Полный текст (3 390 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
قال ابن عدي: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي ﷺ بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل. (نيل الأوطار).
• ومن السنن: سنة المغرب القبلية.
عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ " ثُمَّ قَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ: " لِمَنْ شَاءَ " كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا اَلنَّاسُ سُنَّةً) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وعَنْ أَنَسٍ. قال (كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ اَلشَّمْسِ، فَكَانَ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَانا) رواه مسلم.
• وهذه ليست من السنن الرواتب.
أ-لقوله (كراهية أن يتخذها الناس سنة).
ب-ولأنه لم يثبت أن النبي ﷺ واظب عليها.
(وفعلها في البيت أفضل).
أي: أن الأفضل في فعل النوافل (سوى ما تشرع له الجماعة) أن يكون في البيت، ويدل لذلك:
أ-عن زيد بن ثابت ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَال (صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إِلاَّ المَكْتُوبَة) متفقٌ عَلَيْه.
ب-وعن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ ، قَال (اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ولا تتخذوها قبوراً) متفق عليه.
(مِنْ صَلَاتِكُمْ) النافلة.
قال القرطبي: (من) للتبعيض، والمراد النوافل بدليل حديث جابر (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته).
وقال النووي: مَعْنَاهُ: صَلُّوا فِيهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا كَالْقُبُورِ مَهْجُورَة مِنْ الصَّلَاة، وَالْمُرَاد لَهُ صَلَاة النَّافِلَة، أَيْ: صَلُّوا النَّوَافِل فِي بُيُوتكُمْ، وَجَمِيع أَحَادِيث الْبَاب تَقْتَضِيه، وَلَا يَجُوزُ حَمْله عَلَى الْفَرِيضَة.
ج- وعن جابر ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (إِذَا قَضَى أحَدُكُمْ صَلَاتَهُ في مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً) رواه مسلم.
стр. 737
ه- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ فَقَالَتْ (كَانَ يُصَلِّى فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ .... ) رواه مسلم.
قال النووي: فيه اِسْتِحْبَاب النَّوَافِل الرَّاتِبَة فِي الْبَيْت، كَمَا يُسْتَحَبّ فِيهِ غَيْرهَا، وَلَا خِلَاف فِي هَذَا عِنْدنَا، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور، وَسَوَاء عِنْدنَا وَعِنْدهمْ رَاتِبَة فَرَائِض النَّهَار وَاللَّيْل.
وقَالَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف: الِاخْتِيَار فِعْلهَا فِي الْمَسْجِد كُلّهَا.
وَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ: الْأَفْضَل فِعْل نَوَافِل النَّهَار الرَّاتِبَة فِي الْمَسْجِد، وَرَاتِبَة اللَّيْل فِي الْبَيْت.
وَدَلِيلنَا هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَفِيهَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ ﷺ يُصَلِّي سُنَّة الصُّبْح وَالْجُمْعَة فِي بَيْته وَهُمَا صَلَاتَا نَهَار مَعَ قَوْله ﷺ : (أَفْضَل الصَّلَاة صَلَاةُ الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة) وَهَذَا عَامّ صَحِيح صَرِيح لَا مُعَارِض لَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُول عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
• يستثنى من النوافل: ما يشرع فيه التجمع، فهذه الأفضل في المسجد، كالاستسقاء، والكسوف، والعيدين.
• قوله ﷺ (صلوا في بيوتكم).
قال ابن حجر: ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا.
стр. 738
• الحكمة في أن صلاة النافلة في البيت أفضل:
قال النووي مبيناً الحكمة: وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَة فِي الْبَيْت لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاء، وَأَصْوَنُ مِنْ الْمُحْبِطَات، وَلِيَتَبَرَّك الْبَيْت بِذَلِكَ وَتَنْزِل فِيهِ الرَّحْمَة وَالْمَلَائِكَة وَيَنْفِر مِنْهُ الشَّيْطَان، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ﷺ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَإِنَّ اللَّه جَاعِل فِي بَيْته مِنْ صَلَاته خَيْرًا).
وقال ابن قدامة: وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَانِيَةٌ وَالسِّرُّ أَفْضَلُ.
• وهذا الحكم حتى لو كان الإنسان في مكة أو المدينة، فإن الأفضل أن يصلي التطوع في بيته.
(ويُسن الفصلُ بين الفرض وسُنتهِ بقيامٍ أو كلام).
أي: يسن إذا صلى الفريضة أن لا يصلها بنافلة، بل يفصل بينهما بقيام أو كلام.
لحديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تُكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ) أي: صلاة الفرض بالنفل. (حَتَّى نَتَكَلَّمَ) إما بالأذكار الشرعية، أو بمخاطبة من بجانبه. (أَوْ تَخْرُجَ) أي: تنتقل من محل الجمعة إلى محل آخر من المسجد.
فالحديث دليل مشروعية الفصل بين صلاة الجمعة ونافلتها، إما بكلام أو تحول.
وهذا الحكم ليس خاصاً بالجمعة، بل في جميع الصلوات، والأفضل الخروج إلى البيت، لما تقدم من قوله ﷺ (صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
стр. 739
• الحكمة من هذا الأمر:
أولاً: هو تمييز الفريضة عن النافلة.
فعن نافع أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتين في مقامه، فدفعه وقال: (أتصلي الجمعة أربعاً؟).
قال ابن تيمية: وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، وأيضاً فإن كثيراً من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهراً، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا فعل التمييز بين الفرض والنفل كان هذا منع لهذه البدعة.
ولهذا نظائر في الشريعة:
o كالنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين.
o والنهي عن صلاة الوتر ثلاث ركعات بتشهدين.
ثانياً: تكثير موضع العبادة.
وذكر هذه العلة الشوكاني، ونسبها للبخاري، والبغوي، لبعض العمومات القرآنية:
كقوله تعالى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين).
وقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا).
وقد ورد أحاديث في ذلك لكنها لا تصح.
قال العلماء: أكمل التحول أن يصلي الإنسان النوافل في بيته.
قال النووي في شرحه الحديث: فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره:
لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده، وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة.
وَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِالِانْتِقَالِ أَفْضَل لِمَا ذَكَرْنَاهُ. (شرح مسلم).
• وصل النافلة بالنافلة لا بأس، وهذا الظاهر من فعل النبي ﷺ في قيام الليل وغيره.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع الفصل حتى بين النوافل من أجل تكثير مواضع العبادة.
стр. 740
• ما حكم تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعد صلاته؟
يكره تطوُّع الإِمام في موضع المكتوبة، أي: في المكان الذي صلَّى فيه المكتوبةَ.
ودليل ذلك ما يلي:
أولاً: ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ (لا يُصَلِّ الإِمامُ في مُقَامِهِ الذي صَلَّى فيه المكتوبةَ، حتى يَتَنَحَّى عنه) ولكنه ضعيف لانقطاعه.
ثانياً: ربما إذا تطوَّعَ في موضع المكتوبة يَظنُّ مَن شاهدَه أنَّه تذكَّرَ نقصاً في صلاته؛ فيلبس على المأمومين. فلهذا يُقال له: لا تتطوّع في موضع المكتوبة، ولا سيَّما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنَّه تطوَّع عقب الفريضة فوراً. … (الشرح الممتع).
• نستفيد من فعل معاوية واستدلاله بالحديث: أن الأفضل للإنسان إذا ذكر حكماً أن يذكر دليله، وفي ذلك عدة فوائد:
أولاً: أن في ذلك طمأنينة للسائل.
ثانياً: ربط الناس بالكتاب والسنة.
ثالثاً: لئلا يتهم المفتي أن هذا الكلام من اجتهاده.
رابعاً: ولأن ذلك أوقع بالنفس.
خامساً: وليكون مع السائل حجة.
(ومن فاتَه شيءٌ منها سنّ له قضاؤه).
أي: من فاته شيء من هذه الرواتب، فإنه يسن له قضاؤه.
أ-لعموم حديث أنس في قوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
وجه الدلالة: أنَّ قوله ﷺ (صلاة) نكرة فهي تقيد العموم، فيشمل هذا اللفظ السنَن الرَّواتب فهي داخلة في عموم هذا الحديث الآمِر بالقضاء، فإنَّ السنَن الرَّواتب لها وقت محدَّد، فلا تسقُط بفوات هذا الوقت إلى غير بدَل كالفرائض.
ب-ولحديث أبي قتادة وفيه (أن رسول الله ﷺ نام عن صلاة الصبح، فلم يستيقظ إلا والشمس في ظهره، فأذّن بلال بالصلاة، فصلى ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم … ) رواه مسلم.
ج- ولحديث أم سلمة ﵂ (لما رأت النبي ﷺ يصلي بعد العصر، أرسلتْ إليه الجارية، الحديث قالت (فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِى أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ) متفق عليه.
стр. 741
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ في هذه الأحاديث قضى سنة الفجر، وسنة الظهر، فتقاس بقية السنن الراتبة عليهما في جواز القضاء.
وهذا هو مذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة، خلافا للحنفية والمالكية.
قال النووي: الصحيح عندنا استحباب قضاء النوافل الراتبة، وبه قال محمد، والمزني، وأحمد في رواية عنه، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف في أشهر الرواية عنهما لا يقضي، دليلنا هذه الأحاديث الصحيحة. (المجموع).
وقال المرداوي: قوله (ومن فاته شيء من هذه السنن سن له قضاؤها): هذا المذهب والمشهور عند الأصحاب، ونصره المجد في شرحه، واختاره الشيخ تقي الدين - يعني ابن تيمية -. … (الإنصاف).
وقال ابن تيمية: إذَا فَاتَتْ السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ مِثْلُ سُنَّةِ الظُّهْرِ. فَهَلْ تُقْضَى بَعْدَ الْعَصْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: لَا تُقْضَى وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ. وَالثَّانِي: تُقْضَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَقْوَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: قضاء السنة الراتبة سنة إذا فاتت، والدليل على هذا أن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس صلى سنة الفجر أولاً، ثم صلى بعدها الفجر " انتهى.
وهذا القول هو الراجح، لكن يشترط أن تكون النافلة فاتت لعذر.
قال الشيخ ابن عثيمين: مَن فاته شيء من هذه الرواتب، فإنه يُسنُّ له قضاؤه، بشرط: أن يكون الفوات لعذر.
وذهب بعض العلماء: إلى أن راتبة الفجر، وركعتي الظهر هي التي تقضى فقط.
وهو قول عند الحنابلة.
стр. 742
واستدلوا بالأحاديث السابقة الدالة على قضاء سنة الفجر، وسنة الظهر، غير أنهم تمسكوا بظاهر النصوص ولم يقيسوا بقية السنن عليها.
وذهب بعضهم: إلى أن راتبة الفجر تقضى فقط.
وهذا قول الحنفية والمالكية.
قال ابن عبد البر: ولا قضاء على من ترك شيئاً من النوافل أو نسيه إلا أن ركعتي الفجر من أحب قضاهما بعد طلوع الفجر.
القول الرابع: أنها لا تقضى.
وهو قول للمالكية. … (بحث في موقع الألوكة).
والراجح - كما تقدم - استحباب القضاء لمن فاتته لعذر.
• لكن إلى أي مدى يشرع قضاء الرواتب؟
جاء حكاية الخلاف في " الموسوعة الفقهية الكويتية " (٣٤/ ٣٨) على النحو التالي:
الأول: أنها تقضى أبداً.
الثاني: تقضى صلاة النهار ما لم تغرب شمسه، وفائت الليل ما لم يطلع فجره فيقضي ركعتي الفجر ما دام النهار باقياً.
الثالث: يقضي كل تابع ما لم يصل فريضة مستقبلة، فيقضي سنة الصبح ما لم يصل الظهر.
الرابع: الاعتبار بدخول وقت المستقبلة، لا بفعلها.
وقال النووي ﵀: وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ قَضَاءِ الْجَمِيعِ أَبَداً. … (المجموع).
стр. 743
فائدة ١: قال النووي: قال أصحابنا: النوافل قسمان:
(أحدهما) غير مؤقت وإنما يفعل لعارض كالكسوف والاستسقاء وتحية المسجد، فهذا إذا فات لا يقضى.
(الثاني) مؤقت كالعيد والضحى والرواتب مع الفرائض كسنة الظهر وغيرها، فهذه فيها ثلاثة أقوال: الصحيح منها أنها يستحب قضاؤها، قال القاضي أبو الطيب وغيره: هذا القول هو المنصوص في الجديد.
والثاني: لا تقضى وهو نصه في القديم، وبه قال أبو حنيفة.
والثالث: ما استقلّ كالعيد والضحى قُضي، وما لا يستقل كالرواتب مع الفرائض فلا يقضى. (المجموع).
• هل تقضى السنن الرواتب في وقت النهي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال.
والراجح: أنها تقضى في الأوقات المنهي عنها.
وهو مذهب الشَّافعي، ورواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع.
استدلَّ أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.
وستأتي المسألة بأدلتها إن شاء الله.
فائدة ٢: ما ورد من أحاديث أن النبي ﷺ كان يتنفل بعد العصر صحيح ثابت:
عن عَائِشَة ﵂ قالت (مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَط) متفق عليه.
وفي رواية لهما (صَلَاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي قَطُّ، سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر). متفق عليه
وفي رواية للبخاري عنها ﵂ قَالَتْ: (وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ، مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُم).
стр. 744
وهذا كله محمول على أنه كان من خصائصه ﷺ ؛ فقد فاتته الركعتان بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما؛ لأنه ﷺ كان إذا صلى صلاة أثبتها.
روى البخاري ومسلم: عن أُمّ سَلَمَةَ ﵂ قالت (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا - يعني الركعتين بعد العصر - ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَان).
وروى مسلم: عن أبي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَتْ: (كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا).
وعلى ذلك: فإنه يشرع لكل أحد قضاء راتبة الظهر ونحوها بعد العصر، إذا فاتت لعذر، وأما الاستدامة على صلاة الركعتين في هذا الوقت: فهي من خصائصه ﷺ .
قال ابن حجر: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَات مَنْ أَجَازَ التَّنَفُّل بَعْدَ الْعَصْر مُطْلَقًا، مَا لَمْ يَقْصِد الصَّلَاة عِنْدَ غُرُوب الشَّمْس، وَأَجَابَ عَنْهُ مَنْ أَطْلَقَ الْكَرَاهَة: بِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَدُلّ عَلَى جَوَاز اِسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنْ الرَّوَاتِب مِنْ غَيْر كَرَاهَة، وَأَمَّا مُوَاظَبَته ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصه، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ:
رِوَايَة ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهُ ﷺ (كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْر وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيُوَاصِل وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَال). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَرِوَايَة أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَفِي آخِرِه (وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاة أَثْبَتَهَا) رَوَاهُ مُسْلِم.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الَّذِي اِخْتَصَّ بِهِ ﷺ الْمُدَاوَمَة عَلَى ذَلِكَ لَا أَصْلُ الْقَضَاء. (فتح الباري).
стр. 745
(وصلاةُ الليلِ أفضلُ من صلاة النهار).
أي: أن التطوع بالصلاة في الليل أفضل من التطوع بالنهار.
قال في الإنصاف: بلا نزاع.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَفْضَلُ اَلصَّلَاةِ بَعْدَ اَلْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اَللَّيْلِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
قال النووي: فِيهِ دَلِيل لِمَا اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَيْهِ أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْل أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ، وَفِيهِ حُجَّةُ لِأَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابنَا
وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ صَلَاة اللَّيْل أَفْضَل مِنْ السُّنَن الرَّاتِبَة، وَقَالَ أَكْثَر أَصْحَابنَا: الرَّوَاتِب أَفْضَل، لِأَنَّهَا تُشْبِه الْفَرَائِضَ، وَالْأَوَّل أَقْوَى وَأَوْفَقُ لِلْحَدِيثِ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم).
قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل.
• الحكمة من ذلك:
قال ابن رجب: وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار:
لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، ولأن صلاة الليل أشق على النفوس، فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فترك النوم مع ميل النفس إليه، مجاهدة عظيمة.
ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم. (لطائف المعارف).
стр. 746
فائدة: صلاة التطوع تنقسم إلى قسمين:
مقيد - مطلق.
أما المقيد فهو أفضل في الوقت أو الحال الذي قيد به.
فصلاة تحية المسجد في النهار أفضل من التطوع المطلق في الليل، لأنها مقيدة.
وكذا صلاة تحية المسجد في الليل أفضل من التطوع المطلق في النهار، وهكذا.
وأما المطلق فهنا صلاة الليل أفضل من صلاة النهار.
(وأفضلُها ثُلُثُ الليل بعد نصفهِ).
أي: أفضل وقت وصلاة الليل، في الثلث بعد النصف.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد. وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُد. كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ. وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوم) متفق عليه.
ومعنى الحديث: أن أفضل صلاة الليل صلاة نبي الله داود ﵇؛ حيث كان: أولاً ينام نصف الليل، فمَن أراد أن يطبق ذلك اليوم فليحسب من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، فينام نصف ذلك الوقت، ثم كان ﵇ يقوم بعد ذلك للصلاة، فيصلي ثلث الليل، ثم ينام سدسه إلى الفجر.
والحكمة في ذلك: لئلا تصيب النفس السآمة، وليقوم لصلاة الفجر وما يتلوها من أذكار الصباح نشيطاً غير كسلان، وليبدأ عمله اليومي كذلك، فيستطيع أن يقوم بتأدية ما عليه من الحقوق تجاه أهله وولده والناس وتجاه عمله الذي يزاوله، فلا يذهب إلى العمل والنوم يغالبه، إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح.
стр. 747
قال الحافظ: قَالَ الْمُهَلَّب: كَانَ دَاوُدَ ﵇ يُجِمّ نَفْسه بِنَوْمٍ أَوَّل اللَّيْل، ثُمَّ يَقُوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادِي اللَّه فِيهِ: هَلْ مِنْ سَائِل فَأُعْطِيَهُ سُؤْله، ثُمَّ يَسْتَدِرْك بِالنَّوْمِ مَا يَسْتَرِيح بِهِ مِنْ نَصَب الْقِيَام فِي بَقِيَّة اللَّيْل. وَإِنَّمَا صَارَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَة أَحَبّ مِنْ أَجْل الْأَخْذ بِالرِّفْقِ لِلنَّفْسِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا السَّآمَة، وَقَدْ قَالَ ﷺ " إِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا " وَاَللَّه أَحَبَّ أَنْ يُدِيم فَضْله وَيُوَالِي إِحْسَانه، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَرْفَق لِأَنَّ النَّوْم بَعْد الْقِيَام يُرِيح الْبَدَن وَيُذْهِب ضَرَر السَّهَر وَدُبُول الْجِسْم بِخِلَافِ السَّهَر إِلَى الصَّبَاح، وَفِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَة أَيْضًا اِسْتِقْبَال صَلَاة الصُّبْح وَأَذْكَار النَّهَار بِنَشَاطٍ وَإِقْبَال، وَأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى عَدَم الرِّيَاء لِأَنَّ مَنْ نَامَ السُّدُس الْأَخِير أَصْبَحَ ظَاهِر اللَّوْن سَلِيم الْقُوَى فَهُوَ أَقْرَب إِلَى أَنْ يُخْفِي عَمَله الْمَاضِي عَلَى مَنْ يَرَاهُ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن دَقِيق الْعِيد " انتهى
وقال ابن القيم ﵀: وهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَحَبّ إِلَى اللَّه لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْف، وَهُوَ مَا يَتَخَلَّل الصِّيَام وَالْقِيَام مِنْ الرَّاحَة الَّتِي تجمّ بِهَا نَفْسه، وَيَسْتَعِين بِهَا عَلَى الْقِيَام بِالْحُقُوق.
وقال ابن عثيمين ﵀: التهجد في الليل من أفضل العبادات وهو أفضل الصلوات بعد الفرائض، فصلاة الليل أفضل من صلاة
النهار ولاسيما في الثلث الأخير منه، وأفضل تجزئة لليل صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكذلك النبي ﷺ يفعل ذلك أحياناً بل الأغلب عليه ذلك، وعلى هذا فنقول: أفضل صلاة الليل ما كان بعد النصف إلى أن يبقى سدس الليل. (نور على الدرب).
ويدل لذلك:
حديث عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ (مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا) تَعْنِى النَّبِي ﷺ . متفق عليه.
قال العيني ﵀: يعني ما أتى عليه السحر عندي إلا وهو نائم، فعلى هذا كانت صلاته بالليل وفعله فيه إلى السحر، ويقال: هذا النوم هو النوم الذي كان داود ﵊ ينام، وهو أنه كان ينام أول الليلة، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله : هل من سائل؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في الليل، وهذا هو النوم عند السحر على ما بوب له البخاري. … (عمدة القاري).
стр. 748
(ويسن قيام الليل).
أي: أن قيام الليل سنة، وهو عبادة جليلة، وقد جاءت الفضائل العظيمة بفضله.
أولاً: أن الله ﵎ مدح أهله.
قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
قال ابن كثير: تتجافي جنوبهم عن المضاجع: يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة.
يدعون ربهم خوفاً وطمعاً: أي خوفاً من وبال عقابهِ وطمعاً في جزيل ثوابهِ.
ومما رزقناهم ينفقون: فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية.
ثانياً: أنه من صفات المتقين.
قال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون).
قال الحسن البصري في الآية: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل.
ثالثاً: من صفات عباد الرحمن.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا … أولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).
رابعاً: وفرّق تعالى بين من قام الليل ومن لم يقمه، ممتدحاً صاحب القيام.
قال تعالى (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
стр. 749
كيف يستوي من تحمل مشقة السهر، ومؤنة الوقوف، وآثر على المنام لذة القيام، طمعاً ورجاء بوعد الله … كيف يستوي هو ومن ضيع ليله نائماً هائماً، لم ينشطهُ وعد ولم يخوّفه وعيد.
خامساً: قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة.
لحديث أبي هريرة (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).
سادساً: من أسباب دخول الجنة.
قال ﷺ (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي
سابعاً: من أسباب رحمة الله.
قال ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء … ). رواه أبو داود
ثامناً: أنه شرف.
عن سهل قال: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل). رواه الطبراني
تاسعاً: يوصف بالنعم.
قال ﷺ : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
قال الحافظ: فمقتضاه أن من كان يصلي من الليل، يوصف بكونه نعم الرجل.
عاشراً: قيام الليل سبب للنجاة من الفتن.
فالصلاة عموماً، وصلاة الليل خصوصاً سبب من أسباب النجاة من الفتن.
فقد جاء في صحيح البخاري عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال (سبحان الله، ماذا أُنزل الليلة من الفتن؟! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟! من يوقظ صواحب الحجرات؟! كي يصلين فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة).
ففي هذا الحديث دليل وتنبيه على أثر الصلاة بالليل في الوقاية من الفتن، لأنها من علامة الإخلاص، والإخلاص هو الذي ينجي العبد من الفتن.
الحادي عشر: بقيام الليل يدرك المصلي وقت النزول الإلهي.
стр. 750
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه
الثاني عشر: أنه من مظان الإجابة.
عن جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة) متفق عليه.
قالت عائشة (يا عبد الله! لا تدع قيام الليل، فإن النبي ﷺ ما كان يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد). متفق عليه
وجاء في موطأ الإمام مالك عن ابن عمر قال (كان عمر يصلي في الليل حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله وقرأ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).
وقال أبو عثمان النهْدي: تضيفت أبا هريرة سبعة أيام [أي نزلت عليه ضيفاً] فكان هو وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثاً، الزوجة ثلثاً وخادمه ثلثاً وأبو هريرة ثلثاً.
كان سليمان التيمي عنده زوجتان وكانوا يقتسمون الليل أثلاثاً.
والحسن بن صالح كان يقتسم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثاً، فماتت أمه، فاقتسم الليل هو وأخوه علي، فمات أخوه فقام الليل بنفسه.
هذا الحسن بن صالح كان عنده جارية، فباعها فأيقظتهم في الليل فقالوا: أسفرنا [يعني طلع الفجر] فقالت: لا، ألا تتهجدوا، قالوا: لا نقوم إلا إلى صلاة الفجر، فجاءت إلى الحسن تبكي وتقول: ردني! لقد بعتني لأناس لا يصلون إلا الفريضة، فردّها.
كان محمد بن واسع إذا جنّ عليه الليل يقوم ويتهجد، يقول أهله: كان حاله كحال من قتل أهل الدنيا جميعاً.
الإمام أبو سليمان الداراني كان يقول: والله لولا قيام الليل ما أحببت الدنيا، ووالله إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيه طرباً بذكر الله فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم.
رأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسكِ قالت: اخطُبني إلى ربي وأمهِرني، قال: ما مهرُكِ؟ قالت: طول التهجد.
стр. 751
نام أبو سليمان الداراني فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أُربَى لك في الخدور من خمسمائة عام؟
كانت امرأة حبيب بن محمد الزاهد توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قُدّامنا ونحن قد بقينا، وكانت تقول:
يا راقدَ الليلِ كم ترقدُ … قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليلِ وأوقاتهِ … ورْداً إذا مأا هجعَ الرُّقدُ
من نامَ حتى ينقضي ليلهُ … لم يبلغ المنزلَ أو يجهدُ
قل لأولي الألبابِ أهلِ التقى … قَنطرةُ العَرْضِ لكم موعدُ
قال أبو الدرداء: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور.
وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزين فوقَه، والنار تضرم تحته، كيف ينام بينهما.
وكان شداد بن أوس إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت النوم، فيقوم فيصلي حتى يصبح.
وحين سألت ابنة الربيع بن خثيم أباها: يا أبتاه الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنية إن أباكِ يخاف السيئات.
ويروى أن طاووساً جاء في السحر يطلب رجلاً، فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحداً ينام في السحر.
• اذكر بعض الأسباب التي تعين على قيام الليل؟
أولها: ترك الذنوب والمعاصي.
فإن الذنوب والمعاصي حاجب بين العبد وبين ربه.
قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك.
وذكر عن الحسن أن قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
وقال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل بذنب أحدثته منذ خمسة أشهر.
стр. 752
وحينما اشتكى شاب إلى الحسن عدم قدرته على القيام بالليل قال له الحسن: قيدتك خطاياك.
وقال بشر بن الحارث: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سداً.
وقيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل، فقال: أقعدتكم ذنوبكم.
وثانيها: من الأسباب التي تعين على قيام الليل قلة الأكل.
لأن الشّبَع مذموم، فهو يكسل عن العبادة، فعلى العبد أن لا يكثر الأكل والشرب حتى لا يغلبه النوم ويثقل عليه القيام.
ولذلك قيل: لا تأكل كثيراً، فتشرب كثيراً، فتنام كثيراً، فتتحسر كثيراً؟
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال (إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة).
قال عمر: إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات.
وقال لقمان لابنه: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقال أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات: فقْد حلاوة المناجاة، وتعذر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلْق، لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعاً، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات.
وقال محمد بن واسع: من قلّ طُعْمه فهِم وأفْهم وصفَى ورقّ.
وقال عمرو بن قيس: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب.
وقال الحسن البصري: كانت بلية أبيكم آدم أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة.
وقد قيل: إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل.
وقال إبراهيم بن أدهم: من ضبط بطنه ضبط دينه.
стр. 753
(وافتتاحُه بركعتين خفيفتين).
أي: يسن افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين.
لثبوت ذلك من فعله ﷺ وقوله.
أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن) رواه مسلم.
ب- وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّىَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن) رواه مسلم.
ج- وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ (لأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ فَصَلَّى. رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ … ) رواه مسلم.
قال النووي: ولهذا يستحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين.
وقال صاحب عون المعبود: هذا الحديث يدل على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما.
(ونيّتُهُ عند النوم).
أي: يسن أن ينوي القيام قبل نومه، ليكتب له الأجر، ويعينه الله.
أ- عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (مَا مِنَ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ، يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَة) رواه أبو داود.
ب- وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبّه) رواه ابن ماجه.
جاء في (الموسوعة الفقهية) " قَال الْفُقَهَاءُ: يُسَنُّ نِيَّةُ قِيَامِ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ لِيَفُوزَ بِقَوْلِهِ ﷺ (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ مِنَ اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً مِنْ رَبِّهِ " انتهى.
وقال ابن القيم: من كان له ورد يصليه من الليل فنام ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم: كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة.
стр. 754
(وصلاة ليلٍ ونهارٍ مثنى مثنى).
أي: اثنتين اثنتين، فلا يصلي أربعاً جميعاً.
أما صلاة الليل:
فلحديث اِبْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ اَللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ اَلصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(مثنى مثنى) أي اثنتين اثنتين يسلم من كل ركعتين.
قال ابن حجر: قوله: (مثنى مثنى) أي اثنين اثنين، ..... وأما إعادة "مثنى" فللمبالغة في التأكيد، وقد فسّره ابن عمر راوي الحديث، فعند مسلم من طريق عقبة بن حُريث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلّم من
كلّ ركعتين، وفيه ردّ على من زعم من الحنفيّة أن معنى مثنى أن يتشهد بين كلّ ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسّره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلاً: إنها مثنى. (الفتح).
• هل يتعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل؟
استدل بحديث ابن عمر السابق من قال: يتعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل.
وأجاب الجمهور:
أ-أن ذلك لبيان الأفضل، لما صح من فعله ﷺ بخلافه.
ب-أو أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالباً وقضاء ما يعرض من أمر مهم.
• قوله (ونهار) أي: أن المشروع في صلاة النهار أيضاً أن يسلم من كل ركعتين كصلاة الليل.
لحديث ابْنَ عُمَرَ. قال: قال ﷺ (صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، مَثْنَى مَثْنَى) رواه أبو داود.
والحديث كما تقدم في الصحيحين دون لفظة (والنهار) وقد اختلف العلماء في صحتها:
بعض العلماء صححها: كالبخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، والألباني.
وضعفها بعضهم: كالإمام أحمد، والدار قطني، والحاكم، وابن معين، والطحاوي، وابن تيمية، وهذا الراجح.
لأنه انفرد به: [علي البارقي عن ابن عمر]، وقد روى الحديث عن ابن عمر أكثر من عشرة، ومنهم الحفاظ، كنافع، وسالم، وعبد الله بن دينار، ولم يذكروها.
ولأنه لا تتناسب مع الحديث، لأن الحديث يقول (فإذا خشي أحدكم الصبح … ).
стр. 755
قال في "الفتح": ما حاصله: قد أعلّ أكثر أئمة الحديث هذه الزيادة بأن الحفّاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائيّ على راويها بأنه أخطأ فيها،
• وقد اختلف العلماء: هل صلاة النهار كصلاة الليل تكون ركعتين ركعتين أم لا على قولين:
القول الأول: الأفضل أن تكون أربعاً.
وهذا مذهب إسحاق، وأبي حنيفة.
لمفهوم الحديث.
ولفعل ابن عمر أنه كان يصلي أربعاً.
القول الثاني: أن صلاة النهار كالليل مثنى مثنى.
وهذا مذهب الحنابلة.
لزيادة (والنهار).
ولأنه أبعد عن السهو.
وهذا الغالب من فعل النبي ﷺ .
وحديث ابن عمر بوَّب عليه ابن خزيمة - في صحيحه (٢/ ٢١٤) - بقوله " باب التسليم في كل ركعتين من صلاة التطوع صلاة الليل والنهار جميعاً، وأعقبه بباب " باب ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أن تطوع النهار أربعاً لا مثنى " - وساق أدلة كثيرة على أن تطوع النهار ركعتين ركعتين.
وقال النووي: الأفضل أن يسلم من كل ركعتين، وسواء نوافل الليل والنهار، يستحب أن يسلم من كل ركعتين، فلو جمع ركعات بتسليمة، أو تطوع بركعة واحدة، جاز عندنا. (شرح مسلم).
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد ذكر حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة، وبهذا قال كثير من أهل العلم.
стр. 756
واختلفوا في صلاة النهار:
فقالت طائفة: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
روي هذا القول عن الحسن، وسعيد بن جبير.
وممن قال: إن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى: مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل.
واحتج أحمد بأحاديث، منها: حديث ابن عمر في تطوّع النبي ﷺ ركعتين بعد الظهر، وركعتان، وركعتان، وحديث العيد ركعتان، والاستسقاء ركعتان، و (إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، قبل أن يجلس).
وذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا.
ثبت عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك.
عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا أربعًا، ثم يسلّم.
وقال الأوزاعيّ: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار إن شاء أربعا قبل أن يسلّم.
والراجح استحباب صلاة الليل مثنى مثنى لحديث ابن عمر وغيره، وأما صلاة النهار، فإن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا.
قال ابن قدامة: الْأَفْضَلُ فِي تَطَوُّعِ النَّهَارِ: أَنْ يَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى.
لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ السَّهْوِ، وَأَشْبَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَتَطَوُّعَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي تَطَوُّعَاتِهِ رَكْعَتَانِ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَى أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى لِذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَازَ.
وَيُشْبِهُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تَسْلِيمَ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رُبَاعِيَّةٌ.
стр. 757
(وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ كَالظُّهْرِ فَلَا بَأْسَ).
أي: وإن صلى صلاة تطوع في النهار لا في الليل بأربع ركعات بتشهدين فلا بأس.
قال ابن قدامة: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَازَ.
وَيُشْبِهُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تَسْلِيمَ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رُبَاعِيَّةٌ.
فائدة: حديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)، ولفظ ابن ماجة (لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ وَقَالَ إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ).
هذا الحديث ضعيف.
قال النووي: ضعفه يحيى القطان، وأبو داود، والحفاظ، ومداره على عبيدة بن معتب، وهو ضعيف بالاتفاق، سيء الحفظ
وقال الشيخ الألباني ﵀ فيه: حديث حسن دون قوله: ليس فيهن تسليم.
وقد جاء عن علي ﵁ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني ﵀.
واختلف أهل العلم ﵏ في معنى هذا الحديث:
فقال بعضهم المراد بقوله (يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ) بأن يسلم عن يمينه وعن شماله.
وقال آخرون: المراد بـ " التسليم .. " الجلوس للتشهد في الركعة الثانية.
قال المباكفوري ﵀: قال الترمذي: اختار إسحاق بن راهوية أن لا يفصل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث، وقال معنى قوله: " يفصل بينهن بالتسليم يعني التشهد.
وقال البغوي: المراد بالتسليم التشهد دون السلام. أي وسمي تسليماً على من ذكر لاشتماله عليه.
قال الطيبي: ويؤيده حديث عبد الله بن مسعود: " كنا إذا صلينا قلنا السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل، وكان ذلك في التشهد- انتهى.
وقيل: المراد به تسليم التحلل من الصلاة، حمله على هذا من اختار أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
стр. 758
(وأجرُ صلاة قاعدٍ على نصف أجر صلاة قائم).
أي: تصح صلاة النافلة قاعداً - ولو مع القدرة على القيام - وتكون على النصف من أجر صلاة القائم.
أ- لحديث عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ (إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، … ) متفق عليه.
ب- وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ) رواه مسلم.
ج- وعن عائِشَة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ) رواه مسلم.
د - وعنها. قَالَتْ (لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا) رواه مسلم.
وعنها. قالت (وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) رواه مسلم.
قال النووي: قوْلهَا (وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا) فِيهِ: جَوَاز النَّفْل قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْقِيَام، وَهُوَ إِجْمَاع الْعُلَمَاء.
وقال العيني وهو يذكر فوائد حديث عائشة ﵂: ومنها: جواز صلاة النافلة قاعداً مع القدرة على القيام وهو مجمع عليه.
стр. 759
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَلُ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظِ مُسْلِم (صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاة).
وَقَالَتْ عَائِشَة (إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ).
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ حَفْصَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ طُولُ الْقِيَامِ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ، كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَسَامَحَ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ. (المغني).
وقال البهوتي في (كشاف القناع) وسومح في التطوع ترك القيام، ترغيباً في تكثيره.
• وهذا الحكم إذا صلى قاعداً لغير عذر، أما إذا كان لعذر فله الأجر كاملاً.
قال النووي: مَعْنَاهُ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ فِيهَا نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ فَيَتَضَمَّنُ صِحَّتَهَا وَنُقْصَانَ أَجْرِهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَهَذَا لَهُ نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِم، وَأَمَّا إِذَا صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ فَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ بَلْ يَكُونُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا.
وقال ابن تيمية: لكن إذا كان عادته أن يصلي قائماً، وإنما قعد لعجزه، فإن الله يعطيه أجر القائم، لقوله ﷺ (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم.
• تقدم أن الفريضة لا يجوز أن تصلى قاعداً إلا من عذر.
فائدة: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا حَتَّى إِذَا بَقِىَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ) رواه مسلم.
قال النووي: فِيهِ جَوَاز الرَّكْعَة الْوَاحِدَة بَعْضهَا مِنْ قِيَام وَبَعْضهَا مِنْ قُعُود، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَعَامَّة الْعُلَمَاء، وَسَوَاء قَامَ ثُمَّ قَعَدَ، أَوْ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ، وَمَنَعَهُ بَعْض السَّلَف، وَهُوَ غَلَط. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة فِي آخَرِينَ كَرَاهَة الْقُعُود بَعْد الْقِيَام، وَلَوْ نَوَى الْقِيَام ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْلِس جَازَ عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور، وَجَوَّزَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّة اِبْن الْقَاسِم وَمَنَعَهُ أَشْهَب.
стр. 760
(وكثرةُ الركوع والسجود أفضل من طول القيام).
أي: أن كثرة الركوع والسجود في صلاة الليل أفضل من طول القيام.
وهذا المذهب، وقول بعض الحنفية.
أ- لحديث رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ (قَالَ لِي اَلنَّبِيُّ ﷺ سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافقَتَكَ فِي اَلْجَنَّةِ. فَقَالَ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ?، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: " فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ اَلسُّجُودِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ب-ولحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
وذهب بعض العلماء: إلى أن طول القيام أفضل من كثرة السجود.
وهذا قول جمهور الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية.
أ- لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال (إنْ كان النبي ﷺ ليقوم ليصلِّي حتى ترم قدماه - أو ساقاه - فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يطيل القيام، بدليل تورم قدميه الكريمتين، وهذا دليل على أفضلية القيام.
ب- وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ قَالَ «طُولُ الْقُنُوتِ) رواه مسلم.
والمراد بالقنوت هنا: طول القيام باتفاق العلماء. (نووي).
стр. 761
وذهب بعضهم: أنهما سواء.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لفعل النبي ﷺ ، فإن صلاته كانت معتدلة، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود بحسب ذلك حتى يتقاربا، كما ثبت ذلك في جملة من الأحاديث.
كحديث حذيفة قال (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى». فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ) رواه مسلم.
وحديث عائشة قالت (خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى … ) متفق عليه.
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أن الاعتدال والمقاربة بين أركان الصلاة قيامها وسجودها دليل على استوائهما في الفضل، وأن الأكمل هو التقارب في الطول بين القيام والسجود.
ب - أن ذكر القيام - وهو قراءة القرآن - أفضل من ذكر السجود، - وهو التسبيح - ونفس السجود أفضل من نفس القيام فاستويا.
قال ابن تيمية: وقد تنازع الناس، هل الأفضل طول القيام؟ أم كثرة الركوع والسجود؟ أو كلاهما سواء؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أن كليهما سواء، فإن القيام اختص بالقراءة، وهي أفضل من الذكر والدعاء، والسجود نفسه أفضل من القيام، فينبغي أنه إذا طوَّل القيام أن يطيل الركوع والسجود، وهذا هو طول القنوت الذي أجاب به النبي ﷺ لما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت، فإن القنوت هو إدامة العبادة، سواء كان في حال القيام، أو الركوع أو السجود، كما قال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)، فسمَّاه قانتاً في حال سجوده، كما سمَّاه قانتاً في حال قيامه.
стр. 762
وقال ﵀:
وقد تنازع العلماء: أيما أفضل: إطالة القيام؟ أم تكثير الركوع والسجود؟ أم هما سواء؟ على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن أحمد، وقد ثبت عنه في الصحيح " أي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القنوت) "، وثبت عنه أنه قال: (إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة; وحط عنك بها خطيئة) رواه مسلم، وقال لربيعة بن كعب: (أعنِّي على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم، ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من القيام، ولكن ذكر القيام أفضل، وهو القراءة، وتحقيق الأمر: أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة،
فإذا أطال القيام، يطيل الركوع والسجود، كما كان النبي ﷺ يصلي بالليل، كما رواه حذيفة وغيره، وهكذا كانت صلاته الفريضة، وصلاة الكسوف، وغيرهما: كانت صلاته معتدلة، فإن فضَّل مفضِّل إطالة القيام والركوع والسجود مع تقليل الركعات، وتخفيف القيام والركوع والسجود مع تكثير الركعات: فهذان متقاربان، وقد يكون هذا أفضل في حال، كما أنه لما صلى الضحى يوم الفتح صلَّى ثماني ركعات يخففهن، ولم يقتصر على ركعتين طويلتين، وكما فعل الصحابة في قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة القيام.
• وقال ابن القيم: وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْقِيَامِ وَالسّجُود أَيّهُمَا أَفْضَلُ؟
فَرَجّحَتْ طَائِفَةٌ الْقِيَامَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنّ ذِكْرَهُ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ فَكَانَ رُكْنُهُ أَفْضَلَ الْأَرْكَانِ.
وَالثّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ).
الثّالِثُ قَوْلُهُ ﷺ أَفْضَلُ الصّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ السّجُودُ أَفْضَلُ.
وَاحْتَجّتْ بِقَوْلِهِ ﷺ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
وَبِحَدِيثِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَقُلْتُ حَدّثَنِي بِحَدِيثٍ عَسَى اللّهُ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسّجُودِ، فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلّهِ سَجْدَةً إلّا رَفَعَ اللّهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً قَالَ مَعْدَانُ ثُمّ لَقِيتُ أَبَا الدّرْدَاءِ فَسَأَلْته فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لِرَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيّ وَقَدْ سَأَلَهُ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنّةِ (أَعِنّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السّجُودِ).
стр. 763
وَأَوّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ سُورَةُ (اقْرَأْ) عَلَى الْأَصَحّ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).
وَبِأَنّ السّجُودَ لِلّهِ يَقَعُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كُلّهَا عُلْوِيّهَا وَسُفْلِيّهَا.
وَبِأَنّ السّاجِدَ أَذَلّ مَا يَكُونُ لِرَبّهِ وَأَخْضَعُ لَهُ وَذَلِكَ أَشْرَفُ حَالَاتِ الْعَبْدِ فَلِهَذَا كَانَ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ مِنْ رَبّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَبِأَنّ السّجُودَ هُوَ سِرّ الْعُبُودِيّةِ فَإِنّ الْعُبُودِيّةَ هِيَ الذّلّ وَالْخُضُوعُ يُقَالُ طَرِيقٌ مُعَبّدٌ أَيْ ذَلّلَتْهُ الْأَقْدَامُ وَوَطّأَتْهُ وَأَذَلّ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ وَأَخْضَعُ إذَا كَانَ سَاجِدًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الصّوَابُ أَنّهُمَا سَوَاءٌ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ بِذِكْرِهِ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالسّجُودُ أَفْضَلُ بِهَيْئَتِهِ فَهَيْئَةُ السّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ هَيْئَةِ الْقِيَامِ وَذِكْرُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ السّجُودِ وَهَكَذَا كَانَ هَدْيَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَإِنّهُ كَانَ إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرّكُوعَ وَالسّجُودَ كَمَا فَعَلَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِي صَلَاةِ اللّيْلِ وَكَانَ إذَا خَفّفَ الْقِيَامَ خَفّفَ الرّكُوعَ وَالسّجُودَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِي الْفَرْضِ كَمَا قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ وَاعْتِدَالُهُ قَرِيبًا مِنْ السّوَاءِ وَاَللّه أَعْلَمُ. … (زاد المعاد).
(وتسن صلاةُ الضحى).
أي: ومن التطوعات صلاة الضحى، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في فضلها:
أ- عن أبي ذر أيضاً ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَال (يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى منْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأمْرٌ بِالمعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ، وَيُجزِئُ مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى) رواه مسلم.
((السُّلامَى)) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
قال النووي ﵀: قوله ﷺ (وَيَجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعهُمَا مِنْ الضُّحَى) ضَبَطْنَاهُ (وَيَحْزِي) بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّه، فَالضَّمّ مِنْ الْإِجْزَاء وَالْفَتْح مِنْ جَزَيَ يَجْزِي، أَيْ: كَفَى، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: لَا تَجْزِي نَفْس، وَفِي الْحَدِيث (لَا يَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك). وَفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَم فَضْل الضُّحَى وَكَبِير مَوْقِعهَا، وَأَنَّهَا تَصِحُّ رَكْعَتَيْنِ
وقال ابن دقيق العيد ﵀: أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد فإذا
صلى فقد قام كل عضو بوظيفته والله أعلم.
وقال الإمام الشوكاني ﵀: والحديثان يدلان على عظم فضل الضحى وأكبر موقعها وتأكد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة، ويدلان أيضاً على مشروعية الاستكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفن النخامة وتنحية ما يؤذي المار عن الطريق، وسائر أنواع الطاعات ليسقط بفعل ذلك ما على الإنسان من الصدقات اللازمة في كل يوم.
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: معنى الحديث على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة لأنه إذا أصبح العضو سليما فينبغي أن يشكر ويكون شكره بالصدقة فالتسبيح والتحميد وما ذكره يجري مجرى الصدقة عن الشاكر وقوله ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى لأن الضحى من الصباح وإنما قامت الركعتان مقام ذلك لأن جميع الأعضاء تتحرك فيها بالقيام والقعود فيكون ذلك شكرها.
стр. 764
ب- وعن عَائِشَةَ. قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي اَلضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ج- وعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُد) متفق عليه
د- وعن أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ (أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ) رواه مسلم.
قال القرطبي ﵀: وصية النبي ﷺ لأبي الدرداء وأبي هريرة ﵄: تدل على فضيلة الضحى، وكثرة ثوابه وتأكده، ولذلك حافظا [عليه]، ولم يتركاه. (المفهم).
د- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وأَبِي ذَرٍّ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ (ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَكْفِكَ آخِرَهُ) رواه الترمذي.
قال المباركفوري ﵀: (مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ) قِيلَ الْمُرَادُ صَلَاةُ الضُّحَى، وَقِيلَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ، وَقِيلَ سُنَّةُ الصُّبْحِ وَفَرْضُهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ فَرْضِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ، قُلْت: حَمَلَ الْمُؤَلِّفُ وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى وَلِذَلِكَ أَدْخَلَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ صَلَاةِ الضُّحَى.
هـ- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين) رواه ابن خزيمة.
لهذه الأحاديث ذهب جمهور العلماء إلى استحباب صلاة الضحى.
قال النووي: جمهور العلماء على استحباب صلاة الضحى.
وممن كان يصليها من الصحابة: أبو سعيد الخدري، وعائشة، وأبو ذر، وأم سلمة، وغيرهم.
ورجح هذا القول النووي، والشوكاني، والصنعاني.
وذهب بعض العلماء: إلى الأفضل عدم المداومة على صلاة الضحى، بل فعلها أحياناً وتركها أحياناً أخرى.
أ- لحديث أبي سعيد قال (كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها) رواه الترمذي، وفيه ضعف.
ب- ولحديث عائشة قالت (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ. وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) متفق عليه. (وسيأتي الجواب عنه إن شاء الله.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها لا تشرع إلا لسبب، كقدوم من سفر.
стр. 765
ورجح هذا القول ابن القيم.
أ- قالوا: بأن النبي ﷺ لم يفعلها إلا لسبب واتفق وقوعها وقت الضحى.
فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح كان لسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات، وكان الأمراء يسمونها صلاة الضحى.
قالوا: وقول أم هانئ (وذلك ضحى) تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى، لا أن الضحى اسم لتلك الصلاة.
ب- واستدلوا بحديث عائشة الآتي (لم يكن رسول الله ﷺ يصلي الضحى إلا أن يقدم من مغيبه).
وذهب بعضهم: إلى أنها تشرع لمن ليس له ورد بالليل.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
قال ﵀: ومن هذا الباب (صلاة الضحى) فإن النبي ﷺ لم يكن يداوم عليها باتفاق أهل العلم بسنته، بل ثبت في حديث صحيح لا معارض له، أن النبي ﷺ كان يصلي وقت الضحى لسبب عارض، لا لأجل الوقت، مثل أن ينام من الليل … ).
والراجح الاستحباب مطلقاً.
وأما الجواب عن حديث أم هانئ، وأن تلك الصلاة صلاة الفتح.
فقد قال النووي: إنه فاسد، والأحاديث الكثيرة التي وردت في استحبابها ترد هذا القول.
وقال ﵀: والصواب صحة الاستدلال به، فقد ثبت عن أم هانئ: (أن النبي ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين) رواه أبو داود.
стр. 766
• الجمع بين أحاديث عائشة المتعارضة:
أ- عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ (قُلْتُ لِعَائِشَةَ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى الضُّحَى قَالَتْ لَا إِلاَّ أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ) رواه مسلم.
ب- وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ. وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) متفق عليه.
ج- وعنها قالت (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي اَلضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
بعض العلماء رجح أحاديث الإثبات، للقاعدة: المثبت مقدم على النافي.
ورجحه ابن عبد البر.
وبعضهم جمع: أن أحاديث النفي نافية للمداومة، وأما الإثبات فالمراد فعلها أحياناً.
ورجحه البيهقي، وإنما كان يتركها أحياناً خشية أن تفرض على الأمة.
قال ابن حجر: وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أن المراد بقولها (ما رأيته يسبّحها) أي يُداوم عليها، وقولها (وإني لأسبّحها) أي أداوم عليها، قال: وفي بقية الحديث إشارة إلى ذلك، حيث قالت (وإن كان لَيَدَعُ العملَ، وهو يحبّ أن يعمله خشية أن يعمل به الناس، فيفرضَ عليهم). (الفتح).
وقال النووي: وأما قول عائشة (ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه) معناه ما رأيته، كما قالت في الرواية الثانية (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى إلا في نادر الأوقات) فإنه قد يكون في ذلك مسافراً، وقد يكون حاضراً ولكنه في المسجد أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها: ما رأيته يصليها، وقد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها.
стр. 767
(وأقلها ركعتان).
أي: أقل صلاة الضحى ركعتان.
وهذا لا خلاف به.
أ- لحديث أبي هريرة (أوصاني خليلي … وركعتي الضحى … ).
ب- ولحديث أبي ذر (يصبح على كل سلامى … ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء القائلين: باستحباب صلاة الضحى في أن أقلها ركعتان.
فقد روى أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) فأقل صلاة الضحى ركعتان لهذا الخبر. (انتهى).
قال الشيخ ابن عثيمين: لأن الرَّكعتين أقلُّ ما يُشرع في الصَّلوات غير الوِتر، فلا يُسَنُّ للإنسان أن يتطوَّع برَكعة، ولا يُشرع له ذلك إلا في
الوِتر، ولهذا قال النبيُّ ﷺ للرَّجُل الذي دخل وهو يخطب يوم الجُمُعة (قُمْ فصَلِّ رَكعتين، وتَجَوَّزْ فيهما)، ولو كان يُشرع شيءٌ أقلُّ من ركعتين؛ لأمره به مِن أجل أنْ يستمع للخُطبة، ولهذا أمره النبيُّ ﷺ أن يتجوَّز في الرَّكعتين.
ودليلُ ذلك أيضاً: حديثُ أبي هريرة ﵁ حيث قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ (صيامُ ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر، وركعتي الضُّحى، وأنْ أوتِرَ قبل أن أنام).
والصَّحيحُ: أنَّ التطوُّع بركعة لا يصحُّ، وإنْ كان بعضُ أهل العلم قال: إنه يصحُّ أنْ يتطوَّعَ بركعة، لكنه قولٌ ضعيف كما سبق.
стр. 768
(وأكثرُها ثمان).
أي: أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات.
لحديث أُمّ هَانِئ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْه) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أن أكثرها [١٢] ركعة.
لحديث أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ صَلَّى اَلضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اَللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي اَلْجَنَّةِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّ أَكْثَرَ صَلَاةِ الضُّحَى ثَمَانٍ.
لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفُّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
ويَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ - وَأَحْمَدُ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - أَنَّ أَكْثَرَ صَلَاةِ الضُّحَى اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً.
لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ). انتهى.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا حد لأكثرها.
وبه قال ابن جرير الطبري.
أ- لحديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: ( … إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين … ) رواه البزار وحسنه الألباني
ولقول عائشة - وقد تقدم - (كان ﷺ يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله).
وهذا القول هو الراجح.
قال السيوطي: لم يرد حديث بانحصار صلاة الضحى في عدد مخصوص، فلا مستند لقول الفقهاء: أن أكثرها ثنتي عشرة ركعة.
стр. 769
وقال الشيخ ابن عثيمين: والصَّحيح: أنه لا حَدَّ لأكثرها؛ لأنَّ عائشة ﵂ قالت (كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله) أخرجه مسلم.
ولم تُقَيِّد، ولو صَلَّى مِن ارتفاع الشَّمس قيدَ رُمْحٍ إلى قبيل الزوَّال أربعين ركعة مثلاً؛ لكان هذا كلّه داخلاً في صلاة الضُّحى.
ويُجاب عن حديث أُمِّ هانئ بجوابين:
الجواب الأول: أن كثيراً من أهل العلم قال: إن هذه الصَّلاة ليست صلاة ضُحى، وإنما هي صلاة فتح، واستحبَّ للقائد إذا فتح بلداً أن يُصَلِّي فيه ثمان ركعات شكراً لله على فتح البلد؛ لأن من نعمة الله عليه أن فتح عليه البلد، وهذه النِّعمة تقتضي الخشوع والذُّل لله والقيام بطاعته، ولهذا لا نعلم أن أحداً فتح بلداً أعظم من مَكَّة، ولا نعلم فاتحاً أعظم من محمَّد ﷺ .
الوجه الثاني: أنَّ الاقتصار على الثَّمان لا يستلزم أنْ لا يزيد عليها؛ لأنَّ هذه قضيةُ عَين، أرأيت لو لم يُصَلِّ إلا ركعتين، هل نقول: لا تزيد على ركعتين؟.
الجواب: لا؛ لأنَّ قضيةَ العين وما وقع مصادفة فإنه لا يُعَدُّ تشريعاً. وهذه قاعدةٌ مفيدةٌ جداً، ولهذا لا يستحبُّ للإنسان إذا دفع مِن (عرفة) وأتى الشِّعبَ الذي حول مزدلفة؛ أنْ ينزلَ فيبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً، كما فَعَلَ الرَّسول ﷺ ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لما دَفَعَ مِن (عَرفة)
في الحَجِّ؛ ووصل إلى الشِّعبِ نَزَلَ فَبَالَ وتوضَّأ وضوءاً خفيفاً لأن هذا وقع مصادفة، فالنبيُّ ﷺ احتاج أن يبولَ فنزل فبال وتوضَّأ؛ لأجل أن يكون فعلُه للمناسك على طهارة.
• لو صلى أكثر من ركعتين، فكيف يصليها؟
يسلم من كل ركعتين، وبهذا قال النووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني.
لحديث أم هانئ (أن رسول الله ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين) رواه أبو داود.
ويستدل أيضاً بحديث (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) على قول من صححها.
стр. 770
(ووقتُها من خروجِ وقت النهي إلى قبيْل الزوال).
أي: وقت صلاة الضحى من خروج وقت النهي: لأن وقت النهي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح.
إلى قبيل الزوال: أي إلى قبيل الزوال بزمن قليل، لأن ما قبيل الزوال وقت نهي.
(وفعلُها في آخر الوقت أفضل).
أي: أن الأفضل في صلاة الضحى أن تفعل في آخر وقتها.
لحديث زيْدِ بْنِ أَرْقَمَ; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (صَلَاةُ اَلْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ اَلْفِصَالُ) رواه مسلم.
والفصال هي أولاد الإبل، ومعنى ترمض تشتد عليها الرمضاء وهي حرارة الشمس.
قال النووي: قوله (تَرْمَضُ اَلْفِصَالُ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَالْمِيم يُقَال: رَمِضَ يَرْمَض كَعَلِمَ يَعْلَم، وَالرَّمْضَاء: الرَّمَل الَّذِي اِشْتَدَّتْ حَرَارَته بِالشَّمْسِ، أَيْ حِين يَحْتَرِق أَخْفَاف الْفِصَال وَهِيَ الصِّغَار مِنْ أَوْلَاد الْإِبِل - جَمْع فَصِيل - مِنْ شِدَّة حَرّ الرَّمَل. وَالْأَوَّاب: الْمُطِيع، وَقِيلَ: الرَّاجِع إِلَى الطَّاعَة. وَفِيهِ: فَضِيلَة الصَّلَاة هَذَا الْوَقْت. قَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ أَفْضَل وَقْت صَلَاة الضُّحَى، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوز مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى الزَّوَال. (شرح مسلم).
فوائد:
فائدة ١: روى أحمد وأبو داود عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (قَالَ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَه).
وأخرجه الترمذي من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر ﵄ بلفظ (ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ) وحسنه الذهبي في "السير".
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الصلاة:
فذهب بعضهم إلى أن المراد بها صلاة الضحى.
منهم: أبوداود، والترمذي، والعراقي، وابن رجب الحنبلي، وغيرهم.
وذهب البعض الآخر إلى أن المراد بها صلاة الصبح وسنتها.
ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها. (زاد المعاد).
فائدة ٢: قال الشيخ ابن عثيمين: … القسم الثاني: لا يصح تداخل العبادات فيه، وذلك فيما إذا كانت العبادتان مقصودتين، فهنا لا يمكن أن تُدخَل نيتان في فعل واحد.
مثّل لذلك الشيخ ابن عثيمين فقال: إنسان فاتته سنة الفجر حتى طلعت الشمس، وجاء وقت صلاة الضحى، فهنا لا تجزئ سنة الفجر عن صلاة الضحى، ولا الضحى عن سنة الفجر، ولا الجمع بينهما أيضاً؛ لأن سنة الفجر مستقلة وسنة الضحى مستقلة، فلا تجزئ إحداهما عن الأخرى.
стр. 771
وهكذا أيضاً سنة الطواف مع سنة الفجر، مثلا: لو انتهى الإنسان من طوافه بعد أذان الفجر وقبل الإقامة، فنوى بالركعتين سنة الطواف
وراتبة الفجر فإنها لا تغني إحداهما عن الأخرى؛ لأن سنة الطواف سنة مقصودة بذاتها، وسنة الفجر سنة مقصودة بذاتها. … (لقاءات الباب المفتوح).
وقال في موضع آخر: وبعض السنن يكون المقصود منها تحصيل الصلاة فقط، فمثلاً: سنة الوضوء المقصود بها أن تصلي ركعتين بعد الوضوء؛ سواء سنة الوضوء أو ركعتي الضحى أو راتبة الظهر أو راتبة الفجر أو السنة التي تكون بين الأذان والإقامة؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وكذلك تحية المسجد يجوز إذا دخلتَ المسجد أن تصلي بنية الراتبة وتغني عن تحية المسجد.
فائدة ٣: وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن صلاة الإشراق وصلاة الضحى فأجاب: سنة الإشراق هي سنة الضحى، لكن إن أديتها مبكراً من حين أشرقت الشمس وارتفعت قيد رمح فهي صلاة الإشراق، وإن كان في آخر الوقت أو في وسط الوقت فإنها صلاة الضحى، لكنها هي صلاة الضحى؛ لأن أهل العلم ﵏ يقولون: إن وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال. … (لقاء الباب المفتوح).
فائدة ٤: قال النووي: وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ فِي الضُّحَى: هِيَ بِدْعَة. فَمَحْمُول عَلَى أَنَّ صَلَاتهَا فِي الْمَسْجِد وَالتَّظَاهُر بِهَا، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدْعَة لَا أَنَّ أَصْلهَا فِي الْبُيُوت وَنَحْوهَا مَذْمُوم، أَوْ يُقَال: قَوْله: بِدْعَة. أَيْ الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُوَاظِب عَلَيْهَا خَشْيَة أَنْ تُفْرَض، وَهَذَا فِي حَقّه ﷺ . وَقَدْ ثَبَتَ اِسْتِحْبَاب الْمُحَافَظَة فِي حَقّنَا بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاء وَأَبِي ذَرّ، أَوْ يُقَال: إِنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَبْلُغهُ فِعْل النَّبِيّ ﷺ الضُّحَى وَأَمْره بِهَا. وَكَيْف كَانَ فَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب الضُّحَى، وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّوَقُّف فِيهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر، وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
стр. 772
(وتسن تحية المسجد).
أي: يسن لداخل المسجد ألا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية للمسجد.
وقد تقدمت مباحثها.
(وسُنة الوضوء).
أي: ويسن أن يصلي عقب الوضوء، في أي وقت من ليل أو نهار.
أ- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. عن رسول الله ﷺ قال (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة) رواه مسلم.
ب- وعن عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قال ﷺ (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه) متفق عليه.
قال ابن حجر: فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء.
• والمشروع أن تؤدى عقب الوضوء مباشرة
قال النووي: يستحب ركعتان عقب الوضوء للأحاديث الصحيحة فيها. … (المجموع).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ وَلَوْ كَانَ وَقْتَ النَّهْيِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّة.
• وتجزئ هذه الصلاة عن تحية المسجد لمن دخل المسجد، لأنها يتحقق بها المقصود، وكذا يجوز أداؤها في أوقات النهي كغيرها من ذوات الأسباب.
فائدة: ومن الصلوات المسنونة: صلاة ركعتين عند الرجوع من السفر.
وقد ثبتت هذه السنة من قول النبي ﷺ وفعله.
عن كعب بن مالك. قال (كَانَ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاس) متفق عليه.
стр. 773
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَى ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: الآنَ حِينَ قَدِمْتَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ فَدَخَلْتُ
فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْت) متفق عليه.
وقد بوب النووي في شرحه لصحيح مسلم لذلك فقال: باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه .. ثم ساق حديث كعب بن مالك في الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه.
ثم قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب رَكْعَتَيْنِ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَره فِي الْمَسْجِد أَوَّل قُدُومه، وَهَذِهِ الصَّلَاة مَقْصُودَة لِلْقُدُومِ مِنْ السَّفَر، لَا أَنَّهَا تَحِيَّة الْمَسْجِد، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة صَرِيحَة فِيمَا ذَكَرْته.
ومثل ذلك فعل أبو داود ﵀ في سننه فقال: باب في الصلاة عند القدوم من السفر. ثم ذكر حديث كعب المذكور في صحيح مسلم.
قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود بعد أن ذكر هذا الحديث وحديثاً آخر في معناه: وفي الحديثين دلالة على أن المسافر إذا قدم من السفر فالمسنون له أن يبتدئ بالمسجد ويصلي ركعتين. انتهى.
وقال ابن القيم في صدد ذكره الحكم والفوائد التي اشتملت عليها قصة الثلاثة الذين خلفوا: ومنها أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمسلمين عليه ثم ينصرف إلى أهله.
وقال الشيخ ابن عثيمين: وهذه السنة قد غفل عنها كثير من الناس إما جهلاً بذلك وإما تهاوناً ولكن ينبغي للإنسان أن يحيي هذه السنة وإذا وصل إلى البلد فليكن أول ما يبدأ به أن يدخل إلى المسجد ويصلي ركعتين ثم بعد ذلك يذهب إلى أهله والله الموفق.
стр. 774
• إذا دخل المسافر بلده والناس يصلون فدخل معهم في الصلاة أجزأته الفريضة عن ركعتي القدوم لدخولها في الفريضة كتحية المسجد مع الراتبة أو الفريضة فيحدث التداخل سواء مع الفريضة أو النافلة، وينبغي للإنسان ألا يغفل عن النية في باب التداخل.
(ويسن سجود التلاوة).
أي: أن سجود التلاوة عند وجود سببه سنة.
• وسجود التلاوة سجدة واحدة يسجدها المسلم إذا قرأ آية من آيات السجدة، وهي معروفة في المصحف.
وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ يَحْصُلُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَة. (الموسوعة الفقهية).
أ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) رواه البخاري.
ب- وعن ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ) متفق عليه.
قال النووي: فيه إثبات سجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى وجوبه.
وهذا مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون) فذمهم الله على ترك السجود.
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مرّ ابن آدم بالسجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم.
فقوله (أمر ابن آدم) والأمر للوجوب.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه غير واجب.
أ- لحديث زَيْد بْنِ ثَابِت قَالَ (قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) متفق عليه.
ولو كان واجباً لأمره النبي ﷺ به.
ب- ولحديث رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ (أن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ
أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁ رواه البخاري.
стр. 775
وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ.
ووجه الدلالة منه من وجهين:
الأول: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه).
والثاني: أن هذا كان بحضرة الجمع الكثير من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه أحد.
قال الحافظ ابن حجر: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) قال: ظاهرة في عدم الوجوب.
قوله (ولم يسجد عمر) قال الحافظ: فيه توكيد لبيان جواز ترك السجود بغير ضرورة.
وقال النووي: وهذا الفعل والقول من عمر ﵁ في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب.
وقال الشوكاني: تصريحه - يعني عمر - بعدم الفرضية، وبعدم الإثم على التارك، في مثل هذا الجمع من دون صدور إنكار يدل على إجماع الصحابة على ذلك.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما الجواب عن الآية (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون).
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ، وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ.
وقال البهوتي: وَإِنَّمَا ذُمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) تَكْذِيبًا وَاسْتِكْبَارًا كَإِبْلِيسَ وَالْكُفَّارِ وَلِهَذَا قَالَ (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
• لمَ لمْ يسجد النبي ﷺ كما في حديث زيد بن ثابت؟
قيل: تركه لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي.
وقيل: يحتمل أنه ترك السجود فيها لأن زيداً هو القارئ ولم يسجد، ولو سجد لسجد النبي ﷺ .
وقد ذكر هذا الجواب أبو داود والترمذي، وذكره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية.
следующие страницы →