← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فائدة ١: قوله ﷺ (أفتان يا معاذ) قال النووي: قَوْله ﷺ (أَفَتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذ) أَيْ مُنَفِّر عَنْ الدِّين وَصَادّ عَنْهُ. فَفِيهِ الْإِنْكَار عَلَى مَنْ اِرْتَكَبَ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا غَيْر مُحَرَّم. (شرح مسلم). وقال ابن رجب: قال الخطابي، والفتنة عَلَى وجوه، ومعناها هاهنا: صرف النَّاس عَن الدين، وحملهم عَلَى الضلال. قَالَ تعالى (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أي: مضلين. وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد، والأظهر: أن المراد بالفتنة هاهنا: الشغل عَن الصلاة؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته، ويلهيه عَنْهَا، كما أن النَّبِيّ ﷺ لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها، وَقَالَ (كادت تفتنني). وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير، وَقَالَ (لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي). ومنه: تخفيفه (الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه). ومنه: قَوْلِ أَبِي طلحة، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته: لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة. وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله، سوى حَدِيْث بكاء الصبي؛ فإنه سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى. وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى. والفتنة فِي هذه المواضع كلها، هُوَ: الاشتغال عَن الصلاة، والالتهاء عَنْهَا. (الفتح لابن رجب). فائدة ٢: جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير، وجواز الغضب لما يُنكر من أمور الدين، والغضب في الموعظة، وأن المأموم إذا اشتكى إمامه لا يعتبر غيبة له فهي مستثناة. (وتطويلُ الركعةِ الأولى أكثر من الثانية). أي: ويسن للمصلي أن يطوّل الركعة الأولى أكثر من الثانية. وقد تقدمت المسألة.

стр. 842

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً … ) متفق عليه. قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ لِلصَّلَاةِ. وقال النووي: وَقَوْله (وَكَانَ يُطَوِّل الرَّكْعَة الْأُولَى وَيَقْصُر الثَّانِيَة) هَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَمَل بِظَاهِرِهِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَشْهَرهمَا عِنْدهمْ لَا يُطَوِّل، وَالْحَدِيث مُتَأَوِّل عَلَى أَنَّهُ طُول بِدُعَاءِ الِافْتِتَاح وَالتَّعَوُّذ، أَوْ لِسَمَاعِ دُخُول دَاخِل فِي الصَّلَاة وَنَحْوه لَا فِي الْقِرَاءَة، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الْأُولَى قَصْدًا هَذَا وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار الْمُوَافِق لِظَاهِرِ السُّنَّة، وَمَنْ قَالَ بِقِرَاءَةِ السُّورَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَخَفّ مِنْهَا فِي الْأُولَيَيْنِ. (شرح مسلم). وقال ﵀ في المجموع بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: والصحيح استحباب تطويل الأولى كما قاله القاضي أبو الطيب ونقله وقد وافقه غيره، وممن قال به الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وحسبك به معتمداً في هذا. (المجموع). • والحكمة في مشروعية تطويل الركعة الأولى عن الثانية: قيل: إن المصلي يكون في أول الصلاة نشيطاً مقبلاً على صلاته. وقيل: حتى يدرك الناس الركعة الثانية. قال في (عون المعبود) وَادَّعَى اِبْن حِبَّان أَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا طَالَتْ عَلَى الثَّانِيَة بِالزِّيَادَةِ فِي التَّرْتِيل فِيهَا مَعَ اِسْتِوَاء الْمَقْرُوء فِيهِمَا. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حَفْصَة أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَتِّل السُّورَة حَتَّى تَكُون أَطْوَل مِنْ أَطْوَل مِنْهَا. ذَكَرَهُ الْحَافِظ.

стр. 843

(ويستحبُّ انتظارُ داخلٍ ما لم يشق على مأموم). أي: يستحب للإمام أن ينتظر الداخل معه في الصلاة بشرط أن لا يشق على مأموم. • وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: فقيل: مكروه. وقيل: مستحب. وقيل: مستحب مالم يشق على المأمومين، واختاره الشيخ ابن عثيمين. قال الإمام الخطابي في المعالم: فيه (أي: حديث إني لأدخل في الصلاة فأسمع بكاء الصبي … ) دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحس برجل يريد الصلاة معه، كان له أن ينتظره راكعاً ليدرك فضيلة الركعة في جماعة، لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة النساء في بعض أمور الدنيا، كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى. وقال في فيض القدير: وفيه أن الإمام إذا أحس بداخل وهو في ركوعه أو تشهده الأخير، له انتظار لحوقه راكعاً ليدرك الركعة، أو قاعدا ليدرك الجماعة. وقال الإمام الشوكاني: وقد حكى استحباب ذلك (انتظار الداخل ليدرك الجماعة) ابن المنذر عن الشعبي، والنخعي ونقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد. وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر، وشدد في ذلك بعضهم وقال: أخاف أن يكون شركاً وهو قول محمد بن الحسن. وقال أحمد، وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين، جاز، وإن كان مما يضر، ففيه الخلاف. (نيل الأوطار).

стр. 844

وقال ابن قدامة: إذا أحس بداخل، وهو في الركوع، يريد الصلاة معه: أ-وكانت الجماعة كثيرة، كره انتظاره؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه. ب- وإن كانت الجماعة يسيرة، وكان انتظاره يشق عليهم، كره أيضاً؛ لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه. ج- وإن لم يشق لكونه يسيراً، فقد قال أحمد: ينتظره ما لم يشق على من خلفه. وهذا مذهب أبي مجلز، والشعبي، والنخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور. وقال الأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة: لا ينتظره؛ لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع، كالرياء. ولنا، أنه انتظار ينفع ولا يشق، فشرع، كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره، وقال (إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله). وقال (إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه). وقال (من أم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة). وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية، ولأن منتظر الصلاة في صلاة، وقد كان النبي ﷺ ينتظر الجماعة، فقال جابر (كان النبي ﷺ يصلي العشاء أحياناً، وأحياناً إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر) وبهذا كله يبطل ما ذكروه من التشريك. … (المغني).

стр. 845

(وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرهَ منعُها). أي: إذا طلبت المرأة الإذن والسماح من ولي أمرها بالخروج للمسجد للصلاة فإنه يكره منعها. لحديث عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَر قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا). قَالَ فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ؛ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. وفي لفظ لمسلم (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ). فقوله ﷺ (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) نهي الرجل أن يمنع امرأته إذا استأذنته بالخروج للمسجد. • وقد اختَلف أهلُ العِلمِ في إذنِ الزوجِ لزوجتِه إذا استأذنتْه للخروجِ إلى المسجِد على قولين: القول الأوَّل: يُستحبُّ للزوجِ أن يأذنَ لزوجتِه إذا استأذنتْه في الخروجِ إلى المسجدِ للصلاةِ إذا أُمِنتِ الفتنةُ، فإنْ منَعَها لم يحرُمْ عليه منعُها. (يكره منعها). وهو مذهبُ المالكية، والشافعية، والحنابلة، وحُكي أنَّه قولُ عامَّة العلماء. قال النووي: هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء … وَهَذَا النَّهْي عَنْ مَنْعهنَّ مِنْ الْخُرُوج مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه إِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة ذَات زَوْج أَوْ سَيِّد وَوُجِدَتْ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة. لحديث الباب (لا تَمْنعوا إماءَ اللهِ مساجِدَ الله). والنهيَ للتَّنزيه. وذلك لِمَا يلي: أولًا: لو كان إذنُ الزَّوجِ واجبًا لانْتفَى معنى الاستئذانِ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يتحقَّق إذا كان المستأذنُ مخيَّرًا في الإجابةِ أو الردّ. ثانيًا: أنَّ حقَّ الزوجِ في ملازمةِ المسكنِ واجبٌ؛ فلا تتركه للفضيلة. ثالثًا: لو كان المنعُ حرامًا لكان من حقِّ الزوجةِ أن تخرُجَ إلى المسجدِ دون إذنِ زَوجِها، شاءَ أو أبَى. القول الثَّاني: يجبُ على الزوجِ أنْ يأذنَ لزوجتِه إذا استأذنتْه إلى المسجدِ للصلاةِ، إذا أُمِنت الفتنة، ويحرم منعها. وهو قولُ ابنِ عبد البر، وابنِ حزم، والشوكاني، والشِّنقيطيّ، وابنِ باز، وابنِ عُثَيمين. لحديث ابن عمر السابق حينما قال بلال (واللهِ لنمنعهنّ) قال: فأقْبَلَ عليه عبدُ اللهِ فسَبَّه سبًّا سيِّئًا ما سمعتُه سبَّ مِثلَه قطُّ، وقال: أُخبِرُكُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وتقول: واللهِ لنمنعهن. فهذا الفِعلُ مِن ابنِ عُمرَ يدلُّ على تحريمِ المنع. ولحديث (لا تَمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله).

стр. 846

قالوا: انَّ النَّهي في الحديثِ للتحريم. قال الشيخ ابن عثيمين: وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ هذا الحديث نهيٌ، والأصلُ في النَّهيِ التحريمُ، وعلى هذا؛ فيحرمُ على الوَليِ أنْ يمنعَ المرأةَ إذا أرادت الذِّهابَ إلى المسجدِ لتصلِّي مع المسلمين، وهذا القول هو الصَّحيحُ. ويدلُّ لهذا: أنَّ ابنَ عُمرَ ﵁ لما قال له ابنُه بلالٌ حينما حَدَّثَ بهذا الحديث: واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، أقبلَ إليه عبدُ الله فسبَّهُ سبًّا شديداً ما سبَّهُ مثلَه قطُّ، وقال له: أقولُ لك: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تمنعوا إماءَ اللهِ» وتقول: «والله لَنَمْنَعُهُنَّ» فَهَجَرَهُ. لأنَّ هذا مضادَّةٌ لكلامِ الرَّسولِ ﷺ وهذا أمرٌ عظيمٌ، وتعظيمُ كلامِ اللهِ ورسولِهِ عند السَّلفِ لا يماثُله تعظيمُ أحدٍ مِن الخَلَفِ. (الشرح الممتع) والراجح كراهة منعها كما هو قول الجمهور. • شروط خروج المرأة للمسجد. الأول: الأمن من الفتنة عليهن أو بهن. الثاني: عدم التزين والتطيب. أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ) رواه مسلم. ب- وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيباً) متفق عليه. ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ). رواه أبو داود … (تفلات) غير متطيبات. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَتَفِلَاتٌ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ: تَارِكَاتٌ الطِّيبِ. قال الشنقيطي: وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسْجِدِ; لِأَنَّهَا تُحَرِّكُ شَهْوَةَ الرِّجَالِ بِرِيحِ طِيبِهَا، فَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلْحَقُوا بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَصَوْتِ الْخَلْخَالِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَالِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ الْجَمِيعَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ بِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الرِّجَالِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال، وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر.

стр. 847

وجاء في حاشية الروض: وإنما أمرن بذلك لئلا يحركن الرجال بطيبهن، ويلحق بالطيب ما في معناه من المحركات لداعي الشهوة، كحسن الملبس، والتحلي ونحو ذلك، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إلى ميل الرجال، وتشوفهم إليها، فنهيت عن ذلك، سدا للذريعة، وحماية عن المفسدة. الثالث: إذن الزوج. لحديث ابن عمر السابق (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ). وفي رواية (لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ). الرابع: أن الخروج خاص بالعجوز دون الشابة. لِأَنَّ الشَّابّةَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّابَّةَ إِذَا خَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، وَلَا مُتَلَبِّسَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ أَنَّ لَهَا الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ. الخامس: اشترط بعضهم أن تخرج ليلاً لا نهاراً. لحديث ابن عمر - السابق - (لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ) حيث فيه التقييد بالليل. وذهب بعض العلماء إلى أن هذا ليس بشرط. لأن أكثر روايات حديث ابن عمر الْإِطْلَاقُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ. قال الشنقيطي: الْأَظْهَرُ عِنْدِي تَقْدِيمُ رِوَايَاتِ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُضُورِ النِّسَاءِ الصَّلَاةَ مَعَهُ ﷺ فِي غَيْرِ اللَّيْلِ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا الدَّالِّ عَلَى حُضُورِهِنَّ مَعَهُ ﷺ الصُّبْحَ، وَهِيَ صَلَاةُ نَهَارٍ لَا لَيْلٍ، وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ صَلَاةِ اللَّيْلِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِنَّ يَرْجِعْنَ لِبُيُوتِهِنَّ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنَ النَّهَارِ قَطْعًا، لَا مِنَ اللَّيْلِ، وَكَوْنُهُ مِنَ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنَ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ.

стр. 848

• اعْلَمْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ شُرُوطٌ يَرْجِعُ جَمِيعُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْأَةِ وَقْتَ خُرُوجِهَا لِلْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مُتَلَبِّسَةً بِمَا يَدْعُو إِلَى الْفِتْنَةِ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَسَادِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) مَا نَصُّهُ: هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ الْمَسْجِدَ، وَلَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ أَلَّا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً، وَلَا مُتَزَيِّنَةً، وَلَا ذَاتَ خَلَاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُهَا، وَلَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ، وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا، مِمَّنْ يُفْتَنُ بِهَا، وَأَلَّا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يُخَافُ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ وَنَحْوُهَا. (وبيتُها خيرٌ لها). أي: صلاة المرأة في بيتها خير وأفضل من ذهابها للمسجد. أ- عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُن) رواه أبو داود. ب- وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ ﷺ (خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنّ). ج- وعن عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا) رواه أبو داود. د- في صلاة المرأة في بيتها الأمن من الفتنة، فيكون أفضل، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج.

стр. 849

قال الشنقيطي: وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) خَاصٌّ بِالرِّجَالِ، أَمَّا النِّسَاءُ فَصَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. وجاء في حديث آخر ( … وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك) رواه أحمد. جاء في (الموسوعة الفقهية) اتفق الفقهاء على أن صلاة الرجل في المسجد جماعة أفضل من صلاته منفرداً في البيت، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة) وفي رواية: (بسبع وعشرين درجة). متفق عليه أما في حق النساء فإن صلاتهن في البيت أفضل؛ لحديث أم سلمة مرفوعاً: (خير مساجد النساء قعر بيوتهن). رواه أحمد. جاء في حاشية الروض المربع: أجمع العلماء أن صلاة المرأة في بيتها، أفضل من صلاتها في المسجد، فإن النساء أعظم حبائل الشيطان، وأوثق مصائده، فإذا خرجن نصبهن شبكة، يصيد بها الرجال، فيغريهم ليوقعهم في الزنا، فعدم خروجهن حسما لمادة إغوائه وإفساده، وفي الصحيحين من حديث عائشة، لو رأى ما رأينا لمنعهن من المسجد، كما منعت بنو إسرائيل. فائدة: الحكمة من أمر النبي ﷺ للنساء بحضور صلاة العيد، مع أن صلاة المرأة في بيتها أفضل. قال ابن تيمية: مَا كَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَقَلُّهُنَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 850

وَقَالَ (صَلَاةُ إحْدَاكُنَّ فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصِلَاتُهَا فِي حُجْرَتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي دَارِهَا وَصِلَاتُهَا فِي دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا وَصِلَاتُهَا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا مَعِي -أَوْ قَالَ- خَلْفِي). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَقَدْ أَخْبَرَ الْمُؤْمِنَاتِ: أَنَّ صَلَاتَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ لَهُنَّ مِنْ شُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَّا "الْعِيدُ" فَإِنَّهُ أَمَرَهُنَّ بِالْخُرُوجِ فِيهِ وَلَعَلَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَسْبَابِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فَقُبِلَ بِخِلَافِ الْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ خِلَافَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا الظُّهْرُ هُوَ جُمْعَتُهَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ خُرُوجٌ إلَى الصَّحْرَاءِ لِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَجِّ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعِيدُ الْأَكْبَرُ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ موقفة لِلْحَجِيجِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ إذَا عَلِمْنَ أَنَّ صَلَاتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَمْ يَتَّفِقْ أَكْثَرُهُنَّ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْقُرُونِ عَلَى الْمَفْضُولِ مِنْ الْأَعْمَال.

стр. 851

باب الإمامة المراد بالإمامة هنا إمامة الصلاة. (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا). هذا لفظ حديث رواه مسلم في صحيحه: لفظه: عن أبي مسعود قال: قال ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ). فهذا الحديث فيه من أولى الناس بالإمامة. وهذه المراتب التي ذكرها النبي ﷺ عند التنازع، كأن يحضر جماعة ليصلوا، أو يتنازع عدة أشخاص في إمامة مسجد، فإنه بهذه المرجحات. • فالحديث دليل على أن أولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله. واختلف بالمراد بالأقرأ على قولين: القول الأول: أنه الأكثر حفظاً. أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآناً) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن سالم تقدم على هؤلاء الصحابة بكونه أكثرهم قرآناً، فيكون هذا الحديث مبيناً لما أجمل في حديث أبي مسعود (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ). ب- ولحديث عمرو بن سلمة قال: قال ﷺ ( … فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ). رواه البخاري وهذا إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه.

стр. 852

القول الثاني: الأحسن قراءة. قالوا: لأن هذا هو الموافق للغة. والصحيح الأول. • اختلف العلماء: أيهم يقدم الأقرأ أم الأفقه على قولين: القول الأول: يقدم الأقرأ على الأفقه. قال النووي: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابنا. أ-لحديث أبي مسعود السابق (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ). ب-وعن ابن عمر قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً). رواه البخاري وكان منهم عمر، وأبو سلمة. القول الثاني: يقدم الأفقه على الأقرأ. قال النووي: وقال مالك والشافعي الأفقه مقدم على الأقرأ. أ- لقوله ﷺ (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) متفق عليه. قالوا: إن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي وفيه من هو أقرأ منه، كأبي بن كعب بقوله ﷺ : (أقرؤكم أبي) فدل على تقديم الأفقه. ب- وقالوا: لأن الذي يحتاج إليه من القراء مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه. وأجابوا عن حديث: (يؤم القوم أقرؤهم … ): قالوا: بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لأن الصحابة كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. والراجح الأول. قال النووي: في قوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً.

стр. 853

قال ابن قدامة: فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَفْقَهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ تَعَلَّمُوا مَعَهُ أَحْكَامَهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نُجَاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ أَمْرَهَا، وَنَهْيَهَا، وَأَحْكَامَهَا. قُلْنَا: اللَّفْظُ عَامُّ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَا يُخَصُّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) فَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْقَارِئَ لِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمَا نَقَلَهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي فِيهِ إلَى الْأَعْلَمِ بِالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ الْقِرَاءَةِ لَلَزِمَ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقِرَاءَةِ التَّسَاوِي فِيه. … (المغني). • فإن كانوا في القراءة سواء، فالأفقه. لقوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) والمراد في أحكام الصلاة. • فإن كانوا في الفقه سواء فأقدمهم هجرة. لقوله ﷺ (فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَة). ومعناه: أن من هاجر إلى رسول الله ﷺ أولاً يقدّم على من هاجر بعده. قال النووي: قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان: إحداهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جماهير العلماء. الطائفة الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته، قدم الأول.

стр. 854

وقال ابن قدامة: وَمَعْنَى تُقَدَّمُ الْهِجْرَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ هِجْرَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ إلَيْهَا لِسَبْقِهِ إلَى الطَّاعَةِ. فإن تساووا فالأقدم إسلاماً. لقوله ﷺ (فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا). أي يقدم من تقدم إسلامه على من تأخر. فإن استويا فالأكبر سناً. فابن الثلاثين يقدم على ابن العشرين أو ابن خمس وعشرين. ولقوله ﷺ (وليؤمكم أكبركم). فإن قيل: كيف قدم الأكبر سناً هنا؟ لأنهم كانوا متساوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً، وأسلموا جميعاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ، ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما تقدم به إلا السن، وقد جاء عند أبي داود: (وكنا متقاربين). كما في حديث مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ رواه البخاري). فلما تساووا في القراءة والعلم والهجرة أمرهم بتقديم الأكبر سناً. قال النووي: والمختار تقديم الهجرة ثم السن، لحديث أبى مسعود، وأما حديث مالك بن الحويرث فإنما كان خطاباً له ولرفقته، وكانوا في النسب والهجرة والإسلام متساوين، وظاهر الحديث في الصحيحين أنهم كانوا في الفقه والقراءة سواء، فإنهم هاجروا إلى رسول الله ﷺ وأقاموا عنده عشرين ليلة، فصحبوه صحبة واحدة واشتركوا في المدة والسماع والرؤية، فالظاهر تساويهم في جميع الخصال إلا السن فلهذا قدمه وهذه قضية غير محتملة لما ذكرته أو هو متعين فلا يترك حديث ابي مسعود الصريح المسوق لبيان الترجيح بهذا والله أعلم. … (المجموع).

стр. 855

وقال ابن قدامة: وَالصَّحِيحُ، الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْدِيمِ السَّابِقِ بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ الْأَسَنِّ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِالدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمَا هِجْرَةٌ وَلَا تَفَاضُلُهُمَا فِي شَرَفٍ، وَيُرَجَّحُ بِتَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ كَالتَّرْجِيحِ بِتَقْدِيمِ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ (فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا) وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَشْرَفُ مِنْ الْهِجْرَةِ، فَإِذَا قُدِّمَ بِتَقَدُّمِهَا فَتَقَدُّمُهُ أَوْلى. (المغني). (ثم من قَرَعَ). أي: إذا استوى في هذه المراتب كلها رجلان، فإننا في هذه الحالة نستعمل القرعة. لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فمن خرجت له القرعة قدم فهو الأحق. (المغني) والدليل على القرعة: حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) متفق عليه. قال النووي: معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه، لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحداً لاقترعوا في تحصيله. • والقرعة مشروعة عند التساوي وعدم معرفة المستحق. والأدلة على مشروعيتها والعمل بها كثيرة جداً. قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ونبينا محمد ﷺ . وقال الإمام أحمد: أقرع النبي ﷺ في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين. قال تعالى (وَمَا كُنتَ لَدَيهِم إِذ يُلقُونَ أَقلَامَهُم أَيُّهُم يَكفُلُ مَريَمَ). وقال تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدحَضِينَ). أي فقارع أهل السفينة فكان من المغلوبين. وعن عائشة. قالت (كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه) رواه البخاري. وللحديث السابق (لو يعلم من في النداء .... لا ستهموا عليه). وحديث النعمان بن بشير. قال: قال رسول الله ﷺ (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا … ). وحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لَوْ تَعْلَمُونَ - أَوْ يَعْلَمُونَ - مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً).

стр. 856

قال ابن القيم: والشارع جعل القرعة معينة في كل موضع تتساوى فيه الحقوق، ولا يمكن التعيين بها، إذ لولاها للزم أحد باطلين: إما الترجيح بمجرد الاختيار والشهوة وهو باطل في تصرفات الشارع، وإما بالتعطيل ووقف الأعيان، وفي ذلك تعطيل الحقوق وتضرر المكلفين بما لا تأتي به الشريعة الكاملة بل ولا السياسة العادلة. (وساكن البيت وإمام المسجد أحقُّ إلا من ذي سلطان). أي: أن ساكن البيت أحق من الضيف وإن كان الضيف أقرأ. وإمام المسجد أحق من غيره حتى وإن وجِد من هو أقرأ. أ- لحديث أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ … وَلَا يَؤُمَّنَّ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. التكرمة: الفراش مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به. وعند أبي داود (أو في بيته). وإمام المسجد سلطان في مسجده. قال النووي: مَعْنَاهُ: أَنَّ صَاحِب الْبَيْت وَالْمَجْلِس وَإِمَام الْمَسْجِد أَحَقّ مِنْ غَيْره، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْر أَفْقَه وَأَقْرَأ وَأَوْرَع وَأَفْضَل مِنْهُ" انتهى. وقال ابن قدامة: وإمام المسجد الراتب أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان. ب- ولأننا لو قلنا أن الأقرأ أولى حتى ولو كان للمسجد إمام راتب، لحصل بذلك فوضى، وكان لهذا المسجد في كل صلاة إمام • وصاحب البيت أولى من غيره. أ-لقوله ﷺ (وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانه) قال النووي: مَعْنَاهُ: مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ: أَنَّ صَاحِب الْبَيْت وَالْمَجْلِس وَإِمَام الْمَسْجِد أَحَقّ مِنْ غَيْره، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْر أَفْقَه وَأَقْرَأ وَأَوْرَع وَأَفْضَل مِنْهُ، وَصَاحِب الْمَكَان أَحَقّ فَإِنْ شَاءَ تَقَدَّمَ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ مَنْ يُرِيدهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُقَدِّمهُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّهُ سُلْطَانه فَيَتَصَرَّف فِيهِ كَيْف شَاءَ. فَقَالَ أَصْحَابنَا: فَإِنْ حَضَرَ السُّلْطَان أَوْ نَائِبه قُدِّمَ عَلَى صَاحِب الْبَيْت وَإِمَام الْمَسْجِد وَغَيْرهمَا؛ لِأَنَّ وِلَايَته وَسَلْطَنَته عَامَّة. قَالُوا: وَيُسْتَحَبّ لِصَاحِبِ الْبَيْت أَنْ يَأْذَن لِمَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ. ب- وعن مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُم). رواه الترمذي

стр. 857

قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ مِنْ الزَّائِرِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فَلا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وقَالَ إِسْحَقُ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَشَدَّدَ فِي أَنْ لا يُصَلِّيَ أَحَدٌ بِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ، قَالَ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ لا يُصَلِّي بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا زَارَهُمْ، يَقُولُ: لِيُصَلِّ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ). (جامع الترمذي). • فإن أذن صاحب البيت للزائر أن يؤم فلا بأس. قال الشوكاني ﵀ في شرح حديث مالك بن الحويرث: وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان؛ لقوله ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁: (إلا بإذنه). … (نيل الأوطار). ويدل أيضاً على جواز إمامة الزائر لصاحب المنزل: ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن). • من يقدّم مالك البيت أو المستأجر؟ المستأجر أَولى، لأنَّ المستأجرَ مالكُ المنفعةِ، فهو أحقُّ بانتفاعِهِ في هذا البيت. (الشرح الممتع). • وقد سئل الشيخ ابن عثيمين: دخل مجموعة من الناس إلى المسجد قبل إقام الصلاة، فصلوا قبل الإقامة، فما حكم صلاتهم؟ فأجاب ﵀: لا يجوز للإنسان أن يقيم الجماعة في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) فسلطان المسجد هو إمامه.

стр. 858

(إلا من ذي سُلطان). أي: أن ذا السلطان مقدمٌ على إمام المسجد. والسلطان المراد به الإمام الأعظم. لعموم ولايته. وكل ذي سلطان أولى من جميع نوابه، لأنه ﷺ أم عتبان بن مالك وأنسًا في بيوتهما، ولأن له ولاية عامة فإذا حضر قدم على جميع الحاضرين، سواء كان غيره أقرأ أو أفقه أو لا، فإن لم يتقدم الوالي قدم من شاء ممن يصلح للإمامة، وإن كان غيره أصلح منه، لأن الحق فيها له فاختص بالتقدم والتقديم. … (حاشية الروض). (ولا تصح إمامة فاسق). الفاسق هو: من أتى كبيرة، أو داوم على صغيرة. أي: فلا تصح الصلاة خلف إمام فاسق. وهذا مذهب أحمد. أ- لحَدِيثِ جَابِرٍ. قال: قال ﷺ (وَلَا تَؤُمَّنَّ اِمْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا) وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. ب- وعللوا: بأن الإمامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها، ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة وليس ثَم أمارة يستدل بها. وذهب بعض العلماء: إلى صحة إمامة الفاسق. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، واختاره الشيخ ابن باز. أ- لحديث أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر شرعي، يعتبر من الفسق، ومع ذلك فقد أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف من أخرها، فهو دليل على أن هذه الصلاة صحيحة؛ لأنها لو كانت غير صحيحة لما كتبت لهم، ولا حتى نافلة.

стр. 859

ب- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم). رواه البخاري فالرسول ﷺ أذن بالصلاة خلف أمراء الجوْر، فدل على جواز الصلاة خلف الفاسق. ج- أن الصحابة ومنهم ابن عمر كانوا يصلون خلف الحجاج، وابن عمر من أشد الناس تحرياً لاتباع السنة، والحجاج من الفساق. والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان. د- وعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ فَقَالَ الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُم) رواه البخاري. (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي: رئيس فتنة، واختلف في المشار إليه، ورجح الحافظ ابن حجر أنه عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد رؤوس المصريين الذين حاصروا عثمان. (وَنَتَحَرَّجُ) وفي رواية ابن المبارك (وإنا لنتحرج من الصلاة معه) والتحرج التأثم، أي: نخاف الوقوع في الإثم. (فَقَالَ الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ظاهره أنه رخص له في الصلاة معهم، كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتوناً، بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه، واترك ما افتتن به، وهو المطابق لسياق الباب. وهذا القول هو الصحيح. قال شيخ الإسلام ﵀: الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق لكن اختلفوا في صحتها فقيل: لا تصح، كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، وقيل: بل تصح كقول أبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى عنهما، ولم يتنازعوا أنه لا ينبغي توليته. … (مجموع الفتاوى). وقال النووي: وصَلاةُ ابْنِ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرُهُ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلاةِ وَرَاءَ الْفُسَّاقِ وَالأَئِمَّةِ الْجَائِرِينَ.

стр. 860

قَالَ أَصْحَابُنَا: الصَّلاةُ وَرَاءَ الْفَاسِقِ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَكَذَا تُكْرَهُ وَرَاءَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ، وَتَصِحُّ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لا تَصِحُّ الصَّلاةُ وَرَاءَهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ، فَإِنْ فَعَلَهَا صَحَّت. … (المجموع). فائدة: الصلاة خلف المبتدع: جاء في الموسوعة الفقهية: وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَال لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ: صَلُّوا خَلْفَ كُل بَرٍّ وَفَاجِرٍ. وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُصَلِّي مَعَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ زَمَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ، فَقِيل لَهُ: أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَؤُلَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُل بَعْضًا؟ فَقَال: مَنْ قَال حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَجَبْتُهُ، وَمَنْ قَال: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ أَجَبْتُهُ. وَمَنْ قَال: حَيَّ عَلَى قَتْل أَخِيكَ الْمُسْلِمِ وَأَخْذِ مَالِهِ قُلْتُ: لَا. وَلأِنَّ الْمُبْتَدِعَ الْمَذْكُورَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَصَحَّ الاِئْتِمَامُ بِهِ كَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُعْلِنُ بِدْعَتَهُ وَيَدْعُو إِلَيْهَا أَعَادَ صَلَاتَهُ نَدْبًا، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ يَسْتَتِرُ بِبِدْعَتِهِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ. قال شيخ الإسلام كما في " مجموع الفتاوى " (٢٣/ ٣٥٥): وأما الصلاة خلف المبتدع فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إماماً غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين، وكصلوات الحج خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما تدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا يرى الجمعة والجماعة، إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفرداً؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقاً، وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن وأفضل بلا ريب، لكن إن صلى خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة تصح صلاته. وأما مالك وأحمد ففي مذهبهما نزاع وتفصيل.

стр. 861

وهذا إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة مثل بدع الرافضة والجهمية ونحوهم، فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد مثل " مسألة الحرف والصوت " ونحوها فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعاً، وكلاهما جاهل متأول، فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس، فأما إذا ظهرت السنة وعلمت فخالفها واحد فهذا هو الذي فيه النزاع والله أعلم " انتهى. وسئلت اللجنة الدائمة (٧/ ٣٦٤) السؤال التالي: هل تجوز الصلاة خلف الإمام المبتدع؟ فأجابت: من وجد إماما غير مبتدع فليصل وراءه دون المبتدع، ومن لم يجد سوى المبتدع نصحه عسى أن يتخلى عن بدعته، فإن لم يقبل وكانت بدعته شركية كمن يستغيث بالأموات أو يدعوهم من دون الله أو يذبح لهم فلا يصلى وراءه، لأنه كافر، وصلاته باطلة، ولا يصح أن يجعل إماماً، وإن كانت بدعته غير مكفرة كالتلفظ بالنية، صحت صلاته وصلاة من خلفه. (ولا امرأة للرجال). أي: ولا تصح إمامة المرأة للرجال. فإمامة المرأة للرجال لا تجوز مطلقاً لا في الفرض ولا في النفل. أ- لقوله ﷺ (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) رواه مسلم. دل الحديث على أن موقفهن في الصلاة التأخير عن الرجال والإمام لا يكون إلا متقدماً، فإمامتها للرجال إذن لا تجوز. ب- لحديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري. دل الحديث على نفي الفلاح لمن ولى أمره امرأة والإمامة نوع من الولاية العظمى. ج- قوله ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهل للب الرجل … ). دل الحديث على وصف المرأة بنقصان الدين والعقل، والإمامة موضع رفعة، فلا تصح إمامة من كان بهذا الوصف. [أحكام الإمامة والائتمام].

стр. 862

(ولا صبيٍ لبالغٍ). أي: ولا تصح إمامة صبي لبالغ. والصبي: من دون البلوغ. وبهذا قال المالكية، والحنابلة، وهو مذهب ابن حزم. أ-لحديث علي قال: قال رسول الله ﷺ (لا تقدموا صبيانكم) أخرجه الديلمي في الفردوس وهو حديث لا يصح. ب-ولقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) ومن المعلوم أن صلاة الصبي نفل، وصلاة المأمومين فرض، وهذا اختلاف عليه. ج-ولقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ … ). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، فلا تصح الصلاة خلف من رفع عنه القلم كالمجنون. د - وعن ابن عباس قال (لا يَؤم غلام حتى يحتلم) رواه البيهقي، قال الحافظ: إسناده ضعيف. هـ- أن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال. جاء في (الموسوعة الفقهية) جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإْمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ بَالِغًا، فَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ عِنْدَهُمْ؛ لأِنّها حَال كَمَالٍ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلأِنَّ الإِمَامَ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الضَّمَانِ، وَلأِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الإْخْلَال بِالْقِرَاءَةِ حَال السِّرِّ. وذهب بعض العلماء: إلى صحة إمامته. وهذا مذهب الشافعي. أ- لحديث عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: (جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اَلنَّبِيِّ ﷺ حَقًّا. قَالَ: "فَإِذَا حَضَرَتْ اَلصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا"، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا اِبْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. ولو كانت إمامته غير جائزة لنزل الوحي بذلك.

стр. 863

قال ابن حجر: في الحديث حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، وهي خلافية مشهورة، ولم ينصف من قال إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك، لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي ﷺ ، ولو كان منهياً عنه لنهى عنه في القرآن. وقال النووي: واحتج أصحابنا: أ-بحديث عمرو بن سلمة. ب- وبقوله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. رواه مسلم. ج-ولأن من جازت إمامته في النفل جازت في الفرض كالبالغ. والجواب عن حديث (رفع القلم) أن المراد رفع التكليف والإيجاب، لا نفي صحة الصلاة. … (المجموع). وهذا القول هو الراجح. قال ابن حجر: إِلَى صِحَّة إِمَامَة الصَّبِيّ ذَهَبَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَكَرِهَهَا مَالِك وَالثَّوْرَيْ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد رِوَايَتَانِ، وَالْمَشْهُور عَنْهُمَا الْإِجْزَاء فِي النَّوَافِل دُونَ الْفَرَائض. (الفتح). جاء في الموسوعة الفقهية: أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْضِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ أَوِ التَّرَاوِيحِ: فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) لأِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ. • جماهير العلماء على جواز إمامة الصبي في النفل. أولاً: لأن ما ثبت في الفرض يثبت في النفل والعكس إلا بدليل. ثانياً: أن النفل يدخلها التخفيف. • أَمَّا إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِمِثْلِهِ فَجَائِزَةٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاء. (ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته). أي: لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الركوع أو السجود أو القيام.

стр. 864

والعاجز عن ركن من أركان الصلاة، فإن هذا الركن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الركن غير القيام، كعاجز عن الركوع والسجود. فهذا اختلف العلماء في صحة إمامته على قولين: فقيل: لا تصح إمامته. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة. واستدلوا بتعليلات: أ- منها أن صلاة العاجز عن الركوع والسجود ناقصة، وصلاة من خلفه كاملة، ولا يصح بناء الكامل على الناقص. ب- وعللوا عدم الصحة أيضاً بأن العاجز أخل بركن لا يسقط في النافلة فلا يجوز الائتمام به للقادر قياساً على ائتمام القاري بالأمي إذ لا تصح. قال ابن قدامة: ولا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة أحد كالمضطجع والعاجز عن الركوع والسجود. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وقيل: تصح خلفه. وهذا قول الشافعي. واختاره السعدي. القسم الثاني: أن يكون الركن العاجز عنه هو القيام. فهنا اختلف العلماء في صحة إمامته: القول الأول: لا تصح إمامته. وهذا قول مالك. أ-عن الشعبي قال ﷺ (لا يؤمنّ أحد بعدي جالساً) رواه البيهقي. ب- قالوا بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعداً، لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحداً شافعاً له.

стр. 865

القول الثاني: تصح إمامته بالقادرين عليه. وهذا قول الشافعي. أ- لحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْر) متفق عليه. ب- ولقوله ﷺ (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) متفق عليه. ج- عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال (سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِداً فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً أَجْمَعُون) متفق عليه. د- ولعموم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) رواه مسلم. هـ- وللقاعدة: من صحت صلاته صحت إمامته. القول الثالث: تصح بشرطين: الشرط الأول: أن يكون إمام الحي أي الإمام الراتب في المسجد. الشرط الثاني: أن يرجى زوال مرضه. والراجح القول الثاني، وهو الصحة مطلقاً. والجواب عن أدلة أصحاب القول الأول: أما أثر الشعبي (لا يؤمنّ أحد بعدي جالساً) لا يصح، لأمرين: أولاً: لأنه مرسل. ثانياً: لأنه من رواية جابر الجعفي لا يحتج به. وأما قولهم (إنما صلى بهم قاعداً، لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك .. ) فهذا متعقب بصلاته ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف. وصح أيضاً أنه صلى خلف أبي بكر. وأن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة.

стр. 866

الخلاصة: الأقوال ٣: لا يصح مطلقاً. يصح مطلقاً. يصح بشرطين. والصحيح: أنها تصح مطلقاً. فائدة: والأفضل أن لا يتقدمهم من يعجز عن القيام، خروجاً من خلاف من يقول ببطلانها. قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائماً، كما استخلف النبي ﷺ ، ولأن فيه خروجاً من خلاف من منع الاقتداء بالقاعد; لأن القائم أكمل وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة (المجموع). وقال ابن قدامة: المستحب للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام، أن يستخلف; لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة. (المغني). • اختلف العلماء إذا صلى الإمام جالساً، فكيف يصلي من خلفه على أقوال: القول الأول: أنهم يصلون وراءه قياماً. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. أ-لحديث عائشة السابق، فإن النبي ﷺ صلى قاعداً، وصلى أبو بكر والناس خلفه قياماً. ب-ولقوله ﷺ : (صلّ قائماً … ) فالقيام ركن على القادر عليه، وهؤلاء قادرون على القيام، فيكون القيام في حقهم ركن. ج-قالوا: إن حديث عائشة السابق في مرض موته، ناسخ لحديث عائشة (أن النبي ﷺ في بيته وهو شاك فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به … وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً). متفق عليه، فإن حديث عائشة في مرض موته ﷺ : فهو ناسخ.

стр. 867

القول الثاني: أنهم يصلون وراءه جلوساً ولو كانوا قادرين على القيام. وهذا مذهب الظاهرية، والأوزاعي، وإسحاق. لقوله ﷺ (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. القول الثالث: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً صلى من خلفه قعوداً، إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم طرأ عليه ما جعله عاجزاً عن القيام، أكمل من خلفه الصلاة قياماً. وهذا قول أحمد. قال الحافظ: وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان. والأدلة على الحالة الأولى: (إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً صلى من خلفه قعوداً). أ- عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوساً) متفق عليه ب-وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُون) متفق عليه ففي هذا الحديث صلى النبي ﷺ قاعداً وصلى من خلفه قعوداً، وكان ﷺ قد ابتدأ الصلاة قاعداً. والدليل على الحالة الثانية: (إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم طرأ عليه ما جعله عاجزاً عن القيام، أكمل من خلفه الصلاة قياماً). عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْر) متفق عليه.

стр. 868

ففي هذا أن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائماً، ثم جاء النبي ﷺ فصلى بهم من حيث انتهى أبو بكر، فصلى قاعداً والصحابة صلوا خلفه قياماً، فدل على أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم عجز عن القيام بعد ذلك صلى من خلفه قياماً. (ولا تصح خلف محدِثٍ يعلمُ ذلك). الصلاة خلف الإمام المحدث لها أحوال: أولاً: لا تصح صلاة المأموم إذا كان يعلم أن إمامَه على جنابة، أو على غير وضوء. قال النووي: أجمعت الأمة على تحريم الصلاة خلف المحدث لمن علم حدثه، … فإن صلى خلف المحدث بجنابة أو بول وغيره، والمأموم عالم بحدث الإمام أثم بذلك، وصلاته باطلة بالإجماع. … (المجموع). ثانياً: اتفق العلماء على أنه إذا ابتدأ الإمام صلاته على وضوء، ثم انتقض وضوءه أثناء الصلاة، فإن صلاته تفسد فيخرج منها، وتظل صلاة المأمومين صحيحة عند الجمهور، فيستخلف من يصلي بهم، أو يتمون لأنفسهم منفردين. قال النووي: فإن علم في أثناء الصلاة حدث الإمام لزمه مفارقته وأتم صلاته منفردا بانيا على ما صلى معه، فإن استمر على المتابعة لحظة أو لم ينو المفارقة بطلت صلاته بالاتفاق; لأنه صلى بعض صلاته خلف محدث مع علمه بحدثه. (المجموع).

стр. 869

ثالثاً: اختلفوا في حكم الإمام إذا كان ناسياً أنه على غير طهارة والمأمومون لا يعلمون، وصلى بهم، ثم تذكر بعد الانتهاء من الصلاة أنه على غير طهارة على قولين: القول الأول: أن صلاة المأمومين صحيحة، ولا إعادة عليهم. (يعيد هو فقط). وهذا مذهب الجمهور. (المالكية، والشافعية، والحنابلة). قال النووي: وإن لم يعلم حتى سلم منها أجزأته، سواء كان الإمام عالما بحدث نفسه أم لا; لأنه لا تفريط من المأموم في الحالين هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور. (المجموع). أ-لقوله ﷺ في الصلاة خلف أئمة الجور (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) رواه البخاري. ب- أن عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا ج-ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفة حدث الإمام فكان معذوراً في الاقتداء به، لأنه لم يكلف علم ما غاب عنه من أمره، وإذا صح اقتداؤه صحت صلاته فلا يعيدها. قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ مُحْدِثًا، أَوْ جُنُبًا، غَيْرَ عَالِمٍ بِحَدَثِهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. لإجماع الصَّحَابَةِ ﵃. أ- رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرُفِ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا. ب- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعَ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. ج- وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. د- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْغَدَاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا. رَوَاهُ كُلَّهُ الْأَثْرَمُ. وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا. (المغني).

стр. 870

القول الثاني: تجب على المأمومين الإعادة. وهذا مذهب الحنفية. أ- روي عن سعيد بن المسيب قال (صلى رسول الله ﷺ مرة بأصحابه وهو جنب فأعاد بهم) رواه البيهقي وهو ضعيف. ب- ولأن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم، وإذا صلحت صلاته صلحت صلاة المأموم. والراجح قول الجمهور. رابعاً: إن كان الإمام عالماً بحدثه، فهل تبطل صلاة المأمومين. الراجح أن صلاة المأمومين مع جهلهم بحاله صحيحة بكل حال حتى وإن كان الإمام عالماً. وذهب بعض العلماء: إلى أن الإمام إذا تعمد الصلاة محدثاً فسدت صلاة الجميع. قالوا: لأن الإمام الذي يصلي محدثاً متعمداً أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه أشبه المتلاعب، كما أن أفعاله ليست صلاة في حقيقة الأمر ولا في اعتقاده، لأنه يعلم بطلان صلاته، فلذا لا تصح الصلاة خلفه كالكافر فيعيد من صلى خلفه. والجواب عن هذا: بأن معرفة كون الإمام محدثاً متعمداً مما يخفى غالباً، إذ لا يمكن معرفة ذلك من حال الإمام، وإذا لم يمكن معرفة حدثه فإنه لم يوجد من المأموم تقصير، فيصح ائتمامه وصلاته، ولا يلزمه إعادة صلاته لأنه معذور، بخلاف من صلى وراء كافر فهو منسوب إلى التقصير. فالخلاصة: أن الإمام إذا صلى محدثاً ولم يعلم المأمومون بحدثه إلا بعد الفراغ من الصلاة أنه لا إعادة عليهم مطلقاً سواء كان الإمام دخل عالماً بحدثه أو لا، لأنهم لم يكلفوا علم ما غاب عنهم.

стр. 871

(ولا أمي). أي: لا تصح إمامة الأمي. والأمي هنا المراد به: الذي لا يقيم الفاتحة. فهذا لا تصح إمامته. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. أ- لقوله ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فهذا الحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة، ومن أخل بقراءتها لا يعتبر قارئاً لها قراءة تامة. ب- ولأن القارئ أقوى حالاً من الأمي، لأنه يصلي مع عدم ركنها للضرورة، ولا ضرورة بحق المقتدي. وذهب بعض العلماء: إلى صحة إمامته. وبه قال عطاء، وقتادة، وابن المنذر. وعللوا: أنه عجز عن ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام. (أحكام الإمام والائتمام). والراجح قول الجمهور. • إمامة الأمي بمثله. فاختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين: والراجح: صحة إمامته بمثله، عند مالك، والشافعي، وأحمد. قال المرداوي في الإنصاف: الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ صِحَّةُ إمَامَةِ الْأُمِّيِّ بمثله، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. (وتصح إمامة العبد). أي: يجوز أن يكون العبد إماماً بالأحرار. أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن إمامة سالم مولى أبي حذيفة بالمهاجرين الأولين دليل على جواز إمامته. قال ابن حجر: ووجه الدلالة منه إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقديم سالم عليهم، وكان سالم المذكور مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق. ب- وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) رواه البخاري.

стр. 872

وجه الدلالة: أنه ﷺ أمر بالسمع والطاعة للخليفة وإن كان عبداً حبشياً، فإذا كان هذا في الإمامة العظمى فمن باب أولى أن يكون في الصغرى، فيجوز الائتمام به بلا كراهة. ج- أن عائشة كان يؤمها عبدها ذكوان قبل أن يعتق، أخرجه البخاري تعليقاً، وأخرجه البيهقي. قال ابن حجر: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور. وقال النووي في المجموع: لا تكره إمامة العبد للعبيد والأحرار، ولكن الحر أولى. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو مجلز التابعي: تكره إمامته مطلقاً، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقال الضحاك: تكره إمامته للأحرار ولا تكره للعبيد. (المجموع). وقال بعض العلماء: تكره مطلقاً. وبه قال الحنفية. أ- عللوا ذلك: قلة رغبة الناس في الاقتداء بهؤلاء فيؤدي إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها تكثيراً للأجر. ب-ولأن العبد لا يتفرغ للعلم. والراجح الأول. • وأما في الجمعة: فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز أن يكون العبد إماماً فيها. وهذا قول المالكية، والحنابلة. قال ابن قدامة في المغني بعد ذكره من لا تجب الجمعة عليهم كالعبد والمرأة والمسافر ونحوهم: ولا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء ولا يصح أن يكون إماماً فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن يكون العبد والمسافر إماماً فيها، ووافقهم مالك في المسافر إلى أن قال: ولنا أنهم من غير أهل الفرض فلا تنعقد الجمعة بهم، ولم يجز أن يؤموا فيها كالنساء والصبيان، ولأن الجمعة إنما تنعقد بهم تبعاً لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة صار التبع متبوعاً. … (المغني). وقيل: يجوز. وهذا قول الحنفية، والشافعية. للحديث السابق ( … وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ).

стр. 873

(والأعمى). أي: وتصح إمامة الأعمى من غير كراهة. لحديث أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِسْتَخْلَفَ اِبْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ اَلنَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. وذهب بعض العلماء: إلى أن البصير أولى من الأعمى. وبه قال الحنفية واختاره ابن قدامة، واستدلوا: أ-بأن ابن عباس قال (كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة حين عمي) رواه عبد الرزاق. وهذا فعل صحابي يدل على أن البصير أولى من الأعمى. وعللوا ذلك بتعليلين: الأول: أن الأعمى قد لا يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات بخلاف البصير فإنه يتجنب النجاسات. الثاني: أن البصير يستقبل القبلة باجتهاده، بخلاف الأعمى فإنه بتقليد غيره. والصحيح أن الأعمى كالبصير سواء. أ-لحديث أنس السابق. ب-وأيضاً ثبت ما يعارض فعل ابن عباس من فعله، فعن سعيد بن جبير قال (أمنا ابن عباس وهو أعمى) رواه ابن أبي شيبة. ج- ولعموم قوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم) ولفعل ابن أم مكتوم. (أحكام الإمامة والائتمام). وهذا هو الصحيح.

стр. 874

(والمتيمم بالمتوضئين). أي: يصح إمامة المتيمم بالمتوضئ. لحديث عمرو بن العاص قال (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) رواه أبو داود. قال ابن قدامة: يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ، بِالْمُتَيَمِّمِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ مُتَيَمِّمًا، وَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْحَابَهُ مُتَيَمِّمًا، وَفِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ. وَلِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً صَحِيحَةً، فَأَشْبَهَ الْمُتَوَضِّئَ. (وتكرهُ إمَامَةُ اللحان). اللحان كثير اللحن الذي لا يغير المعنى في غير الفاتحة. فإمامة اللحان مكروهة. قال النووي: إذا لحن في القراءة كرهت إمامته مطلقاً. وقال ابن قدامة: يكره إمامة اللحان، لأنه نقص يذهب ببعض الثواب. (وأنْ يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثرَ لا رجلَ معهُنّ). أي: يكره أن يصلي الرجل بامرأة أجنبية عنه. والأجنبية: من ليست من محارمه. والصحيح أن ذلك حرام. فقد قال النبي ﷺ (لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرَم) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ) رواه أحمد. وهذه الأحاديث عامة، تدل على تحريم خلوة الرجل بالمرأة في أي حال ولو كان ذلك من أجل الصلاة. وقد نص على تحريم ذلك أهل العلم. قال النووي: قال أصحابنا: إذا أمَّ الرجل بامرأته أو محرم له، وخلا بها جاز بلا كراهة; لأنه يباح له الخلوة بها في غير الصلاة، وإن أمَّ بأجنبية وخلا بها حرم ذلك عليه وعليها، للأحاديث الصحيحة التي سأذكرها إن شاء الله تعالى … ثم ذكر نحو الأحاديث المتقدمة. (المجموع). وجاء في (الموسوعة الفقهية) وقد اتفق الفقهاء على أن الخلوة بالأجنبية محرمة. وقالوا: لا يخلون رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا زوجة، بل أجنبية; لأن الشيطان يوسوس لهما في الخلوة بفعل ما لا يحل، قال ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان). وقالوا: إن أمَّ بأجنبية وخلا بها، حرم ذلك عليه وعليها.

стр. 875

• وقوله (لا رجل معهن) فلو كان معهن رجل فلا يكره. وهذه المسألة لها أحوال: الحالة الأولى: أن يكون النساء في المسجد مع الرجال، فهذا جائز. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ) متفق عليه. وغيره من الأحاديث الكثيرة. الحالة الثانية: أن يؤم النساء ومعهن أحد محارمه أو رجل آخر فهذا جائز. لحديث أنس-وفيه- (فقام رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين) متفق عليه الحالة الثالثة: أن يؤم امرأة واحدة أجنبية منه، فهذا لا يجوز. لقوله ﷺ : (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم). متفق عليه الحالة الرابعة: أن يؤم نساء أجانب عنه ولا رجل معهن غيره ولا أحد محارمه. فهذه الحالة اختلف العلماء على قولين: قيل: يكره. وقيل: يجوز. والراجح أنه يكره.

стр. 876

(أو قوماً أكثرُهُم يكرههُ بحقٍ). أي: يكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق. وتكون الكراهة: إذا كرهوه لمعنى مذموماً شرعاً كظالم، وكمن تغلب على إمامة الصلاة وهو لا يستحقها أو يعاشر أهل الفسوق أو ينقص هيئات الصلاة ولا يكملها. وقد جاء في ذلك أحاديث: أ- عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) رواه الترمذي. ب- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. ج- وعن ابن عباس. عن رسول الله ﷺ قال (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متضارمان) رواه ابن ماجه. قال ابن تيمية: إنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا الإِمَامَ لأَمْرٍ فِي دِينِهِ: مِثْلَ كَذِبِهِ أَوْ ظُلْمِهِ، أَوْ جَهْلِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيُحِبُّونَ الآخَرَ لأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي دِينِهِ مِنْهُ. مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ وَأَعْلَمَ وَأَدْيَنَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ هَذَا الإِمَامُ الَّذِي يُحِبُّونَهُ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ الإِمَامِ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ. كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (ثَلاثَةٌ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ آذَانَهُمْ: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلا دِبَارًا، وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّراً). وقال أيضاً: إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَوْ الْمَذَاهِبِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ بِالصَّلاةِ جَمَاعَةً; لأَنَّهَا لا تَتِمُّ إلا بِالائْتِلافِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : (لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) اهـ قال الشوكاني: وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل إماماً لقوم يكرهونه، ويدل على التحريم نفي قبول الصلاة وأنها لا تجاوز آذان المصلين ولعن الفاعل لذلك، وقد ذهب إلى التحريم قوم وإلى الكراهة آخرون. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ.

стр. 877

وجاء في الإنصاف للمرداوي: لو كانوا يكرهونه بغير حق كما لو كرهوه لدين أو سنة لم تكره إمامته على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. قال الشيخ ابن عثيمين: وأفادنا قوله: «بِحَقٍّ» أنَّهم لو كرهوه بغير حَقٍّ، مثل: لو كرهوه لأنَّه يَحْرِصُ على اتِّباعِ السُّنَّةِ في الصَّلاةِ فيقرأ بهم السُّورَ المسنونةَ، ويُصلِّي بهم صلاةً متأنيةً، فإن إمامتَه فيهم لا تُكره؛ لأنَّهم كرهوه بغيرِ حَقٍّ فلا عِبرةَ بكراهتهم. لكن؛ ظاهرُ الحديثِ الكراهةُ مطلقاً، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن صلاةِ الجماعةِ هو الائتلافُ والاجتماعُ وإذا كان هذا هو الغَرضُ؛ فمِنَ المعلومِ أنَّه لا ائتلافَ ولا اجتماعَ إلى شخصٍ مكروهٍ عندَهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونَه بغير حَقٍّ أنْ يَعِظَهُم ويُذكِّرَهم ويتألَّفَهم؛ ويُصلِّيَ بهم حسب ما جاءَ في السُّنَّةِ، وإذا عَلِمَ اللهُ مِن نِيَّتِهِ صِدْقَ نِيَّةِ التأليفِ بينهم يَسَّرَ اللهُ له ذلك. • لا بد أن تكون الكراهة من أكثرهم. جاء في الإنصاف: مفهوم قوله (أكثرهم له كارهون) أنه لو كرهه النصف لا يكره أن يؤمهم، وهو صحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر كلام كثير منهم، وقيل يكره أيضاً. وقال النووي: قال الشافعي وأصحابنا يكره أن يؤم قوماً وأكثرهم له كارهون، ولا يكره إذا كرهه الأقل، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره.

стр. 878

(وتصِح إمامةُ ولدِ الزنا). وإنما نص بعض العلماء على هذه المسألة، لأن بعض العلماء قال بكراهة إمامته. وعللوا ذلك بثلاث تعليلات: التعليل الأول: أن ولد الزنا الغالب من حاله الجهل لفقد من يؤدبه ويعلمه. التعليل الثاني: أن الناس لا يرغبون في الصلاة خلفه، فتؤدي إمامته إلى تقليل الجماعة. التعليل الثالث: أن الإمامة منصب فضيلة فكره تقديمه كالعبد. والراجح أنه لا تكره إمامته. وبهذا قال الحسن، والنخعي، والزهري، وأحمد. لعموم الأدلة (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَرَاهَتِهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا إِذَا سَلِمَ دِينُهُ. قَال عَطَاءٌ: لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا. وَبِهِ قَال سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَإِسْحَاقُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) رواه مسلم. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْء) رواه البيهقي، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وَقَال تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). انتهى. وقال ابن حجر: وَإِلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا رَاتِبًا، وَعِلَّتُهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ يصير مُعَرَّضًا لِكَلَامِ النَّاسِ فَيَأْثَمُونَ بِسَبَبِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَالِبِ مَنْ يَفْقَهُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ. انتهى.

стр. 879

(ومنْ يُؤدي الصلاةَ بمن يقضيها وعكسُه). أي: وتصح إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها. الأداء: ما فُعل في وقته أولاً. والقضاء: ما فعل بعد وقته. لاتحاد الصلاتين جنساً وعدداً. فإذا دخل رجل والناس يصلون الظهر - مثلاً - ثم ذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس، فله أن يدخل معهم وينوي الظهر أمس، فهو يقضي الصلاة، وقد ائتم بمن يؤديها. فهذا يصح، لأن قاضٍ صلى خلف مؤدٍ، فالصلاة واحدة، لكن اختلف الوقت. وعكس ذلك: أن يؤم من يقضي بمن يؤديها، فيكون الإمام هو الذي يقضي، والمأموم هو الذي يؤدي. كرجل ذكر أن عليه فائتة ظهر أمس، فقال لآخر: أصلي ظهر أمس وصلِ معي ظهرك اليوم. فهذا يصح. أ- لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت. ب- ولأن اختلاف النية لا يضر. وذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك لا يصح. وهو قول الحنفية والمالكية. لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وكون المأموم يؤدي الصلاة والإمام يقضيها أو العكس اختلاف بينهما فلا يجوز.

стр. 880

(ومتنفل خلف مفترض). أي: ويصح أن يصلي المتنفل خلف مفترض، وهذا قول عامة أهل العلم. قال ابن قدامة: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ وَرَاءَ الْمُفْتَرِضِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَه، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ. … (المغني). وقال عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة: فأما صلاة المتنفل خلف المفترض فلا نعلم في صحتها خلافاً. أ- لحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود. ب- ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فصلى معه رجلاً) رواه أبو داود. ج- ولحديث أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ فَخِذِي «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ: قَالَ مَا تَأْمُرُ قَالَ (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي) رواه مسلم. (لا مُفترِضٍ بمتنفلٍ). أي: لا تصح إمامة متنفل (من يصلي نفلاً) بمفترض (بمن يصلي فرضاً) أي فلا يجوز أن يكون الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً. فلا يصح أن يصلي العشاء - مثلاً - مع إمام يصلي التراويح. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة. لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
следующие страницы →