Полный текст (3 390 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فصل
هذا الفصل خاص بالأعذار التي تسقط الجمعة والجماعة.
(وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةِ وَجَمَاعَةٍ مَرِيضٌ).
أي: أن من كان مريضاً فإنه يجوز له التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد.
قال في الإنصاف: بلا نزاع.
وقال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض.
أ-لقول الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).
ب-ولقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
ج-ولقوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَج).
د-ولقول النبي ﷺ (إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
هـ- وأنَّ النبي ﷺ (لما مَرِضَ تخلَّف عن الجماعةِ) مع أن بيته كان إلى جَنْبِ المسجد.
و- وقولُ ابن مسعود (لقد رَأيتُنا وما يتخلَّفُ عن الصَّلاةِ إلا منافقٌ قد عُلِمَ نفاقُهُ أو مريض) رواه مسلم.
ز- وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ. قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ. لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
المقصود بالمرض الذي يشق معه الحضور، بخلاف المرض الخفيف كصداع في الرأس يسير ونحوه.
وكذا لو خاف زيادته، أو تأخر البرء.
стр. 912
(وَمُدَافِع أَحَدَ الأَخْبَثَيْنِ).
أي: ومن الأعذار من يدافع البول أو الغائط أو أحدهما.
لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
قال ابن قدامة: إذَا كَانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، سَوَاءٌ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَمْ يَخَفْ.
عن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (لا صلاةَ بحضرة طعام، وهو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم.
(وَمَنْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ).
أي: ومن الأعذار حضور طعام يشتهيه.
لحديث عائشة السابق.
وقد تقدمت المسألة وما يتعلق بها.
(وَخَائِف مِنْ ضَيَاع مَالِهِ).
أي: ومن الأعذار التي تسقط الجماعة، أن يكون خائفاً على ماله من لصٍ أن يسرقه.
(أَوْ فَوَاتِهِ)
أي: كمن له ضالة أو آبق قد دُلّ عليه بمكان، وخاف إن لم يمض إليه سريعاً أن ينتقل إلى غيره.
(أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ).
كإنسان وضع الخبز بالتنور، فأقيمت الصلاة، فإن ذهب يصلي احترق الخبز، فله أن يدع صلاة الجماعة.
(أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ)
كأن يخاف موت قريبه في غيبته عنه.
стр. 913
(أَوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ).
أي: خاف على نفسه من سبُع ككلب عقور ونحوه، أو من سلطان يأخذه ظلماً.
قال ابن قدامة: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ).
وَالْخَوْفُ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ.
فَالْأَوَّلُ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا، يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا، أَوْ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، أَوْ دَابَّةً، أَوْ سَيْلًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ.
(أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ).
كأن يكون له غريم يطالبه ويلازمه، وليس عنده مال.
قال ابن قدامة: أَنْ يَخَافَ غَرِيمًا لَهُ يُلَازِمُهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُوفِيهِ، فَإِنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ظُلْمٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَهُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ.
стр. 914
(أَوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ).
وهذا عُذْرٌ لوجهين:
الوجه الأول: أنه يفوت مقصده من الرفقة إذا انتظر الصَّلاةَ مع الجماعةِ أو الجُمعةِ.
الوجه الثاني: أنه ينشغلُ قلبُه كثيراً، إذا سَمِعَ رفقته يتهيَّأون للسير وهو يُصلِّي فإنه يقلَقُ كثيراً، فإذا خِفْتَ فواتَ الرُّفقةِ فإنك معذورٌ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة، ولا فَرْقَ بين أن يكون السَّفرُ سفرَ طاعةٍ أو سفراً مباحاً، وسفر الطاعة كالسفر لعُمرةٍ أو حَجٍّ أو طلب عِلمٍ، والمباح كالسَّفر للتجارة ونحوها. … (الشرح الممتع).
(أَوْ غَلَبَةِ نُعَاسٍ).
أي: ومن الأعذار في ترك الجماعة غلبة النوم.
أ - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ معاذَ بنَ جبل ﵁، كان يُصلِّي مع النبيِّ ﷺ ، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم الصَّلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوَّز رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفة، فبلَغَ ذلك معاذًا، فقال: إنَّه منافقٌ، فبَلغ ذلك الرجُلَ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنَّا قومٌ نعمل بأيدينا، ونَسقي بنواضِحنا، وإنَّ معاذًا صلَّى بنا البارحةَ، فقرأ البقرةَ، فتجوَّزتُ، فزعَم أنِّي منافِقٌ، فقال النبي ﷺ : يا معاذُ، أَفتَّانٌ أنت- ثلاثًا! اقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، ونحوها) متفق عليه.
ب - وَجْهُ الدَّلالَة: أنَّ النبيَّ ﷺ عذَرَ الرجلَ الذي قطع صلاتَه مع معاذ، ولم يُنكِرْ عليه؛ وذلك لأنَّ معاذًا كان يُطيلُ صلاة العِشاء، وهم في حاجةٍ إلى النومِ والراحةِ للعمل صباحاً.
ت - ب- عن عائشةَ ﵂، قالت: قال رسولُ الله ﷺ (إذا نَعَسَ أحدُكم وهو يُصلِّي فلْيرقُدْ، حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحدَكم إذا صلَّى وهو ناعِسٌ، لا يَدري لعلَّه يَستغفِرُ فيسُبَّ نفسَه) رواه مسلم.
ث - ج- أنَّه إنِ انتظرَ صلاةَ الجماعةِ وقد غَلَبه النعاسُ والنومُ، فقدْ يُباغِتُه النومُ، فتفوته صلاةُ الجماعةِ، والصَّلاةُ في وقتِها.
стр. 915
(أَوْ أَذًى بِمَطَرٍ، أَوْ وَحَلٍ).
كأن يكون المطر كثيراً يتأذى منه.
والوحل: الطين الرقيق.
قال ابن قدامة: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا بِالْمَطَرِ الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ، وَالْوَحْلِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ
أ- عن نَافِع قَالَ (أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَر) رواه البخاري.
ب- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ - قَالَ - فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) رواه البخاري.
ج- عن عِتْبَان بْن مَالِك (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ
الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) متفق عليه.
قوله (فإذا كانتِ الأمطاُر سال الوادي الذي بيني وبينَهم، لم أَسْتَطَعْ أن آتي مسجدَهم لأُصَلِّيَ لهم) فيه أنَّ المطر عُذْرٌ في التخلُّف عن الجماعة.
стр. 916
(وَبِرِيْحٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ).
أي: ومن الأعذار في ترك الجماعة: وجود الريح، ويشترط فيها:
أن تكون باردة: لأن الريح الساخنة ليس فيها أذى ولا مشقة.
وأن تكون شديدة: لأن الريح الخفيفة لا مشقة فيها ولا أذى.
وأن تكون في ليلة مظلمة: وهذا الشرط ليس عليه دليل.
عَنْ نَافِعٍ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) رواه البخاري.
وعن ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ) رواه ابن ماجه.
قال ابن قدامة: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَة.
(ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً).
أ- ابْنِ عُمَرَ، ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ -فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ-: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) متفق عليه.
ب- وعن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا. قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلاَّ نِيئَهُ) متفق عليه.
ج- وعنه. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ - فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ فَقَالَ قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي).
د- وعن أنس. أن نَبِيَّ اللهِ ﷺ قال فِي الثُّومِ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا، أَوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا) رواه البخاري.
стр. 917
ه- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّوم) رواه مسلم.
و- وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ. فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ) رواه مسلم.
ز- وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قال: (إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ: هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا). رواه مسلم
• ففي هذه الأحاديث النهي عن إتيان المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً.
• وهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن هذا النهي للكراهة التنزيهية صوناً للمسجد عما يستقذر ودرءاً لإيذاء المصلين وكذلك الملائكة، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي للتحريم.
وهذا هو القول الراجح.
ويدل عليه ما راه مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال (لقد رأيت النبي ﷺ إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به
فأخرج إلى البقيع).
هذا فضلاً عن ظاهر نهيه ﷺ إذ الأصل فيه المنع والتحريم، وممن أفتى بذلك من المعاصرين الشيخ ابن باز ﵀.
وعلى ذلك فلا يجوز لمن أكلهما أو أحدهما أو ما شابههما مما له رائحة مؤذية وكريهة أن يدخل المساجد.
стр. 918
قال الشيخ ابن باز: من يأكل الثوم أو البصل أو الكراث لا يجوز له الذهاب إلى المسجد؛ لأنه يؤذي الناس بذلك والنبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال ﷺ (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)، وثبت أنه ﷺ أمر بإخراج من تعاطى هذه الأمور عن المسجد، وقال (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى الكراث أو الثوم أو البصل أن يصلي مع المسلمين لأنه يؤذيهم بذلك.
• ذهب بعض العلماء إلى أن النهي خاص بمسجد رسول الله ﷺ ، لقوله ﷺ (مسجدنا) لكن الصحيح أنه عام في كل مسجد.
ويؤيده رواية أحمد (فلا يقربن المساجد).
قال النووي: قوله (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة يَعْنِي الثَّوْم فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِد) هَذَا تَصْرِيح يَنْهَى مَنْ أَكَلَ الثَّوْم وَنَحْوه عَنْ دُخُول كُلّ مَسْجِد، وَهَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء: أَنَّ النَّهْي خَاصّ فِي مَسْجِد النَّبِيّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْض رِوَايَات مُسْلِم: (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا) وَحُجَّة الْجُمْهُور: (فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِد).
وقال ابن دقيق العيد: قوله (مسجدنا) تعلق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول، وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عام لما جاء في بعض الروايات مساجدنا) ويكون مسجدنا للجنس أو لضرب المثال، فإن هذا النهي معلل: إما بتأذي الآدميين أو بتأذي الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلها.
• قوله لبعض أصحابه (كل فإني أناجي من لا تناجي) المراد الملائكة.
وقد جاء عند ابن خزيمة وابن حبان أن النبي ﷺ قال (أستحي من ملائكة الله وليس بمحرم).
وفي رواية (فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي).
стр. 919
• أن العلة في النهي عن إتيان المسجد لمن أكل من هذه الأشياء، الرائحة الكريهة التي تصدر عنها، فإن فيها إيذاء للمصلين والملائكة تتأذى مما يتأذى منه المصلون، كما في الرواية الأخرى.
كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وَقَالَ مَرَّةً مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ).
قال ال نووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى مَنْع آكِل الثَّوْم وَنَحْوه مِنْ دُخُول الْمَسْجِد - وَإِنْ كَانَ خَالِيًا - لِأَنَّهُ مَحَلّ الْمَلَائِكَة، وَلِعُمُومِ الْأَحَادِيث.
• قَوْله ﷺ (أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيم مَا أَحَلَّ اللَّه لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَة أَكْرَهُ رِيحهَا).
قال النووي: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الثَّوْم لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهُوَ إِجْمَاع مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي الثَّوْم هَلْ كَانَ حَرَامًا عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ ؟ أَمْ كَانَ يَتْرُكهُ تَنَزُّهًا. وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ﷺ وَمَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ يَقُول: الْمُرَاد لَيْسَ لِي أَنْ أُحَرِّم عَلَى أُمَّتِي مَا أَحَلَّ اللَّه لَهَا. (نووي).
لقوله ﷺ (من أكل ثوماً أو بصلاً … ).
ولقوله ﷺ في الحديث ( … وليس بمحرم … ).
ولقوله ﷺ لبعض أصحابه (كل فإني أناجي من لا تناجي).
• قال النووي: قَوْله ﷺ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة الْخَبِيثَة) سَمَّاهَا خَبِيثَة لِقُبْحِ رَائِحَتهَا. قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْخَبِيث فِي كَلَام الْعَرَب الْمَكْرُوه مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل أَوْ مَال أَوْ طَعَام أَوْ شَرَاب أَوْ شَخْص.
• يلحق بهذه الأشياء كل ذي رائحة كريهة تتأذى منها الملائكة أو المصلون.
стр. 920
قال الشيخ ابن باز: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مسجدنا وليصل في بيته) وثبت عنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان) وكل ما له رائحة كريهة حكمه كحكم الثوم والبصل، كشارب الدخان ومن له رائحة كريهة في إبطه أو غيرهما مما يؤذي جليسه. فإنه يكره له أن يصلي مع الجماعة. وينهى عن ذلك حتى يستعمل ما يزيل هذه الرائحة ويجب عليه أن يفعل ذلك مع الاستطاعة حتى يؤدي ما أوجب الله عليه من الصلاة في الجماعة، أما التدخين فهو محرم مطلقاً ويجب عليه تركه في جميع الأوقات لما فيه من المضار الكثيرة في الدين والبدن والمال.
• قال ابن حجر: وقع في حديث حذيفة عند بن خزيمة (من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً) وبوب عليه توقيت النهى عن إتيان الجماعة لآكل الثوم وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله (ثلاثاً) يتعلق بالقول أي قال ذلك (ثلاثاً) بل هذا هو الظاهر لأن علة المنع وجود الرائحة وهي لا تستمر هذه المدة.
• أن من أكل البصل أو الثوم لا يحضر الجماعة، دفعاً لأذيته.
فالفرق بينه وبين المريض الذي لا يستطيع أن يحضر، أن المريض معذور ويكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة، وأما آكل البصل والثوم فلا يكتب له أجر الجماعة، لأنه لا يحضر للجماعة دفعاً لأذيته.
• قال الحافظ: حكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه، ولذلك كان ﷺ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في مسلم عن عمر ﵁.
عن عمر قال ( … ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخاً).
• قوله (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا، أَوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا).
قال النووي: فِيهِ: نَهْي مَنْ أَكَلَ الثَّوْم وَنَحْوه عَنْ حُضُور مَجْمَع الْمُصَلِّينَ، وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْر مَسْجِد، وَيُؤْخَذ مِنْهُ النَّهْي عَنْ سَائِر مَجَامِع الْعِبَادَات وَنَحْوهَا كَمَا سَبَقَ.
وقال القرطبي: يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها؛ كمجالس العلم والولائم وما أشبهها، لا يقربها مَن أكل الثوم وما في معناه؛ مما له رائحة كريهة تؤذي الناس، ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر.
стр. 921
(ويسن الحرص على الصف الأول).
أي: يسن للمصلي أن يحرص على الحضور للمسجد مبكراً لينال أجر الصف الأول.
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في فضل الأول.
أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً) متفق عليه.
ب- وعنه. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَوْ تَعْلَمُونَ - أَوْ يَعْلَمُونَ - مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً) رواه مسلم.
ج-وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا). رواه مسلم
د- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: (تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّه) رواه مسلم.
• وقد اختلف العلماء في المراد بالصف الأول الممدوح على أقوال:
قال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّفّ الْأَوَّل الْمَمْدُوح الَّذِي قَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيث بِفَضْلِهِ وَالْحَثّ عَلَيْهِ هُوَ الصَّفّ الَّذِي يَلِي الْإِمَام سَوَاء جَاءَ صَاحِبه مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَسَوَاء تَخَلَّلَهُ مَقْصُورَة وَنَحْوهَا أَمْ لَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يَقْتَضِيه ظَوَاهِر الْأَحَادِيث وَصَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ.
وَقَالَ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء الصَّفّ الْأَوَّل هُوَ الْمُتَّصِل مِنْ طَرَف الْمَسْجِد إِلَى طَرَفه لَا يَتَخَلَّلهُ مَقْصُورَة وَنَحْوهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ الَّذِي يَلِي الْإِمَام شَيْء فَلَيْسَ بِأَوَّلَ، بَلْ الْأَوَّل مَا لَا يَتَخَلَّلهُ شَيْء، وَإِنْ تَأَخَّرَ.
وَقِيلَ: الصَّفّ الْأَوَّل عِبَارَة عَنْ مَجِيء الْإِنْسَان إِلَى الْمَسْجِد أَوَّلًا وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّر، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ غَلَط صَرِيح، وَإِنَّمَا أَذْكُرهُ وَمِثْله لِأُنَبِّه عَلَى بُطْلَانه لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهِ. (نووي).
стр. 922
فائدة ١: قوله (ولا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ).
أي: لا يزال قوم يعتادون التأخر عن الصف الأول، أو عن الصفوف الأولى حتى يعاقبهم الله تعالى فيؤخرهم.
قيل معناه: يؤخرهم عن رحمته أو جنته، أو عظيم فضله، أو عن رفع المنزلة، أو عن العلم.
ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني.
قال الشيخ ابن عثيمين في معنى الحديث:
رأى النبي ﷺ قوماً يتأخرون في المسجد يعني: لا يتقدمون إلى الصفوف الأولى فقال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).
وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عود نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله في جميع مواطن الخير.
وذهب بعض العلماء إلى أن المقصود بهذا جماعة من المنافقين، والصحيح أن الحديث عام وليس خاصاً بالمنافقين.
قال الشوكاني: قيل: إن هذا في المنافقين. والظاهر أنه عام لهم ولغيرهم، وفيه الحث على الكون في الصف الأول، والتنفير عن التأخر عنه. اهـ
والحاصل أن الحديث فيه الترغيب في صلاة الرجل في الصف الأول أو الصفوف الأولى، وذم اعتياده الصلاة في الصفوف المتأخرة.
فائدة ٢: ورد في تفضيل ميمنة الصف على ميسرته أحاديث؛ منها
أ-حديث عائشة أن النبي ﷺ قال (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) أخرجه أبوداود وغيره؛ وهو حديث شاذٌ بهذا اللفظ، أخطأ فيه معاوية بن هشام. قال ابن حجر: إسناده حسن.
ب- حديث ابن عباس مرفوعاً بمثل اللفظ السابق أخرجه ابن عدي في الكامل؛ وهو ضعيفٌ جداً.
ج-حديث أبي برزة الأسلمي قال: قال لي رسول الله ﷺ (إن استطعتَ أن تكون خلفَ الإمام وإلا فعن يمينه) وقال: هكذا كان أبوبكر وعمر خلف النبي ﷺ ، أخرجه الطبراني والبيهقي بسند ضعيف جداً.
وهذه الأحاديث كلها صريحةٌ في دلالتها؛ لكنها لا تصح.
وقد جاء حديث في صحيح مسلم البراء بن عازب قال) كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يُقبِل علينا بوجهه؛ قال: فسمعته يقول: ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك).
стр. 923
• فهذا الحديث يحتمل:
أن يكون دليلاً على تفضيل ميمنة المسجد؛ وقد بوب عليه بذلك النسائي وغيره.
ويحتمل أن يكون البراء ﵁ وغيره إنما استحبوا الصلاة في الميمنة رغبةً في إقبال النبي ﷺ بوجهه عليهم بعد السلام من الصلاة ويؤيد هذا الاحتمال أنه جاء في رواية البيهقي للحديث (ليُقْبِل علينا بوجهه) وبوب على ذلك البيهقي بقوله: بابٌ؛ الإمام ينحرف بعد السلام.
وللفائدة:
فقد نص الشافعية، والحنابلة على تفضيل ميمنة الصف ولو كانت متأخرة على ميسرته وإن كانت متقدمة؛ ورواه ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، وبوب على ذلك النسائي وابن حبان وغيرهما.
وأنكر التفضيل الإمام مالك "﵀" كما قال الحافظ ابن رجب.
وذهب بعض العلماء إلى الدنو من الإمام أفضل.
قال الشيخ ابن عثيمين: والخلاصة: أن اليمين أفضل إذا كانا متساويين أو متقاربين، وأما مع بعد اليمين فاليسار أفضل، لأنه أقرب إلى الإمام.
стр. 924
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سلسلة
دروس فقهية
باب صلاة المريض - باب القصر - باب الجمع
باب صلاة الخوف - باب صلاة الجمعة
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
الموقع/ رياض المتقين
www.almotaqeen.net
стр. 925
باب صلاة المريض
(تَلْزَمُ المَرِيضَ الصَّلَاةُ قَائِماً).
أي: يجب على المريض أن يصلي الصلاة قائماً ولو مستنداً إذا كان مستطيعاً.
والمراد بالصلاة هنا المفروضة.
لقوله تعالى (وقوموا لله قانتين).
ولقوله ﷺ في حديث عمران (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فصل جالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
• قوله (ولو مستنداً) أي: لو قدِر المريض على القيام متكئاً على عصا، أو مستنداً على جدار من غير مشقة لزمه ذلك، ويقدمه
على القعود.
قال ابن قدامة: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، بِأَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصًى، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ، أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَدَرَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِداً)
أي: فإن كان لا يستطيع القيام لمرضه فإنه يصلي قاعداً.
لقوله ﷺ (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فصل جالساً. . . .).
أي إذا لم يستطع أن يصلي قائماً ولو كهيئة الراكع، أو كان معتمداً على عصا أو عمود أو جدار فإنه يصلي جالساً.
قال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا.
أ- وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ.
ب- وَرَوَى أَنَسٌ قَال (سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَخُدِشَ أَوْ جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قُعُودًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 926
وقال النووي: أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعداً ولا إعادة عليه.
قال أصحابنا: ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام، لأنه معذور.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً).
• وكذلك إذا يلحقه بالقيام مشقة شديدة، كأن يتألم ألماً شديداً.
• فضابط العذر الذي يسقط القيام، ويجيز صلاة الفريضة قاعداً:
أن يعجز عن القيام.
أن يزيد به المرض.
أن يتأخر به الشفاء.
أن يشق عليه مشقة شديدة تذهب الخشوع، فإن كانت المشقة أقل من ذلك لم يجز له القعود.
قال ابن قدامة: وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ، إلَّا أَنَّهُ يَخْشَى زِيَادَةَ مَرَضِهِ بِهِ، أَوْ تَبَاطُؤَ بُرْئِهِ، أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لَكِنْ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ سَقَطَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ تَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ. (المغني).
وقال النووي: قال أصحابنا: ولا يشترط في العجز أن لا يتأتّى القيام، ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعداً ولا إعادة. (المجموع).
وقال ابن تيمية: وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا كَالْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْه.
стр. 927
(متربعاً).
أي: يكون حال قعوده متربعاً.
وهذا مروي عن ابن عمر وأنس بن مالك.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
قال ابن حجر: اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ، فَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ التَّرَبُّع.
أ- لحديث عائشة قالت (رأيت النبي ﷺ يُصلي متربعاً) رواه النسائي.
ب- ولأن التربع أكثر راحة وخشوعاً.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز التربع والافتراش.
لأنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله ﷺ .
أ- فقد وصفت عائشة ﵂ كيفية صلاته جالساً ولم تذكر كيفية قعوده فدل ذلك على السعة في الأمر.
وقد قال الشافعي ﵀: يجوز على أيّ صفة شاء المصلي.
وقال ابن المنذر: ليس في صفة جلوس المصلي قاعداً سنة تتبع وإذا كان كذلك كان للمريض أن يصلي فيكون جلوسه كما سهل ذلك عليه، إن شاء صلى متربعاً وإن شاء محتبياً وإن شاء جلس كجلوسه بين السجدتين كل ذلك قد روي عن المتقدمين.
• قولها (يصلي متربعاً) تريد بهذا الجلوس الذي هو مكان القيام وكذلك في حال الركوع على القول الصحيح.
أما الجلوس بين السجدتين على الجلسة المعروفة بالصلاة، وهي الافتراش.
• (متربعاً) التربع هو أن يجلس قابضاً ساقيه مخالفاً بين قدميه، جاعلاً ساقيه إحداهما فوق الأخرى، يكون القدم اليمنى في مقبض فخذه اليسرى، والقدم اليسرى في مقبض فخذه اليمنى.
стр. 928
• حكم من قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود:
لم يسقط عنه القيام.
قال ابن قدامة: ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود: لم يسقط عنه القيام، ويصلي قائماً فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود، وبهذا قال الشافعي. . .
أ-لقول الله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
ب- وقول النبي ﷺ (صل قائماً).
ج- ولأن القيام ركن لمن قدر عليه، فلزمه الإتيان به كالقراءة، والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة. (المغني)
فالقاعدة في واجبات الصلاة: أن ما استطاع المصلي فعله، وجب عليه فعله، وما عجز عن فعله سقط عنه.
فمن كان عاجزاً عن القيام جاز له الجلوس على الكرسي أثناء القيام، ويأتي بالركوع والسجود على هيئتهما، فإن استطاع القيام وشقَّ عليه الركوع والسجود: فيصلي قائماً ثم يجلس على الكرسي عند الركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
(فإن عجزَ فعلى جنبه).
أي: إذا لم يستطع الجلوس فإنه يصلي على جنبه (شقه).
لقوله ﷺ (. . . فإن لم تستطع فصل جالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
• يختار الجنب الأسهل له.
• فإن تساويا فالجنب الأيمن أفضل.
• ويومئ برأسه إلى الصدر، يومئ قليلاً في الركوع، ويومئ أكثر في السجود، ليتميز أحدهما عن الآخر.
- ما الحكم إذا لم يستطع المريض أن يصلي على جنب؟
إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه، فإنه يصلي مستلقياً يومئ برأسه (يكون وجه المصلي إلى السماء ورجلاه إلى القبلة).
стр. 929
ويستدل لذلك بأمور:
أ-لعموم قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).
ب-ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
ج- ورواية في هذا الحديث وفيها ( … فإن لم تستطع فمستلقٍ) وعزاها كثير للنسائي لكن بعض العلماء نفى وجودها عند النسائي.
د- أن هذه الصفة وردت في حديث علي وفيه (فإن لم يستطع صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
(ويُومئُ راكعاً وساجداً ويخفضه عن الركوع).
أي: المريض المصلي جالساً يومئ في حال الركوع والسجود، ويكون في السجود أخفض.
فمن صلى جالساً في الفريضة لعجزه عن القيام، فإنه إن قدر على الركوع والسجود لزمه أن يأتي بهما ولا يومي برأسه ما دام قادراً على الركوع والسجود، لقول النبي ﷺ (أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
وعن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ ( … وإذا قرأ جالساً ركع جالساً … ).
فدل على أن الجالس يركع ويسجد عند القدرة عليهما، ويأتي بالركوع على حسب طاقته ولو بأن يحني ظهره قليلاً.
جاء في المهذب من كتب الشافعية: .. ويحني ظهره في الركوع على قدر طاقته … انتهى.
стр. 930
وإن عجز عن الركوع، فإنه يأتي بالسجود على قدر طاقته ولو بوضع يديه دون جبهته.
قال الشيخ ابن عثيمين: فيمن عجز عن وضع جبهته على الأرض في السجود لجروح فيها: .. فيلزمه أن يضع كفيه على الأرض ثم يدني جبهته إلى الأرض بقدر ما يستطيع. انتهى.
وهذه النقول تدل على أن المصلي يأتي بما يستطيع من الركوع والسجود ولا يكتفي بالإيماء بالرأس عند قدرته، فإن عجز عن الركوع والسجود بالصفة المذكورة آنفاً أومأ برأسه، والمنصوص عليه في كتب الفقهاء هو أن الإيماء يكون بالرأس.
فيومئ برأسه للركوع والسجود ويجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع.
- الصحيح أنه لا يصح أن يصلي مستلقياً على ظهره مع قدرته على الصلاة على جنب، واختاره ابن قدامة.
قال ابن قدامة: ولنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب) وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا.
وَلِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ السَّمَاءَ، وَلِذَلِكَ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ قَصْدَ التَّوْجِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ.
ثم قال: … وَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ (فَعَلَى جَنْب).
وَلِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى الِاسْتِلْقَاءِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِه. (المغني)
(فإنْ عَجزَ أوْمأ بعينهِ).
أي: إذا صار المريض لا يستطيع أن يومئَ بالرأس، فإنه يومئ بالعين.
وإلى هذا القول: ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
فالمريض إذا عجز عن الإيماء برأسه فإنه يومئ بعينه.
فيكبر ويقرأ فإذا أراد أن يركع غمّض عينه قليلاً، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فتح طرفه، فإذا سجد أغمض أكثر.
لقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن الإنسان مكلف بما يستطيعه، والمريض العاجز عن الإيماء برأسه، قادر على الإيماء بطرفه، فيلزمه أن يأتي من الصلاة بما يستطيع.
стр. 931
وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة لعجزه عنها.
وهذا قول أبي حنيفة واختيار ابن تيمية.
أ- أن الإيماء بالطرف ليس بصلاة حقيقة.
ب- أن العاجز عن الإيماء برأسه هو في الحقيقة عاجز عن أفعال الصلاة بالكلية، فتسقط عنه حينئذ.
قال ابن تيمية: وهذا القول أصح في الدليل، لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود ولا القيام من القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، وأما الإيماء بالرأس فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر الله به المصلي.
وقال: متى عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرْفهِ.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه تسقط عنه الأفعال لعجزه عنها دون الأقوال لقدرته عليها.
وعلى هذا القول: ينوي بقلبه فيكبر، ويقرأ ويفعل الركوع، ثم ينوي بقلبه الركوع فيقول: سبحان ربي العظيم … وهكذا.
لأن الأقوال قادر عليها، وقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: قال الشيخ ابن عثيمين: وأما قول العامة: إنه يومئ بالإصبع فهذا لا أصل له في السنة، ولم يقل به أحد من أهل العلم فيما أعلم.
стр. 932
(ومن قَدَرَ فيها على قيامٍ أو جلوس فإنه ينتقل إليه ويُتِم).
أي: إن قدر المريض في أثناء الصلاة على القيام انتقل إليه.
وهذا مذهب الجمهور.
أ- لقوله تعالى (وقوموا لله قانتين).
ب- ولحديث عمران (صل قائماً … ).
ج- ولأن المبيح العجز وقد زال، وما صلاه قبلُ كان لعذر موجوداً فيه، وما بقي يجب أن يأتي بالواجب فيه.
قال ابن قدامة: وَمَتَى قَدَرَ الْمَرِيضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، عَلَى مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، مِنْ قِيَامٍ، أَوْ قُعُودٍ، أَوْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ إيمَاءٍ، انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَادِرًا، فَعَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ صَحِيحًا، فَيَبْنِي عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ.
(وإن قدِرَ على قيامٍ وقعودٍ دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائماً، وبسجودٍ قاعداً).
أي: إنْ قَدِرَ المريضُ على القيامِ، لكن لا يستطيع الركوعَ، إما لمرضٍ في ظهرِه، وإما لوجعٍ في رأسِه، وإما لعمليةٍ في عينه، أو لغير ذلك، ففي هذه الحال نقول له: صَلِّ قائماً وأومئ بالرُّكوعِ قائماً.
والدليلُ قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وكذلك إذا كان يستطيعُ أنْ يجلسَ؛ لكن لا يستطيع أن يسجدَ نقول: اجلسْ وأومئْ بالسُّجودِ.
لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا يحتاجُ الإِنسانُ إليه في الطائرةِ إذا كان السفرُ طويلاً وحان وقتُ الصَّلاةِ، وليس في الطائرةِ مكان مخصَّصٌ للصَّلاةِ، فإنه يصلِّي في مكانِه قائماً؛ بدون اعتماد إذا صارت الطائرةُ مستويةً، وليس فيها اهتزازٌ وإلا فيتمسَّكُ بالكرسي الذي أمامَه، لكن يومئ بالرُّكوعِ قَدْرَ ما يمكن.
قال ابن قدامة: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَيُصَلِّي قَائِمًا، فَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُومِئُ بِالسُّجُودِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
стр. 933
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الْقِيَامُ.
وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ، فَسَقَطَ فِيهَا الْقِيَامُ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
أ- وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
ب- وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (صَلِّ قَائِمًا).
ج- وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَالْقِرَاءَةِ، وَالْعَجْزُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ.
(ولا تصح صلاتُه الفريضة قاعداً في السفينةِ وهو قادر على القيام).
أي: لا تصح صلاة الفرض في السفينة من قاعد وهو قادر على القيام.
قال في الإنصاف: بلا نزاع، ولو كانت سائرة.
أ-لحديث ابنِ عُمرَ ﵄. قال (النبيُّ ﷺ عن الصَّلاة في السَّفينة؟ فقال: صَلِّ فيها قائمًا إلَّا أن تخافَ الغرق) رواه الدارقطني.
قال الشوكاني: فيه أن الواجب على من يصلي في السفينة القيام، ولا يجوز له القعود إلا عند خشية الغرق. ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب القيام في مطلق صلاة الفريضة فلا يصار إلى جواز القعود في السفينة ولا غيرها إلا بدليل خاص.
ب- ولأنه قادر على ركن الصلاة، فلم يجز تركه، كما لو لم يكن بسفينة.
فائدة: تصح الصلاة في السفينة.
قال النووي: تَصِحّ كَالسَّفِينَةِ، فَإِنَّهَا يَصِحّ فِيهَا الْفَرِيضَة بِالْإِجْمَاعِ.
وقال الصنعاني: كالسفينة فإن الصلاة تصح فيها إجماعاً.
стр. 934
(ويصح الفرضُ على الراحلةِ خشية التأذي).
أي: يصح أن يصلي الفرض على الراحلة (من دابة أو سيارة) خشية التأذي من مطر أو وحل أو نحوها.
فصلاة الفريضة لا تجوز على الراحلة في الأصل، لكن قد يعرض لها من الأحوال ما يجوزها.
قال النووي: ولو حضرت الصلاة المكتوبة، وخاف لو نزل ليصليها على الأرض إلى القبلة انقطاعاً عن رفقته أو خاف على نفسه أو ماله لم يجز ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها، بل يصليها على الدابة لحرمة الوقت، وتجب الإعادة لأنه عذر نادر. ا. هـ.
وقال في شرح مسلم: وفيه دليل على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة وهذا مجمع عليه؛ إلا في شدة الخوف. ا. هـ.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، ولأن أداء الفرائض على الدابة مع القدرة على النزول لا يجوز، ولأن شرط الفريضة المكتوبة أن يكون المصلي مستقبل القبلة مستقراً في جميعها، فلا تصح من الراكب المخل بقيام أو استقبال " انتهى من "الموسوعة الفقهية" (٢٧/ ٢٣١)
وقد روى أحمد والترمذي عن يعلى بن مرة (أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منه، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن وأذن، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع).
تنبيه: يعيد الصلاة عند المالكية والشافعية، ولا يعيدها عند الحنابلة وهو الراجح.
стр. 935
فائدة: ١
اختلف العلماء في المريض، إن ذهب للمسجد صلى قاعداً، وإن صلى في بيته صلى قائماً، فأيهما أفضل؟
قيل: يخيّر بينهما.
ومال إليه ابن قدامة.
وقيل: يصلي في بيته قائماً.
لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر عليه.
وقيل: بل يذهب للمسجد، وإن استطاع القيام صلى قائماً وإلا صلى جالساً.
أ-لأن الإنسان مأمور بحضور الجماعة، وصلاته جالساً لا بأس بها لأنه معذور.
ب-ولقول ابن مسعود (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين).
وهذا القول هو الصحيح.
واختاره الشيخ السعدي حيث قال: إنه يحضر الجماعة ويصلي جالساً، لأن مصالح حضور الجماعة لا يوازيها شيء من المصالح، وأيضاً إذا وصل محل الجماعة وصار عاجزاً عن القيام لم يكن واجباً عليه، وكان جلوسه في حقه بمنزلة القيام في حق القادر، فقد حصّل مصالح الجماعة ولم تفته مصلحة القيام.
فائدة: ٢
سجود المريض على وسادة.
عَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: " صَلِّ عَلَى اَلْأَرْضِ إِنْ اِسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ.
والحديث رواه البيهقي من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال.
الحديث أعله أبو حاتم بالوقف من قول جابر.
لكن ذكر الحافظ أن هناك متابعاً من رواية عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري، عند البيهقي.
والحديث له طريق أخرى عند أبي يعلى ضعيفة جداً.
وله شاهد من حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير، قال الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
فالحديث صحيح.
стр. 936
والحديث يدل على أن المريض العاجز عن السجود على الأرض أنه يسجد في الهواء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولا حاجة أن يضع شيئاً يسجد عليه من وسادة أو غيرها كمركاة.
قال الصنعاني: وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يَتَّخِذُ الْمَرِيضُ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَذَّرَ سُجُودُهُ عَلَى الأَرْضِ، وَقَدْ أَرْشَدَهُ إلَى أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ فَإِنَّهُ يُومِئُ مِنْ قُعُود لَهُمَا جَاعِلا الإِيمَاءَ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.
قال الشيخ محمد بن عثيمين فيمن لا يستطيع الصلاة قائماً أن يصلي جالساً، قال: وليس في السنة وضع وسادة أو شيئاً للسجود عليه، بل هو للكراهة أقرب، لأنه من التنطع والتشدد في دين الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (هلك المتنطعون).
وقال الشيخ ابن باز: .... إذا شق عليه السجود يسجد في الهواء يخفضه عن الركوع، هذا هو السنة لمن عجز عن السجود، ولا حاجة إلى وسائد ولا كرسي ولا شيء يسجد عليه.
فائدة: ٣
لا ينقص أجر المريض المصلي على جنبه أو مستلقياً على أجر الصحيح المصلي قائماً.
لحديث أبي مُوسَى. قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) رواه البخاري.
باب القصر
والمراد بقصر الصلاة: قصر الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين.
(وهو أفضل من الإتمام لمن سافر).
أي: أن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام.
وقد ثبتت مشروعية القصر بالكتاب والسنة والإجماع:
أ-قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر.
ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
стр. 937
ب- عن ابن عمر قال (صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك) رواه البخاري.
ج- وفي لفظ مسلم عن ابن عمر قال (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ
عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
ج- وعنه قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِى بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلاَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) رواه مسلم.
د- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً). رواه مسلم
والنبي ﷺ لم يتم في سفره قط.
стр. 938
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما في السفر فقد سافر رسول الله ﷺ قريباً من ثلاثين سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر أربعاً قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره كان يصلي بالمسلمين بمنى ركعتين ركعتين، وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم.
وقال ابن القيم ﵀: وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة.
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
• وبعد اتفاقهم على مشروعيته، اختلف العلماء في حكم القصر هل هو واجب أم لا على أقوال:
القول الأول: أنه واجب.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
أ-لقول عَائِشَةَ ﵂ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ).
فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الصنعاني: في هذا الحديث دليل على وجوب القصر في السفر، لأن فرضت بمعنى وجبت.
وقال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
ب- ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ج- ولحديث ابن عمر السابق (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ … ).
وجه الدلالة: مداومة النبي ﷺ على قصر الصلاة في السفر، فلم ينقل عنه أنه أتم في سفره، فمداومته دليل على الوجوب.
د-ولقول ابن عَبَّاسٍ السابق (فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ).
стр. 939
قال الشوكاني: فهذا الصحابي الجليل، قد حكى عن الله أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان.
القول الثاني: أن القصر سنة مؤكدة غير واجب.
وهذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد.
أ- لقوله تعالى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا).
وجه الدلالة: قالوا: إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ب- ولحديث يَعْلَى بْن أُمَيَّة السابق قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
قال ابن قدامة: وهذا يدل على أنه رخصة وليس بعزيمة، وأتم عثمان في آخر حياته وصلى معه الصحابة، ولم ينكر.
ج- عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قال (صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ) رواه مسلم.
قال النووي: ولو كان القصر واجباً لما وافقوه على تركه.
وقال ابن عبد البر: ومما يدل على ما اخترناه إتمام من أتم من الصحابة، ولم ينكر ذلك عليه.
стр. 940
القول الثالث: أن قصر الرباعية سنة مؤكدة وأن الإتمام مكروه.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ﵀: إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي ﷺ الدائم.
وقال ابن تيمية: المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعاً قط.
وهذا القول هو الراجح.
(للصلاة الرباعية).
أي: الصلوات التي تقصر هي الصلوات الرباعية: الظهر، والعصر، والعشاء.
وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلاً عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وتراً، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ).
زَادَ أَحْمَدُ (إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَة).
(وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ) وفي رواية مسلم (وزيد في صلاة الحضر) أي: بعد الهجرة إلى المدينة، لمَا عند البخاري في صحيحه في (كتاب الهجرة) عن عائشة قالت (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففُرضتْ أربعاً).
стр. 941
(في سفر مباح).
أي: أن قصر الصلاة في السفر يشترط أن يكون السفر مباحاً، فإن كان معصية فلا يجوز له أن يقصر.
وهذا مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد.
لأن الترخيص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلاً للمصلحة، فلو شرع هنا لشرع إعانة على المحرّم تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا. (المغني).
قال السعدي: فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز القصر في سفر المعصية.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال النووي: وذهب الحنفية، والثوري، والأوزاعي، والمزني من أصحاب الشافعي إلى جواز القصر في سفر المعصية وغيره.
قالوا: لأن فرض السفر ركعتان، ولأنه داخل تحت النصوص المطلقة.
• قوله (في سفر) فيه دليل أن المعتبر في قصر الصلاة هو السفر سواء وجدت المشقة أم لا.
وقد عَلَّق الله تعالى ورسوله ﷺ الحكم (وهو قصر الصلاة) على السفر، قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً).
وقال ﷺ (صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ) رواه النسائي.
وقال النبي ﷺ (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ). رواه النسائي.
ويدل على ذلك أيضاً: أنه لا يجوز للمقيم (غير المسافر) أن يقصر الصلاة ولو كان عليه مشقة في إتمامها، مما يدل على أن الحكم إنما علق على السفر لا على المشقة.
стр. 942
(إذا فارق عامرَ قريتهِ).
أي: أن المسافر لا يقصر إلا إذا فارق وخرج من بنيان بلده.
والمراد بالمفارقة هنا المفارقة البدنية، أي: يتجاوز البيوت ولو بمقدار ذراع.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المريد للسفر أن يقصر إذا خرج من جميع القرية التي يخرج منها.
وقال الحافظ: وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أن المسافر إذا أراد سفراً تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت.
أ- لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض)، ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ب-ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل كما في حديث أَنَس ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
ج-وفي حديث أنس قال (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
د- عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا خرج حاجاً، أو معتمراً قصر الصلاة بذي الحليفة. رواه مالك.
د-ومن المعقول: فإنه لا يطلق على الشخص مسافراً إلا إذا باشر السفر وفعله، ولا يكون ذلك إلا بخروجه من بلده.
قال الشيخ ابن عثيمين: المسافر لا يعد مسافراً إلا إذا فارق العمران، لكن ليس المراد المفارقة بالرؤية، بل المفارقة بالبدن حتى لو كان بينه وبين البلد ذراعاً واحداً، فله أن يترخص برخص السفر.
стр. 943
فائدة: قال النووي: وقال مجاهد لا يقصر المسافر نهاراً حتى يدخل الليل، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً وافقه، وعن عطاء أنه قال إذا جاوز حيطان داره فله القصر، فهذان المذهبان فاسدان:
فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي ﷺ بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر. (المجموع شرح المهذب).
• قال ابن قدامة: وإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ، وَصَارَ بَيْنَ حِيطَانِ بَسَاتِينِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ.
لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ حَوْلَ الْبَلَدِ خَرَابٌ قَدْ تَهَدَّمَ وَصَارَ فَضَاءً، أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ. … (المغني).
فائدة:
ما الحكم في رجل دخل عليه وقت صلاة الظهر وسافر فهل له القصر؟
إذا دخل عليه وقت الصلاة وخرج من البلد فإنه يصلي صلاة مسافر.
وهو قول الجمهور كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد.
لأن الحكم للمكان لا للزمان.
وقيل: ليس له القصر.
لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد.
وهذا القول فيه ضعف، وينتقض بما لو دخل عليه الوقت في السفر ولم يصل حتى رجع إلى بلده فإنه يصلي صلاة مقيم عند الحنابلة وغيرهم، فبان أن الحكم للمكان لا للزمان، فحيثما صلى اعتبر مكانه، فإن صلى في السفر فإنه يصلي صلاة مسافر وإن صلى في الحضر صلى صلاة مقيم.
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا سافر الإنسان بعد دخول الوقت وصلى في مسيره، فإنه يقصر صلاته كما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في السفر ثم وصل بلده فإنه يتم الصلاة؛ لأن العبرة بفعل الصلاة لا بوقتها، فمتى فعل الصلاة في السفر قصرها، ومتى فعلها في الحضر أتم.
стр. 944
(وكانت مسافةُ سفره أربعة بُرُد، وهي مسيرة يومين قاصدين).
هذا بيان مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة.
ذهب جمهور العلماء إلى أن المسافة التي تقصر فيها الصلاة ويفطر فيها الصائم ثمانية وأربعون ميلاً.
قال ابن قدامة: مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (يعني الإمام أحمد) أَنَّ الْقَصْرَ لا يَجُوزُ فِي أَقَلِّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَالْفَرْسَخُ: ثَلاثَةُ أَمْيَالٍ، فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلا. وَقَدْ قَدَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ، وَمِنْ الطَّائِفِ إلَى مَكَّةَ، وَمِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِي. (المغني).
وتقدير ذلك بالكيلو متر نحو (٨٠) كيلو متر تقريباً.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة: السفر الذي يشرع فيه الترخيص برخص السفر هو ما اعتبر سفراً عرفاً، ومقداره على سبيل التقريب مسافة ثمانين كيلو متراً، فمن سافر لقطع هذه المسافة فأكثر فله أن يترخص برخص السفر من المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والجمع والقصر، والفطر في رمضان " انتهى
وهذا - كما تقدم - مذهب الأكثر.
فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَقْصُرُوا اَلصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ; مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
ب- واستدلوا بالآثار المروية عن بعض الصحابة في تحديد السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأنه ما كان على مسافة أربعة برد.
стр. 945
فعن عطاء (أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق.) رواه البخاري تعليقاً والبيهقي.
قال النووي: بإسناد صحيح.
وعنه قال (قلت لابن عباس: أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، قلت: أأقصر إلى منى؟ قال: لا، قلت: أأقصر إلى الطائف وإلى عسفان؟ قال: نعم، وذلك ثمانية وأربعون ميلاً وعقده بيده) رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.
وذهب بعض العلماء: إلى أن أقل مدة تقصر فيها الصلاة هي ثلاثة أيام.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ- لحديث ابن عمر. أن النبي ﷺ قال (لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليهن إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها) متفق عليه.
ب- ولحديث علي قال (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر) وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك، ولأن الثلاثة متفق عليها وليس في أقل من ذلك توقيف ولا اتفاق.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا حد للسفر بالمسافة، فكل ما عد سفراً فهو سفر.
واختار هذا ابن تيمية، وابن قدامة في المغني.
أ-لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض) فالله علق مشروعية قصر الصلاة على مطلق الضرب في الأرض، فيصدق ذلك على كل مسافر،
قصيراً كان سفره أو طويلاً، وحيث لا دليل يدل على تقييد هذا المطلق فيجب العمل به على إطلاقه.
ب- أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه.
قال ابن قدامة بعد ذكره الأقوال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وإذا لم تثبت أقوالهم، امتنع الحصر إلى التقدير الذي ذكروه، لوجهين:
الأول: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها، ولظاهر القرآن، فإن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض.
стр. 946
الثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما ولا أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
قال ابن تيمية: الفرق بين السفر الطويل والقصر، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة.
والأحوط قول الجمهور.
• سئل الشيخ ابن عثيمين: مجموعة من المدرسين يترددون لقرى بعيدة تقريباً فوق (١٠٠ كم) ويترخصون برخص السفر، يجمعون بين الظهر والعصر مع أنهم يصلون إلى ديارهم تقريباً الساعة الواحدة والنصف، ويقولون: عندهم فتوى منكم أنتم، فهل يجوز لهم أن يترخصوا برخص السفر؟ وإذا كان لا يجوز فهل يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر من غير قصر أم لا؟
الجواب: العلماء ﵏ اختلفوا في السفر المبيح للرخص، فمنهم: من يحده بالمسافة ويقول: المسافة (٨٣ كم) فإذا جاوزها الإنسان ولو بنصف ذراع حلت له الرخص.
وبناءً على هذا القول: يكون هؤلاء ممن يكون لهم الرخص؛ لأنك قلت: (١٠٠ كم) أو أكثر.
هؤلاء يقولون: له القصر وله الفطر وله الجمع ولو قطع هذه المسافة، أعني: (٨٣ كم) بنصف ساعة أو أقل، على هذا القول يكون لهؤلاء أن يقصروا إذا صادفتهم الصلاة وهم في غير بلدهم، ويجوز لهم أن يجمعوا.
وأما على القول الثاني الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب فيقول: العبرة بما يسميه الناس سفراً، وهؤلاء القوم الذين يذهبون صباحاً ويرجعون مساءً قبل المساء لا يعدون مسافرين فلا يقصرون. … (فتاوى لقاء الباب المفتوح).
стр. 947
• ما حكم القصر للمكي بعرفة ومزدلفة ومنى؟
اختلف العلماء في هذا المسألة على قولين:
القول الأول: أنه ليس لأهل مكة القصر بعرفة ومزدلفة وبمنى.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
قالوا: إن المسوغ للجمع والقصر هو السفر، والخروج إلى هذه الأماكن لا يعد سفراً بالنسبة للمكي لعدم المسافة.
القول الثاني: أن لأهل مكة القصر في هذه الأماكن كسائر الحجاج.
وهذا مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ كان يقصر بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة.
ب- قالوا: ولو أن أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعاً، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وفي أيام منى، لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة.
قال ابن تيمية: إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين.
والأحوط الأول.
• ما الجواب عن حديث: أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفْر)؟
الجواب من وجهين:
الأول: أنه ضعيف، رواه أبو داود وغيره، قال ابن حجر: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
والثاني: أنه على التسليم بصحته، فإنما قاله ﷺ عام الفتح في جوف مكة، والحال أن أهل مكة مقيمون حقيقة.
(وإذا ذكر صلاة حضرٍ في سفر، أو عكسها، أو ائتمَّ بمقيمٍ، أو نوى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ لزمَه أن يُتم).
هذه مسائل يتم فيها المسافر الصلاة.
стр. 948
(وإذا ذكر صلاة حضرٍ في سفر).
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً.
قال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر.
لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها.
(أو عكسها: ذكر صلاة سفر في حضر).
مثال: رجل مسافر، وصلى الظهر ركعتين، فلما وصل إلى بلده، ذكر أنه صلاها بغير وضوء.
فالمشهور من المذهب أنه يجب أن يعيدها أربعاً، وهو قول الشافعي.
أ- قالوا: لأن القصر رخصة من رخص السفر، يبطل بزواله.
ب-ولأنها وجبت عليه في الحضر.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصليها ركعتين.
وهو قول الحنفية، والمالكية.
قالوا: لأن القضاء يحكي الأداء.
وهذا هو الصحيح، والأول أحوط.
(أو ائتمَّ بمقيمٍ).
أي: إذا صلى المسافر خلف المقيم فإنه يلزمه الإتمام.
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
أ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ .
ب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
стр. 949
ج- لأن: هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة.
د- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.
فقال ﵀: الواجب على المسافر إذا صلى خلف مقيم أن يتم، لعموم قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ولأن الصحابة كانوا يصلون خلف أمير المؤمنين عثمان في الحج في مني، فكان يصلي بهم أربعاً فيصلون معه أربعاً.
وهذا واضح إذا ما دخل المسافر مع الإمام من أول الصلاة، لكن لو أدرك معه الركعتين الأخيرتين فهل يسلم؛ لأنه صلى ركعتين وفرضه ركعتان أو يأتي بما بقي؟ نقول: يأتي بما بقي، فيتم أربعاً لعموم قوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)؛ ولأن المأموم في هذه الحال ارتبطت صلاته بالإمام فلزم أن يتابعه حتى فيما فاته. (الشيخ ابن عثيمين).
وذهب بعض العلماء: إلى أن المسافر يتم الصلاة خلف المقيم إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، ويقصر إذا أدرك معه أقل من ركعة.
وهو قول الحسن البصري، والنخعي، والزهري، وقتادة، وقول للأوزاعي، وهو مذهب مالك.
عن الزهري وقتادة في مسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعة، قالا: يصلي بصلاتهم، فإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق
وقال الحسن في مسافر أدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر قال: يزيد إليها ثلاثاً، وإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق
أ-لقوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك).
دلَّ هذا الحديث على أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، أي: حكمها ووقتها وفضلها، فدلَّ ذلك على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك شيئاً من ذلك، وأن الركعة حد أدنى لإدراك تلك الفضائل.
стр. 950
ب-ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة، ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها.
ج-أن المسافر إذا لم يدرك ركعة من الصلاة كاملة فهو في حكم من لم يدرك شيئاً منها، وإذا لم يدرك شيئاً من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع.
وذهب بعضهم: إلى أن المسافر يقصر الصلاة سواء خلف مقيم أو غيره.
وهو قول إسحاق، والشعبي، وطاووس، وهو مذهب الظاهرية.
لحديث عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ … ).
فدل هذا الحديث على أن صلاة السفر هي الأصل فبمجرد السفر يثبت حكمها ما دام مسافراً فلا يتغير حكمها بالائتمام.
فائدة: ١
إذا اقتدى مسافر بمقيم ثم أفسد المسافر صلاته. (كأن ينتقض وضوءه أثناء الصلاة).
فقيل: يعيدها قصراً.
وقيل: يجب إعادتها تامة.
لأنها وجبت عليه أربعاً.
وهذا مذهب الأكثر.
فائدة: ٢
إذا اقتدى مسافر بمقيم، وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يتوضأ؟
فإذا أراد أن يعيدها فإنه يعيدها قصراً.
في الأولى يتم: لأن صلاته انعقدت ثم فسدت. (يعني وجبت الصلاة في ذمته تامة).
وفي الثانية يقصر: لأن صلاته لم تنعقد أصلاً. (لأنه دخل على غير وضوء).
следующие страницы →