← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال ابن حجر في الفتح: إسناده قوي. اهـ. قال الشيخ الألباني: أما صلاة الثلاث بقعود بين كل ركعتين بدون تسليم، فلم نجده ثابتاً عن النبي ﷺ ، والأصل الجواز، لكن لما كان النبي ﷺ قد نهى عن الإيتار بثلاث، وعلل ذلك بقوله (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) رواه الدار قطني فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثاً الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين: الأول: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل. الثاني: أن لا يقعد بين الشفع والوتر. • الإيتار بخمس. صفتها: أن يسردها سرداً لا يجلس إلا في آخرها. لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهَا) رواه مسلم. • الإيتار بسبع. صفتها: أيضاً يسردها سرداً لا يجلس إلا في آخرها. لحديث عائشة قالت ( … فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ) رواه مسلم. وعن أم سلمة ﵂ قالت (كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع ولا يفصل بينهن بسلام ولا كلام) رواه أحمد النسائي. قال النووي: سنده جيد. • الإيتار بتسع. صفتها: أن يسردها سرداً، لكن يتشهد بعد الثامنة ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويسلم. لحديث عائشة قالت ( … كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) رواه مسلم.

стр. 702

• الإيتار بإحدى عشرة ركعة. صفتها: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة. (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى (سبح) وفي الثانية (الكافرون) وفي الثالثة (الإخلاص). أي: أدنى الكمال في الوتر أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يأتي بواحدة ويسلم. وتقدم الصفة الثانية. ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة (سبح) وفي الثانية بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثالثة بعد الفاتحة (الإخلاص). لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِـ "سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى"، و: "قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ"، و: "قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَاد (وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ). ففي هذا الحديث: أن السنة أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة [الأعلى] وفي الثانية [الكافرون] وفي الثالثة [قل هو الله أحد]. واستحب الإمام مالك والشافعي، قراءة المعوذتين بعد الإخلاص. لحديث عائشة عند أبي داود وفيه (كُلَّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي اَلْأَخِيرَةِ: "قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ"، وَالْمُعَوِّذَتَيْن). لكنه ضعيف، ففيه انقطاع، فإن جريج لم يسمع من عائشة. [قاله أحمد وجماعة]. والراوي خصيف بن عبد الرحمن سيء الحفظ. ولذا قال العقيلي: أما المعوذتين فلا تصح. • ويسن أن يقول بعد الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، ويرفع صوته بالثالثة. لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا فَرَغَ، قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ) رواه النسائي. وروى الدارقطني زيادة بعدها وهي (رب الملائكة والروح) وإسنادها ضعيف. قال النووي: يستحب أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات: سبحان الملك القدوس. … (المجموع). وقال ابن قدامة: يستحب أن يقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس. ثلاثا، ويمد صوته بها في الثالثة.

стр. 703

(ويقنت فيها بعد الركوع). أي: ويقنت (فيها) أي: في الثالثة بعد الركوع. والمراد بقنوت الوتر: هو الدعاء الذي يدعو به المصلي في آخر ركعة من صلاة الليل (الوتر). وقد اختلف العلماء في دعاء القنوت في الوتر (المقصود الدعاء عقب الركوع أو قبله في صلاة الوتر) على أقوال: القول الأول: أن القنوت في الوتر مسنون في جميع السنة. وهذا قول الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة أ- لحديث أبيّ بن كعب (أن النبي ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع) رواه النسائي. ب- ولحديث علي (أنه ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) رواه أبو داود. وجه الاستدلال: أن استعمال لفظ (كان) يدل على مداومته ﷺ على ذلك. ج- ولحديث الحسن الآتي إن شاء الله (عَلَّمَنِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ اَلْوِتْرِ). وجه الدلالة: أن تعليم النبي ﷺ الحسن هذا الدعاء ليقوله في الوتر، دليل على استحبابه في جميع العام. د-قال ابن قدامة: لأنه وتر، فيشرع فيه القنوت. القول الثاني: أنه لا يشرع مطلقاً. وهذا المشهور عن المالكية، وهو رواية عن ابن عمر. قالوا: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر، وإذا لم ينقل عنه ﵊ فهذا دليل على أنه لا يستحب مطلقاً. القول الثالث: أنه يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان خاصة القول الرابع: أنه سنة يفعل أحياناً ويترك أحياناً. قال الشيخ الألباني: وإنما قلنا أحياناً لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان يفعله دائماً نقلوه جميعاً.

стр. 704

قال الشيخ العلوان عن قول من قال بالاستحباب مطلقاً طول السنة قال: وفي هذا نظر من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء في هذا الباب قاله أحمد وغيره، واستحباب المواظبة على أمر لم يثبت فعله عن النبي ﷺ فيه نظر. وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف وتر رسول الله ﷺ وليس في شيء منها أنه قنت في الوتر، ولاسيما أن هذه الأحاديث من رواية الملازمين له كعائشة ﵂. فلو كان يقنت كل السنة أو معظمها أو علم أحداً هذا لنقل ذلك إلينا. الوجه الثاني: أن عمدة القائلين باستحباب القنوت في السنة كلها هو حديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد وأهل السنن من طريق أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن به. ورواه أحمد من طريق يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء بمثله. و إسناده جيد، إلاّ أن زيادة (قنوت الوتر) شاذة. فقد رواه أحمد في مسنده عن يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ (كان يعلمنا هذا الدعاء، اللهم اهدني فيمن هديت … ) وهذا هو المحفوظ لأن شعبة أوثق من كل من رواه عن بريد فتقدم روايته على غيره ومَن قَبل تفرّد الثقة عن أقرانه الذين هم أوثق منه بدون قيود ولا ضوابط فقد غلط، ومن أدّعى قبول زيادة الثقة إذا لم تخالف روايته ما رواه الآخرون فقد أخطأ. فأئمة الحديث العالمون بعلله وغوامضه لا يقبلون الزيادة مطلقاً كقول الأصوليين وأكثر الفقهاء، ولا يردونها بدون قيد ولا ضابط، بل يحكمون على كل زيادة بما يقتضيه المقام وهذا الصواب في هذه المسألة، وبيان وجهه له مكان آخر، فالمقصود هنا ترجيح رواية شعبة على روايتي أبي إسحاق ويونس.

стр. 705

وبعد تحرير هذا وقفت على كلام لابن خزيمة ﵀ يؤيد ما ذهبت إليه، قال: (وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر. قال: وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه. اللهم إلاّ أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي ﷺ ولست أعلمه ثابتاً. وقد تقدم قول الإمام أحمد (لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء). ولكن ثبت القنوت عن الصحابة ﵃ على خلاف بينهم، هل يقنت في السنة كلها أم لا، والحق فيه أنه مستحب في بعض الأحيان، والأولى أن يكون الترك أكثر من الفعل، وما يفعله بعض الأئمة من المثابرة عليه فغلط مخالف للسنة. (قاله الشيخ العلوان) • قوله (بعد الركوع) ويجوز قبل الركوع. قال ابن تيمية: وَأَمَّا الْقُنُوتُ: فَالنَّاسُ فِيهِ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ: مِنْهُمْ مَنْ لا يَرَى الْقُنُوتَ إلا قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يَرَاهُ إلا بَعْدَهُ. وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُجَوِّزُونَ كِلا الأَمْرَيْنِ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ بِهِمَا. وَإِنْ اخْتَارُوا الْقُنُوتَ بَعْدَهُ; لأَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَقْيَسُ اهـ. • ويرفع يديه وقد صح عن عمر ﵁ كما أخرجه البيهقي وصححه. (ويقول ما ورد). عَنْ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄; قَالَ (عَلَّمَنِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ اَلْوِتْرِ: " اَللَّهُمَّ اِهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَزِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ. وَزَادَ اَلطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ). زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: (وَصَلَّى اَللَّهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ). وهذا الحديث حديث صحيح، لكن لفظة (قُنُوتِ اَلْوِتْرِ) شاذة لا تصح. (قنوت الوتر) أي: صلاة الوتر التي يصليها الإنسان لوحده.

стр. 706

(اللهم اهدني) أي: دلني على الحق ووفقني لسلوكه. (فيمن هديت) هذا من باب التوسل بنعم الله على من هداه أن ينعم علي أنا أيضاً بالهداية. (وعافني فيمن عافيت) أي: من الأمراض القلبية والجسدية. (وتولني) أي: كن ولياً لنا، والمراد أريد الولاية الخاصة التي مقتضاها التأييد والنصر. (وبارك لي) البركة هي الخير الكثير. (فيما أعطيت) أي: من المال والولد والعلم وكل شيء (وقني شر ما قضيت) الله يقضي بالخير والشر، ففي الشر اللهم قني شر الذي قضيته، والله يقضي بالشر لحكمة بالغة حميدة. (إنك تقضي) أي: إن الله يقضي على كل أحد، لأن له الحكم التام الشامل. (ولا يقضى عليك) فلا يقضي عليه أحد. (إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت) هذا كالتعليل لما سبق من قولنا ﴿وتولنا فيمن توليت﴾ فإذا تولى الله سبحانه الإنسان فإنه لا يذل، وإذا عادى الله الإنسان فإنه لا يعز. (ويمسح وجهه بيديه). أي: يسن بعد رفع يديه في الدعاء أن يمسح وجهه بهما. لورود بعض الأحاديث. أ- عَنْ عُمَرَ ﵁ قال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي اَلدُّعَاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. ب- وعن ابْن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ، فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُم) رواه أبو داود. وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضاً. وقد صحح بعض أئمة العلم في الحديث بعضها، وبعضهم حسنها، مثل الحافظ ابن حجر والسيوطي والأمير الصنعاني وغيرهم. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء. وهذا القول هو الصحيح. لعدم وروده عن النبي ﷺ مع أنه ﷺ رفع يديه في مواضع كثيرة ولم ينقل أنه مسح وجهه بعد الدعاء. قال ابن تيمية: وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة. وقال العز بن عبد السلام: ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل. (فتاوى العز بن عبد السلام). وقال النَّوويُّ في "المجموع: … لا يَمسَحُ؛ وهذا هو الصَّحيحُ صحَّحه البيهقيُّ والرافعيُّ وآخَرون من المحقِّقين … والحاصِلُ لأصحابِنَا ثلاثةُ أوْجُه: (الصحيح) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يديْهِ دونَ مَسْحِ الوَجْه. وقال الشيخ محمد بن عثيمين: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة حتى قال شيخ الإسلام ﵀: إنها لا تقوم بها الحجة، وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً.

стр. 707

فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة، والنبي ﷺ كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه، ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي ﷺ أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه " انتهى. وقال الألباني بعد ما ضعَّف حديثَيِ المسْحِ، وبيَّن أنَّهما لا يتقوَّيان بِمَجموع طُرُقِهما؛ لشِدَّة الضَّعف الذي في الطُّرق: "ومِمَّا يؤيِّدُ عدمَ مشروعيَّتِه: أنَّ رفْعَ اليدَيْنِ في الدُّعاء قد جاء فيه أحاديثَ كثيرة صحيحةٍ وليس في شيءٍ مِنْهَا مسحُهُما بالوَجْهِ، فذلِكَ يدلُّ -إن شاءَ اللهِ- على نَكارَتِه، وعدَمِ مشروعيَّتِه. (والأفضل أن يكونَ وتره آخرَ الليل إلا أن يخاف عدم القيام). أي: أن الأفضل أن يكون الوتر آخر الليل. أ- لقوله ﷺ (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) رواه مسلم. ب- وعن عائشة قَالَتْ (مِنْ كُلِّ اَللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى اَلسَّحَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ج- وعن جَابِر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اَللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اَللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اَللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فهذا الحديث يدل على أن الوتر يجوز أول الليل، ويجوز آخر الليل، وأما الأفضل فله حالتان: الأولى: أن من يخشى أن لا يقوم من آخر الليل فالأفضل له أن يوتر أوله. الثانية: من طمع أن يقوم آخر الليل، فالأفضل أن يجعله آخر الليل. قال النووي: أنه يجوز الوتر من أول الليل، ويجوز وسطه، ويجوز في آخره، فالليل كله وقت للوتر. لكن الأفضل آخر الليل لمن طمع أن يقوم لأنه آخر فعل النبي ﷺ . وقال أيضاً: وهذا هو الصواب، ويُحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفضيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: (أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر). وهو محمول على من لا يثق بالاستيقاظ.

стр. 708

• الوتر لمن طمع أن يقوم آخر الليل أفضل لأمور: أولاً: لأن صلاة آخر الليل مشهودة، تشهدها الملائكة. ثانياً: أن الصلاة في آخر الليل هي وقت النزول الإلهي وإجابة الدعاء ثالثاً: ولأن الوتر آخر الليل هو التهجد الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم كما قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)، قال ابن كثير: التهجد: ما كان بعد نوم. وقال تعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) وناشئة الليل: قيام الليل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ناشئة الليل عند أكثر العلماء، هو إذا قام الرجل بعد نوم، وليس هو أول الليل، وهذا هو الصواب، لأن النبي ﷺ هكذا كان يفعل. • الصحابة الذين أمرهم النبي ﷺ أن يوتروا قبل النوم؟ أمر النبي ﷺ أبا هريرة كما في الصحيحين، وسيأتي الحديث إن شاء الله. وأبي الدرداء كما عند مسلم، وسيأتي الحديث إن شاء الله. وأبي ذر كما عند النسائي. فائدة ١: حديث طَلْق بْنِ عَلِي ﵁ قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ) رَوَاهُ أبو داود. حديث حسن، حسنه الترمذي والحافظ ابن حجر. وهذا الحديث فيه أن الوتر لا يتكرر، وأن من أوتر فإنه لا يعيد وتره مرة أخرى، ولا ينقض وتره. وإلى ذلك ذهب أكثر العلماء. وقالوا: أن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك لا ينقض وتره ويصلي شفعاً شفعاً. وذهب بعض العلماء: إلى نقض الوتر.

стр. 709

وقالوا: يضيف إليها أخرى ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخره. واستدلوا بما جاء عن ابن عمر (أنه كان إذا سئل عن الوتر، قال: أما أنا فلوا أوترت قبل أن أنام، ثم أردت أن أصلي الليل، شفعت بواحدة ما ينقض وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة، لأن رسول الله ﷺ أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر) رواه أحمد. والأول هو الصحيح، ويدل عليه: أ- حديث أن النبي ﷺ صلى بعد وتره ركعتين. ب- وبحديث أم سلمة: (أن النبي ﷺ كان يركع ركعتين بعد الوتر). رواه الترمذي • من أراد أن يصلي مع الإمام حتى تنتهي صلاته، تحصيلاً لفضيلة قوله ﷺ : (من قام مع الإمام حتى ينصرف، فكأنما قام ليلة) وأراد أن يحصل على فضيلة الوتر آخر الليل، فإنه إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة تشفع له صلاته مع الإمام. فائدة ٢: حكم من نام عن وتره أو نسيه: اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: يصليه بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح. لحديث أبي سعيد. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَامَ عَنْ اَلْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ) رَوَاه أبو داود. وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الإمام مالك.

стр. 710

القول الثاني: يقضيه شفعاً نهاراً. لحديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا غليه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) رواه مسلم. والنبي ﷺ كان يقوم الليل إحدى عشرة ركعة. القول الثالث: يقضيه نهاراً وتراً. وبه قال طاووس، ومجاهد، والشعبي. لحديث أبي سعيد السابق. ولأن القضاء يحكي الأداء. القول الرابع: يقضيه إذا تركه نوماً أو نسياناً إذا استيقظ أو إذا ذكر في أي وقت كان، ليلاً أو نهاراً. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. أ- لظاهر حديث أبي سعيد السابق (مَنْ نَامَ عَنْ اَلْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ). ب- ولعموم قوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فهذا عام يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. وهذا مذهب ابن حزم. وهو الراجح. • حكم من ترك الوتر عمداً: في حديث أبي سعيد السابق تقييد القضاء فيمن نام عن وتره أو نسيه، فمفهومه أن المتعمد لا يقضيه، وهذا هو الحق، ورجحه ابن حزم. وقد روى ابن خزيمة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال (من أدركه الصبح ولم يوتر، فلا وتر له). وأصل الحديث في صحيح مسلم بدون هذا الفظ، وهو محمول على التعمد دون النوم والنسيان في أصح أقوال العلماء.

стр. 711

(ويُكرهُ قُنوتُه في غير الوتر). أي: يكره القنوت في أي صلاة من الصلوات إلا الوتر. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم. عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقِ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ! إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلَيَّ ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي اَلْفَجْرِ? قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ. قوله (أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ) أي: إن القنوت في الفجر بدعة، والمراد الدوام عليه من غير سبب، لأن النبي ﷺ لم يفعله ولا الخلفاء الراشدون. والنبي ﷺ قنت شهراً يدعو على حيٍّ من أحياء العرب ثم تركه، كما سيأتي إن شاء الله. وذهب بعض العلماء: إلى استحباب القنوت في صلاة الصبح. وهو مذهب الشافعي. لحديث أنس. قال (ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا) رواه أحمد وهو حديث لا يصح. والراجح أنه لا يشرع القنوت في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 712

(إلا أنْ تنزلَ بالمسلمين نازلة فَيقنُتُ الإمام في الفرائض). أي: أن يشرع القنوت إذا نزل بالمسلمين نازلة. أ- لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ اَلرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ اَلْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ب- وَعَنْهُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ) صَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. ج- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَه). رواه أبو داود، وصححه ابن القيم د- وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقِ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ! إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلَيَّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي اَلْفَجْرِ? قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ. فهذه الأحاديث تدل على مشروعية الدعاء والقنوت في الفرائض إذا نزلت بالمسلمين نازلة. وهذا مذهب أحمد وجماعة. لهذه الأحاديث، فهي واضحة أن النبي ﷺ قنت لنازلة ثم تركه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشرع دائماً وخاصة في الفجر. هذا مذهب الشافعي. لحديث (أما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا).

стр. 713

• اختلف العلماء القائلون بمشروعية القنوت في النوازل فيمن يشرع له القنوت عند النوازل على قولين: القول الأول: أن القنوت للنازلة إنما يشرع للإمام الأعظم دون غيره من آحاد الناس. وهذا قول الحنفية والمشهور عند الحنابلة. وهو المذهب. أ- لأن النبي ﷺ لما قنت لم يقنت أحد سواه من مساجد المدينة. ب- والنبي ﷺ قنت بأصحابه عند حدوث النازلة ولم يأمرهم بالقنوت في حال الانفراد. القول الثاني: أن القنوت للنازلة مشروع لكل مصل. وهذا مذهب الشافعية، وهو اختيار ابن تيمية. أ- لحديث مالك بن الحويرث في قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن القنوت قد ثبت عن النبي ﷺ في الصلاة للنازلة، فيشرع لآحاد الناس اقتداء به في ذلك. ب- أن ذلك إنما استحب لحادث يخاف ضرره، فلم يختص به الإمام، كما لم يختص بصلاة الاستسقاء والزلازل. وهذا القول هو الراجح. • في أي الصلوات يكون القنوت؟ يقنت في جميع الصلوات، لأن ذلك ثبت عن النبي ﷺ . القنوت في جميع الصلوات: عن ابن عباس ﵁ قال: (قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة) رواه أبو داود. القنوت في الظهر والعشاء والفجر: عن أبي هريرة ﵁ قال: (لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) متفق عليه. القنوت في صلاة المغرب والفجر: عن البراء ﵁ قال: (أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: (كان القنوت في المغرب والفجر) رواه البخاري. القنوت في الفجر: عن أنس ﵁ قال: ( … فذكر حديث القراء الذين قتلوا، ثم قال: فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة) رواه البخاري وعن ابن عمر (أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر) رواه البخاري. هذا وقد اضطربت أقوال العلماء في تعيين الصلاة التي يقنت فيها: فمنهم من قال: إنه منسوخ. ومنهم من قال: إلا في المغرب والفجر. وذهب آخرون: إلى أنه منسوخ إلا الفجر فقط. والصواب أنه مشروع في الصلوات كلها. قال النووي: الصَّحِيح فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهَا إنْ نَزَلَتْ (يعني النازلة) قَنَتَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَات. (المجموع). وقال ابن تيمية: يُشْرَعُ أَنْ يَقْنُتَ عِنْدَ النَّوَازِلِ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَدْعُو عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْفَجْرِ وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَات. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ثبت أن النبي ﷺ كان يقنت في النوازل، يدعو على المعتدين من الكفار ويدعو للمستضعفين من المسلمين بالخلاص والنجاة من كيد الكافرين وأسرهم، ثم ترك ذلك ولم يخص بالقنوت فرضا دون فرض" انتهى

стр. 714

وقال الشيخ ابن باز: قنوت النوازل سنة مؤكدة في جميع الصلوات، وهو الدعاء على الظالم بأن يخزيه الله ويذله ويهزم جمعه ويشتت شمله، وينصر المسلمين عليه. وقال الشيخ ابن عثيمين: القنوت في النوازل مشروع في جميع الصلوات كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، وليس خاصاً بصلاة الفجر والمغرب، وليس خاصاً بليلة أو يوم معين من الأسبوع، بل هو عام في كل أيام الأسبوع. (نور على الدرب). • استثنى بعض العلماء صلاة الجمعة، فقالوا: لا يشرع القنوت فيها، وهذا اختيار ابن تيمية. واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في القنوت لم تذكر صلاة الجمعة ضمن الصلوات التي قنت فيها النبي ﷺ ، فيقتصر على الوارد. وأيضاً يستغنى بالدعاء في الخطبة عن القنوت في الصلاة لتحصيل المقصود في موضع يشرع فيه الدعاء. فعن طاوس ومكحول والنخعي أنه بدعة. وأنكره عطاء والحسن وقتادة. وعن الإمام مالك ﵀ أنه سأل ابن شهاب عن القنوت يوم الجمعة فقال: محدث. (الاستذكار). وعنه أيضا قال: كان الناس في زمن بني أمية يقنتون في الجمعة، وما ذلك بصواب. (الاستذكار). وقال المرداوي: " وَعَنْهُ - يعني الإمام أحمد - يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ خَلَا الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ [ابن تيمية]، وَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي" انتهى باختصار. وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في القنوت في الجمعة، فكرهت طائفة القنوت في الجمعة، وممن كان لا يقنت في صلاة الجمعة: علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، وبه قال عطاء، والزهري، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وإسحاق، وقال أحمد: بنو أمية كانت تقنت. وروي عن محمد بن علي، قال: القنوت في الفجر، والجمعة، والعيدين، وكل صلاة يجهر فيها بالقراءة. قال ابن المنذر: بالقول الأول أقول. (الأوسط).

стр. 715

• متى يكون القنوت؟ يشرع في آخر ركعة من الصلاة بعد الركوع وقبله. وأكثر الأحاديث وأقواها على أنه بعده. أحاديث قنوته بعد الركوع: عن أبي هريرة ﵁ قال: (لأقربن صلاة النبي ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده). وعن محمد بن سيرين قال: (سئل أنس: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: نعم. فقيل: أقنت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ قال: بعد الركوع بيسير). رواه البخاري قوله: (بعد الركوع بيسير): قيل: أي قنت أياماً يسيره بعد الركوع، وهي شهر كما في الروايات. وقيل: أي قنت بعد الركوع يسيراً، وقبل الركوع كثيراً. أحاديث قنوته قبل الركوع: عن أنس ﵁ وقد سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغه من القراءة؟ قال: (بل عند الفراغ من القراءة). رواه البخاري • يشرع القنوت مدة النازلة إن كانت ذات وقت. قال الشيخ ابن عثيمين: قنوت النوازل ليس هو قنوت الوتر الذي علمه النبي ﷺ الحسن بن علي وهو (اللهم اهدنا فيمن هديت)، فإن هذا لا يشرع في قنوت النوازل لأن الوارد عن النبي ﵇ في قنوت النوازل: أن يكون دعاؤه في نفس النازلة التي قنت من أجلها. … (فتاوى نور على الدرب). • لا يستحب التطويل في دعاء قنوت النازلة. أما حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال (أفضل الصلاة طول القنوت) رواه مسلم. قال النووي: المراد بالقنوت هنا طول القيام باتفاق العلماء فيما علمت. أ. هـ فليس المراد من الحديث بالقنوت: الدعاء بعد الرفع من الركوع، وإنما المراد به طول القيام. • يجهر الإمام سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، ويؤمن المأموم، وترفع الأيدي فيه، ولا يمسح بها الوجه. فالجهر، فظاهر من الأدلة السابقة، إذ لو لم يكن يجهر رسول الله ﷺ بالدعاء لما عرف بما ذا كان يدعو، ثم إن الغاية من الجهر إسماع المؤمنين وتأمينهم على دعائه ﷺ ولا يتحصل ذلك إلا بالجهر.

стр. 716

لذلك قال الحافظ ابن حجر: وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة … أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن ثم اتفقوا على أن يجهر به. • يسن أن يدعو بالنازلة بما يناسب الحال، ولا ينبغي أن يطيل. كان النبي ﷺ يقول: (اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر). (والتراويح عشرون ركعة). أي: ومن التطوعات صلاة التراويح، وهي سنة مؤكدة. أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (إِيمَانًا) أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه. (وَاحْتِسَابًا) أي طلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، لكن أكثر العلماء على أن المراد الصغائر [وسبقت المسألة]. قال النووي: وَالْمُرَاد بِقِيَامِ رَمَضَان صَلَاة التَّرَاوِيح، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَابهَا. ب- عن عائشة قالت: (صلى النبي ﷺ في المسجد في شهر رمضان ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع الناس أكثر من الأولى، فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غض بأهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فجعل الناس ينادونه فقال: أما إنه لم يخفَ علي أمركم، ولكن خشيت أن تكتب عليكم). زاد البخاري (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك). قال النووي: هي سنة بالاتفاق. وفي الحديث (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له قيام ليلة).

стр. 717

• سميت بالتراويح: قال ابن حجر: سميت الصلاة في جماعة في ليالي رمضان التراويح، لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. • وأول من جمع الناس عليها عمر. فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ، إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ). (أوزاع) بسكون الواو، أي: جماعة متفرقون. قوله (فجمعهم على أبي بن كعب) أي جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وقال عمر: (أقرؤنا أبي). • يشرع للنساء حضورها. وقد روى سعيد بن منصور من طريق عروة (أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء). • قوله (عشرون) أي: ركعة. وهذا قول الحنفية، وهو قول بعض المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة. أ- لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة غير الوتر) رواه ابن أبي شيبة. قال البيهقي: ضعيف. وقال الحافظ في الفتح: إسناده ضعيف. ب- ما جاء عن السائب بن يزيد قال (كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب بعشرين ركعة) رواه البيهقي. وذهب بعض العلماء: إلى أن عدد ركعات صلاة التراويح ست وثلاثون ركعة.

стр. 718

واستدلوا بأن هذا هو عمل أهل المدينة. وذهب بعض العلماء: إلى أن عدد ركعات صلاة التراويح مع الوتر إحدى عشرة ركعة. أ- لحديث عائشة قالت (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه مسلم. ب- وجاء عند مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال (أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة). وهذا القول هو الراجح. ولكن هذا الفعل منه ﷺ لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستاً وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة. ثم استمر المسلمون، بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها الرسول، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجمع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر بن الخطاب على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان. ومن الأدلة الواضحة على أن صلاة الليل ومنها صلاة التراويح غير مقيدة بعدد: حديث ابن عمر (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى). ونظرة إلى أقوال العلماء في المذاهب المعتبرة تبين لك أن الأمر في هذا واسع، وأنه لا حرج في الزيادة على إحدى عشرة ركعة: قال السرخسي وهو من أئمة المذهب الحنفي: فإنها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا. (المبسوط) (٢/ ١٤٥).

стр. 719

وقال ابن قدامة: والمختار عند أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) ﵀، فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: ستة وثلاثون. وقال النووي: صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات وتجوز منفرداً وجماعة. "المجموع" (٤/ ٣١) فهذه مذاهب الأئمة الأربعة في عدد ركعات صلاة التراويح وكلهم قالوا بالزيادة على إحدى عشرة ركعة، ولعل من الأسباب التي جعلتهم يقولون بالزيادة على إحدى عشرة ركعة: أولاً: أنهم رأوا أن حديث عائشة ﵂ لا يقتضي التحديد بهذا العدد. ثانياً: وردت الزيادة عن كثير من السلف. ثالثاً: أن النبي ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة وكان يطيلها جداً حتى كان يستوعب بها عامة الليل، بل في إحدى الليالي التي صلى فيها النبي ﷺ صلاة التراويح بأصحابه لم ينصرف من الصلاة إلا قبيل طلوع الفجر حتى خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، وكان الصحابة ﵃ يحبون الصلاة خلف النبي ﷺ ولا يستطيلونها، فرأى العلماء أن الإمام إذا أطال الصلاة إلى هذا الحد شق ذلك على المأمومين وربما أدى ذلك إلى تنفيرهم فرأوا أن الإمام يخفف من القراءة ويزيد من عدد الركعات. والحاصل: أن من صلى إحدى عشرة ركعة على الصفة الواردة عن النبي ﷺ فقد أحسن وأصاب السنة، ومن خفف القراءة وزاد عدد الركعات فقد أحسن، ولا إنكار على من فعل أحد الأمرين. (الإسلام سؤال وجواب). (تُفعل في جماعة). أي: تصلى التراويح جماعة. فصلاة التراويح في المسجد جماعة أفضل من صلاتها في البيت. أ- لحديث عَائِشَة ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: (قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) متفق عليه. فهذا يدل على أن صلاة التراويح في جماعة مشروعة بسنة النبي ﷺ ، غير أنه تركها خشية أن تفرض على الأمة، فلما مات النبي ﷺ زال هذا المحذور، لاستقرار الشريعة.

стр. 720

ب- وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ -يعني في صلاة التراويح- حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَة) رواه الترمذي. ج- وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْب) رواه البخاري. قَوْله: (أَمْثَل) أي أفضل. قال الحافظ: " قَالَ اِبْن التِّين وَغَيْره اِسْتَنْبَطَ عُمَر ذَلِكَ مِنْ تَقْرِير النَّبِيّ ﷺ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ ﷺ حَصَلَ الأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَحَ عِنْد عُمَر ذَلِكَ لِمَا فِي الاخْتِلاف مِنْ اِفْتِرَاق الْكَلِمَة، وَلأَنَّ الاجْتِمَاعَ عَلَى وَاحِدٍ أَنْشَطُ لِكَثِيرِ مِنْ الْمُصَلِّينَ، وَإِلَى قَوْل عُمَر جَنَحَ الْجُمْهُور. (فتح الباري). وقال النووي: صَلاةُ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ … وَتَجُوزُ مُنْفَرِدًا وَجَمَاعَةً، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَفْضَلُ. الثَّانِي: الانْفِرَادُ أَفْضَل. … (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين: وكان النبي ﷺ أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفا من أن تفرض على أمته … ثم ذكر الحديثين السابقين، ثم قال: ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التروايح لينال ثوابها وأجرها، ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر، ليحصل له أجر قيام الليل كله. … (مجالس شهر رمضان). وقال الألباني: وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد، لإقامة النبي ﷺ لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله. وإنما لم يقم بهم ﵇ بقية الشهر خشية أن تفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزوا عنها كما جاء في حديث عائشة في "الصحيحين" وغيرهما. وقد زالت هذه الخشية بوفاته ﷺ بعد أن أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحكم السابق، وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر ﵁ كما في "صحيح البخاري. (قيام الليل)

стр. 721

وجاء في (الموسوعة الفقهية) وَقَدْ وَاظَبَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ ﵁ عَلَى صَلاةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ فِيهَا عَلَى إمَامٍ وَاحِد. قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَفْضَل صَلَاتهَا مُنْفَرِدًا فِي بَيْته أَمْ فِي جَمَاعَة فِي الْمَسْجِد؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ: الْأَفْضَل صَلَاتهَا جَمَاعَة كَمَا فَعَلَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَالصَّحَابَة ﵃ وَاسْتَمَرَّ عَمَل الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِر الظَّاهِرَة فَأَشْبَهَ صَلَاة الْعِيد. وَقَالَ مَالِك وَأَبُو يُوسُف وَبَعْض الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ: الْأَفْضَل فُرَادَى فِي الْبَيْت لِقَوْلِهِ ﷺ : (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة). (شرح مسلم) (مع الوتر بعد العشاء في رمضان). مفهومه أنها لا تشرع في غير رمضان، بل هي من البدع. لكن لو صلى الإنسان جماعة في غير رمضان في بيته أحياناً جاز، إذا لم يتخذ ذلك سنة راتبة، لفعل النبي ﷺ . فقد صلى ﷺ مع حذيفة. عن حُذَيفَةَ بنِ اليمانِ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ فَافْتَتَحَ البقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا في ركعَة فَمَضَى، فقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً: إِذَا مَرَّ بآية فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ)) فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ)) ثُمَّ قَامَ طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) فَكَانَ سُجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم. وصلى مع ابن مسعود. عن ابن مسعود ﵁، قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ ﷺ لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وصلى مرة بابن عباس.

стр. 722

عن ابن عباس. قَالَ (بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، … ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) متفق عليه. وصلى مع أنس. عن أنس (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ». قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَف) متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: صلاة التطوع في جماعة نوعان: أحدهما: ما تسن له الجماعة الراتبة كالكسوف، والاستسقاء، وقيام رمضان، فهذا يفعل في الجماعة دائماً كما مضت به السنة. الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة كقيام الليل، والسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وتحية المسجد ونحو ذلك. فهذا إذا فعل جماعة أحيانا جاز، وأما الجماعة الراتبة في ذلك فغير مشروعة بل بدعة مكروهة، فإن النبي ﷺ والصحابة والتابعين لم يكونوا يعتادون الاجتماع للرواتب على ما دون هذا، والنبي ﷺ إنما تطوع في ذلك في جماعة قليلة أحياناً، فإنه كان يقوم الليل وحده، لكن لما بات ابن عباس عنده صلى معه، وليلة أخرى صلى معه حذيفة، وليلة أخرى صلى معه ابن مسعود، وكذلك صلى عند عتبان بن مالك الأنصاري في مكان يتخذه مصلى صلى معه، وكذلك صلى بأنس وأمه واليتيم. وعامة تطوعاته إنما كان يصليها منفرداً. … وقال الشيخ ابن عثيمين: والحاصل: أنه لا بأس أن يصلي الجماعة بعض النوافل جماعة، ولكن لا تكون هذه سنة راتبة كلما صلوا السنة صلوها جماعة؛ لأن هذا غير مشروع.

стр. 723

(ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ: رَكعَتَانِ قَبْلَ الظّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وركعتان قبل الفجرِ وهما آكدُهَا). أي: بعد التراويح السنن الرواتب. والسنن الرواتب: هي التي تُصلى قبل الفريضة أو بعدها. وعددها: عشر. لحديث ابن عُمَرَ، ﵄. قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ) متفق عليه. وفي لفظ (فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ). وذهب بعض العلماء: إلى أن السنن الراتبة ١٢ ركعة (بزيادة ركعتين قبل الظهر فتكون أربعاً). وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية. أ- لحديث أُم حَبِيبَةَ. قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ). قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ. رواه مسلم. وللترمذي نحوه وزاد (أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلْفَجْرِ). ب-ولحديث عائشة. قالت (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْغَدَاةِ) رواه البخاري. وهذا هو الصحيح. • قوله ( … رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ .... ) وفي حديث عائشة (كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ اَلظُّهْرِ). قال الحافظ: وهو محمول على أن كلّ واحد منهما وصف ما رأى، قال: ويحتمل أن يكون نسي ابن عمر ركعتين من الأربع. قال الحافظ ﵀: هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يُحْمَل على حالين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا. وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا، ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد، دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوّي الأول ما رواه أحمد، وأبو داود من حديث عائشة (كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج) قال أبو جعفر الطحاوي: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها.

стр. 724

• قوله (ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ) دليل على أن راتبة الظهر البعدية ركعتان. وذهب بعض العلماء إلى أنها أربع ركعات. لحديث أم حبيبة. قالت: قال ﷺ (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ اَلظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اَللَّهُ عَلَى اَلنَّارِ) رواه أبوداود، لكنه حديث ضعيف. وعلى فرض صحته: فتكون هاتين الركعتين غير مؤكدتين. • ورد الحديث في فضل السنن الرواتب، وأن من حافظ عليها بني له بيت في الجنة، وأن ذلك من أسباب دخول الجنة. كما في حديث أم حَبِيبَة السابق (مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِىَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ). قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه مسلم. • اختلف العلماء: هل هذا الأجر لمن فعلها بصفة دائمة، أم كل يوم له أجره؟ لفظ حديث أم حبيبة (مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) أي: أن من صلى الرواتب الاثنتي عشرة ركعة - ولو يوماً واحداً من عمره - بنى الله له بيتاً في الجنة، وأن من حافظ عليها لأيام كثيرة كان له من البيوت في الجنة بعدد تلك الأيام التي حافظ عليها. والأخذ بظاهر هذا اللفظ هو ما يبدو من قول عائشة ﵂ (من صلى أول النهار ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة) رواه ابن أبي شيبة في (المصنف). وكذلك هو ما يظهر من قول أبي هريرة ﵁ قال (ما من عبد مسلم يصلي في يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً إلا بني له بيت في الجنة) رواه أحمد. وهو أيضاً ما يبدو من تبويب الإمام الترمذي ﵀ في جامعه (١/ ٥٣٧) على هذا الحديث بقوله: (باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة ما له فيه من الفضل). وبوب عليه ابن حبان في " صحيحه " (٦/ ٢٠٤) بقوله:

стр. 725

(ذكر بناء الله جل وعلا بيتاً في الجنة لمن صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة). فكل هذه النقول جاءت بصيغة المطلق (في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة)، وهذا يدل على أن المحافظة على هذه الرواتب في يوم واحد فقط كاف لبناء بيت في الجنة. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل من صلاها وداوم عليها في اليوم الذي يصلى فيه يبنى له هذا البيت في الجنة، أم أنه لو صلى مثلا ثلاثة أيام يبنى له ثلاثة بيوت، أم ماذا؟ فأجاب ﵀: " مَن صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى الله له بيتاً في الجنة على الجميع، فإذا حافظ عليها، صار كلَّ يوم يمضي يُبنَى له بيت في الجنة " انتهى باختصار. وقال أيضاً ﵀: وظاهر الحديث أنه لا تشترط المحافظة على هذه الركعات، وأن الإنسان إذا صلاها يوماً واحداً: بنى الله له بيتاً في الجنة. وجاء حديث أم حبية بلفظ آخر (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) وهذا اللفظ يدل على اشتراط المحافظة على هذه الرواتب الاثنتي عشرة ركعة في كل يوم كي يثاب صاحبها عليها ببناء بيت واحد في الجنة. بل وأصرح منه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ). رواه الترمذي وقال: حديث غريب من هذا الوجه، ومغيرة بن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وصحح الحديث الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي ". وهو ظاهر ما يذهب إليه ابن أبي شيبة في (المصنف) (٢/ ١٠٨) حيث بوب عليه بقوله:

стр. 726

(في ثواب من ثابر على اثني عشرة ركعة من التطوع). والنسائي في " السنن الكبرى " حيث يقول: (باب ثواب من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين في ذلك). والله أعلم. • … وقت السنة الراتبة: قال ابن قدامة: كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها. وجاء في (الموسوعة الفقهية) السنن الرواتب مقترنة بالفرائض، فمنها ما يصلى قبل الفريضة، مثل سنة الفجر وسنة الظهر القبلية، ومنها ما يصلى بعد الفريضة مثل سنة الظهر البعدية، وسنة المغرب والعشاء، والوتر وقيام رمضان. وما كان من هذه السنن قبل الفريضة، فوقتها: يبدأ من دخول وقت الفريضة، وينتهي بإقامة الصلاة إذا كانت تؤدى في جماعة; لأنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، أما إذا كان المرء يؤدي الصلاة منفرداً فوقت السنة يستمر حتى يشرع في الفريضة. أما السنن البعدية: مثل سنة الظهر البعدية والمغرب والعشاء، فوقت كل منها من بعد الانتهاء من الفريضة إلى خروج وقت المكتوبة ودخول وقت الأخرى. • ما الحكم إذا فاتته سنة الظهر القبلية، فهل بعد الفريضة يبدأ بالبعدية أولاً أو الفائتة؟ قال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان للصلاة سنتان قبلها وبعدها، وفاتته الأولى، فإنه يبدأ أولاً بالبعدية، ثم ما فاتته. مثال: دخل والإمام يصلي الظهر - وهو لم يصلّ راتبة الظهر - فإذا انتهت الصلاة يصلي أولاً الركعتين اللتين بعد الصلاة ثم يقضي الأربع التي قبلها.

стр. 727

• هل هذه السنن الرواتب تفعل في السفر أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؟ والراجح أنها لا تفعل في السفر. أ- فعن عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ قُلْتُ يُسَبِّحُونَ (أي يصلون تطوعاً) قَالَ لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا (أي مصلياً بعد الفريضة) لأَتْمَمْتُ صَلاتِي يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) رواه مسلم. قال ابن القيم ﵀: (وهذا من فقهه ﵁ فإن الله خفف عن المسافر في الرباعية شطرها فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها لكان الإتمام أولى به. وقال ابن حجر: ومراد ابن عمر بقوله (لو كنت مسبحاً لأتممت) يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليهم. … (مسبحاً) المسبح هنا المتنفل. أي: فإذا قصرت الفريضة تخفيفاً على المكلف، فترك التنفل بالرواتب من باب أولى. ب- وكذلك يدل على مشروعية ترك السنن الرواتب: ما صح عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ (أي في مزدلفة) كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) رواه البخاري. ج- وما ثبت عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى بَطْنِ الْوَادِي خَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً) رواه مسلم.

стр. 728

وذهب بعض العلماء: إلى أنها تفعل في السفر. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية. أ-لعموم الأحاديث التي تحث عليها. كحديث ابن عمر قال (حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات … ). وحديث أم حبيبة. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة … ). وجه الدلالة: أن الترغيب في هذه النوافل مطلق، فيشمل الحضر والسفر. ب- القياس على النوافل المطلقة، فكما استحب للمسافر صلاتها، فإنه يستحب له صلاة الرواتب، بجامع الترغيب الوارد في كل منهما. والراجح الأول، وهو أنها لا تفعل في السفر. قال الشيخ ابن عثيمين: الذي تبين لنا من السنة أن الذي يسقط في السفر ثلاثة أشياء فقط والباقي باق على ما هو عليه، والثلاث هي: سنة الظهر الراتبة، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء، ثلاثة، والباقي افعله كما تشاء، حتى الظهر لو شئت أن تصلي تطوعاً بدون راتبة فلا بأس، إذاً: سنة الضحى مشروعة، التهجد في الليل مشروع، الوتر مشروع، سنة الفجر مشروعة، تحية المسجد مشروعة، كل النوافل باقية على أصلها إلا ثلاث، هي: راتبة الظهر، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء، هذا الذي دلت عليه السنة. • لكن يستثنى مما سبق: راتبة الفجر فإنها تؤدى في حال السفر كما تؤدى في حال الحضر. قال ابن القيم: وكان من هديه في سفره الاقتصار على الفرض ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن ليدعهما حضراً ولا سفراً. وقال ﵀: وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفراً وحضراً وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن ولم ينقل عنه في السفر أنه صلى سنة راتبة غيرهما) زاد المعاد.

стр. 729

ثبت عن أبي قتادة رضي الله عن أنه قال (كان النبي ﷺ في سفر له فمال رسول الله ﷺ وملت معه فقال: انظر فقلت هذا راكب هذان راكبان هؤلاء ثلاثة حتى صرنا سبعة فقال احفظوا علينا صلاتنا يعني صلاة الفجر فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هنية ثم نزلوا فتوضئوا وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر وركبوا فقال بعضهم لبعض قد فرطنا في صلاتنا فقال النبي ﷺ : إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها) رواه مسلم. وعن عائشة قالت (أن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح) متفق عليه. • وبقية التطوعات كلها تفعل في السفر، الوتر، وقيام الليل، وصلاة الضحى والنفل المطلق. قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر. ويدل لذلك: أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ لا أَدَعُهُنَّ فِي سَفَرٍ وَلا حَضَرٍ رَكْعَتَيِ الضُّحَى وَصَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ وَأَنْ لا أَنَامَ إِلا عَلَى وِتر) رواه أبو داود. ب- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاةَ اللَّيْلِ إِلا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِه) رواه البخاري. وفي رواية (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة). متفق عليه ج- وعن أُمَّ هَانِئ. قالت (ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَاكَ ضُحًى) متفق عليه.

стр. 730

(وهما آكدهما). أي: سنة الفجر آكد هذه السنن وأفضلها. وهذه السنة تختص بخصائص عن بقية السنن: أولاً: هي آكد السنن. ولذلك لم يكن النبي ﷺ يدعها لا حضراً ولا سفراً. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لما نام عن صلاة الفجر في السفر مع أصحابه قضى سنة الفجر. بخلاف بقية الرواتب فإنها لا تفعل في السفر. وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ. قال رسول الله ﷺ (رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) رواه مسلم. وفي رواية (لَهُمَا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا) وعنها قالت: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) متفق عليه. قال النووي: فِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَم فَضْلهمَا، وَأَنَّهُمَا سُنَّة لَيْسَتَا وَاجِبَتَيْنِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - وُجُوبهمَا. وَالصَّوَاب: عَدَم الْوُجُوب، لِقَوْلِهَا: عَلَى شَيْء مِنْ النَّوَافِل مَعَ قَوْله ﷺ : (خَمْس صَلَوَات) قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدنَا فِي تَرْجِيح سُنَّة الصُّبْح عَلَى الْوِتْر، لَكِنْ لَا دَلَالَة فِيهِ: لِأَنَّ الْوِتْر كَانَ وَاجِبًا عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا يَتَنَاوَلهُ هَذَا الْحَدِيث ثانياً: يسن تخفيفها. أ-لحديث عَائِشَةَ قالت (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ). متفق عليه ب- وعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) متفق عليه. قال النووي: وَقَدْ بَالَغَ قَوْم فَقَالُوا: لَا قِرَاءَة فِيهِمَا أَصْلًا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْقَاضِي، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم بَعْد هَذَا أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ يَقْرَأ فِيهِمَا بَعْد الْفَاتِحَة بِـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وَفِي رِوَايَة (قُولُوا آمَنَا بِاَللَّهِ) وَ (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب تَعَالَوْا). وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة: لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَلَا صَلَاة إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآن وَلَا تُجْزِئ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأ فِيهَا بِالْقُرْآن. (شرح مسلم). ثالثاً: لها قراءة خاصة. في الركعة الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص -أو في الأولى (قولوا آمنا بالله) التي في البقرة، و (قل يا أهل الكتاب تعالوا). أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) رواه مسلم. ب- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) رواه مسلم.

стр. 731

رابعاً: يسن الاضطجاع بعدهما. عن عائشة قالت (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) رواه البخاري. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة (أي في الاضطجاع بعد سنة الفجر) على أقوال: القول الأول: أنه مستحب. قال العراقي: فممن كان يفعل ذلك أو يقول به من الصحابة: أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وأنس، وأبو هريرة، وممن أفتى به من التابعين: ابن سيرين، وعروة، وبقية الفقهاء السبعة، وممن قال باستحباب ذلك من الأئمة: الشافعي وأصحابه. أ- لحديث عائشة السابق (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن). ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ اَلرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ اَلْأَيْمَنِ) رَوَاه أَبُو دَاوُد. وقد ضعف هذا الحديث: البيهقي، وابن العربي، وابن تيمية فيما نقله عنه ابن القيم، فقد قال: هذا حديث باطل، ليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه. القول الثاني: أنه واجب مفترض لا بد منه. وهو قول ابن حزم. قال ابن القيم: وأما ابن حزم ومن تابعه، فإنهم يوجبون هذه الضجعة، ويبطل ابن حزم صلاة من لم يضطجعها. لحديث أبي هريرة السابق (إذا صلى أحدكم … ) وسبق أنه ضعيف. القول الثالث: أن ذلك مكروه وبدعة. قال النووي: قال القاضي عياض: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة. القول الرابع: أنه خلاف الأولى. القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل فيستحب له ذلك، وبين غيره فلا يشرع له.

стр. 732

واختاره ابن العربي، ورجحه ابن تيمية. والراجح أنها سنة مطلقاً. لفعل النبي ﷺ . • ما الدليل على أنها غير واجبة؟ الدليل على أنها غير واجبة: حديث عائشة (أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع) رواه البخاري. قال ابن حجر: وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب. • الحكمة من تخفيف سنة الفجر: فقيل: ليبادر إلى صلاة الفجر في أول الوقت، وبه جزم القرطبي. وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما يصنع في صلاة الليل ليدخل الفرض أو ما يشابهه بنشاط واستعداد تام. • ما الحكمة من هذا الاضطجاع؟ اختلف العلماء في الحكمة من هذا الاضطجاع: فقيل: الراحة والنشاط لصلاة الفرض، وعلى هذا القول فلا يستحب إلا للمتهجد. وقيل: أن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح. وقيل: البعد عن الرياء. • هل الاضطجاع بعد سنة الفجر أم بعد الوتر؟ الاضطجاع بعد سنة الفجر كما في حديث عائشة. وما جاء في أنه بعد الوتر فهو شاذ. • السنة أن يفعل الاضطجاع في البيت دون المسجد. وهذا محكي عن ابن عمر. ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله في المسجد. وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة. • هل قال أحد من السلف بوجوب راتبة الفجر؟ قال ابن حجر: وهو منقول عن الحسن البصري. لقول عائشة ﵂ ( … ولم يكن يدعهما أبداً) رواه البخاري. أي سفراً وحضراً.

стр. 733

وذهب الجمهور إلى أنهما غير واجبتين، لقول عائشة (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل … ). وقال النووي: فِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَم فَضْلهمَا، وَأَنَّهُمَا سُنَّة لَيْسَتَا وَاجِبَتَيْنِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - وُجُوبهمَا. وَالصَّوَاب: عَدَم الْوُجُوب: لِقَوْلِهَا (عَلَى شَيْء مِنْ النَّوَافِل .... ). مَعَ قَوْله ﷺ (خَمْس صَلَوَات) قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ). (شرح مسلم). • قول عائشة ( … فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع). قال الشوكاني: وفي تحديثه ﷺ لعائشة بعد ركعتي الفجر دليل على جواز الكلام بعدهما، وإليه ذهب الجمهور، وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كرهه، وروى ذلك الطبراني عنه، وممن كرهه من التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، وحكيَ عن سعيد بن المسيب. • أيهما أفضل راتبة الفجر أم الوتر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: الوتر. أ-لمحافظة النبي ﷺ عليه. ب-ولقوله ﷺ (الوتر حق). القول الثاني: أن ركعتي الفجر أفضل. أ-لقول عائشة (لم يدعهما أبداً). ب-ولقوله ﷺ (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، ولذلك كان ﷺ يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد.

стр. 734

فائدة: نقسم صلاة النوافل باعتبار مشروعية التخفيف وعدمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نوافل يسن فيها التخفيف، ومن ذلك ركعتا الفجر. وقد تقدم الدليل. تحية المسجد، إذا كان الإمام يخطب. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له عليه الصلاة السلام: (يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) رواه مسلم. استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ). وثبت ذلك من فعله ﷺ في صحيح مسلم، من حديث ابن عباس ﵄. ركعتا الطواف. فإن المشروع فيهما قراءة خفيفة، نحو من قراءته في سنة الفجر والمغرب. قال ابن عثيمين ﵀: "واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين: التخفيف، وأن يقرأ فيهما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وأنه ليس قبلهما دعاء، وليس بعدهما دعاء. القسم الثاني: نوافل يسن فيها التطويل. كصلاة الكسوف، وقيام الليل. فقد ثبت عنه ﵇ أنه كان يطيل القراءة في صلاة الكسوف. عن عبد الله بن عباس ﵄ قال (خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَة … ) متفق عليه. قال الشيخ المباركفوري: في الحديث دليل على مشروعية تطويل القيام بقراءة سورة طويلة في صلاة الكسوف، وهو مستحب عند الجميع. وأما صفة صلاة النبي ﷺ في الليل، فقد وصفتها عائشة ﵂ في كلمتين اثنتين " الطول والحُسن. عن عائشة قالت (مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا .. ) رواه مسلم. قال النووي ﵀: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَعَ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بَعْده - فِي تَطْوِيل الْقِرَاءَة وَالْقِيَام - دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَغَيْره مِمَّنْ قَالَ: تَطْوِيل الْقِيَام أَفْضَل مِنْ تَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود.

стр. 735

القسم الثالث: نوافل لم يرد فيها عن النبي ﷺ تخفيف ولا تطويل. فهذا النوع من النوافل وقع فيه خلاف بين أهل العلم: هل الأفضل أن يطيل الإنسان فيها القيام، أو الأفضل أن يكثر من الركوع والسجود؟ فذهب الحنابلة ﵏ إلى: أن كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام. أ- لقول النبي ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). ب- وقوله ﷺ (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة). ج- ولأن السجود في نفسه أفضل وآكد، بدليل أنه يجب في الفرض والنفل ولا يباح بحال إلا لله تعالى، والقيام يسقط في النفل، ويباح في غير الصلاة، للوالدين والعالم وسيد القوم، والاستكثار مما هو آكد وأفضل أولى. (كشاف القناع). وذهب الشافعية ﵏ إلى: أن طول القيام أفضل من كثرة السجود والركوع. قال النووي ﵀: تطويل القيام عندنا أفضل من تطويل السجود والركوع وغيرهما، وأفضل من تكثير الركعات. وذهب بعض العلماء إلى: التفريق بين الصلاة في الليل والصلاة في النهار. قال الشوكاني: وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار، فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل، لأنه يقرأ جزأه، ويربح كثرة الركوع والسجود.

стр. 736

قال ابن عدي: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي ﷺ بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل. (نيل الأوطار). • ومن السنن: سنة المغرب القبلية. عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ " ثُمَّ قَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ: " لِمَنْ شَاءَ " كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا اَلنَّاسُ سُنَّةً) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. وعَنْ أَنَسٍ. قال (كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ اَلشَّمْسِ، فَكَانَ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَانا) رواه مسلم. • وهذه ليست من السنن الرواتب. أ-لقوله (كراهية أن يتخذها الناس سنة). ب-ولأنه لم يثبت أن النبي ﷺ واظب عليها. (وفعلها في البيت أفضل). أي: أن الأفضل في فعل النوافل (سوى ما تشرع له الجماعة) أن يكون في البيت، ويدل لذلك: أ-عن زيد بن ثابت ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَال (صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إِلاَّ المَكْتُوبَة) متفقٌ عَلَيْه. ب-وعن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ ، قَال (اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ولا تتخذوها قبوراً) متفق عليه. (مِنْ صَلَاتِكُمْ) النافلة. قال القرطبي: (من) للتبعيض، والمراد النوافل بدليل حديث جابر (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته). وقال النووي: مَعْنَاهُ: صَلُّوا فِيهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا كَالْقُبُورِ مَهْجُورَة مِنْ الصَّلَاة، وَالْمُرَاد لَهُ صَلَاة النَّافِلَة، أَيْ: صَلُّوا النَّوَافِل فِي بُيُوتكُمْ، وَجَمِيع أَحَادِيث الْبَاب تَقْتَضِيه، وَلَا يَجُوزُ حَمْله عَلَى الْفَرِيضَة. ج- وعن جابر ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (إِذَا قَضَى أحَدُكُمْ صَلَاتَهُ في مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً) رواه مسلم.

стр. 737

ه- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ فَقَالَتْ (كَانَ يُصَلِّى فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ .... ) رواه مسلم. قال النووي: فيه اِسْتِحْبَاب النَّوَافِل الرَّاتِبَة فِي الْبَيْت، كَمَا يُسْتَحَبّ فِيهِ غَيْرهَا، وَلَا خِلَاف فِي هَذَا عِنْدنَا، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور، وَسَوَاء عِنْدنَا وَعِنْدهمْ رَاتِبَة فَرَائِض النَّهَار وَاللَّيْل. وقَالَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف: الِاخْتِيَار فِعْلهَا فِي الْمَسْجِد كُلّهَا. وَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ: الْأَفْضَل فِعْل نَوَافِل النَّهَار الرَّاتِبَة فِي الْمَسْجِد، وَرَاتِبَة اللَّيْل فِي الْبَيْت. وَدَلِيلنَا هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَفِيهَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ ﷺ يُصَلِّي سُنَّة الصُّبْح وَالْجُمْعَة فِي بَيْته وَهُمَا صَلَاتَا نَهَار مَعَ قَوْله ﷺ : (أَفْضَل الصَّلَاة صَلَاةُ الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة) وَهَذَا عَامّ صَحِيح صَرِيح لَا مُعَارِض لَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُول عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم). • يستثنى من النوافل: ما يشرع فيه التجمع، فهذه الأفضل في المسجد، كالاستسقاء، والكسوف، والعيدين. • قوله ﷺ (صلوا في بيوتكم). قال ابن حجر: ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا.

стр. 738

• الحكمة في أن صلاة النافلة في البيت أفضل: قال النووي مبيناً الحكمة: وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَة فِي الْبَيْت لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاء، وَأَصْوَنُ مِنْ الْمُحْبِطَات، وَلِيَتَبَرَّك الْبَيْت بِذَلِكَ وَتَنْزِل فِيهِ الرَّحْمَة وَالْمَلَائِكَة وَيَنْفِر مِنْهُ الشَّيْطَان، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ﷺ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَإِنَّ اللَّه جَاعِل فِي بَيْته مِنْ صَلَاته خَيْرًا). وقال ابن قدامة: وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَانِيَةٌ وَالسِّرُّ أَفْضَلُ. • وهذا الحكم حتى لو كان الإنسان في مكة أو المدينة، فإن الأفضل أن يصلي التطوع في بيته. (ويُسن الفصلُ بين الفرض وسُنتهِ بقيامٍ أو كلام). أي: يسن إذا صلى الفريضة أن لا يصلها بنافلة، بل يفصل بينهما بقيام أو كلام. لحديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تُكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ) أي: صلاة الفرض بالنفل. (حَتَّى نَتَكَلَّمَ) إما بالأذكار الشرعية، أو بمخاطبة من بجانبه. (أَوْ تَخْرُجَ) أي: تنتقل من محل الجمعة إلى محل آخر من المسجد. فالحديث دليل مشروعية الفصل بين صلاة الجمعة ونافلتها، إما بكلام أو تحول. وهذا الحكم ليس خاصاً بالجمعة، بل في جميع الصلوات، والأفضل الخروج إلى البيت، لما تقدم من قوله ﷺ (صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).

стр. 739

• الحكمة من هذا الأمر: أولاً: هو تمييز الفريضة عن النافلة. فعن نافع أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتين في مقامه، فدفعه وقال: (أتصلي الجمعة أربعاً؟). قال ابن تيمية: وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، وأيضاً فإن كثيراً من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهراً، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا فعل التمييز بين الفرض والنفل كان هذا منع لهذه البدعة. ولهذا نظائر في الشريعة: o كالنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. o والنهي عن صلاة الوتر ثلاث ركعات بتشهدين. ثانياً: تكثير موضع العبادة. وذكر هذه العلة الشوكاني، ونسبها للبخاري، والبغوي، لبعض العمومات القرآنية: كقوله تعالى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين). وقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا). وقد ورد أحاديث في ذلك لكنها لا تصح. قال العلماء: أكمل التحول أن يصلي الإنسان النوافل في بيته. قال النووي في شرحه الحديث: فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره: لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده، وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة. وَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِالِانْتِقَالِ أَفْضَل لِمَا ذَكَرْنَاهُ. (شرح مسلم). • وصل النافلة بالنافلة لا بأس، وهذا الظاهر من فعل النبي ﷺ في قيام الليل وغيره. وذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع الفصل حتى بين النوافل من أجل تكثير مواضع العبادة.

стр. 740

• ما حكم تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعد صلاته؟ يكره تطوُّع الإِمام في موضع المكتوبة، أي: في المكان الذي صلَّى فيه المكتوبةَ. ودليل ذلك ما يلي: أولاً: ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ (لا يُصَلِّ الإِمامُ في مُقَامِهِ الذي صَلَّى فيه المكتوبةَ، حتى يَتَنَحَّى عنه) ولكنه ضعيف لانقطاعه. ثانياً: ربما إذا تطوَّعَ في موضع المكتوبة يَظنُّ مَن شاهدَه أنَّه تذكَّرَ نقصاً في صلاته؛ فيلبس على المأمومين. فلهذا يُقال له: لا تتطوّع في موضع المكتوبة، ولا سيَّما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنَّه تطوَّع عقب الفريضة فوراً. … (الشرح الممتع). • نستفيد من فعل معاوية واستدلاله بالحديث: أن الأفضل للإنسان إذا ذكر حكماً أن يذكر دليله، وفي ذلك عدة فوائد: أولاً: أن في ذلك طمأنينة للسائل. ثانياً: ربط الناس بالكتاب والسنة. ثالثاً: لئلا يتهم المفتي أن هذا الكلام من اجتهاده. رابعاً: ولأن ذلك أوقع بالنفس. خامساً: وليكون مع السائل حجة. (ومن فاتَه شيءٌ منها سنّ له قضاؤه). أي: من فاته شيء من هذه الرواتب، فإنه يسن له قضاؤه. أ-لعموم حديث أنس في قوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها). وجه الدلالة: أنَّ قوله ﷺ (صلاة) نكرة فهي تقيد العموم، فيشمل هذا اللفظ السنَن الرَّواتب فهي داخلة في عموم هذا الحديث الآمِر بالقضاء، فإنَّ السنَن الرَّواتب لها وقت محدَّد، فلا تسقُط بفوات هذا الوقت إلى غير بدَل كالفرائض. ب-ولحديث أبي قتادة وفيه (أن رسول الله ﷺ نام عن صلاة الصبح، فلم يستيقظ إلا والشمس في ظهره، فأذّن بلال بالصلاة، فصلى ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم … ) رواه مسلم. ج- ولحديث أم سلمة ﵂ (لما رأت النبي ﷺ يصلي بعد العصر، أرسلتْ إليه الجارية، الحديث قالت (فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِى أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ) متفق عليه.
следующие страницы →