Полный текст (3 390 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ) رواه مسلم.
قال النووي: معناه أن صلاة القاعد فيها نصف ثواب القائم، فيتضمن صحتها ونقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعداً لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائماً.
(وتكبيرة الإحرام).
أي: ومن أركان الصلاة تكبيرة الإحرام.
أ- لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) متفق عليه.
ب- ولحديث علي ﵁ قال: قال ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير) رواه الترمذي.
قال النووي: فتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها.
• وليس شيء من التكبيرات ركناً سوى تكبيرة الإحرام.
وقد تقدمت مباحثها.
• والتحريم جعل الشيء محرماً، سميت بها لتحريمها الأشياء المباحة قبل الشروع.
(والفاتحة).
أي: ومن أركان الصلاة قراءة الفاتحة.
أ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عن النَّبِيَّ ﷺ أنه قال (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب) متفق عليه.
ب-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَام) رواه مسلم.
стр. 597
وسيأتي إن شاء الله أنها ركن في حق الإمام والمنفرد والمأموم في الصلاة السرية والجهرية.
ج- وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ (كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ هَذًّا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا). رواه أبو داود.
فلابد من قراءة الفاتحة في الصلاة، فمتى تركها المصلي إماماً أو منفرداً بطلت صلاته.
وهذا مذهب جماهير العلماء للأحاديث السابقة.
• والفاتحة لابد منها في الصلاة والسرية والجهرية، للإمام والمنفرد والمأموم.
هذا القول هو الراجح.
وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه، واختاره البخاري، والشوكاني، للأحاديث السابقة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها واجبة في السرية دون الجهرية.
وهذا قول الإمام مالك، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
قالوا: هذا أمر بالاستماع والإنصات لمن يقرأ القرآن، وقد ذكر الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في الصلاة.
ب-وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) رواه ابن ماجه وأحمد.
قال البخاري: هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم.
стр. 598
وقال ابن حجر: كل طرقه معلولة.
ج - قالوا: كيف يلزم المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية وقد سمعها من الإمام وأمّن عليها، والسامع المؤمن كالفاعل، بدليل قوله تعالى في قصة موسى وهارون (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا … قد أجيبت دعوتكما) ومعلوم أن الداعي موسى بنص القرآن، وهارون كان يؤمّن، فجعل الله دعوة موسى دعوة لهارون.
والراجح أنها ركن مطلقاً في الصلاة السرية والجهرية.
وأما الجواب عن أدلة القول الثاني:
أما الآية فهي عامة، وحديث عبادة الأمر بالفاتحة خاص، والخاص يقضي على العام.
وأما حديث (من كان له إمام فقراءة الإمام … ) فهذا حديث لا يصح.
وأما قولهم إن ذلك عبث، نقول: ما دام أنه جاء النص بقراءة الفاتحة فيلزم أن يقرأها ثم ينصت.
• تسقط الفاتحة في حق المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً.
لحديث أبي بكرة (أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك إلى النبي ﷺ فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد) رواه البخاري.
ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة.
ومن النظر: أن هذا الرجل لم يدرك القيام الذي هو محل قراءة الفاتحة، فسقط عنه الذكر لسقوط محله، كما يسقط غسل اليد في الوضوء إذا قطعت يده من المرفق لفوات المحل. (ابن عثيمين).
ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن إدراك الركوع مجزئاً لإدراك الركعة مع الإمام لأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يدرك القراءة فيها، ولم ينقل عنه ذلك، فدل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة (سلسلة الأحاديث الصحيحة).
стр. 599
قال الشوكاني: وكذلك فإن الرسول ﷺ أمر الداخل بأن يصنع كما يصنع الإمام، ومعلوم أنه لا يحصل الامتثال إلا إذا ركع مع إمامه، فإذا أخذ يقرأ الفاتحة فقد أدرك الإمام على حالة ولم يصنع كما صنع إمامه، فخالف الأمر الذي وجب عليه امتثاله.
• هل لابد من الفاتحة في كل ركعة؟
نعم، لا بد من الفاتحة في كل ركعة. قوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).
فائدة: قوله (لا تعد (اختلف العلماء: قيل: لا تعد إلى الإسراع، وقيل: إلى الركوع دون الصف، والراجح الأول.
(وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله).
(والركوع).
أي: ومن أركان الصلاة الركوع.
وهو ركن بالإجماع، قاله في المغني.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا).
ب- ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: ( … ثم اركع حتى تطمئن راكعاً).
• قال الشيخ ابن باز: إذا أدرك المأموم الإمام راكعا أجزأته الركعة ولو لم يسبح المأموم إلا بعد رفع الإمام. انتهى.
• وإذا أدركه حال الركوع أجزأته تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وسعيد وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي، وبه قال الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد).
قال أبو داود: قلت لأحمد: أُدرك الإمام راكعاً؟ قال: يجزيك تكبيرة. (مسائل الإمام أحمد).
وذلك لأن حال الركوع يضيق عن الجمع بين تكبيرتين في الغالب، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد، ونية الركوع لا تنافي نية افتتاح الصلاة، فأجزأ الركن وهي تكبيرة الإحرام عن الواجب وهي تكبيرة الركوع، كطواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع إذا جعله آخر شيء. … انظر (المغني) (القواعد لابن رجب).
стр. 600
فإن أمكن أن يأتي بتكبيرتين: الأولى للإحرام، والثانية للركوع فهذا أولى، قال أبو داود: " قلت لأحمد: يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: فإن كبر مرتين فليس فيه اختلاف. … (مسائل الإمام أحمد).
وسئل الشيخ ابن باز: إذا حضر المأموم إلى الصلاة والإمام راكع هل يكبر تكبيرة الافتتاح والركوع أو يكبر ويركع؟
فأجاب: " الأولى والأحوط أن يكبر التكبيرتين:
إحداهما: تكبيرة الإحرام وهي ركن ولا بد أن يأتي بها وهو قائم.
والثانية: تكبيرة الركوع يأتي بها حين هويه إلى الركوع، فإن خاف فوت الركعة أجزأته تكبيرة الإحرام في أصح قولي العلماء، لأنهما عبادتان اجتمعتا في وقت واحد فأجزأت الكبرى عن الصغرى، وتجزئ هذه الركعة عند أكثر العلماء.
• وعلى الداخل أن يكبر للإحرام قائماً، فإن أتى به على حال انحنائه للركوع لم يصح.
قال النووي: إذا أدرك الإمام راكعا كبر للإحرام قائما ثم يكبر للركوع ويهوي إليه، فإن وقع بعض تكبيرة الإحرام في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضا بلا خلاف، ولا تنعقد نفلا أيضاً على الصحيح. … (المجموع).
وقال الشيخ ابن عثيمين: ولكن هنا أمْرٌ يجبُ أن يُتفَطَّنُ له، وهو أنَّه لا بُدَّ أنْ يكبِّرَ للإحرامِ قائماً منتصباً قبل أنْ يهويَ؛ لأنَّه لو هَوى في حالِ التكبيرِ لكان قد أتى بتكبيرةِ الإحرامِ غير قائمٍ، وتكبيرةُ الإحرامِ لا بُدَّ أن يكونَ فيها قائماً.
• وإذا ركع مع الإمام أجزأته الركعة ولو لم يقرأ الفاتحة، وهو قول الجمهور، وهو الراجح ـ إن شاء الله كما تقدم لحديث أبي بكرة.
• حكم الركوع دون الصف:
جاء في حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اَلصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ زَادَكَ اَللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ (فَرَكَعَ دُونَ اَلصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى اَلصَّفِّ).
стр. 601
فقوله (ولا تَعُد).
قيل: لا تعد إلى الإسراع والسعي الشديد.
وهذا جاء نهي عنه بخصوصه كما في حديث أبي هريرة ( … فعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا).
وقيل: إلى الركوع دون الصف.
لرواية أبي داود (أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف).
ويؤيده حديث أبي هريرة (إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف) رواه الطحاوي، وقد روي مرفوعاً، لكن صحح ابن رجب أنه موقوف.
• فإذا ركع المسبوق قبل الوصول إلى الصف، كي يدرك الركعة مع الإمام، فقد وقع في المكروه، ولكن صلاته صحيحة إن شاء الله.
قال الإمام الشافعي ﵀: فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردا مجزئا عنه " انتهى من (الأم).
وقال الخطابي ﵀: قوله: (ولا تعد) إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل، ولو لم يكن مجزيًا لأمره بالإعادة. (معالم السنن)
وقال الشيخ ابن عثيمين: الصواب أنه لا يركع قبل أن يصل إلى الصف؛ لأن الحديث عام: (لا تعد).
فائدة: وذهب بعض العلماء إلى جواز الركوع دون الصف، وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني.
لفعل بعض الصحابة.
وقد قال عطاء بن يسار أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس (إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً، حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة). رواه ابن خزيمة والطبراني
وقد فعل ذلك بعض الصحابة:
كأبي بكر: عند البيهقي.
وزيد بن ثابت: رواه البيهقي.
وابن مسعود: كما عند ابن أبي شيبة.
والله أعلم.
стр. 602
(والرفع منه).
أي: ومن أركان الصلاة الرفع من الركوع.
لحديث المسيء في صلاته قال له: ( … ثم ارفع حتى تطمئن قائماً).
• يستثنى من هذا: الركوع الثاني وما بعده في صلاة الكسوف فإنه سنة.
(والسجود).
أي: ومن أركان الصلاة السجود.
وهو ركن بالإجماع.
لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً).
(والجلوس بين السجدتين).
لقوله ﷺ للمسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً).
(والطمأنينة في الكل).
أي: ومن أركان الصلاة: الطمأنينة.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا قُمْتُ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ اِسْتَقْبِلِ اَلْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ اَلْقُرْآنِ، ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 603
ووقع في حديث رفاعة بن رافع - عند ابن أبي شيبة - في هذه القصة (فدخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها).
وجه الدلالة: لأن النبي ﷺ أنكر على الصحابي سرعته وقال (إنك لم تصلّ) وأمره بالإعادة وأخبره بأنه لم يصلِ مع أنه كان جاهلاً.
ب-ولحديث أبي مسعود قال ﷺ : (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق في صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها). رواه أحمد
ج- عن زَيْدَ بْن وَهْب قَالَ (رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رواه البخاري.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) فهذا أمر بمطلق الركوع والسجود.
والصحيح الأول، وأما الآية فهي مطلقة بينت السنة المراد بها.
• اختلف العلماء في حد الاطمئنان المطلوب على قولين:
القول الأول: هي استقرارٌ بقدر الإتيان بالواجب.
مثال: في الركوع يطمئن بقدر سبحان ربي العظيم.
القول الثاني: أنها السكون وإن قلَ.
والصحيح الأول.
стр. 604
(والتشهد الأخير).
أي: ومن أركان الصلاة التشهد الأخير.
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية.
لحديث ابن مسعود قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله … ). رواه النسائي
والأصل أن التشهدين [الأول والثاني] كليهما فرض، لكن التشهد الأول لما تركه الرسول ﷺ وجبره بسجود سهو، علم بذلك أنه من الواجبات، ويبقى التشهد الأخير على فرضيته ركناً.
(وجلسته).
أي: ومن أركان الصلاة جلسة التشهد الأخير.
فلو قرأ التشهد وهو قائم لم تصح صلاته، لأنه ترك ركناً.
(والصلاة على النبي ﷺ فيه).
أي: ومن أركان الصلاة: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير.
وقد تقدم الخلاف في هذا:
فقيل: واجبة.
وقيل: ركن.
وقيل: سنة.
стр. 605
(والترتيب).
أي: ومن أركان الصلاة: الترتيب بين أركان الصلاة.
أي ترتيب الأركان: قيام، ثم رفع، ثم سجود، … ، فلو قدم المصلي السجود قبل الركوع فلا تصح صلاته.
أ- أن النبي ﷺ علم المسيء في صلاته بقوله (ثم … ثم … ثم … ) وثم تدل على الترتيب.
ب- أن النبي ﷺ واظب على هذا الترتيب.
(والتسليمة الأولى).
أي: ومن أركان الصلاة: التسليمة الأولى.
وقد تقدم - في صفة الصلاة - بيان ذلك.
وأن أكثر العلماء: على أن الأولى واجبة دون الثانية.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة صحيحة.
أ-لحديث عائشة (أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة) رواه أبو داود.
ب-وكذلك حديث أنس في الاقتصار على تسليمة واحدة، وغيرهما.
ج-ولقوله ﷺ (تحليلها التسليم).
د-وحديث عائشة (كان ﷺ يختم بالتسليم) فقالوا: هذا مطلق، ويحصل بالتسليمة الأولى.
هـ-ولأنه ورد عن بعض الصحابة الاقتصار على تسليمة واحدة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا بد من التسليمتين.
وهي رواية عن أحمد واختارها الشيخ ابن باز، ابن عثيمين.
أ- لقوله ﷺ (وتحليلها التسليم) فقالوا المقصود بالتسليم التسليم المعهود من فعل النبي ﷺ وكان يسلم عن يمينه وعن شماله.
ب-ولحديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله) رواه مسلم.
قوله: (يكفي) دليل على أنه لا يكفي أقل من ذلك
ج-محافظة النبي ﷺ على التسليمتين حضراً وسفراً.
стр. 606
(هذه الْأَرْكَانُ لَا تَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا جَهْلاً وَلَا عَمْدًا).
أي: أن هذه الأركان لا تسقط مطلقاً لا سهواً ولا جهلاً، بل لا بد أن يأتي بها ويسجد للسهو.
وهذا هو الفرق بين الواجبات والأركان، فالأركان لا بد أن يأتي بها المصلي لا تسقط أبداً.
مثال: إنسان ترك الركوع ناسياً، فلا بد أن يأتي بالركوع ويسجد للسهو، لأن الركوع ركناً من أركان الصلاة.
مثال: لو ترك قراءة الفاتحة ناسياً، فإنه يلزمه أن يأتي بها.
والدليل على أن الأركان لا تسقط:
حديث أبي هريرة قال (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِىِّ إِمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى جِذْعاً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَباً وَفِى الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يَتَكَلَّمَا وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَمِيناً وَشِمَالاً فَقَالَ «مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ». قَالُوا صَدَقَ لَمْ تُصَلِّ إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ) متفق عليه.
فالنبي ﷺ لما سلم من ركعتين في الظهر، وأخبر بذلك، قام وأتي بالركعتين وسجد للسهو بعد السلام.
(وواجباتها).
أي: وواجبات الصلاة.
стр. 607
(التكبير غير التحريمة).
أي: من واجبات الصلاة تكبيرات الانتقال ما عدا تكبيرة الإحرام فإنها ركن كما تقدم.
وقد تقدم دليل وجوبها.
أ-أن النبي ﷺ واظب عليها، ولم يحفظ عنه أنه ترك التكبير أبداً، مع قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ب-وقال ﷺ (وإذا كبر فكبروا).
ج-وقال ﷺ في الصلاة (إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) فدل على أن الصلاة لا تخلو من التكبير كما لا تخلو من قراءة القرآن، وكذلك التسبيح.
د-ولأنها شعار الانتقال من ركن إلى ركن.
• يستثنى من ذلك:
تكبيرة الإحرام، فإنها ركن كما سبق.
وتكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً فإنها سنة، للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام، وكذا الزوائد في العيد والاستسقاء فإنها سنة.
стр. 608
(والتسميع والتحميد).
أي: قول الإمام والمنفرد: سمع الله لمن حمده، والتحميد: للإمام، والمأموم، والمنفرد.
أ-لقوله ﷺ : (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).
ب- ولمواظبة النبي ﷺ على ذلك.
(والتسبيح في الركوع والسجود مرة).
أي: ومن واجبات الصلاة: قول سبحان ربي العظيم في الركوع، وقول سبحان ربي الأعلى في السجود.
قال النووي: وأوجبه أحمد وطائفة من أهل الحديث.
أ-لقوله (فَأَمَّا اَلرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اَلرَّب … ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
ب-ولحديث حذيفة قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى)، وقد قال النبي ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ج- ولحديث عقبة بن عامر قال (لما نزلت [فسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم] قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى] قال: اجعلوها في سجودكم) رواه أبو داود.
стр. 609
(وقول: رب اغفر لي بين السجدتين).
أي: ومن واجبات الصلاة: قول رب اغفر لي بين السجدتين.
لفعل النبي ﷺ ، ولقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والواجب مرة، وما زاد فهو أكمل.
وأكثر العلماء على أن هذا الذكر سنة.
(والتشهد الأول).
أي: ومن واجبات الصلاة: التشهد الأول.
لحديث عبد الله بن بحينة: (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم فسلم). متفق عليه
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لما نسيه لم يَعُد إليه وجبره بسجود السهو، ولو كان ركناً لم ينجبر بسجود السهو.
стр. 610
(فهذه إن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سقطت وجبرها بسهو).
أي: هذه الواجبات حكمها:
من تركها عمداً بطلت صلاته.
ومن تركها سهواً فإنه يجبرها بسجود سهو.
فلو أنه ترك التشهد الأول ناسياً، فإنه لا يلزمه أن يأتي به، ويجبره بسجود سهو.
وكذا لو ترك [سبحان ربي العظيم] في الركوع ناسياً، فإنه لا يلزمه أن يأتي به، ويجبره بسجود سهو.
ولو تركها عمداً فإنه تبطل صلاته.
مثال: لو ترك التشهد الأول عمداً، فإن صلاته باطلة.
لو ترك سبحان ربي الأعلى عمداً، فإن صلاته باطلة.
(وما عدا هذا، فسنن لا تبطل الصلاة بتركها، ولا يجب السجود لسهوها).
أي: ما عدا الأركان والواجبات فهو سنن، وهي على نوعين، سنن قولية وسنن فعلية.
والسنة ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام، وحكمها: يثاب فاعلها امتثالاً ولا يعاقب تاركها.
أمثلة: دعاء الاستفتاح، رفع اليدين، البسملة، والتعوذ، قول آمين عند الانتهاء من قراءة الفاتحة، قراءة سورة أو بعض سورة بعد الفاتحة، ما زاد على الواحدة في تسبيح الركوع والسجود، الدعاء بعد الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، رفع اليدين في المواضع الأربع التي سبقت، وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر.
стр. 611
مكروهات الصلاة
(ويكره في الصلاة التفاتُهُ).
أي: ومن مكروهات الصلاة الالتفات.
أ-لحديث عائشة. قَالَتْ (سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلِالْتِفَاتِ فِي اَلصَّلَاةِ? فَقَالَ: هُوَ اِخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ اَلشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ اَلْعَبْدِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ب- وقال ﷺ ( … فإذا صليتم فلا تلتفتوا … ) رواه الترمذي.
ج- وقال ﷺ (لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف).
[اختلاس] أي اختطاف بسرعة، [الالتفات] المراد بالرأس أو العنق [تحويل الوجه عن القبلة]، وأما الالتفات بالصدر حرام.
• جمهور العلماء على أن الالتفات مكروه.
• يجوز إذا كان لحاجة، ويدل لذلك:
أ- حديث سهل بن الحنضلية قال (ثوب في الصلاة - يعني صلاة الفجر - فجعل النبي ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب).
قال أبو داود: وكان النبي ﷺ أرسل فارساً إلى الشعب يحرس، فكان النبي ﷺ يلتفت إليه ويترقب قدومه.
ب- وحديث أنس في مرض النبي ﷺ وأنه خرج والمسلمون في صلاة الفجر وكشف السترة … فنظر إلى المسلمين وهم صفوف فتبسم ﷺ فطفق أبو بكر يريد أن يتأخر … ونظر المسلمون إلى رسولهم حتى كادوا أن يفتتنوا.
ج- وفي حديث جابر أنه قال (اشتكى النبي ﷺ فصليت وراءه وهو قاعد فالتفت فرآنا قياماً … ).
стр. 612
قال الشيخ ابن عثيمين: ومن ذلك لو كانت المرأة عندها صبيها وتخشى عليه فصارت تلتفت إليه، فإن هذا من الحاجة ولا بأس به، لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان".
• جاء في (الموسوعة الفقهية) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَال: (هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ) رواه البخاري، وَالْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ أَوِ الْعُذْرِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ: كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يُكْرَهْ.
• الحكمة من النهي عن الالتفات:
قيل: لأنه ينافي الخشوع.
وقيل: لأن فيه انصراف عن الله. ولا مانع من القولين.
• قال القرطبي: سمي الالتفات اختلاساً تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة.
• الالتفات في الصلاة ينقسم إلى قسمين:
الأول: الالتفات بالقلب عن الله إلى غير الله.
والثاني: الالتفات بالبصر.
وكلاهما منهي عنه.
• فالالتفات بالصدر، بأن يحول صدره عن جهة القبلة، فهذا الالتفات يبطل الصلاة، لأن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة.
وأما الالتفات بالرأس أو والرقبة أو بالعين فقط، مع بقاء البدن مستقبلاً القبلة، فهذا الالتفات مكروه، إلا إذا فعله المسلم لحاجته إلى ذلك. (وهو المقصود هنا).
فإذا فعله من غير حاجة فقد نقص ثواب صلاته، غير أنها صحيحة لا تبطل بذلك.
стр. 613
(ورفعُ بصرهِ إلى السماء).
أي: ومن مكروهات الصلاة رفع البصر إلى السماء.
أ- لحديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى اَلسَّمَاءِ فِي اَلصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ب- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِى الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ) رواه مسلم.
ج- وعن أَنَس بْن مَالِك. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم) رواه البخاري.
قوله (أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) أي أبصارهم، و (أو) للتخيير المقصود به التهديد، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار أو خطف الأبصار عند الرفع فلا تعود إليهم.
• جمهور العلماء على أن رفع البصر في الصلاة مكروه.
وذهب بعض العلماء إلى تحريم ذلك.
لأن الحديث فيه النهي، والنهي يقتضي التحريم، وأيضاً فيه التهديد على من فعل ذلك، وهذا قول ابن حزم.
• قوله (عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ) هل النهي خاص وقت الدعاء في الصلاة؟
لا، النهي عام سواء حال الدعاء أو غيره.
أ- لأن معظم الروايات جاءت مطلقة.
ب- ولأن المعنى الذي نهي المصلي من أجله أن يرفع بصره إلى السماء موجود حال الدعاء وغيره.
ج- وجاء عند ابن ماجه وابن حبان من حديث ابن عمر بغير تقييد ولفظه (لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء)، وأخرجه بغير تقييد أيضاً الطبراني من حديث أبي سعيد، وكعب بن مالك.
стр. 614
قال القرطبي: وهذا أيضًا وعيد بإعماء من رفع رأسه إلى السماء في الصلاة، ولا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره؛ لأن الوعيد إنما تعلق به من حيث إنه إذا رفع بصره إلى السماء أعرض عن القبلة، وخرج عن سَمْتِها وعن هيئة الصلاة، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على النهي عن ذلك في الصلاة.
• الحكمة من النهي عن ذلك:
لأنه ينافي الخشوع والإقبال على الله.
ولأن فيه إعراضاً عن القبلة.
وخروجاً عن هيئة الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي ﷺ وتوعد عليه.
• قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ):
فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام.
وقيل: أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين.
والمعنى الأول أقوى. [فتح الباري].
• اختلف العلماء في حكم رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة على قولين:
القول الأول: أنه جائز.
قال ابن حجر: واختاره الأكثرون، لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٨/ ٩٩): " نص الشافعية على أن الأولى في الدعاء خارج الصلاة رفع البصر إلى السماء، وقال الغزالي منهم: لا يرفع الداعي بصره إليها " انتهى.
وقال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَة رَفْع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الدُّعَاء فِي غَيْر الصَّلَاة فَكَرِهَهُ شُرَيْح وَآخَرُونَ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ "
стр. 615
ودل على جواز رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة: ما رواه مسلم في قصة شرب المقداد ﵁ لشراب النبي ﷺ دون علمه وفيه: (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي).
وروى أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثًا، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ)، والحديث صححه النووي في المجموع.
القول الثاني: أنه مكروه.
ورجحه الشيخ ابن باز، وقال: الصواب أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، لوجوه:
أولها: أن هذا القول لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولا يعرف عن سلف الأمة.
الثاني: أن الرسول ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه، كما ثبت ذلك عنه ﷺ في مواطن كثيرة.
الثالث: أن قبلة الشيء هي ما يقابله لا ما يرفع إليه بصره.
• رفع البصر إلى السماء في غير الدعاء جائز، لأنه ثبت عنه ﷺ أنه كان يرفع بصره إلى السماء كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، فقد أخبر أنه ﷺ قام من الليل، فخرج فنظر إلى السماء.
стр. 616
(وتغميض عينيه).
أي: ومن مكروهات الصلاة تغميض العينين.
قال ابن القيم: ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة.
قيل: لأنه من فعل اليهود. ولأنه مظنة النوم.
لكن إن كان هناك شيء في قبلته يشغله ويشوش عليه فهو أفضل.
قال ابن القيم: وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة.
فائدة:
قال الشيخ ابن عثيمين: يذكر كثير من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له، وهذا من الشيطان يخشِّعُه إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه.
(وإقعاؤه).
أي: ومن مكروهات الصلاة الإقعاء.
لحديث أبي هريرة. (أن النبي ﷺ نهى عن إقعاءٍ كإقعاء الكلب) رواه أحمد.
وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض.
وقد تقدمت مباحثه.
стр. 617
(وافتراش ذراعيه ساجداً).
أي: ومن مكروهات الصلاة افتراش الذراعين حال السجود، وقد تقدم شرح ذلك.
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْب) متفق عليه.
وعن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي - في صفة الصلاة - ( … فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَة) رواه البخاري.
(اعتدلوا في السجود) أي: كونوا فيه على العدل والاستقامة، قال ابن دقيق العيد: لعل الاعتدال هنا محمول على أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع.
(ولا يبسط ذراعيه … ) أن: لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش، والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.
قال النووي: والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئة الكسالى، فإن المتبسط كشبه الكلب يُشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها.
وقال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: قد ذكر الحكمَ هنا مقروناً بعلته، فإنّ التّشبيه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصّلاة. انتهى.
والهيئة المنهيّ عنها أيضاً مشعرة بالتّهاون وقلة الاعتناء بالصّلاة. (الفتح).
وقد جاء في حديث البراء قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك) رواه مسلم.
стр. 618
(وعبثُه).
أي: ومن مكروهات الصلاة عبثه.
ومعنى العبث: اللعب والحركة التي ليست لها فائدة، سواء كان العبث بيد أو رِجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك، لأن العبث ينافي الخشوع والإقبال على الله.
(وتخصرهُ).
أي: ومن مكروهات الصلاة تخصره في صلاته.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ اَلرَّجُلُ مُخْتَصِرًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
• وَمَعْنَاهُ: هو أن يضع الإنسان يده على خاصرته، وبذلك جزم أبو داود ونقله الترمذي عن بعض أهل العلم، وهذا هو المشهور في تفسيره.
والخاصرة: هي ما فوق رأس الورك، جمعها خواصر، والخضر الوسط، وهو المستدق فوق الوركين، والجمع خصور، والخصر والخاصرة مترادفان ويقال: الخصران والخاصرتان. (حاشية الروض).
وقيل: المراد بالاختصار قراءة آية أو آيتين من آخر السورة.
وقيل: أن يحذف الطمأنينة.
• جمهور العلماء على أن التخصر في الصلاة مكروه.
أ- للحديث السابق.
ب- ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الاختصار راحة أهل النار) رواه ابن خزيمة.
ج- ولأن في الاختصار تشبهاً باليهود.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه حرام.
وذهب إليه ابن حزم.
لحديث أبي هريرة السابق، فهو صريح في النهي، ولا صارف له عن التحريم.
وهذا القول له قوة.
стр. 619
• الحكمة من النهي:
قيل: لأن إبليس أهبط مختصراً.
وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة التشبه بهم، وأخرجه البخاري عن عائشة من فعله.
وقيل: لأنه راحة أهل النار.
وقيل: لأنه صفة الزاجر حين ينشد.
وقيل: لأنه فعل المتكبرين.
وقيل: لأنه فعل أهل المصائب.
قال ابن حجر: وقول عائشة أعلى ما ورد، ولا منافاة بين الجميع.
(وتروحهُ).
أي: ومن مكروهات الصلاة أن يروّح على نفسه بالمروحة.
لأن ذلك من العبث والحركة بلا حاجة.
• لكن إن كان هناك حاجة كغم وحر شديد فلا بأس.
للقاعدة: أن المكروه يباح للحاجة.
стр. 620
فائدة:
قال الشيخ ابن عثيمين: وأما التروُّح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رِجْل أحياناً، وعلى رِجْل أُخْرى أحياناً؛ فهذا لا بأس به، ولا سيما إذا طال وقوف الإنسان، ولكن بدون أن يقدِّمَ إحدى الرِّجلين على الثانية، بل تكون الرِّجْلان متساويتين، وبدون كثرة.
(وفرقعة أصابعهِ).
أي: ومن مكروهات الصلاة فرقعة الأصابع.
ومعناه: شد الأصابع أو لَيّ مفاصلها حتى تُصَوِّت.
وهذه مكروهة لأنها عبث لا يليق بالمصلي، وهو دليل على عدم الخشوع، إذ لو خشع القلب لخشعت الجوارح وسكنت.
وقد ورد عن شعبة مولى ابن عباس قال (صليت إلى جنب ابن عباس، ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: لا أمَّ لك، تفقع أصابعك وأنت تصلي) رواه ابن أبي شيبة.
(وتشبيكُهَا).
أي: ومن مكروهات الصلاة تشبيك الأصابع.
وقد تقدم بحث هذه المسألة.
(وأن يكون حاقناً).
أي: ومن مكروهات الصلاة أن يدخل في الصلاة وهو حاقن.
والحاقن: هو المحتاج إلى البول.
أ-لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) رواه مسلم.
وعند ابن حبان ولفظه (لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وهو بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان الغائط والبول).
ب- وعن زيد بن أرقم. قال: قال ﷺ (إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء) رواه أبو داود.
стр. 621
• فلو صلى الإنسان وهو يدافع الأخبثان فصلاته مكروهة عند أكثر العلماء.
وقال بعض العلماء ببطلانها.
قال ابن رشد: اختلفوا في صلاة الحاقن فأكثر العلماء يكرهون أن يصلي الرجل وهو حاقن.
لما روي من حديث زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة).
ولما روي عن عائشة عن النبي ﷺ قال (لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان) يعني الغائط والبول.
ولما ورد من النهي عن ذلك عن عمر أيضاً.
وذهب قوم إلى أن صلاته فاسدة وأنه يعيد. (بداية المجتهد).
وقال النووي: وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم. (المجموع).
وقال البسام: وذهب جمهور العلماء إلى صحة الصلاة مع كراهتها على هذه الحال. (تيسير العلام).
وقالوا: إن نَفْى الصلاة في هذا الحديث، نَفيٌ لكمالها، لا لصحتها.
• الحكمة من النهي عن ذلك:
لأن مدافعة الإنسان للحدث تمنع حضور قلبه في الصلاة وإقباله عليها.
وأيضاً تمنع خشوعه فيها، وتجعله مهتماً بإنهائها بأسرع وقت حتى يذهب لقضاء حاجته. فلا يكون مقبلاً على صلاته لأنه مشغول.
جاء في الروض المربع: والحاقن هو المحتبس بوله، وكذا كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط أو ريح وحر وبرد وجوع وعطش مفرط، لأنه يمنع الخشوع.
стр. 622
• إذا كان الرجل على وضوء وهو يدافع البول والريح، فإذا قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضأ به، فهل تقول: أقضي حاجتك وتيمم للصلاة، أو تقول صل وأنت مدافع الأخبثين؟
الجواب نقول: أقضي حاجتك وتيمم ولا تصل وأنت تدافع الأخبثين، لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، أما الصلاة مع مدافعة الأخبثين مكروهة ومن العلماء من حرمها.
• ما الحكم إذا كان الإنسان حاقن ويخشى إن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يصلي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
الجواب: يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عذر.
• ما الحكم إذا ترتب على قضاء حاجته خروج الوقت؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين.
وهذا قول الجمهور.
حفاظاً على الوقت.
القول الثاني: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت.
وهذا قول ابن حزم، وحكاه النووي عن بعض الشافعية، وهذا قول وجيه. والله أعلم.
• يلحق بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي، من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين، أو جوع أو عطش كذلك.
لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب.
стр. 623
(أو بِحضرةِ طعامٍ يشتهيهِ).
أي: ومن مكروها الصلاة أن يصلي بحضرة طعام يشتهيه.
أ- لحديث عائشة السابق (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) رواه مسلم.
ب- وعنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ) متفق عليه.
ج- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ) متفق عليه.
د- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) متفق عليه.
فهذه الأحاديث دليل على أنه إذا حضرت الصلاة، وقدّم العشاء، فإنه يُبدأ بالعشاء.
فتكره الصلاة عند حضور الطعام لقوله (لا صلاة بحضرة طعام … )، وهذا مذهب الجمهور، أن الصلاة مكروهة، وأن المستحب أن يبدأ بالطعام.
قال ابن حجر: قوله (فابدءوا بالعشاء) حمل الجمهور هذا الأمر على النّدب، وأفرط ابن حزمٍ فقال: تبطل الصّلاة.
قال الشوكاني: وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم الظاهري، فقالوا: يجب تقديم الطعام، وجزم ببطلان الصلاة إذا قدمت.
ومذهب الجمهور هو الصحيح.
• الحكمة من ذلك:
أن المطلوب في الصلاة هو حضور القلب، والحاجة إلى الطعام تشغل القلب وتحول دون الخشوع في الصلاة.
قال النووي ﵀: في هذه الأحاديث -يعني أحاديث الباب- كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب.
وعليه: ينبغي إبعاد كل ما يشغل المصلي عن الخشوع.
стр. 624
وفي هذا دليل على أهمية الخشوع.
قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
وقال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. . . أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).
• قوله (وَحَضَرَ الْعَشَاءُ) المراد وضعه بين يدي الآكل، لا استواؤه، ولا غَرْفه في الأوعية.
لحديث ابن عمر (إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه) وكان ابن عمر ﵄ يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الإِمام. (تحفة الأحوذي).
ويؤيد: أن المراد بحضوره: وضعه بين يدي الآكل:
حديث أنس ﵁، عند البخاري بلفظ (إذا قدم العشاء) ولمسلم (إذا قرب العشاء) وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يقرب للأكل، كما لو لم يقرب. (الفتح).
• قوله في حديث أنس (فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا اَلْمَغْرِبَ .... ) هل الحديث خاص بصلاة المغرب؟
قال ابن دقيق العيد قوله (وأقيمت الصلاة) … ويترجح حمله على المغرب.
لقوله في الرواية الأخرى (فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب) والحديث يفسر بعضه بعضًا.
وفي رواية صحيحة (إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم صائم، فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم). رواه ابن حبان
والصواب أنه ليس خاصاً بصلاة المغرب، بل عام لكل الصلوات.
أ- لحديث عائشة. قال: قال ﷺ (لا صلاة بحضرة طعام).
ب-ولحديثها الآخر (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ).
ج-وللعلة في ذلك وهي اشتغال القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع في الصلاة عند حضوره، والصلوات متساوية في هذا.
стр. 625
قال الشوكاني مرجحاً العموم: … حديث (لا صلاة لحضرة طعام) عند مسلم وغيره، ولفظ (صلاة) نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولإطلاق الطعام، وعدم تقييده بالعشاء، فذكر المغرب من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس بتخصيص، على أن العلة التي ذكرها شرّاح الحديث للأمر بتقديم العَشَاء، كالنووي وغيره لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع عند حضوره، والصلوات متساوية الإقدام في هذا.
• ظاهر الأحاديث أنه يقدم الطعام مطلقاً على الصلاة، لكن جمهور العلماء اشترطوا شروطاً لذلك:
أ- أن يكون الطعام حاضراً.
ب - وأن تكون نفسه تتوق إليه.
ج-وأن يكون قادراً على تناوله حساً وشرعاً.
فان كان ممنوع منه شرعا: كالصائم إذا حضر طعام الفطور عند صلاة العصر والرجل جائع جداً، فنقول هنا: يصلي ولا يؤخر الصلاة.
وان كان ممنوع منه حساً: كما لو قدّم له طعام حار ولا يستطيع أن يتناوله، فهنا نقول يصلي ولا تكره صلاته لأن انتظاره لا فائدة فيه.
• هل يأكل حتى يشبع أو يأكل ما يسد رمقه؟
قال بعض العلماء أنه يأكل مقدار ما يسد رمقه، والصحيح أن له أن يشبع ويدل لذلك:
رواية ( … ولا تعجلوا عن عشائكم). وفي رواية ( … ولا يعجل حتى يفرغ منه).
стр. 626
قال النووي: في هذا دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله هذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريح في إبطاله.
وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وأنه ليسمع قراءة الإمام.
• قوله (إِذَا قُدِّمَ اَلْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ) واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله (فابدؤوا) على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع، ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادى، بل يقوم إلى الصلاة.
قال النووي ﵀: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دفع شغل البال به، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعًا يحتزّ منها، فدعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلى، ولم يتوضأ. (الفتح).
والراجح تعميم الحكم فيمن بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ به.
لقوله ﷺ (إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه).
وقوله (إذا كان أحدكم على الطعام، فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة) فهذا نص واضح فيمن بدأ، ومن لم يبدأ.
• قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة.
стр. 627
(ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس)
أي: ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس، ومعناه أن يضع يده على الأرض ويتكئ عليها.
أ- لقول ابن عمر (نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده) رواه أحمد.
ب- ولأنه إذا جلس هذه الجلسة لم يكن جالساً حقيقة.
ج- ولأنه يفوت سنة وضع اليدين على الفخذين.
(وأن يستند إلى جدار ونحوه).
أي: ويكره للمصلي أن يستند إلى جدار ونحوه حال قيامه بلا حاجة.
لأنه يزيل مشقة القيام إلا من حاجة.
• فإن كان يسقط لو أزيل لم تصح صلاته.
مثال: إذا استند المصلي على جدار أو خشبة فالأصل أن هذا مكروه إلا لحاجة.
لكن متى يحرم؟
لو أزيلت هذه الخشبة لسقط، لأنه بمنزلة غير القائم.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): يَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ مَنْعَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَسْقُطُ لَوْ زَال الْعِمَادُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، قَالُوا: لأنَ الْفَرِيضَةَ مِنْ أَرْكَانِهَا الْقِيَامُ، وَمَنِ اسْتَنَدَ عَلَى الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَوْ زَال مِنْ تَحْتِهِ سَقَطَ، لَا يُعْتَبَرُ قَائِمًا.
أَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْقُطُ لَوْ زَال مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَة.
(ويكره تقليبه الحصا، ومسحه)
أي: ويكره مسح الحصا أثناء الصلاة.
لحديث أبي ذر مرفوعاً (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصا، فإن الرحمة تواجهه) رواه أحمد وأهل السنن بإسناد جيد، وفي
الصحيحين (إن كنت فاعلا فواحدة).
стр. 628
وفي السنن (واحدة أودع).
والمعنى لا تمسح وإن مسحت فلا تزد على واحدة.
واتفق أهل العلم على كراهته إذا لم يكن عذر للأخبار.
ولأنه يخالف التواضع والخشوع.
والتقييد بالحصا والتراب خرج مخرج الغالب، فلا يدل على نفي غيره من الرمل والقذر وغيره، والأولى مسحه قبل الدخول في الصلاة لئلا يشغل باله وهو في الصلاة.
(أو إلى نائم أو متحدث).
أي: وتكره الصلاة إلى نائم أو متحدث.
لحديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (لا تصلوا خلف النائم والمتحدث). رواه أبو داود، وقال: طرقه كلها واهية.
وقال النووي: هو ضعيف باتفاق الحفاظ.
وإلى هذا وذهب مجاهد، وطاووس، ومالك.
إلى كراهة الصلاة إلى النائم، خشية مما يبدو منه مما يلهي عن صلاته.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكره. وهو مذهب أكثر العلماء.
لحديث عَائِشَة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الصلاة إلى النائم لا تكره، وقد وردت أحاديث ضعيفة في النهي عن ذلك، وهي محمولة - إن ثبتت - على ما إذا حصل شغل الفكر به.
стр. 629
قال الشيخ بن باز ﵀: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث) ضعيف من جميع طرقه كما نبه على ذلك الخطابي وغيره، ومما يدل على ضعفه أيضاً ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل وهي معترضة بين يديه) والله ولي التوفيق.
(لا جمعُ سُورٍ في فرض كنفلٍ).
أي: لا يكره جمع السور في الفرض، كما لا يُكره في النفل.
ومعناه: أن يقرأ سورتين فأكثر بعد الفاتحة.
لحديث حذيفة - وقد تقدم - (أن النبي ﷺ قرأ في قيام الليل، البقرة ثم النساء ثم آل عمران).
وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
وقد تقدمت المسألة وأدلتها.
(وله ردُ المار بين يديه).
أي: وللمصلي أن يرد من أراد المرور بين يديه.
والمذهب يستحب له ذلك.
أ- لحديث عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ) رواه مسلم.
ب- ولحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ اَلنَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وبالاستحباب قال جماهير العلماء.
стр. 630
قال النووي: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه واجب.
وهو قول أهل الظاهر ورجحه الشوكاني.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل كلام النووي السابق: وقد صرح بوجوبه أهل الظاهر.
قال ابن حزم: ودفع المار بين يدي المصلي وسترته ومقاتلته - إن أبى - حق واجب على المصلي لظاهر الحديث، فإنه أمر والأمر يقتضي الوجوب.
وقال الشوكاني: وظاهر الحديث مع من أوجب الدفع.
فائدة: رجح الشيخ ابن عثيمين: التفريق بين ما يقطع الصلاة وبين ما لا يقطعها.
والراجح القول بالوجوب.
• الحكمة من دفع المار:
قال الصنعاني: وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار، وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، لأن عناية المصلي بصيانة صلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود (أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته) وروى أبو نعيم عن عمر (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس). فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يقال بالرأي.
стр. 631
• كيفية دفع المار:
يشرع دفع المار بالأسهل فالأسهل، بالإشارة ولطيف المنع، أو بوضع اليد في نحر المار كما في رواية مسلم (فليدفعه في نحره).
• حكم إذا مرّ ولم يدفعه فهل يرده:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا مرّ ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور.
• المراد بالمقاتلة في قوله ( … فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ):
نقل القاضي عياض، والقرطبي، وابن عبد البر الإجماع على أن المقاتلة في قوله (فليقاتله) لا تكون بالسيف ولا بالسلاح ولا بالخطاب، ولا يبلغ به المصلي مبلغاً يفسد به صلاته لمخالفة ذلك لقاعدة الصلاة والاشتغال بها.
قال الْقَاضِي عِيَاض: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ مُقَاتَلَته بِالسِّلَاحِ، وَلَا مَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه، فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا يَحُوز فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا قَوَد عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء. (شرح مسلم).
وقال العيني: اختلفوا في معنى (فليقاتله) والجمهور على أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل، والمقصود المبالغة في كراهة المرور.
وقال البغوي: المراد من المقاتلة الدفع بالعنف لا القتل، فإنه يروى في حديث أبي سعيد (وليدرءه ما استطاع).
وقال الباجي: ويعدل عن ظاهر المقاتلة بالإجماع على أنه لا يجوز المقاتلة التي تفسد صلاته.
• وللمصلي رد المار ولو كان في مكة، وستأتي المسألة إن شاء الله في السترة.
• ذهب بعض العلماء إلى أن الدفع مقيد بوضع السترة، فإن فرط ولم يضع سترة فليس له دفع المار.
منهم الإمام الخطابي، والبغوي، والنووي، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، بل حكى النووي الاتفاق على ذلك، فقال: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه.
واستدلوا بمفهوم (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع رد المار مطلقاً.
لعموم حديث ابن عمر (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر … ). فهذا الحديث مطلق ولم يقيد بوضع السترة، واختاره الشيخ ابن باز.
стр. 632
(والفتح على إمامهِ).
أي: وللمصلي تنبيه إمامه إذا أخطأ.
والفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: فتح واجب.
وهو ما يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ الإمام بالفاتحة، أو نقصان ركوع.
وأما دليلهم على وجوب الفتح على الإمام في الفاتحة فلأنها ركن في الصلاة لا تصح إلا بها، فكما أنه يجب على المأموم تنبيه إمامه إذا نسي سجدة أو ركنا فكذلك يجب الفتح إذا غلط أو نسي شيئا من الفاتحة وأما قراءة غير الفاتحة فسنة، فكذلك الفتح فيها سنة.
القسم الثاني: فتح مستحب.
وهو ما لا يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ في السورة التي بعد الفاتحة.
والأدلة على مشروعية الفتح على الإمام:
أ- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن (النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها ليس عليه فلما انصرف قال لأبي كعب: أصليت معنا قال: نعم، قال: فما منعك) رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أن قوله ﵊: " فما منعك " أي من الفتح على، وهذا يدل على مشروعية الفتح إذ لو لم يكن مشروعا ومستحبا لما سأل عن سبب تركه.
ب- وعن المسور بن يزيد المالكي قال (شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله تركت آية كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : هلا أذكرتنيها) رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أن طلب رسول الله ﷺ تذكيره الآية - وهو الفتح عليه - دليل على مشروعيته.
ج- قول النبي ﷺ (إنما أن بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) متفق عليه.
وجه الاستدلال: أن رسول الله ﷺ أمر بتذكيره حين النسيان، وهو عام في أفعال الصلاة وأقوالها، والفتح بالقراءة من التذكير في الأقوال.
د-أن الفتح على الإمام عليه العمل من غير نكير، فكان إجماعاً.
هـ- أن الفتح تنبيه للإمام بما هو مشروع في الصلاة - وهو القراءة - فأشبه التنبيه عليه بالتسبيح، والتسبيح مشروع فكذلك الفتح قياساً.
стр. 633
• وقت الفتح على الإمام.
اتفق الفقهاء - القائلون بمشروعية الفتح على الإمام أو جوازه - على أن وقت الفتح إذا وقف الإمام وسكت، أما إذا كرر الآية ورددها، أو انتقل إلى آية أخرى، أو شرع في الركوع فلا يفتح عليه، وأنه يسن للمأموم ألا يعجل بالفتح.
• فتح المصلي على غير إمامه.
لهذه المسألة صور:
الصورة الأولى: فتح المصلي على غير المصلي "على من ليس في صلاة" كما لو كان مصل وبجانبه شخص يقرأ، فهل يفتح المصلي عليه إذا أخطأ؟
الصورة الثانية: فتح المصلي على مصل آخر ليس معه في الصلاة. كما لو كانا يصليان النافلة مثلا بجانب بعض، وجهر أحدهما بالقراءة وسمعه الآخر وفتح عليه.
وقد اختلف الفقهاء في هاتين الصورتين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم جواز الفتح في هاتين الصورتين.
وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهبي المالكية، والحنابلة.
القول الثاني: كراهة الفتح.
وهو قول للمالكية، والحنابلة.
القول الثالث: جواز الفتح.
وهو مذهب الشافعية، واختيار الشوكاني، والذي يفهم من كلام ابن القيم- رحمهما الله -.
اختار الشيخ ابن عثيمين عدم الجواز.
стр. 634
قال ابن قدامة: يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة لأن ذلك يشغله عن صلاته، وقد قال النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلاً.
• فتح غير المصلي على المصلي.
يحصل أن يكون شخص يصلي ويجهر بالقراءة، ويقع منه خطأ، ويكون بجانبه شخص غير مصل، فهل يجوز لهذا الشخص أن يفتح على المصلي؟ وهذا يحدث - أيضاً - حينما يدخل شخص المسجد، وقبل أن يدخل مع الجماعة يخطئ الإمام، فهل له أن يفتح عليه - وهو لم يصل بعد؟ خلاف بين الفقهاء على قولين:
القول الأول: جواز فتح غير المصلي على المصلي.
وهو مذهب الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة. ويدل لذلك:
أ- عن عبيدة بن ربيعة قال (أتيت المسجد فإذا رجل يصلي خلف المقام طيب الريح، حسن الثياب، وهو يقرأ، ورجل إلى جنبه يفتح عليه، فقلت من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان) وهذا واضح الدلالة، وهو قول صحابي.
٢ - ما ورد أن أنساً ﵁ كان إذا قام يصلي قام خلفه غلام معه مصحف فإذا تعايا في شيء فتح عليه.
٣ - أن فيه مصلحة وهو أن الفتح إعانة على تكميل صلاة المصلي، في حين أنه لا يشغله.
(وله قتل حية وعقرب).
أي: وللمصلي قتل حية وعقرب إذا هاجمته.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اُقْتُلُوا اَلْأَسْوَدَيْنِ فِي اَلصَّلَاةِ: اَلْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ) رواه أبو داود.
فالحديث دليل على مشروعية قتل الحية والعقرب ولو في الصلاة.
وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء.
стр. 635
• هل يقاس عليهما كل مؤذ؟
نعم، يشرع قتل كل مؤذٍ من الهوام وغيرها في الصلاة أو خارجها.
• أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو بضربتين.
وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كفاك للحية ضربة أخطأتها أم أصبتها) وهذا يوهم التقييد بالضربة.
قال البيهقي: وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بما في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي ﷺ بقتلها، وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية).
(وتبطل الصلاة بحركة كثيرة متوالية من غير ضرورة ولو سهواً).
أي: أن الحركة التي تبطل الصلاة لها شروط:
أن تكون كثيرة.
أن تكون متوالية.
لغير ضرورة.
فالشرط الأول: أن تكون كثيرة.
جاء في الموسوعة الفقهية: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْعَمَل الْكَثِير.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَمَل الْكَثِيرَ الَّذِي تَبْطُل الصَّلَاةُ بِهِ هُوَ مَا لَا يَشُكُّ النَّاظِرُ فِي فَاعِلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ …
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ هُوَ الْعُرْفُ، فَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلاً فَقَلِيلٌ، وَمَا يَعُدُّونَهُ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ. انتهى.
следующие страницы →