Полный текст (3 390 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
هذا لفظ حديث عن النبي ﷺ أخرجه مسلم في صحيحه.
أي: إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز للإنسان أن يبدأ بنافلة، لا فرق بين سنة الفجر ولا غيرها.
أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ) رواه مسلم.
وقال الإمام الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا المكتوبة وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّى وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعاً) رواه مسلم.
وفي رواية البخاري (وَقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكار، وأعاده تأكيداً للإنكار.
• الحكمة من عدم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة:
قال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته
بعض مكملات الفريضة فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، قال القاضي: وفيه حكمة أخرى وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والحكمةُ مِن النَّهي هو: أن لا يتشاغلَ الإنسانُ بنافلةٍ يقيمُها وحدَه إلى جَنْبِ فريضةٍ تقيمُها الجماعةُ؛ لأنه يكون حينئذٍ مخالفاً للنَّاسِ مِن وجهين:
الوجه الأول: أنَّهُ في نافلةٍ، والنَّاسُ في فريضةٍ.
الوجه الثاني: أَنَّهُ يُصلِّي وحدَه، والنَّاسُ يصلُّون جماعةً.
стр. 457
• اختلف العلماء في حكم من يصلي النافلة وقد أقيمت الصلاة على أقوال:
القول الأول: أنه يقطعها.
وبه قال الظاهرية، واختاره ابن باز.
أ-لعموم قوله ﷺ (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستدل بعموم قوله (فلا صلاة إلا المكتوبة) لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة،
ب- واستدلوا ببعض الآثار الواردة عن السلف ومنها:
عن بيان بن بشر الأحمسي قال (قيس بن أبي حازم يؤمنا فأقام المؤذن الصلاة، وقد صلى ركعة، قال: فتركها، ثم تقدم فصلى بنا).
وعن مغيرة عن الشعبي قال (إذا كان الرجل قائماً يصلي فسمع الإقامة فليقطع، وقال إبراهيم: يضيف إليها أخرى ولا يقطع).
القول الثاني: يتم النافلة ما لم يخش فوات الجماعة.
وهذا قول الجمهور.
قال النووي: قال المصنف رحمه الله تعالى (وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لأن الجماعة أفضل).
الشرح: هذه المسألة مشهورة عند الأصحاب على التفصيل الذي ذكره المصنف ومراده بقوله (خشي فوات الجماعة) أن تفوت كلها بأن يسلم من صلاته هكذا صرح به الشيخ أبو حامد والشيخ نصر وآخرون والله أعلم. (المجموع).
وقال ابن قدامة: إن أقيمت الصلاة وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها ولم يقطعها لقول الله تعالى (ولا تُبْطِلُوا أَعَمَالَكُم (وإن خشي فوات الجماعة فعلى روايتين إحداهما:
يتمها لذلك.
стр. 458
والثانية يقطعها، لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجراً وأكثر ثواباً مما يفوته بقطع النافلة، لأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده سبعاً وعشرين درجة. (المغني).
أ-استدلوا بقول الله تعالى (ولا تُبْطِلُوا أَعَمَالَكُم)، قالوا: إذا شرع المصلي في النفل يجب عليه صونه عن البطلان لهذه الآية.
ب- كما أنهم استدلوا ببعض الآثار الواردة عن السلف ومنها:
عن فضيل عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أهما يكرهان الصلاة عند الإقامة، وقال إبراهيم: إن كنت قد دخلت في شيء فأتمه.
وعن إبراهيم قال: إذا افتتحت الصلاة تطوعاً وأقيمت الصلاة، فأتم.
وعن ميمون بن مهران قال: إن كبرت بالصلاة تطوعاً قبل أن يكبر بالإقامة فصل ركعتين.
وعن عطاء بن أبي رباح قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة، فإذا خرج الإمام وأنت راكع، فاركع إليها أخرى خفيفة، ثم سلم وفي رواية أخرى عنه: إذا كنت في المسجد فأقيمت الصلاة فلا تركع، إلا أن تكون على وتر فلتشفع.
وأجابوا عن أدلة القول الأول:
أما الحديث فالنفي فيه يحتمل أن يكون للصحة أو إلى الكمال، وهو عندي إلى نفي الصحة أقرب، ولكن قد يتوجه معناه فيكون: لا ابتداء لنافلة بعد إقامة الصلاة، أما من كان في نافلة وقد أيقن أنه سيدرك الصلاة فليتمها خفيفة ويدخل مع الإمام وإلا فليقطعها وبهذا
تجتمع الأدلة.
قال الشيخ ابن عثيمين: والذي يظهر أن قولَه ﷺ (لا صلاة) المراد به ابتداؤها، وأنه يَحرُمُ على الإنسانِ أن يبتدئَ نافلةً بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ، أي: بعدَ الشروعِ فيها؛ لأنَّ الوقت تعيَّنَ لمتابعةِ الإمام .... ثم قال بعد ذلك … وأما ما ورد عن السلف في ذلك فيجاب عليه بأنه معارض بكلامهم الآخر والله تعالى أعلم ..
стр. 459
القول الثالث: يتمها ولا يقطعها.
لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
القول الرابع: أنه إذا كان في أولها قطعها، وإذا في الركعة الثانية أتمها خفيفة.
واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
وقال ﵀: والذي نرى في هذه المسألةِ: أنك إنْ كنتَ في الرَّكعةِ الثانيةِ فأتمَّها خفيفةً، وإنْ كنت في الرَّكعةِ الأولى فاقطعْهَا، ومستندُنا في ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ (مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاة) وهذا الذي صَلَّى ركعةً قبلَ أَنْ تُقامَ الصَّلاةُ يكون أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ سالمة مِن المعارضِ الذي هو إقامةُ الصَّلاةِ، فيكون قد أدرك الصلاةَ بإدراكِه الركعةَ قبلَ النهي فليُتمَّها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى ولو في السَّجدةِ الثانيةِ منها فإنَّه يقطعُها؛ لأنه لم تتمَّ له هذه الصَّلاةُ، ولم تخلصْ له؛ حيث لم يدركْ منها ركعة قبلَ النَّهي عن الصَّلاةِ النافلةِ. وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلَّة.
стр. 460
باب صفة الصلاة
ينبغي للمسلم أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي، فقد جاء في البخاري عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فالحديث دليل على الإقتداء به ﷺ ، وأنه ينبغي أن نصلي مثل ما كان يصلي في الأفعال والأقوال. وقد بيّن النبي ﷺ صفة الصلاة للأمة بالقول، وبالفعل.
(يسن القيام عند قد من إقامتها).
أي: يسن للمأموم أن يقوم إذا قال المقيم (قد) من (قد قامت الصلاة).
وقد جاء في حديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) متفق عليه.
هذا الحديث دليل على أن الإمام إذا لم يدخل إلى المسجد بعد؛ فإن للمأمومين ألا يقوموا حتى يروا الإمام.
جاء في عمدة القاري: قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه، لئلا يطول عليهم القيام؛ لأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه.
وقال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَالنَّهْي عَنْ الْقِيَام قَبْل أَنْ يَرَوْهُ لِئَلَّا يَطُول عَلَيْهِمْ الْقِيَام، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِض لَهُ عَارِض فَيَتَأَخَّر بِسَبَبِه.
стр. 461
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث أَبِي هُرَيْرَة ﵁: (فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافّهمْ قَبْل خُرُوجه).
قال النووي: لَعَلَّهُ كَانَ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَنَحْوهمَا، لِبَيَانِ الْجَوَاز أَوْ لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّ قَوْله ﷺ (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) كَانَ بَعْد ذَلِكَ.
• وأما إذا كان الإمام في المسجد، فقد اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الوقت الذي يقوم فيه المأموم للصلاة على أقوال ذكرها النووي ﵀ في المجموع وهي كما يلي:
القول الأول: يقوم إذا شرع المؤذن في الإقامة، وبه قال عطاء والزهري.
القول الثاني: يقوم إذا قال: حي على الصلاة، وبه قال أبو حنيفة.
القول الثالث: يقوم إذا فرغ المؤذن من الإقامة، وبه قال الشافعي.
القول الرابع: ليس للقيام وقت محدد، بل يجوز للمصلي القيام في أول الإقامة، أو أثناءها، أو آخرها. وبه قال المالكية.
القول الخامس: يسن القيام عند قول المؤذن "قد قامت الصلاة" إن رأى المأموم الإمام، فإن لم يره، فإنه يقوم عند رؤيته لإمامه، وبه قال الإمام أحمد.
وليس هناك دليل واضح من السنة على أحد هذه الأقوال، وإنما هي اجتهادات من الأئمة، حسب ما ظهر لكل منهم.
وعليه، فالأمر في هذا واسع فللمأموم أن يقوم متى شاء في أول الإقامة أو أثنائها … لكن دلت السنة على أن المؤذن إذا أقام الصلاة ولم يدخل الإمام المسجد فإن المأمومين لا يقومون حتى يروه لحديث الباب (إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) وفي رواية لمسلم: (حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ).
قال ابن رشد المالكي: " … فإن صح هذا - أي حديث أبي قتادة المتقدم - وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه، أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل واحد، فحسن". انتهى من الموسوعة الفقهية.
وسئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: هل ورد في السنة وقت محدد للقيام للصلاة عند الإقامة؟
فأجاب: لم ترد السنة محددة لموضع القيام؛ إلا أن النبي ﷺ قال (لا تقوموا حتى تروني) فمتى قام الإنسان في أول الإقامة، أو في أثنائها، أو عند انتهائها فكل ذلك جائز.
стр. 462
(وتسوية الصف).
أي: ويسن تسوية الصف.
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بأمر النبي ﷺ بذلك:
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) متفق عليه.
وفي رواية ( … فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ)، وعند أحمد من حديث أنس بلفظ (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ إِقَامَةَ الصَّف)
وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُم) متفق عليه.
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) متفق عليه.
وعن النُّعْمَان بْنَ بَشِير قال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّى صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّى بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلاً بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُم) رواه مسلم.
وعَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ «اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا) متفق عليه.
وعن أَبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: قال ﷺ (أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ). رواه مسلم وعن أَنَس عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب تسوية الصفوف.
стр. 463
وهذا مذهب ابن حزم، واختاره ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين.
أ- لحديث أنس ( … فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ).
قال ابن حزم: تسوية الصف إذا كان من إقامة الصلاة، فهو فرض، لأن إقامة الصلاة فرض وما كان من الفرض، فهو فرض.
ب- لحديث أنس. قال: قال ﷺ (رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها) رواه أبو داود.
وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ج- ولحديث - النعمان - قال: قال ﷺ (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ).
قال الألباني: فإن هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.
د- ولحديث أبي مسعود السابق قال (كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: اسْتَوُوا .. ).
قال ابن حجر في ترجمة البخاري: (باب إثم من لم يتم الصفوف).
ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله (سووا صفوفكم)، ومن عموم قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي)،
ومن ورود الوعيد على تركه فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن، ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنساً مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وجمهور العلماء: على أنه سنة مؤكدة غير واجب.
لقوله ﷺ : ( … فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) وفي رواية: (من كمال الصلاة).
وجه الدلالة: حيث لم يذكر الحديث أن تسوية الصفوف من أركان الصلاة، ولا من واجباتها، وإنما من تمامها وحسنها، وهذا غايته الاستحباب ليس إلا.
стр. 464
وقد عقّب الحافظ في الفتح على كلام ابن حزم السابق، بقوله: ولا يخفى ما فيه ولا سيما وقد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة، وتمسك ابن بطال بظاهر لفظ حديث أبي هريرة فاستدل به على أن التسوية سنة قال لأن حسن الشيء زيادة على تمامه وأورد عليه رواية من تمام الصلاة.
وردَّ البدر العيني ﵀ دعوى ابن حزم، فقال: قوله (فإنه من حُسن الصلاة) يدل على أنها ليْست بفرضِ، لأن ذلك أمر رائد على نفس الصلاة، ومعنى قوله (من تمام الصلاة) من تمام كمال الصلاة، وهو- أيضاً- أمر زائد، فافهم.
والراجح: الله أعلم.
• إذا لم تسو الصفوف هل تبطل الصلاة؟
قال ابن عثيمين: قد يقال: إنها تبطل، لأنهم تركوا الواجب، ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى.
وقال الحافظ ابن حجر: ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسوِ صحيحة لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة وأفرط بن حزم فجزم بالبطلان. (الفتح).
• قوله ﷺ (فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ). قال العراقي: وقد ذكر العلماء في معنى إقامة الصلاة أمورًا:
أحدها: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا كما هو المطلوب باطنًا.
ثانيها: لئلا يتخللهم الشيطان، فيفسد صلاتهم بالوسوسة كما جاء في ذلك الحديث.
ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة.
رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم.
خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض وكثير من حركاتهم وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. انتهى
стр. 465
• تسوية الصَّفِّ تكون بالتساوي، بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد:
والمعتبر المناكب في أعلى البَدَن، والأكعُب في أسفل البَدَن لا أطراف الأصابع.
وذلك لأن أطراف الأصابع تتفاوت بِتفاوت طول القَدَم، بينما لا تتفاوت الكعوب ولا الأعقاب طولاً.
قال الإمام البخاري: باب إِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ.
وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِه).
وما ذَكَره البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ رواه الإمام أحمد بلفظ: (قال: فرأيت الرجل يُلزق كَعْبه بِكَعْب صَاحِبه) ورواه أبو داود بِنحوه.
فالمعتبر هو الْمُحاذاة بالكَعْب، وهو العظم البارز في جنب القَدَم.
قال ابن عثيمين: وليس التساوي بأطراف الأصابع بل بالأكعب، أكرر ذلك لأني رأيت كثيراً من الناس يجعلون مناط التسوية رؤوس
الأصابع وهذا غلط.
• هناك أمور تستحب في تسوية الصفوف:
أولاً: تسويةَ المحاذاة.
وهذه تقدمت وقد قال بعض العلماء بوجوبها.
ثانياً: التَّراصَّ في الصَّفِّ، وعدم جعل فرج.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا». فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّف) رواه مسلم.
وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (أقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّه) رواه أبوداود.
стр. 466
وعن أَنَس عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) جمع عنق، والمراد به الرقبة. (خلل) الخلل ما يكون بين الاثنين من اتساع عند التزاحم. (الحَذَف) غنم سود صغار حجازية.
قال الكسائي كما في غريب الحديث (١/ ١٦١): التراص أن يلصق بعضهم ببعض حتى لا يكون بينهم خلل، ومنه قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص).
قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّون) واعلمْ أنَّ الصفوفَ في الصلاةِ ممَّا خصَّ اللَّهُ به هذه الأمةَ وشرَّفها به، فإنهم أشَبْهوا بذلك صُفوفَ الملائكةِ في السَّماءِ، كما أخبر اللَهُ عنهم أنَّه قالوا: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ)، وأقْسَمَ بالصافّاتِ صفًّا، وهُم الملائكة.
وفي "صحيح مسلم عنِ حذيفةَ عن النبيِّ ﷺ قال (فُضلنا على الناسِ بثلاثٍ: جُعلت صُفوفُنا كصفوفِ الملائكة … ).
وفيه - أيضًا - عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: خرَجَ علينا رسول اللَّهِ ﷺ فقال (ألا تصفون كما تصفُّ الملائكةُ عِندَ ربِّها؟ فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تصفُّ الملائكةُ عِندَ ربِّها؟ قال: يُتمُّون الصفوفَ الأولَى، ويتراصُّون في الصف).
ولكن المراد بالتَّراصِّ أن لا يَدَعُوا فُرَجاً للشياطين، وليس المراد بالتَّراص التَّزاحم؛ لأن هناك فَرْقاً بين التَّراصِّ والتَّزاحم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقول: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب … ولا تذروا فُرُجَات للشيطان، أي: لا يكون بينكم فُرَج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطِين يدخلون بين الصُّفوفِ كأولاد الضأن الصِّغارِ؛ من أجل أن يُشوِّشوا على المصلين صلاتَهم.
стр. 467
ثالثاً: إكمالَ الأول فالأول.
فلا يُشرع في الصَّفِّ الثاني حتى يَكمُلَ الصَّفُّ الأول، ولا يُشرع في الثالث حتى يَكمُلَ الثاني وهكذا.
أ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ (أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِى يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّر) وعنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا». فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ) رواه مسلم.
قال النووي: وَمَعْنَى إِتْمَام الصُّفُوف الْأَوَّل أَنْ يَتِمّ الْأَوَّل وَلَا يَشْرَع فِي الثَّانِي حَتَّى يَتِمّ الْأَوَّل، وَلَا فِي الثَّالِث حَتَّى يَتِمّ الثَّانِي، وَلَا فِي الرَّابِع حَتَّى يَتِمّ الثَّالِث، وَهَكَذَا إِلَى آخِره.
رابعاً: التقاربُ فيما بينها، وفيما بينها وبين الإِمام؛ لأنهم جماعةٌ.
للحديث السابق (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا).
يعني اجعلوا صفوفكم يقترب بعضها من بعض
والجماعةُ مأخوذةٌ مِن الاجتماع: ولا اجتماع كامل مع التباعد، فكلما قَرُبَت الصُّفوفُ بعضها إلى بعض، وقَرُبَت إلى الإِمام كان أفضل وأجمل.
وحَدُّ القُرب: أن يكون بينهما مقدار ما يَسَعُ للسُّجودِ وزيادة يسيرة.
стр. 468
خامساً: أن يدنوَ الإِنسانُ مِن الإِمامِ.
لقول النبي ﷺ (لِيَلِينِي منكم أولُو الأحْلامِ والنُّهَى).
• هل يمين الصف أفضل من اليسار؟
نعم، أيمن الصَّفِّ أفضل مِن أيسره، ولكن ليس على سبيل الإِطلاق؛ كما في الصَّفِّ الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإِطلاق، كما في الصف الأول؛ لقال الرَّسولُ ﵇: (أتمُّوا الأيمن فالأيمن) كما قال: (أتمُّوا الصَّفَّ الأول، ثم الذي يليه). وإنما يكون يمين الصف أفضل من يساره إذا تساوى اليمينُ واليسار أو تقاربا، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة؛ وجاء الحادي عشر؛ نقول: اذهبْ إلى اليمين؛ لأنَّ اليمين أفضلُ مع التَّساوي، أو التقارب أيضاً؛ بحيث لا يظهر التفاوتُ بين يمين الصَّفِّ ويسارِه، أما مع التَّباعد فلا شكَّ أنَّ اليسار القريبَ أفضل من اليمين البعيد. ويدلُّ لذلك: أنَّ المشروع في أول الأمر للجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإِمام بينهما، أي: بين الاثنين. وهذا يدلُّ على أن اليمينَ ليس أفضلَ مطلقاً؛ لأنه لو كان أفضلَ مطلقاً؛ لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمينِ الإِمامِ، ولكن كان المشروعُ أن يكون واحداً عن اليمين وواحداً عن اليسار حتى يتوسَّط الإِمام، ولا يحصُل حَيْفٌ وجَنَفٌ في أحد الطرفين.
• هل تؤخر صفوف الصبيان بحيث تلي صفوف الرجال؟
يرى بعض العلماء ذلك، وأن ذلك من تسوية الصفوف.
لحديث أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ فَذَكَرَ صَلَاتَهُ … ) رواه أبوداود، ولكنه حديث ضعيف.
وذهب بعض العلماء: إلى وقوف الصبيان مع الرجال، وأن من سبق من الصبيان إلى مكان فلا يؤخر.
ورجحه الشيخ ابن باز وابن عثيمين.
стр. 469
قال ابن عثيمين: يرى بعض العلماء أن الأولى بالصبيان أن يصفوا وراء الرجال، ولكن هذا القول فيه نظر، والأصح أنهم إذا تقدموا لا يجوز تأخيرهم، فإذا سبقوا إلى الصف الأول أو إلى الصف الثاني فلا يقيمهم من جاء بعدهم، لأنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم فلم يجز تأخيرهم لعموم الأحاديث في ذلك، لأن في تأخيرهم تنفيراً لهم من الصلاة، ومن المسابقة إليها فلا يليق ذلك.
وقال ﵀: وهذا الذي ذكرنا في تقديم الرِّجالِ، ثم الصبيان، ثم النساء، إنَّما هو في ابتداءِ الأمرِ، أما إذا سَبَقَ المفضولُ إلى المكان الفاضلِ؛ بأنْ جاءَ الصَّبيُّ مبكِّراً وتقدَّمَ وصار في الصَّفِّ الأولِ، فإن القولَ الرَّاجحَ الذي اختاره بعضُ أهلِ العِلم ـ ومنهم جَدُّ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية، وهو مَجْدُ الدِّين عبد السلام ـ أنه لا يُقامُ المفضولُ مِن مكانِه.
أ- وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ (مَن سَبَقَ إلى ما لم يَسبقْهُ إليه مسلمٌ فهو له) وهذا العمومُ يشمَلُ كلَّ شيءٍ اجتمع استحقاقُ النَّاسِ فيه، فإنَّ مَن سَبَقَ إليه يكون أحقَّ به.
ب- ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مجلِسِه ثم يَجلسُ فيه).
ج- ولأنَّ هذا عدوان عليه.
د- ولأنَّ فيه مفسدةَ تنفيرِ هؤلاء الصبيان بالنسبة للمسجد.
هـ- وكذلك مِن مفاسده أنَّ هذا الصَّبيَّ إذا أخرجه شخصٌ بعينه فإنه لا يزال يَذكرُه بسوءٍ، وكلَّما تذكَّره بسوءٍ حَقَدَ عليه، لأنَّ الصَّغيرَ عادةً لا يَنسى ما فُعِلَ به. (الشرح للممتع).
• قوله (فإني أراكم من ورائي ظهري).
قال الألباني: قوله (أراكم من وراء ظهري) في الحديث معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، و هي رؤيته ﷺ من ورائه، و لكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه ﷺ في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضاً.
стр. 470
• جاء في رواية: (أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: أتموا صفوفكم … ).
دليل على أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة بدعة، لمخالفتها للسنة الصحيحة، لأن الحديث يدل على أن الإمام بعد إقامة الصلاة أمر الناس بتسوية الصف
• قال النووي: فِيهِ الْحَثّ عَلَى تَسْوِيَتهَا، وَفِيهِ جَوَاز الْكَلَام بَيْن الْإِقَامَة وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَمَنَعَهُ بَعْض الْعُلَمَاء، وَالصَّوَاب الْجَوَاز، وَسَوَاء كَانَ الْكَلَام لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة أَوْ لِغَيْرِهَا أَوْ لَا لِمَصْلَحَةٍ.
• على الأئمة أن يسووا بين الصفوف، فعلى الإمام أن يتفقد الصف الذي يليه.
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ).
فائدة: أحاديث ضعيفة في هذا الباب:
إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج.
من عمر مياسر الصف فله أجران.
إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف.
• قوله (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُم) اختلف في معناها.
فقيل: معناه يمسخها ويحولها عن صورها.
وقيل: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، وهذا هو الصحيح.
ويؤيده رواية أبي داود (أو ليخالفن الله بين قلوبكم).
قال النووي: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال تغير وجه فلان على أي ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتغير قلبه علي لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن.
стр. 471
• إذا حصلت فرجة في الصف الأول، ولم يكن في الصف الثاني سوى رجلين، فلا ينبغي لأحدهما أن يتقدم ليصل الصف؛ لئلا يترك أخاه منفرداً وحده خلف الصف.
وقد رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي خلف الصف، فلما انصرف قال له: (استقبل صلاتك [أي: أعدها]، فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، رواه ابن ماجه.
وحيث تعارض أمران: الأمر بسد الفُرَج، والأمر بعدم انفراد المأموم خلف الصف: فالأقرب هنا تقديم الوقوف مع صاحبه في الصف؛ لأنه أقوى الأمرين، وهو أحوط للصلاة، خروجا من خلاف من أبطل صلاة المنفرد خلف الصف.
وفي صورة السؤال: الوقوف مع المصلي الآخر: هو الأصل، فلا يعدل عنه إلا لمعارض أرجح.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في الاختيارات الفقهية (ص ٦٤)
وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة، فأيهما أفضل: وقوفهما جميعا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟
رجح أبو العباس [يعني: ابن تيمية] الاصطفاف مع بقاء الفرجة، لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب. انتهى.
(ويقول: الله أكبر).
أي: أن المصلي يبدأ صلاته بتكبيرة الإحرام: الله أكبر.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة). متفق عليه. [هنيهة] أي قليلاً.
• الحكمة من افتتاح الصلاة بهذا هو تعظيم الله، قال القاضي عياض: "استحضار المصلي عظمته من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه
، ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب ".
• وسميت تكبيرة الإحرام بهذا الاسم: لأنه يحرم على المصلي ما كان حلالاً له قبلها من موانع الصلاة كالأكل والشرب والكلام ونحو ذلك. … (كشاف القناع).
стр. 472
وهي ركن من أركان الصلاة.
أ- لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) متفق عليه.
ب- ولحديث علي ﵁ قال: قال ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير) رواه الترمذي.
قال العيني: قوله (وتَحريمها التكبير) أي: تحريم الصلاة الإتيانُ بالتكبير، كأن المصلي بالتكبير والدخول فيها صار ممنوعًا من الكلام، والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالِها، فقيل للتكبير: تحريمٌ؛ لمنعِه المصلي من ذلك؛ ولهذا سُمِّيَت تكبيرة الإحرام؛ أي الإحرام بالصلاة، وبهذا استدلَّ علماؤنا على فرضيَّة تكبيرة الإحرام.
قال النووي ﵀: فتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها.
هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال ابن المنذر: ولم يقل به غير الزهري.
ثم قال: قد ذكرنا أن تكبيرة الإحرام لا تصح الصلاة إلا بها، فلو تركها الإمام أو المأموم سهوا أو عمدا لم تنعقد صلاته، ولا تجزئ عنها تكبيرة الركوع ولا غيرها، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود والجمهور. (المجموع).
• لا يجزئ للمصلي أن يكبر بغير لفظ: الله أكبر، فلا بد من لفظ: الله أكبر.
وهذا مذهب الجمهور.
لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يُتوقف فيها على ما ورد به النص ولا يجوز إبدالها بغيرها.
قال ابن قدامة: ولنا أن النبي ﷺ قال: تحريمها التكبير.
وقال للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر.
стр. 473
وفي حديث رفاعة: أن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر.
وكان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بقوله: الله أكبر.
ولم ينقل عنه عدول عن ذلك حتى فارق الدنيا، وهذا يدل على أنه لا يجوز العدول عنه. (المغني).
• ورد فيمن أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام جملة من النصوص والآثار.
ومن ذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) رواه الترمذي.
وهذا الحديث يروى موقوفاً على أنس بن مالك ﵁، ومرفوعا إلى النبي ﷺ ، وقد رجح الترمذي والدارقطني وقفه، واختار الشيخ الألباني تحسينه مرفوعاً.
وسواء صح مرفوعاً أو موقوفاً فله حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم لا يقوله أنس ﵁ اجتهاداً من عند نفسه، فالظاهر أنه علم ذلك من النبي ﷺ .
وقد ورد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أحاديث أخرى مرفوعة ولكنها لا تخلو من ضعف.
ينظر: "مجمع الزوائد" (٢/ ١٢٣)، "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٧).
وأما الآثار عن السلف في الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فكثيرة جداً، ومنها:
عن مجاهد قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ لا أعلمه إلا ممن شهد بدراً- قال لابنه: أدركت الصلاة معنا؟ قال: نعم، قال: أدركت التكبيرة الأولى؟ قال: لا. قال: لَمَا فاتك منها خير من مئة ناقة كلها سود العين. (مصنف عبد الرزاق).
وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة. (حلية الأولياء).
стр. 474
وقال وكيع: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريباً من سنتين، فما رأيته يقضي ركعة.
(مسند ابن الجعد).
وعن إبراهيم قال: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه [يعني: لا خير فيه]. (حلية الأولياء).
وقال يحيى بن معين: سمعت وكيعاً، يقول: (من لم يدرك التكبيرة الأولى فلا ترج خيره). (شعب الإيمان).
قال ابن حجر: وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى آثَارٌ كَثِيرَةٌ ". (التلخيص الحبير).
فينبغي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام. … (الإسلام سؤال وجواب).
- للعلماء أقوال: بماذا يدرك المأموم فضل تكبيرة الإحرام؟
الأول: أن المأموم يدرك فضلها بحضوره تكبيرة إحرام إمامه، وتكبيره بعده دون تأخير.
الثاني: أنه يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة.
الثالث: يدركها إذا أدرك الإمام قبل أن ينتهي من قراءة الفاتحة، وهو قول وكيع حيث سئل عن حد التكبيرة الأولى، فقال: ما لم يختم الإمام بفاتحة الكتاب. (طبقات المحدثين" للأصبهاني) (٣/ ٢١٩).
الرابع: أنها تُدرك بإدراك القيام مع الإمام لأنه محل تكبيرة الإحرام.
الخامس: أنها تحصل بإدراك الركوع الأول مع الإمام، وهو مذهب الحنفية.
والقول الأول هو الأقرب، وهو مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وغيرهم.
قال النووي: يستحب المحافظة على إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام، وفيما يدركها به أوجه: أصحها بأن يشهد تكبيرة الإمام ويشتغل عقبها بعقد صلاته، فإن أخر لم يدركها.
وقال ابن رجب: " ونص [الإمام] أحمد فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم بْن الحارث عَلَى أَنَّهُ إذا لَمْ يدرك التكبيرة مَعَ الإمام لَمْ يدرك التكبيرة الأولى.
стр. 475
وقال أيضاً: " وقد قال وكيع: من أدرك آمين مع إمامه فقد أدرك معه فضيلة تكبيرة الإحرام.
وأنكر الإمام أحمد ذلك، وقال: لا تُدرك فضيلة تكبيرة الإحرام إلا بإدراكها مع الإمام ".
وقال ابن مفلح ﵀: قَالَ جَمَاعَةٌ: وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ. "الفروع" لابن مفلح (١/ ٥٢١)
وقال الحجاوي: " وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة، وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه مع حضوره تكبيرة إحرامه". " الإقناع " (١/ ١٥١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: " السنة: إذا كبر الإمام أن تبادر وتكبر حتى تدرك فضل تكبيرة الإحرام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كبر فكبروا) والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، يعني: من حين أن يكبر وينقطع صوته من الراء بقوله: (الله أكبر) فكبر أنت ولا تشتغل لا بدعاء ولا بتسوك ولا بمخاطبة من بجانبك، فإن هذا يفوت عليك إدراك فضل تكبيرة الإحرام. (لقاء الباب المفتوح)
وفي "الملخص الفقهي للشيخ صالح الفوزان: ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام. (الإسلام سؤال وجواب).
- لابد أن يكون تكبير المأموم بعد انتهاء الإمام من التكبير.
قال النووي: قوله (فإِذا كبر، فكبروا) قال النووي: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين:
إِحداهما: أنه لا يكبر قبله، ولا معه، بل بعده، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويًا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف، لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف، لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير.
والثانية: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام، ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير.
стр. 476
• قوله (ويقول: الله أكبر) فيه لابد من النطق بها.
قال ابن هبيرة: واتَّفقوا على أن تكبيرة الإحرام مع فروض الصلاة، وكذلك اتفقوا على أنه لا تصحُّ الصلاة إلا بنطق، وأنه لا يَكفي فيه مجرد النية بالقلب من غير نطق بالتكبير.
• الأخرس ينوي الدخول بالصلاة بقلبه، ولا يلزمه أن يحرك لسانه في أصح القولين، إذ لا منفعة منه.
(رافعاً يديهٍ).
أي: يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام.
وهذا الرفع في هذا الموضع مستحب عند الجميع.
قال النووي: أجمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام.
(لكن قال بعض العلماء بالوجوب، كداود وابن حزم وجماعة).
لحديث اِبْن عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا اِفْتَتَحَ اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ نَحْوُ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ، وَلَكِنْ قَالَ (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ).
ومن المواضع التي يستحب فيها رفع اليدين: عند الركوع وعند الرفع منه.
لحديث ابن عمر السابق، فهو واضح الدلالة على ذلك.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع رفع اليدين فيهما في غير تكبيرة الإحرام.
стр. 477
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ-لحديث البراء بن عازب قال (رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه ثم لم يعد) رواه أبو داود.
وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد اتفق الحفاظ أن قوله (لم يعد) مدرجاً في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد.
والحديث ضعفه: سفيان بن عيينة، والشافعي، والحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والبخاري وغيرهم.
ب- ولحديث ابن مسعود قال (لأصلين لكم صلاة رسول الله ﷺ … فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة) رواه أبو داود.
وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم.
والحديث ضعفه: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والبيهقي، والدارقطني وغيرهم. (المجموع).
ولذلك قال الشوكاني: لكن عارض هذا التحسين والتصحيح قول ابن المبارك: لم يثبت عندي، وقول ابن أبي حاتم: هذا حديث خطأ، وتضعيف أحمد، وتصريح أبي داود بأنه ليس بصحيح، وقول الدار قطني: أنه لم يثبت.
والقول الأول هو الصحيح.
• وهناك موضع رابع يشرع فيه رفع اليدين وهو: عند القيام من التشهد الأول.
واختار هذا القول ابن المنذر، والنووي، والبيهقي، ورجحه ابن تيمية، وهو مذهب أمير المؤمنين في الحديث البخاري.
أ-عَنْ نَافِعٍ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّه ﷺ رواه البخاري.
стр. 478
ب-جاء عند أبي داود من حديث أبي حميد قال (إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح.
ج - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ
ذَلِكَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّر) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
قال النووي: وهذا القول هو الصواب، فقد صح في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يفعله، رواه البخاري، وصح أيضاً من حديث أبي حميد الساعدي، رواه أبو داود، والترمذي بأسانيد صحيحة.
قال ابن دقيق العيد: ثبت الرفع عند القيام من الركعتين.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
لحديث ابن عمر السابق (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا اِفْتَتَحَ اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ).
стр. 479
وجه الدلالة: أنه صريح في رفع اليدين في ثلاثة مواضع فقط وهي: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
والراجح القول الأول.
• رفع اليدين في هذه المواضع سنة من سنن الصلاة.
• اختلف العلماء هل ترفع الأيدي حال السجود أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أنها ترفع.
وهذا القول قول ابن حزم، ورجحه ابن المنذر وجماعة، واختاره الألباني.
لحديث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْه) رواه النسائي.
القول الثاني: لا يستحب.
وهذا مذهب الجماهير.
لحديث ابن عمر (ولا يفعل ذلك في السجود).
وهذا القول هو الصحيح.
وقد قال الحافظ ابن حجر: وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ولا يخلو شيء منها من مقال.
• إلى أين ترفع الأيدي؟
في حديث ابن عمر (إلى حذو منكبيه).
وبهذا قال جمهور العلماء.
وفي حديث مالك: (إلى فروع أذنيه).
وهذا مذهب أبي حنيفة.
وكلا الصفتين من العبادات التي تفعل هذه مرة وهذه مرة.
стр. 480
• الحكمة من رفع اليدين:
قيل: إعظام لله، واتباع لرسوله.
وقيل: استكانة وانقياد.
وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه.
وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على صلاته ومناجاته ربه.
قال النووي: وفي أكثرها نظر.
وقال القرطبي: قيل: فيه أقوال أنسبها مطابقة قوله (الله أكبر) لفعله.
وقال ابن عبد البر: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع واستكانة وابتهال وتعظيم لله واتباع لسنة رسول الله ﷺ .
-هذه السنة تشترك فيها الرجال والنساء ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها، والأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل الدليل عليه.
• متى يكون الرفع، هل يكون قبل التكبير أم معه أم بعده؟
ورد الرفع مع التكبير، وورد قبله، وورد بعده.
ورد قبله، كحديث ابن عمر (رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم كبر).
وورد بعد الرفع، كما في حديث مالك بن الحويرث عند مسلم بلفظ: (كبر ثم رفع يديه).
وورد ما يدل على المقارنة، كحديث ابن عمر: (كان إذا دخل في الصلاة كبر ثم رفع يديه).
стр. 481
• ما حكم نظر المأموم إلى الإمام؟
يجوز إذا كان الإمام معروفاً بعلمه ودينه وتطبيقه للسنة، فإنه ينظر إليه ليقتدي به، لكن بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى الالتفات، كأن يكون الإمام بعيداً، لأن الأصل في الالتفات في الصلاة مكروه.
ومما يدل على الجواز:
عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ (قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ) رواه البخاري.
وقوله ﷺ كما في صلاة الكسوف - (لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وَقَالَ الْمُرَادِيُّ أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ حينما صلى على المنبر أول ما صُنع قال (يَا أُيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) رواه مسلم، وهذا يدل على أنهم ينظرون إليه. (ابن عثيمين).
(ويُسمِع الإمامُ من خلفَه)
أي: على الإمام أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع من خلفه.
أ-لفعل النبي ﷺ .
أ-عنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ (صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رواه البخاري.
وجه الدلالة: فيه التصريح بالجهر بالتكبير من أبي سعيد، وأن النبي ﷺ كان يفعله.
ب- وعن أبي هُرَيْرَةَ قال (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوس) متفق عليه.
وجه الدلالة: فعْله ﷺ للتكبير، ونقل الصحابة له دليل على أنه كان يجهر بذلك.
стр. 482
ج-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ … ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن قوله (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) دليل على الجهر بالتكبير وإلا فكيف يكبر المأموم بعد تكبير الإمام لو كان الإمام يسر بالتكبير.
د-ولأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• أما المأموم فلا يشرع له رفع صوته بالتكبير.
أ-عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ لِيُسْمِعَنا) رواه مسلم.
وكان ذلك في مرض الرسول ﷺ فكان صوته ضعيفا لا يسمعه المصلون، فكان أبو بكر يبلغ الناس تكبير النبي ﷺ ، فلو كان المقتدون به ﵇ يرفعون أصواتهم بالتكبير لما احتاج أبو بكر الصديق ﵁ أن يرفع صوته وحده كي يُسمِع الصحابةَ مِن خلفه.
ب-وقد نهى الرسول ﷺ المصلي أن يجهر بقراءته إذا كان ذلك سيشوش على مصلِّ آخر، فقال (أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَعْلَمْ أَحَدُكُمْ مَا يُنَاجِي رَبَّهُ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ). رواه أحمد
وجهر المأموم بالتكبير يشوش على المصلين، بل قد يتسبب في خطأ بعض المأمومين في الصلاة، حين يدخل أحد المصلين متأخرا فيدخل في الصلاة مع الإمام وهو ساجد، ويجهر بالتكبير فيرفع بعض المأمومين من السجود ظنا منهم أن الإمام هو الذي كبر.
ولذلك قال البهوتي الحنبلي ﵀: يكره جهر مأموم في الصلاة بشيء من أقوالها؛ لأنه يخلط على غيره.
ج- ويدل على ذلك أيضاً: أن الإمام إنما شرع الجهر في حقه حتى يتمكن المأموم من الاقتداء به، أما المأموم فلا حاجة لأن يجهر بالتكبير.
ويدل على ذلك أيضاً: الإجماع العملي من المسلمين في مساجدهم، فلم يزل المسلمون في مساجدهم ينكرون على المأموم إذا رفع صوته بالتكبير أو القراءة.
стр. 483
وأما الإجماع: فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق الأئمة على أنه لا يشرع أن يجهر المأموم بالتكبير، فقال: " لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام لغير حاجة باتفاق الأئمة ".
وقال النووي الشافعي ﵀: أما غير الإمام فالسنة الإسرار بالتكبير سواء المأموم والمنفرد. (المجموع).
• التبليغ خلف الإمام.
تعريف التبليغ: هو إيصال صوت الإمام للمأمومين.
يجوز التبليغ خلف الإمام إذا كان هناك حاجة، كانخفاض صوت الإمام، أو مرضه، أو سعة المسجد وكثرة المصلين.
قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ، بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمَأْمُومُونَ لِيُكَبِّرُوا، فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إسْمَاعُهُمْ، جَهَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ لِيَسْمَعَهُمْ، أَوْ لِيَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ.
وقال النووي: يسن للإمام الجهر بتكبيرات الصلاة كلها وبقوله سمع الله لمن حمده ليعلم المأمومون انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت لمرض وغيره فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره من المأمومين جهراً يسمع الناس وهذا لا خلاف فيه. (المجموع).
والأصل في مشروعية التبليغ خلف الإمام:
أ- عَنْ جَابِرٍ قَالَ (اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ «إِنْ كِدْتُمْ آنِفِاً لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ فَلَا تَفْعَلُوا ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا) رواه مسلم.
ب- عَنْ جَابِرٍ قَالَ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ لِيُسْمِعَنَا) رواه مسلم.
стр. 484
ج- وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ (لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَقُلْتُ مِثْلَهُ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) رواه البخاري.
فهذه الأدلة فيها دلالة واضحة على أنه يجوز التبليغ من أحد المأمومين عند الحاجة إليه، كضعف صوت الإمام، أو كثرة المصلين بحيث لا يبلغهم صوت الإمام، وذلك لأن متابعة الإمام أمر مطلوب شرعاً ولا تحصل عند ضعف صوت الإمام بالتبليغ.
قال ابن تيمية: لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام لغير حاجة باتفاق الأئمة، فإن بلالاً لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم
يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وصوته ضعيف، وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير، فاستدل العلماء بذلك على أنه يشرع التكبير عند الحاجة مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع، وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين، والنزاع في الصحة معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما. غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها، والله أعلم. انتهى.
وقال أيضاً: التبليغ خلف الإمام لغير حاجة بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة، وإنما يجهر بالتكبير الإمام، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون، ولم يكن أحد يبلغ خلف النبي ﷺ ، لكن لما مرض النبي ﷺ ضعف صوته، فكان أبو بكر ﵁ يسمع بالتكبير، وقد اختلف العلماء: هل تبطل صلاة المبلغ؟ على قولين في مذهب مالك، وأحمد وغيرهما ".
стр. 485
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: فإذا احتيج إلى التبليغ لسعة المسجد وكثرة الجماعة أو لضعف صوت الإمام لمرض أو غيره، فإنه يقوم بعض الجماعة بالتبليغ، أما إذا كان الصوت واضحاً للجميع ولا يخفى على أحد في الأطراف، بل علم أن الجميع يسمعه فليس هناك حاجة للتبليغ ولا يشرع. انتهى.
(وغيرُه نفسَه).
أي: وغير الإمام - كالمأموم والمنفرد - يُسمع نفسه، يعني يتكلم بنطق بحيث يسمع نفسه.
• تنبيه: اتفق العلماء على أنه لابد أن يحرك لسانه بالحروف وينطق بها، فلا يجزئه أن ينوي القراءة والأذكار من دون نطق وتلفظ بالحروف، واختلفوا في حكم رفع صوته قليلاً بحيث يسمع نفسه.
فقيل: يجب أن يسمع المصلي نفسه.
وقيل: لا يجب ذلك، بل يجزئه أن يأتي بالحروف ولو لم يسمع نفسه.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀، وهو الراجح.
(ويجعل يديه تحت سرتهِ).
ذهب جماهير العلماء أن السنة في اليدين حال القيام هو الوضع وليس الإرسال.
قال ابن قدامة: أما وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: فمن سنتها في قول كثير من أهل العلم، يروى ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وحكاه ابن المنذر عن مالك
أ- لحديث وائل بَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ اَلْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ اَلْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ). أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة
ب-ولحديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى … ) رواه مسلم.
ج-ولحديث هلب الطائي قال (كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه) رواه الترمذي.
د-ولحديث سهل بن سعد قال (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) رواه البخاري.
стр. 486
وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة الإرسال.
قال الشوكاني: وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلها ولا يضع اليمنى على اليسرى.
لحديث المسيء في صلاته، حيث أن النبي ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته.
والصحيح القول الأول.
والجواب عن حديث المسيء في صلاته أن يقال: بأن النبي ﷺ لم يعلم المسيء في صلاته إلا الأركان والواجبات.
• قوله (تحت سرته) اختلف العلماء: أين يضع المصلي يديه هل على صدره أم تحت سرته في مكان آخر على أقوال:
القول الأول: على صدره.
وهو قول إسحاق وجماعة، ورجحه ابن عثيمين ﵀.
لحديث وائل بن حجر السابق (صَلَّيْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ اَلْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ اَلْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ).
قال الشوكاني: ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور.
قال الألباني: وضعهما على الصدر هو الذي ثبت في السنة، وخلافه إما ضعيف أو لا أصل له " انتهى.
وقال السندي في حاشية ابن ماجة: وَبِالْجُمْلَةِ فَكَمَا صَحَّ أَنَّ الْوَضْع هُوَ السُّنَّة دُون الإِرْسَال ثَبَتَ أَنَّ مَحَلّه الصَّدْر لا غَيْر، وَأَمَّا حَدِيث: (أَنَّ مِنْ السُّنَّة وَضْع الأَكُفّ عَلَى الأَكُفّ فِي الصَّلاة تَحْت السُّرَّة) فَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفه " انتهى.
وقال ابن عثيمين: وذهب آخرون مِن أهل العِلم: إلى أنه يضعهما على الصَّدرِ، وهذا هو أقرب الأقوال.
• لكن هذه الزيادة (على صدره) شاذة.
وأصل الحديث في صحيح مسلم من حديث وائل بن حجر بدون لفظ (على صدره).
وهذه الزيادة تفرد بها مؤمل بن إسماعيل.
стр. 487
تفرد مؤمل به عن الثوري، ومؤمل ليس بالقوي، وقد وصفه الحافظ بأنه صدوق سيئ الحفظ
أيضاً: أن مؤملاً قد خالف جمعاً من الحفاظ عن الثوري، كعبد الرازق، والفريابي، والمخزومي، وغيرهم. تنظر رواياتهم في (المسند الجامع ١٥/ ٦٧٦)، لم يذكر أحد منهم وضعها على الصدر، وإنما هو مطلق الأخذ باليمين على الشمال.
ج/ أنه قد تابع الثوري جماعة من الحفاظ عن عاصم بن كليب يقاربون العشرة، لم يذكر أحد منهم وضعها على الصدر.
فيتبين من تلك الأوجه أن هذه الرواية شاذة، لا يعوّل عليها.
وأصل الحديث في مسلم دون (على صدره) بلفظ (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى).
القول الثاني: تحت السرة.
وهو مذهب أبي حنيفة، وسفيان الثوري.
لقول علي (إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة) رواه أبو داود.
وهذا ضعيف بالاتفاق كما قال النووي.
قال البيهقي: لا يثبت إسناده.
القول الثالث: أنه مخير.
وبه قال الأوزاعي، وابن المنذر.
قال ابن المنذر: لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، فهو مخير.
وهذا القول هو الراجح.
لأنه ثبت أن السنة وضع اليمنى على اليسرى أثناء القيام، ولم يثبت دليل في مكان الوضع، فيكون المصلي مخيراً.
قال الترمذي في (سننه) والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم.
стр. 488
• كيفية وضع اليدين، لها صفتان:
الأولى: وضع كفه اليمنى على كفه اليسرى ورسغها وساعدها.
لحديث وَائِل بْن حُجْرٍ أنه قال (قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ … ) رواه أبو داود.
قال السندي: قوله (الرُّسْغ) هُوَ مَفْصِل بَيْن الْكَفّ وَالسَّاعِد، وَالْمُرَاد أَنَّهُ وَضَعَ بِحَيْثُ صَارَ وَسَط كَفّه الْيُمْنَى عَلَى الرُّسْغ، وَيَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون بَعْضهَا عَلَى الْكَفّ الْيُسْرَى، وَالْبَعْض عَلَى السَّاعِد.
الثانية: أن يقبض باليمنى على كوع اليسرى.
لحديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلاةِ قَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِه) رواه النسائي.
الكوع: هو طرف الزند الذي يلي الإبهام.
• ما الحكمة من هذه الصفة.
قال النووي: قال العلماء: والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث، والله أعلم.
وقال الحافظ: قال العلماء الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع للعبث، وأقرب للخشوع.
(وينظر موضعَ سجودهِ).
أي: يسن للمصلي أن ينظر موضع سجوده.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: يستحب للمصلي أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، قال أحمد - في رواية حنبل -: الخشوع في الصلاة: أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، وروي ذلك عن مسلم بن يسار، وقتادة.
أ- لحديث عائشة (أن النبي ﷺ دخل الكعبة فما جاوز بصره موضع سجوده) رواه الحاكم.
ب-ولأن الله أثنى على المؤمنين ومدحهم بالخشوع في الصلاة، ومن صفات الخاشع أن ينظر إلى موضع سجوده.
قال ابن تيمية: إن خفض البصر من تمام الخشوع.
стр. 489
وذهب بعض العلماء: إلى أنه ينظر أمامه.
وهذا مذهب المالكية.
استدلالاً بقوله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام).
قالوا: إن المصلي مأمور بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وإذا نظر إلى موضع سجوده احتاج إلى نوع من الانحناء، والمنحني إلى موضع سجوده لم يولِ وجهه شطر المسجد الحرام.
والصحيح القول الأول.
فائدة: قال ابن حجر: ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم فيستحب للأمام النظر إلى موضع السجود وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام والله أعلم.
• يستثنى من ذلك:
حال التشهد فإنه ينظر إلى سباحته.
فعن عبد الله بن الزبير (أن النبي ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته).
رواه أبو داود والنسائي واللفظ له - وصححه النووي في " شرح مسلم " فقال: والسنَّة أن لا يجاوزه بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في " سنن أبي داود. (شرح مسلم).
واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف، لقوله تعالى (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ).
وبأن النَّبيَّ ﷺ بعثَ عيناً يوم حُنين، فجعل رسولُ الله ﷺ ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي لينظر إلى هذا العين.
واستثنى بعضُ العلماءِ أيضاً: المُصلِّي، في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قِبْلةُ المصلِّي.
ولكن هذا القول ضعيف؛ فإن النَّظَرَ إلى الكعبة يشغل المُصلِّي بلا شَكٍّ؛ لأنه إذا نَظَرَ إلى الكعبة نَظَرَ إلى النَّاسِ وهم يطوفون فأشغلوه، والصَّحيح أنَّ المسجدَ الحرامَ كغيره؛ ينظر فيه المصلِّي إما إلى موضع سجودِه، أو إلى تلقاءِ وجهه. (الشرح الممتع).
(ثم يقول: دعاء الاستفتاح الوارد).
أي: بعد تكبيرة الإحرام يقول دعاء الاستفتاح.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلِ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "أَقُولُ: اَللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اَللَّهُمَّ نقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى اَلثَّوْبُ اَلْأَبْيَضُ مِنْ اَلدَّنَسِ، اَللَّهُمَّ اِغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
стр. 490
وقد وردت عدة أدعية للاستفتاح:
أ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ثَلَاثًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ) رواه أبو داود.
• وهذا الحديث بعض العلماء ضعفه كأحمد وابن خزيمة، وصححه بعضهم كالعقيلي، وابن حجر، وأحمد شاكر.
لكن:
جاء عن عمر أنه كان يستفتح به يجهر به.
فقد روى مسلم: عَنْ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
وعبدة ابن أبي لبابة لم يدرك عمر.
لكن الطحاوي في شرح معاني الآثار روى الحديث من طريق عمرو بن ميمون الأودي أنه صلى مع عمر بذي الحليفة صلاة الظهر فدعا بهذا الدعاء وجهر به. ورجاله ثقات، وجاء عنه أيضاً عند أبي شيبة والدار قطني والحاكم والبيهقي وإسناده صحيح، وللحديث شواهد تقويه:
أ-جهر عمر.
ب-جاء عند أبي داود مرفوعاً كما تقدم وفيه ضعف.
قال ابن المنذر في الأوسط: وممن روينا عنه أنه كان يقول هذا القول إذا استفتح الصلاة، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود.
وقال ابن رجب: صح هذا (يعني: الاستفتاح بـ سبحانك اللهم وبحمدك) عن عمر وابن مسعود، وروي عن أبي بكر وعثمان.
ب- دعاء:) اَللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ … ) كما تقدم في حديث أبي هريرة.
(إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ) أي: تكبيرة الإحرام. (سَكَتَ) المقصود عدم رفع الصوت بدليل قوله كما جاء في رواية عن أبي هريرة قال: (ما تقول). (هُنَيَّةً) أي قليلاً.
ج- عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) رواه مسلم.
стр. 491
د- (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً) استفتح به رجل من الصحابة، فقال النبي ﷺ : (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء) رواه مسلم.
هـ- (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) استفتح به رجل آخر فقال ﷺ : (لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) رواه مسلم.
و- (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رواه مسلم.
وهذا في صلاة الليل.
فقد قالت عائشة (كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ .... ).
• اختلف العلماء في أفضلها:
فاختار بعض العلماء دعاء: (سبحانك اللهم … ).
قال أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر [سبحانك اللهم وبحمدك … ]، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح لكان حسناً"، قال ابن القيم: وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه:
منها: جهر عمر به يعلمه الصحابة، ومنها: اشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن، وأفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ومنها: أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء.
وقيل: دعاء: اللهم باعد بيني وبين خطاياي.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة ثم حديث علي.
واختار شيخ الإسلام أن العبادة إذا وردت على وجوه متنوعة فالأفضل تفعل هذه مرة وهذه مرة، وفي ذلك فوائد:
اتباعاً للسنة، وحضوراً للقلب، وإحياء السنة، وتأسياً بالنبي ﷺ .
стр. 492
• حكمه: سنة.
قال ابن قدامة: وهو من سنن الصلاة في قول أكثر أهل العلم.
لهذه الأحاديث.
• يقال سراً.
قال ابن قدامة: وعليه عامة أهل العلم لأن النبي ﷺ لم يجهر به.
• يكون في الركعة الأولى فقط.
فائدة: تختلف الركعة الأولى عن الثانية بأمور:
أولاً: الاستفتاح في الركعة الأولى.
ثانياً: تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى.
ثالثاً: التعوذ في الركعة الأولى على القول الراجح.
رابعاً: القراءة في الركعة الأولى أطول من الركعة الثانية.
• دعاء الاستفتاح يكون في الفرض والنفل.
• دعاء الاستفتاح يكون بين التكبير والقراءة.
لقوله (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلِ أَنْ يَقْرَأَ).
• خالف الإمام مالك فقال: إن دعاء الاستفتاح لا يشرع.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين).
والأحاديث ترد عليه.
وأما قول: (يستفتح القراءة … ) أي القراءة الجهرية.
• لا يشرع الجهر بدعاء الاستفتاح:
لقوله (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلِ أَنْ يَقْرَأَ).
• لا يشرع أن يجمع بين أكثر من دعاء من أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة.
стр. 493
• اختلف العلماء: هل يشرع دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة على قولين:
القول الأول: أن دعاء الاستفتاح لا يسن في صلاة الجنازة.
وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
أ-أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه استفتح في صلاة الجنازة.
ب-قالوا: إن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، فناسب ترك الاستفتاح فيها.
قال النووي: وَأَمَّا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، واتفق الأصحاب على أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه، وتركه أفضل أخذاً بقول النبي ﷺ : (أسرعوا بالجنازة).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟
فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف، فإنه لا استفتاح.
القول الثاني: أن دعاء الاستفتاح يسن في صلاة الجنازة.
وهو قول الأحناف.
عللوا: بأنها صلاة، فيستفتح لها، كما يستفتح لسائر الصلوات.
واختار بعض الأحناف - كالطحاوي ﵀ أنه لا استفتاح لها.
والأقرب: عدم مشروعية الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ، ولأنها مبناها على التخفيف، ولهذا لا ركوع فيها ولا سجود، ولا يقرأ فيها سوى الفاتحة.
(ثم يستعيذ).
أي: يسن أن يقول بعد دعاء الاستفتاح (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). (والاستعاذة للقراءة لا للصلاة).
وجمهور العلماء على أنها سنة.
لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
قال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها.
وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها.
стр. 494
ويدل على عدم الوجوب:
أ-حديث أنس قال النبي ﷺ (لقد أنزلت علي سورة آنفاً: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر) رواه مسلم. ولم يذكر الاستعاذة.
ب-ولأن النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة.
[أعوذ بالله] أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي [الشيطان] الشيطان في لغة العرب مشتق من شَطُنَ إذا بَعُدَ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير
ج- جاء في (الموسوعة الفقهية) واحتجّ الجمهور بأنّ الأمر للنّدب، وصرفه عن الوجوب إجماع السّلف على سنّيّته.
• يقولها المصلي سراً.
قال ابن قدامة: يسر الاستعاذة ولا يجهر بها لا أعلم فيه خلافاً.
• اختلف العلماء هل يستعيذ كل ركعة أم يكفي في الركعة الأولى على قولين:
القول الأول: أنه يستعيذ في كل ركعة.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن حزم، وابن تيمية، ومال إليه المرداوي.
أ-لعموم قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
قالوا: إن التعوذ للقراءة فهو تبع لها، فيقتضي تكرير الاستعاذة عند تكرير القراءة، فيكون مشروعاً لكل من يريد القراءة، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء في الركعة الأولى أو في الركعات التي بعدها ب-أنها مشروعة للقراءة فتكرر بتكررها، لحصول الفصل بين القراءتين - الأولى والثانية -.
ب- أنها مشروعة للقراءة فتكرر بتكررها، لحصول الفصل بين القراءتين.
стр. 495
القول الثاني: أنه يكفي في أول ركعة.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ورجحه ابن القيم، والشوكاني.
أ- لحديث أبي هريرة قال (كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح للقراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) رواه مسلم.
قال ابن قدامة: وهذا يدل على أنه لم يكن يستفتح ولا يستعيذ.
ب- قالوا: لأن قراءة الصلاة كلها قراءة واحدة.
ويدل لذلك قوله تعالى (وقرآن الفجر) فجعل الصلاة كلها قرآناً.
ج- القياس على استحباب الترتيب بين سور القرآن في الركعتين، بجامع أن الصلاة جملة واحدة، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة.
قال ابن القيم ﵀: والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر.
وقال الشوكاني: الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى، فالأحوط: الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط. (نيل الأوطار).
وهذا القول هو الراجح.
• وقد اختلف الفقهاء في مكان الاستعاذة في الصلاة:
فقال قوم: تكون بعد القراءة وهو قول ضعيف.
قال ابن كثير: والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها.
وقال الجصَّاص: وقول من قال: الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة: شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان) فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة.
следующие страницы →