← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ختم الدروس العلمية بالجامع الأخضر (١) في أوائل هذا الشهر ختمت الدروس العلمية بالجامع الأخضر فجمع الأستاذ عبد الحميد بن باديس طبقات التلامذة الثلاث- وهم ينيفون على مائتين تلميذ- ليلقي عليهم كلمة الوداع ويزودهم بالوصايا النافعة فذكرهم بما بينه وبينهم من رابطة الأبوة والنبوة وما بينهم من رابطة الأخوة وما تقتضيه هذه الروابط من محبة مثمرة للأعمال الصالحة في الخدمة العامة، ومن دوام اتصال للتعاون على الخير، ومن تسامح بين الجميع،، ومن تناصح بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. ثم حثهم على أن يمثلوا الأخلاق الإسلامية الفاضلة بين أقوامهم حتى تظهر عليهم آثار ما كانوا فيه من غربة للتربية والتعليم فيحببوا الناس في العلم ويكونوا لهم قدوة فيه وفي العمل به. وأوصاهم بنشر ما تعلموا من خير برفق ولطف وأن يكونوا مظاهر محبة ورحمة على ما قد يلقونه من جفوة من بعض الناس، وأن لا يقابلوا ذلك إلا بالتسامح دون أدنى شيء من المكروه. ثم قال لهم: "اتقوا الله، ارحموا عباد الله، اخدموا العلم بتعلمه ونشره، وتحملوا كل بلاء ومشقة في سبيله، وليهن عليكم كل عزيز ولتهن عليكم أرواحكم من أجله. أما الأمور الحكومية وما يتصل بها فدعوها لأهلها وإياكم أن تتعرضوا لها بشيء".

стр. 1052

وختم الاجتماع بالدعاء والابتهال، بما فيه صلاح الحال والمآل إن شاء الله تعالى. ثم في المساء ودعهم الأستاذ واحدا واحدا فرجعوا إلى بلدانهم مزودين بالخير دعاة إليه فتح الله عليهم وفتح بهم إنه الفتاح العليم (١). تحية وشكر: إلى أبنائي الطلبة: وعليكم- السلام ورحمة الله وبركاته. جاءتني كتبكم وأفادتني ما يسرني ويسر كل محب للعلم من استمراركم على الجد في مراجعته والترغيب فيه ونشر الهداية- كل بما استطاع- بين قومه وعشيرته وقد ضاق وقتي عن مكاتبتكم واحدا واحدا فكاتبتكم بهذا على صفحات مجلتكم شاكرا لكم حسن عهدكم وصدق مودتكم سائلا من الله تعالى أن يجمع قلوبنا على الحق وأعمالنا على الخير. وسيكون افتتاح الدروس في منتصف شهر أكتوبر إن شاء الله كالمعتاد سهل الله لنا ولكم أسباب العلم النافع. ووفقنا وإياكم إلى العمل الصالح (٢) .. والسلام من أبيكم: عبد الحميد بن باديس

стр. 1053

تقرير في التعليم المسجدي ألقاه الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس ــ الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه التعليم المسجدي: أصل مشروعيته واستمرار العمل به: المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهر الإسلام فما بنى النبي- ﷺ يوم استقر في دار الإسلام، بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة، فكما لا مسجد بدون صلاة كذلك لا مسجد بدون تعليم، وحاجة الإسلام إليه كحاجته إلى الصلاة، فلا إسلام بدون تعليم، ولهذه الحاجة مضى النبي- ﵌ على عمارة المسجد بهما، فما انقطع عمره كله عن الصلاة، وعن التعليم في مسجده، حتى في مرضه الذي توفي فيه. ثم مضى المسلمون على هذه السنة في أمصار الإسلام يقفون الأوقاف على المساجد للصلاة والتعليم، ومن أظهر ذلك وأشهره اليوم، الجامع الأزهر وجامع الزيتونة وجامع القرويين. نوع التعليم المسجدي: كان النبي- ﷺ يعلم أصحابه، يبين للناس ما نزل إليهم-، يفقههم في الدين، فما بيّن القرآن وما فقه في الدين فهو من التعليم الإسلامي وهو من التعليم المسجدي. ولما كان القرآن كتاب الإنسان من جميع نواحي الإنسان وكتاب الأكوان بما فيها من نعم

стр. 1054

وعبر وكتاب العمران بما يحتاج إليه العمران مما يصلح أحوال البشر وما يتصل بالبشر، وكتاب السعادتين الدنيوية والأخروية، كانت العلوم التي تخدم ذلك كله من علوم الإسلام ومن علوم المساجد. ولذا كانت مساجد الأمصار الإسلامية من أيام البصرة والكوفة إلى يومنا هذا مفتحة الأبواب، معمورة الأركان، بجميع العلوم وإذا خلت في العصر الأخير من بعضها، فذلك للتأخر العام وضعف المسلمين في أسباب الحياة. الحاجة إليه: الإسلام دين الله الذي يجمع بين السعادتين وإنما يسعدهما به من اعتقمد عقائده وتأدب بآدابه وارتبط بأحكامه في الظاهر والباطن من أعماله، ولا بد لهذا كله من التعليم الديني الذي محله المساجد وبدونه لا سبيل الذي محله المساجد وبدونه لا سبيل إلى شيء من هذا كله فصارت حاجة المسلمين إليه حاجتهم إلى الإسلام وصار إعراضم عنه، هو إعراض عن الإسلام وهجر له، ما انتهى المسلمون اليوم إلى ما انتهوا إليه إلا بذلك الهجر، وذلك الإعراض، ولن يرجى لهم شيء من السعادة الإسلامية إلا إذا أقبلوا على التعليم الديني فأقاموه في مساجدهم كما يقيمون الصلاة وكما كان النبي- ﵌ يفعل من إقامتهما بمسجده كما تقدم. وجوب القيام به: لما كانت الحاجة إليه عامة فوجوب إقامته، وجوب عام، على الأمة بجميع طبقاتها، ولا يسقط الوجوب عن أحد إلا إذا قام بالتعليم أهله، فكفوا الباقين. ومن الواجب على المتولي أمر العامة أن يبعث فيها من يعلمها أمر دينها كما كان النبي- ﵌-

стр. 1055

يفعل فإذا قصر ذلك المتولي كان على الجماعة أن تقوم به فإن قصرت لحق الإثم كل فرد منها. الحالة التي هو عليها: إن الذي يراجع عقود الأحباس المسجدية يجد أكثر الذين أسسوا المساجد- وخصوصا مساجد الجمعية- حبسوا من الأملاك ما يصرف للتعليم فيها، كما حبسوا ما يصرف للقائمين بالصلاة. مما يدل على أن الأمة كانت تتلقى دينها في مساجدها وقد أدركنا بعض المساجد في بعض البلدان، وقد أبقي فيها بعض التعليم فقسنطينة- مثلا- أبقي فيها معلمان أحدهما بالجامع الكبير والآخر بالجامع الكتاني، وعطل الجامع الأخضر مع أنه مكتوب على لوحة تحبيسه أنه أسس للصلاة والتعليم حتى أذن لهذا العبد الضعيف بالتعليم فيه وكان في أول الأمر الذين يقومون بالتعليم في ذلك القدر القليل من المساجد في القليل من البلدان، يقومون بالتعليم الديني، من فقه وتوحيد وعربية للطلاب، وللعامة، بقدر الحال، ثم من نحو ثلاثين سنة صدر أمر اقتضى تبديل وضعية تلك البقية من التعليم المسجدي وخلعها من المعنى الديني وصبغها بصبغة غير صبغتها المسجدية، فقضى ذلك على البقية من التعليم المسجدي وأصبحت العامة وليس عندها من يعلمها أمر دينها وأصبح الطلاب وليس عندهم ما يدرسون فيه، ما يفقههم في الدين ويهيئهم للقيام بوظائفه على الوجه الصحيح المشروع. هذه هي الحالة اليوم في هذا القطر الجزائري الذي يسكنه من خمسة ملايين (١) من المسلمين اللهم إلا ما يقوم به بعض أفراد أكثرهم من رجال هذه الجمعية متطوعين، أو مع إعانة جماعة إعانة قليلة الجدوى غير مأمونة البقاء وأين يقع هذا القدر القليل من التعليم في ذلك العدد من الأمة ..

стр. 1056

كيف ينبغي أن يكون: لا بد للجزائر من كلية دينية يتخرج منها رجال فقهاء بالدين يعلِّمون الأمة أمر دينها وأستطيع أن أقول أن نواة هذه الكلية هم الطلاب الذين يردون على الجامع الأخضر بقسنطينة من العمالات الثلاث- فلو أن الجمعية سعت لتوسيعها بترسيم معلمين ورعاية مدد المتعلمين ووضع خطة التعليم لقامت بأعظم عمل علمي ديني للأمة فيحاضرها ومستقبلها. ثم لا بد مع هذا من حث كل شعبة من شعب الجمعية على ترسيم مدرس للتعليم في مسجدهم إن كان لهم مسجد ثم تسعى الجمعية لدى الحكومة لترسم في كل مسجد من المساجد التي لنظرها مدرسا فقيها بالدين، ليعلم الناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فكلية تخرج المعلمين الدينيين، ومعلمون في المساجد التي لنظر الحكومة والتي لنظر الجماعات تلك هي الحالة التي يجب أن تكون عليها الأمة الجزائرية المسلمة لتبقى مسلمة. أما كيف يكون التعليم وما هي الفنون التي تعلم والكتب التي يتعلم فيها فهو موضوع مستقل لا يحسن أن يتناوله بالبحث إلا لجنة من أهل العلم وسيكون ذلك إن شاء الله تعالى يوم تباشر الجمعية ما ذكرنا من أمر الكلية والتعليم في المساجد أعانها الله على القيام بهذا العمل العظيم ويسر لها أسبابه (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1057

بيان عن الحركة العلمية بالجامع الأخضر ونفقاتها الطبقات: أربعة . عدد التلامذة: نحو الثلاثمائة. العلوم التي تقرأ: التفسير، الحديث، الفقه، الفرائض، العقائد، الأدب، المواعظ، التجويد، الأصول، المنطق، النحو، الصرف، البلاغة، الأدب، محفوظات، ومطالعات، ودراسة، الإنشاء، الحساب، الجغرافية، التاريخ. الكتب المدروسة: الموطأ، أقرب المسالك، الرسالة، ابن عاشر، الزندبوي، المفتاح، التنقيح، السلم، المكودي، القطر، الآجرومية، الزنجاني، اللامية، السعد، الجوهر المكنون، من ديوان الحماسة، من ديوان المتنبي، آمالي القالي، من مقدمة ابن خلدون. المعلمون الشيوخ: عبد الحميد بن باديس، عبد الحميد بن الحيرش، حمزة بكوشة، المتخرجون من جامع الزيتونة المعمور. ومن كبار التلامذة الشيوخ: البشير بن احمد، عمر دردور. بلقاسم الزغداني. النفقة: لا تنقص يوميا عن ثلاثمائة فرنك مع ملحقات.

стр. 1058

نداء وبيان إلى الأمة المسلمة الجزائرية بالوطن وخارجه، وجميع المحبين: محبي الخير للمسلمين ــ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (قرآن كريم) ٩/ ١٢٣ «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» (حديث شريف صحيح). «والدال على الخير كفاعله» (حديث شريف صحيح) «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (حديث شريف صحيح) أيها الشعب المسلم الجزائري الكريم! تالله لن تكون مسلما إلا إذا حافظت على الإسلام، ولن تحافظ عليه إلا إذا فقهته. ولن تفقهه إلا إذا كان فيك من يفقهك فيه. ولهذا فرض الله على كل شعب إسلامي أن تنفر منه طائفة لتتفقه في الدين وترجع إلى قومها بالإنذار، فبذلك يرجى لهم الرجوع إلى الله، وما هو إلا الرجوع من الضلال إلى الهدى ومن الباطل إلى الحق

стр. 1059

ومن الاعوجاج إلى الاستقامة. ومن الشقاوة إلى السعادة، ومن النقص إلى الكمال، وقد بين تعالى على لسان رسوله- ﵌ أن طرق العلم هي طرق الجنة فمن سلك طريق هذا سهل له طريق ذاك. وبين أنَّ من دلَّ على مثل هذا الخير- بقوله أو عمله- فهو كمن فعله. وبين أن المعينين لإخوانهم في الخير يعينهم الله ومن أعانته لهم تيسير ذلك الخير عليهم إلى مثله من الخيري ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ومن إعانته لهم التعويض عليهم عما أنفقوا بالعطاء المضاعف الكثير ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. أيها الشعب المسلم الجزائري الكريم أما أبناؤك الشبان حملة القرآن فقد هبوا هبة رجل واحد لطلب العلم والتفقه في الدين، يحملون الإيمان في قلوبهم والقرآن العظيم في صدورهم، والروح الجزائرية المسلمة في لحومهم ودمائهم لا يقصدون إلا أن يتعلَّموا فيعلِّموا ويتفقَّهوا فيفقِّهوا، ولا يرجون من ذلك إلا رضا الله ونفع عباده. وقد جاء منهم هذا العام إلى الجامع الأخضر بقسنطينة ما يناهز الثلاثمائة من جميع جهات القطر وذهب نحوهم- وأكثره من تلامذة الجامع الأخضر- إلى تونس. وأما هذا العبد العاجز فإنه بفضل الله ثم بفضل كل معين في الخير، قد تقبل هؤلاء الكرام الوافدين والأبطال المتجردين وأقام لهم- مثل السنوات الماضية- ما يلزمهم من دروسهم وما استطاع

стр. 1060

من نفقاتهم وضم إليه من الشيوخ ومن كبار تلامذته من يعينه على تعليمهم. وأما أنت أيها الشعب الكريم- فإننا ندعوك بدعوة الله إلى مد يد المعرفة على هذا العمل الواجب العظيم ندعوكم لتمدوا صندوق هؤلاء الطلبة، بما استطعتم من خير. ونذكركم- وهذا معلوم عندكم من السنوات الماضية- أن صندوق الطلبة تتولاه لجنة من جمعية التربية والتعليم الإسلامية، فهي تضبط دخله وخرجه وتنشره على الناس. ونعرفكم أن أمين هذا الصندوق اليوم هو السيد كرماني الحاج حموش التاجر برحبة الجمال بقسنطينة. KERMANI HADJ HAMOUCH Propriétaire Commerçant ١٤ et ١٦ Rue Hakett Constantine فهلموا إلى التعاون على البر والاحسان- أيها الأخوان- والله المستعان، والسلام عليكم (١). من أخيكم عبد الحمببد بن باديس

стр. 1061

لمن أعيش ملخص محاضرة ألقاها عبد الحميد على أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية ــ أيها الأخوة: ينبغي لكل قوم جمعهم عمل أن يفهم بعضهم بعضا كما ينبغي أن يفهموا العمل الذي هم متعاونون عليه ليكونوا في سيرهم على بصيرة من أنفسهم وعملهم. فقد يجتمع قوم على عمل مع اختلاف منازعهم فيأخذ كل واحد ليجذب إلى ناحية فتقع الخصومة ما بينهم وينقطع حبل عملهم وربما انتهى بهم الأمر إلى افتراق وعدوان. ولو أنهم في أول الأمر تفاهموا، لما تخاصموا. فنحن - أيها الاخوة - الذين اجتمعنا على التربية والتعليم من معلم ومتعلم يجب علينا أن يفهم بعضنا بعضاً. والمعلم هو الذي يجب أن يفهمه المتعلمون ويفهمهم هو في نفسه لأنه هو الذي انتصب ليبث فيهم أفكاراً وأخلاقاً وآداباً وهو مؤثر عليهم أثراً ما لا محالة، فمن واجب نصحه لهم أن يفهمه في نفسه لينظروا في قبول التأثر به فيستمرون معه، وعدم قبوله فيفارقونه، وليكون من قبلوا واستمروا مجتمعين على شيء قد فهموه واتفقوا على البقاء فيه والتعاون عليه. وأنا أظن نفسي مفهوما عند من يتصلون بي مثلكم ولو كان ذلك في زمن قليل لأنني ما فتئت أعلن عن فكرتي التي أعيش لها وغايتي التي أسعى إليها في كل مناسبة. واليوم - وقد كان تباين ما في بعض

стр. 1062

من يتصلون بي- رأيت من الواجب أن ألقي عليكم هذا البيان مختصراً في سؤال وجواب ثم أقفّي عليه بشيء من الشرح والتفصيل: س: لمن أعيش أنا؟ ج: أعيش للإسلام والجزائر. قد يقول قائل: إنّ هذا ضيق في النظر، وتعصب للنفس، وقصور في العمل، وتقصير في النفع. فليس الإسلام وحده ديناً للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطن الإنسان ولأوطان الإنسانية كلها حق على كل واحد من أبناء الإنسانية، ولكل دين من أديانها حقه من الاحترام. فأقول: نعم إن خدمة الإنسانية في جميع شعوبها، والحدب عليها في جميع أوطانها، واحترامها في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها، هو ما نقصده ونرمي إليه، ونعمل على تربيتنا وتربية من إلينا عليه، ولكن هذه الدائرة الإنسانية الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة ونفعها دون واسطة فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة وإيصال هذا النفع. ونحن لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها فيقول: (١٧/ ٧٠) ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ويقرر التساوي والأخوة بين جميع تلك الأجناس ويُبَيّن أنهم كانوا أجناساً للتمييز لا للتفضيل وأن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط فيقول: (٤٩/ ١٣) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) ويدعو تلك الأجناس كلها إلى التعاطف والتراحم بما يجمعها من وحدة الأصل ووشائج القرابة القريبة والبعيدة فيقول: (٤/ ١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ

стр. 1063

الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. ويقرر التضامن الإنساني العام بأنَّ الإحسان إلى واحد إحسان إلى الجميع، والإساءة إلى واحد اساء (١) إلى الجميع فيقول: (٥/ ٣٥) ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ويعترف بالأديان الأخرى ويحترمها ويسلِّم أمر التصرف فيها لأهلها فيقول: (١٠٩/ ٦) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. ويقرر شرائع الأمم ويهون عليها شأن الاختلاف ويدعوها كلها إلى التسابق في الخيرات فيقول: (٥/ ١٥) ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ويأمر بالعدل العام مع العدو والصديق فيقول: (٥/ ٩) ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. ويحرم الاعتداء تحريماً عاماً على البغيض والحبيب فيقول: (٥/ ٣) ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. ويأمر بالإحسان العام فيقول: (١٦/ ٩٠) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. ويأمر بحسن التخاطب العام فيقول: (٢/ ٨٣) ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

стр. 1064

فلما عرفنا هذا وأكثر من هذا في الإسلام - وهو الدين الذي فطرنا عليه الله بفضله - علمنا أنه دين الإنسانية الذي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وأن إيصال النفع إليها لا يكون إلا من طريقه، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا على خدمته ونشر هدايته، وخدمة كل ما هو بسبيله ومن ناحيته. فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها، وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كنا لنكون هكذا إلا بالإسلام الذي ندين به ونعيش له ونعمل من أجله. فهذا - أيها الإخوان - معنى قولي: ((إنني أعيش للإسلام)). أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليَّ تلك الروابط لأجله- كجزء منه- فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة. وكما أنني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه: إلى رجاله وإلى ماله وإلى حاله وإلى آلامه وإلى آماله، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه. هكذا هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال وفي جميع الأعمال. وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لا بد أن يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال. نعم إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة علينا هي دائما منا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص نعتقد أنه لا بد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير من طريق خدمتنا لوطننا الخاص.

стр. 1065

وأقرب هذا (١) الأوطان إلينا هو المغرب الأدنى والمغرب الأقصى اللذان ما هما والمغرب الأوسط إلا وطن واحد لغة وعقيدة وآداباً وأخلاقاً وتاريخا ومصلحة ثم الوطن العربي والإسلامي ثم وطن الإنسانية العام. ولن نستطيع أن نؤدي خدمة مثمرة لشيء من هذه كلها إلا إذا خدمنا الجزائر. وما مثلنا في وطننا الخاص - وكل ذي وطن خاص - إلا كمثل جماعة ذوي بيوت من قرية واحدة. فبخدمة كل واحد لبيته تتكون من مجموع البيوت قرية سعيدة راقية. ومن ضيع بيته فهو لما سواها أضيع. وبقدر قيام كل واحد بأمر بيته تترقى القرية وتسعد، وبقدر إهمال كل واحد لبيته تشقى القرية وتنحط. فنحن إذا كنا نخدم الجزائر فلسنا نخدمها على حساب غيرها ولا للاضرار بسواها - معاذ الله - ولكن لننفعها وننفع ما اتصل بها من أوطانٍ الأقرب فالأقرب. هذا - أيها الإخوان - هو مرادي، بقولي: «أنني أعيش للجزائر». والآن - أيها الإخوان - وقد فهمتموني وعرفتم سمو فكرة العيش للإسلام والجزائر فهل تعيشون مثلي للإسلام والجزائر؟ نعم! نعم! بصوت واحد. فلنقل كلنا: ليحيي الإسلام! لتحيا الجزائر (٢).

стр. 1066

مؤتمر المعلمين الأحرار سينعقد مؤتمر رجال التعليم العربي الحر تحت إشراف جمعية العلماء بنادي الترقي بالجزائر يومي الأربعاء والخميس الثاني والعشرين والثالث والعشرين من شهر سبتمبر الجاري لتبادل الآراء فيما يهم التعليم العربي الحر ومدارسه ومساجده ونظمه وأساليبه، والغاية المنشودة من ذلك هي التوصل إلى توحيد مناهج التعليم العربي فعلى إخواننا الأساتذة القائمين بهذا النوع من التعليم أن يحرصوا كل الحرص على شهود هذا المؤتمر. والواجب أن يعدوا من الآن خلاصة آرائهم في ضمن تقارير تقدم للملؤتمر. وها هي المسائل التي نرجو منهم أن يتقدموا إلى المؤتمر بآرائهم فيها: ١ - وسائل توحيد التعليم. ٢ - أسلوب التعليم. ٣ - أسلوب تربية الناشئة. ٤ - خلاصة تجاريبهم في التربية والتعليم. ٥ - الكتب وهل الأحسن اختيار كتب مصرية أو تأليف كتب تتنفق مع الروح الجزائرية. ٦ - رأيهم في تعليم البنت المسلمة ووسائل تحقيقه. ٧ - التعليم المسجدي ووسائل تنظيمه وترقيته. ٨ - رأيهم في الوسيلة التي نعيد بها المرأة المسلمة سيرة سلفها من تلقي العلم.

стр. 1067

٩ - تقارير مفصلة لدرجة إقبال الأمة على التعليم بأقسامه السابقة (كل في جهته). والمجلس الإداري لجمعية العلماء يلح كل الإلحاح على الأساتذ القائمين بمهمة التعليم الحر في أنحاء القطر الجزائري ألا يتأخروا عن الحضور في هذا المؤتر العلمي النافع الذي ستكون روعته وفوائده على مقدار جهودهم ومباحثهم، وستكتب دعوات خاصة لكل من نعرف اسمه وعنوانه بالضبط، ومن غاب عنا عنوانه فليعتبر هذه الكلمة دعوة خاصة، ولهم الشكر. رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس

стр. 1068

الإسلام الذاتي والإسلام الوراثي أيهما ينهض بالأمم ــ يولد المرء من أبوين مسلمين فيعد مسلماً، فيشب ويكتهل ويشيخ وهو يعد من المسلمين. تجري على لسانه وقلبه كلمات الإسلام. وتباشر أعضاؤه عبادات وأعمال إسلامية، فراق روحه أهون عليه من فراق الإسلام، لو نسبته لغير الإسلام لرأيت منه لثار (١) عليك أو بطش بك. ولكنه لم يتعلم يوما شيئا من الإسلام ولا عرف شيئا من أصوله في العقائد والأخلاق والآداب والأعمال، ولم يتلق شيئا من معاني القرآن العظيم ولا أحاديث النبي الكريم، ﵌. فهذا مسلم إسلاما وراثيا لأنه أخذ الإسلام كما وجده من أهله، ولا بد أن يكون- بحكم الوراثة- قد أخذه بكل ما فيه مما أدخل عليه وليس منه من عقائد باطلة وأعمال ضارة وعادات قبيحة. فذلك كله عنده هو الإسلام، ومن لم يوافقه على ذلك كله فليس عنده من المسلمين. هذا الإسلام الوراثي هو الإسلام التقليدي الذي يؤخذ بدون نظر ولا تفكير وإنما يتبع فيه الأبناء ما وجدوا عليه الآباء. ومحبة أهله للإسلام إنما هي محبة عاطفية بحكم الشعور والوجدان. هذا الإسلام الوراثي هو إسلام معظم عوام الأمم الإسلامية، ولهذا تراها مع ما أدخلت على الإسلام من بدع اعتقادية وعملية، ومع ما أهملت من أخلاق الإسلام وآدابه وأحكامه، متمسكة به غاية التمسك

стр. 1069

لا ترضى به بديلا ولو لحقها لأجل تمسكها به ما لحقها من خصومه من بلاء وهوان. هذا الإسلام الوراثي حفظ على الأمم الضعيفة المتمسكة به- وخصوصا العربية منها- شخصيتها ولغتها وشيئا كثيراً من الأخلاق ترجع به الأمم الإسلامية إذا وزنت بغيرها. ومن ذلك خلق العفة والطهر الذي حفظ نسلها فتراه يتزايد بينما تشكو أمم أخرى غير إسلامية من نقصان نسلها. فالشعب الجزائري يزداد في العام اثنين وثلاثين ومائة ألف والشعب التونسي يزداد في العام خمسين ألفا بينما بعض الشعوب غير الإسلامية يقف عن الازدياد ويخاف النقصان رغم ما عند هذا من العناية وما عند أولئك من الإهمال. لكن هذا الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم، لأن الأمم لا تنهض إلا بعد تنبه أفكارها وتقنح أنظارها. والإسلام الوراثي مبني على الجمود والتقليد فلا فكر فيه ولا نظر. أما الإسلام الذاتي فهو إسلام من يفهم قواعد الإسلام ويدرك محاسن الإسلام في عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه وأعماله، ويتفقه- حسب طاقته- في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ويبني ذلك كله على الفكر والنظر فيفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه، وما ليس منه بقبحه وبطلانه فحياته حياة فكر وإيمان وعمل، ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية بحكم العقل والبرهان كما هي بمقتضى الشعور والوجدان. هذا الإسلام الذاتي هو الذي أمرنا الله به في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، فبالتفكر في آيات الله السمعية وآيته الكونية وبناء الأقوال والأعمال والأحكام على الفكر، تنهض الأمم

стр. 1070

فتستثمر ما في السماوات وما في الأرض وتشيد صروح المدنية والعمران. إذاً! فنحن- المسلمين- مطالبون دينيا بأن نكون مسلمين، إسلاما ذاتيا. فبماذا نتوصل إلى هذا الواجب المفروض؟ .. لذلك سبيل واحد، هو التعليم. فلا يكون المسلم مسلما حتى يتعلم الإسلام فالمسلمون- أفرادا وجماعات- مسؤولون عن تعلم وتعليم الإسلام، للبنين والبنات، للرجال والنساء، كل بما استطاع والقليل من ذلك خيره كثير، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾؟ (١).

стр. 1071

يا لله! للإسلام والعربية في الجزائر (كل من يعلِّم بلا رخصة يغرّم ثم يغرّم ويسجن) قانون ٨ مارس (لكل من يطلب الرخصة لا يجاب) هذا عمل الإدارة الكثير المتكرر ــ بينما الأمة الجزائرية تنتظر من فرنسا منحها حق التصويت البرلماني، مع بقائها على شخصيتها الإسلامية، إذ أعداء الأمة الجزائرية- وأعداء فرنسا أيضا- يجمعون أمرهم، ويدبرون كيدهم فيستصدرون من الحكومة قرارا وزاريا بعقوبات صارمة على التعليم، ليهدموا هذه الشخصية الإسلامية من أصلهما وليقضوا عليها بالقضاء على مادة حياتها. علموا أن لا بقاء للإسلام إلا بتعليم عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه، وأن لا تعليم له إلا بتعليم لغته، فناصبوا تعليمها العداء وتعرضوا لمن يتعاطى تعليمها بالمكروه والبلاء، فمضت سنوات في غلق المكاتب القرآنية ومكاتب التعليم الديني العربي والضن بالرخص، واسترجاع بعضها حتى لم يبقوا منها إلا على أقل القليل. ولما رأوا تصميم الأمة على تعلم قراءتها ودينها ولغة دينها، واستبسال كثير من المعلمين في سبيل القيام بواجبهم نحو الدين والقرآن ولغة الدين والقرآن، واستمرارهم على التعليم رغم التهديد والوعيد، ورغم الزجر والتغريم- لما رأوا هذا كله سعوا سعيهم وبذلوا جهدهم حتى استصدروا هذا القانون: قانون العقاب الرهيب.

стр. 1072

لقد فهمت الأمة مَنِ المعلمون المقصودون، فهم معلمو القرآن والإسلام، ولغة القرآن والإسلام، لأنهم هم الذين عرفت الأمة كلها ما يلقون من معأرضة ومناهضة، وما يجدون من مقاومة ومحاكمة. بينما غيرهم من معلمي اللغات والأديان والمروجين للنصرانية في السهول والصحاري والجبال، بين أبناء وبنات الإسلام، في أمن وأمان، بل في تأييد بالقوة والمال. وهم الذين إذا طلبوا الرخص بكل ما يلزم للطلب أجيبوا بالسكوت والإعراض أو أعلن لهم بالرفض لغير ما سبب من الأسباب فهم الذين إذا طلبوا اليوم كان كما بالأمس السكوت أو الرفض جوابهم. ثم إذا أقدموا على التعليم بلا رخصة كان التغريم الثقيل والسجن الطويل جزاءهم، وإذا أحجموا واستسلموا تم لأعداء الإسلام والعربية مرادهم وقضوا على القرآن والإسلام ولغة القرآن والإسلام قضاءهم. فهمت الأمة كل هذا وفهمت أن هذا القانون سلاح جديد حديد أشهر لمحاربتها في أعز عزيز عليها، وأقدس مقدس لديها وهو قرآنها ودينها ولغة قرآنها ودينها وتوقعت من السلطة أن تستعمله أشد استعمال وتستغله شر استغلال ضد تعليم القرآن والإسلام ولغة القرآن والإسلام لما عرفته من قبل مقاومتها لهذا التعليم والقائمين به. فهمت الأمة هذا الشر والكيد المدبرين لدينها وقرآنها ولغة قرآنها ودينها. وفهمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة للأمة في دينها وقرآنها ولغة دينها وقرآنها والناطقة في الدفاع عنها في هذه الناحية بلسانها والمعاهدة لله وللأمة على ذلك الدفاع إلى آخر رمق من حياتها. قد فهمنا- والله- ما يراد بنا وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية أننا عقدنا على المقاومة المشروعة عزمنا، وسنمضي- بعون الله- في تعليم

стр. 1073

ديننا ولغتنا رغم كل ما يصيبنا، ولن يصدنا عن ذلك شيء فنكون قد شاركنا في قتلهما بأيدينا. وإننا على يقين من أن العاقبة- وإن طال البلاء- لنا وأن النصر سيكون حليفنا- لأننا قد عرفنا إيمانا، وشاهدنا عيانا، أن الإسلام والعربية قضى الله بخلودهما ولو اجتمع الخصوم كلهم على محاربتهما. سيرى الذين دبروا المكيدة. والذين لم يتفطنوا لها فشاركوا في تنفيذها. أنهم ما أصابوا بهذه المكيدة إلا سمعة فرنسا في العالم الإسلامي والعربي، في الوقت الذي تنفق فيه الملايين على تحسين سمعتها فيهما. ومكانتها عند الجزائريين في أحرج أوقاتها وأشدها حاجة إلى الأمم المرتبطة بها، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. عبد الحميد بن باديس ... للدفاع عن الإسلام والقرآن ولغتهما: ندعو كل معلم مكتب قرآني أو مدرسة طلب الرخصة من الإدارة ولم يجب، وكل معلم مكتب قرآني أو مدرسة منع من التعليم، وكل معلم نزعت منه رخصته- أن يكاتبنا بما وقع له من ذلك ويعرفنا بتفصيله وجميع ما يتعلق به لنسعى في نازلته السعي المشروع. كما ندعو كل من تعدى عليه من معلمي الديانة في المساجد أن يكاتبنا ويعرفنا لنتتبع بطريق القانون كل من روعه وانتهك حرمة الدين والمسجد من رجال السلطة كائنا من كان.

стр. 1074

كما ندعو كل جماعة يريدون تأسيس جمعية وفتح مدرسة لتعليم الإسلام والعربية أن يكاتبونا ويعرفونا لنرشدهم إلى الوجوه القانونية اللازمة. نهج الأربعين شريفا عدد ١٧ بقسنطينة Rue Alexis - Lambert, ١٧ - CONSTANTINE - عبد الحميد بن باديس

стр. 1075

[صورة: مدرسة الشبيبة الإسلامية الجزائرية (بالجزائر)] صورة بعض أعضاء إدارة جمعية الشبيبة الإسلامية الجزائرية وأساتذة مدرستها وهم المجالسون من اليمين الشيخ يحيى جعفر والشيخ باعزيز بن عمر والشيخ محمد العيد خليفة والسيد محمد علي دمرجي رئيس الجمعية والشيخ فرحات بن الدراجي والشيخ البدوي جلول والشيخ عبد الرحمن الجيلالى والواقفون من اليمين: السيد رشيد بطحوش والسيد أبى شهلة والسيد أحمد أندلسي والسيد زقان محمد والسيد عباس التركى والسيد الحاك يوسف دمرجي والسيد ابن ليلى محمد والسيد محمود رودوسي.

стр. 1076

[صورة: تلاميذ وتلميذات مدرسة الشبيبة الإسلامية الجزائرية وشيوخها وبعض أعضاء إدارة جمعيتها]. ... [صورة: تلميذات مدرسة الشبيبة الإسلامية الجزائرية وشيوخها وبعض أعضاء إدارة جمعيتها]. (١)

стр. 1077

بمناسبة قانون ٨ مارس ١٩٣٨م كتاب مفتوح إلى السيد الوالي العام على القطر الجزائري ــ مضى زمن حسب بعض الناس فيه أن الإسلام والعربية إنما هما من هم قراء العربية وطلبة القرآن وعامة الناس. وأما المثقفون باللسان الفرنسي فلا همَّ لهم فيهما. وأنهم قد ذهبت بأبصارهم آفاق أخرى عن الالتفات إليهما، وأن أحسنهم حالا من يعطف عليهما عطفا رقيقا مراعاة للبيئة وحنواً على العشير. حتى جاءت هذه المقاومة الصريحة لتعليم الإسلام ولغة الإسلام من الإدارة بقانون ٨ مارس وما سبقه وما لحقه من منع الرخص ومحاكمة المعلمين. فتجلت الحقيقة وانقشعت سحب الغرور وظهر أنَّ أخواننا المثقفين باللسان الفرنسي من الدكاترة والمحامين والأستاذة وغيرهم لا ينقصون عن غيرهم غيرةً ودفاعا عن الإسلام ولغة الإسلام. وها هو الدكتور ابن خليل- النائب البلدي بباتنة ورئيس الجمعية الدينية بها وأحد الأعضاء البارزين في جمعية النواب لعمالة قسنطينة- يدافع دفاعا فيه من حرارة الإيمان بقدر ما فيه من قوة الحجة وقد نشره باللسان الفرنسي في جريدة جمعية النواب (الانطانط) الغراء فرأينا تعريبه ليطلع عليه القراء ويكونوا على علم بما فيه من حجج قانونية يحتاجون إليها. وبعد فإنا نرجو أن ترجع الإدارة إلى الحق وتراعي شعور الأمة فتكسب بذلك محمدة وتفعل جميلاً هو في صالح

стр. 1078

الجميع وذلك ما نعمل كلنا في سبيله (١). عبد الحميد بن باديس ... إنني من الذين فوجئوا بقانون ٨ مارس وبالطبع قرأت بتأمل واهتمام زائد (بيان حقيقة) الذي أصدره السيد الوالي العام ونشر بالجرائد اليومية. وإنني اأكون مسرورا بكل فكرة حكومية يراد بها التنظيم الإداري في العمالات الجزائرية الثلاث طبق ما هو جار بأم الوطن حتى إنني أتفاءل لقانون فصل الدولة عن الدين- بالسلم الديني في هذا الوطن- وعلى الأخص الديانة الإسلامية- الذي هو من جملة المطالب الرئيسية لوحدة النواب التي أتشرف بالانتماء إليها ومع ذلك فإن قراءتي لهذا الـ: (بيان حقيقة) لم ترفع عني الدهشة لأنه في الواقع- كل شيء يبنى على فهم الحكومة لذلك القانون وتفسيرها إياه عمليا. وبهذا المثل الراجح الذي أضربه لكم فوق هذا المنبر سأحاول إفهامكم- على ما ارتآه فكري الضعيف، أحقية الدهشة المستولية عفى الأمة الإسلامية: في بلدة باتنة أربعة أديان جاري بها العمل (كاثوليكي، إسرائيلي، إسلامي، بروتيستاني) وعلى هذا يوجد في نفس هذه البلدة جمعية دينية إسرائيلية، وجمعية دينية إسلامية، حصل لي الشرف برئاستها منذ سنة ١٩٣٤م- وجمعية دينية بروتيستان- ما عدا رجال الكهنوت الكاثوليكي فإنهم لم يؤسسوا جمعية دينية كإخوانهم في فرنسا. الجمعية الدينية الإسلامية بباتنة كميثلاتها من الجمعيات الدينية،

стр. 1079

تأسست في سبتامبر ١٩٢٥م على أساس قانون فصل الدين عن الدولة الصادر في ديسامبر ١٩٠٥ ومرسوم ٢٧ سبتامبر ١٩٥٧م وهي لا تملك إلا مسجدا واحدا- وهو المسمجد الوحيد- في البلدة المذكورة كلها وهي التي تقوم بدفع أجر القائمين على الديانة من كيسها وما زالت منذ تأسيسها دائبة على تعليم الأكبار والصغار من المسلمين أمور دينهم. والمعروف عن التعليم المذكور أنه عبارة عن تعليم القرآن والتوحيد وأحكام العبادات ولهذا فهو لم يكن في وقت من الأوقات يصادف أدنى عرقلة ولا حتى مجرد ملاحظة حكومية حتى سنة ١٩٣٥م أو هي كما ترى مدة عشر سنوات أو ونيف ثم إن السيد البريفي عامل عمالة قسنطينية أعلمني بكتاب مرقوم بـ ٢٩٧٦٣ ومؤرخ في ١٦ ديسامبر ١٩٣٥م أن لا حق لهذه الجمعية- أي تعليم كان- وأن عليها قبل أن تفعل أن تمتثل وتعمل بمقتضى مرسوم ١٨٩٢م فأجبته بالجواب التالي: باتنة ٢٣ ديسامبر سنة ١٩٣٥م من رئيس الجمعية الدينية الإسلامية في باتنة. جناب السيد البريفي عامل عمالة قسنطينة، سيدي أبلغكم مع الاحترام أنني اتصلت بمكتوبكم رقم ٣٩٧٦٣ وأعلم جنابكم أن الجمعية الدينية الإسلامية بباتنة ممثلة ومتبعة للوضعيات المعينة بالمادة الخامسة وما يليها من مواد قافون أول جوليت ١٩٠١ وكذلك وضعيات قانون ٩ ديسنامبر ١٩٠٥ وأمر ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧. والمادة الأولى من القانون الأساسي لهذه الجمعية تنص على ما يأتي: تأسس بباتنة بعضوية جماعة من المسلمين مشتركين في مسؤولية وضع هذا القانون الأساسي جمعية دينية إسلامية ومنظمة على مقتضى

стр. 1080

قانون ٩ ديسامبر ١٩٨٠ وأمر ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧ وأيضا على نمط الوضعيات التي للمادة الخامسة وما يليها من قانون أول جوليت ١٩٥١ الغرض من الجمعية: أولا: أن تتكفل بضمان الواجبات الدينية الإسلامية. ثانيا: أن تتولى رعاية المسجد الذي أسسه المسلمون والقيام عليه. ولهذا فإني وإياكم لعلى وفاق تام من أن قانون ١ جوليت ١٩٠١ بحسب مادته الخامسة لا يخول للجمعية المذكورة القوة القانونية. ولكن هذه الجمعية من جهة أخرى تستغل قانون حرية الأديان وفصل الدين عن الدولة وتتحصن به كمرسوم ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧م المبينان لشروط القوانين المتعلقة بفصل الدين على الدولة للعمل الديني بأرض الجزائر وإذن فما هي الوسائل التي تمكننا من إقامة الشعائر الإسلامية؟ لقد قال لنا (لارشي المقنن الكبير) نفسه: "إن الدين الإسلامي يشتمل على جميع الأوامر التي تكون النظم الدينية أخلاقا وأحكاما" من صفحة ٦٣٤ وفقرة ٢٢٤ وهذا يدل على أن الدين الاسلامي لم يكن مجرد عبارات فقط بل حتى التعليم الديني. ومما قاله لارشي المذكور في شأن التعليم الإسلامي هو عين ما يزاول في المسجد. والجمعية هي- الضامنة فيه ماديا ودينيا في دائرة القوانين والمواد التي تجريها الحكومة على المساجد الرسمية بمقتضى الملحق المؤرخ في ١٧ ماي ١٨٥١ وعليه فإن هذه الدروس المختصة بالتعليم الديني والخالية من العلوم الدنيوبة العصرية والتي لم تخرج عن الحدود القانونية لا تعتبر مدرسة خاصة ولا مكتبا حرا من النوع المشار إليه بقانون ١٨٩٢ المتعلق بالمكاتب الخاصة الحرة للأهالي. وعلى هذا فالمظنون عندي أن الحكومة المحلية قد غلطت في عدم

стр. 1081

التمييز بين المكتب القرآني الحر والدروس الدينية العمومية وإني لأرجو بعد هذا أن تتدارك الحكومة ذلك على ضوء ما قدمت من إيضاح وتجديد للقضية. وتقبلوا خالص التحيات من قلب ملؤه الإخلاص العميق. الدكتور ابن خليل ... إن هذا المكتوب بقي مسكوتا عنه وفي ٢ مارس ١٩٣٦ بأمر عمالي: إن السيد الكوميسار بوليس سجَّل ضد الإمام قضية مخالفة باسم القانون المذكور عرضت أمام محكمة باتنة (السامبل بوليس) وقد وافق السيد القاضي الرأي المخزني ولكنه توقف في تنفيذ الحكم لأن لانديجينيا لا يجري على الإمام المذكور وأما وكيل الحق العام فإنه استأنف القضية بمجلس الاستئناف الأعلى ولكن مع الأسف لم يصدر شيء عنها في هذا الشأن لأن القضية رفضت بموجب قانون العفو المعروف وإذن فهذا الخلاف- واعتذر عن هذا التعبير- قد نجم من جديد بواسطة السيد الكوميسار بوليس. بقيت الإداوة العمالية متمسكة بوجهة نظرها فاتهمت القائمين بالتعليم للجمعية بأنهم منذ تاريخ غير مسمى فتحوا مكتبا قرآنيا لتعليم الصغار والكبار بدون رخصة (التهمة التي تثبتها مادتا ٤٩ و٥١ من قانون ٨ مارس ١٩٣٨) والجمعية أيضا هي الأخرى متبوعة كذلك وضامنة، وستعرض الدعوى أمام مجلس التأديب (الكور لكسيونال) باسم قانون ٨ مارس الأخيرة فلا ننتظر برجاء تام ص حكم العدالة. ومع ذلك قد تكونت حالة غير مرضية متسببة عن سوء فهم لقانون ١٨٩٣ والسيد الكوميسار سجل المخالفة لأنه وجد في باتنة أن الإمام يعلم الرشداء وفي الأوقات الخارجية عن أوقات

стр. 1082

التعليم الفرنسي يعلم صبيان الأهالي: القرآن والتوحيد والواجبات الإسلامية وبعبارة أخرى (علم اللاهوت الإسلامي). ومع هذا إن التعليم المشار إليه- هو ديني لا أكثر- يشبه التعليبم الذي تقوم به في لغتنا وحدود عقائدها، الجمعيات الدينية المنظمة الكاثوليكية بباتنة وهكذا يخيل أن الدين الإسلامي يعامل معاملة استثنائية وذلك رغم تعهد فرنسا باحترام حرية العمل في الدين والعوائد الإسلامية. زيادة على هذا كل مؤمن يتساءل عن سبب عدم تمكين الجماعات الإسلامية- التي تمثلها جمعيتها الدينية ومستخدموها- في العمل بحق أخذته من القانون الافرنسي مع المساواة مع الجماعات الدينية الأخرى. هذه هي النقطة السوداء، ومنشأ الاحتمالات التي أشرت إليها آنفا. إن الحالة التي يوجد فيها مديرو ومعلمو الجمعية الإسلامية المسؤولة عن مستقبل الدين الإسلامي أليمة، تمس سكان باتنة كلهم، إني أتعشم يا جناب الوالي تحت نور الحوادث التي عرضتها في هذا الكتاب الذي أملاه الاهتمام بصفاء ومصلحة هذا الوطن العمومية انكم تفهمون جيدا اضطرابي، وهو اضطراب السكان المسلمين الذين يرجون من ديموقراطي مثلكم اطمئنان ضميرهم (١).

стр. 1083

في سبيل التعلم والتقدم من آثار جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة ــ ما من شك في أن الشعب الجزائري شعر بسوء الحالة التي وصل إليها في جميع نواحيه. وما من شك في أنه قد آلمه ما شعر به فأخذ يعمل للتخلص من تعاسته والنهوض من كبوته بكل ما يستطيع. الشعب الجزائري شعب مسلم طبعه الإسلام على تعظيم العلم، وحب التعلم، واحترام المتعلمين، فلما دبت فيه الحياة وهب للنهوض اندفع للتعلم اندفاعا أدهش قوما وحير آخرين. انتبه هذا الشعب العربي المسلم على صدمات الحوادث، وقوارع الزمان، ومناخيس البلايا التي خرقت الجلد واللحم والعظم وبلغت إلى شغاف الفؤاد، وعلى صوت الدعاة بالقرآن الذين هزت دعوتهم النفوس هزاً، وأحيا الله بها البلد الميت، ففتح عينيه ليرى النور، ومديره ليأخذ بأسباب النجاة فقدم له علماؤه المصلحون قبسا من نور الإيمان الذي هو في حنايا ضلوعه لينير له الوجود، ومدُّوا له حبل الإسلام الذي هو مرتبط بقلبه، ليصعد في مرقى الحياة، ويطلع إلى صرح المجد والسعادة، التي خلق لها الإنسان من حيث أنه إنسان. وناغوه بلغة دينه التي تتصل بروحه ليفهم ذلك الدين، ويذوق معانيه وتتشرب روحه حقائقه وأوضاعه وأحكامه، فتبدو أزهاره الذكية وثماره الطيبة، على أقواله وأعماله وسلوكه في الحياة مع جميع الناس. كان مما ربي عليه الإسلام هذا الشعب الجزائري الكريم أن يطلب

стр. 1084

العلم للعلم، وأن يسعى إليه في كل أرض وأن يتعلمه بكل لسان، وأن يتناوله- شاكراً- من كل أحد. لهذا ترى أبناء الجزائر يجمعون- إذا وجدوا السبيل- بين لغتهم العربية واللغة الفرنسية وتجدهم كما يطالبون الحكومة بحرية تعليم وتعلم دينهم ولغة دينهم، يطالبونها بإيجاد المدارس وتوسيعها لتعلم الفرنسية وما إليها. وإننا ننشر اليوم مع هذا المقال صورة (١) لعدد من تلاميذ مدرسة التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة نالوا في هذه السنة الشهادة الابتدائية الفرنسية باستحسان. وفي ذلك أصدق شاهد على ما نقصده من نشر الثقافة باللسانين بين أبناء الجزائر. [صورة: من آثار جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة]

стр. 1085

وإذا كنا نصرف أكثر جهدنا للتعليم العربي فذلك لأن العربية هي لغة الدين الذي هو أساس حياتنا ومنبع سعادتنا، ولأنها هي التي نحسن تعليمها، ولأنها- وهذا من الوجاهة والعدالة بمكان- هي اللغة المهملة بين أبنائها، المحرومة من ميزانية بلدها، المطاردة في عقر دارها، المغلقة مدارسها، المحارب القائمون على نشرها من أبنائها، اللهم إلا قليلا نادرا- على خوف- يحتج به عند مقتضى الحال، وإلا المدارس الرسمية الثلات التي لا تقبل إلا عددا محدودا لتخريج من يملأ الوظائف الرسمية ويناسب روحها. ولو أنا حرمنا من حرية تعلم اللغة الفرنسوية التي هي سبيلنا إلى آداب الغرب وعلومه وفنونه وفهمه من جميع جهاته، كما حرمنا من حرية تعلم لغتنا، لوقفنا إزاء ذلك الحرمان لو كان، كوقوفنا إزاء هذا الحرمان. إن شعبين متباينين ربطت أوضاع الحياة الجارية بينهما، لا أحسن لهما من أن يتفاهما ويتكارما ويتناصفا ويتآلفا، ومفتاح ذلك أن يتعلم كل منهما لغة صاحبه. هذا ما نقوله نحن الذين نريد الوئام والسلام، أما الذين يحاربون العربية فهم يفرقون ويشوشون فسيندمون، وتنتشر العربية بقوة الحق والفطرة وهم كارهون. فإلى المسؤولين الذين يقدرون مسؤوليتهم وجعلوا المصلحة العامة العليا غايتهم، نوجه نداءنا من أجل حرية الدين ولغة الدين، وفتح طريق التعلم والتقدم للمسلمين وغير المسلمين باللغتين. عبد الحميد بن باديس

стр. 1086

بماذا نعود: ودار لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح. ــ قد بلغت المسألة اليوم إلى غايتها تفهيما من الأمة، وتفهما من الإدارة، فلنقف مديدة للانتظار، على أمل أن تجاب الأمة لرغبتها، بحسن تبصر الإدارة وإنصافها فنعود للكتابة في الموضوع شاكرين مغتبطين: الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد. عن عدد (البصائر) الصادر في ٣ جمادى الأولى ١ جوليت الماضي. ــ لقد هز قانون ٨ مارس الذي صدر لعرقلة تعليم الإسلام ولغة الإسلام بهذه البلاد، الشعب الجزائري هزة عنيفة، ورفعت الأمة بلسان نوابها وهيئتها وعلمائها صوتها عاليا بالاحتجاج والاستنكار ووالت (البصائر) الكتابة في المظلمة الفادحة خمسة أشهر. ولما انتهت المسألة إلى النيابة المالية- وهي أعلى نيابة في الوطن- وتضافر النواب المسلمون على المطالبة بحرية تعليم الدين ولغة الدين، وقدموا تقريرا في جلسة ١٥ جوان يشتمل على لزوم إعطاء رخص التعليم الإسلامي الحر للجميع، مع إحداث المراقبة على المدارس الحرة، وعلمنا من نوابنا أن هنالك وعودا في حل المسألة، رأينا أن المسألة قد بلغت غايتها، ورأينا أن نقف منتظرين كما هو في المربع الموضوع في صدر

стр. 1087

هذا المقال. وها هي أربعة أشهر ونيف قد مضت على تلك الوقفة وانقضت في الانتظار! وها نحن نعود إلى استئناف الكتابة في هذه المظلمة الشوهاء والداهية الدهياء، التي لا يهدأ ضمير الأمة ما دام جرحها الدامي في أعماق قلبها، ولكن بماذا نعود؟ لقد كنا نحسب ونود أننا نعود فنذكر برَّ الإدارة بوعدها، واحترامها للأمة الجزائرية المسلمة في دينها ولغة دينها، وفي أدق شعورها، ومراعاتها ما تقتضيه مصلحة فرنسا من كسب قلوب الشعوب الواقعة في نطاق نفوذها لأيام رخائها وشدتها، فنرفع الصوت بالشكر والاغتباط، ونعرب عن شعور الأمة وعاطقتها الحقيقيين باللسان الصادق والضمير المرتاح. ولكن- ويا للأسف- خاب الظن وباخت الوعود، وانقشعت الأماني التي هي أحلام وتضليل. فمدرسة دار الحديث ما زالت مغلقة، ومثلها مدرسة القلعة، والمعلمون في بجاية وغيرها ما زالوا يعاودون بالتغريم ويساقون إلى المحامكة كمجرمين، وطلبات الرخص ما زالت تقابل بالرفض أو بالسكوت، اللهم إلا نزرا يسيرا جدا بوسائل خاصة لا يدل على تغيير في الحال ولا تبديل. هذا هو الحال من ناحية الإدارة التي هي مؤسفة بقدر ما هي مؤلمة، أما الحال من ناحية الأمة المظلومة في حرية تعلم دينها ولغة دينها، والمصابة من ذلك في أعز عزين عليها، فإنها مما يبعث على السرور والرضا وتمام الثقة بالأمة المسلمة في حاضرها ومستقبلها، فإنها برغم العراقيل ما تزال تبذل في التعليم بكل مناسبة، وتسعى للمطالبة والمقاومة بكل وسيلة مشروعة، وتتحمل تغريم المتعلمين- ويتحملون- بكل ثبات وطمأنينة. فهل تدرك الإدارة معنى هذه النفسية من الأمة؟ وهل تبصر من

стр. 1088

وراء هذا الثبات والجلد شبح الحقيقة؟ وهل تشعر، بما تنطوي عليه قلوب هذه الأمة المسلمة المسألة من الألم واللوعة؟ ليتها، ولعلها يكون منها كل ذلك في صالح الجميع، وفي سبيل الحق والعدالة، ومن أجل الصفاء والسلام. عبد الحميد بن باديس

стр. 1089

حول قانون ٨ مادس المشؤوم كيف فهمت الأمة معاكسته لتعليم الدين والعريية؟ ــ يزعم المتكلمون بلسان الحكومة في منشوراتهم وإذاعاتهم أننا نحن الذين أفهموا الأمة أن غاية قرار ٨ مارس هي معاكسة تعليم الدين واللغة العربية. فلأجل أن نعرف كيف فهت الأمة نفسها كلها هذه المعاكسة الصريحة يجب أن نعرف الظروف التي صدر فيها هذا القرار المشؤوم وما تقدمها- سنوات- من النهضة العلمية الدينية للأمة الجزائرية العربية المسلمة. من المعلوم أن الأمة الجزائرية هبت بعد قرن من الاحتلال لتأخذ قسطها- من الحياة من نواح عديدة وخصوصا الناحية الدينية والعلمية ولا شك أن هبتها هذه كانت طبيعية منبعثة عن عوامل مختلفة منها المحلي ومنها العالمي ومنها الذاتي ومنها الجواري. ومما لا ريب فيه أن الاحتفالات القرنية الهائلة التي أقامتها الحكومة كانت من أسباب تلك الهبة فقد سمعت الأمة وعودا وثناء كثيرين من أعلى رجال الحكومة بباريس ومن ممثلي الأمة الفرنسية بالبرلمان، وشاهدت وأحست وتوقعت فتأثرت، بذلك كله فيما تأثرت به في نهضتها. كانت من مظاهر هذه النهضة الدينية العلمية أن تأسست مساجد في نواحي الوطن بمال الأمة وكان منها أن ازداد عدد الراغبين في تعلم اللغة الفرنسية زيادة واضحة- وتعالت أصوات النواب والكتاب بمطالبة الحكومة بتأسيس المكاتب وإحداث الطبقات لتعليم أبناء المسلمين الفرنسية- ولا ينسى الناس هنا ما أحدث لهم من قانون تجديد السن

стр. 1090

بثلاث عشرة سنة وما نشأ عنه من حرمان عدد غفير من تكميل التعليم مثلما أحدث هذا القرار المشؤوم- وكان من مظاهر النهضة ازدياد عدد الراغبين في دخول المدارس الثلاث الإسلامية الحكومية ولكنهم كانوا يردون لأن عدد تلاميذها محدود وكان من مظاهرها فتح المكاتب لتعليم أبناء المسلمين الذين لا يجدون مقاعد في المكاتب الفرنسية أو الذين وجدوا لكن من غير أوقات المكتب- لتعليم هؤلاء- قواعد وعقائد وآداب الدين ولغة الدين إلى جانب القرآن العظيم، وكان من مظاهرها تأسيس النوادي حتى أسست في رؤوس الجبال. لم ترق هذه النهضة الدينية العلمية في نظر الحكومة فأخذت في مقاومتها وابتدأ ذلك بالامتناع من إعطاء الرخص ثم بغلق المكاتب في نواح عديدة ثم بسوق المعلمين للمحاكمة. ضجت الأمة من هذا واستاءت وتألمت فرفعت صوتها بالشكوى بلسان نوابها وأقلام كتابها، وبلسان مؤتمرها العام وبلسان وفد ذلك المؤتمر فسمعت الوعود من حكومة باريس ومن ولاية الجزائر. ثم بينما الأمة تنتظر الوفاء بتلكم الوعود رغم ما تشاهده من ازدياد الإدارة في الشدة إذا هي تفاجأ بقرار ٨ مارس الذي كان مطبقا بفرنسا منذ أكثر من نصف قرن دون أن يكون له ذكر في الجزائر فلما انبعثت الأمة في نهضتها الدينية العلمية بعث لها هذا القرار المشؤوم وأخذ في تطبيقه بكل شدة وصرامة، فلم يبق أحد إلا فهم القصد من بعث هذا القرار المشؤوم في هذه الظروف وما سبقها وما لحقها وما زال مستمرا إلى اليوم- إلا وهو معاكسة تعليم الدين ولغة الدين، وجاء قبله قرار منع النوادي الإسلامية من بيع المشروبات وهي مشروبات حلالية طبعا، فانفضح القصد حتى لدى حمار توما وراكبه (١).
следующие страницы →