← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(وهي فرض عين). أي: أن حكم صلاة الجماعة فرض عين. وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الجماعة. وهذا وهو مذهب الحنابلة. ورجحه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان. أ- لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك). وجه الدلالة: أن الله أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف، ولو كانت الجماعة سنة كما يقول بعضهم لكان أولى الأعذار بسقوطها عند الخوف، وإذا وجبت في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى. ب- وَلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال ابن دقيق العيد: فمن قال بأنها واجبة على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث، فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائماً بفعل رسول الله ﷺ ومن معه، وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضاً على الأعيان. ج- ولحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ) رَوَاهُ مُسْلِم. قال ابن قدامة: وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً، فغيره من باب أولى. د- ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ). رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه

стр. 807

(رجح بعض العلماء وقفه). هـ- وعن ابن مسعود قال (من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم … ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم فهذا الصحابي يحكي إجماع الصحابة على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق. وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة. وهو مذهب المالكية. لحديث ابن عمر السابق (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). وجه الدلالة: لأن الحديث فيه المفاضلة بين أجر صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، فدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ويثاب عليها. وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية. واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العيني، وصرفها من فرض العين إلى فرض الكفاية حديث ابن عمر (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد، فيبقى الوجوب المستفاد منها وجوباً كفائياً. والراجح القول الأول، أنها فرض عين، وأن من صلى في بيته من غير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم. • أجاب القائلون بعدم الوجوب العيني عن حديث (لقد هممت أن آمر … ) بأجوبة: قيل: أن الخبر ورد مورد التهديد والزجر، وحقيقته غير واردة. وهذا ضعيف. وقيل: أن الرسول ﷺ همّ ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لما تركهم.

стр. 808

وتعقب ذلك ابن دقيق العيد بقوله: وهذا ضعيف، لأنه ﷺ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه. وقيل: المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة. وهو ضعيف، فقد جاء في رواية مسلم (لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون. وعند ابن ماجه: (لينتهين أقوام عن تركهم الجماعات أو لأحرقنّ بيوتهم). وقيل: أن الحديث ورد في حق المنافقين. وهذا ضعيف، لأن النبي ﷺ لا يعاقب المنافقين على نفاقهم، وكان ﷺ معرضاً عنهم وعن عقوبتهم، وقد قال ﷺ (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). لكن الحافظ ابن حجر رجح هذا القول، وقال: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في الحديث: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر) ولقوله ﷺ (لو يعلم أحدهم … ) لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله ﷺ في رواية (لا يشهدون العشاء الجميع) أي الجماعة، وقوله ﷺ في حديث أسامة: (لا يشهدون الجماعة) وأصرح من ذلك قوله ﷺ في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: (ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة) فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته وإنما يصلي في المسجد رياء وسمعة. فائدة: لماذا النبي ﷺ لم يحرق بيوت هؤلاء المتخلفين؟ قيل: لوجود النساء والذرية. وقد جاء في مسند أحمد (لولا ما فيها من النساء والذرية). وهي زيادة ضعيفة. وقيل: لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.

стр. 809

وهذا القول هو الصحيح. • اختلف القائلون بوجوب الجماعة، هل تصلى جماعة في أي مكان أم لا بد من المسجد؟ على قولين: القول الأول: أن أداءها في المسجد سنة، فيجوز فعلها في غير المسجد وهذا المذهب عند الحنابلة. قال ابن قدامة: ويجوز فعلها في البيت والصحراء. أ- لحديث جابر مرفوعاً (أعطيت خمساً لم يعطهن … ذكر منها: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الأرض كلها موضع للصلاة، وأن كل مكان أديت فيه صلاة الجماعة كان مجزئاً. ب- ولحديث عَائِشَةَ. قَالَتْ (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا … ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن إقرار النبي ﷺ لمن صلى خلفه على ترك الجماعة في المسجد دليل على عدم وجوب الجماعة في المسجد. ج- ولحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن إقراره ﷺ لهما على الصلاة في رحالهما، واعتباره أنها فرضهما، دليل على أن الصلاة في المسجد سنة مستحبة.

стр. 810

القول الثاني: لا يجوز فعلها إلا في المسجد. لحديث أبي هريرة السابق ( … لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ .. ). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ همّ بتحريق المتخلفين ولم يستفصل هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا. ورجح هذا القول ابن القيم. قال ﵀: والذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب. وقال الشيخ السعدي: والصواب وجوب فعلها في المسجد، لأن المسجد شعارها، ولأنه ﷺ همّ بتحريق المتخلفين عنها ولم يستفصل، هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا، ولأنه لو جاز في غير المسجد لغير حاجة، لتمكن المتخلف عنها والتارك لها من الترك، وهذا محذور عظيم. فائدة: حديث (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) حديث ضعيف. (على من سمِعَ النداء). أي: من يسمع النداء فعليه الإجابة. لحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ) رَوَاهُ مُسْلِم. فقوله ﷺ في حديث الأعمى (هل تسمع النداء) دليل على أن من سمع النداء فعليه الإجابة إذا كان منزله بعيداً، وأنه إذا لم يسمع النداء فله رخصة أن يصلي في بيته، والمعول عليه في سماع النداء بدون مكبر الصوت، لأمرين: الأول: أن مكبر الصوت لا ينضبط، فقد يكون قوياً فيرسل لمسافات بعيدة جداً. ثانياً: أنه لو علق الأمر بمكبر الصوت، لحصل للناس مشقة، لأن مكبر الصوت ينادي من مسافة بعيدة. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في سؤال عن جماعة خرجوا إلى ضواحي المدينة للنزهة، وسمعوا الأذان من أطراف المدينة، فهل تلزمهم الصلاة في المسجد، أو يصلون في مكانهم. قال: الظاهر أن هؤلاء لا تلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له.

стр. 811

فائدة: إشكال: أشكل حديث عبد الله بن أم مكتوم في (صلاة الجماعة) على كثيرين، وقد تعددت الأقوال في فهمه وتنوعت الآراء في توجيهه، ونحن نذكر الحديث وما وقفنا عليه من تلك الأقوال والآراء. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ. فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّىَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِب). رواه مسلم وعَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ (أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ (لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً) رواه أبو داود. وفي رواية عند أحمد (قال ابن أم مكتوم: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ (أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ (فَأْتِهَا) رواه أحمد. فهذه الروايات جمعت أعذاراً كثيرة لابن أم مكتوم ولم تكن مانعة من إيجاب صلاة الجماعة عليه، وهذه الأعذار هي: فقد البصر، عدم وجود قائد يقوده للمسجد أو وجود غير ملائم، بُعد الدار عن المسجد، وجود حوائل بينه وبين المسجد كالشجر والنخيل، وجود الهوام والسباع.

стр. 812

ووجود هذه الأعذار مع ظاهر الأمر بصلاة الجماعة في المسجد جعلت بعض أهل العلم لا يرى ما يدل عليه الحديث من وجوب حضور ذاك الصحابي جماعة المسجد؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ النفوس، ولم تجوِّز إلقاء النفس في التهلكة، حتى قال بعض العلماء إن الحديث لم يقل بظاهره أحد. قال ابن رجب: وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره. يعني: أن أحداً لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. ويمكن حصر الموقف من هذا الحديث بما يأتي: قال بعض العلماء: إن الحديث يدل على وجوب حضور ذاك الصحابي مع تلك الأعذار جماعة المسجد، لكنه منسوخ بحديث آخر يرفع الوجوب عمن هو أقل منه عذراً. وهو حديث عتبان بن مالك (حديث الباب). قال ابن رجب: ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد. وقال آخرون: إن ابن أم مكتوم كان طلبه الحصول على أجر الجماعة في المسجد إذا صلَّى في بيته، لكونه معذوراً بتلك الأعذار، فأخبره النبي ﷺ أنه لا أجر إلا بالحضور. قال الخَطَّابيُّ: وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية، لا على الأعيان، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. وقال فريق ثالث: إن الأمر بحضور الصلاة في المسجد بقوله (أَجِبْ) لا يُحمل على الوجوب بل على الاستحباب. قال ابن القيم: قال المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب.

стр. 813

هذه مجمل الموقف من حديث ابن أم مكتوم، والذي يظهر لنا أن كل ما سبق لا ينهض لرد ظاهر الحديث من إيجاب الجماعة على ابن أم مكتوم ﵁، ومن كان مثل حاله، وأنه ليس في ذلك إلقاء للنفس في التهلكة، وكل أوامر الشرع لا يُكلَّف بها إلا المستطيع على أدائها، والمشقة لا تُسقط الواجبات، بل الذي يسقطها وجود الضرر. والقول بالنسخ بعيدٌ لأسباب منها: أولاً: أنه لا يُعرف المتقدم من المتأخر من الحديثين، وهذا شرط للقول بالنسخ. ثانياً: وجود الفرق بين حال الصحابيين ﵄، فقد كان ابن أم مكتوم قد وُلد أعمى، ومثل هذا يكيِّف نفسه على الحياة ويستطيع ما لا يستطيعه من عمي في كبره، وقد لحظ هذا بعض العلماء ولذا فرَّقوا بين ابن أم مكتوم وبين عتبان ﵁ والذي عمي في كبره ثالثاً: أن ابن أم مكتوم ﵁ أراد الرخصة للصلاة في البيت، وعتبان ﵁ أراد أن يتخذ مسجداً في داره ليصلي فيه هو وأهل بيته ومن قرب منهم، فهو قد انتقل من مسجد إلى مسجد، وابن أم مكتوم أرد الانتقال إلى بيته، فافترقا، وهذا أحسن ما جُمع به بين الحديثين. قال ابن رجب الحنبلي: ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي ﷺ من بيته مسجداً يؤذن فيه، ويقيم، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومن قرُب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جمع به بين الحديثين. " فتح الباري " لابن رجب (٢/ ٣٩١، ٣٩٢) رابعاً: ليس في حديث عتبان ﵁ أنه كان يسمع النداء، بخلاف ابن أم مكتوم. وتأويل (لا رخصة لك) على معنى " إن طلبت فضيلة الجماعة " لا يظهر صوابه؛ لأنه لا يقال " لا رخصة في ترك فضيلة "، بل الرخصة تكون في ترك واجب.

стр. 814

قال الإمام ابن خزيمة ﵀ مبوِّباً على حديث ابن أم مكتوم: باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدوهم بإتيانهم إياهم المساجد، والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة إذ غير جائز أن يقال لا رخصة للمرء في ترك الفضيلة. " صحيح ابن خزيمة " (٢/ ٣٦٨) وحمل قوله ﷺ (أَجِب) على الاستحباب خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب. والقول بالوجوب لمثل حال ابن أم مكتوم هو القول الصواب ما لم يكن الضرر متحققاً بيقين أو غلبة ظن، وهو القول الراجح، وهو قول أكابر أئمة الحديث. قال ابن المنذر ﵀: ذكر إيجاب حضور الجماعة على العميان وإن بعُدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لا ندب. " الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف " (٤/ ١٣٢). وقال ﵀ أيضاً -: فدلَّت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على مَن لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير (لا أجد لك رخصة) فإذا كان الأعمى كذلك لا رخصة له: فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة. " الأوسط " (٤/ ١٣٤). (على الرجال). فلا تجب على النساء. لقوله ﷺ في الحديث (إلى رجال) فهذا دليل على أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال دون النساء، وهذا بالإجماع. لكن اختلفوا في حكمها للمرأة: فقيل: سنة. وبه قال الشافعية، والحنابلة. لحديث أم ورقة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (انطلقوا إلى الشهيدة فزوروها، وأمر أن يؤذن لها وتقام وتؤم أهل دارها في الفرائض) رواه أبو داود. وقيل: مكروهة. وهو قول الحنفية. قالوا: لأن المرأة ليست من أهل الاجتماع، ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين. والصحيح أنها مباحة. • وقوله (على الرجال) فلا تجب على الصبيان.

стр. 815

(الأحرار). أي: فلا تجب الجماعة على العبد. لأنه مشغول بسيده. قال المرداوي في الإنصاف: والصحيح من المذهب أنها لا تجب عليهم … أي العبد. وذهب بعض العلماء: إلى وجوبها عليه. لعموم الأدلة. واختاره السعدي. (للصلوات الخمس). أي: أن الجماعة واجبة للصلوات الخمس. (ولو مقضية). أي: أن الجماعة تجب للصلاة المفروضة ولو كانت مقضية. والمقضية: ما فعلت بعد وقتها. أ- لعموم الأدلة. ب- ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة، أمر بلالاً فأذن ثم صلى سنة الفجر ثم صلى الفجر كما يصليها عادة جماعة، وجهر بالقراءة. وعلى هذا فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يفعلون كما يفعلون في العادة تماماً. • فلا تجب الجماعة للنوافل، لكنها من حيث مسنونية الجماعة لها وعدم مسنونيتها قسمان: القسم الأول: ما تسن له الجماعة، وهي صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيد. القسم الثاني: ما يفعل على الانفراد فهذا لا تسن له الجماعة، كالراتبة مع الفرائض، والنوافل المطلقة وهي ما يتطوع به في الليل والنهار. لكن لا بأس أن يفعلها في جماعة أحياناً، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة. لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى مع ابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وذلك في قيام الليل.

стр. 816

(حضراً وسفراً). أي: أن صلاة الجماعة واجبة حتى في السفر، وهذا هو المذهب. لقوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة … ) فأمر الله نبيه ﷺ إذا كان فيهم في الجهاد أن يقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يقاتل إلا في سفر. ولعموم الأدلة الدالة على وجوب الجماعة، فإنها لم تفرق بين الحضر والسفر. وذهب بعض العلماء إلى عدم وجوبها في السفر. لحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود. فأقرهما ﷺ على ترك الجماعة في السفر. (وأقلها إمامٌ ومأموم). أي: أن أقل عدد تحصل به الجماعة اثنان، إمام ومأموم. أ- لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ب- وعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) رواه البخاري. وبوب عليه البخاري: باب اثنان فما فوقهما جماعة قال الحافظ ابن حجر: وَاسْتُدِلَّ بِهِ (يعني حديث مالك بن الحويرث ﵁ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَة إِمَام وَمَأْمُوم، وهو أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون الْمَأْمُوم رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ اِمْرَأَةً. انتهى كلام الحافظ. ج-وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلا يُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ (أَلا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَه) رواه أبو داود. قال في (عون المعبود): ليحصل له ثواب الجماعة، فيكون كأنه أعطاه صدقة. د- وأمّ ﷺ ابن عباس مرّة. وأمّ حذيفة مرّة. وابن مسعود مرّة، في صلاة الليل. قال الشوكاني ﵀: وأما انعقاد الجماعة باثنين، فليس في ذلك خلاف، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس: أنه صلى في الليل مع النبي ﷺ وحده وقعد عن يساره فأداره إلى يمينه. قال ابن قدامة: تنعقد الجماعة باثنين فصاعداً لا نعلم فيه خلافاً. وأمّ ﷺ ابن عباس مرّة. وأمّ حذيفة مرّة. وابن مسعود مرّة.

стр. 817

جاء في الموسوعة الفقهية: اتفق الفقهاء على أن صلاة الجماعة تنعقد باثنين: إمام ومأموم. وذلك في غير الجمعة والعيدين. لحديث أبي موسى مرفوعاً (اثنان فما فوقهما جماعة). ويشترط جمهور الفقهاء لانعقاد الجماعة في الفروض أن يكون الإمام والمأموم كلاهما بالغين ولو كان المأموم امرأة. فائدة: روى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال (الاثنان فما فوقهما جماعة) ولكنه ضعيف. (وَتُسْتَحَبُّ صَلَاةُ أَهْلِ الثَّغْرِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) أهل الثغر: هم الذين يقيمون على الحدود حماية للبلاد من العدو. فهؤلاء يستحب لهم الصلاة في مسجد واحد. لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه، فإنه إذا جاءهم خبر عن عدوهم، سمعه جميعهم، وإن جاءهم عين للكفار، رأى كثرتهم. (وَالأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ فِي المَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيْهِ الجَمَاعةُ إِلاَّ بِحُضُورِهِ). أي: الأفضل لغير أهل الثغر أن يصلي في المسجد الذي تقام فيه الجماعة إذا حضر. لأنه يحصل بذلك ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه. (ثم ما كان أكثر جماعة). أي: فلو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة. لحديث عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ اَلرَّجُلِ مَعَ اَلرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ اَلرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ اَلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

стр. 818

(وأبعد أولى من أقرب). أي: إذا استويا المسجدان فيما سبق، وكان أحدهما أبعد عن مكان الرجل، فالأبعد أولى. لحديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى) متفق عليه. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل الصلاة في مسجد الحي أم الصلاة في غيره على أقوال: القول الأول: أن الصلاة في المسجد الذي تكثر فيه الجماعة أفضل، وأبعدهما أولى من أقربهما؛ إلا إذا كان المسجد الذي بجواره تختل فيه الجماعة؛ ففعلها في مسجد الجوار أفضل. وهو مذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة. أ-لحديث أبي موسى السابق. ب- ولحديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله رواه أبو داود. ج-من المعقول: حتى تكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته. قال الإمام الشيرازي ﵀: وفي المساجد التي يكثر الناس فيها أفضل … فإن كان في جواره مسجد تختل فيه الجماعة ففعلها في مسجد الجوار أفضل من فعلها في المسجد الذي يكثر فيه الناس؛ لأنه إذا صلى في مسجد الجوار حصلت الجماعة في موضعين. وقال ابن قدامة ﵀: وإن كان في جواره أو في غير جواره مسجد لا تنعقد الجماعة فيه إلا بحضوره ففعلها فيه أولى؛ لأنه يعمره بإقامة الجماعة فيه، ويحصلها لمن يصلي فيه، وإن كانت تقام فيه وكان في قصده غيره كسر قلب إمامه أو جماعته؛ فجبر قلوبهم أولى.

стр. 819

وقال الإمام النووي ﵀: فلو كان بجواره مسجد قليل الجمع، وبالبعد منه مسجد أكثر جمعاً؛ فالمسجد البعيد أولى إلا في حالتين: أحدهما: أن تتعطل جماعة القريب؛ لعدوله عنه لكونه إماماً، أو يحضر الناس بحضوره، فحينئذ يكون القريب أفضل. الثاني: أن يكون إمام البعيد مبتدعاً كالمعتزلي وغيره، أو فاسقاً، أو لا يعتقد وجوب بعض الأركان فالقريب أفضل. القول الثاني: أن صلاة المرء في مسجد حيه أفضل من غيره من المساجد حتى ولو كان غيره أكثر جمعاً. وهذا مذهب الحنفية، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. أ-أنه الأقرب له جواراً فكان أحق بصلاته. ب-أنه سبب لعمارته. ج-أنه تأليف للإمام وأهل الحي، ويندفع به ما قد يكون في قلب الإمام إذا لم تصل معه. د-أن ترك المرء للصلاة في مسجد حيه سبب في اتهامه بعدم حضور الصلاة في جماعة. هـ- أن ترك المرء للصلاة في مسجد حيه فيه إثارة للناس على الإمام، حيث يكثر السؤال عن سبب عدم الصلاة خلفه، مما يؤدي إلى وقوع الناس في فتنة. وأما الجواب عن الحديث فيقال: أنه في مسجد ليس هناك أقرب منه، فإنه كلما بعد المسجد، وكلفت نفسك أن تذهب إليه مع بعده؛ كان هذا بلا شك أفضل مما لو كان قريباً. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فالحاصل أن الأفضل أن تصلي في مسجد الحي الذي أنت فيه سواء كان أكثر جماعة أو أقل لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله ﵊ (ما كان أكثر فهو أحب إلى الله) ثم يليه الأبعد، ثم يليه العتيق؛ لأن تفضيل المكان بتقدم الطاعة فيه يحتاج إلى دليل بيِّن، وليس هناك دليل بيّنٌ على هذه المسألة.

стр. 820

(ويَحرمُ أن يَؤمَّ في مسجدٍ قبل إمامه الراتب). أي: يحرم على الإنسان أن يكون إماماً في مسجد له إمام راتب. أ- لحديث أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ … وَلَا يَؤُمَّنَّ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. التكرمة: الفراش مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به. وإمام المسجد سلطان في مسجده. ب- ولأننا لو قلنا أن الأقرأ أولى حتى ولو كان للمسجد إمام راتب، لحصل بذلك فوضى، وكان لهذا المسجد في كل صلاة إمام جاء كشاف القناع: وَيَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ (لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ) وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّم. (إلا بأذنهِ أو عذرهِ). أي: لا تجوز الإمامة في مسجد له إمام راتب إلا في حالتين: الأولى: أن يأذن بذلك. الثانية: أن يتأخر عن الحضور لعذر، كمرض ونحوه يعلمه المأمومون، صلوا بلا إذنه. كصلاة أبي بكر بالناس حين غاب النبي ﷺ في بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. (ومن صلى ثم أقيمَ فرضٌ سُنَّ أن يعيدها إلا المغرب). أي: من صلى فرضه في منزله، أو في مسجد آخر، ثم دخل مسجداً وأهله يصلون فإنه يسن أن يعيد الصلاة التي صلاها معهم مرة ثانية، وتكون الثانية نافلة في حقه. أ- لحديث أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ فَخِذِي «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قال قَالَ مَا تَأْمُرُ قَالَ (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي) رواه مسلم.

стр. 821

ب- ولحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود. (تَرْعَدُ) أي ترتجف وترتعد. (فَرَائِصُهُمَا) الفرائص جمع فريضة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف. (فِي رِحَالِنَا) الرحل هو المنزل الذي ينزله الإنسان. (فَلَا تَفْعَلَا) أي: لا تفعلا في الجلوس خلف الصفوف، هذا التفسير هو ظاهر الحديث، وقيل: لا تفعلا: أي الصلاة في الرحال. فالحديث دليل على أن من صلى في جماعة أو منفرداً، ثم دخل مسجد ووجدهم يصلون، فإنه يسن له أن يدخل معهم ويصلي، وذهب بعض العلماء: إلى أن من صلى في بيته وحده ثم دخل المسجد فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة فلا يعيد ورجح هذا القول ابن عبد البر. والراجح القول الأول، وأنه يعيد سواء صلى وحده أو مع الجماعة عملاً بظاهر النص. لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فإنه ﷺ ما استفصل. • فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ : (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أحمد؟ قال الشوكاني: قال في الاستذكار: اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية على أن معنى قوله ﷺ : (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضاً، وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة، اقتداء بالنبي ﷺ في أمره بذلك، فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين، لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذٍ.

стр. 822

• حديث يزيد السابق عام يشمل حتى وقت النهي، فله أن يعيد حتى الصبح والعصر. وذهب بعض العلماء إلى أن الفجر والعصر لا تعاد. وهذا مذهب الحنفية. قالوا: لأن المعادة نافلة، والتنفل لا يجوز بعد الصبح والعصر، إذ هو وقت نهي لا يتنفل فيه، لذا لا تعادان. وهذا قول ضعيف. والصحيح الأخذ بعموم الحديث أن جميع الصلوات تعاد حتى في وقت النهي. • قوله (إلا المغرب) أي: يستثنى صلاة المغرب، فلا تعاد. وهذا مذهب المالكية والحنابلة. قالوا: لأن في إعادتها تصير شفعاً، وهي إنما شرعت لتوتر عدد ركعاتها اليوم والليلة. لكن هذا القول ضعيف. والصحيح أن المغرب تعاد كغيرها من الصلوات. وهذا المذهب عند الشافعية. لعموم حديث يزيد السابق، فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة. قال ابن قدامة لما ذكر حديث أبي ذر ويزيد: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِعُمُومِهَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ صَرِيحٌ فِي إعَادَةِ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرُ مِثْلُهَا، وَالْأَحَادِيثُ بِإِطْلَاقِهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعة. تنبيه: ذهب بعض العلماء: إلى أنه يسن أن يعيد المغرب لكن إذا سلم الإمام أتى بركعة رابعة، وذلك لأن المغرب وتر النهار، والوتر لا يسن تكراره، فيشفعها بركعة رابعة، لئلا تكون وتراً. قال الشيخ ابن عثيمين: يعيدها ولا يشفعها، وهو الصحيح.

стр. 823

• إذاً المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: تعاد جميع الصلوات. (وهذا الراجح). القول الثاني: تعاد كل الصلوات إلا المغرب. القول الثالث: تعاد جميع الصلوات ما عدا العصر والصبح. • الحكمة من الإعادة: لأجل يدرك فضيلة الجماعة، ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة لإساءة الظن به. • لا يسن أن يقصد مسجداً للإعادة، لأن ذلك ليس من عادة السلف، ولو كان هذا من أمور الخير لكان أولى الناس فعلاً له الصحابة. قال في حاشية الروض: وأما قصد الإعادة فمنهي عنه، إذ لو كان مشروعاً لأمكن أن تصلى الصلاة الواحدة مرات. • إذا أدركَ بعضَ المُعادةِ، فهل لا بُدَّ مِن إتمامِها، أو له أنْ يُسلِّمَ مع الإمام؟ الجواب: نقول: إذا سَلَّمَ مع الإمامِ؛ وقد صَلَّى ركعتين؛ فلا بأس؛ لأنَّها نافلةٌ لا يلزمه إتمامُها، وإن أتمَّ فهو أفضلُ؛ لعمومِ قولِهِ ﷺ : (ما أدركتُم فصَلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا). … (الشرح الممتع). (وتعاد الجماعة في غير الثلاثة مساجد). يعني: لو صَلَّى الإمامُ الراتبُ في الجماعة، ثم أتتْ جماعةٌ أُخرى لتُصلِّي في نفسِ المسجدِ، فإنه يستحب لهم أن يصلوا جماعة. قال ابن قدامة: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَة. قال الترمذي: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه جماعة، وبه يقول أحمد وإسحاق. أ-لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فصلى معه رجلاً). رواه أبو داود وأحمد وابن خزيمة والحاكم في المستدرك، وقال بعد: وهذا الحديث أصل في إقامة الجماعة في المساجد مرتين.

стр. 824

وبوب عليه أبو داود: [باب في الجمع في المسجد مرتين]. وبوب عليه الدارمي: [باب صلاة الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة]. وبوب عليه الحاكم: [إقامة الجماعة في المساجد مرتين]. وبوب عليه ابن حبان: [ذكر الإباحة لمن صلى في مسجد جماعة أن يصلي فيه مرة أخرى جماعة]. قال المباركفوري: إذا ثبت من الحديث حصول ثواب الجماعة بمفترض ومتنفل، فحصول ثوابها بمفترضين بالأولى. وقال صاحب عون المعبود: والحديث يدل على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه مرة. ب- لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ اَلرَّجُلِ مَعَ اَلرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ اَلرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ اَلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وهذا نص صريح بأن صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، ولو قلنا لا تقام الجماعة للزم أن نجعل المفضول فاضلاً وهذا خلاف النص. وذهب بعض العلماء: إلى المنع من ذلك، واختيار الصلاة فرادى عن الصلاة في جماعة في مسجد قد صلي فيه مرة. وهذا مذهب كل من: سفيان الثوري، عبد الله بن المبارك، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، والليث بن سعد الأوزاعي، والزهري، وعثمان البتي، وربيعة، والنعمان بن ثابت أبي حنيفة، ويعقوب بن إبراهيم أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني، والقاسم، ويحي بن سعيد، وسالم بن عبد الله، وأبي قلابة، وعبد الرزاق الصنعاني، وابن عون، وأيوب السختياني، والحسن البصري، وعلقمة، والأسود بن يزيد، والنخعي، وعبد الله بن مسعود. قال الترمذي في المنع: وهذا قول سفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، فهؤلاء يختارون الصلاة فرادى عن الصلاة في جماعة في مسجد قد صُلِّي فيه مرة.

стр. 825

وقال الإمام الشافعي: وإذا كان للمسجد إمام راتب، ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلوا فرادى وأحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه. أ- لحديث أبي بكرة ﵁ (وهو أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم). رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأخرجه ابن عدي في الكامل، وحسنه الألباني في تمام المنة. ب- وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إبراهيم (أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد، فاستقبلهم الناس قد صلوا، فرجع بهما إلى البيت، فجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله ثم صلى بهما). ج- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بسندهما إلى الحسن البصري، قال: (كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صُلي فيه، صلوا فرادى). فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقاً لما جمع ابن مسعود في البيت مع كون الفريضة في المسجد أفضل، وكما صلى أصحاب رسول الله ﷺ فرادى مع استطاعتهم على التجميع. د- وقالوا: إن الجماعة الثانية تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة، لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه. فائدة: تكرار الجماعة في المسجد لها أحوال: أولاً: أن تكرر الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس أو سوقهم، فلا يكره تكرار الجماعة حينئذٍ، لأن المسجد الذي بهذه الحالة لا تنتظم له جماعة لكثرة رواده، ولا يحصل المحذور وهو التسلط على حق الإمام الراتب فيه. قال النووي في المجموع: إذا لم يكن للمسجد إمام راتب، فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر بالإجماع. ثانياً: أن يكون إعادة الجماعة أمراً دائماً، بأن يكون في المسجد جماعتان دائماً، فهذا لا شك أنه مكروه، لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه. • قوله (في غير الثلاثة مساجد) أي: يستثنى من إعادة الجماعة المساجد الثلاثة، وهي مسجد مكة، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فيكره إعادة الجماعة فيهما. لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى. (كشاف القناع). والصحيح: أن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما في حكم إعادة الجماعة، فلا تكره إعادة الجماعة فيهما، بل تستحب لعموم الأدلة، ولأننا لو أخذنا بالتعليل الذي ذكروه، لانطبق على المسجدين وغيرهما. وعلى هذا فإذا دخلت المسجد الحرام وقد فاتتك الصلاة مع الإمام الراتب أنت وصاحبك، فصليا جماعة ولا حرج. قال ابن قدامة: وَظَاهِرُ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تَحْصُلُ فِيهَا، كَحُصُولِهَا فِي غَيْرِهَا.

стр. 826

(وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). هذا لفظ حديث عن النبي ﷺ أخرجه مسلم في صحيحه. أي: إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز للإنسان أن يبدأ بنافلة، لا فرق بين سنة الفجر ولا غيرها. أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ) رواه مسلم. وقال الإمام الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا المكتوبة وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّى وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعاً) رواه مسلم وفي رواية البخاري (وَقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكار، وأعاده تأكيداً للإنكار. الحكمة من عدم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة: قال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، قال القاضي: وفيه حكمة أخرى وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة. وقال الشيخ ابن عثيمين: والحكمةُ مِن النَّهي هو: أن لا يتشاغلَ الإنسانُ بنافلةٍ يقيمُها وحدَه إلى جَنْبِ فريضةٍ تقيمُها الجماعةُ؛ لأنه يكون حينئذٍ مخالفاً للنَّاسِ مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّهُ في نافلةٍ، والنَّاسُ في فريضةٍ. الوجه الثاني: أَنَّهُ يُصلِّي وحدَه، والنَّاسُ يصلُّون جماعةً. وقد تقدم الكلام عن هذه المسألة.

стр. 827

فائدة: اعلم أنه لا فرق في منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة بين الراتبة أو غيرها، كما أنه لا فرق بين ركعتي الفجر أو غيرهما. وأما ما ورد من زيادة ( … فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح) فهي كما قال ابن القيم: زيادة كاسمها لا أصل لها. وقال البيهقي: وهذه الزيادة لا أصل لها. (ومن كبّر قبل سلامِ إمامهِ لحِق الجماعة). أي: إذا كبر المأموم قبل سلام إمامهِ التسليمة الأولى، فإنه يكون قد أدرك الجماعة. وهذا المذهب، وهو مذهب الحنفية. أ- لحديث عائشة. أن رسول الله ﷺ قال (منْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علق إدراك الصلاة بإدراك سجدة، وهذا يدل على أن الجماعة تدرك بأقل من ركعة. ب- أنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام أشبه ما لو أدرك ركعة. ج- أنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام فأحرم معه لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها، وهو كونه مأموماً فينبغي أن يدرك فضل الجماعة. وذهب بعض العلماء: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة مع الإمام. وهذا قول المالكية، واختار هذا القول ابن تيمية. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة) متفق عليه. وهذا نص. ب- أن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئاً من الأحكام لا في الوقت ولا في الجمعة ولا الجماعة ولا غيرها، فهو وصف ملغي في نظر الشارع فلا يجوز اعتباره، وإنما علق الشارع الأحكام بإدراك ركعة.

стр. 828

فقد علق الإدراك بها في الوقت: كما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ مِنْ اَلصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلِ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ اَلْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلْعَصْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وفي الجمعة: كما في حديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة) رواه ابن ماجه. فكذلك الجماعة. ج - أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ ، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح. وهذا القول هو الصحيح. وأما قوله ﷺ (من أدرك سجدة … ) فالمراد بالسجدة هنا الركعة. وكذلك - على القول الراجح - أن الوقت يدرك بإدراك ركعة قبل خروج الوقت. أ-لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ السابق (مَنْ أَدْرَكَ مِنْ اَلصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلِ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ اَلْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ اَلْعَصْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب-ومما يدل على ذلك أيضاً قوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه. ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة ثم طلعت عليه الشمس أو غربت أنه لا يكون مدركاً للوقت. وهذا قول الشافعي واختار ذلك ابن تيمية.

стр. 829

(ومن أدرك الركوع غير شاكً أدرك الركعة). أي: أن الركعة تدرك بالركوع. وهذا قول جماهير العلماء. قال ابن جب: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة، وهذا قول جمهور العلماء، وقد حكاه إسحاق بن راهويه وغيره إجماعاً من العلماء. أ- لحديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اَلصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ زَادَكَ اَللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ (فَرَكَعَ دُونَ اَلصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى اَلصَّفِّ). وجه الدلالة: أن أبا بكرة أدرك النبي ﷺ وهو راكع فركع دون الصف، ولم يأمره النبي ﷺ بقضائها، فدل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة. ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك ركعةً فقد أدرك الصلاة" رواه أبو داود. وفي لفظ له (من أدرك الركوع أدرك الركعة). وصحح الحديث الألباني وقال ﵀: ومما يقوي الحديث جريان عمل جماعة من الصحابة عليه: أولاً: ابن مسعود، فقد قال: من لم يُدرك الإمام راكعاً لم يُدرك تلك الركعة … وسنده صحيح. ثانياً: عبد الله بن عمر، فقد قال: إذا جئت والإمام راكع، فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع فقد أدركت. وإسناده صحيح. ثالثاً: زيد بن ثابت، كان يقول: من أدرك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة ". وإسناده جيد. قال ابن رجب: وأكثر العلماء على أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه، ولأصحابنا وجه باشتراط ذلك. وقال صاحب عون المعبود: ذهب الْجُمْهُور مِنْ الْأَئِمَّة إِلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَام رَاكِعًا دَخَلَ مَعَهُ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَة، وَإِنْ لَمْ يُدْرِك شَيْئًا مِنْ الْقِرَاءَة، وَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَام رَاكِعًا لَمْ تُحْسَب لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَة وَهُوَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَحَكَاهُ الْبُخَارِيّ فِي الْقِرَاءَة خَلْف الْإِمَام عَنْ كُلّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوب الْقِرَاءَة خَلْف الْإِمَام وَاخْتَارَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالضُّبَعِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة وَقَوَّاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَجَّحَهُ الْمَقْبِلِي.

стр. 830

تنبيه: الحد المجزئ في إدراك الركوع مع الإمام: يكون بإدراك المأموم قدر الإجزاء من الركوع قبل رفع الإمام. فإذا دخل المسجد والإمام راكع ركع معه، ويكون مدركاً للركعة إذا اجتمع مع الإمام في الركوع، ولو لم يطمئن إلا بعد رفع الإمام. قال أبو داود: " سمعت أحمد سئل عمن أدرك الإمام راكعاً، فكبر ثم ركع فرفع الإمام؟ قال: إذا أمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام فقد أدرك. (انظر: "مسائل الإمام أحمد لأبي داود). ثم يطمئن في الركوع ويرفع منه ويتابع إمامه. جاء في الموسوعة الفقهية: اتّفق الفقهاء على أنّ من أدرك الإمام في الرّكوع فقد أدرك الرّكعة، لقول النّبيّ ﷺ : «من أدرك الرّكوع فقد أدرك الرّكعة» ولأنّه لم يفته من الأركان إلاّ القيام، وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام، ثمّ يدرك مع الإمام بقيّة الرّكعة، وهذا إذا أدرك في طمأنينةٍ الرّكوع أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الرّكوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء. وفي المجموع للنووي: قال الشافعي والأصحاب: إذا أدرك مسبوق الإمام راكعا وكبر وهو قائم ثم ركع فإن وصل المأموم إلى حد الركوع المجزئ وهو أن تبلغ راحتاه ركبتيه قبل أن يرفع الإمام عن حد الركوع المجزئ فقد أدرك الركعة وحسبت. قال الشيخ ابن باز: إذا أدرك المأموم الإمام راكعا أجزأته الركعة ولو لم يسبح المأموم إلا بعد رفع الإمام. فائدة: وإذا أدركه حال الركوع أجزأته تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع. روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وسعيد وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي، وبه قال الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد). قال أبو داود: قلت لأحمد: أُدرك الإمام راكعاً؟ قال: يجزيك تكبيرة. (مسائل الإمام أحمد). وذلك لأن حال الركوع يضيق عن الجمع بين تكبيرتين في الغالب، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد، ونية الركوع لا تنافي نية افتتاح الصلاة، فأجزأ الركن وهي تكبيرة الإحرام عن الواجب وهي تكبيرة الركوع، كطواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع إذا جعله آخر شيء. فإن أمكن أن يأتي بتكبيرتين: الأولى للإحرام، والثانية للركوع فهذا أولى، قال أبو داود: " قلت لأحمد: يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: فإن كبر مرتين فليس فيه اختلاف " انتهى. قال النووي: إذا أدرك الإمام راكعاً كبر للإحرام قائماً ثم يكبر للركوع ويهوي إليه، فإن وقع بعض تكبيرة الإحرام في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضاً بلا خلاف، ولا تنعقد نفلاً أيضا على الصحيح. (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين: ولكن هنا أمْرٌ يجبُ أن يُتفَطَّنُ له، وهو أنَّه لا بُدَّ أنْ يكبِّرَ للإحرامِ قائماً منتصباً قبل أنْ يهويَ؛ لأنَّه لو هَوى في حالِ التكبيرِ لكان قد أتى بتكبيرةِ الإحرامِ غير قائمٍ، وتكبيرةُ الإحرامِ لا بُدَّ أن يكونَ فيها قائماً.

стр. 831

(وسُنَّ دخول المأموم مع إمامه كيف أدركه) أي: يسن للمأموم أن يدخل مع إمامه على حسب حاله، سواء كان قائماً أو راكعاً أو ساجداً. أ-وقد تقدم حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) متفق عليه. ففي هذا الحديث: أنه ينبغي الدخول مع الإمام ولو لم يدرك إلا قليلاً من الصلاة. قال الحافظ: استُدِل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها. ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة) رواه أبو داود. ج-وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَام). رواه الترمذي وقد نقل ابن حزم ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: واتفقوا أن من جاء والإمام قد مضى من صلاته شيء قلّ أو كثر ولم يبق إلا السلام فإنه مأمور بالدخول معه وموافقته على تلك الحال التي يجده عليها ما لم يجزم بإدراك الجماعة في مسجد آخر. وقال ابن قدامة: ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه، وإن لم يعتد له به … وذكر بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة. وقال بعضهم: لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له.

стр. 832

• حالات من دخل والإمام يصلي: أ- إذا دخل ووجد الإمام يقرأ الفاتحة، فإنه يدخل معه ويسكت. ب-إن أدركه قائماً، أو راكعاً، اعتد بتلك الركعة. ج-إن أدركه قاعداً أو ساجداً، لم يعتد به. وجاء في الحديث (إذا جئت ونحن سجود فلا تعتدها شيئاً) رواه ابن خزيمة. د-إذا جاء والإمام قائماً، فإنه يدخل معه، ويستفتح، ويتعوذ، ويقرأ. وإذا كان الإمام يقرأ الفاتحة، فإنه يسكت حتى ينتهي الإمام. و-إذا جاء والإمام راكع، فإنه يكتفي بتكبيرة الإحرام، ثم يركع، وإن كبر للركوع فحسن. • ما يفعله بعض الناس إذا جاء والإمام ساجد ينتظر حتى يقوم، هذا خطأ منتشر، وما يدري الإنسان ربما تكون هذه السجدة سبباً لمغفرة الذنوب. (ويسن أن يتابع المأموم إمامه بدون مسابقة ولا موافقة ولا تأخير). أي: أن السنة في المأموم أن يتابع إمامه. والمتابعة: أن يشرع الإنسان في أفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة. وهذه هي السنة. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ ( … وإذا ركع فاركعوا … ) أي: بعد ركوعه. ولفظ أبي داود (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين).

стр. 833

فمثلاً: إذا رَكَعَ تركع؛ وإنْ لم تكملْ القراءةَ المستحبَّةَ، ولو بقيَ عليك آيةٌ، لكونها توجب التخلُّفَ فلا تكملها، وفي السُّجودِ إذا رفعَ مِن السجودِ تابعْ الإِمامَ، فكونك تتابعُه أفضلُ من كونك تبقى ساجداً تدعو الله؛ لأنَّ صلاتَك ارتبطت بالإِمامِ، وأنت الآن مأمورٌ بمتابعةِ إمامِك. • قوله (بدون مسابقة). أي: يحرم على المأموم أن يسبق إمامه بركوع أو سجود أو رفع. والمسابقة حرام بالاتفاق. قال ابن قدامة: ولا يجوز أن يسبق إمامه. وقال ابن تيمية: أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله. أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟) متفق عليه. قوله: (رأس حمار): قيل: يقع على الحقيقة. وقيل: يحتمل أمر معنوي كالبلادة، ورجحه ابن دقيق العيد، وقال: ومما يرجح هذا المجاز بأن التحويل بالصورة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام. وقال ابن رجب: وفيه: دليل صريح عَلَى تحريم تعمد رفع المأموم رأسه قَبْلَ الإمام فِي ركوعه وسجوده؛ فإنه توعد عَلِيهِ بالمسخ، وَهُوَ من أشد العقوبات. ب- وعنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالاِنْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي - ثُمَّ قَالَ - وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) رواه مسلم.

стр. 834

وقد اختلف العلماء في حكم صلاة من سبق إمامه، وهذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يسبقه بتكبيرة الإحرام. فهذا لا تنعقد صلاته. قال الشافعي: من أحرم قبل الإمام فصلاته باطلة. وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحنفية، والمالكيّة، والشافعيَّة، الحنابلة. قال النووي: فَيُكَبِّر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام بَعْد فَرَاغ الْإِمَام مِنْهَا، فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا قَبْل فَرَاغ الْإِمَام مِنْهَا لَمْ تَنْعَقِد صَلَاته. أ-لقوله ﷺ (إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا). وجه الدلالة: أنَّ قوله (إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به) دلّ على أنَّ الائتمامَ لا يتحقَّق إذا لم يُكبِّرِ الإمامُ، أو إذا لم ينتهِ من التكبير؛ لِأَنَّهُ نَوَى الاقْتِداء بمَن لم يَصِرْ إمامًا بل بمَن سيصيرُ إمامًا إذا فرَغ مِن التَّكبِير. ب-ولقوله (فإذا كبَّر فكبِّروا) فيه أمرُ المأموم بأن يكونَ تكبيرُه عقبَ تكبيرِ الإمام. ج- ولأنَّ معنى الاقتداءِ، وهو البناء، لا يُتصوَّر هاهنا؛ لأنَّ البناءَ على العدمِ مُحال. القسم الثاني: أن يسبق الإمام إلى ركن من الأركان كالركوع والسجود عمداً عالماً بالحكم. فهذه اختلف العلماء في صحة الصلاة على قولين: القول الأول: أنها باطلة. قال ببطلانها أحمد في رواية عنه، وأهل الظاهر، ورجحه الشيخ ابن عثيمين. أ- لحديث (أما يخشى الذي يرفع … ) فلو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخف عليه العقاب أن يحول الله رأسه رأس حمار. ب- علل ابن تيمية: أن هذا زاد في الصلاة عمداً فتبطل، كما لو فعل قبله ركوعاً أو سجوداً عمداً فإن الصلاة تبطل بلا ريب. القول الثاني: تصح صلاته مع الإثم. وهذا قول الجمهور.

стр. 835

قال ابن رجب: وَهُوَ قَوْلِ أكثر الفقهاء. وقال ابن حجر: الجمهور على أنّ فاعله يأثم وتجزئ صلاته. علل النووي ذلك بقوله: بأنها مخالفة يسيرة فلا تبطل الصلاة بها. وقال الشوكاني في نيل الأوطار عند شرح الحديث المذكور: وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات وبذلك جزم النووي في شرح المهذب، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئه صلاته. والراجح الأول. القسم الثالث: أن يسبق إمامه ساهياً أو جاهلاً. فصلاته صحيحة. لكن هل يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده أم يستحب؟ قولان: أصحهما أنه يجب أن يرجع ليأتي به بعد الإمام. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة. لأنه فعله في غير محله، لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتاً لفعل المأموم، فصار بمنزلة من صلى قبل الوقت، أو بمنزلة من كبر قبل تكبير الإمام. (ابن تيمية). … (أحكام الإمام والائتمام). الثالثة: الموافقة (المقارنة). وهذه تنقسم إلى قسمين: أولاً: أن يوافقه في تكبيرة الإحرام. جمهور العلماء على أن من وافق الإمام في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته. وذهب الحنفية إلى انعقاد صلاته، والصحيح الأول. الثاني: أن يوافقه في غير تكبيرة الإحرام، كأن يركع مع إمامه أو يسجد معه. وهذه مكروهة. وهذا قول أكثر العلماء.

стр. 836

وقد جاء عند أبي داود - كما تقدم - زيادة في حديث (فإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع. . .) (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ»، وَكَذَا قَالَ فِي الرُّكُوعِ «وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ» وَقَالَ فِي السُّجُودِ «وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ». قال العراقي: وَفَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد نَفْيُ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ وقال ابن حجر ﵀ " زَادَ أَبُو دَاوُدَ (وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ) وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تَنْفِي احْتِمَالَ إِرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ مِنْ قَوْلِهِ (إِذَا كبر فكبروا. . . .). لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي انْتِفَاء التَّقَدُّمِ وَالْمُقَارَنَةِ وَاللَّهُ أَعْلَم. (الفتح). وفي (عمدة القاري) ورِوَايَة أبي دَاوُد تصرح بِانْتِفَاء التَّقَدُّم والمقارنة. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة؛ من الرفع والوضع، بعد فراغ الإمام منه، ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الموافقةُ في الأفعالِ وهي مكروهةٌ، وقيل: إنها خِلافُ السُّنَّةِ، ولكن الأقربُ الكراهةُ. مثال الموافقة: لما قالَ الإِمامُ: «الله أكبر» للرُّكوعِ، وشَرَعَ في الهوي هويتَ أنت والإِمامُ سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأنَّ الرسولَ ﵊ قال: «إذا رَكع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركعَ» وفي السُّجودِ لما كبَّرَ للسجودِ سجدتَ، ووصلتَ إلى الأرضِ أنت وهو سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأن الرَّسول ﷺ نهى عنه، فقال: «لا تسجدوا حتى يسجدَ» قال البراءُ بن عَازب: كان النبي ﷺ إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه» لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتى يقعَ النَّبيُّ ﷺ سَاجداً، ثم نَقَعُ سجوداً بعدَه. (الشرح الممتع).

стр. 837

قال ابن الملقن في شرح حديث الباب: هذا الحديث دال بمنطوقه على عدم المسابقة، وبمفهومه على جواز المقارنة، ولا شك فيه لكن يكره، ويفوت به فضيلة الجماعة. الرابعة: التخلف. وهو ينقسم إلى قسمين: ١ - تخلف بعذر. ٢ - تخلف بغير عذر. أ- إذا كان بعذر: فإنه يأتي بما تخلف به ويتابع الإمام، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه فإنه لا يأتي به ويبقى مع الإمام وتصبح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه (الركعة التي تخلف فيها - الركعة التي وصل إليها الإمام وهو في مكانه). ب- التخلف لغير عذر: اختلف العلماء على قولين: قيل: لا تبطل صلاته. وقيل: تبطل. لقوله ﷺ (إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به). ومعناه: أنَّ الائتمامَ يَقتضي متابعةَ المأمومِ لإمامِه؛ فلا يجوزُ له المقارنةُ والمسابقةُ والمخالفةُ. ورجحه الشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ ابن عثيمين: النوع الثاني: التخلُّف لغيرِ عُذرٍ. إما أن يكون تخلُّفاً في الرُّكنِ، أو تخلُّفاً برُكنٍ. فالتخلُّفُ في الرُّكنِ معناه: أن تتأخَّر عن المتابعةِ، لكن تدركُ الإِمامُ في الرُّكنِ الذي انتقل إليه، مثل: أن يركعَ الإِمامُ وقد بقيَ عليك آيةٌ أو آيتان مِن السُّورةِ، وبقيتَ قائماً تكملُ ما بقي عليك، لكنك ركعتَ وأدركتَ الإِمامَ في الرُّكوعِ، فالرَّكعةُ هنا صحيحةٌ، لكن الفعلَ مخالفٌ للسُّنَّةِ؛ لأنَّ المشروعَ أن تَشْرَعَ في الرُّكوعِ من حين أن يصلَ إمامك إلى الرُّكوعِ، ولا تتخلَّف؛ لقول النبي ﷺ (إذا رَكَعَ فاركعوا). والتخلُّفُ بالرُّكنِ معناه: أنَّ الإِمامَ يسبقك برُكنٍ، أي: أن يركَعَ ويرفعَ قبل أن تركعَ. فالفقهاءُ ﵏ يقولون: إذا تخلَّفتَ بالرُّكوعِ فصلاتُك باطلةٌ كما لو سبقته به، وإنْ تخلَّفتَ بالسُّجودِ فصلاتُك على ما قال الفقهاءُ صحيحةٌ؛ لأنه تَخلُّفٌ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ. ولكن القولَ الراجحَ أنَّه إذا تخلَّفَ عنه برُكنٍ لغيرِ عُذرٍ فصلاتُه باطلةٌ، سواءٌ كان الرُّكنُ ركوعاً أم غير ركوع. وعلى هذا؛ لو أنَّ الإِمامَ رَفَعَ مِن السجدةِ الأولى، وكان هذا المأمومُ يدعو اللهَ في السُّجودِ فبقيَ يدعو اللهَ حتى سجدَ الإِمامُ السجدةَ الثانيةَ فصلاتُه باطلةٌ؛ لأنه تخلُّفٌ بركنٍ، وإذا سبقه الإِمامُ بركنٍ فأين المتابعة؟

стр. 838

فائدة: الموافقةُ في الأقوالِ لا تضرُّ إلا في تكبيرةِ الإِحرامِ والسلامِ. أما في تكبيرةِ الإِحرامِ؛ فإنك لو كَبَّرتَ قبلَ أن يُتمَّ الإِمامُ تكبيرةَ الإِحرام لم تنعقدْ صلاتُك أصلاً؛ لأنه لا بُدَّ أن تأتيَ بتكبيرةِ الإِحرامِ بعد انتهاءِ الإِمامِ منها نهائياً. وأما الموافقةُ بالسَّلام، فقال العلماءُ: إنه يُكره أن تسلِّمَ مع إمامِك التسليمةَ الأُولى والثانية، وأما إذا سلَّمت التسليمةَ الأولى بعدَ التسليمة الأولى، والتسليمةَ الثانية بعد التسليمةِ الثانية، فإنَّ هذا لا بأس به، لكن الأفضل أن لا تسلِّمَ إلا بعد التسليمتين. وأما بقيةُ الأقوالِ: فلا يؤثِّرُ أن توافق الإِمامَ، أو تتقدَّم عليه، أو تتأخَّرَ عنه، فلو فُرِضَ أنك تسمعُ الإِمامَ يتشهَّدُ، وسبقتَه أنت بالتشهُّدِ، فهذا لا يضرُّ لأن السَّبْقَ بالأقوالِ ما عدا التَّحريمةِ والتسَّليمِ ليس بمؤثرٍ ولا يضرُّ، وكذلك أيضاً لو سبقتَه بالفاتحة فقرأت (ولا الضالين) وهو يقرأ (إياك نعبد وإياك نستعين) في صلاةِ الظُّهرِ مثلاً، لأنه يُشرعُ للإِمامِ في صلاةِ الظُّهر والعصرِ أن يُسمِعَ النَّاسَ الآيةَ أحياناً كما كان الرسول ﷺ يفعلُ. (ابن عثيمين). (ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام). أي: يسن للإمام إذا صلى بالناس أن يخفف بهم مع الإتمام. أ- عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَباً مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ) متفق عليه. ب- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) متفق عليه. ج- وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ (أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوِ النِّسَاءِ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ، أَوْ فَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ - فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْس وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَة) متفق عليه.

стр. 839

وقد اختلف العلماء في حكم التخفيف هل هو واجب أم مستحب على قولين: القول الأول: أنه واجب. أ-لقوله ﷺ (فليخفف) وهذا أمر وهو يقتضي الوجوب. ب-ولحديث أبي مسعود ( … فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضباً منه يومئذٍ … ). ج- ولأن النبي ﷺ أيضاً غضب غضباً شديداً لما أطال معاذ بأصحابه بالصلاة، وقال: أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ. أي منفر عن الدين وصاد عنه، كما في حديث جابر السابق. القول الثاني: أنه مستحب. وهذا مذهب الشافعي. والراجح الأول، وأن التطويل الزائد على السنة حرام. • والتخفيف المطلوب من الإمام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تخفيف لازم. وهو أن لا يتجاوز الإنسان ما جاءت به السنة. (وهذا غالب فعل النبي ﷺ . ودليله حديث أبي هريرة السابق (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف). القسم الثاني: تخفيف عارض. وهو أن يكون هناك سبب يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة، أي أنه يخفف أكثر مما جاءت به السنة. عن أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّه) متفق عليه. قال ابن رجب: قوله ( … أريد أن أطول فيها) فالمعنى: أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد، وليس المراد: الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة. • المراد بالتخفيف أن يكون بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، فيلزم الإمام التخفيف مع الإتمام. أ- لحديث أَنَسٍ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا). ب- ولحديثه الآخر (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات). ج- وعنه قال (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ . د - وعنه (أن النبي ﷺ كان يُوجِز في الصلاة ويُتِم) رواه مسلم.

стр. 840

قال ابن رجب: … فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهي عَنْهُ. وقال ابن حجر في قوله (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا) المراد بالإيجاز مع الإكمال، والإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض. أمثلة: إذا قرأ الإمام في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فليس مطولاً، لأنه موافق السنة. وكذلك إذا قرأ في صلاة الصبح من يوم الجمعة (السجدة) و (الإنسان) فإنه لا يعتبر مطولاً، لأنه موافق للسنة. • اختلف العلماء في ضابط التخفيف المأمور به على أقوال: قيل: أن لا يزيد عن أدنى الكمال (وهو ثلاث تسبيحات). وقيل: أن يراعي أضعفهم، ورجحه ابن حزم، وابن حجر. لقوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: ( … أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم) رواه أبو داود. قال ابن حجر: وأولى ما أخِذَ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ قال له: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم). وهذا هو الصحيح، لكن عليه أن يراعي أن لا يصل التخفيف إلى حد الإخلال بالصلاة، أو أن يسرع سرعة زائدة. • يجوز للإنسان إذا صلى لوحده أن يطول، لأنه لا يشق على أحد، لكن بشرط أن لا يخرج الوقت. • ما الحكم لو كان الجماعة محصورين وآثروا التطويل؟ لا بأس أن يطوّل لهم، لانتفاء العلة التي من أجلها أمر بالتخفيف. قال العراقي: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورضُوا بالتطويل طوّل.

стр. 841

فائدة ١: قوله ﷺ (أفتان يا معاذ) قال النووي: قَوْله ﷺ (أَفَتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذ) أَيْ مُنَفِّر عَنْ الدِّين وَصَادّ عَنْهُ. فَفِيهِ الْإِنْكَار عَلَى مَنْ اِرْتَكَبَ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا غَيْر مُحَرَّم. (شرح مسلم). وقال ابن رجب: قال الخطابي، والفتنة عَلَى وجوه، ومعناها هاهنا: صرف النَّاس عَن الدين، وحملهم عَلَى الضلال. قَالَ تعالى (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أي: مضلين. وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد، والأظهر: أن المراد بالفتنة هاهنا: الشغل عَن الصلاة؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته، ويلهيه عَنْهَا، كما أن النَّبِيّ ﷺ لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها، وَقَالَ (كادت تفتنني). وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير، وَقَالَ (لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي). ومنه: تخفيفه (الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه). ومنه: قَوْلِ أَبِي طلحة، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته: لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة. وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله، سوى حَدِيْث بكاء الصبي؛ فإنه سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى. وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى. والفتنة فِي هذه المواضع كلها، هُوَ: الاشتغال عَن الصلاة، والالتهاء عَنْهَا. (الفتح لابن رجب). فائدة ٢: جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير، وجواز الغضب لما يُنكر من أمور الدين، والغضب في الموعظة، وأن المأموم إذا اشتكى إمامه لا يعتبر غيبة له فهي مستثناة. (وتطويلُ الركعةِ الأولى أكثر من الثانية). أي: ويسن للمصلي أن يطوّل الركعة الأولى أكثر من الثانية. وقد تقدمت المسألة.

стр. 842

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً … ) متفق عليه. قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ لِلصَّلَاةِ. وقال النووي: وَقَوْله (وَكَانَ يُطَوِّل الرَّكْعَة الْأُولَى وَيَقْصُر الثَّانِيَة) هَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَمَل بِظَاهِرِهِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَشْهَرهمَا عِنْدهمْ لَا يُطَوِّل، وَالْحَدِيث مُتَأَوِّل عَلَى أَنَّهُ طُول بِدُعَاءِ الِافْتِتَاح وَالتَّعَوُّذ، أَوْ لِسَمَاعِ دُخُول دَاخِل فِي الصَّلَاة وَنَحْوه لَا فِي الْقِرَاءَة، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الْأُولَى قَصْدًا هَذَا وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار الْمُوَافِق لِظَاهِرِ السُّنَّة، وَمَنْ قَالَ بِقِرَاءَةِ السُّورَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَخَفّ مِنْهَا فِي الْأُولَيَيْنِ. (شرح مسلم). وقال ﵀ في المجموع بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: والصحيح استحباب تطويل الأولى كما قاله القاضي أبو الطيب ونقله وقد وافقه غيره، وممن قال به الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وحسبك به معتمداً في هذا. (المجموع). • والحكمة في مشروعية تطويل الركعة الأولى عن الثانية: قيل: إن المصلي يكون في أول الصلاة نشيطاً مقبلاً على صلاته. وقيل: حتى يدرك الناس الركعة الثانية. قال في (عون المعبود) وَادَّعَى اِبْن حِبَّان أَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا طَالَتْ عَلَى الثَّانِيَة بِالزِّيَادَةِ فِي التَّرْتِيل فِيهَا مَعَ اِسْتِوَاء الْمَقْرُوء فِيهِمَا. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حَفْصَة أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَتِّل السُّورَة حَتَّى تَكُون أَطْوَل مِنْ أَطْوَل مِنْهَا. ذَكَرَهُ الْحَافِظ.

стр. 843

(ويستحبُّ انتظارُ داخلٍ ما لم يشق على مأموم). أي: يستحب للإمام أن ينتظر الداخل معه في الصلاة بشرط أن لا يشق على مأموم. • وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: فقيل: مكروه. وقيل: مستحب. وقيل: مستحب مالم يشق على المأمومين، واختاره الشيخ ابن عثيمين. قال الإمام الخطابي في المعالم: فيه (أي: حديث إني لأدخل في الصلاة فأسمع بكاء الصبي … ) دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحس برجل يريد الصلاة معه، كان له أن ينتظره راكعاً ليدرك فضيلة الركعة في جماعة، لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة النساء في بعض أمور الدنيا، كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى. وقال في فيض القدير: وفيه أن الإمام إذا أحس بداخل وهو في ركوعه أو تشهده الأخير، له انتظار لحوقه راكعاً ليدرك الركعة، أو قاعدا ليدرك الجماعة. وقال الإمام الشوكاني: وقد حكى استحباب ذلك (انتظار الداخل ليدرك الجماعة) ابن المنذر عن الشعبي، والنخعي ونقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد. وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر، وشدد في ذلك بعضهم وقال: أخاف أن يكون شركاً وهو قول محمد بن الحسن. وقال أحمد، وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين، جاز، وإن كان مما يضر، ففيه الخلاف. (نيل الأوطار).

стр. 844

وقال ابن قدامة: إذا أحس بداخل، وهو في الركوع، يريد الصلاة معه: أ-وكانت الجماعة كثيرة، كره انتظاره؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه. ب- وإن كانت الجماعة يسيرة، وكان انتظاره يشق عليهم، كره أيضاً؛ لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه. ج- وإن لم يشق لكونه يسيراً، فقد قال أحمد: ينتظره ما لم يشق على من خلفه. وهذا مذهب أبي مجلز، والشعبي، والنخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور. وقال الأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة: لا ينتظره؛ لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع، كالرياء. ولنا، أنه انتظار ينفع ولا يشق، فشرع، كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره، وقال (إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله). وقال (إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه). وقال (من أم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة). وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية، ولأن منتظر الصلاة في صلاة، وقد كان النبي ﷺ ينتظر الجماعة، فقال جابر (كان النبي ﷺ يصلي العشاء أحياناً، وأحياناً إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر) وبهذا كله يبطل ما ذكروه من التشريك. … (المغني).

стр. 845

(وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرهَ منعُها). أي: إذا طلبت المرأة الإذن والسماح من ولي أمرها بالخروج للمسجد للصلاة فإنه يكره منعها. لحديث عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَر قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا). قَالَ فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ؛ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. وفي لفظ لمسلم (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ). فقوله ﷺ (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) نهي الرجل أن يمنع امرأته إذا استأذنته بالخروج للمسجد. • وقد اختَلف أهلُ العِلمِ في إذنِ الزوجِ لزوجتِه إذا استأذنتْه للخروجِ إلى المسجِد على قولين: القول الأوَّل: يُستحبُّ للزوجِ أن يأذنَ لزوجتِه إذا استأذنتْه في الخروجِ إلى المسجدِ للصلاةِ إذا أُمِنتِ الفتنةُ، فإنْ منَعَها لم يحرُمْ عليه منعُها. (يكره منعها). وهو مذهبُ المالكية، والشافعية، والحنابلة، وحُكي أنَّه قولُ عامَّة العلماء. قال النووي: هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء … وَهَذَا النَّهْي عَنْ مَنْعهنَّ مِنْ الْخُرُوج مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه إِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة ذَات زَوْج أَوْ سَيِّد وَوُجِدَتْ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة. لحديث الباب (لا تَمْنعوا إماءَ اللهِ مساجِدَ الله). والنهيَ للتَّنزيه. وذلك لِمَا يلي: أولًا: لو كان إذنُ الزَّوجِ واجبًا لانْتفَى معنى الاستئذانِ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يتحقَّق إذا كان المستأذنُ مخيَّرًا في الإجابةِ أو الردّ. ثانيًا: أنَّ حقَّ الزوجِ في ملازمةِ المسكنِ واجبٌ؛ فلا تتركه للفضيلة. ثالثًا: لو كان المنعُ حرامًا لكان من حقِّ الزوجةِ أن تخرُجَ إلى المسجدِ دون إذنِ زَوجِها، شاءَ أو أبَى. القول الثَّاني: يجبُ على الزوجِ أنْ يأذنَ لزوجتِه إذا استأذنتْه إلى المسجدِ للصلاةِ، إذا أُمِنت الفتنة، ويحرم منعها. وهو قولُ ابنِ عبد البر، وابنِ حزم، والشوكاني، والشِّنقيطيّ، وابنِ باز، وابنِ عُثَيمين. لحديث ابن عمر السابق حينما قال بلال (واللهِ لنمنعهنّ) قال: فأقْبَلَ عليه عبدُ اللهِ فسَبَّه سبًّا سيِّئًا ما سمعتُه سبَّ مِثلَه قطُّ، وقال: أُخبِرُكُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وتقول: واللهِ لنمنعهن. فهذا الفِعلُ مِن ابنِ عُمرَ يدلُّ على تحريمِ المنع. ولحديث (لا تَمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله).
следующие страницы →