Полный текст (3 390 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وهكذا أيضاً سنة الطواف مع سنة الفجر، مثلا: لو انتهى الإنسان من طوافه بعد أذان الفجر وقبل الإقامة، فنوى بالركعتين سنة الطواف
وراتبة الفجر فإنها لا تغني إحداهما عن الأخرى؛ لأن سنة الطواف سنة مقصودة بذاتها، وسنة الفجر سنة مقصودة بذاتها. … (لقاءات الباب المفتوح).
وقال في موضع آخر: وبعض السنن يكون المقصود منها تحصيل الصلاة فقط، فمثلاً: سنة الوضوء المقصود بها أن تصلي ركعتين بعد الوضوء؛ سواء سنة الوضوء أو ركعتي الضحى أو راتبة الظهر أو راتبة الفجر أو السنة التي تكون بين الأذان والإقامة؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وكذلك تحية المسجد يجوز إذا دخلتَ المسجد أن تصلي بنية الراتبة وتغني عن تحية المسجد.
فائدة ٣: وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن صلاة الإشراق وصلاة الضحى فأجاب: سنة الإشراق هي سنة الضحى، لكن إن أديتها مبكراً من حين أشرقت الشمس وارتفعت قيد رمح فهي صلاة الإشراق، وإن كان في آخر الوقت أو في وسط الوقت فإنها صلاة الضحى، لكنها هي صلاة الضحى؛ لأن أهل العلم ﵏ يقولون: إن وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال. … (لقاء الباب المفتوح).
فائدة ٤: قال النووي: وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ فِي الضُّحَى: هِيَ بِدْعَة. فَمَحْمُول عَلَى أَنَّ صَلَاتهَا فِي الْمَسْجِد وَالتَّظَاهُر بِهَا، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدْعَة لَا أَنَّ أَصْلهَا فِي الْبُيُوت وَنَحْوهَا مَذْمُوم، أَوْ يُقَال: قَوْله: بِدْعَة. أَيْ الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُوَاظِب عَلَيْهَا خَشْيَة أَنْ تُفْرَض، وَهَذَا فِي حَقّه ﷺ . وَقَدْ ثَبَتَ اِسْتِحْبَاب الْمُحَافَظَة فِي حَقّنَا بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاء وَأَبِي ذَرّ، أَوْ يُقَال: إِنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَبْلُغهُ فِعْل النَّبِيّ ﷺ الضُّحَى وَأَمْره بِهَا. وَكَيْف كَانَ فَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب الضُّحَى، وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّوَقُّف فِيهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر، وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
стр. 772
(وتسن تحية المسجد).
أي: يسن لداخل المسجد ألا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية للمسجد.
وقد تقدمت مباحثها.
(وسُنة الوضوء).
أي: ويسن أن يصلي عقب الوضوء، في أي وقت من ليل أو نهار.
أ- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. عن رسول الله ﷺ قال (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة) رواه مسلم.
ب- وعن عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قال ﷺ (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه) متفق عليه.
قال ابن حجر: فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء.
• والمشروع أن تؤدى عقب الوضوء مباشرة
قال النووي: يستحب ركعتان عقب الوضوء للأحاديث الصحيحة فيها. … (المجموع).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ وَلَوْ كَانَ وَقْتَ النَّهْيِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّة.
• وتجزئ هذه الصلاة عن تحية المسجد لمن دخل المسجد، لأنها يتحقق بها المقصود، وكذا يجوز أداؤها في أوقات النهي كغيرها من ذوات الأسباب.
فائدة: ومن الصلوات المسنونة: صلاة ركعتين عند الرجوع من السفر.
وقد ثبتت هذه السنة من قول النبي ﷺ وفعله.
عن كعب بن مالك. قال (كَانَ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاس) متفق عليه.
стр. 773
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَى ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: الآنَ حِينَ قَدِمْتَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ فَدَخَلْتُ
فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْت) متفق عليه.
وقد بوب النووي في شرحه لصحيح مسلم لذلك فقال: باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه .. ثم ساق حديث كعب بن مالك في الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه.
ثم قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب رَكْعَتَيْنِ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَره فِي الْمَسْجِد أَوَّل قُدُومه، وَهَذِهِ الصَّلَاة مَقْصُودَة لِلْقُدُومِ مِنْ السَّفَر، لَا أَنَّهَا تَحِيَّة الْمَسْجِد، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة صَرِيحَة فِيمَا ذَكَرْته.
ومثل ذلك فعل أبو داود ﵀ في سننه فقال: باب في الصلاة عند القدوم من السفر. ثم ذكر حديث كعب المذكور في صحيح مسلم.
قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود بعد أن ذكر هذا الحديث وحديثاً آخر في معناه: وفي الحديثين دلالة على أن المسافر إذا قدم من السفر فالمسنون له أن يبتدئ بالمسجد ويصلي ركعتين. انتهى.
وقال ابن القيم في صدد ذكره الحكم والفوائد التي اشتملت عليها قصة الثلاثة الذين خلفوا: ومنها أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمسلمين عليه ثم ينصرف إلى أهله.
وقال الشيخ ابن عثيمين: وهذه السنة قد غفل عنها كثير من الناس إما جهلاً بذلك وإما تهاوناً ولكن ينبغي للإنسان أن يحيي هذه السنة وإذا وصل إلى البلد فليكن أول ما يبدأ به أن يدخل إلى المسجد ويصلي ركعتين ثم بعد ذلك يذهب إلى أهله والله الموفق.
стр. 774
• إذا دخل المسافر بلده والناس يصلون فدخل معهم في الصلاة أجزأته الفريضة عن ركعتي القدوم لدخولها في الفريضة كتحية المسجد مع الراتبة أو الفريضة فيحدث التداخل سواء مع الفريضة أو النافلة، وينبغي للإنسان ألا يغفل عن النية في باب التداخل.
(ويسن سجود التلاوة).
أي: أن سجود التلاوة عند وجود سببه سنة.
• وسجود التلاوة سجدة واحدة يسجدها المسلم إذا قرأ آية من آيات السجدة، وهي معروفة في المصحف.
وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ يَحْصُلُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَة. (الموسوعة الفقهية).
أ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) رواه البخاري.
ب- وعن ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ) متفق عليه.
قال النووي: فيه إثبات سجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى وجوبه.
وهذا مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون) فذمهم الله على ترك السجود.
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مرّ ابن آدم بالسجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم.
فقوله (أمر ابن آدم) والأمر للوجوب.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه غير واجب.
أ- لحديث زَيْد بْنِ ثَابِت قَالَ (قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) متفق عليه.
ولو كان واجباً لأمره النبي ﷺ به.
ب- ولحديث رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ (أن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ
أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁ رواه البخاري.
стр. 775
وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ.
ووجه الدلالة منه من وجهين:
الأول: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه).
والثاني: أن هذا كان بحضرة الجمع الكثير من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه أحد.
قال الحافظ ابن حجر: قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) قال: ظاهرة في عدم الوجوب.
قوله (ولم يسجد عمر) قال الحافظ: فيه توكيد لبيان جواز ترك السجود بغير ضرورة.
وقال النووي: وهذا الفعل والقول من عمر ﵁ في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب.
وقال الشوكاني: تصريحه - يعني عمر - بعدم الفرضية، وبعدم الإثم على التارك، في مثل هذا الجمع من دون صدور إنكار يدل على إجماع الصحابة على ذلك.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما الجواب عن الآية (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُون).
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ، وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ.
وقال البهوتي: وَإِنَّمَا ذُمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) تَكْذِيبًا وَاسْتِكْبَارًا كَإِبْلِيسَ وَالْكُفَّارِ وَلِهَذَا قَالَ (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
• لمَ لمْ يسجد النبي ﷺ كما في حديث زيد بن ثابت؟
قيل: تركه لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي.
وقيل: يحتمل أنه ترك السجود فيها لأن زيداً هو القارئ ولم يسجد، ولو سجد لسجد النبي ﷺ .
وقد ذكر هذا الجواب أبو داود والترمذي، وذكره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 776
(وهو صلاة).
أي: حكمه حكم الصلاة، فتشترط له الطهارة واستقبال القبلة.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلسُّجُودِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ بِرَأْسِهَا.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ. … (المغني).
وقال القرطبي: ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قبلة، ووقت. إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة. وذكره ابن المنذر عن الشعبي.
أ-لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، قالوا: فيدخل في عمومه السجود.
ب- القياس على سجود السهو بعد السلام، فكما اشترطت الطهارة له، فكذلك تشترط الطهارة لسجود التلاوة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط له ما يشترط للصلاة.
وهذا اختيار بعض المحققين، كابن جرير، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني.
أ-لحديث ابن عباس السابق (أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس).
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: سجود المشركين، وهم على ما هم عليه من الحدث، وأُقرُّوا على ذلك، وسمى الصحابة فعلهم هذا سجوداً.
والثاني: أنه يبعد أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء، لأنهم لم يتأهبوا لذلك، فيكون سجودهم مع إقرار النبي ﷺ لهم على ذلك دليلاً على عدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة.
قال الشوكاني: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحداً منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعاً متوضئين. وأيضاً قد كان يسجد معه المشركون كما تقدم، وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم.
ب- ما جاء عن ابن عمر (أنه كان يسجد للتلاوة على غير وضوء) رواه ابن أبي شيبة والبخاري تعليقاً.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 777
• هل إذا مر بآية سجدة وتجاوزها ونسي أن يسجد؟ هل يرجع ويسجد أم لا؟
إن ذكر مع قرب الفصل سجد، وإن تجاوزها وطال الفصل فإنه لا يسجد، لأن القاعدة عند أهل العلم: أن السنة إذا فات محلها فإنها تسقط، لأنها عُلّقت بسبب فزال. (الشيخ ابن عثيمين).
(ويُسن لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِع دون السامع).
أي: أن سجود التلاوة سنة في حق القارئ والمستمع.
القارئ: هو من يقرأ القرآن.
والمستمع: هو الذي ينصت للقراءة.
دليل القارئ:
أن النبي ﷺ كان يسجد إذا مرّ بآية سجدة.
ودليل المستمع:
لأن الصحابة كانوا يسجدون مع رسول الله ﷺ .
كما في حديث ابن عمر السابق (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِه).
دون السامع:
وهذا قول المالكية، والحنابلة.
وهو الذي يسمع الشيء دون أن ينصت إليه.
قال ابن قدامة: وَيُسَنُّ السُّجُودُ لِلتَّالِي وَالْمُسْتَمِعِ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
فَأَمَّا السَّامِعُ غَيْرُ الْقَاصِدِ لِلسَّمَاعِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
أ- عن عثمان: إنما السجدة على من استمعها. رواه البخاري تعليقاً.
ب- وعن ابن عباس قال: إنما السجدة على من جلس لها. رواه ابن أبي شيبة.
ج- وَلِأَنَّ السَّامِعَ لَا يُشَارِكُ التَّالِيَ فِي الْأَجْرِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي السُّجُودِ كَغَيْرِه. (كشاف القناع).
стр. 778
(وإنْ لم يسجدْ القارئ لم يسجد).
أي: وإن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع.
لأن زيد بن ثابت - كما تقدم - قرأ على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد فيها.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يسن له السجود ولو لم يسجد القارئ.
قال النووي: … وسواء سجد القارئ أم لم يسجد يسن للمستمع أن يسجد، هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور.
فائدة: وللمستمع الرفع من السجود قبل القارئ في غير الصلاة.
قال في الإنصاف: وهو الصواب.
(وهو أربع عشرةَ سجدة).
أي: أن آيات السجود التي في القرآن أربع عشرة سجدة.
اختلف العلماء في عدد السجدات:
مذهب الحنابلة: ١٥ سجدة.
مذهب الشافعية: ١٤ سجدة، لم يحسبوا سجدة (ص).
مذهب مالك: ١١ سجدة، أسقطوا سجدات المفصل.
مذهب أبو حنيفة: ١٤ سجدة، أسقطوا السجدة الثانية من الحج.
стр. 779
فائدة: اتفق العلماء على مشروعية السجود في عشرة مواضع، وهي متوالية، إلا ثانية الحج و (ص).
ويدل على السجود في المفصل:
أ- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي: (إِذَا اَلسَّمَاءُ اِنْشَقَّتْ) و: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ب- سجود النبي ﷺ بالنجم كما تقدم في حديث زيد بن ثابت.
وذهب مالك: إلى أنه لا سجود في المفصل.
لحديث ابن عباس (أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة) رواه أبو داود.
والجواب عن هذا الحديث من وجهين:
أولاً: أنه حديث ضعيف لمخالف للأحاديث الصحيحة.
ولذلك ضعفه البيهقي، وعبد الحق، والنووي، وابن حجر، وغيرهم.
ثانياً: على فرض ثبوته، فإن حديث أبي هريرة مقدم عليه، لأنه مثبت، وحديث ابن عباس نافٍ، والمثبت مقدم على النافي.
قال ابن قدامة: وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ.
ثُمَّ إنَّ تَرْكَ السُّجُودِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالسُّجُودَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَبُو دَاوُد إسْنَادُهُ وَاهٍ.
ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ غَيْرِ الْمُفَصَّلِ إحْدَى عَشْرَةَ فَيَكُونَ مَعَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
• اتفق العلماء على أن السجدة الأولى في الحج من مواضع السجود، كما نقله النووي، وابن حجر.
واختلفوا في السجدة الثانية.
فذهب الحنفية إلى أنها لا يسجد بها.
قالوا: إن آخر الحج، السجود فيها سجود الصلاة، لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى، فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع.
والصحيح أنه يسجد فيها.
стр. 780
لورود الأحاديث في ذلك، لكنها لا تصح.
أ- كحديث عُقْبَة بْن عَامِر (قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهُمَا) رواه أبو داود. (ضعيف).
ب- وحديث عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ
سَجْدَتَان) رواه أبو داود. … (ضعيف).
إلا أن عمل الصحابة على السجود فيها قد يستأنس به على مشروعيتها، ولا سيما لا يعرف لهم مخالف.
قال النووي: فممن أثبتها: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
قال ابن المنذر: قال أبو إسحاق -يعني السبيعي التابعي الكبير- أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين.
ذهب الشافعية: إلى أنه لا يسجد في سجدة (ص).
لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: سجد هنا داود توبة، ونحن نسجدها شكراً) رواه النسائي.
والصحيح أنها موضع سجود.
أ- لحديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ قرأ (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكن قد رأيتكم تشزنتم، فنزل وسجد وسجدوا) رواه أبو داود. … (التشزن): التأهب والتهيؤ.
فسجوده ﷺ في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة.
стр. 781
ب- ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ اَلسُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
قوله (ليست من عزائم السجود) أي: ليست من السجدات المؤكدات التي ورد في السجود فيها أمر أو تحضيض أو حث كغيرها من سجدات القرآن، وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود ﵇ أنه سجدها، وسجدها نبينا ﷺ اقتداء به.
(ويكبر إذا سجد وإذا رفع).
هذا بيان لصفة سجود التلاوة، وأنه يكبر إذا سجد، ويكبر إذا رفع.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة وهي: حكم التكبير لسجود التلاوة خارج الصلاة والرفع منه؟ على أقوال:
القول الأول: يسن التكبير في الهوي والرفع منه.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ-لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا اَلْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (ضعيف).
(فإذا مر بالسجدة كبّر) فإن فيه التكبير للهوي.
ب-ولأنه سجود منفرد، فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه، كسجود السهو بعد السلام.
ج-وقياساً على سجدات الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع.
القول الثاني: يكبر في الخفض دون الرفع.
وذهب إليه جماعة من العلماء ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
لحديث ابن عمر السابق (فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ).
القول الثالث: لا يشرع التكبير مطلقاً.
لعدم الدليل على إثبات التكبير لسجود التلاوة خارج الصلاة، والسنن لا تثبت إلا بدليل صحيح.
وهذا اختيار ابن تيمية.
وهذا هو الصحيح.
стр. 782
• أما السجود إذا كان داخل الصلاة، فإنه يكبر لها إذا سجد، لأنه له حكم سجود الصلاة، وقد جاء في صفة صلاة النبي ﷺ أنه كان يكبر كلما خفض ورفع.
• ما رأيك فيما يفعله بعض الناس داخل الصلاة من أنه يكبر إذا سجد ولا يكبر إذا رفع؟
هذا وهْم منه، وليس الفعل مبنياً على أصل صحيح. (الشيخ ابن عثيمين).
(ويجلس ويسلم).
أي: إذا فرغ من سجود التلاوة سلم له.
والراجح أنه لا يسن التسليم له لعدم ثبوت ذلك.
(ويقول فيه كما في سجود الصلاة).
أي: أنه يقول في سجود التلاوة كما يقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى.
وقد جاءت أدعية أخرى اختلف العلماء في صحتها:
منها: جاء في حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) رواه أبو داود.
ومنها: ما جاء عن ابن عباس قال: (كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل، فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزراً، واكتب لي بها أجراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة). رواه الترمذي
стр. 783
(ويكرهُ للإمام قراءةُ سجدةٍ في صلاة سرٍ وسجوده فيها).
وهذا مذهب الحنابلة.
لأن في ذلك إيهاماً للمأمومين. … (المغني).
ولِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْجُدَ لَهَا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا كَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ سَجَدَ لَهَا أَوْجَبَ الْإِبْهَامَ وَالتَّخْلِيطَ عَلَى الْمَأْمُومِ فَكَانَ تَرْكُ السَّبَبِ الْمُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَوْلى. … (كشاف القناع).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز.
وهذا مذهب الشافعية.
لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأيت أنه قرأ: تنزيل السجدة). رواه أبو داود وهو ضعيف
• أما في الصلاة الجهرية فهو مشروع.
أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ (الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةَ، وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ). متفق عليه
ب- وعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ قَالَ سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) متفق عليه.
(ويستحب سجود الشكر).
أي: سجود الشكر عند وجود سببه مستحب.
أ- لحديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِداً لِلَّهِ) رَوَاه أبو داود.
ب- وعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: (سَجَدَ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَأَطَالَ اَلسُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ آتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْراً) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
ج- وَعَنْ اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى اَلْيَمَنِ - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ.
د-ونقل فعله عن كثير من السلف:
فقد روي عن أبي بكر أنه سجد لما جاءه خبر فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب. رواه عبد الرزاق
стр. 784
وروي أن أمير المؤمنين عمر، سجد لما جاءه خبر بعض الفتوحات في عهده.
وسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين وجد ذا الثدية مع قتلى الخوارج بعد وقعت النهروان بينه وبينهم، لأنه عرف أنه على الحق، لأن النبي ﷺ أخبر عن الخوارج أنهم شرّ الناس، وأن سيماهم أن منهم رجلاً ليس له ذراع، وعلى رأس عضده مثل ملحة الثدي.
• وثبت أن كعب بن مالك سجد لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى كراهته.
لحديث أنس قال (بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي … فمطرنا … ).
قالوا: إنه ﷺ لم يسجد لتجدد نعمة المطر أولاً، ولا لدفع نقمته آخراً.
والراجح أنه مستحب وهو قول الجمهور.
والجواب عن دليل من قال بالكراهة: أن ترك السجود في بعض المواضع، لا يدل على أن سجود الشكر غير مستحب.
(عند تجدد النعَم، واندفاع النقَم).
أي: أن سجود الشكر يشرع عند تجدد النعم، واندفاع النقم.
وقد ذكر كثير من العلماء: أنه لا يستحب السجود للنعم المستمرة، كنعمة الإسلام، ونعمة العافية، ونعمة الحياة، ونعمة الغنى عن الناس.
لأن نعم الله دائمة لا تنقطع، فلو سجد لذلك لاستغرق عمره في السجود.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٣/ ٥٦٤): قال الشافعي والأصحاب: سجود الشكر سنة عند تجدد نعمة ظاهرة واندفاع نقمة ظاهرة، سواء خصته النعمة والنقمة أو عمت المسلمين. قال أصحابنا: وكذا إذا رأى مبتلى ببلية في بدنه أو بغيرها أو بمعصية يستحب أن يسجد شكرا لله تعالى، ولا يشرع السجود لاستمرار النعم; لأنها لا تنقطع " انتهى.
وقال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٩٦): فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر; شكرا لله عليها، وخضوعا له وذلا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها; فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين; فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين.
• اختلف العلماء: هل يشترط لسجود الشكر الطهارة أم لا على قولين؟
القول الأول: لا يشترط له الطهارة.
وهذا قول ابن جرير، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني.
أ-لعدم الدليل.
ب-أن ظاهر حديث أبي بكرة وغيره من الأحاديث التي روي فيها أن النبي ﷺ سجد فيها سجود الشكر، تدل على أنه ﷺ لم يكن يتطهر لهذا السجود.
قال ابن القيم: وكانوا يسجدون عقبه، ولم يؤمروا بوضوء، ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء، ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها.
ج-لو كانت الطهارة وغيرها من شروط الصلاة واجبة لبينها النبي ﷺ لأمته.
د-أن سجود الشكر يأتي فجأة، وقد يكون من يريد السجود على غير طهارة، وفي تأخير السجود بعد وجود سببه حتى يتوضأ، زوال لسرّ المعنى الذي شرع السجود لأجله.
стр. 785
القول الثاني: يشترط له الطهارة.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قالوا: أن السجود المجرد صلاة، لأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله، فشرط له الوضوء.
والراجح الأول.
• ليس لسجود الشكر تكبير لا في أوله ولا في آخره، لعد ثبوت ذلك عن النبي ﷺ أو أحد من أصحابه.
• ماذا يقال في سجود الشكر؟
ليس له ذكر معين، بل يستحب أن يأتي بذكر يناسب المقام.
قال الشوكاني: ينبغي أن يستكثر من شكر الله ، لأن السجود سجود شكر.
• لا يجوز السجود للشكر في الصلاة.
لأن سبب السجود في هذه الحالة ليس من الصلاة، وليس له تعلق بها، بخلاف سجود التلاوة.
• لا يوجد هناك صلاة تسمى صلاة شكر.
قال الشيخ ابن باز ﵀: لا أعلم أنه ورد شيء في صلاة الشكر، وإنما الوارد في سجود الشكر.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا أعلم في السنة صلاة تسمى: صلاة الشكر، ولكن فيها سجوداً يسمى: سجود الشكر.
стр. 786
(وَأَوْقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وِمِنْ طُلُوعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْح، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَمِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا، وَإِذَا شَرَعَتْ فِيهِ حَتَّى يَتِم).
هذه أوقات النهي التي لا يجوز أن يتطوع الإنسان فيها بالصلاة.
وهي ثلاثة بالاختصار وخمسة بالبسط وهي:
أولاً: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها إلى ارتفاعها.
الثاني: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، ومن غروبها إلى أن يتم.
الثالث: إذا قامت الشمس في وسط السماء.
وقد دلت الأحاديث الآتية عليها.
وحديث عقبة - الآتي إن شاء الله - دل على الأوقات القصيرة (من طلوع الشمس إلى ارتفاعها. ومن غروب الشمس إلى أن يتم. وإذا قامت الشمس في وسط السماء).
أ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا صَلَاةَ بَعْدَ اَلصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ اَلْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ اَلشَّمْسُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُ مُسْلِم (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس).
ب- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْس) متفق عليه.
ج-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس) متفق عليه.
د- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَان) متفق عليه
هـ- وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر (ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ اَلشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ اَلظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ اَلشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ اَلشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ) رواه مسلم.
стр. 787
(وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ اَلظَّهِيرَةِ) المراد به: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته: وقفت، والشمس إذا بلغت وسْط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة، وهذا الوقت قصير جداً
ففي هذه الأحاديث النهي عن صلاة التطوع في هذه الأوقات، وهذا قول جماهير العلماء.
وقال بعض العلماء بالجواز.
قال الحافظ: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم. قالوا: أن أحاديث النهي منسوخة.
والراجح قول الجمهور.
• قوله (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ … ) فيه أن وقت النهي بالنسبة للعصر متعلق بفعل الصلاة، لا بدخول الوقت.
قال ابن قدامة: وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ.
وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وأما الفجر فقد اختلف العلماء:
القول الأول: أن النهي يبدأ بطلوع الفجر.
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
لحديثَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا صَلَاةَ بَعْدَ اَلْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اَلرَّزَّاقِ (لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْ اَلْفَجْرِ).
стр. 788
القول الثاني: أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لقوله في الحديث السابق في صحيح مسلم (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس) حيث فيه تعليق الحكم بنفس الصلاة.
ب-وعن عمر بن عبَسَةَ السلمي أنه قال: (قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصلّ ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح).
فهذا نص في أنه يصلي في آخر الليل إلى أن يصلي الفجر.
وهذا القول هو الصحيح لكن بين الأذان والإقامة لا يشرع سوى ركعتي الفجر.
• قال الشيخ ابن عثيمين: ولكن القول الصحيح: أن النهي يتعلَّقُ بصلاةِ الفجرِ نفسِهَا، وأما ما بين الأذان والإقامة، فليس وقت، لكن لا يُشرع فيه سوى ركعتي الفجر … فإذا كان هذا هو القول الصَّحيح؛ فما الجواب عن الحديث الذي استدلَّ به المؤلف؟
الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ الحديث ضعيف.
الثاني: على تقدير أنَّ الحديث صحيحٌ؛ يُحمل قولُه: " لا صلاةَ بعدَ طُلوع الفجرِ " على نفي المشروعية، أي: لا يُشرع للإنسانِ أنْ يتطوَّعَ بنافلةٍ بعد طُلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهذا حقٌّ؛ فإنه لا ينبغي للإنسان بعد طُلوعِ الفجر أنْ يتطوَّع بغير ركعتي الفجر، فلو دخلت المسجدَ وصلَّيتَ ركعتي الفجر، ولم يَحِنْ وقتُ الصَّلاة وقلتَ: سأتطوَّعُ؟ قلنا لك: لا تفعل؛ لأنَّ هذا غيرُ مشروع، لكن لو فعلتَ لم تأثم، وإنما قلنا: غيرُ مشروع؛ لأنَّ الرسول ﷺ إنما كان يُصلِّي ركعتين خفيفتين بعد طُلوعِ الفجرِ. وهي سُنَّةُ الفجرِ فقط، يعني: بل حتى تطويل الرَّكعتين ليس بمشروع. (الشرح الممتع).
стр. 789
• الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:
قال ابن القيم: … وكان من حكمة ذلك أنها وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سداً للذريعة المشاركة الظاهرة.
وقال ابن تيمية: الشيطانُ يقارن الشمس، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار، فالمصلِّي حينئذٍ يتشبه بهم في جِنس الصلاة، فالسُّجُودُ وإنْ لم يكونوا يعبدون معبودَهم، ولا يقصدون مقصودهم، لكن يشبههم في الصُّورة، فنهَى عن الصلاة في هذين الوقتين سدًّا للذريعة؛ حتى ينقطِع التشبُّهُ بالكفَّار، ولا يتشبه بهم المسلِم في شِرْكهم. (مجموع الفتاوى).
وأما النهي عند قيامها واستوائها في وسط السماء حتى تزول فلأنه وقت تُسجَّر فيه النار كما ثبت عن النبي ﷺ ، فينبغي الإمساك عن
الصلاة في هذه الأوقات.
أ- عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ) رواه مسلم.
ب- وعن عمرو بن عبسة قال: (قلت: يا نبي الله أخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ … ) رواه مسلم.
(حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ) أي: يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلاً إلى المغرب ولا إلى المشرق (تُسجر) أي: يوقد عليها إيقاداً بليغاً.
стр. 790
قوله (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ).
قال النووي: قيل المراد بقرني الشيطان: حزبه وأتباعه، وقيل: غلبة أتباعه وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، وقال: وهذا الأقوى، ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذٍ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر.
• فإن قيل: إذاً ما الحكمة من النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ما دام النهي عن الطلوع والغروب؟
قال ابن تيمية: الأصل في النهي أنَّه عندَ الطلوع والغروب … لكن نُهِي عن الصلاة بعدَ الصلاتين سدًّا للذريعة؛ فإنَّ المتطوع قد يصلِّي بعدهما حتى يُصلِّي وقتَ الطلوع والغروب. … (مجموع الفتاوى).
• اختلف العلماء: هل هناك وقت نهي قبل الزوال يوم الجمعة أم لا على قولين:
القول الأول: أن وقت الزوال وقت نهي إلا يوم الجمعة فتجوز الصلاة فيه.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز.
أ-لحديث أبي قتادة. عن النبي ﷺ (أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة) رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، وفيه انقطاع.
ب-ولحديث أبي هريرة - الذي ذكره المصنف (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) رواه الشافعي، وهو حديث ضعيف لا يصح.
ج-ولحديث سَلْمَان الْفَارِسِي قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)
وجه الدلالة: فقوله (ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ … ) يدل على استمرار الصلاة إلى الزوال.
قال ابن القيم: فَنَدَبَهُ إلَى الصّلَاةِ مَا كُتِبَ لَهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ عَنْهَا إلّا فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السّلَفِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَمْنَعُ الصّلَاةَ وَخُطْبَتُهُ تَمْنَعُ الْكَلَامَ، فَجَعَلُوا الْمَانِعَ مِنْ الصّلَاةِ خُرُوجَ الْإِمَامِ لَا انْتِصَافَ النّهَارِ. (زاد المعاد).
د- وَأَيْضًا: فَإِنّ النّاسَ يَكُونُونَ فِي الْمَسْجِدِ تَحْتَ السّقُوفِ وَلَا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ الزّوَالِ وَالرّجُلُ يَكُونُ مُتَشَاغِلًا بِالصّلَاةِ لَا يَدْرِي بِوَقْتِ الزّوَالِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَتَخَطّى رِقَابَ النّاسِ وَيَنْظُرَ إلَى الشّمْسِ وَيَرْجِعُ وَلَا يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ.
هـ- بعض العلماء استدل بأن الأحاديث الواردة في الباب والتي فيها استثناء يوم الجمعة وإن كان فيها مقال، لكن باجتماعها يقوي بعضها بعضاً كما قال البيهقي ومن بعده الحافظ ابن حجر والشيخ ابن باز.
стр. 791
قال الحافظ ابن حجر في حديث أبي قتادة السابق: وفي إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة، إذا ضمت قوي الخبر.
القول الثاني: أن وقت الزوال وقت نهي مطلقاً يوم الجمعة كغيره.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وعزاه ابن حجر للجمهور.
أ-لحديث عُقْبَة بْن عَامِر السابق قال (ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ اَلشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ اَلظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ اَلشَّمْسُ … ).
ب- وَلحديث عمرو بن عَبَسة قال (قلت يا رسول الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) رواه مسلم.
وجه الدلالة من الحديثين: أن وقت الزوال معدود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، ولم يفرق بين يوم وآخر.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 792
(وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الفَرَائِضِ فِيْهَا).
ذكر هنا ما يستثنى من تحريم الصلاة في أوقات النهي.
أي: ويجوز قضاء الفرائض - لمن فاتته فريضة - في أوقات النهي.
كأن ينسى الإنسان صلاة فريضة ويتذكرها وقت النهي، فإنه يجب أن يصليها.
أ-لقوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) متفق عليه.
ب-ولأن الفرائض من أوجب الواجبات، وهي دين فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به.
قال ابن عبد البر: وقال مالك، والثوري، والشافعي، والأوزاعي - وهو قول عامة العلماء - من أهل الحديث والفقه من نام عن صلاة أو نسيها أو فاتته بوجه من وجوه الفوت ثم ذكرها عند طلوع الشمس واستوائها أو غروبها أو بعد الصبح أو العصر - صلاها أبداً متى ذكرها.
وقال ابن قدامة: وجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَغَيْرِهَا.
رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِر.
أ- لقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ب- وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ (إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (المغني).
• واختلف العلماء: هل تقضى السنن الرواتب في وقت النهي أم لا على أقوال.
والراجح من أقوال العلماء: أنَّ السُّنن الرواتب تقضى في الأوقات المنهي عنها.
وهو مذهب الشَّافعي، ورواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع.
أ- لحديث أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ (مَن نسِي صلاةً فليصلِّها إذا ذكَرَها، لا كفَّارة لها إلاَّ ذلك) وفي رواية (مَن نسِي صلاة، أو نام عنْها فكفَّارتُها أن يصلِّيها إذا ذكَرَها) متفق عليه.
وجه الدّلالة: أنَّ هذا أمر بقضاء الفائتة إذا ذكرت، وهو عامّ يشمل وقت النَّهي، وغيره، ويؤيِّد هذا العموم قضاء النَّبيِّ ﷺ لسنَّة العصْر، وإقراره لِمَن صلَّى بعد الصبح.
ب-ولحديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: (إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَان) متفق عليه.
стр. 793
وجه الدلالة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى سنَّة الظهر بعد العصر، وهو وقت نَهي، وهو نصٌّ صريح في محلِّ النِّزاع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " … وهو قضاء النَّافلة في وقْت النَّهي، مع إمكان قضائها في غير ذلك الوقت.
ج- ولحديث قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ (رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَصَلاةَ الصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، فَصَلَّيْتُهُمَا. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ . رواه ابن ماجه
وجه الدلالة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّ قيسًا على قضائه راتبةَ الصبح في وقت النَّهي، فدلَّ على أنَّ الرَّواتب تقضى في وقت النَّهي.
قال ابن قدامة: وسكوت النبي ﷺ يدل على الجواز.
د-أنَّ ذوات الأسْباب إنَّما دعا إليْها داع، ولم تفعل لأجل الوقت، بخلاف التطوُّع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذٍ فمفسدة النَّهي إنَّما تنشأ ممَّا لا سبب له دون ما له السَّبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر (لا تتحرَّوا بصلاتِكم طلوع الشَّمس ولا غروبها).
هـ-أنَّ النَّهي كان لسدِّ ذريعة الشِّرْك، وذوات الأسباب فيها مصلحة راجحة، والفاعل يفعلها لأجل السَّبب، لا يفعلها مطلقًا فتمتنع المشابهة.
القول الثاني: أنَّ السنن الرَّواتب لا تقضى في الأوقات المنهيِّ عنها.
وهو قول الحنفية، والمالكية، مذهب الحنابلة.
واستدلوا بالأحاديث العامة التي سبقت في النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح.
стр. 794
القول الثالث: التَّفريق بين وقْت النَّهي الَّذي بعد العصر، وبين غيره من أوقات النهي، فتقضى الفائتة بعد العصر، ولا تقضى في غيره من أوقات النَّهي.
وهو اختيار الموفق ابن قدامة من الحنابلة حيث يقول ﵀ بعد كلامه عن قضاء سنَّة الفجر، والخلاف فيها: إذا كان الأمر هكذا كان تأخيرُها إلى وقْت الضحى أحسنَ لنخرج من الخلاف، ولا نخالف عموم الحديث، وإن فعلها فهو جائز؛ لأنَّ الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز … وأمَّا قضاء السنن بعد العصر فالصَّحيح جوازه.
أ-أنَّ قضاء النافلة بعد العصر قد ثبت في الأحاديث كما في حديث أم سلمة ﵂ حيث قضى النَّبيُّ ﷺ سنة الظهر بعد العصر.
ب-أنَّ النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر أخفُّ من غيره من الأوقات الأخرى؛ لما روي في خلافه من الرخصة، ولاختلاف الصَّحابة ﵃ فيه فلا يلحق بغيره.
والراجح القول الأول.
(وفِعْلُ رَكْعَتَي طَوَافٍ).
أي: ومما يجوز فعله في أوقات النهي ركعتي الطواف.
لحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر من ولي الحرم ألا يمنع أحدا من الطواف والصلاة به أية ساعة من ليل أو نهار، فدل ذلك على جواز الطواف والصلاة في جميع الأوقات، ولو كانت أوقات نهي.
وعليه: فلو أن شخصاً طاف بعد الفجر أو بعد العصر، فلا حرج عليه أن يصلي سنة الطواف بعد طوافه.
ب- آثار عن الصحابة أنهم كانوا يطوفون بعد الصبح والعصر، وكانوا يصلون بعد فراغهم من الطواف، فدل ذلك على عدم كراهتها.
стр. 795
قال ابن قدامة: (وَيَرْكَعُ لِلطَّوَافِ) يَعْنِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ.
أ- وَلَنَا، مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ب- وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ.
ج- وَلِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَابِعَةٌ لَهُ، فَإِذَا أُبِيحَ الْمَتْبُوعُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ التَّبَعُ، وَحَدِيثُهُمْ مَخْصُوصٌ بِالْفَوَائِتِ، وَحَدِيثُنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يكره أداؤهما بعد الصبح والعصر، ولا يجوز فعلهما في غيرهما من الأوقات الخمسة وهي (وقت الطلوع، والغروب، وعند قيام قائم الظهيرة)، فإن صلاها لم تنعقد صلاته.
стр. 796
وإلى هذا ذهب: أحمد في رواية، والأحناف في قول.
أ- لحديث عقية - وقد تقدم - (ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب).
وجه الدلالة: أن هذه الأوقات الثلاثة النهي عن الصلاة فيها أشد وآكد، ولذا فإنه ينهى عن الصلاة على الجنائز فيها، بخلاف الوقتين الآخرين، وهما: بعد الصبح وبعد العصر، فدل ذلك على عدم جواز صلاة ركعتي الطواف فيهما.
ب- واستدلوا بأحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس
ووجه استدلالهم منها:
قالوا: إن النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، دليل على كراهية الصلاة فيها، إلا أنه قد دلت الأدلة على جواز أداء غير النوافل المطلقة فيها، كصلاة الجنازة، وقضاء الراتبة، بخلاف الأوقات الثلاثة الأخرى، فدل ذلك على كراهة صلاة ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة، وجوازها في الوقتين الآخرين.
ج-قالوا: يمكن بهذا القول الجمع بين كثير من الآثار المتعارضة عن الصحابة في ذلك، وذلك بأن تحمل الآثار الدالة على الجواز بأن الطواف والصلاة كانا بعد الفجر أو بعد العصر، وتحمل الآثار الدالة على الطواف دون الصلاة أو على الامتناع عنهما، أن ذلك كان وقت الطلوع أو الغروب.
والراجح الجواز مطلقاً.
стр. 797
(وَإِعَادَة جَمَاعَةٍ)
أي: ومما يجوز في وقت النهي إعادة الجماعة.
بحيث إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى، يستحب له أن يصلي معهم ولو كان وقت نهي.
لحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود.
(تَرْعَدُ) أي ترتجف وترتعد. (فَرَائِصُهُمَا) الفرائص جمع فريضة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف. (فِي رِحَالِنَا) الرحل هو المنزل الذي ينزله الإنسان. (فَلَا تَفْعَلَا) أي: لا تفعلا في الجلوس خلف الصفوف، هذا التفسير هو ظاهر الحديث، وقيل: لا تفعلا: أي الصلاة في الرحال.
فالحديث دليل على أن من صلى في جماعة أو منفرداً، ثم دخل مسجد ووجدهم يصلون، فإنه يسن له أن يدخل معهم ويصلي، ويدل لذلك:
ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر حين أخبره عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال له (صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ ولا تقل إني صليت فلا أصلي) رواه مسلم.
والأمر في الحديث للاستحباب.
وذهب بعض العلماء: إلى أن من صلى في بيته وحده ثم دخل المسجد فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة فلا يعيد ورجح هذا القول ابن عبد البر.
والراجح القول الأول، وأنه يعيد سواء صلى وحده أو مع الجماعة عملاً بظاهر النص.
لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فإنه ﷺ ما استفصل.
• فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ : (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أحمد؟
стр. 798
قال الشوكاني: قال في الاستذكار: اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية على أن معنى قوله ﷺ : (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضاً، وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة، اقتداء بالنبي ﷺ في أمره بذلك، فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين، لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذٍ.
• ظاهر قوله: ( … فصليا معه … ) أنه يشمل جميع الصلوات الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لعموم الحديث.
لكن استثنى بعض العلماء صلاة المغرب، وقالوا: لا تعاد.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة.
قالوا: لأن في إعادتها تصير شفعاً، وهي إنما شرعت لتوتر عدد ركعاتها اليوم والليلة.
لكن هذا القول ضعيف.
والصحيح أن المغرب تعاد كغيرها من الصلوات.
وهذا المذهب عند الشافعية.
لعموم حديث الباب، فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة.
وذهب بعض العلماء إلى أن الفجر والعصر لا تعاد.
وهذا مذهب الحنفية.
قالوا: لأن المعادة نافلة، والتنفل لا يجوز بعد الصبح والعصر، إذ هو وقت نهي لا يتنفل فيه، لذا لا تعادان.
وهذا قول ضعيف.
والصحيح الأخذ بعموم الحديث أن جميع الصلوات تعاد.
إذاً المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: تعاد جميع الصلوات.
القول الثاني: تعاد كل الصلوات إلا المغرب.
القول الثالث: تعاد جميع الصلوات ما عدا العصر والصبح.
• الحكمة من الإعادة: لأجل يدرك فضيلة الجماعة، ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة لإساءة الظن به.
• لا يسن أن يقصد مسجداً للإعادة، لأن ذلك ليس من عادة السلف، ولو كان هذا من أمور الخير لكان أولى الناس فعلاً له الصحابة.
قال في حاشية الروض: وأما قصد الإعادة فمنهي عنه، إذ لو كان مشروعاً لأمكن أن تصلى الصلاة الواحدة مرات.
стр. 799
• ومما يستثنى ايضاً من أوقات النهي:
صلاة الجنازة، تفعل في أوقات النهي الطويلة (يعني إذا لم يكن عند الطلوع وعند الغروب).
قال ابن قدامة: أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَمِيلَ لِلْغُرُوبِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ
الْمُنْذِرِ: إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَلَا يَجُوزُ. (المغني).
(وَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ).
أي: يحرم التطوع بغير ما تقدم (قضاء فريضة - إعادة جماعة - ركعتي الطواف) حتى ماله سبب، لا يجوز.
والذي له سبب: كتحية المسجد، سنة الوضوء - صلاة الكسوف.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
عدم جواز التطوع مطلقاً في أوقات النهي، من غير تفريق بين التطوع المطلق، وبين ماله سبب.
أ-لعموم الأدلة (لا صلاة بعد الصبح … ).
ب-وحديث عقبة بن عامر (ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ اَلشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ … ).
ففي هذه الأحاديث النهي عام عن جميع الصلوات، فتدخل ذوات الأسباب في هذا العموم.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز في أوقات النهي فعل ماله سبب، كتحية المسجد.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية، وابن القيم، والشيخ ابن عثيمين، وابن باز.
أ- لحديث أنس. قال: قال ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن الحديث دليل على جواز قضاء الصلاة المنسية أو الفائتة في أي وقت من الأوقات، ومنه يعلم أن المراد بالصلاة المنهي عن أدائها في أوقات النهي إنما هي التطوع المطلق دون ماله سبب كما في الصلاة المقضية.
ب-حديث أبي قتادة. قال: قال ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه
стр. 800
وجه الدلالة: أن الأمر بصلاة تحية المسجد عام فيشمل جميع الأوقات بما فيها أوقات النهي، ومنه يستفاد أن ذوات الأسباب غير داخلة في عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي.
ج- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ (يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّي) متفق عليه.
فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه.
د- عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال (لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها) رواه مسلم.
وجه الاستدلال: أن النهي جاء عن تحري الصلاة، والتحري هو التعمد وقصد الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يكون إلا في التطوع المطلق، وأما ماله سبب فلم يتحره المصلي بل فعله لأجل سببه، وهذا اللفظ المقيد في هذا الحديث يفسر سائر الألفاظ، ولو كان النهي عن النوعين لم يكن لتخصيص التحري فائدة، وكان الحكم قد علق بوصف عديم التأثير. (مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٢١١)
هـ-أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات السبب خاصة، والخاص مقدم على العام.
و-أن الصلوات ذات السبب مقرونة بسبب فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين، لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لئلا يتشبه المصلي المسلم بالمشركين، فإذا كانت الصلاة لها سبب معلوم، كانت المشابهة بعيدة.
стр. 801
ك-استدلوا بالإجماع على جواز الصلاة على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح إذا لم يكن عند الطلوع وعند الغروب (وقد نقل الإجماع: الشافعي، وابن المنذر، والنووي، وابن قدامة).
وهذا القول هو الصحيح.
• هل تصلى صلاة الاستخارة في وقت النهي؟
اختلف العلماء في صلاة الاستخارة هل تعتبر من ذوات الأسباب أم لا؟
والصواب في هذا: أن الاستخارة إذا كانت لأمر يفوت بحيث لا يمكن من تأجيل الصلاة فإنها تصلى في وقت النهي، كما لو عرض له السفر بعد صلاة العصر، وأما إن كانت لأمر لا يفوت بحيث يمكن تأجيل الصلاة إلى ما بعد انتهاء وقت النهي فإنها لا تصلى في وقت النهي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٤٥):
وتقضى السنن الراتبة، ويفعل ما له سبب في أوقات النهي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار جماعة من أصحابنا وغيرهم، ويصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة
ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي، وقاله الشافعية " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يصلي الإنسان صلاة الاستخارة في وقت النهي؟
فأجاب: صلاة الاستخارة إن كانت لأمر مستعجل لا يتأخر حتى يزول النهي فإنها تفعل، وإن كانت لسبب يمكن أن يتأخر فإنه يجب أن تؤخر. (فتاوى ابن عثيمين).
стр. 802
فائدة ١: قال ابن قدامة: فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُمْنَعُ فِيهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ).
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، إلَّا بِمَكَّةَ يَقُولُ: قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلَنَا عُمُومُ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا، كَالْحَيْضِ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، فَيَخْتَصُّ بِهِمَا، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.
فائدة ٢: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: نعم، يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة، على الصحيح من قولي العلماء؛ لأنه ليس له حكم الصلاة، ولو فرضنا أن له حكم الصلاة جاز فعله في وقت النهي؛ لأنه من ذوات الأسباب، كصلاة الكسوف وركعتي الطواف لمن طاف في وقت النهي.
فائدة ٣: عن سعيد بن المسيب (أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة، قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) رواه الدارقطني.
стр. 803
باب صلاة الجماعة - باب الإمامة
باب صلاة الجماعة
(وهي أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).
أي: أن صلاة الجماعة أفضل وأعظم أجراً من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
أ- عن بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ب- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا). متفق عليه
(صلاة الفذ) أي: صلاة المنفرد الذي لم يصل مع الجماعة. (درجة) جزء، بمعنى واحد.
• وقد اختلف العلماء في الجمع بين روايتي (سبع وعشرين) ورواية (خمس وعشرين):
قيل: رواية الخمس وعشرين تُقَدّم لكثرة رواتها.
وقيل: رواية السبع والعشرين تقدم، لأن فيها زيادة من عدلٍ حافظ.
وقيل: إن ذكر القليل لا ينافي ذكر الكثير.
وقيل: إنه أخبر بالخمس وعشرين، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل بالسبع وعشرين، وهذا أرجحها.
وقيل: السبع وعشرين مختصة بالجهرية، والخمس وعشرين مختصة بالسرية.
وقيل: السبع وعشرين مختصة بالفجر والعشاء والخمس وعشرين بغيرها.
وقيل: بإدراكها كلها أو بعضها.
وقيل: الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم أو أخشع. … (فتح الباري).
وقال النووي: وَالْجَمْع بَيْنهَا مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه:
أَحَدهَا: أَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَيْنهَا فَذِكْر الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكَثِير، وَمَفْهُوم الْعَدَد بَاطِل عِنْد جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُون أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِزِيَادَةِ الْفَضْل فَأَخْبَرَ بِهَا.
الثَّالِث: أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَحْوَال الْمُصَلِّينَ وَالصَّلَاة، فَيَكُون لِبَعْضِهِمْ خَمْس وَعِشْرُونَ وَلِبَعْضِهِمْ سَبْع وَعِشْرُونَ، بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّلَاة وَمُحَافَظَته عَلَى هَيْئَاتِهَا وَخُشُوعهَا، وَكَثْرَة جَمَاعَتهَا وَفَضْلهمْ، وَشَرَف الْبُقْعَة وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذِهِ هِيَ الْأَجْوِبَة الْمُعْتَمَدَة.
стр. 804
• قوله (صلاة الجماعة) اختلف في المراد بالجماعة:
فقيل: المراد مطلق الجماعة في أي مكان.
لأن الجماعة وصفٌ علّقَ عليه الحكم، فيؤخذ به.
وقيل: بل المراد جماعة المسجد لا جماعة البيوت.
أ-للحديث الآتي إن شاء الله (لقد هممت أن آمر … ).
ب-ولحديث الأعمى وسيأتي.
ج-ولحديث ( … وذلك أنه إذا توضأ ثم خرج إلى الصلاة لا يخرجه … ).
وهذا القول هو الصحيح، وأنه لابد من فعلها في المسجد ورجحه ابن القيم، والسعدي.
• اختلف العلماء في حكم من صلى في بيته منفرداً لعذر، هل يكتب له الأجر كاملاً أم لا؟
القول الأول: أن أجره تام.
لأن المعذور يكتب له ثواب عمله كله.
لحديث أبي موسى قال: قال ﷺ (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) رواه البخاري.
قال الشيخ ابن عثيمين: … إذا كان حريصاً على الجماعة ومن عادته أن يصلي مع الجماعة، ولكن تخلف لعذر فيرجى أن يكتب له أجر الجماعة كاملة قياساً على المريض والمسافر، فقد قال النبي ﷺ (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً).
القول الثاني: أن المعذور له أجر، ولكن ليس كأجر من صلى في جماعة.
لعدم الدليل على ذلك.
والراجح: الله أعلم.
стр. 805
فائدة: وأما من لم تكن عادته الصلاة في الجماعة فمرض فصلى وحده فهذا لا يكتب له مثل صلاة الصحيح، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب.
• هل المرأة إذا صلت في المسجد لها أجر ٢٧ كالرجل؟
جاء في حديث أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا … ) متفق عليه.
فقوله (صلاة الرجل … ) فيه أن فضل صلاة الجماعة في المسجد خاص بالرجال، لأنهم هم المأمورون بالخروج إليها، إلا صلاة العيد، فتضاعف للنساء أيضاً، لأنهن مأمورات بالخروج إليها.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي خرجه البخاري (صلاة الرجل في الجماعة تضعف) وهو يدل على أن صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة؛ فإن صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل.
ونحوه ما قاله الحافظ ابن حجر في شرح حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (رجل معلق قلبه في المساجد)، فذهب الحافظ إلى أن هذا خاص بالرجل، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنهم هم المدعوون إليها على سبيل الوجوب، ولهذا كان لفظ الحديث (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه، خمساً وعشرين ضعفاً).
وعلى هذا؛ فإن المرأة لا تنال هذا الأجر، بل إن العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفردات عن الرجال في المصليات التي في البيوت، أو التي في المدارس، فمنهم من قال: إنه تسن لهن الجماعة. ومنهم من قال: إنه تباح لهن الجماعة. ومنهم من قال: إنه تكره لهن الجماعة.
стр. 806
(وهي فرض عين).
أي: أن حكم صلاة الجماعة فرض عين.
وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الجماعة.
وهذا وهو مذهب الحنابلة.
ورجحه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان.
أ- لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك).
وجه الدلالة: أن الله أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف، ولو كانت الجماعة سنة كما يقول بعضهم لكان أولى الأعذار بسقوطها عند الخوف، وإذا وجبت في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى.
ب- وَلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن دقيق العيد: فمن قال بأنها واجبة على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث، فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائماً بفعل رسول الله ﷺ ومن معه، وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضاً على الأعيان.
ج- ولحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ) رَوَاهُ مُسْلِم.
قال ابن قدامة: وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً، فغيره من باب أولى.
د- ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ). رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه
стр. 807
(رجح بعض العلماء وقفه).
هـ- وعن ابن مسعود قال (من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم … ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم
فهذا الصحابي يحكي إجماع الصحابة على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة.
وهو مذهب المالكية.
لحديث ابن عمر السابق (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).
وجه الدلالة: لأن الحديث فيه المفاضلة بين أجر صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، فدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ويثاب عليها.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية.
واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العيني، وصرفها من فرض العين إلى فرض الكفاية حديث ابن عمر (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد، فيبقى الوجوب المستفاد منها وجوباً كفائياً.
والراجح القول الأول، أنها فرض عين، وأن من صلى في بيته من غير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم.
• أجاب القائلون بعدم الوجوب العيني عن حديث (لقد هممت أن آمر … ) بأجوبة:
قيل: أن الخبر ورد مورد التهديد والزجر، وحقيقته غير واردة.
وهذا ضعيف.
وقيل: أن الرسول ﷺ همّ ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لما تركهم.
стр. 808
وتعقب ذلك ابن دقيق العيد بقوله: وهذا ضعيف، لأنه ﷺ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه.
وقيل: المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة.
وهو ضعيف، فقد جاء في رواية مسلم (لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون.
وعند ابن ماجه: (لينتهين أقوام عن تركهم الجماعات أو لأحرقنّ بيوتهم).
وقيل: أن الحديث ورد في حق المنافقين.
وهذا ضعيف، لأن النبي ﷺ لا يعاقب المنافقين على نفاقهم، وكان ﷺ معرضاً عنهم وعن عقوبتهم، وقد قال ﷺ (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).
لكن الحافظ ابن حجر رجح هذا القول، وقال: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في الحديث: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر) ولقوله ﷺ (لو يعلم أحدهم … ) لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله ﷺ في رواية (لا يشهدون العشاء الجميع) أي الجماعة، وقوله ﷺ في حديث أسامة: (لا يشهدون الجماعة) وأصرح من ذلك قوله ﷺ في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: (ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة) فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته وإنما يصلي في المسجد رياء وسمعة.
فائدة:
لماذا النبي ﷺ لم يحرق بيوت هؤلاء المتخلفين؟
قيل: لوجود النساء والذرية.
وقد جاء في مسند أحمد (لولا ما فيها من النساء والذرية). وهي زيادة ضعيفة.
وقيل: لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.
стр. 809
وهذا القول هو الصحيح.
• اختلف القائلون بوجوب الجماعة، هل تصلى جماعة في أي مكان أم لا بد من المسجد؟ على قولين:
القول الأول: أن أداءها في المسجد سنة، فيجوز فعلها في غير المسجد
وهذا المذهب عند الحنابلة.
قال ابن قدامة: ويجوز فعلها في البيت والصحراء.
أ- لحديث جابر مرفوعاً (أعطيت خمساً لم يعطهن … ذكر منها: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته
الصلاة فليصل) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن الأرض كلها موضع للصلاة، وأن كل مكان أديت فيه صلاة الجماعة كان مجزئاً.
ب- ولحديث عَائِشَةَ. قَالَتْ (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا … ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن إقرار النبي ﷺ لمن صلى خلفه على ترك الجماعة في المسجد دليل على عدم وجوب الجماعة في المسجد.
ج- ولحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أن إقراره ﷺ لهما على الصلاة في رحالهما، واعتباره أنها فرضهما، دليل على أن الصلاة في المسجد سنة مستحبة.
стр. 810
القول الثاني: لا يجوز فعلها إلا في المسجد.
لحديث أبي هريرة السابق ( … لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ .. ).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ همّ بتحريق المتخلفين ولم يستفصل هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا.
ورجح هذا القول ابن القيم.
قال ﵀: والذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب.
وقال الشيخ السعدي: والصواب وجوب فعلها في المسجد، لأن المسجد شعارها، ولأنه ﷺ همّ بتحريق المتخلفين عنها ولم يستفصل، هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا، ولأنه لو جاز في غير المسجد لغير حاجة، لتمكن المتخلف عنها والتارك لها من الترك، وهذا محذور عظيم.
فائدة:
حديث (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) حديث ضعيف.
(على من سمِعَ النداء).
أي: من يسمع النداء فعليه الإجابة.
لحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ) رَوَاهُ مُسْلِم.
فقوله ﷺ في حديث الأعمى (هل تسمع النداء) دليل على أن من سمع النداء فعليه الإجابة إذا كان منزله بعيداً، وأنه إذا لم يسمع النداء فله رخصة أن يصلي في بيته، والمعول عليه في سماع النداء بدون مكبر الصوت، لأمرين:
الأول: أن مكبر الصوت لا ينضبط، فقد يكون قوياً فيرسل لمسافات بعيدة جداً.
ثانياً: أنه لو علق الأمر بمكبر الصوت، لحصل للناس مشقة، لأن مكبر الصوت ينادي من مسافة بعيدة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في سؤال عن جماعة خرجوا إلى ضواحي المدينة للنزهة، وسمعوا الأذان من أطراف المدينة، فهل تلزمهم الصلاة في المسجد، أو يصلون في مكانهم.
قال: الظاهر أن هؤلاء لا تلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له.
следующие страницы →