Полный текст (3 390 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
• اختلف العلماء: هل هذا النهي للكراهة أم للتحريم على قولين:
القول الأول: أنه للكراهة.
وهو مذهب الجمهور.
القول الثاني: أنه للتحريم.
وهو قول بعض أهل الظاهر.
وهذا الظاهر.
• الحكمة من النهي عن القراءة حال الركوع والسجود:
قيل: لأَنَّ أَفْضَل أَرْكَان الصَّلاة الْقِيَام وَأَفْضَل الأَذْكَار الْقُرْآن، فَجَعَلَ الأَفْضَل لِلأَفْضَلِ وَنَهَى عَنْ جَعْله فِي غَيْره لِئَلا يُوهِم اِسْتِوَائِهِ مَعَ بَقِيَّة
الأَذْكَار. (عون المعبود)
ويؤيد هذا القول حديث جابر. قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.
وقيل: لما كان الركوع والسجود وهما غاية الذل والخضوع مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى ﷺ عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يُجمع بين كلام الله تعالى وبين كلام الخلق في موضع واحد، فيكونا على السواء. قاله الطيبي.
وقيل: لأن القرآن أشرف الكلام، إذ هو كلام الله، وحالة الركوع والسجود ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب أن لا يقرأ كلام الله في هاتين الحالتين. (مجموع الفتاوى ٥/ ٣٣٨)
قال الشيخ ابن عثيمين: لأن حال الركوع والسجود فيها نوع من التطامن والتواضع من الإنسان، فلا يليق أن يكون التالي له على هذه الحال.
стр. 527
• من نسي فقال في الركوع سبحان ربي الأعلى، أو قال في السجود: سبحان ربي العظيم، له حالان:
الحالة الأولى: أن يتذكر أنه لم يأت بالذكر في موضعه، فيقول: سبحان ربي العظيم قبل أن يرفع من الركوع، ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى قبل أن يرفع
فهذا لا يجب عليه سجود السهو، لأنه لم يترك واجباً، وإنما يستحب له السجود، لأنه أتى بذكر في غير موضعه.
الحالة الثانية: أن لا يتذكر أنه لم يأت بالذكر في موضعه إلا بعد الرفع من الركوع أو السجود، فهنا يجب عليه سجود السهو، لأنه ترك واجباً.
ويكون السجود في هذه الحالة قبل السلام.
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يسن له أن يسجد للسهو، كما لو قال: "سبحان ربي الأعلى" في الركوع، ثم ذكر فقال: "سبحان ربي العظيم" فهنا أتى قول مشروع وهو "سبحان ربي الأعلى"، لكن "سبحان ربي الأعلى" مشروع في السجود، فإذا أتى به في الركوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسجود في حقك سنة.
(ثم يرفعُ رأسَه)
أي: يرفع رأسه وظهره من الركوع.
لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تطمئن قائماً) متفق عليه.
(قائلاً)
أي: يكون القول في حال الرفع، فلا يقال قبله ولا يؤخر لما بعده.
стр. 528
(إمامٌ ومنفردٌ: سمع الله لمن حمده).
أي: أن الإمام أو المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. (يجمع بين التسميع والتحميد).
اتفق الفقهاء على أن المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، فيقول: (سمع الله لمن حمده) حين يرفع من الركوع، فإذا استوى قائما قال: (ربنا ولك الحمد).
وقد نقل الاتفاق: الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وابن عبد البر في "الاستذكار".
• أما المأموم فلا يجمع بين التسميع والتحميد وإنما يقتصر على التحميد.
وهذا المذهب.
لحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجمع بين التسميع والتحميد.
وهذا مذهب الشافعي.
أ- لفعل النبي ﷺ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ
يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا … ) متفق عليه.
وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري.
ب-ولأنه ذكْرٌ شُرع للإمام فيُشرع للمأمور كسائر الأذكار.
والراجح الأول.
أما الجواب عن فعل النبي ﷺ ، أنه يكون عام مخصوص منه المأموم.
стр. 529
(ويقول الكل: ربنا ولك الحمد).
أي: يقول هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وهذا الذكر يقوله الكل: الإمام والمأموم والمنفرد.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي
سَاجِدًا … ) متفق عليه.
وقد ورد عدة صيغ:
منها ما ذكره المصنف: ربنا ولك الحمد.
لحديث أبي هريرة السابق، ولحديث أنس قال: قال النبي ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، … وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) متفق عليه.
ومنها: ربنا لك الحمد [من غير واو].
لحديث أبي سعيد قال (كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد) رواه مسلم.
ومنها: اللهم ربنا لك الحمد.
لحديث أبي هريرة. قال: (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد) متفق عليه.
ومنها: اللهم ربنا ولك الحمد.
لحديث أبي هريرة. قال (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد) رواه البخاري.
والأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة، ليكون متبعاً للسنة.
стр. 530
(مِلْءَ اَلسَّمَاءِ، وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ).
أي: يسن للمصلي (إمام أو مأموم أو منفرد) أن يزيد في الرفع من ركوعه هذا الدعاء.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ قَالَ: " اَللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ اَلْحَمْدُ مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ مِنْكَ اَلْجَدُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
﴿مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ﴾ قال الخطابي: "هو تمثيل وتقريب، فالكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، والمراد تكثير القول لو قدر ذلك أجساماً ملأ ذلك كله". وقال النووي: "قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً لملأ السموات والأرض" وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الصحيح أن المعنى: أن الله محمود على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله". ﴿وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ﴾ فيه إشارة إلى أن حمد الله تعالى لا منتهى له ولا يحصيه عاد، ولا يجمعه كتاب. ﴿أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ﴾ أي أنت أهل الثناء والمجد، والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة، والمجد هو العظمة ونهاية الشرف. ﴿أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ﴾ أي ذلك أحق ما قال العبد، والمراد ما سبق من الثناء والمجد، أحق ما قال العبد: أي أصدقه وأثبته. ﴿وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ﴾ فيه التنبيه على أنه تعالى مالك لجميع العباد. ﴿اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ﴾ إذا أردتَ إعطاءَه. ﴿وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ﴾ إذا أردت منعه، فما قدر سبحانه عطاءه وجِدَ، وما قدر منعه لا يوجد. ﴿وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ
مِنْكَ اَلْجَدُّ﴾ الجَد بفتح الجيم، هو الحظ والغنى و (من) بمعنى عند، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه ولا حظه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك.
• هذا الذكر للإمام والمنفرد والمأموم في الفرض والنفل.
стр. 531
• من الأذكار التي تقال بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ (كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ: فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) رواه البخاري.
قال ابن رجب: وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله ، كما هو قول الشافعي وأحمد في رواية.
وأن مثل هذا الذكر حسنٌ في الاعتدال من الركوع في الصلوات المفروضات؛ لأن الصحابة ﵃ إنما كانوا يصلون وراء النبي ﷺ الصلوات المفروضة غالباً، وإنما كانوا يصلون وراءه التطوع قليلا.
وفيه أيضاً: دليل على أن جهر المأموم أحيانا وراء الإمام بشيء من الذكر غير مكروه، كما أن جهر الإمام أحياناً ببعض القراءة في صلاة النهار غير مكروه. " فتح الباري " لابن رجب.
وقال الحافظ ابن حجر: قوله: (مباركا فيه) زاد رفاعة بن يحيى: (مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى)، فأما قوله: (مباركاً عليه) فيحتمل أن يكون تأكيداً، وهو الظاهر، وقيل الأول بمعنى الزيادة والثاني بمعنى البقاء …
وأما قوله: (كما يحب ربنا ويرضى) ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ويؤيده ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر) الحديث.
стр. 532
واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة، والحكمة في سؤاله ﷺ له عمن قال، أن يتعلم السامعون كلامه فيقولوا مثله. (فتح الباري لابن حجر).
• المشروع إطالة هذا الركن، وأنه بقدر الركوع، بخلاف كثير من الناس.
قال ابن القيم: قال شيخنا: إن تقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة، وأحدثوا فيه كما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه ﷺ ، وربي في ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة.
فقد ثبت عند النسائي عن أنس قال: (إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من الركوع انتصب قائماً يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجود مكث حتى يقول القائل قد نسي).
• فائدة: أين يضع يديه بعد الركوع؟
المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀: أنه مخير إما أن يرسلهما من على جنبيه أو أنه يضع اليمنى على اليسرى.
والرأي الثاني: أنه يرسلهما ولا يضعهما.
والرأي الثالث: أنه يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان الناس يأمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، وهذا يشمل جميع الصلاة، فالصواب في هذه المسألة: أنه يضع يده اليمنى على اليسرى، هذا الصواب.
(ثم يخر ساجداً مكبراً ولا يرفع يديه).
أي: ثم يسجد المصلي، ويكون سجوده على أعضائه السبعة من غير رفع لليدين.
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى اَلْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ اَلْقَدَمَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
فالسجود على هذه الأعضاء السبعة واجب، وأنه لا بد من السجود عليها جميعاً فلا يجزئ السجود على بعضها.
وهذا مذهب الحنابلة.
стр. 533
لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، والأمة تبع له في هذا، ويؤيده رواية (أُمرْنا).
قال النووي: لَوْ أَخَلَّ بِعُضْوٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحّ صَلاته.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز للساجد أن يرفع شيئاً من أعضائه السبعة. لأن النبي ﷺ قال (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) فإن رفع رجليه أو إحداهما، أو يديه أو إحداهما، أو جبهته أو أنفه أو كليهما، فإن سجوده يبطل ولا يعتد به، وإذا بطل سجوده فإن صلاته تبطل. (لقاء الباب المفتوح).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز السجود على الجبهة دون الأنف.
وهذا مذهب الشافعي وجماعة.
أ-أن هذا هو السجود اللغوي (السجود في اللغة: هو وضع الجبهة على الأرض).
ب-وجاء في حديث: (أن النبي ﷺ كان يسجد على أعلى الجبهة) وهو ضعيف.
ج- قول النبي ﷺ في دعاء السجود (سجد لك وجهي … ) رواه مسلم.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ السجود على الأنف فقط.
قال ابن المنذر رداً عليه: وهو قول يخالف الحديث الصحيح.
وعلى هذا، فمن رفع أحد أعضاء السجود عن الأرض جميع السجود، ولم يسجد عليه، لم تصح صلاته.
وأما من رفعه وقتاً يسيراً فصلاته صحيحة إن شاء الله تعالى.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: إنسان رفع أحد أعضاء السجود هل تبطل صلاته وهو ساجد؟
فأجاب: الظاهر أنه إن رفع في جميع السجود -أي: ما زال ساجداً وهو رافعٌ أحد الأعضاء- فسجوده باطل، وإذا بطل السجود بطلت الصلاة، وأما إذا كان رفعه لمدة يسيرة مثل أن يحك رجله بالأخرى ثم أعادها فأرجو ألا يكون عليه بأس. (لقاء الباب المفتوح)
стр. 534
• يجوز أن يسجد ولو على حائل منفصل، لأن السجود على حائل ينقسم إلى قسمين:
أ- السجود على حائل منفصل عن المصلي، فهذا جائز.
كأن يسجد على فرشة أو سجادة.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يسجد على الخمرة).
الخمرة: هي السجادة، وسميت خمرة لأنها تخمر الوجه أي تغطيه.
لكن يستثنى من ذلك أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه دون بقية بدنه، فهذا ينهى عنه لأمرين:
أولاً: أن في ذلك موافقة للرافضة وتشبهاً بهم، لأنهم يسجدون على قطعة من المدَر كالفخار.
ثانياً: رفع التهمة، والذي ينبغي للمسلم اتقاء مواضع التهم.
ب- أن يسجد على حائل متصل به، فهذا يكره إلا لحاجة، كأن يسجد على شماغه أو بعضه.
لحديث أنس قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه). متفق عليه فقوله: (فإذا لم يستطع أحدنا) دليل على أنهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة.
• لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء لو كان مستوراً، بل يسجد على العضو ولو مع الساتر، كشراب اليدين والرجلين،
لأمرين:
الأول: أن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها.
الثاني: ما ذكره البخاري في صحيحه عن الحسن قال: (كان القوم يسجدون على العمامة - القلنسوة - ويداه في كمه)،
стр. 535
• هل يجب أن يستوعب العضو للأرض أم يجزئ السجود على بعض العضو المأمور به؟
الكمال أن يستوعب في سجوده العضو كله، فيسجد عليه بكامله.
لأن النبي ﷺ كان إذا سجد اسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ. رواه البخاري.
ولما رواه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال للمسيء صلاته (وإذا سجدت فمكن لسجودك) واستيعاب العضو في السجود من تمكين السجود.
ويجزئ السجود على بعض العضو المأمور السجود عليه على الصحيح من مذهب الشافعية والحنابلة.
قال النووي: السجود علي الجبهة واجب بلا خلاف عندنا، والأولى أن يسجد عليها كلها، فإن اقتصر علي ما يقع عليه الاسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في الأم وقطع به جمهور الأصحاب. (المجموع)
وقال المرداوي: يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِ الْعُضْوِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ.
السُّجُودُ بِبَعْضِ الْكَفِّ، وَلَوْ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَكَذَا عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، وَبَعْضِ الْجَبْهَةِ. (الإنصاف)
وعليه؛ فمن سجد على رجليه، فمسّ ببعض أطراف أصابعه الأرض فصلاته صحيحة، والسنة: أن يمكن لأعضاء السجود على قدر استطاعته.
• الحكمة من السجود على هذه الأعضاء: لأجل أن يشمل السجود أعالي الجسد وأسافله، وأعضاء كسبه وسعيه، فيكمل ذل العبد وعبادته لله تعالى، لأن السجود عليها إذلال لله رب العالمين.
• إذا عجز عن السجود عن بعض الأعضاء فإنه يسجد على بقيتها.
لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
ولقوله ﷺ (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
стр. 536
(ولا يرفع يديه).
أي: لا يشرع رفع اليدين حال السجود أو القيام منه.
وهذا مذهب الجماهير.
لحديث ابن عمر وقد تقدم (ولا يفعل ذلك في السجود).
وهذا القول هو الصحيح.
وقد قال الحافظ ابن حجر: وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ولا يخلو شيء منها من مقال.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها ترفع.
وهذا القول قول ابن حزم، ورجحه ابن المنذر وجماعة، واختاره الألباني.
لحديث مَالِك بْنِ الْحُوَيْرِثِ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْه) رواه النسائي.
قال الحافظ ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي … " ثم ذكر هذا الحديث.
ورواه أحمد ولفظه: عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِيَالَ فُرُوعِ أُذُنَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود).
وروى ابن أبي شيبة عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود).
فذهب بعضهم إلى أن النبي ﷺ كان يرفع أحياناً، ولكن كان أكثر حاله على عدم الرفع
وقد ذكر ابن رجب ﵀ بعض الروايات التي فيها الرفع في السجود ثم قال: ويجاب عن هذه الروايات كلها، على تقدير أن يكون
ذكر الرفع فيها محفوظاً، ولم يكن قد اشتبه بذكر التكبير بالرفع، بأن مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر: لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين، فلعلهما رأيا النبي ﷺ فعل ذَلِكَ مرة، وقد عارض ذَلِكَ نفي ابن عمر، مع ملازمته للنبي ﷺ وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي ﷺ كانَ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين، وقد روي في الرفع عندَ السجود وغيره أحاديث معلولة. (فتح الباري).
стр. 537
وقال السندي ﵀: الظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ أَحْيَانًا وَيَتْرُك أَحْيَانًا، لَكِنَّ غَالِب الْعُلَمَاء عَلَى تَرْك الرَّفْع وَقْت السُّجُود، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا بِذَلِكَ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْأَصْل هُوَ الْعَدَم، فَحِين تَعَارَضَتْ رِوَايَتَا الْفِعْل وَالتَّرْك: أَخَذُوا بِالْأَصْلِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ " انتهى.
• وذهب الأكثرون إلى ترجيح عدم الرفع؛ لأنه المحفوظ رواية ودراية، وحكموا على روايات الرفع بالشذوذ، وأن الراوي أخطأ فذكر الرفع بدل التكبير؛ لأن الصحيح أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع، كما في البخاري، ومسلم.
وروى الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَر).
قال الترمذي عقبه: " حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ " انتهى.
(ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم كفاه، ثم جبهته وأنفه).
أي: أن السنة للمصلي أن يبدأ إذا سجد بركبتيه أولاً، ثم يديه.
وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، فهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والمشهور عند أحمد، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، واختاره ابن المنذر، والخطابي، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين.
أ-لحديث وائل بن حجر (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) رواه أبو داود.
وهذا الحديث اختلف فيه العلماء:
فضعفه جماعة: كالبيهقي، والدارقطني، والمباركفوري، والألباني.
وصححه جماعة: كالنووي، وابن القيم، والخطابي.
стр. 538
وسبب ضعفه لوجود شريك بن عبد الله القاضي، فهو سيء الحفظ.
ب- (أن النبي ﷺ نهى عن بروك كبروك البعير).
قالوا: والإبل في بروكها تبدأ باليد، فينبغي أن يبدأ المصلي بالرجِل.
ج-ويشهد لهذا فعل بعض الصحابة وكبار التابعين، فهو المنقول عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، والحسن، وابن سيرين.
فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عمر (أنه يخر في صلاته بعد الركوع على ركبتيه كما يخر البعير ويضع ركبتيه قبل يديه).
وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة البدء باليدين ثم الركبتين.
وهو المشهور عن مالك.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ اَلْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) رواه أبو داود
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث:
فصححه قوم: كالسيوطي، وعبد الحق الأشبيلي، وأحمد شاكر، والألباني.
وضعفه قوم: كالبخاري، والترمذي، والدار قطني، والبيهقي.
وسبب ضعفه: فقد قال أهل العلم أنه تفرد به الدراوردي، تفرد بهذا الحديث عن شيخه محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية.
وقد نص على التفرد جماعة من الحفاظ، منهم: الدار قطني، والبيهقي.
ب-وبشاهده حديث ابن عمر.
стр. 539
والراجح - والله أعلم - القول الأول لما يلي:
أولاً: أن الحديث وائل بن حجر له متابع وشواهد، وحديث أبي هريرة فيه ضعف.
ثانياً: أن حديث وائل يوافق حديث أبي هريرة الذي فيه نهي المصلي عن بروك كبروك الجمل.
ثالثاً: أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي.
رابعاً: أن هذا هو الموافق للمنقول عن الصحابة.
فائدة: قال ابن تيمية: أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء ولكن تنازعوا في الأفضل.
(ويجافي عضُديهِ عن جنبيهِ).
أي: ويسن للمصلي الساجد أن يجافي عن عضديه.
لحديث اِبْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(كَانَ إِذَا صَلَّى) أي: إذا سجد. (فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: باعد بين يديه، أي: عضديه. (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ) أي: حتى يظهر.
وقد جاء عن ميمونة قالت (لو أن بهمة شاءت أن تمر لمرت).
لكن يستثنى:
أولاً: إذا طال السجود ولم يستطع الإنسان أن يستمر على المجافاة، فهنا يعتمد على ركبتيه.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال (شكى أصحاب النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال لهم النبي ﷺ : استعينوا بالركب).
стр. 540
تفرجوا: يعني باعدوا العضدين عن الجنبين.
قال ابن عجلان أحد رواة الحديث: (أنه يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود).
ولعموم (فاتقوا الله ما استطعتم).
ثانياً: إذا كان في صلاة جماعة وخشي أن يؤذي غيره، فهنا لا يستحب فعلها، لما يحصل فيها من الإيذاء لمن بجانبه.
- الحكمة من هذه الصفة:
أ- لأجل أن تنال اليدان حظهما من الاعتماد والاعتدال في السجود.
ب- أن يبتعد الساجد عن مظاهر الكسل والفتور.
ج- أن السجود على هذه الهيئة دليل على النشاط والقوة.
قال القرطبيّ: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السّجود: أنّه يخفّ بها اعتماده عن وجهه ولا يتأثّر أنفه ولا جبهته، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض.
وقال غيره: هو أشبه بالتّواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان.
(ويفرق ركبتيه).
أي: ويستحب للساجد أن لا يضم ركبتيه بعضهما إلى بعض.
لحديث أَبِى حُمَيْدٍ - عند البخاري - وفيه (وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ).
لحديث أبي حميد عند أبي داود (أن النبي ﷺ كان إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه). رواه أبو داود
قال الشوكاني: والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود، ورفع البطن عنهما، ولا خلاف في ذلك.
стр. 541
• أما وضع القدمين أثناء السجود، هل السنة المباعدة بينهما، أو رصهما وإلصاقهما؟ فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على
قولين.
القول الأول: استحباب التفريق بينهما.
وهو قول جماهير أهل العلم الذين نصوا على هذه المسألة.
واستدلوا بما ثبت في السنة النبوية من استحباب تفريج الركبتين والفخذين أثناء السجود، قالوا: والقدمان تبع لهما، فالأصل أن يفرج بينهما أيضاً.
فقد روى أبو داود عن أبي حميد ﵁ قال في صفة صلاة النبي ﷺ (وإذا سجد فَرَّج بين فخذيه).
قال الشوكاني: قوله: (فرَّجَ بين فخذيه) أي: فرق بين فخذيه، وركبتيه، وقدميه.
قال أصحاب الشافعي: يكون التفريق بين القدمين بقدر شبر. … (نيل الأوطار).
وقال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للساجد أن يفرج بين ركبتيه وبين قدميه. قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: قال أصحابنا: يكون بين قدميه قدر شبر. … (المجموع).
القول الثاني: استحباب ضم القدمين.
واختار هذا القول من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني رحمهما الله
لحديث عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ وكان معي على فراشي، فوجدته ساجداً، راصّاً عقبيه، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، أثني عليك، لا أبلغ كل ما فيك) رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم.
стр. 542
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، لا أعلم أحداً ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث.
قال ابن الملقن: إسناده صحيح.
وصححه الشيخ الألباني.
وقد بوب ابن خزيمة لهذا الحديث بقوله: باب ضم العقبين في السجود.
وبَوَّب له البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٧): باب ما جاء في ضم العقبين في السجود.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الذي يظهر مِن السُّنَّة أن القدمين تكونان مرصوصتين، يعني: يرصُّ القدمين بعضهما ببعض، كما في "الصحيح" من حديث عائشة حين فَقَدَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فوقعت يدُها على بطن قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد. واليد الواحدة لا تقع على القدمين إلا في حال التَّراصِّ.
وقد جاء ذلك أيضاً في "صحيح ابن خزيمة"في حديث عائشة المتقدِّم (أنَّ الرسولَ ﷺ كان رَاصًّا عقبيه) وعلى هذا فالسُّنَّةُ في القدمين هو التَّراصُّ، بخلاف الرُّكبتين واليدين.
(ويرفع ذراعيهِ عن الأرض).
لحديث اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ب- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْب). متفق عليه
(اعتدلوا في السجود) أي: كونوا فيه على العدل والاستقامة، قال ابن دقيق العيد: لعل الاعتدال هنا محمول على أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع.
стр. 543
(ولا يبسط ذراعيه … ) أن: لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش، والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.
قال النووي: والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئة الكسالى، فإن المتبسط
كشبه الكلب يُشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها.
وقال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: قد ذكر الحكمَ هنا مقروناً بعلته، فإنّ التّشبيه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصّلاة. انتهى.
والهيئة المنهيّ عنها أيضاً مشعرة بالتّهاون وقلة الاعتناء بالصّلاة. (الفتح).
فائدة:
ومما يستحب في السجود: أن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلة القبلة حذو منكبيه.
لحديث (أن رسول الله ﷺ كان يعتمد على كفيه ويبسطهما) رواه أبو داود.
ولحديث وائل بن حجر ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه) رواه الحاكم.
وعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك) رواه مسلم.
وعن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي - في صفة الصلاة - ( … فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَة).
стр. 544
وعند أبي داود (ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه). رواه أبو داود
والحكمة في بسطهما مع ضمهما: ليحصل بذلك كمال استقبال القبلة بها، وهو أعون على تحملها في أثناء السجود.
(ويكون على أطرافِ قدميه).
لحديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي - في صفة الصلاة - ( … فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَة).
(ويقول: سبحان ربي الأعلى).
أي: يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
لحديث حُذَيْفَةَ - وقد تقدم - قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ … ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى. فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ) رواه مسلم.
• وهذا التسبيح واجب في الصلاة، كما سيأتي في واجبات الصلاة إن شاء الله.
• يستحب أن يقول بعض الأذكار الأخرى الواردة في السجود وقد تقدم بعضها:
أ-ما جاء في حديث عائشة وقد تقدم (سُبْحَانَكَ اَللَّهُمَّ [رَبَّنَا] وَبِحَمْدِكَ، اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي).
ب-ما جاء في حديث عائشة وقد تقدم أن النبي ﷺ كان يقول (سبوح قدوس رب الملائكة والروح).
ج- ما جاء في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) رواه مسلم.
د-ما جاء في حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ -وقد تقدم- قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، … يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ). رواه أبو داود
هـ- ما جاء في حديث علي قال ( … وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين) رواه مسلم.
стр. 545
• ووصف الرب بالعلو في هذه الحالة غاية في المناسبة، لأن الإنسان أذل ما يكون لربه وأخضع له حيث يضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعاً لربه واستكانة له، وخضوعاً لعظمته، وهو في ذلك أقرب ما يكون من ربه.
• يستحب الإكثار من الدعاء في السجود:
أ-عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ اَلْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا اَلرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اَلرَّبَّ، وَأَمَّا
اَلسُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي اَلدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ب-وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
قال الشيخ ابن عثيمين: وإنما كان أقرب لأن السجود أعلى أنواع الذل والخضوع، ولهذا لما ذللت لربك ونزّلت أعاليك تعظيماً له وذلاً رفعك الله وكنت أقرب ما يكون منه في حال السجود.
(ثم يرفع رأسه مكبراً).
أي: ثم يرفع رأسه من السجود مكبراً.
وقد تقدم أن هذه التكبير واجب، وأن مكانه ما بين الركنين.
стр. 546
(ويجلس مفترشاً).
أي: ويكون جلوسه بين السجدتين الافتراش.
والافتراش: أن ينصب الرجل اليمنى ويفرش اليسرى.
لحديث عائشة ﵂ قالت (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) رواه مسلم.
وهناك جلسة أخرى كما جاء في صحيح مسلم عن طَاوُوس قال (قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ .
والمراد بالإقعاء هنا: أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله سنة نبيكم ﷺ .
فالحديث دليل على أن من السنة الجلوس على العقبين في الصلاة بين السجدتين.
وورد صريحاً: عند الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال (من السنة في الصلاة أن تضع إليتيك على عقبيك بين السجدتين).
وهذا مذهب الشافعي.
وقد اختلف العلماء في حكم هذا الإقعاء على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في رواية، وأحمد بن حنبل.
أ-عن أنس. قال: قال لي رسول الله ﷺ (إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب) رواه ابن ماجه. (وهو ضعيف).
ب-وعنه. (أن النبي ﷺ نهى عن الإقعاء والتورك في الصلاة) رواه البيهقي. (وفيه ضعف).
ج- وعن علي قال: قال النبي ﷺ (يا علي لا تقع إقعاء الكلب) رواه ابن ماجه. (وهو ضعيف).
د- ولحديث الباب (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ اَلشَّيْطَانِ).
стр. 547
القول الثاني: أنه سنة.
وقال به: ابن عباس، وابن الزبير، وهو قول للشافعي في الجلوس بين السجدتين، اختاره النووي، وابن الصلاح.
أ- عن طَاوُس قال (قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّك ﷺ رواه مسلم.
ب-أنه ورد عن جماعة من الصحابة أنهم فعلوه.
وذهب أصحاب القول الأول إلى أنه منسوخ بالأحاديث الثابتة في صفة صلاة النبي ﷺ من أنه يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى.
قال ابن عثيمين: لعل ابن عباس لم يعلم أنه منسوخ من كون النبي ﷺ يفترش أو يتورك، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين.
قال النووي: اِعْلَمْ أَنَّ الْإِقْعَاء وَرَدَ فِيهِ حَدِيثَانِ: فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ سُنَّة، وَفِي حَدِيث آخَر النَّهْي عَنْهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة عَلِيّ، وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة أَنَس، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - مِنْ رِوَايَة سَمُرَة وَأَبِي هُرَيْرَة، وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَة سَمُرَة وَأَنَس،
وَأَسَانِيدهَا كُلّهَا ضَعِيفَة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْم الْإِقْعَاء وَفِي تَفْسِيره اِخْتِلَافًا كَثِيرًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَالصَّوَاب الَّذِي لَا مَعْدِل عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاء نَوْعَانِ.
أَحَدهمَا: أَنْ يُلْصِق أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَيَنْصِب سَاقَيْهِ، وَيَضَع يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض كَإِقْعَاءِ الْكَلْب.
هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى وَصَاحِبه أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام وَآخَرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَكْرُوه الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْي.
стр. 548
وَالنَّوْع الثَّانِي: أَنْ يَجْعَل أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ.
وَهَذَا هُوَ مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ: سُنَّة نَبِيّكم ﷺ .
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ ﵁ فِي الْبُوَيْطِيّ وَالْإِمْلَاء عَلَى اِسْتِحْبَابه فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَحَمَلَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ﵄ عَلَيْهِ جَمَاعَات مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَآخَرُونَ رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالسَّلَف أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، قَالَ: وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عَنْ اِبْن عَبَّاس ﵄ مِنْ السُّنَّة أَنْ تَمَسّ عَقِبَيْك أَلْيَيْكَ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي تَفْسِير حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيّ ﵁ عَلَى اِسْتِحْبَابه فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَلَهُ نَصٌّ آخَر وَهُوَ الْأَشْهَر: أَنَّ السُّنَّة فِيهِ الِافْتِرَاش، وَحَاصِله أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ، وَأَيّهمَا أَفْضَل؟ فِيهِ قَوْلَان. (شرح مسلم).
تنبيهات:
ما ورد من النهي عن الإقعاء:
كحديث أبي هريرة ﵁ (ونهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب " رواه أحمد.
وحديث عائشة ﵂ (كان ينهى عن عقبة الشيطان) رواه مسلم، فالمراد به هو الذي يكون كإقعاء الكلب.
والإقعاء الذي صرح به ابن عباس، وغيره أنه من السنة هو وضع الإليتين على العقبين بين السجدتين والركبتان على الأرض
• الإقعاء المسنون يسن فعله بين السجدتين فقط لا كما يفعله بعض أهل البلدان المجاورة من الإقعاء في كل جلسات الصلاة فيقعون بين السجدتين وفي التشهد الأول والثاني و … و .. الخ.
• رد الألباني في صفة الصلاة على كلام ابن القيم حيث يقول بعد أن ذكر الافتراش بين السجدتين: (ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه).
• الإقعاء المنهي عنه قال أحد العلماء في حكمه (مكروه باتفاق العلماء) (وسيأتي في مكروهات الصلاة).
стр. 549
• لا يشرع بين السجدتين الإشارة بسبابة اليد اليمنى (وهذا قول أكثر العلماء).
قالوا: تكون اليد اليمنى كاليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة.
لأن الأحاديث كلها صريحة في أن الإشارة تكون في التشهد الأول والأخير كما سيأتي إن شاء الله في التشهد، ورجح هذا القول الشيخ ابن باز والشيخ الألباني رحمهما الله.
وقال بعض العلماء: تكون اليد اليمنى كالتشهد يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء، لكن هذا القول ضعيف. (وستأتي المسألة إن شاء الله قريباً).
(ويقول رب اغفر لي).
أي: أن المصلي إذا جلس بين السجدتين يقول: رب اغفر لي.
لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي) رواه أبوداود.
وإن زاد (وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، وعافني) فحسن.
• اغفر لي: المغفرة: طلب المغفرة من الله وهو ستر الذنب والتجاوز عنه
• هذا الذكر من واجبات الصلاة، والواجب أن يقال مرة واحدة والأكمل ثلاث مرات.
• زيادة (ولوالدي) في دعاء الجلوس بين السجدتين (رب اغفر لي) لا أصل لها.
(ويسجد الثانية كالأولى).
أي: كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال.
قال العلماء: إنما شرع تكرار السجود في كل ركعة دون غيره، لأنه أبلغ ما يكون في التواضع، وأفضل أركان الصلاة الفعلية، وسرها الذي شرعت له.
стр. 550
(ثم يرفع رأسه مكبراً، وينهض قائماً).
أي: فلا يجلس للاستراحة.
وجلسة الاستراحة: هي جلسة خفيفة يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى بعد الركعة الأولى قبل أن ينهض للثانية، وبعد الركعة الثالثة قبل أن ينهض للرابعة.
وهذه المسألة اختلف العلماء فيها: هل يجلس للاستراحة أم لا على أقوال:
القول الأول: أنها مستحبة.
وهذا مذهب الشافعي.
قال النووي: مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة، وبه قال مالك بن الحويرث، وأبو حميد، وأبو قتادة وجماعة من الصحابة، وأبو قلابة، وغيره من التابعين.
ورجحه الشيخ ابن باز، والألباني.
لحديث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ ﵁ (أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ
وجه الدلالة: حيث أن مالك بن الحويرث وصف صلاة النبي ﷺ فذكرها، وهو الذي قال له النبي ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
القول الثاني: أنها غير مشروعة.
وهذا مذهب الجمهور.
قال النووي: وقال كثيرون أو الأكثرون لا يستحب، بل إذا رفع رأسه من السجود نهض، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الزناد ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق.
стр. 551
قال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا.
أ-لأنها لم تذكر في أكثر الأحاديث.
ب-أنه ليس لها ذكر خاص.
ج-أن النبي ﷺ إنما فعلها عندما كبر وحطمه الناس.
ويؤيد القول باستحبابها أمران:
أحدهما: أن الأصل في فعل النبي ﷺ أنه كان يفعلها تشريعاً ليُقتدي به.
والأمر الثاني: في ثبوت هذه الجلسة في حديث أبي حميد الساعدي الذي رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، وفيه وصف صلاة النبي ﷺ في عشرة من الصحابة ﵃ فصدقوه في ذلك.
القول الثالث: سنة عند الحاجة وإلا فلا.
وهذا اختيار ابن قدامة، والشيخ السعدي ﵀، والشيخ ابن عثيمين.
قال السعدي: أصح الأقوال الثلاثة في جلسة الاستراحة استحبابها للحاجة إليها، واستحباب تركها عند عدم الحاجة إليها.
قال في المغني: وبهذا القول تجتمع الأدلة.
стр. 552
• ما الحكم إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة، فهل للمأموم أن يفعلها؟
اختلف العلماء هل الأفضل للمأموم أن يجلس للاستراحة أم لا؟ وسبب الخلاف في المسألة هو: هل جلوس المأموم في هذه الحال وتأخره عن الإمام ينافي المتابعة التي أمر بها النبي ﷺ أم لا؟
القول الأول: أن المأموم يجلس للاستراحة ولو لم يجلسها الإمام، وتأخر المأموم في هذه الحال يسير لا يضر.
قال النووي: وَإِنْ تَرَكَ الإِمَامُ جلْسَةَ الاسْتِرَاحَةِ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ، قَالَ أَصْحَابُنَا (يعني الشافعية): لأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهَا يَسِيرَةٌ.
القول الثاني: أنه لا يجلسها.
واختار هذا الشيخ ابن عثيمين.
وقال الشيخ ابن عثيمين في (الشرح الممتع) مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل يُسن له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سنة أو متابعة الإمام أفضل؟
الجواب: أن متابعة الإمام أفضل، ولهذا يترك الواجب وهو التشهد الأول، ويفعل الزائد كما لو أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه سوف يتشهد في أول ركعة فيأتي بتشهد زائد من أجل متابعة الإمام، بل يترك الإنسان الركن من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبي ﵇: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً (فيترك ركن القيام وركن الركوع، فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الركوع، كل هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: هذه الجلسة يسيرة لا يحصل بها تخلف عن الإمام.
فالجواب: أن النبي ﷺ قال: (إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا كبّر فكبروا) فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيراً، بل يبادر بالمتابعة، فلا يوافق، ولا يسابق، ولا يتأخر، وهذا هو حقيقة الائتمام. ا. هـ
стр. 553
فائدة: سئل شيخ الإسلام كما في "الفتاوى الكبرى" (١/ ١٣٥) عن رجل يصلي مأموماً ويجلس بين الركعات جلسة الاستراحة ولم يفعل ذلك الإمام فهل يجوز ذلك له؟
فأجاب: جلسة الاستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ جلسها لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة؟ فمن قال بالثاني استحبها، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، ومن قال بالأول لم يستحبها إلا عند الحاجة كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. ومن فعلها لم ينكر عليه وإن كان مأموماً، لكون التأخر بمقدارها ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها. وهل هذا إلا فعل في محل اجتهاد؟ فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده والمبادرة إلى موافقة الإمام، فإن ذلك أولى من التخلف لكنه يسير، فصار مثلما إذا قام من التشهد الأول قبل أن يكمله المأموم، والمأموم يرى أنه مستحب، أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من الدعاء هل يسلم أو يتمه؟ ومثل هذه المسائل هي من مسائل الاجتهاد والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب والله أعلم. ا. هـ
أ-حكى بعض العلماء الإجماع على أنها ليست بواجبة.
ب-جاء ذكر جلسة الاستراحة في حديث المسيء في صلاته في بعض روايات البخاري، لكنها شاذة.
ج-هذه الجلسة ليس لها ذكر خاص وليس لها تكبير.
стр. 554
(ويصلي الثانية كالأولى).
أي: ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى في القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، وما يقال فيها، لحديث المسيء في صلاته، فإن النبي ﷺ لما وصف له الركعة الأولى قال (ثم افعل ذلك في صلاتك كلِّها).
• لكن هناك أشياء تختلف فيها الركعة الثانية عن الأولى ولهذا:
(ما عدا التحريمة، والاستفتاح، والتعوذ).
دعاء الاستفتاح: فلا يشرع في الركعة الثانية، لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة.
والتحريم: أي تكبيرة الإحرام، فلا تعاد، لأنها للدخول في الصلاة، وهو منتفٍ هنا.
الاستعاذة: فلا تشرع في الثانية، وإنما يستعيذ في الركعة الأولى فقط ورجحه ابن القيم، قالوا: لأن الصلاة جملة واحدة، لم يتخلل القراءتين فيها سكوت. (وقد تقدمت المسألة).
ومما تختلف فيه الركعة الثانية عن الأولى:
أن الركعة الأولى أطول من الثانية: لأن النبي ﷺ كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية.
كما في حديث أبي قتادة - وقد تقدم - (وَيُطَوِّلُ اَلرَّكْعَةَ اَلْأُولَى).
стр. 555
قال ابن قدامة: ويستحب أن يطيل الركعة الأولى من كل صلاة; ليلحقه القاصد للصلاة .. ، لحديث أبي قتادة ﵁ … قال أحمد، ﵀، في الإمام يطول في الثانية، يعني أكثر من الأولى: يقال له في هذا: تَعَلَّم. وقال أيضاً، في الإمام يقصر في الأولى ويطول في الآخرة: لا ينبغي هذا، يقال له، ويؤمر.
• والحكمة في مشروعية تطويل الركعة الأولى عن الثانية:
قيل: إن المصلي يكون في أول الصلاة نشيطاً مقبلاً على صلاته.
وقيل: حتى يدرك الناس الركعة الثانية.
(فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً)
وهذا يسمى التشهد الأول، ويجلس مفترشاً، فيكون جلوسه هنا مثل جلوسه بين السجدتين.
ففي حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ -في صفة صلاة النبي ﷺ ( … فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى).
(فيبسطُ يده اليسرى على فخذهِ اليسرى، ويده اليمنى على فخذهِ اليمنى، يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة).
يضع اليد اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى.
وأما الأصابع:
فأصابع اليد اليمنى لها صفتان:
الصفة الأولى: أن يقبض الخنصر والبنصر والإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة.
فقد دل عليها:
أ- حديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اَلْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اَلْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى اَلْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ اَلسَّبَّابَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِاَلَّتِي تَلِي اَلْإِبْهَامَ).
стр. 556
[عقد ثلاثاً وخمسين] صورته أن يقبض الخنصر والبنصر ثم يحلق بالإبهام مع الوسطى [التحليق] إشارة إلى الثلاثة، وقبض الخنصر والبنصر إشارة إلى الخمسين [السبابة] الإصبع التي تقع
ب- وحديث عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْر. قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ) رواه مسلم.
الصفة الثانية: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويضم إليها الإبهام، وتبقى السبابة مرفوعة يشير بها.
ودليل هذه الصفة رواية (وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِاَلَّتِي تَلِي اَلْإِبْهَامَ).
[وقبض أصابعه كلها] أي اليد اليمنى.
• أما أصابع اليد اليسرى تكون مبسوطة مضمومة غير مفرجة، وأطرافها إلى القبلة، ولها صفتان:
الصفة الأولى: أن يجعل اليدين على الفخذين.
ففي حديث ابن عمر: ( … ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها).
الصفة الثانية: أن يجعل اليمنى على طرف الركبة اليمنى واليسرى يجعلها على الركبة اليسرى كالقابض.
كما جاء في حديث ابن الزبير: ( … وأشار بإصبعه السبابة … ويلقم كفه اليسرى على ركبته).
الإلقام: العطف، يعطف أصابع اليد اليسرى على ركبته.
стр. 557
• ويسن أيضاً أن يشير بسبابته في التشهد.
لقوله (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ اَلسَّبَّابَةِ).
والحكمة: لأجل أن يجتمع للمصلي في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد.
لكن: هل يحرك إصبعه أم لا؟
اختلف العلماء: وقد ورد في ذلك حديثان.
ورد ما يثبت ذلك:
فقد ثبت التحريك في حديث وائل بن حجر عند أبي داود وأحمد والنسائي: ( … ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها).
من طريق زائد بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: (أخبرني وائل … ).
فانفرد زائدة بهذه اللفظة.
صححها بعضهم وضعفها بعضهم.
قال ابن خزيمة لما ساقه: إن الأخبار ليس فيها يحركها إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره، فمن صححها البيهقي، لأنه تأولها، والتأويل فرع عن التصحيح.
وصححها الألباني وانتصر لها، لأن زائدة ثقة ثبت.
وسبب من ضعفها أنه خالف جمع: [السفيانان، وشعبة] فهي شاذة.
وأما زيادة: (لا يحركها) جاءت في حديث ابن الزبير: ( … وكان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها) رواه أبو داود.
صححها ابن الملقن والنووي، لكن ضعفها: ابن القيم وقال: في صحتها نظر.
لأن الإمام مسلم أخرج الحديث في صحيحه وليس فيه (لا يحركها).
وتفرد بها ابن جريج عن بقية الرواة، وقد حكم الألباني في شذوذها.
стр. 558
ولهذه الأحاديث اختلف العلماء:
القول الأول: يحركها، وهو قول بعض الشافعية والمالكية واختاره الألباني وابن باز.
القول الثاني: لا يحركها، وهو قول الحنفية والشافعية وبعض المالكية واختاره ابن حزم.
القول الثالث: كل ذلك جائز، واختاره القرطبي، والصنعاني.
قال القرطبي: اختلفوا في تحريك إصبع السبابة، فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم من لم يره، وكل ذلك مروي في لآثار الصحاح المسندة عن النبي ﷺ ، وجميعه مباح، واختاره الصنعاني.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لكن دلت السنة على أنه يشير بها عند الدعاء فقط، لأن لفظ الحديث (يحركها يدعو بها) وقد ورد الحديث نفي التحريك وإثبات التحريك، والجمع بينهما سهل، فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء.
- متى يشير المصلي؟
قيل: عند لفظ الجلالة.
وقيل: عند قول لا إله إلا الله.
وقيل: عند الدعاء، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
فائدة: يكره الإشارة بمسبحته اليسرى، حتى لو كان أقطع اليمنى، لم يشر بمسبحته اليسرى لأن سنتها البسط دائماً.
• قوله: (إذا قعد للتشهد قبض الخنصر والبنصر … ) هذه الصفة خاصة بجلوس التشهد الأول والثاني، فهل يفعل ذلك في الجلوس بين السجدتين؟
стр. 559
اختلف العلماء هل يفعل ذلك بين السجدتين؟
القول الأول: يفعل ذلك.
وهو ظاهر كلام ابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
واستدلوا برواية في وائل بن حجر: (ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى وحلق … ثم سجد) عند عبد الرزاق وأحمد، من طريق سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر.
القول الثاني: لا يفعل.
وهذا ما عليه الأكثر.
وهذا هو المعروف عند العلماء أنه إذا أطلق الجلوس فالمراد به التشهد.
نقل ابن حجر عن ابن رشيْد قوله: إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد به جلوس التشهد.
وحكم على هذه الرواية التي فيها الإشارة بين السجدتين بالشذوذ، فقد تفرد بها عبد الرزاق.
فقد رواه عن عاصم جمع صرحوا بأنه في التشهد، منهم: ابن عيينة، وشعبة، وأبي الأحوص، وخالد، وزهير بن معاوية وغيرهم.
هؤلاء خالفوا عبد الرزاق في روايته عن الثوري، فعبد الرزاق انفرد: ( … ثم أشار بسبابته ثم سجد).
وأيضاً خالف عبد الرزاق: عبد الله بن الوليد عند أحمد، ومحمد بن يوسف الفريابي (وكان ملازماً للثوري) ولم يذكر السجدة بعد الإشارة.
قال الألباني بعد ذكره لحديث النسائي (كان إذا جلس في الثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بإصبعه)
стр. 560
هي فائدة هامة تقضي على بدعة الإشارة بإصبعه في غير التشهد، و لذلك خصصتها بالتخريج بياناً للناس. ورواه أحمد (٤/ ٣) بلفظ: " كان إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى و يده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته ". وأخرجه أبو داود وغيره نحوه، وزاد في رواية: " ولا يحركها ". وهي زيادة شاذة.
وفي الحديث مشروعية الإشارة بالإصبع في جلسة التشهد، و أما الإشارة في الجلسة التي بين السجدتين التي يفعلها بعضهم اليوم، فلا أصل لها إلا في رواية لعبد الرزاق في حديث وائل بن حجر و هي شاذة.
(ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات … ).
أي: إذا جلس المصلي بعد الركعتين، فإنه يقول التشهد.
وهذا يسمى التشهد الأول، وموضعه يكون بعد الركعتين.
لقوله ﷺ (إذا جلس أحدكم في الصلاة).
وللنسائي (كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وإن محمداً علم مفاتح الخير وخواتيمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين
فقولوا … ).
وفي رواية (فقولوا في كل جلسة).
ولابن خزيمة عن عبد الله (علمني رسول الله التشهد في وسط الصلاة).
عن عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ،
اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ وَرَحْمَةَ اَللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، اَلسَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اَللَّهِ اَلصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 561
وَلِأَحْمَدَ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ اَلتَّشَهُّد، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اَلنَّاسَ).
[التحيات لله] جمع تحية. قال الحافظ: " معناه السلام، وقيل: التحية، وقيل: العظمة ". وقال الخطابي والبغوي: "المراد بالتحيات أنواع التعظيمات". [والطيبات] كل ما طاب من قول أو فعل فهو لله، وأما بالنسبة للعباد فإنه لا يقبل إلا الطيب كما في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). [السلام عليك أيها النبي] الدعاء للنبي بالسلامة من كل آفة ومكروه، وهذا شامل من مخاوف الدنيا والآخرة. [ورحمة الله] دعاء له بالرحمة، وهو يتضمن الدعاء بحصول كل أمر مرغوب فيه. [وبركاته] جمع بركة، والبركة الخير الكثير المستمر، وبركات الله على نبيه تشمل حال حياته وحال مماته.
[السلام علينا] أي علينا معشر المصلين، وقيل: المصلون ومعهم الملائكة، وقيل: المراد جميع الأمة المحمدية وهذا أقرب
• بعض صيغ التشهد:
للتشهد عدة صيغ:
الصيغة الأولى: ما جاء في حديث ابن مسعود السابق.
وقد اختار هذا التشهد أحمد، وأبي حنيفة، والثوري.
قال الترمذي: عليه العمل عند أكثر أهل العلم والصحابة والتابعين.
قال البزار: إنه متفق عليه.
الصفة الثانية: تشهد ابن عباس، كما عند مسلم قال (كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: التحيات، المباركات الصلوات الطيبات لله … ).
الصفة الثالثة: تشهد عمر، ولفظه: (التحيات لله … ).
стр. 562
- ما أفضل هذه التشهدات؟
القول الأول: تشهد ابن عباس.
وهذا مذهب الشافعي، وبعض أصحاب مالك.
لزيادة لفظ (المباركات) فيه.
القول الثاني: تشهد ابن مسعود.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور الفقهاء وأهل الحديث.
قال البزار: هو أصح حديث في التشهد، وقد روي من نيف وعشرين طريقاً.
وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود.
وهو متفق عليه دون غيره.
وأن رواته لم يختلفوا في حرف فيه، بل نقلوه مرفوعاً على صفة واحدة.
القول الثالث: تشهد عمر.
وهو قول مالك.
لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد.
قال النووي: واتفق العلماء على جوازها كلها، يعني التشهدات الثابتة من وجه صحيح.
- ما حكم التشهد في الصلاة؟
التشهد الأول واجب، والتشهد الثاني ركن، وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ. . .).
ولقوله ﷺ (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. . .).
ولأن النبي ﷺ علم ابن مسعود التشهد وأمره أن يعلمه الناس.
لكن استثني من ذلك التشهد الأول فليس بركن.
стр. 563
لأن النبي ﷺ لما تركه جبره بسجود السهو، ومعلوم أن الركن لا بد أن يأتي به ولا يكفي أن يجبر بسجود سهو، فلذلك كان التشهد الأول واجباً.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التشهد الأول سنة، وهذا مذهب مالك والشافعي.
قالوا: لأن النبي ﷺ تركه ولم يرجع إليه.
ولأن النبي ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته.
والصحيح مذهب الحنابلة.
• هل يصلى على النبي ﷺ في التشهد الأول؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يصلى على النبي ﷺ في التشهد الأول.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره الشيخ ابن باز ﵀.
أ-لعموم أحاديث الأمر بالصلاة على النبي ﷺ .
ب-ولأنه قعود شرع به التشهد تشرع به الصلاة على النبي ﷺ .
القول الثاني: لا تشرع.
وهذا مذهب أبي حنيفة، وحكي عن عطاء والشعبي والنخعي والثوري ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
لحديث ابن مسعود المتقدم في التشهد الأول، وليس فيه ذكر الصلاة على النبي ﷺ .
وأيدوا هذا بأمرين:
الأول: رواية جاءت في المسند: ( … ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم). رواه أحمد وسنده صحيح
الثاني: أن التشهد الأول مبني على التخفيف، والثاني مبني على التطويل.
فإذا كان الرسول ﷺ إذا فرغ من التشهد يقوم دليل على أنه لا يصلي على النبي ﷺ بدليل أنه كان لا يدعو. ويؤيد هذا:
أن النبي ﷺ كان يخفف التشهد الأول حتى كأنه على الرضف، وهي الحجارة المحماة.
وهذا الحديث وإن كان فيه من ضعف، لكن جاء عن أبي بكر أنه كان يجلس كأنه على الرضف. رواه أحمد
والظاهر أنها مشروعة في التشهد الأول، لكن آكديتها في الثاني أكثر.
стр. 564
فائدة: المأموم إذا فرغ من التشهد الأول ولم يقم إمامه، فإنه ينبغي له أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ ولا يسكت كما يفعل بعض العامة، لأن الصلاة لا سكوت فيها.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ. وَيُصَلِّي بَاقِي صَلَاتِهِ بِالْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَة).
أي: يكبر للقيام من التشهد الأول رافعاً يديه ويصلي الثالثة والرابعة كالثانية، لكن يقتصر فيهما بالفاتحة فقط، فلا يزيد عليها. [وقد سبقت المسألة وأنه يسن الزيادة أحياناً على الفاتحة].
(ثُمَّ يَتَشَهَّدُ اَلتَّشَهُّدَ اَلْأَخِيرَ وَهُوَ اَلْمَذْكُور).
أي يقول التشهد الأخير وهو ما سبق (التحيات لله والصلوات والطيبات .... ).
(وَيَزِيدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتُ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد).
أي: في التشهد الأخير يزيد الصلاة على النبي ﷺ .
لحديث كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قال (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) متفق عليه.
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: (قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَمَرَنَا اَللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ? فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: " قُولُوا: اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي اَلْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلَّمْتُكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَزَادَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: (فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا).
стр. 565
• وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها واجبة.
وهذا مذهب الشافعي وإسحاق.
قال الشوكاني: إلى ذلك ذهب عمر وابنه وابن مسعود وجابر بن زيد والشعبي.
واختاره ابن العربي والألباني والصنعاني.
أدلتهم:
أ-قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
وجه الدلالة: أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ ، وأمره المطلق يقيد الوجوب.
ب-حديث أبي مسعود السابق (قولوا: اللهم صلّ على محمد … ) وهذا أمر، والأمر للوجوب.
ج-ولقوله ﷺ (إذا أنتم صليتم عليّ فقولوا: اللهم صلّ على محمد … ).
وقال الشوكاني: إن في حديث فضالة حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضاً حيث لم يأمر تاركها بالإعادة
وقد رد الشوكاني على كل أدلة من يقول بالوجوب، فقال ﵀: لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد لهذه النصوص، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه ﷺ ، وهو يقتضي الوجوب في الجملة بإيقاع فروضها خارج الصلاة.
следующие страницы →