← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بماذا نعود: ودار لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح. ــ قد بلغت المسألة اليوم إلى غايتها تفهيما من الأمة، وتفهما من الإدارة، فلنقف مديدة للانتظار، على أمل أن تجاب الأمة لرغبتها، بحسن تبصر الإدارة وإنصافها فنعود للكتابة في الموضوع شاكرين مغتبطين: الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد. عن عدد (البصائر) الصادر في ٣ جمادى الأولى ١ جوليت الماضي. ــ لقد هز قانون ٨ مارس الذي صدر لعرقلة تعليم الإسلام ولغة الإسلام بهذه البلاد، الشعب الجزائري هزة عنيفة، ورفعت الأمة بلسان نوابها وهيئتها وعلمائها صوتها عاليا بالاحتجاج والاستنكار ووالت (البصائر) الكتابة في المظلمة الفادحة خمسة أشهر. ولما انتهت المسألة إلى النيابة المالية- وهي أعلى نيابة في الوطن- وتضافر النواب المسلمون على المطالبة بحرية تعليم الدين ولغة الدين، وقدموا تقريرا في جلسة ١٥ جوان يشتمل على لزوم إعطاء رخص التعليم الإسلامي الحر للجميع، مع إحداث المراقبة على المدارس الحرة، وعلمنا من نوابنا أن هنالك وعودا في حل المسألة، رأينا أن المسألة قد بلغت غايتها، ورأينا أن نقف منتظرين كما هو في المربع الموضوع في صدر

стр. 1087

هذا المقال. وها هي أربعة أشهر ونيف قد مضت على تلك الوقفة وانقضت في الانتظار! وها نحن نعود إلى استئناف الكتابة في هذه المظلمة الشوهاء والداهية الدهياء، التي لا يهدأ ضمير الأمة ما دام جرحها الدامي في أعماق قلبها، ولكن بماذا نعود؟ لقد كنا نحسب ونود أننا نعود فنذكر برَّ الإدارة بوعدها، واحترامها للأمة الجزائرية المسلمة في دينها ولغة دينها، وفي أدق شعورها، ومراعاتها ما تقتضيه مصلحة فرنسا من كسب قلوب الشعوب الواقعة في نطاق نفوذها لأيام رخائها وشدتها، فنرفع الصوت بالشكر والاغتباط، ونعرب عن شعور الأمة وعاطقتها الحقيقيين باللسان الصادق والضمير المرتاح. ولكن- ويا للأسف- خاب الظن وباخت الوعود، وانقشعت الأماني التي هي أحلام وتضليل. فمدرسة دار الحديث ما زالت مغلقة، ومثلها مدرسة القلعة، والمعلمون في بجاية وغيرها ما زالوا يعاودون بالتغريم ويساقون إلى المحامكة كمجرمين، وطلبات الرخص ما زالت تقابل بالرفض أو بالسكوت، اللهم إلا نزرا يسيرا جدا بوسائل خاصة لا يدل على تغيير في الحال ولا تبديل. هذا هو الحال من ناحية الإدارة التي هي مؤسفة بقدر ما هي مؤلمة، أما الحال من ناحية الأمة المظلومة في حرية تعلم دينها ولغة دينها، والمصابة من ذلك في أعز عزين عليها، فإنها مما يبعث على السرور والرضا وتمام الثقة بالأمة المسلمة في حاضرها ومستقبلها، فإنها برغم العراقيل ما تزال تبذل في التعليم بكل مناسبة، وتسعى للمطالبة والمقاومة بكل وسيلة مشروعة، وتتحمل تغريم المتعلمين- ويتحملون- بكل ثبات وطمأنينة. فهل تدرك الإدارة معنى هذه النفسية من الأمة؟ وهل تبصر من

стр. 1088

وراء هذا الثبات والجلد شبح الحقيقة؟ وهل تشعر، بما تنطوي عليه قلوب هذه الأمة المسلمة المسألة من الألم واللوعة؟ ليتها، ولعلها يكون منها كل ذلك في صالح الجميع، وفي سبيل الحق والعدالة، ومن أجل الصفاء والسلام. عبد الحميد بن باديس

стр. 1089

حول قانون ٨ مادس المشؤوم كيف فهمت الأمة معاكسته لتعليم الدين والعريية؟ ــ يزعم المتكلمون بلسان الحكومة في منشوراتهم وإذاعاتهم أننا نحن الذين أفهموا الأمة أن غاية قرار ٨ مارس هي معاكسة تعليم الدين واللغة العربية. فلأجل أن نعرف كيف فهت الأمة نفسها كلها هذه المعاكسة الصريحة يجب أن نعرف الظروف التي صدر فيها هذا القرار المشؤوم وما تقدمها- سنوات- من النهضة العلمية الدينية للأمة الجزائرية العربية المسلمة. من المعلوم أن الأمة الجزائرية هبت بعد قرن من الاحتلال لتأخذ قسطها- من الحياة من نواح عديدة وخصوصا الناحية الدينية والعلمية ولا شك أن هبتها هذه كانت طبيعية منبعثة عن عوامل مختلفة منها المحلي ومنها العالمي ومنها الذاتي ومنها الجواري. ومما لا ريب فيه أن الاحتفالات القرنية الهائلة التي أقامتها الحكومة كانت من أسباب تلك الهبة فقد سمعت الأمة وعودا وثناء كثيرين من أعلى رجال الحكومة بباريس ومن ممثلي الأمة الفرنسية بالبرلمان، وشاهدت وأحست وتوقعت فتأثرت، بذلك كله فيما تأثرت به في نهضتها. كانت من مظاهر هذه النهضة الدينية العلمية أن تأسست مساجد في نواحي الوطن بمال الأمة وكان منها أن ازداد عدد الراغبين في تعلم اللغة الفرنسية زيادة واضحة- وتعالت أصوات النواب والكتاب بمطالبة الحكومة بتأسيس المكاتب وإحداث الطبقات لتعليم أبناء المسلمين الفرنسية- ولا ينسى الناس هنا ما أحدث لهم من قانون تجديد السن

стр. 1090

بثلاث عشرة سنة وما نشأ عنه من حرمان عدد غفير من تكميل التعليم مثلما أحدث هذا القرار المشؤوم- وكان من مظاهر النهضة ازدياد عدد الراغبين في دخول المدارس الثلاث الإسلامية الحكومية ولكنهم كانوا يردون لأن عدد تلاميذها محدود وكان من مظاهرها فتح المكاتب لتعليم أبناء المسلمين الذين لا يجدون مقاعد في المكاتب الفرنسية أو الذين وجدوا لكن من غير أوقات المكتب- لتعليم هؤلاء- قواعد وعقائد وآداب الدين ولغة الدين إلى جانب القرآن العظيم، وكان من مظاهرها تأسيس النوادي حتى أسست في رؤوس الجبال. لم ترق هذه النهضة الدينية العلمية في نظر الحكومة فأخذت في مقاومتها وابتدأ ذلك بالامتناع من إعطاء الرخص ثم بغلق المكاتب في نواح عديدة ثم بسوق المعلمين للمحاكمة. ضجت الأمة من هذا واستاءت وتألمت فرفعت صوتها بالشكوى بلسان نوابها وأقلام كتابها، وبلسان مؤتمرها العام وبلسان وفد ذلك المؤتمر فسمعت الوعود من حكومة باريس ومن ولاية الجزائر. ثم بينما الأمة تنتظر الوفاء بتلكم الوعود رغم ما تشاهده من ازدياد الإدارة في الشدة إذا هي تفاجأ بقرار ٨ مارس الذي كان مطبقا بفرنسا منذ أكثر من نصف قرن دون أن يكون له ذكر في الجزائر فلما انبعثت الأمة في نهضتها الدينية العلمية بعث لها هذا القرار المشؤوم وأخذ في تطبيقه بكل شدة وصرامة، فلم يبق أحد إلا فهم القصد من بعث هذا القرار المشؤوم في هذه الظروف وما سبقها وما لحقها وما زال مستمرا إلى اليوم- إلا وهو معاكسة تعليم الدين ولغة الدين، وجاء قبله قرار منع النوادي الإسلامية من بيع المشروبات وهي مشروبات حلالية طبعا، فانفضح القصد حتى لدى حمار توما وراكبه (١).

стр. 1091

هكذا فهمت الأمة كلها من نفسها، والحكومة نفسها هي التي أفهمتها بأعمالها والأمة هي التي قالت وما زالت تقول: (إن قرار ٨ مارس المشؤوم ضربة قاضية على تعلم الإسلام ولغة الإسلام)، وما سمعته الحكومة في النيابة المالية من النواب المسلمين مما سننشره، كاف في دحض مزاعم منشوراتها وإذاعاتها (١). وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليلٍ (٢) عبد الحميد بن باريس

стр. 1092

النص التقريبي لكامل التقرير الأدبي الذي ألقاه سماحة الأستاذ عبد الحميد بن باديس بدار جمعية التربية والتعليم ١٣٥٨هـ يوم اجتماعها العام صبيحة الأحد ٢٨ مايو ١٩٣٩م ــ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين إلى يوم الدين. أما بعد: فباسم جمعية التربية والتعليم الإسلامية أرحب بكم أيها المستمعون الكرام وأشكركم على تلبيتكم لنداء جمعيتكم الإسلامية الناهضة، وأهنئكم وأذكركم بأنكم كنتم منذ أربع سنوات خلت تجتمعون في محلات غيركم. واليوم- والحمد لله- أصبحتم تجتمعون في داركم. ولقد كنتم ضعافا فقواكم الله، وعززكم ورفع شأنكم. أولا تثقون بالله؟ إنكم بلا شك تثقون به، ومن وثق بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. وإذا كنتم تثقون بالله فثقوا بأنفسكم، فإن من لم تكن له ثقة بنفسه لا تكون له ثقة بالله. وإذا كنتم تثقون بأنفسكم فثقوا بنفوس مؤمنة صادقة. ولم لا نثق بأنفسشا؟ وقد أعطانا الله عقولا ندرك بها، ومواهب نستسخرها لما يرضي الله ورسوله. لنا مواهب مثل ما لغيرنا. ولنا من هذه القومية العربية الخالدة مثل ما لغيرنا. ولنا من هذا التاريخ الممتد البعيد مجد وملك مثل ما لغيرنا وفوق ما لغيرنا.

стр. 1093

ولقد أعطانا الله من هذا الدين الإنساني من هذا الدين العقلي الروحي ما يكمل عقولنا، ويهذب أرواحنا. أعطانا منه ما لم يعطه لغيرنا، لنكون قادة وسادة. وأعطانا وطنا شاسعا واسعا، مثل ما لغيرنا فنحن إذن شعب ماجد عظيم يعتز بدينه، يعتز بلغته، يعتز بوطنه، يعتز بقوميته، يستطيع أن يكون في الرقي واحدا من هذه الشعوب، وأن يفوق كثيرا من هذه الشعوب. ولنا من تاريخه الحافل ما يجعلنا نؤمن بصدق معتقدنا فيه. إننا نعتصم بالحق، ونعتصم بالتواضع عندما نقول: إننا شعب خالد ككثير من الشعوب. لكننا ننصف التاريخ إذا قلنا: إننا سبقناها في ميادين الحياة، سبقناها بهدايتنا، ونشرنا بينها الشريعة الحقة قبل أن تتكون هذه الأمم وسبقنا هذه الأمم في نشر الحق، أيام كانت في ظلمات من الجهل حالكة أيام كانت تسبح في لجج من الأوهام والخيالات. وذلك ما كنا فيه، وما سنعود إن شاء الله إليه، وإنما علينا أن نعرف تاريخنا، ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود. ولا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المغروسة. إنها وحدة الرابطة بيننا وبين ماضينا وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها يقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين، أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به وهي الترجمان عما في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار، وما في النفس من آلام وآمال. إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين، وخدم العلم، وخدم الانسان، هو الذي نتحدث عن محاسنه منذ زمان، ونعمل لإحيائه منذ سنين، فليحقق الله أمانينا.

стр. 1094

وإن الذي يعلم تاريخ الجزائر الحديث يجزم بأن هذا الشعب شعب حي لن يموت. لقد كان هذا العبد يشاهد قبل عقد من السنين هذا القطر قريبا من الفناء، ليست له مدارس تعلمه، وليس له رجال يدافعون عنه، ويموتون عليه. بل كان في اضطراب دائم مستمر، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلا للمدارس الأجنبية، التي لا تعطبهم غالبا من العلم إلا ذلك الفُتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميتهم وقد ينكرونها، هذه هي الحالة التي كنا عليها في تاريخنا الحديث. وما كنا لنرضى بها أو نبقى عليها وقد ولدتنا أمهات مسلمات جزاريات يأبين إلا أن نبقى كما ولدنا، وتأبى ثقافتنا إلا أن نرجع إلى ما عليه كنا. أخذنا نعمل وهناك من سبقنا في التفكير بالعمل وهم رجال نادي (صالح باي) ﵀ ولا أقول كلهم- لم يكونوا يعملون بوحي من أنفسهم بل كانوا يعملون بإيعازات من غيرهم. فلما بلغ الموعزون وبعض الموعز إليهم إلى غايتهم انتهى كل شيء وماتت الجمعية وهي في المهد، ولم تؤسس أقل تأسيس وأصبحت نسياً منسياً، ومضى على ذلك حين من الدهر حتى جاء هؤلاء الذين يعملون العمل الخالص لوجه الله، فنضوا نهضة أوجدت ما أنتم ترون، من اشتراء محل عظيم للتربية والتعليم يضم الآن من التلاميذ والتلميذات نحو الثمانمائة، ويضم من الكبار المتعلمين ما يناهز الستين أو السبعين حسب أوقات عملهم الحيوي اللازم. وأن فيها اليوم لمصنعا للنسيج، وقانون هذه الجمعية ينص عليه، وينص على تعليم العربية والفرنسية لأننا قوم نريد الحياة لأنفسنا كما نحبها لغيرنا، ونكره أن ندخل الضرر على أي كان غيرنا، كما لا نرضى أن يدخل علينا الضرر على أي كان غيرنا، ونحترم لغتنا ومجدنا كما نحترم لغة ومجد غيرنا. ولأننا قوم نحب الخير فلا نحرم

стр. 1095

منه أحدا، وما فتحنا هذه المدرسة إلا لخدمة العلم وأهله، وتربية النشء وتثقيفه، وللجمعية نيات أخرى تنوي أن تقوم بها في المستقبل إن شاء الله. تنوي أن تبعث البعثات العلمية إلى الخارج، وتسعى جهدها في تحقيق ما ينص عليه قانونها الأساسي من تأسيس المصانع والملاجىء والمحلات العامة. هذه لمحة مختصرة خاطفة ذكرتها لكم عن تاريخكم وتاريخ نهضتكم الجليلة أيها الإخوان، وأخيراً أشكركم وأشكر الله الذي هداكم، وأشكر كل من سعى في تحقيق أمنيتنا من رجال ونساء، كما أشكر القائمين من رجال الجمعية والمباشرين العمل والتعليم كما لا أنسى الحكيمين الإنسانيين (كتوار) و (عنالي) والسيدتين (مدام سبانو) و (مدام دوره) وأشكر الآنسة زريزر وهي فتاة مسلمة جزائربة أدت خدمات جليلة إلى الجمعية، أشكرهم جميعهم على ما قاموا به من جلائل الأعمال. ثم بعد هذا العرض السريع أرجو أن تذكروا دائما أن الهيأة القديمة في ظرف سنوات قامت بأعمال كبرى وأتمنى على الله أن لا تأتي المقبلة إلا وقد أسستم مصنعا للأعمال، أو ملجأ للأيتام، وأن مجلسا موفقا مثل مجلسكم هذا أوجد هذه الأعمال، لجدير من يخلفه بأن يوجد في القريب العاجل أكثر منها. إنني ابتدأت حديثي بالثقة بالله والاعتماد على النفس وأختمه بهما، فثقوا بأنفسكم وثقوا بالله، واعتمدوا عليه وعلى أنفسكم واعملوا وكونوا خير خلف لخير سلف. نقله من القاء الرئيس محمد الغسيري، ومحمد الصالح رمضان

стр. 1096

الحركة التعليمية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ــ أراد قسم الشبان من جمعية التربية والتعليم الإسلامية، أن ينشر على الأمة صورة للجمعية تنشيطا للعاملين وبعثا للقاعدين ومثالا للمحتذين، ودعاني لأكتب كلمة أشارك بها في هذا العمل المفيد الجميل، فلبيت دعوة أبنائي في الكلمة التالية، شاكرا لهم عملهم الخيري ودعوتهم إليه ودلالتهم عليه. أصل الجمعية: كان التعليم المسجدي بقسنطينة قاصرا على الكبار ولم يكن للصغار إلا الكتاتيب القرآنية، فلما يسر الله لي الانتصاب للتعليم عام ١٣٣٢هـ جعلت من جملة دروسي تعليم صغار الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها في آخر الصبيحة وآخر العشية فكان ذلك أول عهد الناس بتعليم الصغار. ثم بعد بضع سنوات رأى جماعة من الفضلاء المتصلين بنا تأسيس مكتب يكون أساسا للتعليم الابتدائي العربي فأسسناه وكان الأخوان الفاضلان السيد العربي والسيد عمر بن مغسولة قد اشتريا مسجد سيدي بو معزة والبناء المتصل به، وكان فوق بيت الصلاة محل للسكنى بالكراء فأزالاه عن ذلك وأبقياه محلا فارغا فجعلناه هو محل المكتب. ثم نقلت إلى بناية الجمعية الخيرية لاتساعها. وهو في اثناء هذا

стр. 1097

كله يتسع نطاقة مرة ويضيق أخرى ولا تقوم به إلا جماعة لا تتجاوز عدد الأصابع. وفي سنة ١٣٤٩هـ ١٩٣٠م- رأيت أن أخطو بالمكتب خطوة جدية وأخرجه من مكتب جماعة إلى مدرسة جمعية فحررت القانون الأساسي لجمعية التربية والتعليم الإسلامية وقدمته باسم الجماعة المؤسسة إلى الحكومة فوقع التصديق عليه. القانون الأساسي للجمعية: بني القانون الأساسي للجمعية من الوجهة التربوية على تربية أبناء المسلمين وبناتهم تربية إسلامية بالمحافظة على دينهم ولغتهم وشخصيتهم ومن الوجهة التعليمية على تثقيف أفكارهم بالعلم باللسانين العربي والفرنسي وتعليمهم الصنائع. ومن الوجهة المالية على تعويد الأمة على العطاء المنظم وتوسيع نطاق الجمعية بجعل الاشتراك الشهري فيها فرنكين. تأسيس قسم الشبان: في أفريل سنة ١٩٣٣ رأيت أن أبعث في الجمعية روحا جديدا للجد والنشاط بدعوة جماعة الشبان المنخرطين في عضوية الجمعية لتأسيس فرع منهم ينهض بالجمعية نهضة فتية صادقة فصادفت منهم الدعوة رغبة سابقة في العمل كانوا يهمون بإبدائها فيصدهم التهيب عنها ورأيت أن لهم الحق أن يأخذوا حظَّهم من التربية والتعليم على وجه يناسبهم فأسست لهم درسا في يوم الأحد من كل أسبوع يلقى على جماعة منهم في الساعة العاشرة نهارا وعلى جماعة أخرى في الساعة الثامنة ليلا حتى يعم من يتفرغون له بالليل ومن يتفرغون له بالنهار. أعمال الشبان: نهض الشبان بالعمل تحت إشراف مجلس إدارة الجمعية فتوسع

стр. 1098

نطاق التعليم في عدد المعلمين وعدد التلاميذ وانتشرت فكرة التربية الإسلامية في قسم كبير من الشبان وها هم اليوم يتقدمون بهذه النشرة برهانا على ما قاموا به من عمل في أمد قليل في خدمة الجمعية راجين من الأمة أن تمدَّ يد المساعدة للجمعية لتقوم بما بقي عليها من أعمال قد اشتمل عليها قانونها ولم تتسع مقدرتها اليوم للقيام بها. لجنة الطلبة: لما كانت مهمة الجمعية هي التربية والتعليم وكانت الدروس العلمية التي تلقى بالجامع الأخضر هي أساس ذلك فقد تكونت من الجمعية للقيام بالطلبة والعناية بهم ومراقبة سيرهم لجنة من ثمانية عشر عضوا. وهي المتولية لصندوق الطلبة في دخله وخرجه. تعميم فكرة الجمعية: من ضمن القانون الأساسي للجمعية أن لها أن تؤسس فروعا في البلدان، فهي مستعدة لكل بلدة ترغب أن تكون فرعا منها لإجابة طلبها، كما أنها تدعو جميع المسلمين في كل بلدة إلى مثل تأسيسها لتربية أبناء المسلمين وبناتهم وتعليمهن وتعليمهم وأن ينهضوا لذلك نهضة حقيقية ويسعوا له سعي الجد المتواصل فإنهم لا بقاء لهم إلا بالإسلام ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم. والله مع الصادقين (١). رئيس جمعية التربية والتعليم الإسلامية عبد الحميد بن باديس

стр. 1099

[صورة: تلاميذ وتلميذات مدرسة جمعية التربية والتعليم] ... [صورة: الشيخ محمد العايد الجلالي مع تلاميذ صفه من الطبقة الأولى في مدرسة جمعية التربية والتعليم]

стр. 1100

[صورة: الأستاذ الشيخ الفضيل الورتلاني مع تلاميذ صفه من الطبقة الثالثة في مدرسة جمعية التربية والتعليم] ... [صورة: الأستاذ محمد العايد الجلالي مع تلاميذ صفه من الطبقة الثانية في مدرسة جمعية التربية والتعليم]

стр. 1101

[صورة: تلميذات مدرسة التربية والتعليم وبأيديهن منتوجاتهن وقد وقف ناظر المدرسة الشيخ عمر شعلال] ... [صورة: الأستاذ عبد العلي مع تلاميذ الطبقة الرابعة بمدرسة التربية والتعليم]

стр. 1102

[صورة: تلاميذ مدرسة جمعية التربية والتعليم وإلى اليسار الأستاذ مع تلاميذ صفه من الطبقة الأولى] ... [صورة: الأستاذ محمد العايد الجلالي مع تلميذات صفه في مدرسة التريية والتعليم]

стр. 1103

آثار ابن باديس: قسم السياسة

стр. 1104

خطتنا مبادؤنا وغايتنا وشعارنا ــ بسم الله، ثم باسم الحق والوطن، ندخل عالم الصحافة العظيم شاعرين بعظمة المسيؤولية التي نتحملها فيه، مستسهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن إليها ساعون، والمبدأ الذي نحن عليه عاملون، وها نحن نعرض على العموم مبادئنا التي عقدنا العزم على السير عليها، لا مقصرين ولا متوانين، راجين أن ندرك شيئا من الغاية التي نرمي إليها بعون الله ثم بجدنا وثباتنا وإخلاصنا، وإعانة إخواننا الصادقين في خدمة الدين والوطن. مبدؤنا السياسي: نحن قوم مسلمون جزائريون، في نطاق مستعمرات الجمهورية الفرنسوية، فلأننا مسلمون نعمل على المحافطة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني، ونحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر وفي المحافطة على هذه التقاليد المحافظة على أهم مقومات قوميتنا وأعطم أسباب سعادتنا وهنائنا، لأننا نعلم أنه لا يقدر الناس أن يعيشوا بلا دين، وأن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها، وأن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه وعليها الأضرار والأتعاب، بل ربما حصلت لها هزاهز وفتن كما أصاب حكومة هيريو في العهد القريب (١). لا نعني بهذا أننا نخلط بين الدين والسياسة في جميع شؤوننا، ولا أن يتداخل رجال الدين في سياستنا، وإنما نعني

стр. 1105

اعتبار الدين قواما لنا، ومهيعا، (١) شرعيا لسلوكنا، ونظاما محكما نعمل عليه في حياتنا، وقوة معنوية نلتجيء إليها في تهذيب أخلاقنا وقتل روح الإغارة والفساد منا وإماتة الجرائم من بيننا، فلهذا لا نألو جهدا في خدمته بنشر مبادئه الحقة العالية وتطهيره من كل ما أحدث فيه المحدثون، والدفاع عنه من أن يمس بسوء من أهله أو من غير أهله ولأننا جزائريون نعمل للَمِّ شعب الأمة الجزائرية وإحياء روح القومية في أبنائها وترغيبهم في العلم النافع والعمل المفيد حتى ينهضوا كأمة لها حق الحياة، والانتفاع في العالم وعليها واجب الخدمة والنفع للإنسانية. وإننا نحب الإنسانية ونعتبرها كلا ونحب وطننا ونعتبره منها جزءا ونحب من يحبه (٢) الإنسانية ويخدمها ونبغض من يبغضها ويظلمها. وبالأحرى نحب من يحب وطننا ويخدمه، ونبغض من يبغضه ويظلمه، فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري وتحبيب بنيه فيه، ونخلص لكل من يخلص له، ونناوىء كل من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه. ولأننا مستعمرة من مستعمرات الجمهورية الفرنسيوية نسعى لربط أواصر المودة بيننا وبين الأمة الفرنسوية وتحسين العلائق بين الأمتين المرتبطتين بروابط المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة من الجانبين، تلك الروابط التي ظهرت دلائلها وثمراتها في غير ما موطن من مواطن الحرب والسلم. إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها، ومع الأسف لم نر الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها، فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية

стр. 1106

"الحرية والمساواة والأخوة" من رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم كل ممت الحديث (١). وتشريكنا تشريكا صحيحا سياسيا واقتصاديا في إدارة شؤون وطننا الجزائري، إن لفرنسا ما يناهز القرن في الجزائر ولا أحد ينكر ما لها من الأيادي في نشر الأمن وعمارة الأرض وجميع وجوه الرقي الاقتصادي، غير أنها ويا للأسف ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي، مع أن الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها ويصدق ما ينادي به خطباؤها ويكون أجمع للقلوب عليها هو أن تعنى بالعباد كما تعنى بالبلاد. إننا نسعى بكل جهدنا لتحقيق هاته الأمنية التي هي حقنا وفيها سعادة الجميع. إن الأمة الجزائرية أمة ضعيفة ومتأخرة فترى من ضرورتها الحيوية أن تكون في كنف أمة قوية عادلة متمدنة لترقيها في سلم المدينة والعمران وترى هذا في فرنسا التي ربطتهها بها روابط المصلحة والوداد، فنحن نخدم للتفاهم بين الأمتين ونشرح للحكومة رغائب الشعب الجزائري ونطالبها بصدق وصراحة بحقوقه لديها ولا نرفع مطالبنا أبدا إلا إليها، ولا نستعين عليها إلا بالمنصفين من أبنائها. وفي جدنا وإخلاصنا وشرف الشعب الفرنسوي وحريته ما يقرب كل أمل بعيد. مبدؤنا التهذيبي: كما تحتاج الأبدان إلى غذاء من المطعوم والمشروب، كذلك تحتاج العقول إلى غذاء من الأدب الراقي والعلم الصحيح، ولا يستقيم سلوك أمة وتنقطع الرذيلة من طبقاتها وتنتشر الفضيلة بينهم إلا إذا تغذت عقول

стр. 1107

أبنائها بهذا الغداء النفيس، فنحن ننشر المقالات العلمية والأدبية وكل ما يغذي العقول من منظوم ومنثور من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن ومقاوم كل معوج من الأخلاق وفاسد من العادات، ونحارب على الخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الإخلاص فأفسدته. وعاد وبال ذلك الفساد علينا وتأخرنا من حيث يكون تقدمنا وسقطنا بما لا نرتفع إلا به، لما شوهناه بإدخال ما هو ضده عليه، ونحسن ما كان من أخلاق الأمم حسنا وموافقا لحالنا وتقاليدنا ونقبله، ونقبح ما كان منها قبيحا أو مباينا لمجتمعنا وبيئتنا ونرفضه فلسنا من الجامدين في جحودهم ولا مع المتفرنجين في طفرتهم وتنطعهم، والوسط العدل هو الذي نؤيده وندعو إليه. مبدؤنا الانتقادي: في الهيئة الاجتماعية أشخاص تقدموا للأمة وتولوا أو يريدون أن يتولوا قيادتها وتدبير شؤونها الاجتماعية سياسية أو اقتصادية أو علمية أو دينية، ولهم صفات خاصة بأشخاصهم وشؤونهم في أنفسهم وأعمال في دائرتهم وحدهم وصفات بها يباشرون من شؤون الأمة ما يباشرون وأعمال تتعلق بأحوال العموم. فأما صفاتهم الشخصية وأعمالهم الخاصة فلا يجوز لنا أن نعرض لها بشيء، وأما صفاتم وأعمالهم العمومية فهي التي نعرض لها وننقدها فننتقد الحكام والمديرين والنواب والقضاة والعلماء والمقاديم وكل من يتولى شأنا عاما من أكبر كبير إلى أصغر صغير من الفرنسويين والوطنيين، ونناهض المفسدين والمستبدين من الناس أجمعين فننصر الضعيف والمظلوم بنشر شكواه والتنديد بمظالمه كائنا من كان، لأننما ننطر من الناس إلى أعمالهم لا إلى أقدارهم، فإذا قمنا بالواجب فلأشخاصهم منا كل احترام.

стр. 1108

وسنسلك في انتقادنا طريق الحقيقة المجردة والصدق والإخلاص والنزاهة والنظافة في الكلام، وننشر كل انتقاد يكون على هذه الصفات، علينا أو على غيرنا، على مبدأ الإنصاف الذي لا يتوصل للتفاهم والحقائق إلا به. هذه مبادؤنا وهي مبادئ الصحافة الحرة الصادقة التي هي قوة لا غنى لأمة عنها، ولا رقي لأمة ناهضة في هذا العصر بدونها. هذه مبادؤنا وسيرضى عنا بها الأحرار المفكرون أصحاب الصدور الواسعة والقلوب الكبيرة من الوطنيين والفرنسويين، وسيغضب بها علينا المستبدون الظالمون والدجالون، المحتالون وصغار الأدمغة وضيقو الصدور من بغاث البشر. ونحن بين الجميع لا نخدم إلا الحق والوطن والدين ولا نسمع إلا لصوت الواجب ولا نسترضي أقواما ولا نستغضب آخرين قائمين حسب الجهد بالواجب الصحافي الشريف صامدين إلى غايتنا السامية وهي: "سعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديموقراطية" صارخين دائما بشعارنا الرسمي وهو: "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء" وعلى الله ثم على اجتهادنا وإخلاصنا ومناصرة أنصار المبادئ الحرة الاعتماد والاتكال (١).

стр. 1109

تعطيل (السنة) وإصدار (الشريعة) للأستاذ عبد الحميد بن باديس رئيس جعية العلماء المسلمين الجزائريين ــ روعت الأمة بنبأ تعطيل جريدة "السنة" بقرار من وزارة الداخلية، وتقاطرت على الإدارة رسائل الاستياء والتعجب ولم يكن تعجب الناس من تعطيل جريدة دينية بعيدة كل البعد عن السياسة دون استيائهم من عرقلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن عملها الديني التهذيبي الذي ذاقت الأمة حلاوته وشاهدت جميل أثره. أما نحن فقد شاركنا الأمة في الاستياء ولم نشاركها في التعجب، فقد كنا توعدنا بأشياء هذا التعطيل أحدها (١) فجاء ونحن له متوقعون: غير أن الذي نعحب منه نحن المباشرين لتسيير الجمعية هو التبدل العظيم والانقلاب السريع الذي شاهدناه من بعض الإدارات نحو الجمعية. لقد تجولت وفود الجمعية السنة الماضية في جميع جهات الوطن وألقى وعاظها خطبهم ودروسهم في المحافل العامة، وكثيرا ما كان يحضرها رجال من الحكام وكانوا يلقون من شيوخ البلدان الأميار وحكام الدوائر كل تعضيد وتقدير، وقابلنا بعد تمام الرحل إدارة الشؤون الوطنية بالعاصمة فلم نسمع على خطتنا أدنى إنكار ولم نتلمح أقل إشارة إلى ارتياب في الجمعية أو استثقال لأعمالها، فما الذي بدل العقول وحول النيات، وحمل بريفي العاصمة على ابتداء منازلة الجمعية بقراره المشهو وحمل تلك الإدارات على مناوأة الجمعية

стр. 1110

ومضايقة رجالها وعرقلة أعمالها حتى عطلوا جريدة السنة لغير ما سبب إلا أنها جريدة الجمعية ولسان حالها؟! هذا محل سؤالنا ومناط تعجبنا. وبعد فما ينقم علينا الناقمون؟ أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللالقة بسمعة فرنسا ومدنيتها وتربيتها للشعوب وتثقيفها؟ فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا، وقد دلوا على رجعية فيهم وجمود لا يتناسبان مع المبادئ الجمهورية ولا مع حالة هذا العصر، أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية والهناء عشرات من السنين تحت السلطة الإنجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم أنتم عن تكوين جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم؟ تناهضوها وهي ما تزال في المهد؟ أفظننتم أن الأمة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها، يدها في يدها فتاة لها من الجمال والحيوية ما لكل فتاة انجبتها أو ربتها مثل تلك الأم؟ أخطأتم يا هؤلاء التقدير وأسأتم الظن بالمربي والمربى، وبعدتم عن العلم بسنن الكون في نهضات الأمم بعضها ببعض عند الاختلاط أو التجاور أو الترابط بشيء من روابط الاجتماع. أنظروا شيئا إلى ما حواليكم من الأمم وتأملوا فيما تنادي به الشعوب وما تعلنه من مطالب، فإنكم إذا نظرتم وتأملتم حمدتم لهذه الجزائر الفتية نهضتها الهادئة، وتسمكها المتين بفرانسا، وارتباطها القوي بمبادئها وعدها نفسها جزءا منها وقصرها لطلبها منها على أن تعطى جميع حقوقها كما قامت بجميع واجباتها، وأن لا يتقدمها في أيام السلم من قد لا يساويها في أيام الحرب.

стр. 1111

لا، لا أخالكم تنظرون ولا تتأملون فإن الأثرة المستولية على النفوس حجاب كثيف يحول دون رؤية الحقائق كما هي، ويحول دون رؤية مصلحة فرنسا الحقيقية نفسها. وإني لأفهم من مناهضتهم العجيبة للجمعية وهي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة، أنكم لا تريدون من الجزائر إلا أن تبقى جامدة وأن لا تتمتع بشيء من الحق إلا ما لا غناء فيه ولا بقي معه. ولعمر الحق أن من يريد هذا بالجزائر اليوم لمخالف للشريعة والطبيعة، إذ من الطبيعي أن تتحرك الجزائر ضمن الجمهورية الفرنسية في زمان تحرك ما فيه حتى الحجر، ومن الشرعي أن تنال منها من الحقوق كفاء ما قامت به من الواجبات. استكثرتم على الجزائر أن تكون لها جمعية لها منزلتها العظيمة في قلبها، وجريدة لها قيمتها الكبيرة في نظرها؟ فنبشركم أنه سيكون للجزائر الفرنسية (١) جمعيات وصحف وسيكون لها وسيكون ... حتى يقف المسلم الجزائري مع أخيه من بقية أبناء فرنسا على قدم المساواة الحقة التي يكون من أول ثمراتها الإتحاد الصحيح المنشود للجميع. أم هالكم أن يكون في أبناء الجزائر الفرنسوية من لا يزحزحه عن مبدئه وعد ولا وعيد ولا يستهويه رنين ولا زخرفة؟ فنبشركم بأن الجزائر المفطورة على مبادئ الإسلام والتغذية بمبادئ فرنسا أنجبت وتنجب رجالا كما رأيتم وفوق ما تظنون، رجالا تفتخر بهم فرنسا كما تفتخر بسائر أبنائها الأحرار. كونوا كما تشاؤون أيها السادة فلكم- وأنتم تمثلون ما تمثلون- كل احترامنا، وظنوا بنا ما تشاؤون فإنا على بصيرة من أمرنا ويقين

стр. 1112

من استقامة خطتنا ونيل غايتنا. ومهما تبدلت اعتقاداقنا في أناس بتبدل معاملاتهم لنا فلن تتبدل ثقتنا بفرنسا وقانونها (١). وعلى خطتنا المستقيمة وهي نشر العلم والفضيلة ومقاومة الجهل والرذيلة. وعلى غايتنا النبيلة وهي تثقيف الشعب الجزائري المرتبط بفرنسا ورفع مستواها العقلي والخلقي والعملي إلى ما يليق بسمعة فرنسا. وعلى ثقتنا بعدالة فرنسا، وحرية الأمة الفرنسية، وديموقراطيتها. أسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسست جريدة (السنة) المعطلة، وأسسنا اليوم (٢) بدلها جريدة (الشريعة المطهرة) وستقوم - إن شاء الله- مقامها وتحل من القلوب محلها والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. عبد الحميد بن باديس

стр. 1113

رد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على خطاب ابن غراب ــ -١ - لو كان هذا الرجل وجه على الجمعية أضعاف ما وجه عليها من تهم واعتدى عليها بأضعاف ما اعتدى به عليها من سب وإذاية من عند نفسه، وفي مجلس من أي مجالس مثله، لكان محققا من الجمعية أنها لا تسمعه، ولو سمعته لكان حقا عليها أن لا تقول له إلا (سلاما) .. ولكن الرجل كان- عن رضى واختيار- آلة هدم وتخربب، وبوق شر وفساد، في مجلس رسمي قد استدعى له الناس ليقولوا ويحتج بأقوالهم. فلهذا تنازلت الجمعية لرد افتراءات النائب واعتداءاته. زعم أن الفتنة والقلاقل والمشاغب منتشرة في الوطن، وأن سببها هو الجمعية وكذب في الاثنين. فأما الزعم الأول: فإن المشاهد في الوطن كله هو السير المعتاد في الأعمال دون تظاهر ولا تجمهر ولا مصادمة بين قوتين ولا توقف عن أداء حكومي ولا تصدي لأحد بسوء. وإنما الموجود في الوطن حركة هادئة عامة نحو ما وعدت به فرنسا أبناءها الجزائريين من حقوق تعطى لهم في القريب. ولعمر الحق أن تسمية هذا فتنة ومشاغب وقلاقل، لمن الكذب الحبريت والقلب للحقائق اللذين لا يصدران إلا عن ذمة خربة وقلب مريض ونفس شريرة لا تبالي ماذا تجني، أو جاهلة لا تدري ماذا تقول. وإذا كنا نسمي توجه الجزائريين

стр. 1114

بمطالبهم في هدوء ونظام إلى فرنسا فتنة، فبماذا نسمي ما قام به أصحاب الأعتاب من التظاهر في بلدان عديدة بعنف وشدة وتهديد حتى عطلوا إحدى الجلسات في النيابة المالية لإظهار استيائهم؟ أن الأشياء- يا هذا- لا تخرج عن حقائقها بما يخلع عليها من الأسماء حسب الأغراض والأهواء. وأما في الزعم الثاني: فإن حركة الجزائريين نحو مطالبهم من دولتهم إنما سببه ما علموه من عناية عظام رجال فرنسا بها وما بلغهم من بروجي م قرني وبروجي م فيوليت، ثم ما شاهدوه من حزم بعض نوابهم وذهابهم إلى فرنسا، أولاً بصورة فردية، وثانيا بصورة عمومية، ثم كان ما كان منهم من استياء من أن نوابهم ردوا ولم يقبلوا وفهموا من عدم قبول نوابهم عدم قبول مطالبهم، ثم أحسوا بضغط من ناحية وضعف من الناحية الأخرى فرجعوا إلى سكوتهم كسابق عادتهم واعتصموا بالاتنظار الذي تعودوه من أمد طويل، فهم ساكتون منتظرون. هذه هي الأسباب المنطقية التي يؤيدها الحس ويجسمها الواقع لما كان من حركة في الأمة ولن يستطيع تمويه غراب ومن لقنه أن يزيد عليها أو ينقص منها. وزعم أن الحكومة ساعدت الجمعية أولاً ورخصت لها. والحكومة ما عرفت منها الجمعية مساعدة خاصة لا أولاً ولا أخيراً، وأي مساعدة شاهدناها من الحكومة وقد أقرت قرار بريفي الجزائر الذي يمنع رجال الجمعية من وعلى العامة وإرشادهم في المساجد، وأي مساعدة والحكومة قد أغلقت مكاتب وامتنعت من الترخيص في مكاتب أخرى لمجرد انتماء المعلمين أو الطالبين للتعليم للجمعية. فمن الأولى مدرسة سيق ومدرسة بلعباس ومدرسة قمار، ومن الثانية مدرسة القنطرة. هذا هو الواقع مع الأسف الشديد. ولكن من الحق الذي يجب أن نقوله وأن نتسلى به أنه ليس كل واحد من رجال الحكومة راضيا

стр. 1115

بهذه المعاكسة التي لا مبرر لها والتي هي صد لجمعية إصلاحية تهذيبية عن الإصلاح والتهذيب، وأما ترخيص الحكومة للجمعية فالفضل في ذلك للقانون الفرنسي الحكيم، ولولا ثقتنا بذلك القانون والرجال العظام الساهرين على تنفيذه ما كان لنا أن نصدع بهذه الحقائق التي يريد النائب غراب وملقنوه تغطيتها (١). عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس -٢ - زعم أن الجمعية تداخلت في شؤون لا علاقة لها بالتعليم وانفجرت بتعاليم منافية للعلم ومثيرة للأحقاد والتحزبات. كأن الملقنين لهذا الغراب يفهمون من التعليم أنه هو أن يجلس الشيخ في وسط حلقة ثم يلقي عليهم مسائل من النحو ومسائل من كتاب الصلاة، هذا فقط والتعليم، فأما مكتب ابتدائي يعلم فيه أبناء المسلمين وبناتهم مبادئ دينهم ولغتهم ويحفظون فيه من مواطن الفساد ومهاوي الشقاء وبراثن المضللين، ويهيئون للحياة تهيئة صحيحة تكوِّن منهم رجالا مسلمين يخدمون أمتهم ووطنهم ودولتهم ويشرفون سمعتها، وأما إلقاء دروس الوعظ والإرشاد على طبقات العامة التي تفقههم في دينهم وتعرفهم بالفضائل الإنسانية وتحذرهم من الرذائل الحيوانية وتفتح بصائرهم لإدراك حقائق الحياة الدنيا وما يفيدهم في الحياة الأخرى، وتصحيح عقائدهم وتهذيب أخلاقهم وتقويم أعمالهم، حتى يعيشوا بذلك كله سعداء في الدنيا مع أنفسهم وجيرانهم

стр. 1116

وحكومتهم، ويكونوا على أقوى الأسباب لنيل السعادة في آخرتهم- فهذا كله شؤون لا علاقة لها بالتعليم، ولهذا لما اشتغلت بها الجمعية- زيادة على دروس رجالها لطلبة العلم- قال هذا المتقول المقول: أن الجمعية تداخلت في شؤؤن لا علاقة لها بالتعليم! أما التعليم، كما يفهمه كل أحد، وكما جاء به الدين، وكما كان عليه سلف المسلمين، فهو نشر العلم لكل أحد، للكبير والصغير والمرأة والرجل: بحلق الدرس ومجالس الوعظ وخطب المنابر وبكل طريق موصل، وهذا ما اشتغلت به الجمعية وتوسلت بالطرق الموصلة إليه، ولن يستطيع الغراب ولا غيره أن يثبت عليها شيئا غير ذلك. ولا نظنه يعني التعاليم المنافية للعلم إلا ما قامت به الجمعية من بناء وعظها وإرشادها على آيات القرآن العظيم وأحاديث النبي- ﵌ ووصايا أئمة السلف، فإن هذا كله كان مهجورا في هذه الديار، بل وفي غير هذه الديار، فإذا كانت هذه هي التعاليم المنافية للعلم عنده فنحن نشهد الله وملائكته والناس أجمعين أن هذه هي التعاليم المنافية للجهل المغيضة لأهل الجهل الماحقة لكل جهل ودجل، وأنها هي هي مصدر الدين والعلم وكل خير وسعادة للبشر وأرغم الله أنف كل أفاك أثيم. ثم يقول الغراب: إن هذه التعاليم مثيرة للأحقاد والتحزبات! ولقد صدق هنا وهو الكذوب، فقد أثارت علينا هذه التعاليم الأحقاد، وأي حقد أعظم من الحقد الذي أكل قلبه وقلب مثله حتى اعتدى علينا هذا الاعتداء العظيم، وافترى علينا هذا الإفك المبين، وكيف لا يحقد علينا الجهال الذين يعيشون على الجهل ونحن نحارب الجهل والمتعيشين عليه؟ وكيف لا يحقد علينا الذين يقولون للناس كونوا عبادا لنا بفنون من لسان المقال ولسان الحال، ونحن نقول للناس لا تكونوا عبادا إلا لله، وهم يقولون للناس، اعبدونا وارزقونا،

стр. 1117

ونحن نقول لهم لا تعبدوا إلا الذي يرزقكم وهو الله وحده لا شريك له. وكيف لا يحقدون علينا من يريدون بقاء المسلمين عضواً أشلاً أو مريضاً في الهيئة الاجتماعية الجزائرية ونحن نريده عضوا حيا عاملا كسائر الأعضاء فيها يفيد ويستفيد يعين ويستعين. فهذه الأصناف كلها وغيرها من أمثالها امتلأت صدورها على الجمعية حقدا حتى انفجرت بالشر أقوالها وأعمالها، وكانت حزبا واحدا في الكيد للجمعية والمكر بها والسعاية عليها والوشاية بها، وموقف هذا النائب الظالم المفتري مظهر من مظاهرها ومشهد من ومشاهدها. وهذه الأصناف وغيرها من أمثالها هي هي الحاقدة المتحزبة دون عموم الأمة وسوادها، التي ظهر للعيان التفافها حول الجمعية وسخطها على أضدادها، وما تملك الجمعية لتلك الأصناف من حقدها وتحزبها إلا أن تسأل الله هدايتها وتقاومها بالطرق المشروعة لترد كيدها وتخنق حقدها، وتدفع شر تحزبها عند ما تدعوها الضرورة لمدافعتها، مثلما دعتها الضرورة للرد على هذا النائب بالحجة والبرهان لا بما سلكه هو- وسلكه أمثاله قبله- من الوشاية والإذاية والكذب والبهتان (١). عن الجمعية الرئيس عبد الحميد بن باديس -٣ - ثم يرمي الجمعية بدس الدسائس وقد علم الناس صراحة الجمعية في جميع مواقفها والجمعية التي يلقي رئيسها باسمها تلك الخطبة المشهورة في حفلة النادي بالجمعية في جمع حاشد من جميع الطبقات لا يتصور عاقل أن يكون الدس من خلقها.

стр. 1118

ثم يرميها بنصب الحيل لجلب الأموال وقد علم الناس ضبط حساب الجمعية الدقيق بما يتلوه في اجتماعاتها العمومية أمين ماليتها وينشره على الناس. ثم يرميها بنشر الشحناء، وكيف هذا وكلمات الجمعية التي كانت وفودها تلقيها على الناس وتلقنهم إياها هي: تعلموا، تحابوا، تسامحوا. وإذا كانت هذه الكلمات تثير الشحناء والعداوة في القلوب المريضة التي لم تألف سماع هذه الكلمات ولم تخلق للاتصاف بها فماذا تملك الجمعية لها. ثم يقول عن الجمعية: "خالطت الطوائف الانتخابية"، وماذا يعني هذا الجاهل بالطوائف الانتخابية؟ ولو كانت في الأمة طوائف انتخابية تسير على برامج منظمة لما كان مثله نائبا يهذي هذا الهذيان! لكن لعله يعني شخصا أو شخصين من النواب العماليين الذين أنطقهم شرفهم وغيرتهم بما يعلمونه عن الجمعية من خدمة الحق والخير، وهؤلاء لم يكن بينهم وبين بعض رجال الجمعية إلاَّ معرفة شخصية ليست أكثر من المعرفة الشخصية التي بين هذا النائب الجهول وبين بعض رجال الجمعية الذين في قسمه. والجمعية نفسها لا خلطة لها، لا بهذا ولا بذالك، ثم كان ماذا لو أن الجمعية اعتمدت على أهل الصدق والشرف والغيرة لترد بهم كيد مثلك يا مسكين؟ فينكر على جمعية سلمية أن تتقوى بالأحرار الصادقين- والنواحي القوية لا تتنزه عن التقوي عند الحاجة بالعبيد الكاذبين؟ إلا أن الجمعية جمعية علم وتهذيب، فهي تتأيد بأهل العلم والتهذيب، جزائريين وفرنسيين، مسلمين وغير مسلمين، وتمقت وتتبرأ من الجهل والوحشية من أي ملة وجنس. ثم يرمي الجمعية بأنها تنشر المذهب الوهابي، أفتعد الدعوة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وطرح البدع والضلالات

стр. 1119

واجتناب المرديات والمهلكات نشرا للوهابية، أم نشر العلم والتهذيب وحرية الضمير وإجلال العقل واستعمال الفكر واستخدام الجوارح- نشر للوهابية؟ - إذاً فالعالم المتمدن كله وهابي! فأئمة الإسلام كلهم وهابيون؟ ما ضرنا إذا دعونا إلى ما دعا إليه جميع أئمة الإسلام وقام عليه نظام التمدن في الأمم أن سمانا الجاهلون المتحاملون بما يشاءون فنحن إن -شاء الله- فوق ما يظنون، والله وراء ما يكيد الظالمون. ثم يقول: "إننا مالكيون" ومن ينازع في هذا وما يقرىء علماء الجمعية إلاَّ فقه مالك، ويا ليت الناس كانوا مالكية حقيقية إذاً لطرحوا كل بدعة وضلالة، فقد كان مالك- ﵀ كثيرا ما ينشد: وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع ثم يقول: "إن الأمة الإسلامية منذ قرن وهي متمتعة بحريتها ودينها وعاكفة على دروس علمائها"، ونحن نريد في هذا القرن الثاني أن تزداد تمتعا بحريتها وانتفاعا بفقه دينها واتساعا في دائرة علمها على سنة التطور والرقي والتدريج، فثارت ثائرة هذا الجاهل ومن وراءة ومن كان في الجهل والشر مثله يحاولون إثارة الفتنة، والله يطفئها، ويكيدون للجمعية والله يحفظها، ويكذبون على الجمعية والله يظهر نزاهتها، حتى فضح الله أمرهم وعرفت الأمة أمرهم وعرفت الأمة دخيلتهم وأصبحوا كلهم في غضب من الله وسخط من الناس، والله لا يهدي كيد الخائنين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين (١). عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس

стр. 1120

حول تصريحات الوالي العام لمكاتب "البتي باريزيان" ــ نشرنا في العدد الحادي عشر نص هذه التصريحات ونشرنا احتجاج مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عليها. ثم رأينا من واجب جريدة الجمعية أن تقوم بواجبها في التعليق على تلك التصريحات ومناقشتها، فإن لتلك التصريحات من القيمة بقدر ما لجناب المصَرِّح بها من المنزلة ولا نكون قدرنا تلك القيمة وعرفنا تلك المنزلة إذا نحن سكتنا عنها. قال جناب الوالي العام: "إن الحوادث الدينية التي حدثت أخيرا كان المتسبب في وقوعها أو على الأقل المستغل لما نشأ عنها من منافع سياسية أناس ليست لهم عقيدة راسخة ومنهم فريق لا ديني وأكثرهم غير عاملين بما أتى به الدين". فقد قرر الحقيقة لما جعل الحوادث دينية، فمثار كل ما كان هو تدخل الإدارة في شؤون الدين تدخلا شاذا مخالفا للدين نفسه ولقانون فصل الديانة عن الحكومة، وأما المتسبب في وقوع ذلك فهو عامل عمالة الجزائر بقراره المشؤوم المشهور ثم تقرير الإدارة العليا لذلك القرار وإبايتها من سماع من قصد اتهامها من نواب العاصمة بعد إبايتها من مقابلتهم إلاَّ من وراء وراء. ولا شك أن شعور جنابه بهذه الحقيقة جعله يقول: "أو على الأقل المستغل لما نشأ عنها من منافع سياسية" وأية منافع جناها نواب العاصمة من تلك الحوادث أكثر من أنهم قاموا بما تفرضه عليهم النيابة، فإذا كان من يقرم بواجبه يرمى

стр. 1121

بأنه يستغل ذلك الواجب فلا عار من هذا ولا مسبة فيه، وحسبنا من كل من نيط بعهدته واجب أن يقوم به، ولا حق لنا أن نقول له غير أحسنت لقيامك بواجبك. وصف جنابه الذين قاموا بواجبهم بأنهم: "أناس ليست لهم عقيدة راسخة، ومنهم فريق لا ديني وأكثرهم غير عاملين بما أتى به القرآن" أفنسي جنابه الآلاف المؤلفة من العامة الجزائرية المسلمة التي أظهرت استياءها بما قالت وبما فعلت وبما كتبت، وهي الأمة دينية مست في أمر ديني بحت فقامت محتجة مستنكرة، فلو لم يقم هؤلاء الذين وصفهم جنابه بما وصفهم به لكان قيام تلك الآلاف كافيا، وأنا لا أحب أن أناقش جنابه في منزلة أولئك النواب من الدين وحسبي منهم أنهم مسلمون يعيشون عيشة المسلمين ويحملون شعارهم ويألمون آلامهم ويحملون عبء القوانين الاستثنائية مثلهم لا غير، إنني أذكر جنابه في الحقيقة النفسية وهي أن العقيدة الموروثة لا بد أن تثور بصاحبها للدفاع عنها عند مسها، خصوصا إذا كان وسط المشاركين له فيها تؤثر العقيدة في صاحبها هذا التأثير للدفاع عنها عند الشدة، وإن لم تؤثر فيه ما تقتضيه من إعانة وقت الرخاء، فأولئك النواب وإن لم يقوموا بجميع ما تقتضيه العقيدة- نزولا عند قول جنابه- فإنهم ما اندفعوا- زيادة على القيام بالواجب- للعمل إلا بها. ثم تصدى جنابه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: "وهؤلاء السياسيون تمكنوا من صد العلماء عن أعمالهم الطبيعية ومن إدخالهم في ميدان عمل خارج عن دائرة التعليم والتهذيب القرآني" لا بل الذي صد العلماء عن أعمالهم الطبيعية وعن التعليم والتهذيب القرآني هو السلطة التي أوصدت المساجد في وجه وعظهم وإرشادهم وحالت بينهم وبين عامة إخوانهم، وأغلقت كثيرا من المكاتب الابتدائية العربية التي يقوم بالتعليم بها في جهات عديدة أفراد منهم، وأمسكت عن

стр. 1122

إعطاء الرخص بفتح المكاتب، هذا هو الذي صد العلماء عن القيام بواجبهم، وأما السياسيون فإنهم ما حاولوا إدخال العلماء في السياسة وما كان العلماء- وقد نصبوا أنفسهم لشيء- أن يتداخلوا في شيء آخر، وقد أوقفوا وفودهم العلمية في الصائفة الماضية عن التنقل في جهات القطر تجنبا لكل رمي بالباطل ومع ذلك لم يسلموا- مع الأسف- من مثل هذا القيل. وبعد فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد، والسير في خط مستقيم. وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للانسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقدنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها وأن نبلغ من نفوسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة "إنك مظلومة في حقوقك وإنني أريد إيصالك إليها" يجد منها ما لا يجده من يقول لها: "إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك" فذلك تلبيه كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبينا وإننا فيما اخترناه- بإذن الله- لماضون وعليه متوكلون. ثم ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة؟ فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى؟ وهل كانت الأكاديمية الفرنسية خالية من آثار الوزير القسيس رشليو؟ أفيجوز الشيء ويحسن إذا كان من هنالك ويحرم

стр. 1123

وقبح إذا كان من هنا؟ ... كلا لا عيب ولا ملامة وإنما لكل امرىء ما اختار ويمدح ويذم على حسب سلوكه في اختياره. أما قول جنابه: "وإن غالب هؤلاء العلماء تعلموا في مساجد القاهرة، حيث الإسلام لا تدرس مبادئه وتعاليمه الدينية فقط" فهو مخالف للواقع فإن العلماء الذين يعنيهم جنابه لم يتعلم واحد منهم في مصر والشخص الوحيد الذي تعلم في القاهرة وكان معهم قد انقلب انقلابا قبيحا وهو مرضي عنه تمام الرضا. فالمسألة مسألة جمود وتفكير ونهوض مع الناهضين وموت مع الأموات ليست مسألة القاهرة ولا غيرها، وليس بصحيح أن مساجد القاهرة يدرس فيها ما ليس من الدين وما دروسها ودروس جامع الزيتونة وجامع القرويين ودروسنا بقسنطينة إلا واحدة كلها ترمي إلى المحافظة على علوم الإسلام والعربية ونشر العلم والتهذيب بين طبقات الناس وما هذا إلا أصل المدنية التي تدعو إليها الأمم الراقية في هذا العصر. وكان جنابه أراد أن يخفف من عبء مسؤولية منع العلماء من إلقاء الوعظ والإرشاد في بيوت الله التي ما أسست إلا لذكر الله فقال: "وعلى كل حال فإننا لم نمنعهم من الكلام في الأماكن المدنية أو الدينية غير الدولية" ونحن نحتفظ بهذا التصريح بعدم المنع مما ذكر، ثم قال: إن الأماكن الدينية التي سماها جنابه دولية هي المساجد الإسلامية العامة التي يأتيها الناس المقصود تهذيبهم وإرشادهم وهي التي تناسبها دروس العلماء الدينية ومواعظهم، فأما الأماكن المدنية فليست مما يناسبهم ولا مما أعد لهم وأما الأماكن الدينية غير الدولية - ويعني المساجد الخاصة- فهذه على قلتها لا تكفي عموم الناس، فالحق أن منع العلماء من المساجد العامة منع لهم من القيام بمهمتهم الدينية

стр. 1124

على أتم وجوه المنع الذي لا يخففه وجه من وجوه الاعتذار. هذا وإننا مع كل احترامنا لجنابه ما نزال نكرر احتجاجنا على منعنا من المساجد وكل ما نرمى به عن غير تبصر غير آيسين من إتيان يوم تتجلى فيه العدالة لجمعية دينية علمية تهذيبية تعمل لخير الجميع. عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الرئيس: عبد الحميد بن باديس

стр. 1125

في الشمال الأفريقي: سياسة وخز الدبابيس ــ لا ننكر أننا من المعجبين بالآداب الفرنسية، ولا ننكر أننا مع المعجبين فوق ذلك بالصحافة الفرنسية الكبرى، وما لها من بديع نظام، ومهرة أقلام، وجرأة وإقدام، لهذا يؤلمنا ويزعجنا ويملأ أنفسنا حسرة وإشفاقا أن نرى الآداب الفرنسية وأن نرى الصحافة الفرنسية الكبرى تنحط أحيانا إلى دركة الهذر واللغو والسخافة، وتنغمس في حمأة التعصب الممقوت المظلم فتنكر على غيرها ما تستحسنه لنفسها، وتعتبر الفضيلة عندها رذيلة عند غيرها. ثم تلجأ فوق كل ذلك إلى باب الاختلاق والإفك والبهتان فتتهم الأبرياء وهي تعلم أنهم أبرياء، وتقلب الحقائق وهي تعلم أنها تقلب الحقائق، وما ذلك إلا خدمة لغايات انتفاعية، ودفاعا عن مصالح مادية لبعض الهيئات التي تغذي صناديق تلك الصحف الكبرى. وهكذا يقع التدليس والتلبيس على الشعب الفرنسي، فيبقى بفضل صحافته الكبرى المتحاملة عن غرض أو عن استئجار، جاهلا حقيقة ما يجري بالبلاد المرتبطة مع وطنه ارتباطا وثيقا، غالطا في حكمه عليها، غير متصور حقيقة ميولها وعواطفها وآمالها وآلامها. وكلامنا اليوم مع أم الصحف الباريسية الكبرى، العجوز الوقورة جريدة الطان. فقد سولت لها النفس الأمارة بالسوء أن تسود مقالا عن الجزائر والجزائريين بمناسبة الاجتماع الذي عقدته بباريس لجنة البحر المتوسط الجديدة، وهي التي تجمع نواب الوزارات ورجال الحكم في مستعمرات فرنسا وبلاد الحماية والانتداب، ومهمتها النظر
следующие страницы →