Полный текст (3 390 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(وسهواً يسجدُ له).
أي: وإن زاد ذلك سهواً فإنه يسجد للسهو.
(وإنْ ذكرَ وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال وسجد للسهو بعد السلام).
إذا زاد المصلي قياماً أو ركوعاً سهواً، فله حالتان:
الأولى: أن يذكر في أثناء قيامه.
فهنا يجب عليه أن يجلس في الحال، فيتشهد إن لم يكن تشهد ويسجد للسهو بعد السلام.
مثال: رجل قام إلى خامسة في العشاء، فتذكر ذلك وهو في القيام أو هو راكع؛ فإنه يرجع ويجلس فوراً، لأن هذه زيادة.
(فيتشهد إن لم يكن تشهد) أي: أنه إذا علم بالزيادة فجلس فإنه يقرأ التشهُّدَ، إلا أن يكون قد تشهَّد قبل أن يقوم للزيادة، وهل يمكن أن يزيد بعد أن يتشهَّد؟
الجواب: نعم يمكن، وذلك بأن يتشهَّد في الرابعة، ثم ينسى ويظنُّ أنها الثانية، ثم يقوم للثالثة في ظَنِّه، ثم يذكر بعد القيام بأن هذه هي الخامسة وأن التشهد الذي قرأه هو التشهُّد الأخير. فقول المؤلِّف: «يتشهَّد إن لم يكن تشهَّد» له معنًى صحيح. (الشرح الممتع)
الحالة الثانية: إن علم بالزيادة بعد سلامه؛ فإنه يسجد للسهو بعد السلام.
مثال: رجل لما سلم من الصلاة ذكر أنه صلى خمساً، فهنا يسجد للسهو، ويكون بعد السلام.
لحديث ابن مسعود قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً، فقلنا: يا رسول الله، أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، قال: إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتين للسهو).
стр. 667
وفي رواية: (بعد السلام والكلام).
(وإن ترك شَيْئًا مِنْ اَلْمَذْكُورَاتِ: أَتَى بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ).
أي: لو أن المصلي ترك ركناً من أركان الصلاة فإنه يأتي به ويسجد للسهو.
أحوال من ترك ركناً من أركان أثناء الصلاة:
الحالة الأولى: إن تذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه يرجع.
الحالة الثانية: وإن تذكره بعد أن وصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه لا يرجع وتقوم التي تليها مقام التي قبلها.
مثال: رجل قام إلى الرابعة في الظهر، ثم ذكر أنه نسي السجدة الثانية من الركعة الثالثة بعد أن شرع في القراءة، فهنا يقال له: ارجع واجلس بين السجدتين واسجد ثم أكمل، وذلك لأن ما بعد الركن المتروك يقع في غير محله لاشتراط الترتيب بين الأركان.
فإن وصل إلى محله من الركعة الثانية؛ فإنه لا يرجع، لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رجع فسيرجع على نفس المحل، فتكون الركعة الثانية هي الأولى، وتكون له ركعة ملفقة من الأولى ومن الثانية.
(وإن علِم بعد السلام فكترك ركعة كاملة).
أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا؛ فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله.
مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة، فيأتي بركعةٍ كاملةٍ.
ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ امتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة، ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة.
стр. 668
وقد اختار هذا القول الشيخ ابن باز ﵀، فإنه سئل عن إمام نسي السجدة الأخيرة من صلاة العصر، فقام وصلى ركعة كاملة وتشهد وسلم ثم سجد للسهو، فقال: (هذا هو المشروع، إذا نسي الإمام سجدة وسلم ثم ذكر أو نبه، يقوم ويأتي بركعة ثم يكمل ثم يسلم ثم يسجد سجود السهو بعد السلام وهو أفضل، وهكذا المنفرد حكمه حكمه. وإن سجد للسهو قبل السلام فلا بأس ولكن بعده أفضل).
وذهب بعض العلماء إلى التفصيل:
وهو أنه إذا ترك ركناً من أركان الصلاة ناسياً وتذكره بعد السلام فهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون المتروك في غير الركعة الأخيرة.
فهنا حكمه: كترك ركعة، فيأتي بركعة.
الأمر الثاني: أن يكون في الركعة الأخيرة.
فهنا لا نقول يأتي بركعة وإنما نقول يأتي به وبما بعده ما لم يطل الفصل.
مثال ذلك: إنسان نسي الركوع ثم سلّم ثم تذكر فنقول: ارجع وأتي بالركوع وما بعده، لكي يحصل الترتيب ولأن ما صار بعده هذا في غير موضعه ويسجد للسهو بعد السلام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين.
• هذا مقيد بما لم يطل الفصل في الأمرين، لكن إذا طال الفصل يستأنف الصلاة من أولها.
مثال: شخص نسي السجدة الثانية من إحدى الركعات، ولم يعلم بذلك إلا بعد أن تفرق الناس، وخرجوا من المسجد، وتحدثوا خارج المسجد بعد مضي وقت طويل، وذكر بعضهم لبعض أنهم نسوا سجدة من الصلاة، فتأكد لهم ذلك وأخبروا الإمام، فهنا يعيد الصلاة كلها، ويخبر جماعة المسجد في وقت لاحق ليعيدوا صلاتهم.
стр. 669
(وإن سلّم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد).
أي: من سلم قبل تمام الصلاة، فله أحوال:
أولاً: أن يسلم عامداً فصلاته باطلة.
ثانياً: أن يسلم ناسياً، فإن ذكر قريباً، فإنه يأتي بما تركه ثم يسجد للسهو بعد السلام.
ثالثاً: أن يسلم ناسياً، ويتذكر بعد فاصل طويل، فهنا يعيد الصلاة كاملة.
والدليل على أنه يأتي بما ترك ويسجد للسهو بعد السلام:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (صَلَّى اَلنَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتِي اَلْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ اَلْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي اَلْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ اَلنَّاسِ، فَقَالُوا: أَقُصِرَتْ. الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَا اَلْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتْ? فَقَالَ: " لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ " فَقَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
فهذا الحديث يدل على أن من سلم قبل إتمام صلاته ناسياً، فإنه يجب أن يأتي بما ترك ويسجد للسهو بعد السلام.
• قوله (ثم ذكر قريباً أتمها) فإن ذكر بعد مدة طويلة فإنه يجب أن يعيد الصلاة كاملة.
وهذا يرجع للعرف.
стр. 670
مثال الفصل القصير: أن يكون طول الفصل كطول الفصل في صلاة الرسول ﷺ ، فإنه قام واتكأ وتراجع مع الناس، وخرج سرعان الناس، فما كان مثل هذا كثلاث دقائق أو أربع دقائق، فهذا لا يمنع من بناء بعضها على بعض.
مثال طول الفصل: كساعة أو ساعتين، أو خرجوا من المسجد، فإن هذا يعتبر فاصلاً طويلاً، فهنا يجب عليهم إعادة الصلاة من أولها. (الشيخ ابن عثيمين).
• يشترط شرط آخر: أن لا يحدث، لأن الحدث ينافيها، واستمرار الطهارة شرط، وقد فات.
• قوله (ثم سجد) أي: للسهو ويكون بعد السلام.
لحديث ذي اليدين، فإن النبي ﷺ لما سلم من ركعتين، قام وجاء بالركعتين ثم سلم ثم سجد للسهو ثم سلم.
والسهو الذي وقع من النبي ﷺ في الحديث سهو عن زيادة، ووجه الزيادة: زيادة السلام.
قال بعض العلماء: ومن الحكمة أن يكون السجود للزيادة بعد السلام، حتى لا تجتمع زيادتان في الصلاة.
• إذا سلم الإمام من صلاته قبل إتمامها ناسياً، فهل يتابعه المأموم؟
إذا تيقن المأموم أن الإمام قد سها وأن الصلاة لم تتم، فإنه يبقى في محل الجلوس، ولا يتكلم ولا ينصرف، كما لو زاد الإمام ونبهوه ولم يرجع، فإنهم لا يتابعونه في الزيادة.
ثم هم مخيّرون: بين أن يجلسوا وينتظرون حتى يسلم بهم، أو يسلمون قبله، والانتظار أحسن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإن قال قائل: لماذا الصحابة تابعوا النبي ﷺ وسلموا معه؟
فالجواب: أن الصحابة التبس عليهم الأمر فخشوا أن يكون قد جاء تغيير في الحكم، فلذا سلموا معه وخرج من خرج، لأن الزمان زمان وحي ونسخ، وأما الآن فقد انتهى الأمر فلم يبق إلا السهو.
стр. 671
(فإن طال الفصل، أو تكلم لغير مصلحتها بطلتْ ككلامهِ في مصلحتِها).
ذكر متى تبطل الصلاة إذا سلم الإمام ناسياً قبل تمام الصلاة:
أولاً: أن يطول الفصل.
قال في الروض: فإن طال الفصل عرفًا بطلت، لتعذر البناء.
وجاء في حاشية الروض: لأنها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل، لفوات الموالاة بين أركانها، وطول الفصل يؤخذ من العرف، حيث لم يرد تحديده بنص، وذلك قاعدة في كل شيء لم يأت في الشرع تحديده، يرجع فيه إلى العرف.
ثانياً: أن يتكلم لغير مصلحتها.
كقوله: يا غلام؛ اسقني، أو يا فلان أين وضعت الكتاب، أو أغلق المكيف.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الصلاة لا تبطل في هذه الحالة.
وهذا اختيار الشيخ السعدي.
لأن هذا المتكلم لا يعتقد أنه في صلاة.
وقد قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم).
стр. 672
(ولمصلحتِها إن كان يسيراً لم تبطل).
أي: إذا كان الكلام يسيراً لمصلحة الصلاة لا تبطل.
• وفُهم من هذا أن الكلام أنه لو تكلم كثيراً لمصلحة الصلاة فإنها تبطل.
فيكون أقسام الكلام فيما إذا تكلم بعد سلامه ناسياً على النحو التالي:
أولاً: أن يتكلم لغير مصلحة الصلاة، فهنا صلاته تبطل بكل حال. مثال:
أن يقول بعد أن يسلم ناسياً: يا فلان، أغلق المكيف.
ثانياً: أن يتكلم لمصلحة الصلاة بكلام يسير، كفعل الرسول ﷺ حين قال: أصدق ذو اليدين، فهذا لا تبطل صلاته، لأنه يسير لمصلحة الصلاة.
ثالثاً: أن يكون كثيراً لمصلحة الصلاة، فهنا تبطل.
لكن الصحيح أنها لا تبطل مطلقاً، وهذا اختيار الشيخ السعدي.
لأن هذا المتكلم لا يعتقد أنه في صلاة.
وقد قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم).
فائدة:
اختلف الفقهاء فيمن تكلم في صلاته بكلام أجنبي ناسياً أنه في صلاة هل تبطل أم لا؟ إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: تبطل صلاته وعليه الإعادة.
وبه قال الحنفية والحنابلة في المذهب.
أ- لحديث ابن مسعود ﵁، وفيه قوله ﷺ (إن في الصلاة شغلاً).
ب- ولحديث زيد بن أرقم ﵁ أنه قال (كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النهي شامل لعموم كلام الآدميين في الصلاة بما في ذلك كلام الناسي؛ لعدم ورود التفريق بين ذلك.
ج- حديث معاوية بن الحكم ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم.
وجه الدلالة: دل الحديث على أن الكلام بغير التسبيح والذكر وقراءة القرآن يبطل الصلاة مطلقاً، سواء كان ذاكراً أو ناسياً.
стр. 673
القول الثاني: لا تبطل صلاته.
وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة في رواية.
أ- لعموم قوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
ب- ولحديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
فالآية والحديث يقتضيان رفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة، والمراد حكمهما.
ج- ولحديث ذي اليدين السابق.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ تكلم ناسياً معتقداً أنه قد فرغ من صلاته ثم لما ذكر بنى على صلاته وسجد للسهو، فلو كان إذا وقع عن سهو أبطل الصلاة لوجب عليه أن يستأنف صلاته.
القول الثالث: إن كان لمصلحة الصلاة لم تبطل، وإن كان لغير مصلحتها بطلت.
وبه قال الحنابلة في رواية.
دليلهم على أن الكلام إن كان لإصلاح الصلاة لا يبطلها:
استدلوا بحديث ذي اليدين السابق.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ تكلم هو وأصحابه لإصلاح الصلاة وبنوا صلاتهم على ذلك ولم يستأنفوا.
ودليلهم على أن الكلام لغير مصلحة الصلاة يبطلها:
استدلوا لذلك بعموم الأحاديث السابقة الدالة على تحريم كلام الآدميين في الصلاة، ومنها:
أ- حديث معاوية السابق وفيه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس).
ب- حديث ابن مسعود السابق (إن الله قد يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة).
الراجح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها تبين لي - والعلم عند الله تعالى -: أن الكلام سهوا لا يبطل الصلاة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. … (بحث في مجلة البحوث الإسلامية).
стр. 674
(وقهقهة ككلام).
القهقهة: الضحك المصحوب بالصوت.
القهقهة في الصلاة مبطلة للصلاة.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة.
وقال ابن قدامة: إن ضحك فبان منه حرفان فسدت صلاته، وكذلك إن قهقه وإن لم يبن منه حرفان، قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه مخالفاً؛ أي: في القهقهة ولو لم يبن منه حرفان.
وقال ابن هبيرة: أجمعوا على أن القهقهة في الصلاة تبطلها.
والدليل على أن القهقهة تبطل الصلاة:
أ-الإجماع كما تقدم.
ب-ما روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال (القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء) رواه الدارقطني في سننه والصحيح وقفه.
ج-أنها كالكلام بل أشد.
د-أن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب، وفيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما ينافي مقصودها، فأبطلت الصلاة لذلك.
• وأما التبسم فلا يبطل الصلاة.
روي هذا عن جابر بن عبد الله وعطاء ابن أبي رباح، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، والحسن البصري، والأوزاعي.
وبه قال الأئمة الأربعة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم غير ابن سيرين على أن التبسم في الصلاة لا يفسدها.
وقال ابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها - أي لا يفسد الصلاة -.
وقال النووي: قال أكثر العلماء: لا بأس بالتبسم.
стр. 675
واستدلوا:
أ- ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: لا يقطع الصلاة التبسم.
ب- أنه لا يفسد الصلاة لخفته، ولأنه عمل يسير.
(وإنْ نفخَ أو انتحب من غير خشية الله، أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت).
النفخ: مثل أن يقول: أف.
النحب: رفع الصوت بالبكاء.
فمن نفخ أو انتحب - ليس من خشية الله - فبان حرفان فإن صلاته تبطل.
أ- لأن النفخ إذا انتظم حرفين أفسد الصلاة؛ لأنه كلام، والكلام مبطل للصلاة، لعموم النهي عنه في الصلاة، وسواء أفهم الكلام أو لم يفهم؛ لأن الكلام يقع على المفهم وغيره.
ب- ما روي عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في الصلاة فقد تكلم.
ج-وبما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: النفخ في الصلاة كلام.
واعترض على الاستدلال المروي عن ابن عباس وأبي هريرة ﵁ بما قاله ابن المنذر بأنه لا يثبت عن ابن عباس وأبي هريرة أن النفخ بمنزلة الكلام. … (بحث مجلة البحوث الإسلامية).
وذهب بعض العلماء: إلى أن النفخ في الصلاة لا يبطلها.
أ- لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فذكر الحديث إلى أن قال: ثم نفخ في سجوده فقال: أف أف) رواه مسلم.
وجه الدلالة: حيث جاء لفظ أف في الحديث، فدل على جواز ذلك وأنه لا يبطل الصلاة.
ب- ولحديث المغيرة بن شعبة (أن النبي ﷺ كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ، فلما انصرف قال: إن النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي) رواه أحمد.
стр. 676
واعترض على الاستدلال بالحديثين بما يلي:
أنها واقعة حال، لا عموم لها، فيجوز كونها قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو فعله خوفاً من الله أو من النار، فإن ذلك لا يبطل كالتأوه والأنين.
وأجيب عن هذا الاعتراض بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: الجوابان ضعيفان. أما الأول فإن صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبي ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم، وإبراهيم كان من مارية القبطية، ومارية أهداها المقوقس بعد أن أرسل إليه المغيرة، وذلك بعد صلح الحديبية، فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك، ومعلوم أن الكلام حرم قبل هذا باتفاق المسلمين.
وهذا القول هو الراجح.
• الانتحاب: وهو رفع الصوت بالبكاء، فهذا له أحوال:
أولاً: إذا غلبت هذه الأمور على المصلي.
فإنها لا تبطل صلاته في قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتأوه فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره).
والدليل على أنها لا تبطل الصلاة:
أنها إذا غلبت تكون غير داخلة في وسع الإنسان إذ لا يمكنه دفعها، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ثانياً: إن كانت لم تغلب على المصلي لكن كانت لخشية الله.
فقد اختلف فيها العلماء على قولين:
الأول: أنها لا تبطل الصلاة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك، وأحمد في الصحيح من المذهب.
أ- لقول الله تعالى (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) حيث مدح الله الباكين.
ب- وعن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال (رأيت رسول الله ﷺ يصلي ولصدره أزيز، من البكاء) وفي رواية عند أبي داود: كأزيز الرحى).
стр. 677
وجه الدلالة من الحديث: يدل الحديث على أن البكاء من خشية الله لا يبطل الصلاة.
ج- عن ابن عمر ﵄ قال (لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له: الصلاة، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، فقال: مروه فليصل، فعاودته، فقال: مروه فليصل، إنكن صواحب يوسف).
فالحديث يدل على جواز البكاء في الصلاة، ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ لما صمم على استخلاف أبي بكر بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دل ذلك على الجواز.
د- قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ).
دل هذا الأثر على جواز البكاء في الصلاة.
و- دلت الأدلة المتقدمة على جواز البكاء والأنين والتأوه بمعناه.
القول الثاني: أن الصلاة تبطل إن بان منه حرفان.
وهو قول الشافعية في الأصح ورواية عند الحنابلة.
قالوا: إنه من جنس كلام الآدميين فيبطل الصلاة سواء كان للدنيا أو للآخرة.
والراجح الأول.
ثالثاً: إذا فعل البكاء والأنين والتأوه مختاراً، ولم يكن لخشية الله.
فهذا قد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: أنها تبطل الصلاة.
وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ومالك في رواية والشافعي في الأصح وأحمد في رواية هي المذهب.
أ- لعموم النهي عن الكلام، ولم يرد في الأنين والتأوه ما يخصهما ويخرجهما من العموم.
ب- ولأن البكاء والأنين والتأوه إذا كان من غير خشية لله يكون إظهاراً للجزع والتأسف فكان من كلام الناس فيقطع الصلاة.
стр. 678
القول الثاني: أنها لا تبطل الصلاة.
وهو قول أبي يوسف، ومالك في رواية عنه، وأحمد في رواية عنه، وقد رجح شيخ الإسلام هذا القول.
أ-أنه ليس من جنس الكلام ولا يكاد يبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل.
ب- ولأنه لا يخلو مريض أو ضعيف من ذلك في الصلاة.
وهذا القول هو الراجح.
• وكذلك إذا تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت صلاته.
أ- لعموم النهي عن الكلام في الصلاة، والنحنحة إن بأن منها حرفان فهي كلام فتبطل الصلاة.
ب- أنه ليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة.
وذهب بعض العلماء: إلى أن النحنحة لا تبطل الصلاة مطلقاً.
وهو قول أبي يوسف وأحد قولي مالك، وأحمد في رواية عنه، والشافعية في وجه.
أ- لحديث علي ﵁ قال (كانت لي ساعة في السحر أدخل على رسول الله ﷺ ، فإن كان في صلاته تنحنح فكان ذلك إذني وإن لم يكن في صلاته أذن لي) رواه أبو داود.
فالحديث دل على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد.
واعترض على هذا الدليل: بأن الحديث ضعيف. قال النووي - بعدما أورد الحديث -: وهو حديث ضعيف لضعف راويه، واضطراب إسناده، ومتنه ضعفه البيهقي وغيره.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأن الحديث صححه ابن خزيمة، وابن السكن، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني ما يدل على أن الحديث ثابت.
ب- أنها لا تبطل الصلاة؛ لأنها ليست كلاماً والحاجة تدعوا إليها. … (مجلة البحوث الاسلامية).
وهذا الراجح.
стр. 679
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: النحنحة … الأقوال فيها ثلاثة:
أحدها: أنها لا تبطل بحال، وهو قول أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن مالك؛ بل ظاهر مذهبه.
والثاني: تبطل بكل حال، وهو قول الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك.
والثالث: إن فعله لعذر لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وغيرهما، وقالوا: إن فعله لتحسين الصوت
وإصلاحه لم تبطل، قالوا: لأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيراً، فرخص فيه للحاجة.
ومن أبطلها قال: إنه يتضمن حرفين، وليس من جنس أذكار الصلاة، فأشبه القهقهة.
والقول الأول أصح. وذلك أن النبي ﷺ إنما حرم التكلم في الصلاة وقال (إنه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) وأمثال ذلك من الألفاظ، التي تتناول الكلام. والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلاً، فإنها لا تدل بنفسها، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلماً. (مجموع الفتاوى).
(ومن تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهَا سَهْوًا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَامَ عَنِ التَّشَهُدِ الأَوْلِ وَسَجَدَ قبل السلام).
هذا يتعلق بترك الواجبات.
فمن ترك واجباً من واجبات الصلاة نسياناً فإنه يسجد للسهو، ويكون قبل السلام لأنه عن نقص.
عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ اَلْأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ اَلنَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى اَلصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ اَلنَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ) متفق عليه.
وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ (يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ اَلنَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِىَ مِنَ الْجُلُوسِ).
ففي هذا الحديث ترك النبي ﷺ التشهد الاول (وهو واجب) نسياناً فلم يرجع له، وجبره بسجود سهو قبل السلام.
стр. 680
ويقاس على ترك التشهد ترك بقية الواجبات (كمن ترك سبحان ربي العظيم في الركوع نسياناً، أو سبحان ربي الأعلى في السجود نسياناً).
مثال: رجل صلى ونسي: سبحان ربي العظيم، فإنه يسقط، ويأتي بسجود سهو قبل السلام.
• يكون سجود السهو لمن ترك التشهد الأول ناسياً قبل السلام، لحديث عبد الله بن بحينة السابق.
وهكذا في جميع ترك واجبات الصلاة يكون السجود قبل السلام. (وستأتي المسألة متى يكون سجود السهو في الصلاة إن شاء الله).
المصلي إذا ترك التشهد الأول، فإنه لا يخلو من أحوال:
أ- إن ترك التشهد الأول، وذكره بعد شروعه بالقراءة، فهنا يحرم عليه الرجوع [ويسجد للسهو].
ب- إن ترك التشهد الأول وذكره بعد قيامه وقبل شروعه بالقراءة، فهنا يكره رجوعه [ويسجد للسهو قبل السلام].
لأنه انتقل إلى الركن الذي يليه.
ج- أما إذا ذكره قبل أن ينهض، أي قبل أن يفارق فخذاه ساقيه، فإنه يجلس ويتشهد وليس عليه شيء.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يحرم الرجوع إذا استتم قائماً، سواء شرع في القراءة أم لم يشرع
لأنه إذا استتم قائماً فإنه يصدق عليه أنه انتقل من ركن إلى ركن، فلا يرجع.
• إذا قام الإمام عن التشهد الأول، فإنه يجب على المأموم متابعته وإن لم يكن المأموم ناسياً.
• تقدم أن المصلي إذا سها وقام إلى الثالثة فإنه لا يرجع، لكن لو تعمد ورجع بعد تلبسه بالركن:
قيل: تبطل صلاته، وهذا مذهب الشافعي.
وقيل: لا تبطل صلاته، وهذا مذهب الجمهور.
стр. 681
(ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل).
أي: ومن شك في عدد الركعات، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فيجعلها ثلاثاً، أو هل صلى ثلاثاً أم اثنتين؟ فيجعلها اثنتين.
وذهب بعض العلماء إلى التفصيل، وهو أن الشك ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن لا يترجح عنده شيء، فهنا يعمل بالأقل ويسجد للسهو قبل السلام.
مثال: رجل صلى وشك؛ هل هذه الركعة الثالثة أم الرابعة؟ ولم يترجح عنده شيء، فيجعلها هنا ثلاثاً ويأتي برابعة ويسجد للسهو قبل السلام.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا? فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامً كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال النووي: من شك ولم يترجح له أحد الطرفين، بنى على الأقل بالإجماع.
القسم الثاني: إذا شك المصلي في صلاته، ولم يدر كم صلى، ثلاثاً أم أربعاً وغلب على ظنه أحدهما، فإنه يعمل به ويسجد للسهو بعد السلام.
لحديث ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَحَدَثَ فِي اَلصَّلَاةِ شَيْءٌ? قَالَ: " وَمَا ذَلِكَ? " قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي اَلصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ اَلصَّوَابَ، فلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: - فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ -.
وَلِمُسْلِمٍ: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيْ اَلسَّهْوِ بَعْدَ اَلسَّلَامِ وَالْكَلَامِ).
стр. 682
• ما الحكم إذا شك في صلاته فعمل باليقين أو بما ترجح عنده حسب التفصيل المذكور ثم تبين له أن ما فعله مطابق للواقع وأنه لا زيادة في صلاته ولا نقص، هل يسقط للسهو أو يسقط؟
قيل: يسقط عنه سجود السهو.
لزوال موجب السجود وهو الشك.
وقيل: لا يسقط عنه.
أ- ليراغم به الشيطان لقول النبي ﷺ (وإن كان صلى إتماماً كانتا ترغيماً للشيطان).
ب- ولأنه أدى جزءً من صلاته شاكاً فيه حين أدائه.
وهذا هو الراجح.
مثال ذلك: شخص يصلي فشك في الركعة أهي الثانية أم الثالثة؟ ولم يترجح عنده أحد الأمرين فجعلها الثانية وأتم عليها صلاته ثم تبين
له أنها هي الثانية في الواقع.
فلا سجود عليه على القول الأول.
وعليه السجود قبل السلام على القول الثاني.
(ولا سجودَ على مأمومٍ إلا تبعاً لإمامهِ).
أي: أن المأموم لا يلزمه سجود السهو إلا تبعاً لإمامه.
فالواجب على المأموم أن يتبع إمامه في الصلاة.
لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه … ) رواه البخاري.
سواء ابتدأها معه، أو كان مسبوقاً.
فإذا ابتدأ المأموم الصلاة مع الإمام وسها الإمام، وجب على المأموم متابعته في سجود السهو، للحديث المتقدم، وفيه ( … وإذا سجد فاسجدوا … )، سواء سجد الإمام للسهو قبل السلام أو بعده، لزيادة أو نقصان أو شك.
مثال ذلك: سهى الإمام فترك قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع، ولا عِلْم للمأموم بما ترك الإمام، لكون التسبيح سراً، والمأموم لم يترك شيئاً من الأركان والواجبات، ولم يفته شيء من الصلاة، فلما أراد الإمام أن يسلم، سجد قبل السلام، لتركه واجب التسبيح، فعلى المأموم أن يتبع إمامه في هذا السجود وجوباً.
стр. 683
وهذا أمر مجمع عليه:
أن المأموم الذي أدرك الركعة الأولى من الصلاة مع الإمام وسوف يسلم معه من الصلاة، أجمعوا على أنه يجب عليه أن يتابع الإمام في سجود السهو، سواء سجد الإمام قبل التسليم من الصلاة أم بعده، وسواء سها الإمام بمفرده أو سها معه المأموم.
لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه .. وإذا سجد فاسجدوا) فإن عمومه يشمل سجود السهو، فإذا سجد الإمام وجب على المأموم أن يتابعه في السجود.
قال ابن قدامة: وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ سَوَاءٌ سَهَا مَعَهُ، أَوْ انْفَرَدَ الْإِمَامُ بِالسَّهْوِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِك.
وَذَكَرَ إِسْحَاقُ أَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا). … (المغني).
ثانياً: فإن فات المأموم شيء من الصلاة، بأن دخل الصلاة مسبوقاً:
فهنا يجب على المأموم متابعته في سجود السهو، إن كان قبل السلام.
مثال ذلك: قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً، فإنه يلزمه السجود قبل السلام، والمأموم لحق بالإمام في الركعة الثانية، أو الثالثة، فيلزمه السجود تبعاً لإمامه، لأن الإمام لم تنقطع صلاته بعد، فإذا سلم الإمام، أتم المأموم ما فاته من الصلاة وسلم.
فإن سها الإمام بما يوجب السجود بعد السلام، فهل يلزم المسبوق متابعته في سجود السهو؟
الصحيح أنه إذا سجد الإمام بعد السلام، فلا يلزم المأموم متابعته:
أ-لتعذر ذلك؛ بسبب انقطاع المتابعة بسلام الإمام.
ب- لأن المأموم لو تابع الإمام في السلام عمداً بطلت صلاته.
فإذا أتم المأموم قضاء ما فاته، سجد للسهو بعد السلام إذا كان السهو فيما أدركه مع الإمام، وأما إذا كان السهو فيما مضى من صلاة الإمام قبل أن يدخل معه المأموم، لم يجب عليه السجود في هذه الحال.
стр. 684
- ما الحكم إن سها المأموم مسبوقاً، والإمام لم يسهو، فهل عليه سجود؟ مثال ذلك: دخل المأموم مع الإمام في الركعة الثانية
، وفي الجلسة بين السجدتين نسي أن يقول (رب اغفر لي) وسلم الإمام؟
حكمه: أنه يلزمه أن يتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
أ-لجبر النقص الحاصل في صلاته بترك واجب.
ب- ولأنه انفصل عن إمامه، فلا مخالفة في سجوده حينئذٍ.
جاء في رسالة سجود السهو لابن عثيمين:
هذه الحالات كلها فيما إذا كان السهو من الإمام، وأما سهو المأموم نفسه فله أحوال أيضاً:
إذا سها المأموم في صلاته، ولم يكن مسبوقاً، أي أدرك جميع الركعات مع إمامه، كما لو نسي أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، فإنه لا سجود عليه؛ لأن الإمام يتحمله عنه، لكن لو فرض أن المأموم سها سهواً تبطل معه إحدى الركعات كما لو ترك قراءة الفاتحة نسياناً، فهنا لابد أن يقوم إذا سلم الإمام ويأتي بالركعة التي بطلت من أجل السهو، ثم يتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام.
إذا سها المأموم في صلاته، وكان مسبوقاً، فإنه يسجد للسهو، سواء كان سهوه في حال كونه مع الإمام، أو بعد القيام لقضاء ما فاته؛ لأنه إذا سجد لم يحصل منه مخالفة لإمامه حيث إن الإمام قد انتهى من صلاته.
стр. 685
(وسجود السهوِ لِما يُبطِلُ عمدُه واجب).
أي: أن سجود السهو واجب لكل شيء يبطل الصلاة عمده.
مثال ذلك: لو تركت قول: «رَبِّ اغفرْ لي» بين السَّجدتين وَجَبَ عليك سجود السَّهو، لأنك لو تعمَّدت تَرْكَهُ لبطلت صلاتُكَ.
مثال آخر: لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول نسياناً يجب عليه السُّجود فقط، ولا يجب عليه الإِتيان به؛ لأنه واجب يسقط بالسَّهو.
مثال ثالث: لو تَرَكَ الاستفتاح لا يجب عليه سجود السَّهو، لأنه لو تعمَّد تَرْكه لم تبطل صلاته.
(ومحلُّه قبل السلام إلا من سلّم قبل إتمامها أو شك فبنى على غالب ظنه).
أي: أن محل سجود السهو قبل السلام، لأنه من تمام الصلاة وجبرها، فكان قبل سلامها إلا في مسألتين فإنه يسجد بعد السلام.
الأولى: إذا سلم قبل إتمام الصلاة.
لحديث ذي اليدين وقد تقدم.
الثانية: إذا شك وبنى على غالب ظنه، فإنه يسجد بعد السلام.
لحديث ابن مسعود - وقد تقدم - قال: قال ﷺ (وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْن).
وبقي مسألة ثالثة يسجد فيها بعد السلام: وهي ما إذا كان عن زيادة.
لأن الزيادة زيادة في الصلاة، وسجود السهو زيادة أيضاً، فلا تجتمع زيادتان.
لحديث ابن مسعود. قال (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ «مَا شَأْنُكُمْ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ «لَا». قَالُوا فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ». وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ «فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ).
قال الشيخ ابن عثيمين: ولا يقال: إن النبي ﷺ سجد بعد السلام، هنا ضرورة أنه لم يعلم إلا بعد السلام؛ لأننا نقول: لو كان الحكم يختلف عما فعل لقال لهم ﵇: إذا علمتم بالزيادة قبل أن تسلموا فاسجدوا لها قبل السلام، فلما أقر الأمر على ما كان عليه علم أن سجود السهود للزيادة يكون بعد السلام.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن السجود للسهو محله قبل السلام.
стр. 686
وبهذا قال: مكحول، والزهري، وابن المسيب، وهذا مذهب الشافعي.
أ-لحديث عبد الله بن بحينة السابق، الذي فيه: (أن النبي ﷺ ترك التشهد الأول وسجد للسهو قبل السلام).
ب-ولحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى … فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن، ثم
يسجد سجدتين قبل أن يسلم).
ج-وقالوا: إن سجود السهو إتمام للصلاة، وجبر للنقص الحاصل بها، فكان قبل السلام لا بعده.
وذهب بعضهم: إلى أن سجود السهو كله بعد السلام.
وبهذا قال: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثوري، وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ-واستدلوا بحديث ذي اليدين، حيث سجد النبي ﷺ بعد السلام، فكل سهو مثله يكون سجوده بعد السلام من الصلاة.
ب-ولحديث ابن مسعود في قوله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب … فليتم ثم يسلم ثم يسجد).
ج-ولحديث ثوبان. قال: قال ﷺ (لكل سهو سجدتان بعدما يسلم) رواه أبو داود، وضعفه البيهقي والنووي وابن تيمية.
وذهب بعضهم: إلى أنه كله قبل السلام إلا إذا سلم قبل تمام الصلاة.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث ذي اليدين، حيث سلم النبي ﷺ من الصلاة قبل إتمامها، فأتمها وسجد للسهو بعد السلام.
قالوا: فيقتصر السجود بعد السلام على هذه الصورة وهي السلام قبل تمام الصلاة، ويبقى ما عداها من الصور على الأصل، وهو السجود قبل السلام.
وذهب بعضهم: إلى التفريق، فما كان عن نقص قبل السلام، وما كان عن زيادة فبعد السلام.
وهذا مذهب مالك.
стр. 687
قال ابن عبد البر: وبه يصح استعمال الخبرين جميعاً، وقال: واستعمال الأخبار على وجهها أولى من ادعاء النسخ.
أدلتهم على سجود السهو من زيادة يكون بعد السلام:
أ-حديث الباب في قصة ذي اليدين، فإن النبي ﷺ سلم من ركعتين، فلما ذكره ذو اليدين أتم صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو ثم سلم.
وجه الدلالة: أنه ﷺ زاد في الصلاة حيث سلم قبل تمامها، والسلام قبل تمام الصلاة من الزيادة فيها.
ب- حديث ابن مسعود (أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أنه نص صريح في أن من زاد في صلاته سهواً، فإنه يسجد له بعد السلام.
وأدلتهم على أن سجود السهو من نقص يكون قبل السلام:
أ- حديث عبد الله بن بحيْنة (لما ترك النبي ﷺ التشهد الأول نسياناً سجد للسهو قبل السلام).
وجه الدلالة: أنه نص صحيح صريح في أن من نقص في صلاته فإنه يسجد للسهو قبل السلام.
• والمشهور من المذهب أن محل الخلاف في سجود السهو: ها هو قبل السلام أو بعده على سبيل الاستحباب والأفضلية، فيجوز السجود بعد السلام إذا كان محله قبل السلام وعكسه.
(وإنْ نسيَهُ وسلم سجدَ إنْ قرُبَ زمنه).
أي: وإن نسي سجود السهو الذي قبل السلام وسلم سجد إن قرب زمنه.
مثاله: رَجُلٌ نسيَ التشهُّد الأول؛ فيجب عليه سجود السَّهو، ومحلُّه قبل السَّلام، لكن نسيَ وسَلَّمَ، فإن ذَكَرَ في زمن قريب سَجَدَ، وإنْ طال الفصلُ سَقَطَ. مثل: لو لم يتذكَّر إلا بعد مدَّة طويلة؛ ولهذا قال: «سَجَدَ إن قَرُب زمنُه» فإن خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد فيسقط عنه. … (الشرح الممتع).
стр. 688
قال الإمام المرداوي: اشترط المصنف - ابن قدامة - لقضاء السجود شرطين:
أحدهما: أن يكون في المسجد.
والثاني: أن لا يطول الفصل. وهو المذهب. نص عليه.
وعن الإمام أحمد: يسجد مع قِصَر الفصْل، ولو خرج من المسجد.
وعنه أيضاً: يسجد ولو طال الفصل أو تكلّم أو خرج من المسجد وهو اختيار شيخ الإسلام كما في الاختيارات الفقهية. (الإنصاف)
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقضي سجود السهو ولو طال الفصل.
واختاره ابن تيمية.
أ- قالوا: لأن سجود السهو جبران للصلاة فيؤتى به، ولو بعد طول الزمان، كجبران الحج.
ب- القياس على الصلاة المنسية، والصلاة المنسية تقضى ولو طال الزمن.
ج- أن النبي ﷺ سجد كما في حديث ذي اليدين بعد السلام والكلام، وخروج السرعان من المسجد ودخوله ﷺ منزله، ولاريب أنه أمر السرعان بما يعملون، فإما أن يكونوا عادوا وإما أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة، وعلى التقديرين: فقد أتموا بعد العمل الكثير، والخروج من المسجد، وإما أن يقال: إنهم أمروا باستئناف الصلاة فهذا لم ينقله أحد، ولو أمر به لنقل، ولا ذنب لهم فيما فعلوا فلا بد من هذا السجود، أو من إعادة الصلاة.
стр. 689
(ومن سها مراراً كفاه سجدتان).
كأن يترك قول (سُبحان رَبِّيَ العظيم) في الرُّكوع، ويترك التشهُّدَ الأول، ويترك قول (سبحان رَبِّيَ الأعلى) في السُّجود.
فهذه ثلاثة أسباب يُوجب كلُّ واحد منها سجود السَّهو فيكفي سجدتان.
لأن الواجب هنا من جنس واحد، فدخل بعضُه في بعضٍ، كما لو أحدث ببول، وغائط، وريح، وأكل لحم إبل، فإنه يكفيه وُضوء واحد.
قال ابن قدامة: إذَا سَهَا سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ.
حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
لقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) وَهَذَا يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ.
ولِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَهَا فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا.
وَلِأَنَّ السُّجُودَ أُخِّرَ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ وَإِلَّا فَعَلَهُ عَقِيبَ سَبَبِهِ.
وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَجَبَرَ نَقْصَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَثُرَ، بِدَلِيلِ السَّهْوِ مَرَّاتٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا انْجَبَرَتْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَابِرٍ آخَرَ فَنَقُولُ: سَهْوَانِ، فَأَجْزَأَ عَنْهُمَا سُجُودٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا:
فَإِنَّ مَعْنَى الْجِنْسَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَحِلَّيْهِمَا مُخْتَلِفَانِ، وَكَذَلِكَ سَبَبَاهُمَا وَأَحْكَامُهُمَا.
فَعَلَى هَذَا إذَا اجْتَمَعَا، سَجَدَ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ، وَلِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ قَدْ وَجَبَ لِوُجُوبِ سَبَبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَهْوٌ آخَرُ، وَإِذَا سَجَدَ لَهُ، سَقَطَ الثَّانِي؛ لِإِغْنَاءِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، وَقِيَامِهِ مَقَامَه. … (المغني).
стр. 690
(وسجود السهو كسجود الصلاة).
أي: حكمهما حكم سجود الصلاة، فيقال فيهما ما يقال في سجود الصلاة، نحو (سبحان ربي الأعلى) والدعاء.
ويقال بينهما ما يقال بين سجدتي الصلاة، نحو (رب اغفر لي).
قال النووي: سُجُودُ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ بَيْنَهُمَا جَلْسَةٌ، وَيُسَنُّ فِي هَيْئَتِهَا الافْتِرَاشُ، وَيَتَوَرَّكُ بَعْدَهُمَا إلَى أَنْ يُسَلِّمَ، وَصِفَةُ السَّجْدَتَيْنِ فِي الْهَيْئَةِ وَالذِّكْرِ صِفَةُ سَجَدَاتِ الصَّلاةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَم. … (المجموع).
وجاء في (الشرح الكبير) ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، قياساً عليه.
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) يقول الساجد في سجود السهو والتلاوة مثل ما يقول في سجوده في صلاته (سبحان ربي الأعلى)
والواجب في ذلك مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث مرات، ويستحب الدعاء في السجود بما يسر الله من الأدعية الشرعية المهمة. انتهى.
وذكر بعض العلماء أنه يستحب أن يقال فيهما: " سُبْحَانَ مَنْ لا يَنَامُ وَلا يَسْهُو ".
قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) لم أجد له أصلاً. انتهى.
стр. 691
فوائد:
فائدة ١: لا تشهد بعد سجود السهو.
لأن الرسول الله ﷺ لم يفعله كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولو فعله لبيّنه أصحابه ونقلوه، وقد قال ﵊: صلوا كما رأيتموني أصلي.
قال ابن قدامة: وقال ابن سيرين، وابن المنذر (عن سجدتي السهو): فيهما تسليم بغير تشهد.
قال ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجهٍ، وفي ثبوت التشهد نظر. … (المغني).
ومن فوائد حديث ذي اليدين قال النووي: ومنها: إثبات سجود السهو، وأنه سجدتان، وأنه يكبر لكل واحدة منهما، وأنهما على هيئة سجود الصلاة لأنه أطلق السجود فلو خالف المعتاد لبينه، وأنه يسلم من سجود السهو، وأنه لا تشهد له، وأن سجود السهو في الزيادة يكون بعد السلام. (شرح مسلم).
فائدة ٢: من سها في سجود السهو لم يلزمه شيء، وصحت صلاته.
قال في (الشرح الكبير) في الأمور التي لا يسجد لها: " ولا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة؛ لأنها لا سجود في صلبها ففي جبرها أولى، ولا سجود تلاوة؛ لأنه لو شرع كان الجبر زائداً على الأصل، ولا في سجود السهو، نصّ عليه أحمد، ولأنه إجماع حكاه إسحاق؛ لأنه يفضي إلى التسلسل. ولو سها بعد سجود السهو لم يسجد لذلك والله أعلم.
стр. 692
باب صلاة التطوع
صلاة التطوع: هي كل عبادة ليست واجبة.
والتطوع له فوائد:
أولاً: جبر ما يكون في المفروضة من نقص.
قال ﷺ : (إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة الصلاة، قال: يقول ربنا لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه) رواه أبو داود.
• هذا التكميل يشمل كل نقص في الفريضة، سواء كان نقصا في عددها أو شروطها أو واجباتها أو أركانها، أو غير ذلك.
قَالَ الْعِرَاقِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَهُ مِنَ السُّنَنِ وَالْهَيْئَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَ أَيْضًا مِنْ فُرُوضِهَا وَشُرُوطِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَا تَرَكَ مِنَ الْفَرَائِضِ رَأْسًا فَلَمْ يُصَلِّهِ فَيُعَوِّضُ عَنْهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَاللَّهُ يَقْبَلُ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ الصَّحِيحَةِ عِوَضًا عَنِ الصَّلَوَاتِ المفروضة.
وقال ابن الْعَرَبِيِّ: " يُحْتَمَلُ أَنْ يُكَمِّل لَهُ مَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادِهَا بِفَضْلِ التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَلُ مَا نَقَصَهُ مِنَ الْخُشُوعِ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ) وَلَيْسَ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا فَرْضٌ أَوْ فَضْلٌ، فَكَمَا يُكَمِّلُ فَرْضَ الزَّكَاةِ بِفَضْلِهَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ، وَفَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ وَوَعْدُهُ أَنْفَذُ وَعَزْمُهُ أَعَم.
وقال ابن رجب ﵀" اختلف الناس في معنى تكميل الفرائض من النوافل يوم القيامة:
فقالت طائفة: معنى ذلك أن من سها في صلاته عن شيء من فرائضها أو مندوباتها كمل ذلك من نوافله يوم القيامة، وأما من ترك شيئا
من فرائضها أو سننها عمداً، فإنه لا يكمل له من النوافل؛ لأن نية النفل لا تنوب عن نية الفرض.
وقالت طائفة: بل الحديث على ظاهره في ترك الفرائض والسنن عمداً وغير عمد.
وحمله آخرون على العامد وغيره، وهو الأظهر - إن شاء الله تعالى. (فتح الباري لابن رجب).
стр. 693
ثانياً: من أسباب محبة الله.
قال ﷺ : (قال الله تعالى: … لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري.
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ (قَالَ لِي اَلنَّبِيُّ ﷺ سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي اَلْجَنَّةِ. فَقَالَ: أَوَغَيْرَ ذَلِكَ?، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: " فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ اَلسُّجُودِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
وجاء في رواية: (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة) رواه مسلم.
المراد بالسجود هنا صلاة التطوع، لأن السجود بغير صلاة أو لغير سبب غير مرغّب فيه على انفراده، وعبر عن الصلاة هنا بالسجود، لأن السجود من أركانها، وقد يعبّر عن الشيء بما هو من أركانها كما قال تعالى (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: صلوا مع المصلين.
قال النووي: فيه الحث على كثرة السجود والترغيب به، والمراد به السجود في الصلاة.
رابعاً: الحصول على الأجر المترتب عليها.
خامساً: ترويض النفس على الطاعة، وتهيئتها للفرائض.
سادساً: شغل الوقت بأفضل الطاعات.
سابعاً: الإقتداء بالرسول ﷺ -.
• والتطوع ينقسم إلى قسمين:
أولاً: تطوع مطلق، وهو الذي لم يأتِ به الشارع بحد.
مثال: صدقة التطوع، لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى.
ثانياً: التطوع المقيد، وهو ما حد له حد في الشرع، مثال: سنة الفجر.
стр. 694
• وقد اختلف العلماء في أفضل التطوعات على أقوال:
القول الأول: الجهاد في سبيل الله.
وهذا المذهب.
قال أحمد: لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أفضل من الجهاد.
قال ابن تيمية: الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة.
للأدلة الكثيرة في فضل الجهاد:
كقوله ﷺ (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).
وغيره من الأحاديث، كقوله ﷺ : (مثل المجاهد في سبيل الله، كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر).
القول الثاني: العلم وتعليمه.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك.
لنفعه المتعدي.
ولقوله ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). رواه الترمذي
القول الثالث: أن أفضل ما تطوع به الصلاة.
وهذا مذهب الشافعي.
لحديث ربيعة السابق.
قال ابن تيمية في رده على الرافضي بعد أن ذكر تفصيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، وأبي حنيفة ومالك للعلم: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حالٍ، كفعل النبي ﷺ وخلفائه، بحسب المصلحة والحاجة.
وقال: وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب، وأنفع للعبد، فإذا كان يَضُرُّه ويمنعه مما هو أنفع منه لم يكن ذلك صالحاً.
стр. 695
وقال: ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع، وقد يكون ذلك أيسر العملين، وقد يكون أشدهما، فليس كل شديد فاضلاً، ولا كل يسير مفضولاً، بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد، فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس، كالجهاد الذي قال فيه تعالى﴾ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَر).
وقال الشيخ ابن عثيمين: والصحيح أنه يختلف باختلاف الفاعل، وباختلاف الزمن، فقد نقول لشخص: الأفضل في حقك الجهاد، والآخر: الأفضل في حقك العلم، فإذا كان شجاعاً قوياً نشيطاً، وليس بذاك الذكي فالأفضل له الجهاد، لأنه أليق به. وإذا كان ذكياً حافظاً قوي الحجة، فالأفضل له العلم، وهذا باعتبار الفاعل.
وأما باعتبار الزمن فإننا إذا كنا في زمن تفشى فيه الجهل والبدع، وكثر من يفتي بلا علم، فالعلم أفضل من الجهاد، وإن كنا في زمن كثر فيه العلماء، واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية، فهنا الأفضل الجهاد. فإن لم يكن مرجح، لا لهذا ولا لهذا، فالأفضل العلم.
(آكدُها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر).
أي: أن آكد صلاة التطوع صلاة الكسوف.
لأن النبي ﷺ فعلها وأمر بها. وخرج وأمر منادياً ينادي (الصلاة جامعة).
ثم استسقاء، ثم تراويح: لأنها تسن لها الجماعة، ثم وتر.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الوتر آكد من التراويح.
لأن النبي ﷺ أمر به وداوم عليه، ولأن العلماء اختلفوا في وجوبه.
• قوله (آكدها كسوف) دليل على أن صلاة الكسوف سنة.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وقد قال النووي: سنة مؤكدة بالإجماع.
стр. 696
لكن ذهب بعض العلماء إلى وجوبها، قال الشيخ الألباني: دعوى الاتفاق منقوضة، فقد قال أبو عوانة في صحيحه في [بيان وجوب صلاة الكسوف] ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الأمر بها كقوله: (فصلوا … ).
قال ابن حجر: فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها.
قال الشيخ الألباني: وهو الأرجح دليلاً، وقال: إن القول بالسنية فقط فيه إهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة دون أي صارف لها عن دلالتها الأصلية ألا وهو الوجوب.
قال ابن القيم: إن القول بالوجوب قول قوي.
وهذا الصحيح أنها واجبة، لكن على الكفاية.
• قوله (وتر) دليل على أن الوتر سنة مؤكدة.
لفعل النبي ﷺ ومواظبته عليه حضراً وسفراً وحث الناس عليه.
لقول ﷺ (أوتروا قبل أن تصبحوا).
وقال أبو هريرة (أوصاني خليلي بثلاث: وأن أوتر قبل أن أرقد … ).
وذهب بعض العلماء: إلى وجوبه وهو مذهب الحنفية.
أ- لحديث أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (اَلْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ) رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ.
ب- وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَد لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
وجمهور العلماء على أنه ليس بواجب واستدلوا:
أ- بحديث طلحة بن عبيد الله قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد … وفيه: قال ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها: قال: لا، إلا أن تطوع) متفق عليه.
قال النووي: فيه أَنَّ صَلاة الْوِتْر لَيْسَتْ بِوَاجِبَة.
وقال الحافظ في "الفتح" فيه: أَنَّهُ لا يَجِب شَيْء مِنْ الصَّلَوَات فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة غَيْر الْخَمْس، خِلافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْر أَوْ رَكْعَتَيْ الْفَجْر " انتهى.
стр. 697
وقال الباجي في المنتقى شرح موطأ مالك: وهذا نص في أنه لا يجب من الصلوات غير الصلوات الخمس، لا وتر ولا غيره.
ب- وبحديث بعث معاذ إلى اليمن، وفيه: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة … ).
قال الشوكاني: وهذا من أحسن ما يستدل به، لأن بعث معاذ كان قبل وفاته ﷺ بيسير.
ج- وَلحديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ (لَيْسَ اَلْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ اَلْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَه.
د- ولحديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يوتر على بعيره) متفق عليه.
وهذا دليل على أن الوتر ليس بواجب، إذ لو كان واجباً لم يصله على الراحلة.
قال النووي: وأما الأحاديث التي احتجوا بها فمحمولة على الاستحباب والندب المتأكد، ولا بد من هذا التأويل للجمع بينها وبين الأحاديث التي استدللنا بها.
وهذا القول هو الصحيح.
تعريف الوتر:
الوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها، كما قال النبي ﷺ (صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَهُ مَا صَلَّى) فاتفق فعله ﷺ وقوله، وصدَّق بعضُه بعضاً. (إعلام الموقعين).
стр. 698
(ووقتُه من صلاة العشاء إلى الفجر).
أي: أن وقت الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ما بين العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.
أ- عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ اَلنَّعَمِ " قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ? قَالَ: " اَلْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ اَلْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ اَلْفَجْرِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
ب-قال ﷺ (أوتروا قبل أن تصبحوا) رواه مسلم.
ج-وقال ﷺ (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة، فأوترت له ما قد صلى) رواه مسلم.
قال الشيخ ابن عثيمين: فدل على أن الوتر ينتهي وقته بطلوع الفجر، ولأنه صلاة تختم به صلاة الليل فلا تكون بعد انتهائه.
د- وقال ﷺ (بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْر) رواه مسلم.
هـ- وقال ﷺ (الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْل) رواه مسلم.
و-وقال ﷺ (إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْر) رواه الترمذي.
ز- عن عمرو بن العاص أنه خطب الناس يوم جمعة فقال: إن أبا بصرة حدثني أن النبي ﷺ قال (إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر … ) إسناده صحيح. وقال عنه ابن رجب: إسناده جيد.
ك- عن ابن عمر كان يقول: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر) رواه أبو داود.
قال النووي: قوْله ﷺ (فَإِذَا خَشِيَ أَحَدكُمْ الصُّبْح صَلَّى رَكْعَة تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى).
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر (أَوْتِرُوا قَبْل الصُّبْح).
هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ السُّنَّة جَعْل الْوِتْر آخِر صَلَاة اللَّيْل، وَعَلَى أَنَّ وَقْته يَخْرُج بِطُلُوعِ الْفَجْر، وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَقِيلَ: يَمْتَدّ بَعْد الْفَجْر حَتَّى يُصَلِّي الْفَرْض. … (شرح مسلم).
стр. 699
• اختلف العلماء: لو جمعت العشاء مع المغرب، متى يصلي الوتر على قولين:
القول الأول: يصليه بعد العشاء ولو جمعت جمع تقديم.
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية ورجحه ابن حزم.
وقيل: لا يدخل إلا بعد وقت العشاء.
والراجح الأول.
• أما قبل صلاة العشاء فلا يصح الوتر على القول الراجح.
(وأقلهُ ركعةٌ).
أي: أقل الوتر ركعة واحدة، لأنه يحصل بها الوتر.
أ- لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (الوتر ركعة من آخر الليل) رواه مسلم.
ب- وعنه (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق عليه.
• قوله (الوتر ركعة) هذا إذا كانت مفصولة، فأما إذا اتصلت بغيرها كما لو أوتر بخمس أو سبع أو تسع فالجميع وتر كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
• قوله (أقله ركعة) دليل على أنه لا يكره أن يوتر بركعة.
وهذا مذهب الجمهور.
أ- لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ : (فإذا خفت الصبح فأوتِر بركعة) رواه مسلم.
ب- لحديث أبي أيوب قال: قال ﷺ (الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ..... ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه أبو داود.
ج- وعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ) رواه مسلم.
قال النووي: قَوْلها (وَيُوتِر مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ) دَلِيل عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْوِتْر رَكْعَة، وَأَنَّ الرَّكْعَة الْفَرْدَة صَلَاة صَحِيحَة، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يَصِحّ الْإِيتَار بِوَاحِدَةٍ وَلَا تَكُون الرَّكْعَة الْوَاحِدَة صَلَاة قَطُّ، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَرُدّ عَلَيْهِ. (شرح مسلم).
واستدل من قال بالكراهة:
بحديث أبي سعيد ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها)
لكن في الاحتجاج بهذا الحديث نظر، لأنه حديث ضعيف.
قال ابن حزم ﵀: لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَهْيٌ عَنْ الْبُتَيْرَاء.
• ما الجواب عن حديث عائشة (كان النبي ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس).
стр. 700
وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة:
فقيل: فعل ذلك بياناً لجواز الصلاة بعد الوتر.
ورجح هذا النووي، وقال: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما ﷺ بعد الوتر جالساً لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالساً، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة أو مرتين أو مرات قليلة، … ثم قال: وإنما تأولنا حديث الركعتين جالساً، لأن الروايات المشهورة في الصحيحين وغيرهما عن عائشة، مع روايات خلائق من الصحابة في الصحيحين، مصرحة بأن آخر صلاته ﷺ في الليل كان وتراً … فكيف يظن به ﷺ مع هذه الأحاديث وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر ويجعلهما آخر صلاة الليل.
وذهب بعض العلماء إلى العمل بالحديث، وجعلوا الأمر في قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) مختصاً بمن أوتر آخر الليل.
وأنكر مالك هاتين الركعتين.
وقال ابن القيم: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة، وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده مجرى سنة المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل.
(وأكثره: إحدى عشرة ركعة).
أي: أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (مَا كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) متفق عليه.
(مثنى مثنى).
أي: يصليها اثنتين اثنتين.
أ- لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (صلاة الليل مثنى مثنى) متفق عليه.
ب- ولحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة) رواه مسلم.
(ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسعٍ يجلس عقب الثامنة ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ويسلم).
أي: يجوز الوتر بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع.
• الإيتار بثلاث.
إن أوتر بثلاث فله صفتان كلتاهما مشروعة:
الأولى: أن يسرد الثلاث بتشهد واحد.
لحديث عائشة ﵂ قالت (كان النبي ﷺ لا يسلّم في ركعتي الوتر "، وفي لفظ " كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن) رواه النسائي والبيهقي.
قال النووي في المجموع: رواه النسائي بإسناد حسن، والبيهقي بإسناد صحيح. اهـ.
ثانية: أن يسلّم من ركعتين ثم يوتر بواحدة.
لما ورد عن ابن عمر ﵄ (أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك)
رواه ابن حبان.
стр. 701
قال ابن حجر في الفتح: إسناده قوي. اهـ.
قال الشيخ الألباني: أما صلاة الثلاث بقعود بين كل ركعتين بدون تسليم، فلم نجده ثابتاً عن النبي ﷺ ، والأصل الجواز، لكن لما كان النبي ﷺ قد نهى عن الإيتار بثلاث، وعلل ذلك بقوله (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) رواه الدار قطني
فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثاً الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين:
الأول: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل.
الثاني: أن لا يقعد بين الشفع والوتر.
• الإيتار بخمس.
صفتها: أن يسردها سرداً لا يجلس إلا في آخرها.
لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهَا) رواه مسلم.
• الإيتار بسبع.
صفتها: أيضاً يسردها سرداً لا يجلس إلا في آخرها.
لحديث عائشة قالت ( … فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ) رواه مسلم.
وعن أم سلمة ﵂ قالت (كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع ولا يفصل بينهن بسلام ولا كلام) رواه أحمد النسائي.
قال النووي: سنده جيد.
• الإيتار بتسع.
صفتها: أن يسردها سرداً، لكن يتشهد بعد الثامنة ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويسلم.
لحديث عائشة قالت ( … كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) رواه مسلم.
стр. 702
• الإيتار بإحدى عشرة ركعة.
صفتها: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
(وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى (سبح) وفي الثانية (الكافرون) وفي الثالثة (الإخلاص).
أي: أدنى الكمال في الوتر أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يأتي بواحدة ويسلم.
وتقدم الصفة الثانية.
ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة (سبح) وفي الثانية بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثالثة بعد الفاتحة (الإخلاص).
لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِـ "سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى"، و: "قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ"، و: "قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَاد (وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ).
ففي هذا الحديث: أن السنة أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة [الأعلى] وفي الثانية [الكافرون] وفي الثالثة [قل هو الله أحد].
واستحب الإمام مالك والشافعي، قراءة المعوذتين بعد الإخلاص.
لحديث عائشة عند أبي داود وفيه (كُلَّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي اَلْأَخِيرَةِ: "قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ"، وَالْمُعَوِّذَتَيْن).
لكنه ضعيف، ففيه انقطاع، فإن جريج لم يسمع من عائشة. [قاله أحمد وجماعة].
والراوي خصيف بن عبد الرحمن سيء الحفظ.
ولذا قال العقيلي: أما المعوذتين فلا تصح.
• ويسن أن يقول بعد الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، ويرفع صوته بالثالثة.
لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا فَرَغَ، قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ) رواه النسائي.
وروى الدارقطني زيادة بعدها وهي (رب الملائكة والروح) وإسنادها ضعيف.
قال النووي: يستحب أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات: سبحان الملك القدوس. … (المجموع).
وقال ابن قدامة: يستحب أن يقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس. ثلاثا، ويمد صوته بها في الثالثة.
стр. 703
(ويقنت فيها بعد الركوع).
أي: ويقنت (فيها) أي: في الثالثة بعد الركوع.
والمراد بقنوت الوتر: هو الدعاء الذي يدعو به المصلي في آخر ركعة من صلاة الليل (الوتر).
وقد اختلف العلماء في دعاء القنوت في الوتر (المقصود الدعاء عقب الركوع أو قبله في صلاة الوتر) على أقوال:
القول الأول: أن القنوت في الوتر مسنون في جميع السنة.
وهذا قول الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة
أ- لحديث أبيّ بن كعب (أن النبي ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع) رواه النسائي.
ب- ولحديث علي (أنه ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أن استعمال لفظ (كان) يدل على مداومته ﷺ على ذلك.
ج- ولحديث الحسن الآتي إن شاء الله (عَلَّمَنِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ اَلْوِتْرِ).
وجه الدلالة: أن تعليم النبي ﷺ الحسن هذا الدعاء ليقوله في الوتر، دليل على استحبابه في جميع العام.
د-قال ابن قدامة: لأنه وتر، فيشرع فيه القنوت.
القول الثاني: أنه لا يشرع مطلقاً.
وهذا المشهور عن المالكية، وهو رواية عن ابن عمر.
قالوا: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر، وإذا لم ينقل عنه ﵊ فهذا دليل على أنه لا يستحب مطلقاً.
القول الثالث: أنه يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان خاصة
القول الرابع: أنه سنة يفعل أحياناً ويترك أحياناً.
قال الشيخ الألباني: وإنما قلنا أحياناً لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان يفعله دائماً نقلوه جميعاً.
стр. 704
قال الشيخ العلوان عن قول من قال بالاستحباب مطلقاً طول السنة قال: وفي هذا نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء في هذا الباب قاله أحمد وغيره، واستحباب المواظبة على أمر لم يثبت فعله عن النبي ﷺ فيه نظر.
وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف وتر رسول الله ﷺ وليس في شيء منها أنه قنت في الوتر، ولاسيما أن هذه الأحاديث من رواية الملازمين له كعائشة ﵂. فلو كان يقنت كل السنة أو معظمها أو علم أحداً هذا لنقل ذلك إلينا.
الوجه الثاني: أن عمدة القائلين باستحباب القنوت في السنة كلها هو حديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد وأهل السنن من طريق أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن به.
ورواه أحمد من طريق يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء بمثله. و إسناده جيد، إلاّ أن زيادة (قنوت الوتر) شاذة.
فقد رواه أحمد في مسنده عن يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ (كان يعلمنا هذا الدعاء، اللهم اهدني فيمن هديت … ) وهذا هو المحفوظ لأن شعبة أوثق من كل من رواه عن بريد فتقدم روايته على غيره ومَن قَبل تفرّد الثقة عن أقرانه الذين هم أوثق منه بدون قيود ولا ضوابط فقد غلط، ومن أدّعى قبول زيادة الثقة إذا لم تخالف روايته ما رواه الآخرون فقد أخطأ. فأئمة الحديث العالمون بعلله وغوامضه لا يقبلون الزيادة مطلقاً كقول الأصوليين وأكثر الفقهاء، ولا يردونها بدون قيد ولا ضابط، بل يحكمون على كل زيادة بما يقتضيه المقام وهذا الصواب في هذه المسألة، وبيان وجهه له مكان آخر، فالمقصود هنا ترجيح رواية شعبة على روايتي أبي إسحاق ويونس.
стр. 705
وبعد تحرير هذا وقفت على كلام لابن خزيمة ﵀ يؤيد ما ذهبت إليه، قال:
(وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر. قال: وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه. اللهم إلاّ أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي ﷺ ولست أعلمه ثابتاً.
وقد تقدم قول الإمام أحمد (لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء).
ولكن ثبت القنوت عن الصحابة ﵃ على خلاف بينهم، هل يقنت في السنة كلها أم لا، والحق فيه أنه مستحب في بعض الأحيان، والأولى أن يكون الترك أكثر من الفعل، وما يفعله بعض الأئمة من المثابرة عليه فغلط مخالف للسنة. (قاله الشيخ العلوان)
• قوله (بعد الركوع) ويجوز قبل الركوع.
قال ابن تيمية: وَأَمَّا الْقُنُوتُ: فَالنَّاسُ فِيهِ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ: مِنْهُمْ مَنْ لا يَرَى الْقُنُوتَ إلا قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يَرَاهُ إلا بَعْدَهُ. وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُجَوِّزُونَ كِلا الأَمْرَيْنِ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ بِهِمَا. وَإِنْ اخْتَارُوا الْقُنُوتَ بَعْدَهُ; لأَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَقْيَسُ اهـ.
• ويرفع يديه وقد صح عن عمر ﵁ كما أخرجه البيهقي وصححه.
(ويقول ما ورد).
عَنْ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄; قَالَ (عَلَّمَنِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ اَلْوِتْرِ: " اَللَّهُمَّ اِهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَزِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ.
وَزَادَ اَلطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ).
زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: (وَصَلَّى اَللَّهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ).
وهذا الحديث حديث صحيح، لكن لفظة (قُنُوتِ اَلْوِتْرِ) شاذة لا تصح.
(قنوت الوتر) أي: صلاة الوتر التي يصليها الإنسان لوحده.
следующие страницы →