← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(أو قوماً أكثرُهُم يكرههُ بحقٍ). أي: يكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق. وتكون الكراهة: إذا كرهوه لمعنى مذموماً شرعاً كظالم، وكمن تغلب على إمامة الصلاة وهو لا يستحقها أو يعاشر أهل الفسوق أو ينقص هيئات الصلاة ولا يكملها. وقد جاء في ذلك أحاديث: أ- عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) رواه الترمذي. ب- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. ج- وعن ابن عباس. عن رسول الله ﷺ قال (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متضارمان) رواه ابن ماجه. قال ابن تيمية: إنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا الإِمَامَ لأَمْرٍ فِي دِينِهِ: مِثْلَ كَذِبِهِ أَوْ ظُلْمِهِ، أَوْ جَهْلِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيُحِبُّونَ الآخَرَ لأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي دِينِهِ مِنْهُ. مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ وَأَعْلَمَ وَأَدْيَنَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ هَذَا الإِمَامُ الَّذِي يُحِبُّونَهُ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ الإِمَامِ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ. كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (ثَلاثَةٌ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ آذَانَهُمْ: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلا دِبَارًا، وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّراً). وقال أيضاً: إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَوْ الْمَذَاهِبِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ بِالصَّلاةِ جَمَاعَةً; لأَنَّهَا لا تَتِمُّ إلا بِالائْتِلافِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : (لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) اهـ قال الشوكاني: وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل إماماً لقوم يكرهونه، ويدل على التحريم نفي قبول الصلاة وأنها لا تجاوز آذان المصلين ولعن الفاعل لذلك، وقد ذهب إلى التحريم قوم وإلى الكراهة آخرون. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ.

стр. 877

وجاء في الإنصاف للمرداوي: لو كانوا يكرهونه بغير حق كما لو كرهوه لدين أو سنة لم تكره إمامته على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. قال الشيخ ابن عثيمين: وأفادنا قوله: «بِحَقٍّ» أنَّهم لو كرهوه بغير حَقٍّ، مثل: لو كرهوه لأنَّه يَحْرِصُ على اتِّباعِ السُّنَّةِ في الصَّلاةِ فيقرأ بهم السُّورَ المسنونةَ، ويُصلِّي بهم صلاةً متأنيةً، فإن إمامتَه فيهم لا تُكره؛ لأنَّهم كرهوه بغيرِ حَقٍّ فلا عِبرةَ بكراهتهم. لكن؛ ظاهرُ الحديثِ الكراهةُ مطلقاً، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن صلاةِ الجماعةِ هو الائتلافُ والاجتماعُ وإذا كان هذا هو الغَرضُ؛ فمِنَ المعلومِ أنَّه لا ائتلافَ ولا اجتماعَ إلى شخصٍ مكروهٍ عندَهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونَه بغير حَقٍّ أنْ يَعِظَهُم ويُذكِّرَهم ويتألَّفَهم؛ ويُصلِّيَ بهم حسب ما جاءَ في السُّنَّةِ، وإذا عَلِمَ اللهُ مِن نِيَّتِهِ صِدْقَ نِيَّةِ التأليفِ بينهم يَسَّرَ اللهُ له ذلك. • لا بد أن تكون الكراهة من أكثرهم. جاء في الإنصاف: مفهوم قوله (أكثرهم له كارهون) أنه لو كرهه النصف لا يكره أن يؤمهم، وهو صحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر كلام كثير منهم، وقيل يكره أيضاً. وقال النووي: قال الشافعي وأصحابنا يكره أن يؤم قوماً وأكثرهم له كارهون، ولا يكره إذا كرهه الأقل، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره.

стр. 878

(وتصِح إمامةُ ولدِ الزنا). وإنما نص بعض العلماء على هذه المسألة، لأن بعض العلماء قال بكراهة إمامته. وعللوا ذلك بثلاث تعليلات: التعليل الأول: أن ولد الزنا الغالب من حاله الجهل لفقد من يؤدبه ويعلمه. التعليل الثاني: أن الناس لا يرغبون في الصلاة خلفه، فتؤدي إمامته إلى تقليل الجماعة. التعليل الثالث: أن الإمامة منصب فضيلة فكره تقديمه كالعبد. والراجح أنه لا تكره إمامته. وبهذا قال الحسن، والنخعي، والزهري، وأحمد. لعموم الأدلة (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَرَاهَتِهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا إِذَا سَلِمَ دِينُهُ. قَال عَطَاءٌ: لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا. وَبِهِ قَال سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَإِسْحَاقُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) رواه مسلم. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْء) رواه البيهقي، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وَقَال تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). انتهى. وقال ابن حجر: وَإِلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا رَاتِبًا، وَعِلَّتُهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ يصير مُعَرَّضًا لِكَلَامِ النَّاسِ فَيَأْثَمُونَ بِسَبَبِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَالِبِ مَنْ يَفْقَهُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ. انتهى.

стр. 879

(ومنْ يُؤدي الصلاةَ بمن يقضيها وعكسُه). أي: وتصح إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها. الأداء: ما فُعل في وقته أولاً. والقضاء: ما فعل بعد وقته. لاتحاد الصلاتين جنساً وعدداً. فإذا دخل رجل والناس يصلون الظهر - مثلاً - ثم ذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس، فله أن يدخل معهم وينوي الظهر أمس، فهو يقضي الصلاة، وقد ائتم بمن يؤديها. فهذا يصح، لأن قاضٍ صلى خلف مؤدٍ، فالصلاة واحدة، لكن اختلف الوقت. وعكس ذلك: أن يؤم من يقضي بمن يؤديها، فيكون الإمام هو الذي يقضي، والمأموم هو الذي يؤدي. كرجل ذكر أن عليه فائتة ظهر أمس، فقال لآخر: أصلي ظهر أمس وصلِ معي ظهرك اليوم. فهذا يصح. أ- لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت. ب- ولأن اختلاف النية لا يضر. وذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك لا يصح. وهو قول الحنفية والمالكية. لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وكون المأموم يؤدي الصلاة والإمام يقضيها أو العكس اختلاف بينهما فلا يجوز.

стр. 880

(ومتنفل خلف مفترض). أي: ويصح أن يصلي المتنفل خلف مفترض، وهذا قول عامة أهل العلم. قال ابن قدامة: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ وَرَاءَ الْمُفْتَرِضِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَه، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ. … (المغني). وقال عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة: فأما صلاة المتنفل خلف المفترض فلا نعلم في صحتها خلافاً. أ- لحديث يَزِيدَ بْن الأَسْوَد (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَة) رواه أبو داود. ب- ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فصلى معه رجلاً) رواه أبو داود. ج- ولحديث أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ فَخِذِي «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ: قَالَ مَا تَأْمُرُ قَالَ (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي) رواه مسلم. (لا مُفترِضٍ بمتنفلٍ). أي: لا تصح إمامة متنفل (من يصلي نفلاً) بمفترض (بمن يصلي فرضاً) أي فلا يجوز أن يكون الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً. فلا يصح أن يصلي العشاء - مثلاً - مع إمام يصلي التراويح. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة. لقوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).

стр. 881

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الاختلاف على الإمام، وكون المأموم مفترض، والإمام متنفل، اختلاف بينهما فلا يجوز. وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك. وبه قال طاووس، وعطاء، والأوزاعي. وهو مذهب الشافعي، واختاره ابن قدامة، وابن تيمية. أ- لحديث جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، قَالَ (كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَه) متفق عليه. وقد جاء في رواية عند الدار قطني (هي له نافلة، ولهم فريضة). فإن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. قال النووي: في هذا الحديث: جواز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن معاذاً كان يصلِّي الفريضة مع رسول الله ﷺ فيُسقط فرضَه ثم يصلِّي مرة ثانية بقومه هي له تطوع ولهم فريضة، وقد جاء هكذا مصرَّحاً به في غير "مسلم"، وهذا جائز عند الشافعي رحمه الله تعالى وآخرين. … (شرح مسلم). ب-ولأنه ثبت (أن النبي ﷺ صلى في بعض أنواع صلاة الخوف، أنه كان يصلي بطائفة صلاة تامة ويسلم بهم، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم). رواه النسائي. وهنا تكون الصلاة الأولى للرسول ﷺ فرضاً، والثانية نفلاً. ج-ولحديث عمرو بن سلِمة. أن النبي ﷺ قال لأبيه (وليؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فكنت أؤمهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن الحديث يدل على جواز إمامة الصبي بالبالغين، ومن المعلوم أن الصبي غير مكلف فتكون صلاته نفلاً، فدل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. د- أنهما صلاتان اتفقا في الأفعال فجاز اقتداء المفترض بالمتنفل قياساً على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض. وعليه: لو أن رجلاً يريد أن يصلي السنة ركعتين، فجاء آخر وقال: أصلي معك الفجر، فصلى الإمام السنة، وصلى المأموم الفجر، فإن هذا يصح.

стр. 882

قال السعدي: والصحيح أنه يجوز ائتمام المفترض خلف المتنفل لقصة معاذ، وذلك صريح في المسألة، وكذلك قصة عمرو بن سلِمَة الجَرمي أنه كان إماماً لقومه وهو صبي، دليل على صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، ودليل أيضاً على صحة إمامة الصبي في الفرض والنفل. • وأجاب هؤلاء عن حديث (فلا تختلفوا عليه): أن المقصود لا تختلفوا عليه في الأفعال الظاهرة لا النيات. قال السعدي: وأما تعليل المانعين بأن المأموم إذا نوى صلاته فرض والإمام نواها نفلاً، أن ذلك اختلاف يدخل تحت قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا) فليس الأمر كما ذكروا لوجهين: أحدهما: أن مراده ﷺ بالاختلاف المذكور مخالفةٌ بالأفعال، كمسابقة الإمام، أو التخلف عنه، وليس مراده بذلك مخالفته النية، وبقية الحديث يوضحه جداً، فإنه قال فيه بعد قوله (فلا تختلفوا علي، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا … ) وهذا ظاهر. الوجه الثاني: أنهم أجازوا النفل خلف الفرض، وهذا مخالفة في النية، فدل على أن هذا المعنى غير معتبر. وهذا القول هو الراجح. • فائدة: أجاب أصحاب القول الأول عن حديث معاذ بأجوبة ضعيفة: أ- أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك. والجواب على هذا من وجهين: أولاً: إن كان قد علم فهو المطلوب. ثانياً: وإن لم يعلم فإن الله تعالى قد علم فأقره، ولو كان هذا أمراً لا يرضاه الله لم يقره على فعله. (الشرح الممتع). ب- أن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ بنية النافلة. والجواب عن هذا: أن هذا جواب ضعيف، لأن رواية (هي له تطوع ولهم مكتوبة) تنفي هذا الاحتمال.

стр. 883

وأيضاً هو مخالف لصريح رواية الصحيحين (أنه كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء الآخرة). وأيضاً لا يظن بمعاذ أنه يترك الفرض مع النبي ﷺ وهو أفضل ويصليه مع قومه. وأيضاً لا يجوز لمعاذ ولا لغيره أن يشتغل بالنفل وقد أقيمت المكتوبة للنهي عن ذلك. قال النووي: وكل هذه التأويلات دعاوى لا أصل لها، فلا يُترك ظاهر الحديث بها. وقال ابن رجب: ولم يظهر عنه (يعني حديث معاذ) جواب قوي، فالأقوى جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. (ولا من يصلي الظهرَ بمن يصلي العصر أو غيرِها). أي: ولا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها من الصلوات الرباعية. مثال: رجل جاء إلى المسجد فوجدهم يصلون العصر وهو لم يصل الظهر، فلا يجوز أن يصلي الظهر خلف هذا الإمام الذي يصلي العصر. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية. لحديث ( … فلا تختلفوا عليه). وجه الدلالة: أن صلاة المفترض خلف من يصلي فرضاً آخر هو اختلاف عليه، وقد نهى عنه النبي ﷺ . وذهب بعض العلماء: إلى جواز اقتداء المفترض بمفترض يصلي فرضاً غير فرضه. وهذا مذهب الشافعية، واختاره ابن تيمية. قال النووي: تصح صلاة فريضة خلف فريضة أخرى توافقها في العدد كطهر خلف عصر، وتصح فريضة خلف فريضة أقصر منها، وكل هذا جائز بلا خلاف عندنا. واستدل هؤلاء بالأدلة التي استدل بها القائلون بجواز إمامة المتنفل بالمفترض، كما في إمامة النبي ﷺ بالطائفة الثانية في صلاة الخوف، وإمامة معاذ بقومه بعد صلاته مع النبي ﷺ . وجه الدلالة: أنه إذا جازت إمامة من يصلي النفل بمن يصلي الفرض، فجواز إمامة من يصلي الفرض بمن يصلي فرضاً آخر من باب أولى. وهذا القول هو الراجح.

стр. 884

فصل (يقف المأمومونَ خلف الإمام). أي: إذا كان مع الإمام أكثر من واحد فالسنة وقوفهم خلفه. أ- لحديث أَنَسٍ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب- ولحديث جابر. قال (ثمَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّي … ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَه) رواه مسلم. فائدة: ذهب بعض السلف إلى أنه إذا كان مع الإمام اثنين فإن الإمام يقف بينهما. وهو قول ابن مسعود. عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ (أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ قَالَا نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والصحيح - كما تقدم - يكون موقفهما خلف الإمام. والجواب عن فعل ابن مسعود: قيل: أن هذا الحديث منسوخ.

стр. 885

فخبر ابن مسعود بمكة، لأن فيه التطبيق وقد نسخ بالمدينة، وحديث جابر وجبار بالمدينة، لأن جابر إنما شهد المشاهد بعد بدر وحديث أنس بن مالك فإنه كان بالمدينة، وغاية ما فيه خفاية الناسخ على عبد الله، وليس ببعيد، إذ لم يكن دأبه ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير إلا في الندرة كهذه القصة وحديث أنس وهو في داخل بيت امرأة فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه. وقيل: محمول على ضيق المكان، كما قاله إبراهيم النخعي وابن سيرين. (انظر أحكام الإمامة والائتمام). (وإذا كان المأمومُ واحداً وقفَ عن يمين الإمام). أي: السنة إذا كان المأموم واحداً أن يقف عن يمين الإمام. أ- عن اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب- ولحديث جابر السابق (ثمَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّي. . . ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه. . .) رواه مسلم. ج- ولحديث أنس (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا) رواه مسلم. قال ابن قدامة: وإذا كان المأموم واحداً ذكراً، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام رجلاً كان أو غلاماً. وقال النووي: وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة. • قول من يقول: إذا صلى مع الإمام واحد، فإنه يشرع له أن يتأخر المأموم قليلاً ليكون الإمام متقدم، قول ضعيف. بل الصواب أنه يقف عن جنبه مساوياً من غير تقدم ولا تأخر.

стр. 886

ففي حديث ابن عباس في رواية ( … فقمت إلى جنبه) وهذا ظاهر في المساواة. وهو الذي مشى عليه البخاري فقال باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين. وفي حديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالصحابة في مرض موته (فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر، إلى جنبه). قال الألباني: إن الرجل إذا ائتم بالرجل وقف عن يمين الإمام، والظاهر أنه يقف محاذياً له لا يتقدم ولا يتأخر، لأنه لو كان وقع شيء من ذلك لنقله الراوي، لا سيما وأن الاقتداء به من أفراد الصحابة قد تكرر. • من فوائد حديث ابن عباس: أ- أنه لو وقف المأموم الواحد عن يسار الإمام، فإنه يشرع أن يجعله عن يمينه. ب-السنة إذا أراد الإمام أن يحرك من وقف عن يساره أن يحركه من ورائه، وليس من الأمام. (فإن وقف عن يساره لم يصح). أي: إن وقف المأموم الواحد عن يسار الإمام - مع خلو يمينه - لم يصح. لحديث ابن عباس السابق (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ). قالوا: أن النبي ﷺ أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه، فدل على أن اليسار غير موقف للمأموم الواحد، فإذا وقف فيه بطلت صلاته. وذهب بعض العلماء: إلى أنه تصح صلاته. وهذا مذهب جماهير العلماء، ورجحه الشيخ السعدي. لحديث ابن عباس وجابر السابقين. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يأمرهما باستئناف الصلاة، ولو لم يكن موقفاً لأمرهما الرسول ﷺ باستئناف الصلاة.

стр. 887

وكون النبي ﷺ ردّ جابر وجبار وابن عباس، لا يدل على عدم الصحة، بدليل ردّ جابر وجبار إلى ورائه، مع صحة صلاتهما عن جانبه. وهذا القول هو الصحيح. قال السعدي: والصحيح أن وقوف المأموم عن يمين الإمام سنة مؤكدة، لا واجب تبطل الصلاة، فتصح الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه، لأن النهي إنما ورد عن الفذية، وأما يمينه فإنه يدل على الأفضلية لا على الوجوب، لأنه لم ينه عنه، والفعل يدل على السنية. فائدة: صلاة المأموم عن يسار الإمام لا تخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يقف المأموم عن يسار الإمام مع خلو يمين الإمام من مأموم آخر، ففي هذه الحال صلاة المأموم لا تصح - عند الحنابلة-. الحال الثاني: أن يقف المأموم عن يسار الإمام مع وجود مأموم آخر على يمين الإمام، ففي هذه الحال صلاة المأموم الذي عن يسار الإمام صحيحة. قال ابن قدامة: وأما إذا وقف عن يسار الإمام، فإن كان عن يمين الإمام أحد، صحت صلاته; لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، فلما فرغوا قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل رواه أبو داود، ولأن وسط الصف موقف للإمام في حق النساء والعراة، وإن لم يكن عن يمينه أحد فصلاة من وقف عن يساره فاسدة، سواء كان واحدا أو جماعة. (المغني). والقول الثاني في المسألة: أن صلاة المأموم صحيحة في كلا الحالتين السابقتين. قال ابن قدامة ﵀: " وأكثر أهل العلم يرون للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام، وأنه إن وقف عن يساره، خالف السنة. (المغني).

стр. 888

(وكذا قُدّامَه أو خلف الصف). أي: ولا تصح أن يصف المأموم قدام الإمام، وكذا لا يصح أن يصلي خلف الصف لوحده. المسألة الأولى: أن يصلي قدام الإمام. اختلف العلماء في صحة صلاة المأموم أمام الإمام على أقوال: القول الأول: لا تصح الصلاة أمام الإمام. وهذا قول الحنفية، والحنابلة. أ- لقوله تعالى (إنما جعل الإمام ليؤتم به). وجه الدلالة: أن المأموم إذا تقدم على الإمام فهو غير مؤتم به، لأنه يحتاج حينئذ إلى الالتفات وراءه حتى يتمكن من متابعة الإمام والاقتداء به. ب- وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى وَرَائِهِ. ج- وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا هُوَ فِي مَعْنى المنقول فلم يَصِح. (المغني). القول الثاني: تصح مع الكراهة. وهذا مذهب مالك. ودليلهم: أن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو صلى عن يسار الإمام. القول الثالث: تصح مع العذر دون غيره. وهذا اختيار ابن تيمية. لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات تسقط بالعذر. وأما دليل عدم صحتها بدون عذر هي نفس أدلة القول الأول. وهذا الراجح. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا؟ فأجاب: أما صلاة المأموم قدَّام الإمام: ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنها تصح مطلقاً، وإن قيل: إنها تكره. وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. والثاني: أنها لا تصح مطلقاً. كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما. والثالث: أنها تصح مع العذر دون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة.

стр. 889

وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قولٌ في مذهب أحمد وغيره. وهو أعدل الأقوال وأرجحها؛ وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز تقدم المأموم على الإمام؟ فأجاب: الصحيح أن تقدم الإمام واجب، وأنه لا يجوز أن يتقدم المأموم على إمامه، لأن معنى كلمة "إمام" أن يكون إماماً، يعني يكون قدوة، ويكون مكانه قدام المأمومين، فلا يجوز أن يصلي المأموم قدام إمامه، وقد كان النبي ﷺ يصلي قدام الصحابة ﵃، وعلى هذا فالذين يصلون قدام الإمام ليس لهم صلاة، ويجب عليهم أن يعيدوا صلاتهم إلا أن بعض أهل العلم استثنى من ذلك ما دعت الضرورة إليه مثل أن يكون المسجد ضيقاً، وما حواليه لا يسع الناس فيصلي الناس عن اليمين واليسار والأمام والخلف لأجل الضرورة. (مجموع فتاوى ابن عثيمين). المسألة الثانية: صلاة المنفرد خلف الصف. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: لا تصح. وهذا مذهب الإمام أحمد. وبه قال إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر، وابن خزيمة. أ-لحديث وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَد (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ اَلصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ اَلصَّلَاةَ). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وهذا حديث صحيح، صححه أحمد، والدارمي، والترمذي، وابن معين، وأبو حاتم، والبغوي وابن المنذر. ب- ولحديث علي بن شيبان. قال: قال ﷺ (لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ اَلصَّفِّ) رواه أبو داود. القول الثاني: تصح صلاته بعذر أو بغير عذر. وهذا مذهب جماهير العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية. أ-لحديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اَلصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ زَادَكَ اَللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ

стр. 890

وجه الدلالة: أن أبا بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، مما يدل على صحة صلاته. ب- ولحديث أنس (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ «قُومُوا فَأُصَلِّىَ لَكُمْ». قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جوّز صلاة المرأة منفردة خلف الصف، فيقاس عليها الرجل. ج- ولحديث ابن عباس ( … فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ). وجه الدلالة: أن ابن عباس صار خلف النبي ﷺ في حال الإدارة، وذلك كحال المنفرد خلف الصف، ولم يأمره بالإعادة، فدل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف. والراجح القول الأول وأنها لا تصح.

стр. 891

• ما الحكم لو وجد الصفوف مكتملة؟ الراجح أنه إذا جاء ووجد الصفوف مكتملة، فإنه يجوز أن يصلي وحده. ويدل على صحتها في حالة العذر: أ- قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا). وجه الدلالة من الآيتين: أن من لم يجد فرجة في الصف، ولم يجد من يصف معه، فوقف وحده، فإنه معذور قد أتى بما في وسعه، فتصح صلاته لعدم التكليف بما ليس في الوسع والقدرة. ب-أن واجبات الصلاة تسقط بالعجز. ورجحه ابن تيمية، وقال: ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفاً إلا خلف الصف، فهذا فيه نزاع، بين المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. وقال ابن القيم: إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذر عليه الدخول في الصف، ووقف فذاً صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها. واختاره الشيخ السعدي، وقال: وهذا القول هو الموافق لأصول الشريعة وقواعدها. واختاره الشيخ الألباني، وقال: إذا لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده، الأرجح الصحة، والأمر محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام. واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀: وبهذا تبين أن القول الراجح وجوب المصافة، وأن من صلى وحده خلف الصف فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها؛ لتركه واجب المصافة، ولكن هذا الواجب كغيره من الواجبات يسقط بفوات محله، أو بالعجز عنه عجزاً شرعياً، أو عجزاً حسياً لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) وقول النبي ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فيجب أن يكون في الصف حيث وجد مكاناً فيه، فإن لم يجد مكاناً سقط عنه هذا الواجب، وكذلك إن لم يكن له مكان شرعاً فإنه يسقط عنه الواجب.

стр. 892

• ما هو الانفراد المبطل للصَّلاة؟ الانفرادُ المبطلُ للصَّلاةِ أنْ يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ ولم يدخل مع المسبوقِ أحدٌ، فإنْ دَخَلَ معه أحدٌ قبل أن يرفعَ الإِمامُ رأسَه مِن الرُّكوعِ، أو انفتح مكانٌ في الصَّفِّ فدخلَ فيه قبل أن يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ، فإنَّه في هذه الحالِ يزول عن الفرديَّة. (الشرح الممتع) • هل يشرع أن يسحب أحداً من الصف؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يشرع أن يجذب من الصف من يقوم معه. وهو قول للشافعي، وصححه ابن قدامة. أ-لحديث وَابِصَةَ ( … أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اِجْتَرَرْتَ رَجُلاً؟) وهو حديث ضعيف. ب- ولحديث مقاتل بن حيان. أن النبي ﷺ قال (إن جاء فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج) وهو حديث ضعيف لا يصح. القول الثاني: أنه لا يشرع. وبه قال أبو حنيفة ومالك، واختاره ابن تيمية، وذلك لأمور: أولاً: أن الحديث ضعيف لا يصح. ثانياً: ظلم للرجل المجذوب. ثالثاً: قطع الصف، وقد قال النبي ﷺ (من قطع صفاً قطعه الله). رابعاً: التشويش على الصف. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 893

• هل يشرع أن يقف عن يمين الإمام؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز أن يقف عن يمين الإمام. لأن النبي ﷺ في مرضه، حين وجد في نفسه خفة، خرج وصلى بالناس إماماً وأبو بكر يمينه، فالنبي ﷺ هو الإمام، وأبو بكر يصلي بصلاة الرسول ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينبغي، لأمور: أولاً: أنه يؤدي إلى تخطي الرقاب، وخاصة إذا كثرت الصفوف. ثانياً: أن في ذلك خلاف للسنة في انفراد الإمام وحده، ورجحه الشيخ ابن عثيمين. (والمرأة تقف بالخلف). أي: أن وقوف المرأة مع الرجال يكون خلفهم. فالمرأة إذا صلت مع الرجال فإن موقفها يكون خلفهم، سواء كانت لوحدها أو معها نساء، وسواء كانت مع رجل من محارمها أو لا، فموقفها خلف الرجال. أ- لحديث أنس السابق ( … وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) متفق عليه. ب- وعنه قال (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا) رواه مسلم. ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ صُفُوفِ اَلرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ اَلنِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) رَوَاهُ مُسْلِم. قال ابن رشد: ولا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام وأنها إذا كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام والمرأة خلفه. • وأما إذا وقفت في صف الرجال فتصح صلاتها وصلاة الرجل. وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة.

стр. 894

قال ابن لقيم: وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم: قال ابن مسعود: أخروهن من حيث أخرهن الله، والأمر للوجوب، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، قال: وحكاية هذا تغني عن جوابه. • لو صلت المرأة مع جماعة النساء، فالصحيح أنها كالرجال مع جماعة الرجال، يعني لا يصح أن تقف خلف صف النساء منفردة، بل يجب عليها أن تكون في الصف، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. • اختلف العلماء: هل صفوف النساء أفضلها آخرها مطلقاً سواء صلين مع الرجال أو لوحدهن، أو المراد إذا صلين مع الرجال على قولين: القول الأول: أنهم إذا صلين منفردات عن الرجال فخير صفوفهن أولها. وهذا اختاره النووي، والصنعاني. وقالوا: أن المراد بالحديث إذا صلين مع الرجال. قال النووي: وأما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها. القول الثاني: إن خير صفوف النساء آخرها مطلقاً، سواء صلين منفردات أو مع الرجال. لعموم الحديث. • لماذا فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال؟ إنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم.

стр. 895

فائدة: قال النووي: إذا صلى الرجل وبجنبه امرأة لم تبطل صلاته ولا صلاتها سواء كان إماماً أو مأموماً، هذا مذهبنا وبه قال مالك والأكثرون. (ويسن توسيط الإمام). أي: أن السنة أن يقف الإمام مقابل وسط الصف، فيبدأ الصف من وراء الإمام مباشرة، ثم يتم الصف يميناً ويساراً، ولا بأس أن يكون اليمين أكثر من اليسار قليلاً. روى أبو داود عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَسِّطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ). قال المناوي في فيض القدير: " أي: اجعلوه وسط الصف لينال كل أحد عن يمينه وشماله حظه من نحو سماع وقرب" انتهى. غير أن هذا الحديث ضعيف، ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود. وقد وردت أحاديث أخرى صحيحة ظاهرها يدل على ما دل عليه هذا الحديث الضعيف من أن الإمام يقف مقابل وسط الصف. روى البخاري ومسلم عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن). وروى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. وروى مسلم عن جابر أنه قال: صليت مع النبي ﷺ فقُمْتُ عَنْ يَسَارِه، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. فظاهر قوله: (وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ) وقوله: (وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ) وقوله: (حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ) أنهم كانوا خلف النبي ﷺ مباشرة، أي كان النبي ﷺ مقابل وسط الصف.

стр. 896

قال الشوكاني في (السيل الجرار): والاثنان فصاعداً خلفه في سَمْته. وأما اعتبار أن يكونا في سَمْته فهو معنى كونهما خلفه، وأنهما لو وقفا في جانبٍ خارجٍ عن سَمْته لم يكونا خلفه " انتهى. وقال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ فِي مُقَابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (وَسِّطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَل). وقال النووي: وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ; وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ يَمِينِ الإِمَامِ، وَسَدِّ الْفُرَجِ فِي الصُّفُوفِ، وَإِتْمَامِ الصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيه ثُمَّ الَّذِي يَلِيه إلَى آخِرِهَا، وَلا يشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمَّ مَا قَبْلَهُ، وَعَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الاعْتِدَالُ فِي الصُّفُوفِ. فَإِذَا وَقَفُوا فِي الصَّفِّ لا يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُمْ بِصَدْرِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسِّطُوا الإِمَامَ ويكتنفوه مِنْ جَانِبَيْهِ " انتهى. وجاء في " الموسوعة الفقهية: وَمِنْ أَدَبِ الصَّفِّ أَنْ تُسَدَّ الْفُرَجُ وَالْخَلَلُ، وَأَنْ لا يشْرَعَ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمَّ الأَوَّلُ، وَأَنْ يُفْسَحَ لِمَنْ يُرِيدُ دُخُولَ الصَّفِّ إذَا كَانَتْ هُنَاكَ سِعَةٌ، وَيَقِفُ الإِمَامُ وَسَطَ الصَّفِّ وَالْمُصَلُّونَ خَلْفَه. (وإمامة النساء تقفُ في صفهِنّ). أي: إذا صلى النساء جماعة فإن إمامتَهن تقف في وسطهن. أ- عن عائشة (أنها أمّت نساء في الفريضة في المغرب وقامت وسطهن). ب- وعن أم الحسن بن أبي الحسن (أن أم سلمة كانت تؤمهن في رمضان وتقف معهن في الصف) رواه ابن أبي شيبة. قال ابن قدامة: كذلك سنّ لإمامة النساء القيام وسطهن في كل حال، لأنهن عورات. وقال ﵀: فَإِنَّهَا إذَا صَلَّتْ بِهِنَّ قَامَتْ فِي وَسَطِهِنَّ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ رَأَى لَهَا أَنْ تَؤُمَّهُنَّ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرُ وَكَوْنُهَا فِي وَسَطِ الصَّفِّ أَسْتَرُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَتِرُ بِهِنَّ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَاسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ كَالْعُرْيَانِ وقال النووي: السنة أن تقف إمامة النساء وسطهن، لما روي أن عائشة وأم سلمة أمّتا نساءً فقامتا وسطهنّ. (المجموع)

стр. 897

(وكذلك إمام الرجال العراة يقومُ وسَطهُم). أي: وكذلك لو وجد قوم عراة، فإن إمامهم يقف وسطهم. قال النووي: فإن لم يكن فيهم مكتسٍ وأرادوا الجماعة، استحب أن يقف الإمام وسطهم ويكون المأمون صفا واحداً حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فإن لم يمكن إلا صفان صلوا وغضوا الأبصار. (وإذا اجتمع رجال وصبيان ونساء، قُدّم الرجالُ، ثم الصبيان، ثم النساء). أي: إذا اجتمع مع الإمام هذه الأصناف المذكورة، فالمشروع أن يكون خلفه الرجال، ثم يليهم الصبيان، ثم يليهم النساء. أ-لحديث أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ فَذَكَرَ صَلَاتَهُ … ) رواه أبوداود، ولكنه حديث ضعيف. • وأما إذا جاء الصبي وسبق إلى الصف الأول فإنه لا يؤخر على القول الراجح. ورجحه الشيخ ابن باز وابن عثيمين. قال ابن عثيمين: يرى بعض العلماء أن الأولى بالصبيان أن يصفوا وراء الرجال، ولكن هذا القول فيه نظر، والأصح أنهم إذا تقدموا لا يجوز تأخيرهم، فإذا سبقوا إلى الصف الأول أو إلى الصف الثاني فلا يقيمهم من جاء بعدهم، لأنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم فلم يجز تأخيرهم لعموم الأحاديث في ذلك، لأن في تأخيرهم تنفيراً لهم من الصلاة، ومن المسابقة إليها فلا يليق ذلك. وقال ﵀: وهذا الذي ذكرنا في تقديم الرِّجالِ، ثم الصبيان، ثم النساء، إنَّما هو في ابتداءِ الأمرِ، أما إذا سَبَقَ المفضولُ إلى المكان الفاضلِ؛ بأنْ جاءَ الصَّبيُّ مبكِّراً وتقدَّمَ وصار في الصَّفِّ الأولِ، فإن القولَ الرَّاجحَ الذي اختاره بعضُ أهلِ العِلم ـ ومنهم جَدُّ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية، وهو مَجْدُ الدِّين عبد السلام ـ أنه لا يُقامُ المفضولُ مِن مكانِه. أ- وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ (مَن سَبَقَ إلى ما لم يَسبقْهُ إليه مسلمٌ فهو له) وهذا العمومُ يشمَلُ كلَّ شيءٍ اجتمع استحقاقُ النَّاسِ فيه، فإنَّ مَن سَبَقَ إليه يكون أحقَّ به. ب- ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مجلِسِه ثم يَجلسُ فيه). ج- ولأنَّ هذا عدوان عليه. د- ولأنَّ فيه مفسدةَ تنفيرِ هؤلاء الصبيان بالنسبة للمسجد. هـ- وكذلك مِن مفاسده أنَّ هذا الصَّبيَّ إذا أخرجه شخصٌ بعينه فإنه لا يزال يَذكرُه بسوءٍ، وكلَّما تذكَّره بسوءٍ حَقَدَ عليه، لأنَّ الصَّغيرَ عادةً لا يَنسى ما فُعِلَ به. (الشرح للممتع).

стр. 898

(ومن لم يقفْ معهُ إلا كافر، أو امرأة، أو مُحدثٍ يعلمُه، أو صبيٍ في فرض ففذٌ). هذه مسائل يحكم فيه للمصلي بأنه منفرد، وأن المصافة وجودها كعدمها. (من لم يقف معه إلا كافر). أي: من لم يقف معه في الصف إلا كافر، فحكمه حكم الفذ. لأنه ليس من أهل الوقوف معه، ولأن وجود الكافر كعدمه. قال في الإنصاف: أما إذا لم يقف معه إلا كافر فإنه يكون فذاً بلا خلاف أعلمه. • لكن لو جهل أن من صافه كافر (لا يعلم بكفره) فصلاته صحيحة. (أو امرأة). أي: ومن لم يقف معه في الصف إلا امرأة، فحكمه حكم الفذ. أ- لأنها لا تؤمه فلا تكون معه صفاً. ب-ولأنها من غير أهل الوقوف معه فوجودها كعدمها. وقيل: لا يكون فذاً. وهو قول المالكية، والشافعية. لأنه وقف معه مفترض صلاته صحيحة، فأشبه الرجل، وليس بشرط ممن تصح إمامته، بدليل القارئ مع الأمي، والفاسق مع العدل. … (أحكام الإمامة والائتمام). والراجح الأول.

стр. 899

(أو مُحدثٍ يعلمُه). أي: ومن لم يقف معه إلا محدث يعلم حدثه، فهو فذ. لأن وجوده وعدمه سواء. ومفهوم قوله (يعلمه) أنه إن لم يعلمه صحت مصافته، ولا يكون فذاً. قال ابن عثيمن: … لكن لو عَلِمَ أن صاحبَه مُحدثٌ فهو فَذٌّ؛ لأنه يعتقدُ أنَّه صَلَّى مع شخصٍ لا تصِحُّ صلاتُه. فإنْ جَهِلَ هو وصاحبُه حتى انقضتِ الصَّلاةُ، فصلاةُ الواقفِ مع المحدثِ صحيحةٌ؛ لأنَّه لم يعلمْ واحدٌ منهما بالحَدَثِ. (الشرح الممتع) (أو صبيٍ في فرض ففذٌ). أي: ومن لم يقف معه إلا صبي في صلاة الفرض فحكمه حكم الفذ. والمراد بالصبي هنا: من لم يبلغ. لأن الصبي لا تصح مصافته في الفرض. وهذا المذهب. أ-قالوا: لأن الصبي لا تصح إمامته فلا تصح مصافته. ب- وقالوا: يخشى أن لا يكون متطهراً فيصير البالغ فذاً. وذهب بعض العلماء: إلى أنه تصح مصافته. وهذا مذهب المالكية، والحنفية، والشافعية واختاره من الحنابلة ابن عقيل وصوبه البعلي وقال ابن مفلح وهو أظهر. أ-لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ … فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ).

стр. 900

وجه الدلالة: أن اليتيم - وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ - صف مع أنس خلف النبي ﷺ ، والقاعدة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل يفرق، ولا دليل. ب- ولحديث عمرو بن سلِمة. أن النبي ﷺ قال لأبيه (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ). وجه الدلالة: أن الحديث دل على جواز إمامة الصبي، فإذا جازت إمامته جازت مصافته من باب أولى. ج- علل ابن قدامة بقوله: أن الصبي بمنزلة المتنفل، والمتنفل يصح أن يصاف المفترض كذا ها هنا. وهذا القول هو الصحيح. • وأما مصافة الصبي في النفل فصحيحة عند جماهير العلماء. لقول أنس ( … وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ). • أما الجواب عن تعليل أصحاب القول الأول في قولهم: إن الصبي لا تصح إمامته، فهذا غير صحيح، لأن السنة وردت بخلافه، وأن الصبي تصح إمامته كما تقدم. (ومن وجدَ فرجةً دخلها). أي: وجوباً إن لم يكن معه أحد يصف معه.

стр. 901

فصل (يصحّ اقتداءُ المأمومِ بالإمامِ في المسجد، وإن لم يرَه ولا مَن وراءه إذا سمع التكبير). هذا في حكم اقتداء المأموم بالإمام إذا كان المأموم داخل المسجد: إذا اقتدى المأموم بالإمام وهو في المسجد صح الاقتداء به ولو كان بينهما حائل. كأن صلى الإمام في المصابيح وصلى المأموم في ساحة المسجد أو في سطح المسجد، لكن إذا كانت الصفوف متصلة فالصلاة صحيحة ولا كراهة في ذلك، وإذا كانت الصفوف غير متصلة فالصلاة صحيحة مع الكراهة لأنه خالف السنة، لأن السنة هو إتمام الصف الأول فالأول مع التراص. كما روى جابر بن سمُرَة. عن رسول الله ﷺ أنه قال (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها، قال: يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف) رواه مسلم. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ (أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر). رواه أبو داود (وكذا خارجَه إن رأى الإمام أو المأمومين). أي: ويصح اقتداء المأموم بالإمام إذا كان خارج المسجد بشرط أن يرى الإمام أو المأمومين. وهذه المسألة وهي اقتداء المأموم بالإمام إذا كان المأموم خارج المسجد: لها حالتان: الأولى: إذا كانت الصفوف متصلة خارج المسجد مع داخله فلا خلاف بين أهل العلم في صحة صلاة من كان خارج المسجد. قال ابن تيمية: وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل، فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة.

стр. 902

الثانية: إذا كانت الصفوف غير متصلة، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه يشترط أن يرى الإمام أو بعض المأمومين ولو في بعض الصلاة وأمكن الاقتداء ولا يمنع الفاصل من طريق أو نهر. القول الثاني: أنه يكفي سماع صوت الإمام أو من وراءه أو رؤية الإمام أو من وراءه ولا يمنع ذلك الفاصل من طريق أو نهر. وبه قال مالك، واختار هذا القول ابن قدامة، والسعدي. وعللوا ذلك بتعليلين: التعليل الأول: أن المأموم إن أمكنه الاقتداء بالإمام فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى. التعليل الثاني: أن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية. قال السعدي: الصحيح أن المأموم إذا أمكنه الاقتداء بإمامه بالرؤية أو سماع الصوت أنه يصح اقتداؤه به، سواء كان في المسجد أو خارج المسجد، وسواء حال بينهما نهر أو طريق أم لا، لأنه لا دليل على المنع ولا على التفريق، وإن قدّرنا أن الطريق لا تصح فيه الصلاة فلا يضر حيلولته بينه وبين إمامه إذا كان الموضع الذي يصلي الإمام لا مانع منه، والذي يصلي فيه المأموم كذلك. القول الثالث: أنه يشترط أن يرى الإمام أو من وراءه في بعضها وأمكن الاقتداء ولا يكون هناك فاصل من نهر. وهذا القول هو المشهور عند الحنابلة.

стр. 903

واستدلوا بحديث عائشة قالت (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْل) متفق عليه. وجه الاستدلال: أن بعض الصحابة كانوا في المسجد فاقتدوا بالرسول ﷺ وهم لا يرونه إلا في حال القيام، فدل على أنه لا يشترط أن يرى الإمام في جميع الصلاة بل يكفي في بعضها. وعللوا: بأن الطريق والنهر ليسا محلاً للصلاة فأشبه ما يمنع الاتصال. (أحكام الإمامة والإئتمام). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: قوله - أي صاحب الزاد - (وكذا خارجه إن رأى الإِمام أو المأمومين) أي: وكذا يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ إذا كان خارجَ المسجدِ بشرطِ أنْ يَرى الإِمامَ أو المأمومين. وظاهرُ كلام المؤلِّفِ ﵀: أنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصُّفوفِ، فلو فُرِضَ أنَّ شخصاً جاراً للمسجد، ويرى الإِمامَ أو المأمومين مِن شُبَّاكه، وصَلَّى في بيتِه، ومعه أحدٌ يزيل فَذِّيَّتَه فإنه يَصِحُّ اقتداؤه بهذا الإِمامِ؛ لأنه يسمعُ التكبيرَ ويرى الإِمامَ أو المأمومين. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا بُدَّ أن يرى الإِمامَ أو المأمومين في جميع الصَّلاةِ؛ لئلا يفوته الاقتداءُ، والمذهبُ يكفي أنْ يراهم ولو في بعضِ الصَّلاةِ.

стр. 904

• إذاً، إذا كان خارجَ المسجدِ فيُشترطُ لذلك شرطان: الشرطُ الأول: سماعُ التكبيرِ. الشرطُ الثاني: رؤيةُ الإِمامِ أو المأمومين، إما في كُلِّ الصَّلاةِ على ظاهرِ كلامِ المؤلِّفِ، أو في بعضِ الصَّلاةِ على المذهبِ. وظاهرُ كلامِهِ: أنَّه لا يُشترط اتِّصال الصُّفوفِ فيما إذا كان المأمومُ خارجَ المسجدِ وهو المذهب. والقول الثاني: وهو الذي مشى عليه صاحبُ «المقنع»: أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ ـ وهي متابعة المأمومِ للإِمام والمكان. وإلا لقلنا: يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ومأمومان آخران في حجرة بينه وبين المسجدِ مسافة، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ، ولا سيَّما على قولِ مَن يقول: إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في المساجد. فالصَّوابُ في هذه المسألة: أنَّه لا بُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، فإنْ لم تكن متَّصِلة فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ. مثال ذلك: يوجد حولَ الحَرَمِ عَماراتٌ، فيها شُقق يُصلِّي فيها الناسُ، وهم يَرَون الإِمامَ أو المأمومين، إما في الصَّلاةِ كلِّها؛ أو في بعضِها، فعلى كلامِ المؤلِّفِ تكون الصَّلاةُ صحيحةً، ونقول لهم: إذا سمعتم الإِقامة فلكم أنْ تبقوا في مكانِكم وتصلُّوا مع الإِمام ولا تأتوا إلى المسجدِ الحرام. وعلى القول الثاني: لا تَصِحُّ الصَّلاةُ؛ لأنَّ الصفوفَ غيرُ متَّصلةٍ. وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، وبه يندفع ما أفتى به بعضُ المعاصرين مِن أنَّه يجوز الاقتداءُ بالإِمامِ خلفَ المذياع.

стр. 905

(وتصح خلفَ إمامٍ عالٍ عنهم ويُكرهُ إذا كان العلو ذراعاً فأكثر). أي: تصح صلاة يكون فيها الإمام أعلى من المأمومين، ويكره أن يكون علوه أكثر من ذراع. لحديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم) رواه أبو داود. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يكره علو الإمام على المأمومين إلا لحاجة. وبه قال الشافعي. لحديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم) رواه أبو داود. ويجوز للتعليم. لحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ ﷺ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلاتِي -وَفِي لَفْظٍ- صَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا. ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى) متفق عليه. وذهب بعضهم: إلى أنه يكره مطلقاً. واستدلوا بحديث حذيفة السابق. وعللوا ذلك بأن المأموم يحتاج أن يقتدي بإمامه، فينظر ركوعه وسجوده، فإذا كان أعلى منه احتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده، وذلك منهي عنه في الصلاة. قال ابن قدامة: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ الصَّلَاةَ أَوْ لَمْ يُرِدْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

стр. 906

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلَنِي أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْتَارُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يُعَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ، فَيَرَاهُ مَنْ خَلْفَهُ، فَيَقْتَدُونَ بِهِ. لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَال (لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ -يَعْنِي الْمِنْبَرَ- فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، ثم ذكر حديث (إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ). وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا تَقَدَّمَ يَؤُمُّ بِقَوْمٍ عَلَى مَكَان، فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ، فَنَهَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ لِلْإِمَامِ: اسْتَوِ مَعَ أَصْحَابِك. وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامِهِ، فَيَنْظُرَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، فَإِذَا كَانَ أَعْلَى مِنْهُ احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَيْهِ لِيُشَاهِدَهُ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَبِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، فَيَكُونَ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا، فَلَا بَأْسَ بِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا وَنَهَى عَنْهُ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ لَهُ وَنَهْيُهُ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ مِثْلُهُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنَّ سُجُودَهُ وَجُلُوسَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ. (المغني).

стр. 907

(وَتَطَوُّعُهُ مَوْضِعَ المَكْتُوبَةِ إِلاَّ مِنْ حَاجَة). أي: ويكره تطوع الإمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة. وهذا قول الحنفية، والحنابلة. أ- لما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ (لا يُصَلِّ الإِمامُ في مُقَامِهِ الذي صَلَّى فيه المكتوبةَ، حتى يَتَنَحَّى عنه) ولكنه ضعيف لانقطاعه. ووجه الدلالة: هذا الحديث نص في المسألة بأن الإمام لا يتنفل في مكانه. ب- ولأن في تحويله من مكانه إعلاماً لمن أتى المسجد أنه صلى فلا ينتظره، ويطلب جماعة أخرى. ج- ولأنه إذا تنفّل مكانه ظن الداخل أنه في الفرض. د- ربما إذا تطوَّعَ في موضع المكتوبة يَظنُّ مَن شاهدَه أنَّه تذكَّرَ نقصاً في صلاته؛ فيلبس على المأمومين. فلهذا يُقال له: لا تتطوّع في موضع المكتوبة، ولا سيَّما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنَّه تطوَّع عقب الفريضة فوراً. … وقوله (إلا من حاجة) مثال الحاجة هنا: أن يريدَ الإِمامُ أن يتطوَّعَ لكن وَجَدَ الصُّفوفَ كلَّها تامَّةً ليس فيها مكان ولا يتيسَّر أن يصلِّي في بيتِه أو في مكانٍ آخر، فحينئذٍ يكون محتاجاً إلى أن يتطوَّع في موضع المكتوبة.

стр. 908

(وَإِطَالَةِ قُعُودِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) أي: يُكره للإِمام أنْ يُطيلَ قعودَه بعد السَّلام مستقبلَ القِبْلة، بل يخفِّف، ويجلسَ بقَدْرِ ما يقول: «أستغفرُ الله ـ ثلاث مرات ـ اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ ومنك السَّلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإِكرام) ثم ينصرفُ: هذه هي السُّنَّة. عن عائشة قالت (كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: استغفر الله ثلاثاً، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) رواه مسلم. (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نِسَاءٌ لَبِثَ قَلِيلاً لِيَنْصَرِفْنَ). أي: فإن كان في المسجد نساء لبث قليلاً مستقبل القبلة لكي ينصرفن قبل الرجال. عنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ﵂، قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ) قَالَ نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. رواه البخاري فائدة: قولها (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ … ) وفي لفظ (كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فيه دليل على أنه إذا سلم الإمام جاز للمأموم الانصراف سواء التفت الإمام إلى المأمومين أو بقي مكانه، أو قام من موضعه، والأولى للمأموم أن يبقى حتى يلتفت الإمام ويستقبل المأمومين، لاحتمال أن يكون الإمام جالساً ليسجد سجدتي السهو بعد التسليم من الصلاة، والأفضل من هذا: أن يكون قيامه بعد قيام الإمام. ويدل على جواز الانصراف بمجرد السلام: حديث أُمِّ سَلَمَة السابق. قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ … ).

стр. 909

وأما ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي). فالمراد بالانصراف هنا: السلام. قال النووي ﵀: " قَوْله ﷺ (لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) فِيهِ تَحْرِيم هَذِهِ الْأُمُور وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَالْمُرَاد بِالِانْصِرَافِ: السَّلَام " انتهى. وقال الإمام الشافعي ﵀ في "الأم" (١/ ١٥١): " وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وأن يؤخر ذلك حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحب إلي له " انتهى. وقال ابن قدامة: ويستحب للمأمومين أن لا يثبوا قبل الإمام، لئلا يذكر سهواً فيسجد. (وَيُكْرَهُ وُقُوفُهُمْ بَيْنَ السَّوَارِي إِذَا قَطَعْنَ الصُّفُوف). أي: يكره وقوف المأمومين بين السواري (وهي الأعمدة) إذا كان ذلك يؤدي إلى قطع الصفوف. وقد ورد النهي عن الصف بين سواري المسجد (وهي الأعمدة)؛ لأنها تقطع الصفوف. أ-فقد روى ابن ماجة عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا). ب- وروى الترمذي عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنْ الْأُمَرَاءِ، فَاضْطَرَّنَا النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: (كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قال ابن قدامة: ولا يكره للإمام أن يقف بين السواري، ويكره للمأمومين؛ لأنها تقطع صفوفهم. وقال ابن مفلح: وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي، قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهَا تَقْطَعُ الصَّفّ. إلا إذا كانت هناك حاجة للصف بين السواري، لكثرة المصلين، وضيق المسجد، فلا كراهة حينئذ.

стр. 910

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "يكره الوقوف بين السواري إذا قطعن الصفوف، إلا في حالة ضيق المسجد وكثرة المصلين" انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين: الصف بين السواري جائز إذا ضاق المسجد، حكاه بعض العلماء إجماعاً، وأما عند السعة ففيه خلاف، والصحيح: أنه منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى انقطاع الصف، لا سيما مع عرض السارية" انتهى. • والعلة من النهي: قيل: لأنها تقطع الصفوف. وقيل: لأنها موضع النعال. وقال القرطبي: روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. والأول أولى. • قوله (ويكره وقوفهم … ) أما الإمام والمنفرد فيجوز. ودليل ذلك حديث ابن عمر أنه سأل بلالاً ﵁ أين صلى النبي ﷺ في الكعبة فقال (بين العمودين المقدمين) أي: بين ساريتين. قال الشوكاني: وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين ساريتين. وقال البهوتي: ولا يكره للإمام أن يقف بين السواري لأنه ليس ثمَّ صف يُقطع. • اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَقْطَعْ الْأُسْطُوَانَةُ الصَّفَّ، فَلَا كَرَاهَةَ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلك. قال البيهقي: فإن كان منفرداً أو لم يجاوزوا ما بين الساريتين لم يكره -إن شاء الله تعالى لما روينا في الحديث الثابت عن بن عمر قال سألت بلالاً أين صلى رسول الله ﷺ يعني في الكعبة فقال بين العمودين المقدمين. وقال ابن قدامة: فإن كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين لم يكره لأنَّه لا ينقطع بها. وجاء في شرح طرح التثريب: " فَأَمَّا مَنْ صَلَّى بَيْنَهَا مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْوَاقِفُ بَيْنَهَا أَوْ الْمَأْمُومِينَ وَلَمْ يَكْثُرُوا بِحَيْثُ تَحُولُ الْأُسْطُوَانَةُ بَيْنَهُمْ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ" اهـ وقال البهوتي في "الروض": " فإن كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين فلا بأس. قال الإمام الألباني ﵀: " لو كان هناك جماعة محدود عددهم ووقفوا بين الساريتين بحيث أنه لا يغلب على الظن أن الصف سيتصل إلى ما بعد الساريتين يميناً ويساراً فلا مانع، لأنَّ العلَّة واضحة وهي أن لا يتعرَّض الصف للتقطُّع.

стр. 911

فصل هذا الفصل خاص بالأعذار التي تسقط الجمعة والجماعة. (وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةِ وَجَمَاعَةٍ مَرِيضٌ). أي: أن من كان مريضاً فإنه يجوز له التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد. قال في الإنصاف: بلا نزاع. وقال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. أ-لقول الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). ب-ولقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). ج-ولقوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَج). د-ولقول النبي ﷺ (إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه. هـ- وأنَّ النبي ﷺ (لما مَرِضَ تخلَّف عن الجماعةِ) مع أن بيته كان إلى جَنْبِ المسجد. و- وقولُ ابن مسعود (لقد رَأيتُنا وما يتخلَّفُ عن الصَّلاةِ إلا منافقٌ قد عُلِمَ نفاقُهُ أو مريض) رواه مسلم. ز- وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ. قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ. لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. المقصود بالمرض الذي يشق معه الحضور، بخلاف المرض الخفيف كصداع في الرأس يسير ونحوه. وكذا لو خاف زيادته، أو تأخر البرء.

стр. 912

(وَمُدَافِع أَحَدَ الأَخْبَثَيْنِ). أي: ومن الأعذار من يدافع البول أو الغائط أو أحدهما. لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها. قال ابن قدامة: إذَا كَانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، سَوَاءٌ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَمْ يَخَفْ. عن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (لا صلاةَ بحضرة طعام، وهو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم. (وَمَنْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ). أي: ومن الأعذار حضور طعام يشتهيه. لحديث عائشة السابق. وقد تقدمت المسألة وما يتعلق بها. (وَخَائِف مِنْ ضَيَاع مَالِهِ). أي: ومن الأعذار التي تسقط الجماعة، أن يكون خائفاً على ماله من لصٍ أن يسرقه. (أَوْ فَوَاتِهِ) أي: كمن له ضالة أو آبق قد دُلّ عليه بمكان، وخاف إن لم يمض إليه سريعاً أن ينتقل إلى غيره. (أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ). كإنسان وضع الخبز بالتنور، فأقيمت الصلاة، فإن ذهب يصلي احترق الخبز، فله أن يدع صلاة الجماعة. (أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ) كأن يخاف موت قريبه في غيبته عنه.

стр. 913

(أَوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ). أي: خاف على نفسه من سبُع ككلب عقور ونحوه، أو من سلطان يأخذه ظلماً. قال ابن قدامة: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ). وَالْخَوْفُ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ. فَالْأَوَّلُ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا، يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا، أَوْ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، أَوْ دَابَّةً، أَوْ سَيْلًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ. (أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ). كأن يكون له غريم يطالبه ويلازمه، وليس عنده مال. قال ابن قدامة: أَنْ يَخَافَ غَرِيمًا لَهُ يُلَازِمُهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُوفِيهِ، فَإِنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ظُلْمٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَهُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ.

стр. 914

(أَوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ). وهذا عُذْرٌ لوجهين: الوجه الأول: أنه يفوت مقصده من الرفقة إذا انتظر الصَّلاةَ مع الجماعةِ أو الجُمعةِ. الوجه الثاني: أنه ينشغلُ قلبُه كثيراً، إذا سَمِعَ رفقته يتهيَّأون للسير وهو يُصلِّي فإنه يقلَقُ كثيراً، فإذا خِفْتَ فواتَ الرُّفقةِ فإنك معذورٌ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة، ولا فَرْقَ بين أن يكون السَّفرُ سفرَ طاعةٍ أو سفراً مباحاً، وسفر الطاعة كالسفر لعُمرةٍ أو حَجٍّ أو طلب عِلمٍ، والمباح كالسَّفر للتجارة ونحوها. … (الشرح الممتع). (أَوْ غَلَبَةِ نُعَاسٍ). أي: ومن الأعذار في ترك الجماعة غلبة النوم. أ - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ معاذَ بنَ جبل ﵁، كان يُصلِّي مع النبيِّ ﷺ ، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم الصَّلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوَّز رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفة، فبلَغَ ذلك معاذًا، فقال: إنَّه منافقٌ، فبَلغ ذلك الرجُلَ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنَّا قومٌ نعمل بأيدينا، ونَسقي بنواضِحنا، وإنَّ معاذًا صلَّى بنا البارحةَ، فقرأ البقرةَ، فتجوَّزتُ، فزعَم أنِّي منافِقٌ، فقال النبي ﷺ : يا معاذُ، أَفتَّانٌ أنت- ثلاثًا! اقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، ونحوها) متفق عليه. ب - وَجْهُ الدَّلالَة: أنَّ النبيَّ ﷺ عذَرَ الرجلَ الذي قطع صلاتَه مع معاذ، ولم يُنكِرْ عليه؛ وذلك لأنَّ معاذًا كان يُطيلُ صلاة العِشاء، وهم في حاجةٍ إلى النومِ والراحةِ للعمل صباحاً. ت - ب- عن عائشةَ ﵂، قالت: قال رسولُ الله ﷺ (إذا نَعَسَ أحدُكم وهو يُصلِّي فلْيرقُدْ، حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحدَكم إذا صلَّى وهو ناعِسٌ، لا يَدري لعلَّه يَستغفِرُ فيسُبَّ نفسَه) رواه مسلم. ث - ج- أنَّه إنِ انتظرَ صلاةَ الجماعةِ وقد غَلَبه النعاسُ والنومُ، فقدْ يُباغِتُه النومُ، فتفوته صلاةُ الجماعةِ، والصَّلاةُ في وقتِها.

стр. 915

(أَوْ أَذًى بِمَطَرٍ، أَوْ وَحَلٍ). كأن يكون المطر كثيراً يتأذى منه. والوحل: الطين الرقيق. قال ابن قدامة: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا بِالْمَطَرِ الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ، وَالْوَحْلِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ أ- عن نَافِع قَالَ (أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَر) رواه البخاري. ب- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ - قَالَ - فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) رواه البخاري. ج- عن عِتْبَان بْن مَالِك (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) متفق عليه. قوله (فإذا كانتِ الأمطاُر سال الوادي الذي بيني وبينَهم، لم أَسْتَطَعْ أن آتي مسجدَهم لأُصَلِّيَ لهم) فيه أنَّ المطر عُذْرٌ في التخلُّف عن الجماعة.
следующие страницы →