرَّكعةِ الأولى فاقطعْهَا، ومستندُنا في ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ (مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاة) وهذا الذي صَلَّى ركعةً قبلَ أَنْ تُقامَ الصَّلاةُ يكون أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ سالمة مِن المعارضِ الذي هو إقامةُ الصَّلاةِ، فيكون قد أدرك الصلاةَ بإدراكِه الركعةَ قبلَ النهي فليُتمَّها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى ولو في السَّجدةِ الثانيةِ منها فإنَّه يقطعُها؛ لأنه لم تتمَّ له هذه الصَّلاةُ، ولم تخلصْ له؛ حيث لم يدركْ منها ركعة قبلَ النَّهي عن الصَّلاةِ النافلةِ. وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلَّة.
стр. 460
باب صفة الصلاة
ينبغي للمسلم أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي، فقد جاء في البخاري عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فالحديث دليل على الإقتداء به ﷺ ، وأنه ينبغي أن نصلي مثل ما كان يصلي في الأفعال والأقوال. وقد بيّن النبي ﷺ صفة الصلاة للأمة بالقول، وبالفعل.
(يسن القيام عند قد من إقامتها).
أي: يسن للمأموم أن يقوم إذا قال المقيم (قد) من (قد قامت الصلاة).
وقد جاء في حديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) متفق عليه.
هذا الحديث دليل على أن الإمام إذا لم يدخل إلى المسجد بعد؛ فإن للمأمومين ألا يقوموا حتى يروا الإمام.
جاء في عمدة القاري: قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه، لئلا يطول عليهم القيام؛ لأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه.
وقال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَالنَّهْي عَنْ الْقِيَام قَبْل أَنْ يَرَوْهُ لِئَلَّا يَطُول عَلَيْهِمْ الْقِيَام، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِض لَهُ عَارِض فَيَتَأَخَّر بِسَبَبِه.
следующие страницы →