← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

د- (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً) استفتح به رجل من الصحابة، فقال النبي ﷺ : (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء) رواه مسلم. هـ- (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) استفتح به رجل آخر فقال ﷺ : (لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) رواه مسلم. و- (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رواه مسلم. وهذا في صلاة الليل. فقد قالت عائشة (كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ .... ). • اختلف العلماء في أفضلها: فاختار بعض العلماء دعاء: (سبحانك اللهم … ). قال أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر [سبحانك اللهم وبحمدك … ]، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح لكان حسناً"، قال ابن القيم: وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه: منها: جهر عمر به يعلمه الصحابة، ومنها: اشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن، وأفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ومنها: أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء. وقيل: دعاء: اللهم باعد بيني وبين خطاياي. قال الشوكاني: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة ثم حديث علي. واختار شيخ الإسلام أن العبادة إذا وردت على وجوه متنوعة فالأفضل تفعل هذه مرة وهذه مرة، وفي ذلك فوائد: اتباعاً للسنة، وحضوراً للقلب، وإحياء السنة، وتأسياً بالنبي ﷺ .

стр. 492

• حكمه: سنة. قال ابن قدامة: وهو من سنن الصلاة في قول أكثر أهل العلم. لهذه الأحاديث. • يقال سراً. قال ابن قدامة: وعليه عامة أهل العلم لأن النبي ﷺ لم يجهر به. • يكون في الركعة الأولى فقط. فائدة: تختلف الركعة الأولى عن الثانية بأمور: أولاً: الاستفتاح في الركعة الأولى. ثانياً: تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى. ثالثاً: التعوذ في الركعة الأولى على القول الراجح. رابعاً: القراءة في الركعة الأولى أطول من الركعة الثانية. • دعاء الاستفتاح يكون في الفرض والنفل. • دعاء الاستفتاح يكون بين التكبير والقراءة. لقوله (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلِ أَنْ يَقْرَأَ). • خالف الإمام مالك فقال: إن دعاء الاستفتاح لا يشرع. لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين). والأحاديث ترد عليه. وأما قول: (يستفتح القراءة … ) أي القراءة الجهرية. • لا يشرع الجهر بدعاء الاستفتاح: لقوله (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلِ أَنْ يَقْرَأَ). • لا يشرع أن يجمع بين أكثر من دعاء من أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة.

стр. 493

• اختلف العلماء: هل يشرع دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة على قولين: القول الأول: أن دعاء الاستفتاح لا يسن في صلاة الجنازة. وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. أ-أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه استفتح في صلاة الجنازة. ب-قالوا: إن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، فناسب ترك الاستفتاح فيها. قال النووي: وَأَمَّا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، واتفق الأصحاب على أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ. وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه، وتركه أفضل أخذاً بقول النبي ﷺ : (أسرعوا بالجنازة). وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟ فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف، فإنه لا استفتاح. القول الثاني: أن دعاء الاستفتاح يسن في صلاة الجنازة. وهو قول الأحناف. عللوا: بأنها صلاة، فيستفتح لها، كما يستفتح لسائر الصلوات. واختار بعض الأحناف - كالطحاوي ﵀ أنه لا استفتاح لها. والأقرب: عدم مشروعية الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ، ولأنها مبناها على التخفيف، ولهذا لا ركوع فيها ولا سجود، ولا يقرأ فيها سوى الفاتحة. (ثم يستعيذ). أي: يسن أن يقول بعد دعاء الاستفتاح (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). (والاستعاذة للقراءة لا للصلاة). وجمهور العلماء على أنها سنة. لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). قال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها. وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها.

стр. 494

ويدل على عدم الوجوب: أ-حديث أنس قال النبي ﷺ (لقد أنزلت علي سورة آنفاً: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر) رواه مسلم. ولم يذكر الاستعاذة. ب-ولأن النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة. [أعوذ بالله] أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي [الشيطان] الشيطان في لغة العرب مشتق من شَطُنَ إذا بَعُدَ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير ج- جاء في (الموسوعة الفقهية) واحتجّ الجمهور بأنّ الأمر للنّدب، وصرفه عن الوجوب إجماع السّلف على سنّيّته. • يقولها المصلي سراً. قال ابن قدامة: يسر الاستعاذة ولا يجهر بها لا أعلم فيه خلافاً. • اختلف العلماء هل يستعيذ كل ركعة أم يكفي في الركعة الأولى على قولين: القول الأول: أنه يستعيذ في كل ركعة. وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن حزم، وابن تيمية، ومال إليه المرداوي. أ-لعموم قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). قالوا: إن التعوذ للقراءة فهو تبع لها، فيقتضي تكرير الاستعاذة عند تكرير القراءة، فيكون مشروعاً لكل من يريد القراءة، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء في الركعة الأولى أو في الركعات التي بعدها ب-أنها مشروعة للقراءة فتكرر بتكررها، لحصول الفصل بين القراءتين - الأولى والثانية -. ب- أنها مشروعة للقراءة فتكرر بتكررها، لحصول الفصل بين القراءتين.

стр. 495

القول الثاني: أنه يكفي في أول ركعة. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورجحه ابن القيم، والشوكاني. أ- لحديث أبي هريرة قال (كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح للقراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) رواه مسلم. قال ابن قدامة: وهذا يدل على أنه لم يكن يستفتح ولا يستعيذ. ب- قالوا: لأن قراءة الصلاة كلها قراءة واحدة. ويدل لذلك قوله تعالى (وقرآن الفجر) فجعل الصلاة كلها قرآناً. ج- القياس على استحباب الترتيب بين سور القرآن في الركعتين، بجامع أن الصلاة جملة واحدة، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة. قال ابن القيم ﵀: والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر. وقال الشوكاني: الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى، فالأحوط: الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط. (نيل الأوطار). وهذا القول هو الراجح. • وقد اختلف الفقهاء في مكان الاستعاذة في الصلاة: فقال قوم: تكون بعد القراءة وهو قول ضعيف. قال ابن كثير: والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها. وقال الجصَّاص: وقول من قال: الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة: شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان) فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة.

стр. 496

• صيغ الاستعاذة. الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ قال القرطبي: هذه الصيغة اختارها أكثر العلماء، لأنها الصيغة التي جاءت بالقرآن. وهو الذي ورد في السنة كما في حديث سليمان بن صُرد قال (استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عند ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، … ) متفق عليه. قال ابن عطية: وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). الصيغة الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى (فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم). الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. كما في حديث أبي سعيد الذي عند أبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك ـ ثم يقول ـ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه). قال ابن كثير: وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ الكبر، والنفث الشعر [الشعر المذموم]. • الحكمة من استعاذة الإنسان قبل القراءة: ذكر ابن القيم عدة أمور: منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذْهِب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثره فيها الشيطان، فأمر أن يطرد مادة الداء يخلو منه القلب ليصادف الدواء محلاً خالياً، فيتمكن منه، ويؤثر فيه.

стр. 497

فيجيء هذا الدواء الشافي إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فيجتمع فيه. ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته، كما في حديث أسيد بن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النبي ﷺ : (تلك الملائكة)، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يُحَصِّلَ خاصته وملائكته، فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين. ومنها: أن الشيطان يُجْلِب على القارئ بخيله ورَجْله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله منه. ومنها: أن القارئ مناجٍ لله تعالى بكلامه، والله تعالى أشد أذَناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته، والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته. ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عند ما يهُمُّ بالخير أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن شيطاناً تفلت علي البارحة، فأراد أن يقطع علي صلاتي)، وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى، كان اعتراض الشيطان له أكثر. (ثم يبسمل سراَ). أي: وبعد أن يستعيذ يسن أن يبسمل يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم]. وهذا قول جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة: (أنه صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى بلغ: ولا الضالين، حتى إذا أتم الصلاة قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله) رواه النسائي.

стр. 498

• قوله (سراً) هذا الأفضل وهو السنة. وهذا المذهب. قال في المغني: ولا يختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون. قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم. وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وعمار وأصحاب الرأي. أ-لحديث أَنَس أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ اَلصَّلَاةِ بِـ (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ (لَا يَذْكُرُونَ: (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ (لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيم). وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ (كَانُوا يُسِرُّونَ). ب-ولحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله ربّ العالمين) رواه مسلم. ج-ولحديث عبد الله بن مغفل (أنه صلى مع ابنه فجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من صلاته قال له أبوه، وهو عبد الله بن مغفل: يا بني، إياك والحدث في الدين، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم يكونوا يجهرون بـ: بسم الله الرحمن الرحيم) رواه الترمذي. د-أن البسملة تقاس على التعوذ، لم يثبت أنه كان ﷺ يتعوذ جهراً، بل قال ابن قدامة: يُسَرُّ التعوذ، لا أعلم فيه خلافاً. وذهب بعض العلماء: إلى استحباب الجهر بها.

стр. 499

وهذا مذهب الشافعي. أ-لحديث نُعَيْم اَلْمُجَمِّرِ ﵁ قَالَ (صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ). ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ اَلْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: (وَلَا اَلضَّالِّينَ)، قَالَ: "آمِينَ" وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ اَلْجُلُوسِ: اَللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. قال ابن حجر: هو أصح حديث ورد في الباب. ونقل النووي في المجموع تصحيحه وثبوته عن الدار قطني، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي. ب-ولحديث ابن عباس قال (كان النبي ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) رواه الحاكم وهو ضعيف. ج-وعن أم سلمة (أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته يقول: بسم الله الرحمن الرحيم - ثم يسكت - الحمد لله رب العالمين) رواه الحاكم. والصحيح القول الأول، لكن لا بأس أن يجهر بها أحياناً. قال ابن القيم: كان يجهر بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، تارة ويخفيها تارة أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات حضراً وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه أهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال.

стр. 500

قال ابن تيمية: المداومة على الجهر بها بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ ، والأحاديث المصرحة في الجهر كلها موضوعة. • الجواب عن حديث نعيْم المجمر عن أبي هريرة: يحتمل أموراً: أ-قيل: أن لفظة (بسم الله الرحمن الرحيم) شاذة. ب-وقيل: إن الحديث ليس صريحاً بالجهر، لأنه قال (قرأ … ) فقد يكون جهر أحياناً، فإن الإمام لا بأس أن يجهر بالقراءة أحياناً. ج-وقيل: أنه لو فرض أنه جهر، فإن هذه ليست عادته الدائمة، وإنما جهر ليعلم الناس شرعيتها بالصلاة، ولهذا أقسم في آخر الحديث أنه أشبه الناس صلاة بصلاة رسول الله ﷺ . فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومع هذا: فالصواب: أن ما لا يُجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة، فيشرع للإمام - أحياناً - لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحياناً، ويسوغ أيضاً أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة، خوفاً من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم؛ لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم، وقال ابن مسعود، لما أكمل الصلاة خلف عثمان وأنكر عليه، فقيل له في ذلك، فقال: " الخلاف شر "؛ ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول؛ مراعاة ائتلاف المأمومين أو لتعريفهم السنَّة وأمثال ذلك.

стр. 501

وقال ﵀ أيضاً - فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس، وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأمَّ بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم: كان قد أحسن. (مجموع الفتاوى). فائدة: اختلف العلماء في البسملة في أول السور هل هي من السورة أم لا على قولين: القول الأول: هي آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة. وهذا مذهب الشافعي. أ-لحديث أَنَسٍ قَالَ (بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَهً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفاً سُورَةٌ». فَقَرَأَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ». ثُمَّ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ». فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبي .. ) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بنزول سورة عليه، ثم ابتدأ بالبسملة، ثم قرأ سورة الكوثر، وهذا يدل على أن البسملة من السورة. ب-ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا قَرَأْتُمْ اَلْفَاتِحَةِ فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَه. ج- ولحديث أم سلمة قالت (كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم (١) الرحمن الرحيم (٢) رواه الدارقطني.

стр. 502

القول الثاني: ليست من الفاتحة ولا من أول سورة بل هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور. وهذا مذهب الحنفية، واختيار ابن تيمية. أ- لحديث أبي هريرة. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِي … ) رواه مسلم. وجه الدلالة: فالرسول ﷺ بدأ بقوله: الحمد لله رب العالمين، دون بسم الله الرحمن الرحيم، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها لا بالحمد. ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إن سورة من القرآن من ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك) رواه الترمذي. وجه الدلالة: فالرسول ﷺ ذكر أن مقدار سورة الملك ثلاثون آية، وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين، وهو خلاف قول الرسول ﷺ . ج- ولحديث أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ (كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّى. فَقَالَ «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ لِي لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ». قَالَ «(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُه) رواه البخاري.

стр. 503

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ افتتح الفاتحة من قول تعالى (الحمد لله رب العالمين) دون البسملة، ولو كانت البسملة منها لابتدأ بها د- ولحديث ابن عباس قال (كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن ابن عباس أخبر أن النبي ﷺ لا يعرف الفصل بين السور إلا بنزول البسملة، وهذا يدل على أنها أنْزلت للفصل. وهذا القول هو الصحيح. فائدة الخلاف: أن من قال أنها آية من أول كل سورة قال بوجوب قراءتها قبل الفاتحة في الصلاة، لأنها إحدى آياتها، ومن لم يقل بأنها آية من أول كل سورة لم يقل بذلك. • ما الجواب عن أدلة القول الأول: أما حديث أنس (بينما رسول الله ﷺ ذات يوم … ). بأنه غبر ظاهر الدلالة، فيمكن حمل بسملة النبي ﷺ فيه بأنه أراد قراءة السورة من أولها، والتسمية مشروعة عند ابتداء السورة بالإجماع. وأما حديث (إِذَا قَرَأْتُمْ اَلْفَاتِحَةِ فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ .... ) فهو حديث ضعيف لا يصح. وأما حديث أم سلمة. فقد ناقشه ابن قدامة من وجهين: الوجه الأول: أنه من رأي أم سلمة ولا ينكر الاختلاف في ذلك. الوجه الثاني: أنها نسلم بأنها آية، ولكنها آية مفردة للفصل بين السور.

стр. 504

فائدة: اتفق العلماء على أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من سورة النمل، وهي قوله تعالى (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم). قال الجصاص: لا خلاف بين المسلمين في أن بسم اللّه الرحمن الرحيم من القرآن في قوله تعالى (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). وقال النووي: وأما البسملة في أثناء سورة النمل (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فقرآن بالإجماع فمن جحد منها حرفاً كفر بالإجماع. (ثم يقرأ الفاتحة). أي: بعد البسملة يقرأ الفاتحة. وسميت الفاتحة بهذا الاسم لأنه افتتح بها القرآن العظيم، ولأنه يفتتح بها الصلاة. • وهي ركن من أركان الصلاة. أ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عن النَّبِيَّ ﷺ أنه قال (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب) متفق عليه. ب-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَام) رواه مسلم. وسيأتي إن شاء الله أنها ركن في حق الإمام والمنفرد والمأموم. ج- وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ (كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ هَذًّا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا). رواه أبو داود.

стр. 505

فلابد من قراءة الفاتحة في الصلاة، فمتى تركها المصلي إماماً أو منفرداً بطلت صلاته. وهذا مذهب جماهير العلماء للأحاديث السابقة. وذهب بعض العلماء: إلى أن الصلاة تصح بدون الفاتحة. وهذا مذهب الحنفية. أ-لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). ب-ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن) متفق عليه. والصحيح قول الجمهور. والجواب عن أدلة الحنفية: أما قوله تعالى (فاقرءوا ما تيسر من القرآن .. ) فهذا عام، وجاء الحديث الذي يأمر بقراءة الفاتحة فخصص. وأما قولهم: أن النبي ﷺ لم يعلمها المسيء في صلاته، نقول: جاء في رواية عند أبي داود (ثم اقرأ بأم القرآن … ). (ويجهرُ الكلٌّ بآمين في الجهرية). أي: المنفرد، والمأموم، والإمام بالجهرية. أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ في قوله (إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا) فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن بتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجاً على الأمة، ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يجهرُ بآمين حتى يَمُدَّ بها صوتَه. وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ ﵃ يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ ﷺ ؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة.

стр. 506

لكن المنفرد إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بآمين، وإن أسرَّ أسرَّ بآمين، ودليل ذلك: أن النبيَّ ﷺ كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين. • والتأمين حكمه سنة لكل مصل، إماماً أو مأموماً. وهذا مذهب الجمهور، وهو قول داود الظاهر، واختيار ابن عبد البر. أ- لحديث وائل بن حُجر قال (سمعت رسول الله ﷺ قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: أمين، ومد بها صوته) هذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود (ورفع بها صوته). قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحافظ: سنده صحيح. ب- لقوله ﷺ (إذا أمن الإمام فأمنوا). وجه الدلالة: ففي هذين الحديثين دلالة صريحة على قول الإمام (آمين) ويجهر بها. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع للإمام أن يؤمن. وهذا مذهب مالك. واستدلوا بقوله ﷺ : (إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين … )، فقوله: (إذا قال الإمام ولا الضالين … ) دليل على أن التأمين للمأموم فقط. لكن هذا القول ضعيف، ويدفعه رواية (إذا أمن الإمام فأمنوا). قال ابن قدامة: وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم وهو عقب قول الإمام ولا الضالين، لأنه موضع تأمين الإمام؛ ليكون تأمين الإمام والمأمومين في وقت واحد موافقا لتأمين الملائكة.

стр. 507

• متى تقال آمين؟ أما الإمام فيقول آمين: بعد قوله: (ولا الضالين)، وكذلك المنفرد. وأما المأموم فاختلفوا. قال بعض العلماء: يقول آمين إذا فرغ الإمام من قول آمين. واستدلوا بظاهر قوله (إذا أمّن الإمام فأمنوا … ). لكن هذا القول ضعيف والصحيح: أنه يقول آمين بعد قول الإمام: ولا الضالين. لأنه جاء في الحديث عن أبي هريرة. قال. قال ﷺ (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين) متفق عليه. ويكون معنى (إذا أمّن) أي بلغ ما يؤمن عليه وهو ولا الضالين. قال النووي: وأما رواية (إذا أمن الإمام فأمنوا) فمعناها: إذا أراد التأمين. • معنى (آمِين) أي: اللهم استجب. (ويقرأ بعدها سورةً). أي: بعد الفاتحة يسن أن يقرأ سورة سورة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي اَلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ اَلْأُولَيَيْنِ - بِفَاتِحَةِ اَلْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا اَلْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ اَلرَّكْعَةَ اَلْأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي اَلْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ اَلْكِتَابِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (وَسُورَتَيْنِ) أي: في الركعتين، في كل ركعة سورة، وقد جاء في البخاري (بفاتحة الكتاب وسورة سورة)، وسميت االسورة سورة، لانفصالها عن أختها، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض سورة، وقيل: لأنها قطعة من القرآن قال في المغني: لا نعلم خلافاً أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. • قوله (يقرأ بعدها سورة) هل يسكت الإمام أم لا؟ فقيل: يسكت بقدر أن يقرأ المأموم الفاتحة. وقيل: يسكت سكتة خفيفة. وهذا القول هو الراجح.

стр. 508

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَةً تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، لَكَانَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. • سئل الشيخ ابن باز ﵀ ﵀: ما حكم سكتة الإمام بعد الفاتحة، وقد سمعت أنها بدعة؟ فأجاب: الثابت في الأحاديث سكتتان: إحداهما: بعد التكبيرة الأولى، وهذه تسمى سكتة الاستفتاح، والثانية: عند آخر القراءة قبل أن يركع الإمام وهي سكتة لطيفة تفصل بين القراءة والركوع. وروي سكتة ثالثة بعد قراءة الفاتحة، ولكن الحديث فيها ضعيف، وليس عليها دليل واضح فالأفضل تركها، أما تسميتها بدعة فلا وجه له؛ لأن الخلاف فيها مشهور بين أهل العلم، ولمن استحبها شبهة فلا ينبغي التشديد فيها، ومن فعلها أخذاً بكلام بعض أهل العلم لما ورد في بعض الأحاديث مما يدل على استحبابها، فلا حرج في ذلك. • الخلاصة: قال بعض العلماء: السكتات المشروعة ثلاثة: ١ - بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة. ٢ - بعد الفاتحة ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة. ٣ - بعد القراءة وقيل الركوع، سكتة يسيرة يرد إليه نفسه. وذهب بعض العلماء: إلى أن السكتات المشروعة سكتتان: ١ - بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة. ٢ - بعد القراءة، وقيل الركوع. وأما السكتة من أجل أن يقرأ المأموم الفاتحة فليست مشروعة. • قوله (سورة) فيه دليل أن يستحب أن تكون السورة كاملة، فقراءة سورة كاملة في الركعة أفضل من قراءة ما يعادلها من سورة أخرى طويلة. لحديث أبي قتادة السابق (بفاتحة الكتاب وسورة سورة).

стр. 509

وقد كره بعض العلماء قراءة مقدار من سورة طويلة. والصحيح أنه لا بأس بذلك. أ- لعموم قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). ب- وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن). ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في راتبة الفجر في الركعة الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ … البقرة) وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … آل عمران) وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. • قوله في الحديث (وَيَقْرَأُ فِي اَلْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ اَلْكِتَابِ) دليل على أنه يقتصر على الفاتحة في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر وثالثة المغرب. • فإن قيل: ما الجواب عن حديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ اَلْأُولَيَيْنِ مِنْ اَلظُّهْرِ قَدْرَ: (الم تَنْزِيلُ) اَلسَّجْدَةِ. وَفِي اَلْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ اَلنِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي اَلْأُولَيَيْنِ مِنْ اَلْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ اَلْأُخْرَيَيْنِ مِنْ اَلظُّهْرِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ اَلظُّهْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فقوله (وَفِي اَلْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ اَلنِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) ومعلوم أن السجدة [٣٠] آية، إذاً ظاهره أنه يقرأ في الركعتين الأخريين مقدار: [١٥] آية، إذاً بقدر سورة الفاتحة ومعها سورة قدر ثمان آيات. فالجواب: أ-بعض العلماء رجح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد، لأنه في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في صحيح مسلم، ولأن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال (حزرنا قيامه) وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره. ب- وبعضهم ذهب إلى أن قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين سنة، وهذا مذهب الشافعي. ج- وبعضهم من جمع بين الحديثين؛ وهو أن الرسول ﷺ يفعل هذا أحياناً ويفعل هذا أحياناً.

стр. 510

وهذا الصحيح لأمرين: أولاً: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين. ثانياً: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب. • قوله (وَيُسْمِعُنَا اَلْآيَةَ أَحْيَانًا) دليل على أنه ينبغي للإمام أن يسمع الآية أحياناً في قراءة الظهر والعصر، لفعل النبي ﷺ . (تكون في الصبحِ من طِوال المفصل). أي: يسن أن يقرأ المصلي في صلاة الصبح بطوال المفصل. والمفصل: يبدأ من (ق) إلى سورة (الناس) وله طوال، وأواسط، وقصار. طواله: من ق - عم. وأواسطه: من عم - الضحى. وقصاره: من الضحى - الناس. وسمي بالمفصل: قال النووي: سمي بذلك لقصر سوره، وقرب انفصال بعضه من بعض. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: أول المفصل من ق إلى آخر القرآن على الصحيح، وسمي مفصلا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح.

стр. 511

• فالسنة في صلاة الصبح أن تكون القراءة بطوال المفصل. قال ابن القيم: أجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل. (حاشية السنن). أ- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ (كَانَ فُلَانٍ يُطِيلُ اَلْأُولَيَيْنِ مِنْ اَلظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ اَلْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي اَلْمَغْرِبِ بِقِصَارِ اَلْمُفَصَّلِ وَفِي اَلْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي اَلصُّبْحِ بِطُولِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءِ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةِ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. ب-ولحديث أبي برزة: ( … وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة). (وفي المغرب من قِصاره). أي: من (الضحى) إلى (الناس). أ- لحديث سليمان بن يسار السابق ( … وَيَقْرَأُ فِي اَلْمَغْرِبِ بِقِصَارِ اَلْمُفَصَّلِ … ). ب- ولحديث رَافِع بْن خَدِيج قال (كُنَّا نُصَلِّى الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِه) متفق عليه لكن يسن أحياناً أن يقرأ فيها من أواسط المفصل وطواله. • فقد ثبت عنه ﷺ أنه قرأ بالطور، وهي من طوال المفصل. عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ (سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي اَلْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. • وثبت عنه أنه قرأ بالمرسلات، وهي من طوال المفصل. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) فَقَالَتْ يَا بُنَىَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) متفق عليه.

стр. 512

• وثبت عنه مرة واحدة أنه قرأ بالأعراف. قال ابن حجر: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان يطيل القراءة في صلاة المغرب إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. قال ابن القيم: أما المداومة على قصار المفصل دائماً فهو من فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال: مالك تقرأ بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين الأعراف. (وفي سائر الصلوات من أوساطهِ). أي: ويقرأ المصلي في باقي الصلوات - كالظهر، والعصر، والعشاء - من أواسط المفصل. صلاة العشاء: أ- حديث سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ ( … وَيَقْرَأُ فِي اَلْمَغْرِبِ بِقِصَارِ اَلْمُفَصَّلِ وَفِي اَلْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي اَلصُّبْحِ بِطُولِهِ). ب- ولحديث جَابِر (أن النبي ﷺ قال لمعاذ لما طوّل في صلاة العشاء: أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى. وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) متفق عليه. صلاة العصر: يقرأ فيها بأواسط المفصل. وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة. لحديث جابر بن سمرة (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر (والسماء والطارق) و (والسماء ذات البروج) ونحوهما من السور) رواه أبو داود.

стр. 513

صلاة الظهر: يقرأ بأواسط المفصل. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث جابر بن سمرة (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر (والسماء والطارق) و (والسماء ذات البروج) ونحوهما من السور) رواه أبو داود. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقرأ بطوال المفصل. وهذا قول الجمهور. أ-لحديث أبي سعيد (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية) رواه مسلم. ب- وعنه قال (لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها) رواه مسلم. ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ يطيل الركعة الأولى من صلاة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ويدركها معه، وهذا يدل على أنه كان يطيل القراءة فيها، فيقرأ بطوال المفصل. • يجوز جمع سورتين فأكثر في الركعة الواحدة. أ- لحديث حذيفة قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّح) رواه مسلم.

стр. 514

وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل. ب- عَنْ أَنَسٍ ﵁ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِ - (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) رواه البخاري. ج- عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ». فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) متفق عليه. وقد ثبت عن النبي ﷺ قراءة سورتين بعد الفاتحة في كثير من الصلوات، وسميت هذه السور بـ (النظائر) وقد جاء في الأحاديث الصحيحة ذِكرها وبيانها. عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأتُ المفصَّل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصَّل سورتين في كل ركعة. متفق عليه.

стр. 515

وبوَّب عليه البخاري بقوله: باب الجمع بين السورتين في الركعة. والهذّ: سرعة القراءة. وعن علقمة والأسود قالا: أتى ابنَ مسعود رجلٌ فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذّاً كهذ الشعر ونثراً كنثر الدقل؟ لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة: النجم والرحمن في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة. رواه أبو داود والدقل: رديء التمر. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويجوز للإنسان أن يقرأ بعد الفاتحة سورتين، أو ثلاثاً، وله أن يقتصر على سورة واحدة، أو يقسم السورة إلى نصفين، وكل ذلك جائز لعموم قوله تعالى (فاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن) ولقول النبي ﷺ (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن). • يجوز تفريق السورة الواحدة بين الركعتين. فقد ثبت أنه ﷺ قرأ سورة الأعراف قسمها بين الركعتين. • يجوز قراءة السورة الواحدة في الركعتين. لحديث معاذ بن عبد الله: (أن رجلاً من جهينة أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في صلاة الصبح: إذا زلزلت … في الركعتين كليهما) رواه أبو داود.

стр. 516

• حكم تنكيس السور (كأن يقرأ في الركعة الأولى: الناس، وفي الثانية: الإخلاص). اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: يجوز بلا كراهة. وبه قال الشافعي، واختار هذا القول الموفق، وابن تيمية، وابن باز. أ-لحديث حذيفة. قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّح … ) رواه مسلم. حيث قرأ النبي ﷺ البقرة ثم النساء ثم آل عمران. ب- ولحديث أنس السابق قال (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِ - (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ … ). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر الرجل على قراءته بسورة الإخلاص وسورة بعدها في كل ركعة من كل صلاة، ومعلوم أنه ليس بعد سورة الإخلاص إلا سورتا الفلق والناس، وهذا يدل على أنه كان يقرأ سورة الإخلاص وسورة مما قبلها في الترتيب، لأنه يبعد أن يقتصر على قراءة الفلق أو الناس بعدها في كل ركعة من كل صلاة، فهذا يدل على جواز تنكيس السور في القراءة في الصلاة. ج-ما ذكره البخاري هنا (وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ، أَوْ يُونُسَ وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ ﵁ الصُّبْحَ بِهِمَا) قال ابن حجر وصله جعفر الغريابي في كتاب الصلاة له من طريق عبد الله بن شقيق قال: صلى بنا الأحنف فذكره.

стр. 517

القول الثاني: يكره. وبه قال مالك، وأحمد، ورجحه الشيخ ابن عثيمين. لأن ذلك خلاف ترتيب المصحف الذي وضعوه الصحابة. ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال عن حديث حذيفة: لعله قبل العرضة الأخيرة. القول الثالث: يكره التنكيس في صلاة الفرض ولا يكره في صلاة النفل. والراجح - والله أعلم - القول الأول. (ويجهرُ الإمامُ في القراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك) وهذا مستحب، وهو الثابت من فعله ﷺ ، وفعل خلفائه من بعده. قال النووي: فَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَثَالِثَةِ المغرب، والثالثة وَالرَّابِعَةِ مِنْ الْعِشَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ عَلَى ذَلِكَ. (شرح المهذب). وقال ابن قدامة: لْجَهْرُ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ، وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِ الْإِسْرَارِ، لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ. فَإِنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. إلَّا أَنَّهُ إنْ نَسِيَ فَجَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ، بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ. وَإِنْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ يَعُودُ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ إنَّمَا لَمْ يَعُدْ إذَا جَهَرَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِزِيَادَةٍ. (المغني). • وقد تقدم في حديث أبي قتادة قوله (وَيُسْمِعُنَا اَلْآيَةَ أَحْيَانًا) وهذا فيه دليل على أنه ينبغي للإمام أن يسمع الآية أحياناً في قراءة الظهر والعصر، لفعل النبي ﷺ .

стр. 518

• الحكمة من الجهر في صلاة الليل دون النهار: تلمس بعض العلماء الحكمة من الجهر بالقراءة في الصلاة الليلية، والإسرار في الصلوات النهارية، وحاصل ما ذكروه في ذلك: أن الليل وقت الهدوء والخلوة وفراغ القلب، فشرع فيه الجهر إظهاراً للذة مناجاة العبد لربه، وحتى يتوافق على القراءة القلب واللسان والأذن. وإلى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً). قال ابن كثير: والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة ولهذا قال تعالى: (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً) أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش " انتهى. وقال القرطبي: فالمعنى: أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان، لانقطاع الأصوات والحركات " انتهى. وقال السعدي: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً) أي أقرب إلى حصول مقصود القرآن، يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به هذه المقاصد، ولهذا قال: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا) أي: تردداً في حوائجك ومعاشك يوجب اشتغال القلب وعدم تفرغه التفرغ التام " انتهى. وقال ابن القيم: وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار ففي غاية المناسبة والحكمة; فإن الليل مظنة هدوء الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب واجتماع الهمم المشتتة بالنهار، فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن، والليل محل مواطأة القلب للسان، ومواطأة اللسان للأذن; ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات.

стр. 519

(ثم يركع) أي: بعد القراءة يركع. والركوع من أركان الصلاة. • والمقصود منه تعظيم الله، ولذلك جاء في الحديث ( … فَأَمَّا اَلرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اَلرَّبَّ … ). • حد الركوع المجزئ: قيل: هو أن ينحني المصلي بقدر ما تمس يده ركبته. قال البهوتي: والمجزئ الانحناء بحيث يمكن مس ركبتيه بيديه. وقيل: ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، فيكون من يراه يعرف أنه راكع وبه قال المجد. (مكبراً). أي: يركع قائلاً الله أكبر. أي: يكون التكبير في حال هويهِ إلى الركوع وهذه التكبيرات تسمى تكبيرات الانتقال، وهي واجبة، والدليل على وجوبها: أ-أن النبي ﷺ واظب عليها، ولم يحفظ عنه أنه ترك التكبير أبداً، مع قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي). ب-وقال ﷺ (وإذا كبر فكبروا). ج-وقال ﷺ في الصلاة (إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) فدل على أن الصلاة لا تخلو من التكبير كما لا تخلو من قراءة القرآن، وكذلك التسبيح. د-ولأنها شعار الانتقال من ركن إلى ركن.

стр. 520

• يستثنى من ذلك تكبيرة الإحرام، فإنها ركن كما سبق. وتكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً فإنها سنة، للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام، وكذا الزوائد في العيد والاستسقاء فإنها سنة. وذهب بعض العلماء: إلى أن تكبيرات الانتقال ليست بواجبة بل مستحب. وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية، والمالكية. قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمر وابن مسعود وابن عمر وابن جابر وقيس بن عباد وشعيب والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعوام أهل العلم. واحتج أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ لم يأمر المسيء في صلاته إلا بتكبيرة الإحرام. قال النووي: وأما فعله ﷺ فمحمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة. • تكبيرات الانتقال تكون ما بين الركنين، لا يبدأ بها قبل ولا يؤخرها إلى ما بعد. • لا يشترط استيعاب ما بين الركنين، لأن ذلك مشقة، فالمشترط أن يكون هذا الذكر بين الركنين. • الحكمة من التكبير في كل خفض ورفع: قيل: إن المكلف أمِر بالنية في أول الصلاة مقرونة بالتكبير، وكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمِر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. وقيل: الحكمة في شرعية تكرار التكبير، تنبيه المصلي على أن الله الذي قام بين يديه يناجيه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، فلا ينبغي شغل القلب عن مناجاته بشيء من الأشياء.

стр. 521

(رافعاً يديهِ). أي: كما تقدم في تكبيرة الإحرام، إما إلى حذو منكبيه وإما إلى فروع أذنيه. لحديث ابن عمر - وقد تقدم - (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا اِفْتَتَحَ اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ). (ثم يضع يديه على ركبتيه). والمراد باليدين هنا الكفان، لأن اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف. والدليل على استحباب ذلك: لحديث أَبِي حُمَيْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ (رَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرِهِ … ) رواه البخاري. وتمكين اليد من الركبة يكون بأمرين: الأول: القبض. وقد جاء في حديث آخر بإسناد صحيح (أن النبي ﷺ كان يقبض على ركبته). والثاني: تفريج الأصابع. وقد جاء أيضاً في حديث (أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج بين أصابعه) رواه الحاكم. • قوله (على ركبتيه) هذا هو السنة، وقد كانت السنة قبل التطبيق. عن مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ قال (صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ) متفق عليه. قال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا خلاف بين العلماء في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبّقون. وأخرج ابن المنذر بسنده حديث الباب، ثم أخرج بسند قوي عن ابن عمر قال: إنما فعله النبي ﷺ مرة - يعني التطبيق -. ثم قال: فقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه وضع يديه على ركبتيه، ودل خبر سعد - يعني حديث الباب - على نسخ التطبيق والنهي عنه. وأن الواجب وضع اليدين على الركبتين.

стр. 522

(ويفرج أصابعَه). أي: ويستحب تفريج الأصابع على الركبة. أ- لحديث وَائِل بْن حُجْرٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ. ب- وأمر بذلك المسيء في صلاته فقال له (إذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرج بين أصابعك، ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه) رواه ابن خزيمة. • الحكمة من تفريج الأصابع حال الركوع، لأن ذلك أمكن للركوع، وأثبت لحصول تسوية ظهره برأسه. (ويَمد ظهرَه). أي: ويستحب حال الركوع أن يمد ظهره، فيكون مستوياً. أ- لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ اَلصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بِـ (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ) وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ … ) رواه مسلم. (إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ) أي: لم يرفعْه. (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) أي: لم يخفضه ولم يُنكّسْه. ب- وجاء في حديث ابن عباس (كان ﷺ إذا ركع بسط ظهره وسواه، حتى لو صب الماء عليه لاستقر) رواه ابن ماجه.

стр. 523

(ويقول سبحان ربي العظيم). أي: يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم. لحديث حُذَيْفَةَ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى». فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ) رواه مسلم. • وقد اختلف العلماء في حكم هذا الذكر في الركوع: فقيل: واجب. قال النووي: وأوجبه أحمد وطائفة من أهل الحديث. أ-لقوله (فَأَمَّا اَلرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اَلرَّب … ) وهذا أمر والأمر للوجوب. ب-ولحديث حذيفة السابق ( … ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ … ) وقد قال النبي ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي). ج- ولحديث عقبة بن عامر قال (لما نزلت [فسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم] قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى] قال: اجعلوها في سجودكم) رواه أبو داود. وقيل: سنة.

стр. 524

وهذا مذهب جماهير العلماء كما قال النووي. لحديث المسيء في صلاته، حيث إن الرسول ﷺ لم يعلمه التسبيح، ولو كان واجباً لأمره به. والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. • الواجب أن يقال هذا الذكر مرة واحدة. • من الأذكار التي يستحب للمصلي أن يقولها أيضاً في ركوعه: أ-سُبْحَانَكَ اَللَّهُمَّ [رَبَّنَا] وَبِحَمْدِكَ، اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي. عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يَتَأَوَّلُ الْقُرْآن. متفق عليه. ب- سبوح قدوس رب الملائكة والروح. عن عَائِشَة. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) رواه مسلم. ج- اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ ما جاء في حديث علي قال ( … وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبي) رواه مسلم. د- سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَة. عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، … يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) رواه أبو داود. هـ- قول: سبحان ربي العظيم وبحمده. عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَكَعَ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلاثًا، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ ثَلاثًا) رواه أبوداود.

стр. 525

وهذه الزيادة: (وبحمده) قد اختلف أهل العلم في تصحيحها وتضعيفها، أما راويها أبو داود فقد قال: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة، انفرد أهل مصر بإسنادها. • فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنن الثابتة عن الرسول ﷺ ، فيأتي بهذا أحياناً، وهذا أحياناً، وله أن يجمع بين هذه الأذكار في الركوع الواحد. قال النووي: ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدّم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ فيستحبُّ التسبيح. وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلاً لأصل التسبيح. ويُستحبّ إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضاً آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلاً لجميعها " انتهى. (الأذكار). وقال في (الإقناع) ولا تكره الزيادة على قول رب اغفر لي، ولا على سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، في الركوع والسجود، مما ورد " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٣/ ٧٧) بعد أن ذكر جملة من أذكار الركوع، وهل يجمع بين هذه الأذكار أو يقتصر على ذكر واحد؟ قال: " هذا محل احتمال، وقد سبق أن الاستفتاحات الواردة لا تقال جميعاً، إنما يقال بعضها أحياناً وبعضها أحياناً، وبينّا دليل ذلك، لكن أذكار الركوع المعروف عند عامة العلماء أنها تذكر جميعاً " انتهى. • نهيَ المصلي عن قراءة القرآن في ركوعه وسجوده. لحديث اِبْن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ اَلْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا اَلرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اَلرَّبَّ، وَأَمَّا اَلسُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي اَلدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ولحديث علي قال (نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً) رواه مسلم.

стр. 526

• اختلف العلماء: هل هذا النهي للكراهة أم للتحريم على قولين: القول الأول: أنه للكراهة. وهو مذهب الجمهور. القول الثاني: أنه للتحريم. وهو قول بعض أهل الظاهر. وهذا الظاهر. • الحكمة من النهي عن القراءة حال الركوع والسجود: قيل: لأَنَّ أَفْضَل أَرْكَان الصَّلاة الْقِيَام وَأَفْضَل الأَذْكَار الْقُرْآن، فَجَعَلَ الأَفْضَل لِلأَفْضَلِ وَنَهَى عَنْ جَعْله فِي غَيْره لِئَلا يُوهِم اِسْتِوَائِهِ مَعَ بَقِيَّة الأَذْكَار. (عون المعبود) ويؤيد هذا القول حديث جابر. قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. وقيل: لما كان الركوع والسجود وهما غاية الذل والخضوع مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى ﷺ عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يُجمع بين كلام الله تعالى وبين كلام الخلق في موضع واحد، فيكونا على السواء. قاله الطيبي. وقيل: لأن القرآن أشرف الكلام، إذ هو كلام الله، وحالة الركوع والسجود ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب أن لا يقرأ كلام الله في هاتين الحالتين. (مجموع الفتاوى ٥/ ٣٣٨) قال الشيخ ابن عثيمين: لأن حال الركوع والسجود فيها نوع من التطامن والتواضع من الإنسان، فلا يليق أن يكون التالي له على هذه الحال.

стр. 527

• من نسي فقال في الركوع سبحان ربي الأعلى، أو قال في السجود: سبحان ربي العظيم، له حالان: الحالة الأولى: أن يتذكر أنه لم يأت بالذكر في موضعه، فيقول: سبحان ربي العظيم قبل أن يرفع من الركوع، ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى قبل أن يرفع فهذا لا يجب عليه سجود السهو، لأنه لم يترك واجباً، وإنما يستحب له السجود، لأنه أتى بذكر في غير موضعه. الحالة الثانية: أن لا يتذكر أنه لم يأت بالذكر في موضعه إلا بعد الرفع من الركوع أو السجود، فهنا يجب عليه سجود السهو، لأنه ترك واجباً. ويكون السجود في هذه الحالة قبل السلام. قال الشيخ ابن عثيمين: إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يسن له أن يسجد للسهو، كما لو قال: "سبحان ربي الأعلى" في الركوع، ثم ذكر فقال: "سبحان ربي العظيم" فهنا أتى قول مشروع وهو "سبحان ربي الأعلى"، لكن "سبحان ربي الأعلى" مشروع في السجود، فإذا أتى به في الركوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسجود في حقك سنة. (ثم يرفعُ رأسَه) أي: يرفع رأسه وظهره من الركوع. لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تطمئن قائماً) متفق عليه. (قائلاً) أي: يكون القول في حال الرفع، فلا يقال قبله ولا يؤخر لما بعده.

стр. 528

(إمامٌ ومنفردٌ: سمع الله لمن حمده). أي: أن الإمام أو المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. (يجمع بين التسميع والتحميد). اتفق الفقهاء على أن المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، فيقول: (سمع الله لمن حمده) حين يرفع من الركوع، فإذا استوى قائما قال: (ربنا ولك الحمد). وقد نقل الاتفاق: الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وابن عبد البر في "الاستذكار". • أما المأموم فلا يجمع بين التسميع والتحميد وإنما يقتصر على التحميد. وهذا المذهب. لحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد) متفق عليه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجمع بين التسميع والتحميد. وهذا مذهب الشافعي. أ- لفعل النبي ﷺ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا … ) متفق عليه. وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. ب-ولأنه ذكْرٌ شُرع للإمام فيُشرع للمأمور كسائر الأذكار. والراجح الأول. أما الجواب عن فعل النبي ﷺ ، أنه يكون عام مخصوص منه المأموم.

стр. 529

(ويقول الكل: ربنا ولك الحمد). أي: يقول هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وهذا الذكر يقوله الكل: الإمام والمأموم والمنفرد. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا … ) متفق عليه. وقد ورد عدة صيغ: منها ما ذكره المصنف: ربنا ولك الحمد. لحديث أبي هريرة السابق، ولحديث أنس قال: قال النبي ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، … وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) متفق عليه. ومنها: ربنا لك الحمد [من غير واو]. لحديث أبي سعيد قال (كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد) رواه مسلم. ومنها: اللهم ربنا لك الحمد. لحديث أبي هريرة. قال: (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد) متفق عليه. ومنها: اللهم ربنا ولك الحمد. لحديث أبي هريرة. قال (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد) رواه البخاري. والأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة، ليكون متبعاً للسنة.

стр. 530

(مِلْءَ اَلسَّمَاءِ، وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ). أي: يسن للمصلي (إمام أو مأموم أو منفرد) أن يزيد في الرفع من ركوعه هذا الدعاء. لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ قَالَ: " اَللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ اَلْحَمْدُ مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ مِنْكَ اَلْجَدُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ﴿مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ﴾ قال الخطابي: "هو تمثيل وتقريب، فالكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، والمراد تكثير القول لو قدر ذلك أجساماً ملأ ذلك كله". وقال النووي: "قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً لملأ السموات والأرض" وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الصحيح أن المعنى: أن الله محمود على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله". ﴿وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ﴾ فيه إشارة إلى أن حمد الله تعالى لا منتهى له ولا يحصيه عاد، ولا يجمعه كتاب. ﴿أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ﴾ أي أنت أهل الثناء والمجد، والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة، والمجد هو العظمة ونهاية الشرف. ﴿أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ﴾ أي ذلك أحق ما قال العبد، والمراد ما سبق من الثناء والمجد، أحق ما قال العبد: أي أصدقه وأثبته. ﴿وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ﴾ فيه التنبيه على أنه تعالى مالك لجميع العباد. ﴿اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ﴾ إذا أردتَ إعطاءَه. ﴿وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ﴾ إذا أردت منعه، فما قدر سبحانه عطاءه وجِدَ، وما قدر منعه لا يوجد. ﴿وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ مِنْكَ اَلْجَدُّ﴾ الجَد بفتح الجيم، هو الحظ والغنى و (من) بمعنى عند، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه ولا حظه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك. • هذا الذكر للإمام والمنفرد والمأموم في الفرض والنفل.
следующие страницы →