Полный текст (3 390 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
• كيفية دفع المار:
يشرع دفع المار بالأسهل فالأسهل، بالإشارة ولطيف المنع، أو بوضع اليد في نحر المار كما في رواية مسلم (فليدفعه في نحره).
• حكم إذا مرّ ولم يدفعه فهل يرده:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا مرّ ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور.
• المراد بالمقاتلة في قوله ( … فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ):
نقل القاضي عياض، والقرطبي، وابن عبد البر الإجماع على أن المقاتلة في قوله (فليقاتله) لا تكون بالسيف ولا بالسلاح ولا بالخطاب، ولا يبلغ به المصلي مبلغاً يفسد به صلاته لمخالفة ذلك لقاعدة الصلاة والاشتغال بها.
قال الْقَاضِي عِيَاض: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ مُقَاتَلَته بِالسِّلَاحِ، وَلَا مَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه، فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا يَحُوز فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا قَوَد عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء. (شرح مسلم).
وقال العيني: اختلفوا في معنى (فليقاتله) والجمهور على أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل، والمقصود المبالغة في كراهة المرور.
وقال البغوي: المراد من المقاتلة الدفع بالعنف لا القتل، فإنه يروى في حديث أبي سعيد (وليدرءه ما استطاع).
وقال الباجي: ويعدل عن ظاهر المقاتلة بالإجماع على أنه لا يجوز المقاتلة التي تفسد صلاته.
• وللمصلي رد المار ولو كان في مكة، وستأتي المسألة إن شاء الله في السترة.
• ذهب بعض العلماء إلى أن الدفع مقيد بوضع السترة، فإن فرط ولم يضع سترة فليس له دفع المار.
منهم الإمام الخطابي، والبغوي، والنووي، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، بل حكى النووي الاتفاق على ذلك، فقال: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه.
واستدلوا بمفهوم (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع رد المار مطلقاً.
لعموم حديث ابن عمر (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر … ). فهذا الحديث مطلق ولم يقيد بوضع السترة، واختاره الشيخ ابن باز.
стр. 632
(والفتح على إمامهِ).
أي: وللمصلي تنبيه إمامه إذا أخطأ.
والفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: فتح واجب.
وهو ما يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ الإمام بالفاتحة، أو نقصان ركوع.
وأما دليلهم على وجوب الفتح على الإمام في الفاتحة فلأنها ركن في الصلاة لا تصح إلا بها، فكما أنه يجب على المأموم تنبيه إمامه إذا نسي سجدة أو ركنا فكذلك يجب الفتح إذا غلط أو نسي شيئا من الفاتحة وأما قراءة غير الفاتحة فسنة، فكذلك الفتح فيها سنة.
القسم الثاني: فتح مستحب.
وهو ما لا يترتب عليه بطلان الصلاة، كأن يخطئ في السورة التي بعد الفاتحة.
والأدلة على مشروعية الفتح على الإمام:
أ- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن (النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها ليس عليه فلما انصرف قال لأبي كعب: أصليت معنا قال: نعم، قال: فما منعك) رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أن قوله ﵊: " فما منعك " أي من الفتح على، وهذا يدل على مشروعية الفتح إذ لو لم يكن مشروعا ومستحبا لما سأل عن سبب تركه.
ب- وعن المسور بن يزيد المالكي قال (شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله تركت آية كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : هلا أذكرتنيها) رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أن طلب رسول الله ﷺ تذكيره الآية - وهو الفتح عليه - دليل على مشروعيته.
ج- قول النبي ﷺ (إنما أن بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) متفق عليه.
وجه الاستدلال: أن رسول الله ﷺ أمر بتذكيره حين النسيان، وهو عام في أفعال الصلاة وأقوالها، والفتح بالقراءة من التذكير في الأقوال.
د-أن الفتح على الإمام عليه العمل من غير نكير، فكان إجماعاً.
هـ- أن الفتح تنبيه للإمام بما هو مشروع في الصلاة - وهو القراءة - فأشبه التنبيه عليه بالتسبيح، والتسبيح مشروع فكذلك الفتح قياساً.
стр. 633
• وقت الفتح على الإمام.
اتفق الفقهاء - القائلون بمشروعية الفتح على الإمام أو جوازه - على أن وقت الفتح إذا وقف الإمام وسكت، أما إذا كرر الآية ورددها، أو انتقل إلى آية أخرى، أو شرع في الركوع فلا يفتح عليه، وأنه يسن للمأموم ألا يعجل بالفتح.
• فتح المصلي على غير إمامه.
لهذه المسألة صور:
الصورة الأولى: فتح المصلي على غير المصلي "على من ليس في صلاة" كما لو كان مصل وبجانبه شخص يقرأ، فهل يفتح المصلي عليه إذا أخطأ؟
الصورة الثانية: فتح المصلي على مصل آخر ليس معه في الصلاة. كما لو كانا يصليان النافلة مثلا بجانب بعض، وجهر أحدهما بالقراءة وسمعه الآخر وفتح عليه.
وقد اختلف الفقهاء في هاتين الصورتين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم جواز الفتح في هاتين الصورتين.
وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهبي المالكية، والحنابلة.
القول الثاني: كراهة الفتح.
وهو قول للمالكية، والحنابلة.
القول الثالث: جواز الفتح.
وهو مذهب الشافعية، واختيار الشوكاني، والذي يفهم من كلام ابن القيم- رحمهما الله -.
اختار الشيخ ابن عثيمين عدم الجواز.
стр. 634
قال ابن قدامة: يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة لأن ذلك يشغله عن صلاته، وقد قال النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلاً.
• فتح غير المصلي على المصلي.
يحصل أن يكون شخص يصلي ويجهر بالقراءة، ويقع منه خطأ، ويكون بجانبه شخص غير مصل، فهل يجوز لهذا الشخص أن يفتح على المصلي؟ وهذا يحدث - أيضاً - حينما يدخل شخص المسجد، وقبل أن يدخل مع الجماعة يخطئ الإمام، فهل له أن يفتح عليه - وهو لم يصل بعد؟ خلاف بين الفقهاء على قولين:
القول الأول: جواز فتح غير المصلي على المصلي.
وهو مذهب الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة. ويدل لذلك:
أ- عن عبيدة بن ربيعة قال (أتيت المسجد فإذا رجل يصلي خلف المقام طيب الريح، حسن الثياب، وهو يقرأ، ورجل إلى جنبه يفتح عليه، فقلت من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان) وهذا واضح الدلالة، وهو قول صحابي.
٢ - ما ورد أن أنساً ﵁ كان إذا قام يصلي قام خلفه غلام معه مصحف فإذا تعايا في شيء فتح عليه.
٣ - أن فيه مصلحة وهو أن الفتح إعانة على تكميل صلاة المصلي، في حين أنه لا يشغله.
(وله قتل حية وعقرب).
أي: وللمصلي قتل حية وعقرب إذا هاجمته.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اُقْتُلُوا اَلْأَسْوَدَيْنِ فِي اَلصَّلَاةِ: اَلْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ) رواه أبو داود.
فالحديث دليل على مشروعية قتل الحية والعقرب ولو في الصلاة.
وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء.
стр. 635
• هل يقاس عليهما كل مؤذ؟
نعم، يشرع قتل كل مؤذٍ من الهوام وغيرها في الصلاة أو خارجها.
• أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو بضربتين.
وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كفاك للحية ضربة أخطأتها أم أصبتها) وهذا يوهم التقييد بالضربة.
قال البيهقي: وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بما في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي ﷺ بقتلها، وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية).
(وتبطل الصلاة بحركة كثيرة متوالية من غير ضرورة ولو سهواً).
أي: أن الحركة التي تبطل الصلاة لها شروط:
أن تكون كثيرة.
أن تكون متوالية.
لغير ضرورة.
فالشرط الأول: أن تكون كثيرة.
جاء في الموسوعة الفقهية: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْعَمَل الْكَثِير.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَمَل الْكَثِيرَ الَّذِي تَبْطُل الصَّلَاةُ بِهِ هُوَ مَا لَا يَشُكُّ النَّاظِرُ فِي فَاعِلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ …
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ هُوَ الْعُرْفُ، فَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلاً فَقَلِيلٌ، وَمَا يَعُدُّونَهُ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ. انتهى.
стр. 636
وقال النووي: إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيراً أبطلها بلا خلاف، وإن كان قليلاً لم يبطلها بلا خلاف، هذا هو الضابط ثم اختلفوا في ضبط القليل والكثير على أربعة أوجه إلى أن قال: والرابع وهو الصحيح المشهور وبه قطع المصنف والجمهور: أن الرجوع فيه إلى العادة فلا يضر ما يعده الناس قليلاً، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس خف ونزعه، وحمل صغير ووضعه ودفع مارٍ، ودلك البصاق في ثوبه وأشباه هذا، وأما ما عده الناس كثيراً كخطوات كثيرة متوالية وفعلات متتابعة فتبطل الصلاة.
• فإن كانت الحركة قليلة لا تبطل الصلاة.
ومن الأدلة على أن العمل القليل والحركات القليلة في الصلاة لا تبطلها، وهكذا العمل والحركات المتفرقة غير المتوالية:
أ- ما ثبت عن النبي ﷺ ، أنه فتح الباب يوما لعائشة وهو يصلي.
ب- وثبت عنه من حديث أبي قتادة ﵁ أنه صلى ذات يوم بالناس، وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
ج- وفي صلاة الكسوف تقدّم ورجع وتأخر.
د- وحين صُنع له المنبر، صار يصلي عليه، فيصعد عند القيام والركوع، وينزل للأرض عند السجود.
الشرط الثاني: أن تكون متوالية.
فإن فرَّق لم تبطل الصَّلاة، فلو تحرَّك ثلاث مرَّات في الركعة الأولى، وثلاثاً في الثانية، وثلاثاً في الثالثة، وثلاثاً في الرابعة، لو جمعت لكانت كثيرة، ولما تفرَّقت كانت يسيرة باعتبار كلِّ رَكعة وحدها، فهذا لا يبطل الصلاة أيضاً.
стр. 637
الشرط الثالث: أن تكون لغير ضرورة.
وأما الحركة الكثيرة للضرورة: فمثالها الصلاة في حال القتال؛ قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) فإن من يصلي وهو يمشي لا شك أن عمله كثير ولكنه لما كان للضرورة كان مباحاً لا يبطل الصلاة.
وقد قسم بعض العلماء الحركة في الصلاة إلى أقسام:
أولاً: الحركة الواجبة.
هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا هو الضابط لها والصور كثيرة:
منها: لو أن رجلاً ابتدأ الصلاة إلى غير القبلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخص وقال له القبلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب
أن يتحرك إلى جهة اليمين.
ولو ذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي وجب عليه خلعها، لإزالة النجاسة.
ثانياً: الحركة المستحبة.
هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، ولها صور عديدة:
منها: لو تبين له أنه متقدم على جيرانه في الصف، فتأخره سنة.
ومنها: ولو تقلص الصف حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سنة.
ثالثاً: الحركة المباحة.
هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة.
مثال: رجل يصلي في الظل فأحس ببرودة فتقدم، أو تأخر، أو تيامن، أو تياسر من أجل الشمس، فهذه مباحة.
رابعاً: الحركة المكروهة.
هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقف عليها كمال الصلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن كالنظر إلى الساعة، وأخذ القلم.
خامساً: الحركة المحرمة.
هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
стр. 638
(وإذا نابَه شيءٌ سبّح رجل، وصفقت امرأة).
أي: وإذا ناب المصلي شيء، أي: عرض له، كما لو استأذن عليه أحد، أو أخطأ إمامه فقام إلى خامسة في الرباعية، فإنه يسبح الرجل، وتصفق المرأة.
أ- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ (فِي اَلصَّلَاةِ).
ب- وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ - فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ: مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاء) رواه مسلم.
ج- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق) رواه البيهقي.
ففي هذه الأحاديث: استحباب التسبيح في حق الرجال إذا نابهم شيء في صلاتهم، وأن المرأة إذا نابها شيء وهي تصلي فإنها تصفق.
مثال: كسهو الإمام، أو يريد أن يأذن لأحد بالدخول، أو يريد أن ينبه أنه يصلي.
стр. 639
• وإلى هذا الحكم ذهب جماهير العلماء. قالوا: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وقال مالك: يسبحان جميعاً (يسبح الرجال، وتسبح المرأة).
وتأول الحديث (التصفيق للنساء) أي من شأن النساء خارج الصلاة، فهو مذموم فلا ينبغي للرجل ولا للمرأة أن تفعله لا في الصلاة ولا في خارجها، وهذا تأويل بعيد وضعيف.
• الحكمة من هذا التفريق:
قيل: لأن صوت المرأة عورة.
وقيل: خشية الافتتان، ورجح هذا ابن عبد البر.
قال ابن عبد البر: قال بعض أهل العلم: إنما كره التسبيح للنساء وأبيح لهن التصفيق من أجل أن صوت المرأة رخيم في أكثر النساء وربما شغلت بصوتها الرجال المصلين معها.
وقال ابن حجر: وكان منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقاً لما يخشى من الافتتان ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء.
• هل هذا الحكم (التصفيق للنساء) عام حتى لو مع مجموعة نساء، أو مع رجال من محارمها؟
قال بعض العلماء بهذا، وقالوا: إن المرأة تصفق مطلقاً حتى لو كانت مع محرمها.
وقال بعضهم: إنها تسبح، لأن قوله ﷺ (فليسبح الرجال ولتصفق النساء) قد يفهم منه أن المراد مع اجتماع الرجال والنساء.
قال الزركشي: وقد أطلقوا التصفيق للمرأة، ولا شك أن موضعه إذا كانت بحضرة رجال أجانب، فلو كانت بحضرة النساء أو الرجال المحارم فإنها تسبح كالجهر بالقراءة بحضرتهم. (مغني المحتاج (١/ ٤١٨).
стр. 640
• ومن طرق التنبيه الأخرى: التنحنح.
عَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ: (كَانَ لِي مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
(ويَبصقُ في الصلاة عن يسارهِ، وفي المسجد في ثوبهِ).
أي: أن المصلي إذا احتاج للبصاق فإنه يبصق عن يساره، ولا يبصق عن يمينه ولا أمام وجهه.
أ- عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ).
ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى) متفق عليه.
ج- وعن أَبَي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِى اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكاً، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا) متفق عليه.
فهذه الأحاديث تدل على النهي أن يبزق المصلي أمامه أو عن يمينه.
• والحكمة من النهي عن ذلك؟
أما أمام المصلي:
لقوله (فإن ربه بينه وبين القبلة). وفي رواية (فإن الله قِبل وجه المصلي).
وأما عن يمينه:
جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة (ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً).
стр. 641
• ما حكم أن يبزق المصلي أمامه أو عن يمينه؟
ظاهر الحديث التحريم.
لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ولأن النبي ﷺ غضب لما رأى البصاق في جهة القبلة.
• قوله ﷺ (ولكن عن شماله) فإذا قيل: كيف يبصق عن شماله وفيه ملكاً أيضاً؟
الجواب:
أولاً: أن المصلي لا يبصق في الصلاة إلا في حال الحاجة، والحاجة تبيح المكروهات.
ثانياً: جهة اليمين أشرف من جهة الشمال.
ثالثاً: الملك المقيم في جهة اليمين أشرف من الملك المقيم في جهة الشمال.
• قوله ﷺ (ولكن عن يساره … ) متى يكون هذا؟
هذا يكون إذا كان المصلي يصلي في صحراء أو في بيته أو أرض رملية.
وأما في المسجد فإنه يبصق في ثوبه أو منديله.
وأيضاً قوله ﷺ (عن يساره) محمول على ما إذا كانت جهة يساره خالية من المصلين، لما ورد في حديث طارق بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، أو إذا صلى أحدكم فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره إن كان فارغاً أو تحت قدمه).
стр. 642
إذاً قوله ﷺ (ولكن عن يساره) هذا مشروط بشرطين:
الأول: ألا يكون عن شماله مصلٍ آخر في صلاة الجماعة، سواء كان في المسجد أو خارج المسجد.
الثاني: ألا يكون في المسجد؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن البصاق في المسجد خطيئة.
• اختلف العلماء في حكم البصاق اتجاه القبلة أو عن يمينه: على قولين:
القول الأول: التحريم مطلقاً سواء في المسجد أو خارج المسجد، أو كان يصلي أو لا يصلي.
ورجح هذا القول النووي، والصنعاني، والألباني.
أن أغلب الأحاديث التي وردت في النهي عن البصاق في القبلة أو عن يمينه مطلقة ليس بها تقييد ذلك البصاق بالصلاة.
وذكر الشيخ الألباني واحتج بحديث (من تفل اتجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه) رواه ابن خزيمة.
القول الثاني: أن ذلك محرم في الصلاة فقط.
وهذا قول الأكثر لورود التقييد.
(إذا كان أحدكم يصلي. . .).
وظاهر صنيع البخاري أنه يرجح هذا المذهب، ولذلك بوب في صحيحه: (باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة).
ومما يؤيد أن ذلك خاص بالصلاة قوله: ( … ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكاً) يعني أثناء الصلاة.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 643
• اختلف العلماء في حكم النخامة في المسجد على أقوال:
القول الأول: المنع مطلقاً.
وهذا الذي رجحه النووي، والصنعاني، والألباني.
لحديث. أنس. قال: قال ﷺ (البصاق في المسجد خطيئة … ) متفق عليه.
قالوا: وكونه عد ذلك خطيئة دليل على أنه محرم.
القول الثاني: يجوز أن يتفل إن كان في نيته أن يدفن هذه النخامة.
وهذا الذي قال به القاضي عياض والأكثرون.
أ-لأحاديث الباب ( … وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ).
قالوا: فإن النبي ﷺ أذن للمصلي أن يتفل عن يساره أو تحت قدمه، وهذا مطلق في المسجد وغيره.
ب- ولحديث سعد بن أبي وقاص. قال: قال ﷺ (من تنخم فليغيب نخامته لا تصيب مسلماً في بدنه أو ثوبه فتؤذيه) رواه أحمد وحسن إسناده ابن حجر في الفتح.
القول الثالث: التوسط، قالوا: إن كان محتاجاً إلى أن يتنخم في المسجد ثم يدفنها فلا شيء عليه في ذلك، وإن لم يكن محتاجاً فإنه يكون ممنوعاً من ذلك.
وهذا القول هو الراجح.
قال ابن حجر: وهذا تفصيل حسن.
стр. 644
• الحديث دليل على أن البلغم والنخامة طاهر.
لحديث (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا) وَوَصَفَ الْقَاسِمُ - أحد رواة الحديث - فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
قال ابن قدامة ﵀: ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه، ولا فرق بين ما يخرج من الرأس والبلغم الخارج من الصدر.
وقال أيضاً: البلغم أحَدُ نَوْعَيْ النُّخَامَةِ، أَشْبَهَ الْآخَرَ، ولَوْ كَانَ نَجِسًا نَجُسَ بِهِ الْفَمُ … وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - شَيْءٌ مِنْ ذَلِك.
(وتسن صلاته إلى سُترة).
أي: ويسن للمصلي أن يصلي إلى سترة، لأن النبي ﷺ لازم تخاذ السترة حضراً وسفراً، في العمران والفضاء.
وقد ثبتت السترة من قول النبي ﷺ وفعله.
أولاً: أمره ﷺ الاستتار بالسهم.
كما في قوله ﷺ (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ).
ثانياً: استتاره ﷺ بالحربة.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ) متفق عليه.
стр. 645
ثالثاً: استتاره ﷺ بالعَنَزَة.
عن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَنَزَة) متفق عليه.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا) رواه البخاري.
وعن أنس قال (رأيت رسول الله ﷺ يصلي إليها بالمصلى يعني العنَزَة) رواه ابن خزيمة.
رابعاً: استتاره ﷺ بالراحلة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا) متفق عليه.
خامساً: استتاره ﷺ بالمقام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِى أَوْفَى قَالَ (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) رواه البخاري.
حديث جابر (وصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت) رواه مسلم.
سادساً: استتاره ﷺ بالشجرة.
عن علي قال (لقد رأيتنا وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح) رواه النسائي.
سابعاً: استتاره ﷺ بالسرير.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّى، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي) متفق عليه.
стр. 646
ثامناً: استتاره ﷺ بالجدار.
عَنْ سَهْلٍ قَالَ (كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاة) متفق عليه.
تاسعاً: استتاره ﷺ بالاسطوانة.
عن يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ (كُنْتُ آتِى مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّى عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا) متفق عليه.
قال ابن قدامة: السنة للمصلي أن يصلي إلى سترة … ولا نعلم في استحباب ذلك خلافاً.
وقال النووي: السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما ويدنو منها.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى وجوب السترة.
وهذا مذهب ابن خزيمة، ورجحه ابن حزم، والشوكاني.
أ- لحديث سَبْرَة بْنِ مَعْبَدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ) أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِم.
ب- ولحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود.
قال الشوكاني: فيه أن اتخاذ السترة واجب.
ورجحه الألباني، وقال: القول بالاستحباب ينافي الأمر بالسترة في عدة أحاديث.
ج- وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صلى أحدكم فليستتر) رواه ابن خزيمة.
وذهب جماهير العلماء: إلى عدم وجوبها.
أ- لحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى إلى غَيرِ جِدار، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
стр. 647
وجه الدلالة: قوله (إلى غير جدار).
قال الحافظ ابن حجر: أي إلى غير سترة، قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ (والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره).
ب- ولحديث أبي سعيد (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أن يجتاز بين يديه … ).
وجه الدلالة: قوله: (إذا صلى أحدكم … ) يدل على أن المصلي قد يصلي إلى شيء يستره وقد لا يصلي.
وهذا القول هو الراجح.
• الحكمة من السترة:
قال النووي: قال العلماء: الحكمة من السترة كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه.
وقال الصنعاني: وفائدة اتخاذها أنه مع اتخاذها لا يقطع الصلاة شيء، ومع عدم اتخاذها يقطعها ما يأتي … ).
وقال بعض العلماء: الحكمة من السترة قطع نظر المصلي عما أمامه، فيجعل بصره محصوراً في موضع سجوده، فلا يذهب بصره يمنة ويسرة.
• قوله (وتسن صلاته إلى سُترة) سواء صلى في العمران أو في الفضاء، خشي ماراً أو لم يخشى.
قال الشوكاني: اعلم أن ظاهر أحاديث الباب عدم الفرق بين الصحاري والعمران، وهو الذي ثبت عنه ﷺ من اتخاذه السترة سواء في
الفضاء أو في غيره.
وقال السفاريني: اعلم أنه يستحب صلاة المصلي إلى سترة اتفاقاً ولو لم يخشى ماراً خلافاً لمالك.
• قوله (وتسن صلاته إلى سترة .. ) ما حكم المسبوق إذا قام يقضي ما فاته؟
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا سلم الإمام وقام المسبوق لقضاء ما فاته فإنه يكون في هذا القضاء منفرداً حقيقة، وعليه أن يمنع من يمر بين يديه، لأمر النبي ﷺ بذلك، وترك بعض الناس منع المار قد يكون عن جهل منهم بهذا، أو قد يكون عن تأويل، حيث إنهم ظنوا أنهم لما أدركوا الجماعة صاروا بعد انفرادهم عن الإمام بحكم الذين خلف الإمام، لكن لابد من منع المسبوق من يمرون بين يديه إذا قام لقضاء ما فاته. … (فتاوى علماء البلد الحرام).
стр. 648
• يستحب الدنو من السترة.
لقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها) رواه ابن حبان.
قال البغوي: والعمل على هذا عند أهل العلم استحبوا الدنو من السترة.
وقد ورد الحكمة من ذلك في قوله ﷺ (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أبو داود.
قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالدنو منها وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته).
وقال الشوكاني: والحكمة في الأمر بالدنو أن لا يقطع الشيطان عليه صلاته.
• أما المأموم فلا يسن له اتخاذ سترة. لأن الصحابة كانوا يصلون مع النبي ﷺ ولم يتخذ أحد منهم شيء.
فسترة الإمام سترة لمن خلفه.
وقد بوب البخاري في صحيحه: باب سترة الإمام سترة من خلفه، ثم أورد ثلاث أحاديث وهي:
أ- حديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ (أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) متفق عليه
стр. 649
ب- عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ) متفق عليه.
ج- وعن أَبِي جُحَيْفَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ) متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر: أورد فيه (أي البخاري) ثلاثة أحاديث، الثاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكونه ﷺ لم يأمر أصحابه أن يتخذوا سترة غير سترته، وأما الأول وهو حديث بن عباس ففي الاستدلال به نظر، لأنه ليس فيه أنه ﷺ صلى إلى سترة، وقد بوب عليه البيهقي: باب من صلى إلى غير سترة، وقد تقدم في كتاب العلم في الكلام على هذا الحديث في باب متى يصح سماع الصغير قول الشافعي أن المراد بقول بن عباس إلى غير جدار أي: إلى غير سترة، وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزار.
وقال ابن عبد البر: حديث بن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه) فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه لحديث بان عباس هذا قال وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء. (نقله عنه في الفتح).
قال ابن قدامة: فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، فلا يسن للمأموم أن يتخذ سترة، لأن الصحابة كانوا يصلون مع النبي ﷺ ولم يتخذ أحد منهم شيء.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/ ١٧٧): " يسن للمصلي إذا كان فذاً (منفرداً)، أو إماماً أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه، وتمكنه من الخشوع في أفعال الصلاة؛ وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال (إذا صلى أحدكم فليصل إلى
سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدا يمر بين يديه)، ولقوله ﷺ (ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم)
أما المأموم فلا يستحب له اتخاذ السترة اتفاقا; لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو لأن الإمام سترة له " انتهى.
стр. 650
(قائمةً كمُؤخِرة الرحْل).
أي: أن قدر السترة يكون كمؤخرة الرحل.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ اَلْمُصَلِّي. فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ) هي عمود الخشب الذي يكون خلف الراكب يستند إليه.
فهذا الحديث دليل على أن الأفضل أن يكون مقدار السترة طولاً مِثْلُ مُؤْخِرَةِ اَلرَّحْلِ.
قال النووي ﵀: وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى السُّتْرَة بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَبَيَان أَنَّ أَقَلّ السُّتْرَة مُؤْخِرَة الرَّحْل، وَهِيَ قَدْر عَظْم الذِّرَاع، هُوَ نَحْو ثُلُثَيْ ذِرَاع، وَيَحْصُل بِأَيِّ شَيْء أَقَامَهُ بَيْن يَدَيْهِ هَكَذَا. (شرح مسلم).
وقال ابن عثيمين ﵀: الأفضل أن تكون السترة كمؤخرة الرحل، يعني أن تكون شيئاً قائماً بنحو ثلثي ذراع؛ أي نصف متر. (نور على الدرب).
• قوله ﷺ (مثل مؤخرة الرحل) هذا على سبيل التقريب والأفضلية، فيجوز أطول منها وأقصر.
(فقد ثبت أنه ﷺ كان يستتر بالجدار) رواه مسلم.
(وثبت أنه ﷺ استتر بالمقام).
وعن ابن أبي أوفى (أنه طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين) رواه مسلم.
(وثبت أنه ﷺ استتر بالعنزة) رواه البخاري.
وكل هذه الأشياء أطول بكثير من مؤخرة الرحل.
• هل قوله ﷺ (مثل مؤخرة الرحل) هذا على سبيل الأفضلية، فيجوز أقل من ذلك.
стр. 651
قال ابن قدامة: فأما قدرها في الغلظ - الدقة - فلا حد له نعلمه، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة وغليظة كالحائط، ويدل لذلك:
o أنه ثبت أنه ﷺ صلى إلى حربة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ) متفق عليه.
o وثبت أنه ﷺ صلى إلى عَنَزَة.
عن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَىِ الْعَنَزَة) متفق عليه.
o أمر بالصلاة إلى السهم.
كما في حديث سبرة. قال: قال ﷺ (لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ).
وكل ذلك أدق بكثير من مؤخرة الرحل، ولم يرد في الشرع ما يمنع أدق من هذه المذكورات.
• لكن السترة العريضة أولى، وأبعد عن التشويش، وأجمع لقلب المصلي، إذا تيسرت له.
قال الإمام أحمد ﵀: وما كان أعرض فهو أعجب إلي.
قال ابن قدامة: وذلك لأن قوله (ولو بسهم) يدل على أن غيره أولى منه.
стр. 652
(فإنْ لم يجد شاخصاً فإلى خطٍ).
أي: إن لم يجد المصلي شاخصاً يصلي إليه، فليصلِ إلى خط.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
وهذا الحديث وقع خلاف في صحته وضعفه على قولين:
فبعض العلماء ضعفه ومنهم:
سفيان بن عيينة فقد، قال: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث.
وابن الصلاح، والنووي، وابن عبد الهادي، والعراقي، وابن حزم، والبغوي، والدار قطني، والطحاوي، وأحمد شاكر، والألباني.
وسبب ضعفه أمور:
أن إسماعيل قد اضطرب في اسم شيخه أبي عمرو بن محمد بن حريث وفي كنيته.
جهالة حال أبي عمرو بن محمد وجهالة جده حريث.
وذهب بعض العلماء إلى تصحيحه منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، ونص ابن عبد البر على أن الإمام أحمد وعلي بن المديني صححاه، والحاكم، وابن المنذر، والبيهقي، والسخاوي، والحافظ ابن حجر كما في البلوغ.
والأقرب أنه لا يصح.
• ولذلك اختلف العلماء: هل يخط المصلي خطاً إذا لم يجد سترة على قولين:
القول الأول: أنه لا يخط خطاً.
لأن الحديث ضعيف.
القول الثاني: أنه يخط.
ورجحه النووي، وقال: المختار استحباب الخط، لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم المصلي.
• صفة الخط:
فقيل: يجعل مثل الهلال. وقيل: يمد طولاً إلى جهة القبلة. وقيل: يمده يميناً وشمالاً.
والأمر في هذا واسع.
стр. 653
فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: أن الخط يكفي عن العصا، وهذا إذا كانت الأرض يؤثر فيها الخط كالرملية والحصائية.
(ويحرمُ المرورُ بين يدي المصلي).
أي: يحرم أن يمر الإنسان من أمام المصلي.
لحديث أَبِي جُهَيْمِ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(ماذا عليه) أي من الإثم والعقوبة. (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) يعني أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث النَّهْي الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد فِي ذَلِكَ.
وقال الشوكاني: الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر الموجبة للنار، وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة.
• متى يحرم ذلك؟
إذا مرّ بين يدي المصلي، فالتحريم مقيد فيما إذا مر بين يديه (يعني في المنطقة التي بين سجوده ووقوفه)، وهنا لا فرق بين أن يكون له سترة أو لا يكون له سترة.
• ما الحكم إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده؟
إن مرّ في المنطقة التي من بعد موضع سجوده، فهذه لها حالان:
الأولى: أن يكون المصلي يتخذ سترة، فهنا يجوز المرور من خلف السترة.
أ- لقول النبي ﷺ (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه) رواه أحمد.
ب- وعن طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك) رواه مسلم.
стр. 654
الثانية: أن لا يتخذ سترة، فهنا ليس له إلا موضع سجوده، وهذا الأقرب من أقوال أهل العلم، ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يدي المصلي.
• قوله ﷺ (بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … ) اختلف العلماء في مقدر ذلك:
فقيل: المراد من قدميه إلى منتهى موضع سجوده.
وقيل: إلى ثلاثة أذرع.
وقيل: إذا بعد عرفاً، بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم.
والأقرب الأول، لأن هذا هو الذي يحتاجه المصلي.
وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج.
• قوله (لَوْ يَعْلَمُ اَلْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ اَلْمُصَلِّي … ) ظاهره يشمل بين يدي الإمام والمنفرد والمأموم، لكن دلت السنة على أن المأموم مستثنى.
أ-لحديث ابْنِ عَبَّاس. قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد) متفق عليه.
ب-لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
• قوله (لو يعلم المار … ) نستفيد: أن غير المار (الجالس أو الواقف) لا يضر.
ويدل لذلك حديث عائشة قالت (كنت أنام بين يدي النبي ﷺ … ).
• يجوز أن يجعل إنساناً سترة له لحديث عائشة السابق.
قال ابن قدامة: فَإِنْ اسْتَتَرَ بِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ مِنْ السُّتْرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَبَسَطَ يَدَيْهِ هَكَذَا.
وَقَالَ: صَلِّ، وَلَا تُعَجِّلْ.
стр. 655
وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ.
رَوَاهُمَا النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ.
• وأما إذا كان مستقبل وجهه فيكره له الصلاة إليه، ويستحب له اتخاذ سترة أخرى بعيدة عنه.
قال ابن قدامة: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ إنْسَانٍ; لِأَنَّ عُمَرَ أَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي حِذَاءَ وَسَطِ السَّرِيرِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلَّ انْسِلَالًا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شِبْهُ السُّجُودِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ. (المغني).
وفي لفظ عند أحمد (رُبَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ السَّرِيرِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِي).
قال ابن رجب: وهذا يدل على أنها كانت تعلم أن النبي ﷺ كان يكره أن يستقبله أحد بوجهه وهو يصلي، وكان ذلك ليلاً، ولم يكن في البيوت مصابيح، كما صرحت به عائشة في حديثها الآخر، فدل على كراهة استقبال المصلي وجه إنسان.
وروى ابن أبي شيبة بسند حسن عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلاً إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ لِي: وَلِّنِي ظَهْرَك).
وقال ابن بطال ﵀: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى، إلا أن أكثرهم كره أن يستقبله بوجهه.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ الاِسْتِتَارِ بِالآْدَمِيِّ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيل.
стр. 656
وَأَمَّا الصَّلَاةُ إِلَى وَجْهِ الإْنْسَانِ فَتُكْرَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ
• اختلف العلماء: هل يحرم المرور بين يدي المصلي في الحرم أم لا على قولين:
القول الأول: أنه حرام حتى في المسجد الحرام.
وهذا مذهب الشافعية.
أ- لعموم حديث أبي جهيم، وليس هناك دليل يخص مكة أو المسجد الحرام.
وقد ثبت في حديث جابر (أن النبي ﷺ لما صلى ركعتي الطواف جعل المقام بينه وبين البيت).
ومن تراجم البخاري في صحيحه: باب السترة بمكة وغيرها، ثم أورد تحتها حديث أبي جحيفة قال (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ).
قال ابن حجر: … فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وقد قدمنا وجه الدلالة منه وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة.
القول الثاني: أن الحرم مستثنى.
أ-لحديث المطلب بن أبي وداعة بلفظ (رأيت رسول الله ﷺ في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي الناس - سترة) رواه أبو داود وهو ضعيف، ضعفه ابن حجر ونقل تضعيفه عن البخاري.
ب- وللمشقة الشديدة من الزحام.
قال ابن قدامة: ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، وروي ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد.
قال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد روي عن النبي ﷺ أنه صلى ثم ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأنّ مكة مخصوصة ..
وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب "المناسك".
стр. 657
وقال المعتمر: قلت لطاووس: الرجل يصلي - يعني بمكة - فيمر بين يديه الرجل والمرأة؟ فإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ليس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، فلو مَنَع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس.
والأول أصح.
(وتبطل بمرور كلبٍ أسود بهيم فقط).
أي: أن الصلاة تبطل بمرور كلب أسود بهيم.
أسود: دون الأحمر، والأبيض، والأزرق، أو أي لون غير الأسود.
بهيم: أي: خالص لا يخالطه سواده لون آخر.
• قوله (فقط) ولماذا فقَّط المسألة؟ فقَّطَها لأمرين:
أولاً: ليخرج الكلب الأحمر والأبيض وما أشبه ذلك، وقد سُئل النبيُّ ﷺ كما في حديث أبي ذر ـ: ما بالُ الكلبِ الأسود، من الكلبِ الأحمر، من الكلبِ الأصفر؟ قال: الكلبُ الأسودُ شيطان).
ثانياً: ليخرج المرأة والحمار.
وهذا هو المشهور من المذهب؛ أن الصَّلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود البهيم فقط، فلا تبطل بمرور غيره. (الشرح الممتع)
стр. 658
والدليل على أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة:
حديث أبي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ». قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) رواه مسلم.
وهذا قول أحمد وإسحاق.
وحجة هذا القول: أن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيء يعارض الأحاديث المذكورة وهي حديث أبي ذر وأبي هريرة.
وأما المرأة فقد ورد عن عائشة أنها قالت (شبهتمونا بالكلاب والحمير).
وقالت (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني).
وأما الحمار فقد ورد فيه حديث ابن عباس قَالَ (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ. وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقطع الصلاة هذه الأشياء الثلاثة: المرأة البالغ، والحمار، والكلب الأسود.
واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم، وابن المنذر، والشوكاني، والألباني.
أ- لحديث أبي ذَرٍّ -السابق- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ) رواه مسلم.
ب- ولحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ). رواه مسلم
قال ابن المنذر: وأما حجة من قال يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، فظاهر خبر عبد الله بن الصامت عن أبي ذر … وهو خبر صحيح لا علة له، فالقول بظاهره يجب، وليس مما يثبت عن رسول الله ﷺ إلا التسليم له وحدّك أن يحمل على قياس أو نظر.
стр. 659
وقال الشوكاني: المراد بقطع الصلاة إبطالها، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس، في رواية عنه … وممن قال به من التابعين يقطع الثلاثة المذكورة: الحسن البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم.
أ-لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ (لا يقطع الصلاة شيء) رواه أبو داود وهو ضعيف.
ب- لحديث الفضيل بن عباس قال (زار النبي ﷺ عباساً في بادية لنا، ولنا كلبة وحمار يرعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه، فلم يؤخرا ولم يزجرا) رواه أبو داود، وهو ضعيف.
ج- ولحديث عائشة -وقد تقدم- قالت (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني). رواه مسلم
د- ولحديث ابْنِ عَبَّاس -وقد تقدم- قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى إلى
غَيرِ جِدار، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَد). متفق عليه
стр. 660
وأجب هؤلاء (وهم الجمهور) عن الأحاديث التي فيها يقطع الصلاة كحديث أبي ذر وأبي هريرة بأجوبة:
أ- قالوا إن المراد بالقطع نقص الصلاة.
قال النووي: وتأول هؤلاء حديث القطع على أن المراد به ينقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها. (شرح مسلم).
ب- أنه منسوخ.
قال النووي: واما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فمن وجهين:
أصحهما وأحسنهما ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة، فهذا الجواب هو الذى نعتمده، وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول، إذ لا دليل عليه، ولا يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع وهى في آخر الأمر أن يكون ناسخاً، إذ يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول، أن مثل هذا لا يكون ناسخاً مع أنه لو احتمل النسخ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه، إذ ليس فيه رد شيء منها، وهذه أيضاً قاعدة معروفة. (المجموع).
والراجح أنه يقطع الصلاة هذه الأشياء الثلاثة المذكورة بالحديث.
قال ابن القيم: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ فَإِنّهُ صَحّ عَنْهُ أَنّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ " الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ". وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفّلٍ. وَمُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قِسْمَانِ صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ وَصَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهَا لِمُعَارِضٍ هَذَا شَأْنُهُ.
• وأما الجواب عن أدلة الجمهور:
أما حديث أبي سعيد (لا يقطع الصلاة شيء) فحديث ضعيف فلا حجة فيه.
ضعفه ابن حزم في المحلي، وقال النووي: هو ضعيف، وضعفه ابن قدامة في المغني، وابن حجر.
стр. 661
ولو صح فهو عام مخصوص بما ثبت عن النبي ﷺ من قطع المرأة والحمار والكلب الأسود، فتخص هذه الثلاثة من عموم هذا الحديث.
وأما حديث الفضيل ابن عباس (زار النبي ﷺ عباساً … ) فحديث ضعيف، فقد ضعفه ابن حزم في المحلى، ثم لم يبين لون هذه الكليبة، فقد يكون لونها ليس أسود، ولا يقطع الصلاة من الكلاب إلا الأسود.
وأما حديث عائشة، فهذا ليس بمرور، والنبي ﷺ يقول إذا مرّ، وفرق بين المرور والاضطجاع.
قال ابن القيم: وكان رسول الله ﷺ يصلي وعائشة نائمة في قبلته، وكأن ذلك ليس كالمار، فإن الرجل محرّم عليه المرور بين يدي المصلي ولا يكره له أن يكون لابثاً بين يديه، وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها.
وأما حديث ابن عباس (قَال (أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ … ) فهو غير صريح في المسألة، فلا حجة فيه، إذ ليس فيه إلا أن الحمار مرّ بين يدي بعض الصف، وهذا لا يؤثر، إذ سترة الإمام سترة لمن خلفه.
• هل مرور المرأة من أمام المرأة يقطع الصلاة كالرجل؟
نعم، يدخل في المرور، مرور المرأة بين يدي المرأة، فإنه يقطع الصلاة، لأنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المرأة تقطع صلاة المرأة كما تقطع صلاة الرجل. (لقاء الباب المفتوح).
وقال الشيخ الألباني ﵀: الصلاة تنقطع ولو كانت المصلية امرأة والمارة امرأة؛ لأن الخطاب لجميع الأمة. …
نقلاً من موقع الإسلام سؤال وجواب).
فائدة: قال ابن قدامة: وَلَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَلِأَنَّ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ يَتَسَاوَى
فِيهَا الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ هَذَا، فَكَذَلِكَ هَذَا.
стр. 662
• المراد بالمرأة التي تقطع الصلاة البالغة لأمرين:
الأول: لحديث ابن عباس فيه التقييد ( .. المرأة الحائض .. ).
والثاني: ولأن غير البالغة لا يصدق عليها أنها امرأة.
• المراد بالحمار الذي يقطع الصلاة؟
قيل: يشمل جميع الحمير الأهلي والوحشي.
لظاهر الحديث (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ .. ) فيشمل جميع الحمير.
وقيل: المراد الحمار الأهلي.
قالوا: لأن اسم الحمار إذا أطلق ينصرف إلى المعهود المألوف في الاستعمال وهو الأهلي.
والأول أرجح.
• المراد بالكلب الذي يقطع الصلاة الأسود:
جاء في حديث أبي ذر تقييده بالأسود، وجاء في حديث أبي هريرة مطلق غير مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود، بدليل حديث أبي ذر السابق ( … قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) رواه مسلم.
(وله التعوذُ عند آية وعيدٍ، والسؤال عند آية رحمة).
أي: يسن للمصلي إذا مر بآية وعيد أن يتعوذ، والسؤال عند آية رحمة.
أ- لحديث حُذَيْفَةَ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى». فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِه) رواه مسلم.
ب- وعنه عَنْ حُذَيْفَةَ (َنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». وَفِى سُجُودِهِ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى». وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ رَحْمَةٍ إِلاَّ وَقَفَ وَسَأَلَ وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلاَّ وَقَفَ وَتَعَوَّذَ) رواه أبو داود.
ج-وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ (قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِآلِ عِمْرَانَ … ) رواه أبو داود.
стр. 663
وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك في الفرض والنفل.
قالوا: وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه سنة في النفل دون الفرض.
ورجح هذا القول الشيخ الألباني.
قال الألباني: هذا إنما ورد في قيام الليل كما في حديث حذيفة، فمقتضى الإتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعاً في الفرائض أيضاً لفعله ﷺ ، ولو فعله لنقل، بل لكان نقله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أما في النفل، ولا سيما في صلاة الليل، فإنه يسن أن يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، اقتداء برسول الله ﷺ ، ولأن ذلك أحضر للقلب، وأبلغ في التدبر.
وصلاة الليل يسن فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسجود، وما أشبه ذلك.
وأما في صلاة الفرض، فليس بسنة، وإن كان جائزاً.
فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض .. ؟
فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول ﷺ يصلي في كل يوم وليلة ثلاث صلوات، كلها فيها جهر بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد، وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصحابة الذين نقلوا صفة صلاة الرسول ﷺ ، أنه كان يفعل ذلك في الفرض، ولو كان سنة لفعله، ولو فعله لنقل؛ فلما لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما يفعله علمنا أنه ليس بسنة.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 664
باب سجود السهو
سجود السهو: سجدتان يأتي بهما المصلي لجبر الخلل في صلاته سهواً بزيادة أو نقصان أو شك.
• ومشروعية سجود السهو من محاسن الشريعة الإسلامية، فإن النسيان لا يسلم منه أحد، ولابد من وقوعه في هذه العبادة العظيمة، وقد وقع من النبي ﷺ ، ففيه جبر للنقصان الذي حصل في الصلاة.
(يشرع لزيادة، ونقص، وشك).
أي: أن سجود السهو يشرع (وجوباً أو استحباباً) لأحد الأسباب الثلاثة:
زيادة.
أو نقص.
أو شك.
فالزيادة: مثل أن يزيد الإنسان ركوعاً أو سجوداً، أو قياماً أو قعوداً.
والنقص: مثل أن ينقص الإنسان ركناً، أو ينقص واجباً من واجبات الصلاة.
والشك: أن يتردد كم صلى: ثلاثاً أم أربعاً، مثلاً.
• فلا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة، ولا في حديث النفس.
قال البهوتي: يشرع [يعني: السجود] للسهو بوجود شيء من أسبابه، وهي زيادة، ونقص، وشك … سوى صلاة جنازة … ، وسوى حديث نفس، لعدم إمكان الاحتراز منه، وهو معفو عنه. (كشاف القناع).
• صلاة الجنازة ليس فيها سجود للسهو فلو أنه نسي مثلاً الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة أو نسي تكبيرة من التكبيرات ونحو ذلك، فلا نقول بأنه يسجد للسهو، لأن صلاة الجنازة صلاة مبنية على التخفيف ليس فيها ركوع ولا سجود، هي شفاعة للميت فقط، فلا يشرع فيها سجود للسهو.
(وهو واجب).
أي: حكم سجود السهو واجب عند وجود سببه، من زيادة، أو نقص، أو شك.
أ-لقوله ﷺ (وإذا نسيت فذكروني).
ب-ولقوله ﷺ إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى، ثلاثاً أم أربعاً؟ (فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم) رواه مسلم.
ج-ولقوله ﷺ (إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبَسَ عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس) رواه البخاري ومسلم.
стр. 665
(لا في عمدٍ).
أي: لا يشرع سجود السهو في العمد.
أ- لأن ترك الركن أو الواجب عمداً مبطل للصلاة.
ب- ولقَوْلِهِ ﷺ (إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ) فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ.
ج- وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ جُبْرَانًا وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ فَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ، بِخِلَافِ السَّاهِي وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إلَى السَّهْو.
(في الفرضِ والنافلةِ).
أي: أن سجود السهو يشرع في صلاة الفرض، وفي صلاة النافلة. وهذا قول أكثر أهل العلم.
أ-لعمومات الأدلة كقول النبي ﷺ (إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين) وهذا يشمل ما إذا سها في الفرض أو سها في النفل.
ب-ولقوله ﷺ (فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين) وهذا يشمل ما إذا كان في صلاة الفرض أو كان في صلاة النفل.
ج- وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَة.
د-ولقاعدة: ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب السهو في الفرض والتطوع، وسجد ابن عباس ﵄ سجدتين بعد وتره. قال الحافظ في الفتح عن أثر ابن عباس، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. اهـ.
ووجه الاستدلال بفعل ابن عباس أن الوتر غير واجب وسجد ابن عباس فيه للسهو، مما يدل على أن سجود السهو يكون في الفرض والنفل.
وقال الشيخ ابن عثيمين: سجود السهو سجدتان، ويكون في الفرض والنفل إذا وجد سببه.
(فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً، أو قعوداً، أو ركوعاً، أو سجوداً عمداً بطلت)
أي: متى زاد المصلي في صلاته عمداً، فزاد فيها ركعة، أو ركوعاً، أو سجوداً في غير محله، بطلت الصلاة بهذه الزيادة، مع حصول الإثم عليه.
стр. 666
(وسهواً يسجدُ له).
أي: وإن زاد ذلك سهواً فإنه يسجد للسهو.
(وإنْ ذكرَ وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال وسجد للسهو بعد السلام).
إذا زاد المصلي قياماً أو ركوعاً سهواً، فله حالتان:
الأولى: أن يذكر في أثناء قيامه.
فهنا يجب عليه أن يجلس في الحال، فيتشهد إن لم يكن تشهد ويسجد للسهو بعد السلام.
مثال: رجل قام إلى خامسة في العشاء، فتذكر ذلك وهو في القيام أو هو راكع؛ فإنه يرجع ويجلس فوراً، لأن هذه زيادة.
(فيتشهد إن لم يكن تشهد) أي: أنه إذا علم بالزيادة فجلس فإنه يقرأ التشهُّدَ، إلا أن يكون قد تشهَّد قبل أن يقوم للزيادة، وهل يمكن أن يزيد بعد أن يتشهَّد؟
الجواب: نعم يمكن، وذلك بأن يتشهَّد في الرابعة، ثم ينسى ويظنُّ أنها الثانية، ثم يقوم للثالثة في ظَنِّه، ثم يذكر بعد القيام بأن هذه هي الخامسة وأن التشهد الذي قرأه هو التشهُّد الأخير. فقول المؤلِّف: «يتشهَّد إن لم يكن تشهَّد» له معنًى صحيح. (الشرح الممتع)
الحالة الثانية: إن علم بالزيادة بعد سلامه؛ فإنه يسجد للسهو بعد السلام.
مثال: رجل لما سلم من الصلاة ذكر أنه صلى خمساً، فهنا يسجد للسهو، ويكون بعد السلام.
لحديث ابن مسعود قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً، فقلنا: يا رسول الله، أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، قال: إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتين للسهو).
стр. 667
وفي رواية: (بعد السلام والكلام).
(وإن ترك شَيْئًا مِنْ اَلْمَذْكُورَاتِ: أَتَى بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ).
أي: لو أن المصلي ترك ركناً من أركان الصلاة فإنه يأتي به ويسجد للسهو.
أحوال من ترك ركناً من أركان أثناء الصلاة:
الحالة الأولى: إن تذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه يرجع.
الحالة الثانية: وإن تذكره بعد أن وصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه لا يرجع وتقوم التي تليها مقام التي قبلها.
مثال: رجل قام إلى الرابعة في الظهر، ثم ذكر أنه نسي السجدة الثانية من الركعة الثالثة بعد أن شرع في القراءة، فهنا يقال له: ارجع واجلس بين السجدتين واسجد ثم أكمل، وذلك لأن ما بعد الركن المتروك يقع في غير محله لاشتراط الترتيب بين الأركان.
فإن وصل إلى محله من الركعة الثانية؛ فإنه لا يرجع، لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رجع فسيرجع على نفس المحل، فتكون الركعة الثانية هي الأولى، وتكون له ركعة ملفقة من الأولى ومن الثانية.
(وإن علِم بعد السلام فكترك ركعة كاملة).
أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا؛ فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله.
مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة، فيأتي بركعةٍ كاملةٍ.
ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ امتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة، ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة.
стр. 668
وقد اختار هذا القول الشيخ ابن باز ﵀، فإنه سئل عن إمام نسي السجدة الأخيرة من صلاة العصر، فقام وصلى ركعة كاملة وتشهد وسلم ثم سجد للسهو، فقال: (هذا هو المشروع، إذا نسي الإمام سجدة وسلم ثم ذكر أو نبه، يقوم ويأتي بركعة ثم يكمل ثم يسلم ثم يسجد سجود السهو بعد السلام وهو أفضل، وهكذا المنفرد حكمه حكمه. وإن سجد للسهو قبل السلام فلا بأس ولكن بعده أفضل).
وذهب بعض العلماء إلى التفصيل:
وهو أنه إذا ترك ركناً من أركان الصلاة ناسياً وتذكره بعد السلام فهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون المتروك في غير الركعة الأخيرة.
فهنا حكمه: كترك ركعة، فيأتي بركعة.
الأمر الثاني: أن يكون في الركعة الأخيرة.
فهنا لا نقول يأتي بركعة وإنما نقول يأتي به وبما بعده ما لم يطل الفصل.
مثال ذلك: إنسان نسي الركوع ثم سلّم ثم تذكر فنقول: ارجع وأتي بالركوع وما بعده، لكي يحصل الترتيب ولأن ما صار بعده هذا في غير موضعه ويسجد للسهو بعد السلام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين.
• هذا مقيد بما لم يطل الفصل في الأمرين، لكن إذا طال الفصل يستأنف الصلاة من أولها.
مثال: شخص نسي السجدة الثانية من إحدى الركعات، ولم يعلم بذلك إلا بعد أن تفرق الناس، وخرجوا من المسجد، وتحدثوا خارج المسجد بعد مضي وقت طويل، وذكر بعضهم لبعض أنهم نسوا سجدة من الصلاة، فتأكد لهم ذلك وأخبروا الإمام، فهنا يعيد الصلاة كلها، ويخبر جماعة المسجد في وقت لاحق ليعيدوا صلاتهم.
стр. 669
(وإن سلّم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد).
أي: من سلم قبل تمام الصلاة، فله أحوال:
أولاً: أن يسلم عامداً فصلاته باطلة.
ثانياً: أن يسلم ناسياً، فإن ذكر قريباً، فإنه يأتي بما تركه ثم يسجد للسهو بعد السلام.
ثالثاً: أن يسلم ناسياً، ويتذكر بعد فاصل طويل، فهنا يعيد الصلاة كاملة.
والدليل على أنه يأتي بما ترك ويسجد للسهو بعد السلام:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (صَلَّى اَلنَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتِي اَلْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ اَلْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي اَلْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ اَلنَّاسِ، فَقَالُوا: أَقُصِرَتْ. الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَا اَلْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتْ? فَقَالَ: " لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ " فَقَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
فهذا الحديث يدل على أن من سلم قبل إتمام صلاته ناسياً، فإنه يجب أن يأتي بما ترك ويسجد للسهو بعد السلام.
• قوله (ثم ذكر قريباً أتمها) فإن ذكر بعد مدة طويلة فإنه يجب أن يعيد الصلاة كاملة.
وهذا يرجع للعرف.
стр. 670
مثال الفصل القصير: أن يكون طول الفصل كطول الفصل في صلاة الرسول ﷺ ، فإنه قام واتكأ وتراجع مع الناس، وخرج سرعان الناس، فما كان مثل هذا كثلاث دقائق أو أربع دقائق، فهذا لا يمنع من بناء بعضها على بعض.
مثال طول الفصل: كساعة أو ساعتين، أو خرجوا من المسجد، فإن هذا يعتبر فاصلاً طويلاً، فهنا يجب عليهم إعادة الصلاة من أولها. (الشيخ ابن عثيمين).
• يشترط شرط آخر: أن لا يحدث، لأن الحدث ينافيها، واستمرار الطهارة شرط، وقد فات.
• قوله (ثم سجد) أي: للسهو ويكون بعد السلام.
لحديث ذي اليدين، فإن النبي ﷺ لما سلم من ركعتين، قام وجاء بالركعتين ثم سلم ثم سجد للسهو ثم سلم.
والسهو الذي وقع من النبي ﷺ في الحديث سهو عن زيادة، ووجه الزيادة: زيادة السلام.
قال بعض العلماء: ومن الحكمة أن يكون السجود للزيادة بعد السلام، حتى لا تجتمع زيادتان في الصلاة.
• إذا سلم الإمام من صلاته قبل إتمامها ناسياً، فهل يتابعه المأموم؟
إذا تيقن المأموم أن الإمام قد سها وأن الصلاة لم تتم، فإنه يبقى في محل الجلوس، ولا يتكلم ولا ينصرف، كما لو زاد الإمام ونبهوه ولم يرجع، فإنهم لا يتابعونه في الزيادة.
ثم هم مخيّرون: بين أن يجلسوا وينتظرون حتى يسلم بهم، أو يسلمون قبله، والانتظار أحسن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإن قال قائل: لماذا الصحابة تابعوا النبي ﷺ وسلموا معه؟
فالجواب: أن الصحابة التبس عليهم الأمر فخشوا أن يكون قد جاء تغيير في الحكم، فلذا سلموا معه وخرج من خرج، لأن الزمان زمان وحي ونسخ، وأما الآن فقد انتهى الأمر فلم يبق إلا السهو.
следующие страницы →