← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما ولا أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. قال ابن تيمية: الفرق بين السفر الطويل والقصر، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة. والأحوط قول الجمهور. • سئل الشيخ ابن عثيمين: مجموعة من المدرسين يترددون لقرى بعيدة تقريباً فوق (١٠٠ كم) ويترخصون برخص السفر، يجمعون بين الظهر والعصر مع أنهم يصلون إلى ديارهم تقريباً الساعة الواحدة والنصف، ويقولون: عندهم فتوى منكم أنتم، فهل يجوز لهم أن يترخصوا برخص السفر؟ وإذا كان لا يجوز فهل يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر من غير قصر أم لا؟ الجواب: العلماء ﵏ اختلفوا في السفر المبيح للرخص، فمنهم: من يحده بالمسافة ويقول: المسافة (٨٣ كم) فإذا جاوزها الإنسان ولو بنصف ذراع حلت له الرخص. وبناءً على هذا القول: يكون هؤلاء ممن يكون لهم الرخص؛ لأنك قلت: (١٠٠ كم) أو أكثر. هؤلاء يقولون: له القصر وله الفطر وله الجمع ولو قطع هذه المسافة، أعني: (٨٣ كم) بنصف ساعة أو أقل، على هذا القول يكون لهؤلاء أن يقصروا إذا صادفتهم الصلاة وهم في غير بلدهم، ويجوز لهم أن يجمعوا. وأما على القول الثاني الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب فيقول: العبرة بما يسميه الناس سفراً، وهؤلاء القوم الذين يذهبون صباحاً ويرجعون مساءً قبل المساء لا يعدون مسافرين فلا يقصرون. … (فتاوى لقاء الباب المفتوح).

стр. 947

• ما حكم القصر للمكي بعرفة ومزدلفة ومنى؟ اختلف العلماء في هذا المسألة على قولين: القول الأول: أنه ليس لأهل مكة القصر بعرفة ومزدلفة وبمنى. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. قالوا: إن المسوغ للجمع والقصر هو السفر، والخروج إلى هذه الأماكن لا يعد سفراً بالنسبة للمكي لعدم المسافة. القول الثاني: أن لأهل مكة القصر في هذه الأماكن كسائر الحجاج. وهذا مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أ-لأن النبي ﷺ كان يقصر بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة. ب- قالوا: ولو أن أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعاً، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وفي أيام منى، لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة. قال ابن تيمية: إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين. والأحوط الأول. • ما الجواب عن حديث: أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفْر)؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه ضعيف، رواه أبو داود وغيره، قال ابن حجر: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. والثاني: أنه على التسليم بصحته، فإنما قاله ﷺ عام الفتح في جوف مكة، والحال أن أهل مكة مقيمون حقيقة. (وإذا ذكر صلاة حضرٍ في سفر، أو عكسها، أو ائتمَّ بمقيمٍ، أو نوى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ لزمَه أن يُتم). هذه مسائل يتم فيها المسافر الصلاة.

стр. 948

(وإذا ذكر صلاة حضرٍ في سفر). مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً. قال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر. لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها. (أو عكسها: ذكر صلاة سفر في حضر). مثال: رجل مسافر، وصلى الظهر ركعتين، فلما وصل إلى بلده، ذكر أنه صلاها بغير وضوء. فالمشهور من المذهب أنه يجب أن يعيدها أربعاً، وهو قول الشافعي. أ- قالوا: لأن القصر رخصة من رخص السفر، يبطل بزواله. ب-ولأنها وجبت عليه في الحضر. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصليها ركعتين. وهو قول الحنفية، والمالكية. قالوا: لأن القضاء يحكي الأداء. وهذا هو الصحيح، والأول أحوط. (أو ائتمَّ بمقيمٍ). أي: إذا صلى المسافر خلف المقيم فإنه يلزمه الإتمام. قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل. أ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ . ب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.

стр. 949

ج- لأن: هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة. د- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام. وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. فقال ﵀: الواجب على المسافر إذا صلى خلف مقيم أن يتم، لعموم قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ولأن الصحابة كانوا يصلون خلف أمير المؤمنين عثمان في الحج في مني، فكان يصلي بهم أربعاً فيصلون معه أربعاً. وهذا واضح إذا ما دخل المسافر مع الإمام من أول الصلاة، لكن لو أدرك معه الركعتين الأخيرتين فهل يسلم؛ لأنه صلى ركعتين وفرضه ركعتان أو يأتي بما بقي؟ نقول: يأتي بما بقي، فيتم أربعاً لعموم قوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)؛ ولأن المأموم في هذه الحال ارتبطت صلاته بالإمام فلزم أن يتابعه حتى فيما فاته. (الشيخ ابن عثيمين). وذهب بعض العلماء: إلى أن المسافر يتم الصلاة خلف المقيم إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، ويقصر إذا أدرك معه أقل من ركعة. وهو قول الحسن البصري، والنخعي، والزهري، وقتادة، وقول للأوزاعي، وهو مذهب مالك. عن الزهري وقتادة في مسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعة، قالا: يصلي بصلاتهم، فإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق وقال الحسن في مسافر أدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر قال: يزيد إليها ثلاثاً، وإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين. رواه عبد الرزاق أ-لقوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك). دلَّ هذا الحديث على أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، أي: حكمها ووقتها وفضلها، فدلَّ ذلك على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك شيئاً من ذلك، وأن الركعة حد أدنى لإدراك تلك الفضائل.

стр. 950

ب-ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة، ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها. ج-أن المسافر إذا لم يدرك ركعة من الصلاة كاملة فهو في حكم من لم يدرك شيئاً منها، وإذا لم يدرك شيئاً من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع. وذهب بعضهم: إلى أن المسافر يقصر الصلاة سواء خلف مقيم أو غيره. وهو قول إسحاق، والشعبي، وطاووس، وهو مذهب الظاهرية. لحديث عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ … ). فدل هذا الحديث على أن صلاة السفر هي الأصل فبمجرد السفر يثبت حكمها ما دام مسافراً فلا يتغير حكمها بالائتمام. فائدة: ١ إذا اقتدى مسافر بمقيم ثم أفسد المسافر صلاته. (كأن ينتقض وضوءه أثناء الصلاة). فقيل: يعيدها قصراً. وقيل: يجب إعادتها تامة. لأنها وجبت عليه أربعاً. وهذا مذهب الأكثر. فائدة: ٢ إذا اقتدى مسافر بمقيم، وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يتوضأ؟ فإذا أراد أن يعيدها فإنه يعيدها قصراً. في الأولى يتم: لأن صلاته انعقدت ثم فسدت. (يعني وجبت الصلاة في ذمته تامة). وفي الثانية يقصر: لأن صلاته لم تنعقد أصلاً. (لأنه دخل على غير وضوء).

стр. 951

فائدة: ٣ إذا صلى المسافر خلف إمام مقيم: فعليه أن يُتم صلاته معه، إذا اتفقت الصلاتان، ولا يجوز له أن يقتصر على صلاة ركعتين. أما إذا اختلفت الصلاتان. (كمن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب). فالمأموم مخير بين أن يقتصر على صلاة ركعتين، وبين أن يتم صلاته أربعاً بعد سلام الإمام. وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: عن رجل مسافر دخل المسجد، ووجد جماعة يصلون المغرب، وهو قد صلَّى المغرب، فصلَّى معهم بنية العشاء، ولما قام الإمام للركعة الثالثة: جلس، وتشهد، وسلم، فما حكم ذلك؟. فأجاب: "إذا دخل رجل مسافر قد صلَّى المغرب، فوجدهم يصلون المغرب، فدخل معهم بنية صلاة العشاء: فمِن العلماء من قال: " لا يصح دخوله؛ لاختلاف الصلاتين نية، وعملاً "، ومنهم من قال: " يصح ذلك "، فإذا قام الإمام للثالثة: أكمل الداخل التشهد، وسلَّم من ركعتين، وهذا هو الصحيح، وله أن يقوم معه في الثالثة، ويتم العشاء أربعاً. فائدة: ٤ دلت السنة النبوية على جواز صلاة المقيم خلف المسافر، وعلى أن المقيم يتم صلاته ولا يقصرها إذا قصر إمامه المسافر. وورد ذلك في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ فيه ضعف ولكنه متفق على فقهه عند المذاهب الأربعة وغيرهم.

стр. 952

عن عمران بن حصين ﵁ قال (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْر) رواه أبو داود. وروى مالك في " الموطأ " عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْر). قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة، وقد روي عن عمران بن حصين قال: (شهدت الفتح مع رسول الله ﷺ فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعا، فإنا سفر) رواه أبو داود. ولأن الصلاة واجبة عليه أربعاً، فلم يكن له ترك شيء من ركعاتها كما لو لم يأتم بمسافر. فائدة: ٥ إذا شك المسافر في إمامه هل هو مسافر أو مقيم؟ فلا يخلو الأمر من حالين: الحال الأولى: أن تكون هناك قرينة تدل على أن الإمام على سفر، مثل المساجد التي على طرق السفر، أو في المطارات، أو هيئة الإمام وما معه من متاع يدل على أنه على سفر، ففي هذه الحال للمسافر أن يقصر بناءً على تلك القرينة. الحال الثانية: إذا لم تكن هناك قرينة دالة على أن الإمام مسافر، ففي هذه الحال يتم المسافر صلاته خلف ذلك الإمام. جاء في (الموسوعة الفقهية) وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ مَنْ يَظُنُّهُ مُقِيمًا، أَوْ شَكَّ فِيهِ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ؛ اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ لِدَلِيلٍ، فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ وَيَتْبَعَ إمَامَهُ، فَيَقْصُرَ بِقَصْرِهِ وَيُتِمَّ بِإِتْمَامِهِ " انتهى.

стр. 953

وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما الحكم عندما آتي إلى المسجد وأجد الإمام في التشهد الأخير، ودخلت معه فسلم، فلا أدري هل أتم رباعية أم قصر؟ فأجاب ﵀: في هذه الحال ينظر إلى ظاهر الحال، لأن ما ذكرت يحصل في بعض المساجد، يمر بها الإنسان في الطريق ويجد أناساً يصلون، أو في المطار يجد أناساً يصلون، فيشك هل هم مقيمون أم مسافرون، ينظر إلى ظاهر الحال، إذا كان ظاهر هذا الرجل أنه مسافر لكون حقيبته أمامه، وكونه لابس ملابس السفر، فيعتبر مسافراً، وإذا لم يترجح عندك شيء فأتم؛ لأن الأصل الإتمام. (أو نوى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ لزمَه أن يُتم). أي: إذا نوى المسافر إقامة في موضع معين أكثر من أربعة أيام فإنه يتم. فلو أقام في مكة أو في الرياض خمسة أيام أو ستة أو أكثر لزمه الإتمام. (وهذه مسألة خلافية طويلة كبيرة). وهذا مذهب جماهير العلماء. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀. أ-لحديث أنس، حيث أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى. قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة. قالوا: وإقامة النبي ﷺ بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية. وقالوا: إن هناك فرقاً كبيراً بين إقامته ﷺ بمكة عام الفتح وبتبوك، وبين إقامته بمكة عام حجة الوداع، ويظهر الفرق من وجهين: أولاً: إن إقامة النبي ﷺ عام الفتح، وفي إقامة تبوك إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل، بل اقتضتها مصالح الجهاد ومتطلبات الفتح، فهي إقامة غير معلومة البداية، وغير محددة النهاية، لأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر، لا من أجل المكث والإقامة، ومن المعلوم أن من كانت هذه حاله، فإنه لا يدري ما سيواجهه من أوضاع، لذا فإنه لا يصح أن يقال قد بيت الإقامة، أو أنه قد حدد موعد الرحيل، حتى تكون النهاية معلومة إذ لو فعله لنقل إلينا، وعدم نقله دليل على عدم فعله.

стр. 954

ثانياً: إن إقامة النبي ﷺ بمكة عام حجة الوداع تختلف عن إقامته ﷺ عام الفتح، وفي عام تبوك لما علم من معرفة النبي ﷺ بعدد الأيام التي يحتاجها من أراد الرحلة من المدينة إلى مكة، لأنه ﷺ قد طرقه قبل الهجرة وبعدها، كما أنه طريق قريش إلى رحلة الصيف، ثم إنه كان طريقاً آمناً عام حجة الوداع، كما أن اليوم الذي يبدأ به الحج معلوم لما عرف من أن مشروعية الحج كانت في السنة التاسعة فمشروعيته سابقة على حجة الوداع. لهذه الأسباب كلها فإن إقامته ﷺ بالأبطح قبل الحج إقامة مقصودة، وهي معلومة البداية والنهاية. ب-واستدلوا بقوله ﷺ (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً) رواه مسلم. قال ابن حجر: يستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها من حكم المسافر. وذهب بعض العلماء: إلى أن مدة الإقامة خمسة عشر يوماً، فإذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً فأكثر امتنع عليه الترخص، وإن نوى دون ذلك ترخص. وهذا مذهب الحنفية. لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا (إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً، أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها) رواه الطحاوي. ويرد عليهم: أنه لا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرح، وهذه منها. وأيضاً فقد ثبت عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما حكي عنهم. وذهب بعضهم: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة. ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀. قال ﵀: للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر نية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا عرف. والأحوط مذهب الجمهور.

стр. 955

(وإن أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيةِ إقامةٍ قَصَرَ أبداً). أي: أن المسافر إذا أقام مدة ولا يعرف متى ينقضي عمله، فإنه يقصر ولو طالت المدة. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال ابن قدامة: مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا، أَوْ لِجِهَادِ عَدُوٍّ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ مَرَضٌ، وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ. (المغني). وقال ابن تيمية: وَأَمَّا إنْ قَالَ غَدًا أُسَافِرُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ أُسَافِرُ وَلَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وقال ابن القيم: وَالْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ مُتّفِقُونَ عَلَى أَنّهُ إذَا أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَنْتَظِرُ قَضَاءَهَا يَقُولُ الْيَوْمَ أَخْرُجُ غَدًا أَخْرُجُ فَإِنّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا إلّا الشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فَإِنّهُ يَقْصُرُ عِنْدَهُ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا يَقْصُرُ بَعْدَهَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي " إشْرَافِهِ " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُقْصِرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ. (زاد المعاد). أ- عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ (أَقَامَ اَلنَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ - وَفِي لَفْظٍ: - بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. ب- وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ (أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ) رواه أبو داود. ج-ولأن ذلك لا يعد لبثاً. د- وقد ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: (أَرْتَجَ عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي غَزَاةٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) رواه البيهقي. ومعنى أَرْتَجَ: دام وأطبق.

стр. 956

وصحح إسناده النووي في " خلاصة الأحكام " فقال " رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين "، وصححه ابن الملقن في " البدر المنير "، والحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير ". وقد استدل بهذا الأثر وما ورد بمعناه عن بعض الصحابة ﵃ أن المسافر يقصر مهما طالت مدة إقامته ما دام لم ينو الإقامة في ذلك البلد واتخاذه وطناً. وعليه نقول: أنه يصح لمن سافر وهو لا ينوي الإقامة أصلاً، ثم اقتضت أحواله أن يقيم إقامة غير محدودة النهاية، أن له الفطر ما أقام أبداً، كما هو فعل النبي ﷺ في تبوك، وعام الفتح، فإنها تعتبر إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل، بل اقتضتها مصالح الجهاد، ومتطلبات الفتح، فهي إقامة غير معلومة البداية وغير محددة النهاية، ولأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر (فلا تعارض بينها وبين ما ورد في حجة الوداع، فإنها إقامة مقصودة قاطعة للسفر). قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: من أقام في سفره أكثر من أربعة أيام ولم يجمع النية على الإقامة، بل عزم على أنه متى قضيت حاجته رجع؛ كمن يقيم بمكان الجهاد للعدو، أو حبسه سلطان أو مرض مثلاً، وفي نيته أنه إذا انتهى من جهاده بنصر أو صلح أو تخلص مما حبسه من مرض أو قوة عدو أو سلطان أو وجود آبق أو بيع بضاعة أو نحو ذلك فإنه يعتبر مسافراً، وله قصر الصلاة الرباعية، ولو طالت المدة؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوما لجهاد النصارى، وهو يصلي بأصحابه صلاة قصر، لكونه لم يجمع نية الإقامة بل كان على نية السفر إذا قضيت حاجته.

стр. 957

فائدة: ١ أتمّ الصلاة في السفر: عائشة، وعثمان. أما عائشة، فقد روى البيهقي عن عروة عن عائشة (أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق عليّ) وسنده صحيح. قال الحافظ: وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل. أما عثمان، فقد أتم في آخر خلافته ست سنوات. عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِى بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعاً. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً وَإِذَا صَلاَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْن) رواه مسلم. فائدة: ٢ اختلف العلماء في سبب إتمام عثمان: فقيل: أن الأعراب قد حجوا في تلك السنة، فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر. ورد هذا: بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ﷺ ، فكانوا حديثي عهد بالإسلام، والعهد بالصلاة قريب، ومع هذا فلم يُرَبِّع بهم النبي ﷺ . وقيل: إنه كان إماماً للناس، والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته. ورد هذا: بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله ﷺ كان هو أولى بذلك ولم يربّع. وقيل: إنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى، واتخاذها داراً للخلافة. وهذا التأويل أيضاً مما لا يقوى، فإن عثمانَ ﵁ من المهاجرين الأولين، وقد مَنع ﷺ المهاجرين من الإِقامة بمكة بعد نسكهم، ورخَّص لهم فيها ثلاثة أيام فقط، فلم يكن عُثمانُ لِيقيم بها، وقد منع النبيُّ ﷺ من ذلك، وإنما رخَص فيها ثلاثاً وذلك لأنهم تركوها للّه، وما تُرِكَ للّه، فإنه لا يُعاد فيه، ولا يُسترجع.

стр. 958

وقيل: إنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ورجح هذا ابن القيم. لورود حديث في ذلك عند أحمد (من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم). ورجح هذا ابن القيم وقال: وهذا أحسن ما اعتُذِر به عن عثمان. ورد هذا الحافظ ابن حجر، فقال: فهذا الحديث لا يصح، لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به، ويرده قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان. والراجح ما قاله الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان وعائشة في الإتمام في السفر، أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم، أنه صدقة تصدق الله بها، وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر. فائدة: ٣ من قصد السفر إلى إحدى المدن، ثم بدا له أثناء الطريق الرجوع إلى بلده، فله حالان: الأولى: أن تكون المسافة من المكان الذي نوى فيه الرجوع إلى بلده تساوي مسافة القصر فأكثر، ففي هذه الحال يترخص برخص السفر في طريق رجوعه حتى يدخل مدينته. الثانية: أن تكون المسافة من المكان الذي نوى فيه الرجوع إلى بلده لا تساوي مسافة القصر، ففي هذه الحال لا يترخص برخص السفر في طريق رجوعه؛ لأنه في حال رجوعه يعدُّ قد أنشأ سفراً جديداً، فلا يقصر إلا إن كانت المسافة تساوي مسافة القصر، وهي (٨٠) كم. قال ابن قدامة: فَلَوْ خَرَجَ يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فَقَصَرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ، كَانَ مَا صَلَّاهُ مَاضِيًا صَحِيحًا، وَلَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةً بِنَفْسِهَا، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا. … (المغني).

стр. 959

باب الجمع الجمع: هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، والصلاتين التي يصح جمعهما: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. (يجوز الجمع بين الظهرين، وبين العشاءين في وقت إحداهُما في سفر قصر). أي: يجوز في السفر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. والجمع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: قسم متفق عليه بين العلماء، وهو الجمع بعرفة ومزدلفة. قال ابن عبد البر: وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. عن جابرٍ ﵁ في صِفة حَجَّةِ النبي ﷺ (ثم أذَّن، ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثمَّ أقام فصلَّى العصرَ، ولم يُصلِّ بينهما شيئًا … حتى أتى المزدلفةَ، فصلَّى بها المغربَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ولم يُسبِّحْ بينهما شيئاً) رواه مسلم. القسم الثاني: مختلف فيه، وهو الجمع للسفر. وقد اختلف العلماء فيه: القول الأول: لا يجوز الجمع مطلقاً في غير عرفات ومزدلفة. وهذا قول أبي حنيفة. قال الحافظ: وقال قوم لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعي، وأبي حنيفة وصاحبيه. أ-لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) أي لها وقت معين له ابتداء فلا يجوز التقدم عليه، وانتهاء فلا يجوز التأخر عنه. ب-ولقوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات) أي في أوقاتها. وحملوا الروايات التي فيها الجمع في السفر على الجمع الصوري، وهو أنه أخر المغرب مثلاً إلى آخر وقتها، وعجل العشاء في أول وقتها.

стр. 960

القول الثاني: جواز الجمع تقديماً وتأخيراً. وهذا قول الجمهور. قال في المغني: وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الخطابي: وقال كثير من أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، إن شاء قدم العصر، وإن شاء أخر الظهر على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب، وهذا قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد. وبه قال الفقهاء: الشافعي، وإسحاق، وقال أحمد بن حنبل: وإن فعل لم يكن به بأس. وقال البغوي: فذهب كثير من أهل العلم إلى جوازه. وقال في نيل الأوطار: ذهب إلى جوازه كثير من الصحابة والتابعين. وقال البيهقي: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة ما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين. فهو قول الشافعي وأحمد. أ-لحديث أَنَس قال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا اِرْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ اَلشَّمْسُ أَخَّرَ اَلظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ اَلْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ اَلشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا الحديث بهذا السياق (صلى الظهر ثم ركب) يدل على أنه ﷺ لم يكن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى جمع تقديم، وإنما في وقت الثانية. ب- وعنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ج- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ) رواه البخاري. د- وعن ابن عمر قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْر) متفق عليه. هـ-ولأن النبي ﷺ جمع في عرفة ومزدلفة. و-وعن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته) رواه مسلم.

стр. 961

القول الثالث: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم. وهذا مذهب مالك، واختاره ابن حزم. لحديث أنس السابق. وأما جمع التقديم فلم يصح فيه حديث. فحديث أنس السابق فيه (صلى الظهر ثم ركب). والقول الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز الجمع تقديماً وتأخيراً. وأما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول. (أن المقصود الجمع الصوري). قال ابن قدامة: فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. قُلْنَا: هَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْخَبَرُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُهُمَا فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلِقَوْلِ أَنَسٌ: أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِين يَغِيبَ الشَّفَقُ. فَيَبْطُلُ التَّأْوِيلُ. الثَّانِي: أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدِّ ضِيقًا، وَأَعْظَمِ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا. (المغني). وقال الخطابي: بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة. وقال في الفتح مؤيداً لما قاله الخطابي: وأيضاً فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع. وأما الجواب عن أصحاب القول الثالث: (لم يصح حديث في جمع التقديم): فالجواب: أنه صح التقديم في عرفات كما في صحيح مسلم، وصح أيضاً في الحضر كما في حديث ابن عباس السابق (جمع بين … من غير خوف ولا مطر) وإذا صح جمع التقديم في الحضر ففي السفر من باب أولى.

стр. 962

• تنبيه: ذهب بعض العلماء: إلى أن الجمع خاص بمن جدّ به السير. لحديث ابن عمر السابق (رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير). وذهب الأكثر إلى جوازه للجادّ بالسير والمقيم. لحديث مُعَاذٍ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِم وتستفاد دلالته على جمع النازل من أن الرسول ﷺ مكث في تبوك عشرين ليلة. وقد رواه مالك ومن طريقه مسلم ولفظه ( … حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا). وهذا يدل على أنه جمع وهو نازل غير سائر. قال ابن قدامة: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ، فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ، مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ، يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى خِبَائِهِ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ (مُتَعَيَّنٌ)؛ لِثُبُوتِهِ وَكَوْنِهِ صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالَةِ السَّيْرِ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجٌ مِنْ خِلَافِ الْقَائِلِينَ بِالْجَمْعِ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا. (المغني). قال الشيخ ابن عثيمين: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، وفي حق السائر مستحب. • قوله (بين الظهرين، وبين العشاءين) فلا يجمع إلا بين الظهرين، أو العشاءين. وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء. قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على أنه ليس لمسافر، ولا مريض، ولا في حال المطر، يجمع بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح، وإنما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء. وقال النووي: ولا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر بالإجماع.

стр. 963

• قوله (بين الظهرين: الظهر والعصر) يدل على أن الجمعة لا تجمع مع العصر. وهذا مذهب الحنابلة. أ- لعدم ورود الدليل على ذلك، والأصل في العبادات المنع. ب- لا قياس في العبادات، فلا تقاس الجمعة على الظهر. ج- الجمعة صلاة مستقلة، وتفترق عن الظهر بأحكام كثيرة. د- وقوع المطر الذي فيه مشقة في عهد النبي ﷺ ، ولم يرد أنه جمع فيه بين العصر والجمعة، كما في قصة الأعرابي الذي قام - والنبي ﷺ على المنبر - وطلب الدعاء بالمطر فنزل وتوالى حتى الجمعة القادمة. قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز جمع العصر إلى الجمعة في الحال التي يجوز فيها الجمع بين الظهر والعصر. فلو مر المسافر ببلد وصلى معهم الجمعة لم يجز أن يجمع العصر إليها. ولو نزل مطر يبيح الجمع - وقلنا بجواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر - لم يجز جمع العصر إلى الجمعة. ولو حضر المريض الذي يباح له الجمع إلى صلاة الجمعة فصلاها لم يجز أن يجمع إليها صلاة العصر. وذهب بعض العلماء: إلى جواز الجمع بين الجمعة والعصر. أ- لأن معنى الجمع بين الصلاتين هو وضع إحداهما في وقت الأخرى، وهذا حاصل بالجمعة، ووقت الجمعة لم يتغير وإنما قدمنا العصر، ولا فرق بين عصر السبت والخميس وبين عصر الجمعة في جواز نقل صلاة العصر إلى وقت الصلاة التي قبلها. ب- خفف الله عن المسافر فلم يوجب عليه صلاة الجمعة، وجعل السفر أحد الأعذار المسقطة لوجوبها عليه، ومع ذلك تصح منه إذا حضرها، تيسيراً من الله ورحمة، فكيف يشدد عليه بمنعه من جمع صلاة العصر معها. ج- اتحاد الوقت بين صلاتي الظهر والجمعة على الصحيح من أقوال أهل العلم، والمعول في الجمع على الوقت. د- إذا وجدت علة الجمع وجد الحكم معها، والشارع لا يفرّق بين المتماثلات، كما أنه لا يجمع بين المختلفات، فما الفرق بين جمع الجمعة مع العصر وجمع الظهر مع العصر إذا استويا في المشقة أو كانت المشقة في يوم الجمعة أشد. والله أعلم.

стр. 964

(ولمريضٍ يلحقُه بتركهِ مشقةٍ). أي: ومن أسباب الجمع إذا كان الإنسان مريضاً يلحقه بترك الجمع مشقة وضَعف. وقد رخص النبي ﷺ للمرأة المستحاضة وهي التي ينزل منها الدم في غير أيام عادتها، رخص لها أن تجمع بين الصلاتين. عن حَمْنةَ بِنتِ جَحشٍ ﵂ (أنَّها استفتَتِ النبيَّ ﷺ في الاستحاضةِ، فقال لها: فإن قَويتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهرَ، وتُعجِّلي العَصرَ، فتَغتسلينَ وتَجمعينَ بين الصَّلاتينِ، فافعلي) رواه أبو داود. والاستحاضة نوع مرض. واحتج الإمام أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للمريض بأن المرض أشد من السفر، واحتجم بعد الغروب ثم تعشى ثم جمع بين صلاتي المغرب والعشاء. (كشاف القناع). قال ابن قدامة: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَرَضِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَخْبَارَ التَّوْقِيتِ ثَابِتَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ (جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ) وَفِي رِوَايَةٍ (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَر) رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا عِنْدِي رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيلِ الْعَصْرِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، فَأَبَاحَ لَهُمَا الْجَمْعَ لِأَجْلِ الِاسْتِحَاضَةِ. وَأَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِمَا ذَكَرْنَا. (المغني).

стр. 965

قال ابن تيمية: والقصر سببه السفر خاصة، لا يجوز في غير السفر. وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر، فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل، وكذلك الجمع للمطر ونحوه، وللمرض ونحوه، ولغير ذلك من الأسباب؛ فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة. (وبين العشاءين لمطرٍ يَبُلّ الثياب ووَحَلٍ). أي: ومن الأعذار التي تبيح الجمع وجود المطر الذي يبل الثياب، ووجود الوحل. قال ابن قدامة: وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ، وَأَمَّا الطَّلُّ وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فَلَا يُبِيحُ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَرَد. ثم قال ابن قدامة: وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفَعَلَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَنَا، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ نَافِعٌ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُصَلِّيَهُمَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ،، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يُنْكِرُونَهُ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. … (المغني). وقد روى مسلم في صحيحه: عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ)، وفي رواية (فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفر). قال الشيخ ابن باز: فدل ذلك على أنه قد استقر عند الصحابة أن الخوف والمطر عذر في الجمع كالسفر. جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب جمهور الفقهاء من لمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر المبلل للثياب والثلج والبرد.

стр. 966

لما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً)، وزاد مسلم: (من غير خوف ولا سفر)، قال كل من الإمام مالك والشافعي رحمهما الله: أرى ذلك بعذر المطر، ولأنه ثبت أن ابن عباس وابن عمر ﵃ كانا يجمعان بسبب المطر. (الموسوعة). • هل يشمل هذا العذر لمن يصلي منفرداً أو كان معذوراً عن حضور الجماعة؟ قيل: نعم. هذا المذهب. فيجوز الجمع مع هذه الأعذار حتى لمن يصلي في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط. قال البهوتي: فيباح الجمع مع هذه الأعذار (حتى لمن يصلي في بيته، أو) يصلي (في مسجد طريقه تحت ساباط، ولمقيم في المسجد ونحوه)، كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، (ولو لم ينله إلا يسير)؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها كالسفر. … (كشاف القناع). وجاء في (الموسوعة الفقهية) والأرجح عند الحنابلة: أن الرخصة عامة، فلا فرق بين من يصلي جماعة في مسجد، وبين غيره ممن يصلي في غير مسجد أو منفرداً; لأنه قد روي: (أن النبي ﷺ جمع في المطر وليس بين حجرته والمسجد شيء)، ولأن العذر إذا وجد استوى فيه وجود المشقة وغيره " انتهى. قال ابن قدامة: لِأَنَّ الْعُذْرَ إذَا وُجِدَ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ إذَا وُجِدَتْ أَثْبَتَتْ الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَة. … (المغني). وقيل: لا يجوز.

стр. 967

لِأَنَّ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ؛ كَالرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، يَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مِنْ لَا تَلْحَقُهُ، كَمَنْ فِي الْجَامِعِ وَالْقَرِيبِ مِنْهُ. (المغني). قال النووي: ثم هذه الرخصة لمن يصلي جماعة في مسجد يأتيه من بُعدٍ ويتأذى بالمطر في إتيانه، فأما من يصلي في بيته منفردًا أو في جماعة … فلا يجوز الجمع على الأصح. وهذا الراجح، أنه لا يجوز. • قوله (وبين العشاءين لمطرٍ … ) دليل على أنه لا يجوز الجمع بين الظهرين من أجل المطر. وهذا المذهب. قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ: الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْت. وَهَذَا (اخْتِيَارُ) أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ مَالِك. وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالْمَضَرَّةِ، وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى السَّفَرِ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا. … (المغني). وذهب بعض العلماء: إلى جواز الجمع بين الظهرين لهذا السبب. وهذا قول الشافعية، واختاره ابن تيمية. أ-لحديث ابن عباس السابق (جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِى غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ). وجه الدلالة من وجهين: الأول: أنه إذا ثبت الجمع منه ﷺ في المدينة، لسبب غير الخوف والمطر، فالجمع لهذه الأمور أولى، لأنه إذا جمع ليرفع الحرج من غير خوف ولا مطر، فالحرج الحاصل بالمطر أولى أن يرفع، والجمع له أولى من الجمع لغيره. الثاني: أن في نفي ابن عباس للخوف والمطر دليلاً على أن هذه الأسباب مما استقر عندهم جواز الجمع لها.

стр. 968

ب- وقالوا: إن المعنى الشرعي للجمع هو الترفق ودفع المشقة، يوجد في صلاة الليل والنهار. وهذا القول هو الراجح. -الخلاصة: يشترط لجمع التقديم في المطر ما يلي: أ- أن يكون المطر كثيراً. بحيث يبُلُّ الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه. ومثلُ المطر عند الحنابلة والمالكية: الثلجُ، والبرَدُ، والطينُ الملوِّث، والريح الشديدة؛ لأنها كلها في معنى واحد من حيث المشقة والمضرَّة. ب- استدامة المطر ونحوه. وذلك في أول الصلاتين المجموعتين، وعند السلام من الأولى، ومتى زال العذر في أحد هذه الأوقات الثلاثة لم يجز الجمع عند الحنابلة والمالكية والشافعية، فإن زال أثناء الصلاة الأولى ثم عاد أو انقطع بعد الإحرام بالثانية، صح الجمع ولم يؤثِّر انقطاعه لوجود العذر في هذه الأوقات الثلاثة، المرتبطة بالنية غالباً. ج- أداء الصلاة جماعة في المسجد. وقد تقدم هذا، حيث اشترط بعض الفقهاء أن تقام الصلاة في المسجد جماعة، وقال آخرون منهم الحنابلة في أحد قوليهم: يجوز الجمع للمنفرد لوجود العذر، وذلك كالسفر، حيث يجوز للمسافر المنفرد الجمع بين الصلاتين. د-أن يكون الجمع تقديماً: لا يجوز عند الحنابلة جمع الصلاتين تأخيراً لأجل المطر؛ لأنه ربما انقطع المطر فيكون قد أخَّر الصلاة الأولى عن وقتها بغير عذر، وهذا قول المالكية والشافعية أيضاً، وذكروا أن فائدة الجمع هو تحصيل فضل الجماعة.

стр. 969

فائدة: كون الجو غائماً من غير نزول للمطر لا يعتبر عذراً شرعياً يبيح الجمع لأجل المطر، ومن أجاز الجمع من الفقهاء لأجل المطر - وهم الحنابلة، والشافعية - إنما أجازوه بشروط، منها: وجود المطر عند افتتاح الأولى، فإذا لم يوجد فلا جمع. ومنهم من يشترط وجوده أيضاً عند افتتاح الثانية. • قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاواه: وهنا سؤالان: الأول: إذا كانت السماء غائمة ولم يكن مطر ولا وحل، ولكن المطر متوقع فهل يجوز الجمع؟ الجواب: أنه لا يجوز الجمع في هذه الحال؛ لأن المتوقع غير واقع، وكم من حال يتوقع الناس فيها المطر لكثافة السحاب ثم يتفرق ولا يمطر. الثاني: إذا كان مطر ولكن شكنا هل هو مطر يبيح الجمع أو لا؟ والجواب: أنه لا يجوز الجمع في هذه الحال؛ لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها فلا يعدل عن الأصل إلا بيقين العذر؟ فائدة: الجمع في المطر يكون جمع تقديم. قال ابن تيمية: الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب. وقال ابن قدامة: فَأَمَّا الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى، لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ الْمَشَقَّةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ، أَوْ طُولِ الِانْتِظَارِ فِي الْمَسْجِدِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلْمَغْرِبِ، فَإِذَا حَبَسَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، كَانَ أَشَقَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى، فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ وَيَمْتَنِعُ، وَإِنْ اخْتَارُوا تَأْخِيرَ الْجَمْعِ، جَازَ.

стр. 970

(والأفضلُ فِعلُ الأرفق به من تأخير وتقديم). أي: الأفضل لمن يباح له الجمع فعل الأرفق به من تأخير وتقديم. أ-لقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر). ب-والجمع إنما شرع رفقاً بالمكلف، فما كان هو أرفق فهو أفضل. فائدة: ما الحكم إذا تساوى الأمران عند الإنسان أي تساوى عنده جمع التقديم والتأخير فأيهما أفضل؟ الأفضل هنا التأخير، لأن التأخير غاية ما فيه تأخير الأولى عن وقتها، والصلاة بعد وقتها جائزة مجزئة. أما التقديم ففيه صلاة الثانية قبل دخول وقتها، والصلاة قبل دخول الوقت لا تصح ولو جهلاً. (فإنْ جمعَ في وقت الأولى اشتُرطَ نيةُ الجمع عند إحرامِهَا). أي: من شروط الجمع: أن ينوي عند افتتاح الأولى. مثال: دخل في الصلاة الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع. مثال آخر: إنسان صلى الأولى، وبعدما سلم نوى الجمع. اختلف العلماء، هل يصح أم لا؟ القول الأول: لا يصح الجمع. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة فلا بد من نية الجمع. أ-لحديث عمر. قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات). وجه الدلالة: أن الصلاة الثانية تفعل في وقت الأولى جمعاً، وقد تفعل سهواً فلا بد من نية تميزها.

стр. 971

القول الثاني: لا يشترط للجمع نية. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه النووي وابن حجر. لأن الرسول ﷺ لما جمع بأصحابه لم يعلمهم بأنه سيجمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه سيجمع حتى قضى الصلاة الأولى. قال ابن تيمية: إن النبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم. فهذا القول هو الراجح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود سبب الجمع عند الجمع. (ولا يُفرِّقَ بينَهما إلا بقدْرِ إقامةٍ ووضوءٍ خفيف). هذا الشرط الثاني من شروط الجمع: وهو الموالاة: بأن لا يفرق بين الصلاة تفريقاً كثيراً. واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يشترط الموالاة بين الصلاتين في جمع التقديم. وهذا قول المالكية، والشافعية، والحنابلة. قالوا: بأن الجمع يصيّر الصلاتين المجموعتين كالصلاة الواحدة، فلا يجوز التفريق بينهما، كما لا يجوز التفريق بين ركعات الصلاة الواحدة. القول الثاني: لا يشترط. واختاره ابن تيمية. فيجوز مثلاً أن يصلي الظهر، ثم يتوضأ ويستريح، ثم يصلي العصر. قالوا: لأن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل، فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً. والأحوط القول الأول.

стр. 972

(ويرتّب بينهما). بأن يبدأ بالأولى ثم الثانية. أ-لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ب-ولأن الشرع جاء بترتيب الأوقات والصلوات، فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه. (وإنْ جمعَ في وقت الثانيةِ: اشتُرطَ نية الجمع في وقت الأولى). أي: يشترط لمن أراد أن يجمع تأخير: أن ينوي الجمع في وقت الأولى. لأنه متى أخرها عن وقتها بلا نية صارت قضاءً لا جمعاً. (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية). هذا الشرط الثاني من شروط جمع التأخير: وهو استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما. لأن المُجوّز للجمع العذر، فإذا لم يستمر وجب أن لا يُجوّز لزوال المقتضي، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدَم. مثال: رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى. لا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها. فائدة: ١ أن الصلاة في الجمع تصلى بأذان واحد وإقامتين. [وسبقت المسألة] فائدة: ٢ رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى. لا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها.

стр. 973

فائدة: ٣ عن ابن عباس قال: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر، قال سعيد بن جبير: (قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته). وفي رواية: (ولا مطر) اختلف العلماء، ما سبب الجمع في هذا؟ قيل: جمع بعذر المطر. قال النووي: وهذا ضعيف بالرواية الأخرى: (من غير خوف ولا مطر). وقيل: إنه كان في غيم، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان وقت العصر دخل فصلاها. قال النووي: وهذا أيضاً باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله: على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع. قال النووي: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي، ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس. ورجحه الحافظ ابن حجر. وقيل: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار. وهذا قول أحمد بن حنبل، واختاره الخطابي، وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث.

стр. 974

باب صلاة الخوف الخوف ضد الأمن، والمراد بهذا الباب: كيفيتها، والأصل في مشروعيتها قوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … ) الآية، وأول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ هي غزوة عُسفان وكانت قبل خيبر. ومشروعية صلاة الخوف تخفيف من الله تعالى على عباده ورحمة بهم، وتحصيل لمصلحتي الصلاة في وقتها جماعة، وأخذ الحذر من العدو، وهذا يدل على أهمية صلاة الجماعة، وكمال دين الإسلام بأخذ الحذر وتفويت الفرصة على الأعداء. (وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها النبي ﷺ -). هذه قاعدة في كل عبادة وردت عن النبي ﷺ على صفات متعددة، وهذا قول أصحاب الحديث كأحمد وغيره. فمن صفات صلاة الخوف: ما جاء في حديث صالح بن خوات: عن صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وهذه الصفة تكون إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة. وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد ﵀ لأنه أشبه بكتاب الله وأحوط بجند الله وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته ﷺ بذات الرقاع. صفة هذه الصلاة: يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم. هذه هي الصفة الموافقة لظاهر القرآن، لقوله تعالى:

стр. 975

(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا). (وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) أي: في حال مواجهتهم الكفار في القتال. (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إماماً. (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي: يصلون، وطائفة قائمة بإزاء العدو، كما يدل عليه سياق الآيات. (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليحملوها في الصلاة. (فَإِذَا سَجَدُوا) أي: أكملوا صلاتهم، وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة. (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو. (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) أي: تدخل معك في الصلاة أولاً، لكونهم أمام العدو. (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو. من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي. خالفت هذه الصفة صلاة الأمن من أوجه: أ-انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر. ب-الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام. ج- تطويل القيام في الركعة الثانية عن الأولى. د- تطويل التشهد. قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة. ومنها ما جاء في حديث جابر:

стр. 976

عَنْ جَابِرٍ قَالَ (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ اَلرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ اِنْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ اَلصَّفُّ اَلْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ اَلْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى اَلسُّجُودَ، قَامَ اَلصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ … ) فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ: (ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلِ وَتَقَدَّمَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي … ) فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي آخِرِهِ: (ثُمَّ سَلَّمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فهذه الصفة التي في هذا الحديث إذا كان العدو في جهة القبلة، وصفتها: أن يصف القائد الجيش صفين فيصلي بهم جميعاً يكبر ويركع ويرفع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني واقفاً يحرس، فإذا قام الإمام والصف الأول من السجود سجد الصف الثاني، فإذا قاموا من السجود تقدموا في مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول إلى مكانهم فيركع الإمام بهم جميعاً ويرفع بهم ثم يسجد هو والصف الذي يليه، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المتأخر ثم سلم بهم جميعاً. • يشترط للصلاة على هذا الوجه أن لا يخافوا كميناً يأتي من خلف المسلمين، وأن لا يخفى بعض الكفار على المسلمين فإن خافوا كميناً، أو خفي بعضهم عن المسلمين صلى على غير هذا الوجه كما لو كانوا في غير جهة القبلة.

стр. 977

ومنها: ما جاء في حديث ابن عمر: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَة) متفق عليه. ومنها: أن يصلي بكل طائفة صلاة. عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) رواه النسائي. وقد رواه مسلم لكن لم يذكر السلام بعد الركعتين الأوليين، فظن بعض الفقهاء - ومنهم ابن قدامة - أن هذه صفة خامسة. لكن الصحيح أن رواية مسلم المراد صلى بالطائفة الأولى ركعتين، ثم سلم كما جاء في رواية النسائي ورواية أبي داود. فائدة: ١ قال بعض العلماء: إن صلاة الخوف خاصة بالنبي ﷺ -. وهو قول أبو يوسف والمزني، لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) حيث وجه الخطاب إلى النبي ﷺ . وذهب جمهور العلماء: إلى أن حكمها باق بعد النبي ﷺ . قال ابن قدامة: جمهور الفقهاء متفقون على أن حكمها باقٍ بعد الرسول ﷺ ، وقالوا: أن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق أمته ما لم يقم دليل على اختصاصه، ولا يكفي تخصيصه بالخطاب لتخصيصه بالحكم، إذ أن أحكاماً كثيرة خص فيها النبي ﷺ بالخطاب، والحكم عام له ولأمته، كما في قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، وكما ثبت أن الصحابة ﵃ صلوها بعد النبي ﷺ على هذه الكيفية التي كان النبي ﷺ يصليها عليها.

стр. 978

وقال القرطبي في قوله (وإذا كنت فيهم … ) وهذه الآية خطاب للنبي ﷺ وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وهذا قول كافة العلماء. (التفسير). وقال القرطبي في المفهم: وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المروي في ذلك، والذي دل عليه القرآن، خاصًّا بالنبي ﷺ ، مستدلاًّ بخصوصية خطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة)، قال: فإذا لم يكن فيهم لم تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه: أحدها: أنا قد أمرنا باتباعه، والتأسِّي به، فيلزم اتباعه مطلقًا؛ حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلاً على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلاً على الخصوصية؛ للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرةً على من خوطب بها. لكن قد تقرر بدليل إجماعي؛ أن حُكْمَه على الواحد حُكمه على الجماعة. وثانيها: أنه قد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي). وثالثها: أن الصحابة ﵃ اطَّرحوا توهُّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوهُ إلى غير النبي ﷺ ، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادعى الخصوصية. وهذا القول هو الراجح. فائدة: ٢ الحكمة من صلاة الخوف: أولاً: تخفيف الله على عباده ورحمته بهم. ثانياً: تحصيل مصلحة الصلاة في وقتها. ثالثاً: أخذ الحذر والحيطة من العدو.

стр. 979

فائدة: ٣ جمهور العلماء إن أول ما صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. واختلفوا متى كانت: فقال كثير من أهل السير وابن عبد البر وغيرهما: إنها كانت بعد بني النضير والخندق في جمادى الأولى سنة أربع. وقال البخاري: بعد خيبر في السنة السابعة، ورجحه الإمام ابن القيم والحافظ. فائدة: ٤ النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف في غزوة الخندق. فقيل: نسياناً، وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان مشغولاً بالقتال. والصحيح أنه أخّرها عمداً، لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإلى هذا ذهب الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيم، والحافظ ابن حجر. • فائدة: اختلف العلماء في حكم تأخير الصلاة عن وقتها في شدة الحرب على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز أن يؤخرها بل يصلي في وقتها. وهذا قول الجمهور. قال النووي: وَأَمَّا تَأْخِير النَّبِيّ ﷺ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس فَكَانَ قَبْل نُزُول صَلَاة الْخَوْف. قَالَ الْعُلَمَاء: يَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَّرَهَا نِسْيَانًا لَا عَمْدًا وَكَانَ السَّبَب فِي النِّسْيَان الِاشْتِغَال بِأَمْرِ الْعَدُوّ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَمْدًا لِلِاشْتِغَالِ بِالْعَدُوِّ، وَكَانَ هَذَا عُذْرًا فِي تَأْخِير الصَّلَاة قَبْل نُزُول صَلَاة الْخَوْف، وَأَمَّا الْيَوْم فَلَا يَحُوز تَأْخِير الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا بِسَبَبِ الْعَدُوّ وَالْقِتَال، بَلْ يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف عَلَى حَسْب الْحَال. وقال ابن قدامة: إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ؛ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُمْ، وَإِلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ، يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَيَتَقَدَّمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ، وَيَضْرِبُونَ وَيَطْعَنُونَ، وَيَكُرُّونَ وَيَفِرُّونَ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِه، وهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم.

стр. 980

القول الثاني: يجوز تأخيرها عن وقتها. لفعل النبي ﷺ في غزوة الخندق. قال الشيخ ابن باز ﵀: الخوف له حالات متنوعة، وإذا اضطر إلى أن يؤخر الصلاة عن وقتها: فالصواب أنه لا حرج في ذلك؛ لفعله ﷺ يوم الأحزاب، وقد فعله الصحابة في قتال الفرس، كما ذكر أنس ﵁ أنهم في بعض الأيام التي لاقوا فيها العدو الفرس عند فتح تستر، فتحوها عند طلوع الفجر في وقت صلاة الفجر، وشغل الناس عن الصلاة؛ لأن بعضهم صار على السور، وبعضهم على الأبواب، وبعضهم نزلوا في البلد، فاشتد القتال والحصار، فلم يتمكنوا من صلاة الفجر، فأخروها حتى صلوها ضحى، قال أنس ﵁: فما أحب أن أعطى بها كذا وكذا، يعني لأنا أخرناها لأمر شرعي، وحاجة شديدة وضرورة، فلا حرج في هذا على الصحيح. (فتاوى نور على الدرب). وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان الإنسان لا يتمكن من الصلاة بوجه من الوجوه لا بقلبه ولا بجوارحه لشدة الخوف، فالصحيح أنه يجوز له تأخير الصلاة في هذه الحال، لأنه لو صلى فإنه لا يدري ما يقول وما يفعل، ولأنه يدافع الموت، وقد ورد ذلك عن بعض الصحابة ﵃ كما في حديث أنس ﵁ في فتح تستر، فإنهم أخّروا الصلاة عن وقتها إلى الضحى حتى فتح الله. وعليه يُحمل تأخير النبي ﷺ الصلاة عن وقتها يوم الخندق حينما شُغل عن صلاة العصر إلى أن غربت الشمس كما في حديث جابر، وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة على المشهور، وقد صلى فيها صلاة الخوف فتبين أنه أخرها في الخندق لشدة الخوف. (انتهى). فائدة: ٥ يشترط في إقامة صلاة الخوف أن يكون القتال مباحاً.

стр. 981

فائدة: ٦ صلاة الخوف جائزة في الحضر كما هي جائزة في السفر إذا احتيج إلى ذلك بنزول العدو قريباً من البلد، وخوف هجوم العدو على المسلمين. وهذا المذهب وبه قال الأوزاعي، والشافعي. وحكي عن مالك أنها لا تجوز في الحضر، لأن النبي ﷺ لم يفعلها في الحضر. قال ابن قدامة: ولنا قول الله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية وهذا عام في كل حال وترك النبي ﷺ فعلها في الحضر إنما كان لغناه عن فعلها في الحضر، وقولهم إنما دلت الآية على ركعتين قلنا وقد يكون في الحضر ركعتان الصبح والجمعة والمغرب ثلاث ويجوز فعلها في الخوف في السفر ولأنها حالة خوف فجازت فيها صلاة الخوف كالسفر. فائدة: ٧ إذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون بالركوع والسجود. أي: وإذا اشتد الخوف وتواصل الطعن والضرب والكر والفر ولم يمكن تفريق القوم. (صلوا رجالاً) أي: ماشين على أرجلهم (وركباناً) أي: على الخيل والإبل وسائر المركوبات. أي: فيسقط الاستقبال في هذه الحالة. كما قال تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً). قال السعدي: (رِجَالاً) أي: على أرجلكم، (أَوْ رُكْبَاناً) على الخيل والإبل وسائر المركوبات، وفي هذه الحال لا يلزمه الاستقبال (يعني: استقبال القبلة)، فهذه صلاة المعذور بالخوف " انتهى. وقد روى البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَاناً). قال الحافظ (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ): أَيْ: إِنْ كَانَ اَلْعَدُوّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اَلْخَوْفَ إِذَا اِشْتَدَّ وَالْعَدْوّ إِذَا كَثُرَ فَخِيفَ مِنْ اَلانْقِسَامِ لِذَلِكَ جَازَتْ اَلصَّلاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبَ اَلإِمْكَان، وَجَازَ تَرْكُ مُرَاعَاة مَا لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ اَلأَرْكَانِ، فَيَنْتَقِلُ عَنْ اَلْقِيَامِ إِلَى اَلرُّكُوعِ، وَعَنْ اَلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى اَلإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهَذَا قَالَ اَلْجُمْهُور " انتهى.

стр. 982

وروى اَلطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ (إِذَا اِخْتَلَطُوا - يَعْنِي فِي اَلْقِتَالِ - فَإِنَّمَا هُوَ اَلذِّكْرُ وَإِشَارَة اَلرَّأْس). وروى البخاري عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ … ذكر صفة صلاة الخوف، ثم قال: (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) قَالَ نَافِعٌ: لا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قال الحافظ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ " فَإِنْ كَانَ خَوْف أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ " هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى اِبْن عُمَر، وَالرَّاجِح رَفْعه " انتهى. وقال في المنتقى شرح الموطأ (فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) يَعْنِي: خَوْفًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِي مَوْضِعٍ، وَلا إقَامَةَ صَفٍّ، صَلَّوْا رِجَالا؛ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يُمْكِنُ فِيهِ الاسْتِقْرَارُ وَإِقَامَةُ الصَّفِّ لَكِنْ يَخَافُ مِنْ ظُهُورِ الْعَدُوِّ بِالاشْتِغَالِ بِالصَّلاةِ … وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَوْفِ: فَهَذَا أَنْ لا يُمْكِنَ مَعَهُ اسْتِقْرَارٌ، وَلا إقَامَةُ صَفٍّ، مِثْلُ الْمُنْهَزِمِ (الهارب من العدو) الْمَطْلُوبِ فَهَذَا يُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَهُ، رَاجِلا أَوْ رَاكِبًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) " انتهى باختصار • وهذا على قول من يقول لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وهو قول أكثر العلماء، ونسبه ابن كثير للجمهور للآية السابقة، وقال آخرون: يجوز تأخيرها عن وقتها إذا اشتد الخوف، ولم يمكن المصلي أن يتدبر ما يقول، واستدلوا بتأخير الرسول ﷺ الصلاة في غزوة الخندق، والجمهور يستدلون بأن صلاة الخوف لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، لما تقدم أنها شرعت في غزوة عسفان، وهي بعد الخندق. قوله (يومئون بالركوع والسجود) أي: يومئون بالركوع والسجود، إيماء على قدر طاقتهم، لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفاً لأسلحة العدو، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، ولا يلزمهم السجود على ظهر المركوب.

стр. 983

فائدة: ٨ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ (فَرَضَ اللَّه الصَّلَاة عَلَى لِسَان نَبِيّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْف رَكْعَة) رواه مسلم في هذه الحديث صفة أخرى من صفات صلاة الخوف، وهي الاقتصار على ركعة واحدة لكل طائفة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف. قال الحافظ: وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف يقول الثوري وإسحاق ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وغير واحد من التابعين. قال النووي في شرح حديث (وفي الخوف ركعة) هذا الحديث قد عمل بظاهره طائفة من السلف منهم الحسن، والضحاك واسحق بن راهويه. القول الثاني: لا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف. وهذا مذهب الجمهور. وأجابوا عن الحديث: بأن المراد بها ركعة واحدة مع الإمام، وليس فيها نفي الثانية. قال النووي: وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور: إِنَّ صَلَاة الْخَوْف كَصَلَاةِ الْأَمْن فِي عَدَد الرَّكَعَات، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَضَر وَجَبَ أَرْبَع رَكَعَات، وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّفَر وَجَبَ رَكْعَتَانِ. وَلَا يَجُوز الِاقْتِصَار عَلَى رَكْعَة وَاحِدَة فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال، وَتَأَوَّلُوا حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد رَكْعَة مَعَ الْإِمَام وَرَكْعَة أُخْرَى يَأْتِي بِهَا مُنْفَرِدًا كَمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي صَلَاة النَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه فِي الْخَوْف. وَهَذَا التَّأْوِيل لَا بُدّ مِنْهُ لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَدِلَّة. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم). وقال في المجموع: والجواب عن حديث ابن عباس: أن معناه أن المأموم يصلي مع الإمام ركعة ويصلي الركعة الأخرى وحده، وبهذا الجواب أجاب البيهقي وأصحابنا في كتب المذهب وهو متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة. قال الشوكاني: ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس (ولم يقضوا ركعة)، وكذا قوله في حديث حذيفة (ولم يقضوا). وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني: (وفي الخوف ركعة).

стр. 984

باب صلاة الجمعة. مقدمة: • اختلف في سبب تسمية الجمعة بهذا الاسم: فقيل: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم، وقد جاء حديث عند أحمد، ورجحه الحافظ ابن حجر والشوكاني. وقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع لصلاتهم. وقيل: لأن الله تعالى جمع فيه آدم مع حواء في الأرض. وقيل: لما جمع فيه من الخير. قال الحافظ: بالاتفاق أنه كان يسمى في الجاهلية العَرُوبة. • ذهب جمهور العلماء إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، لأن هذه السورة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة. • والجمعة فرض بالكتاب والسنة والإجماع: أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).

стр. 985

ب- ولحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ- (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ اَلْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ اَلْغَافِلِينَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ج-ولحديث ابن مسعود. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُم) رواه مسلم. د- ولحديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) متفق عليه. هـ- ولحديث طارق بن شهاب. عن النبي ﷺ قال (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) رواه أبو داود. و- ولحديث حفصة. عن النبي ﷺ قال (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) رواه أبو داود. قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على وجوب صلاة الجمعة. وحكى الإجماع أيضاً ابن المنذر. قال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة. (تلزمُ كلَّ ذَكَرٍ). أي: تلزم وتجب الجمعة على كل ذكر، فلا تجب على المرأة. أ- لحديث طارق بن شهاب السابق (الجمعة حق واجب إلا على أربعة: مجنون، أو امرأة، أو صبي، أو مريض). قال النووي في "المجموع" (٤/ ٤٨٣): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
следующие страницы →