بأنه يستغل ذلك الواجب فلا عار من هذا ولا مسبة فيه، وحسبنا من كل من نيط بعهدته واجب أن يقوم به، ولا حق لنا أن نقول له غير أحسنت لقيامك بواجبك.
وصف جنابه الذين قاموا بواجبهم بأنهم: "أناس ليست لهم عقيدة راسخة، ومنهم فريق لا ديني وأكثرهم غير عاملين بما أتى به القرآن" أفنسي جنابه الآلاف المؤلفة من العامة الجزائرية المسلمة التي أظهرت استياءها بما قالت وبما فعلت وبما كتبت، وهي الأمة دينية مست في أمر ديني بحت فقامت محتجة مستنكرة، فلو لم يقم هؤلاء الذين وصفهم جنابه بما وصفهم به لكان قيام تلك الآلاف كافيا، وأنا لا أحب أن أناقش جنابه في منزلة أولئك النواب من الدين وحسبي منهم أنهم مسلمون يعيشون عيشة المسلمين ويحملون شعارهم ويألمون آلامهم ويحملون عبء القوانين الاستثنائية مثلهم لا غير، إنني أذكر جنابه في الحقيقة النفسية وهي أن العقيدة الموروثة لا بد أن تثور بصاحبها للدفاع عنها عند مسها، خصوصا إذا كان وسط المشاركين له فيها تؤثر العقيدة في صاحبها هذا التأثير للدفاع عنها عند الشدة، وإن لم تؤثر فيه ما تقتضيه من إعانة وقت الرخاء، فأولئك النواب وإن لم يقوموا بجميع ما تقتضيه العقيدة- نزولا عند قول جنابه- فإنهم ما اندفعوا- زيادة على القيام بالواجب- للعمل إلا بها.
ثم تصدى جنابه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: "وهؤلاء السياسيون تمكنوا من صد العلماء عن أعمالهم الطبيعية ومن إدخالهم في ميدان عمل خارج عن دائرة التعليم والتهذيب القرآني" لا بل الذي صد العلماء عن أعمالهم الطبيعية وعن التعليم والتهذيب القرآني هو السلطة التي أوصدت المساجد في وجه وعظهم وإرشادهم وحالت بينهم وبين عامة إخوانهم، وأغلقت كثيرا من المكاتب الابتدائية العربية التي يقوم بالتعليم بها في جهات عديدة أفراد منهم، وأمسكت عن
стр. 1122
إعطاء الرخص بفتح المكاتب، هذا هو الذي صد العلماء عن القيام بواجبهم، وأما السياسيون فإنهم ما حاولوا إدخال العلماء في السياسة وما كان العلماء- وقد نصبوا أنفسهم لشيء- أن يتداخلوا في شيء آخر، وقد أوقفوا وفودهم العلمية في الصائفة الماضية عن التنقل في جهات القطر تجنبا لكل رمي بالباطل ومع ذلك لم يسلموا- مع الأسف- من مثل هذا القيل.
وبعد فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد، والسير في خط مستقيم. وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للانسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقدنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها وأن نبلغ من نفوسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة "إنك مظلومة في حقوقك وإنني أريد إيصالك إليها" يجد منها ما لا يجده من يقول لها: "إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك" فذلك تلبيه كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبينا وإننا فيما اخترناه- بإذن الله- لماضون وعليه متوكلون.
ثم ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة؟ فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى؟ وهل كانت الأكاديمية الفرنسية خالية من آثار الوزير القسيس رشليو؟ أفيجوز الشيء ويحسن إذا كان من هنالك ويحرم
стр. 1123
وقبح إذا كان من هنا؟ ... كلا لا عيب ولا ملامة وإنما لكل امرىء ما اختار ويمدح ويذم على حسب سلوكه في اختياره.
أما قول جنابه: "وإن غالب هؤلاء العلماء تعلموا في مساجد القاهرة، حيث الإسلام لا تدرس مبادئه وتعاليمه الدينية فقط" فهو مخالف للواقع فإن العلماء الذين يعنيهم جنابه لم يتعلم واحد منهم في مصر والشخص الوحيد الذي تعلم في القاهرة وكان معهم قد انقلب انقلابا قبيحا وهو مرضي عنه تمام الرضا.
فالمسألة مسألة جمود وتفكير ونهوض مع الناهضين وموت مع الأموات ليست مسألة القاهرة ولا غيرها، وليس بصحيح أن مساجد القاهرة يدرس فيها ما ليس من الدين وما دروسها ودروس جامع الزيتونة وجامع القرويين ودروسنا بقسنطينة إلا واحدة كلها ترمي إلى المحافظة على علوم الإسلام والعربية ونشر العلم والتهذيب بين طبقات الناس وما هذا إلا أصل المدنية التي تدعو إليها الأمم الراقية في هذا العصر.
وكان جنابه أراد أن يخفف من عبء مسؤولية منع العلماء من إلقاء الوعظ والإرشاد في بيوت الله التي ما أسست إلا لذكر الله فقال: "وعلى كل حال فإننا لم نمنعهم من الكلام في الأماكن المدنية أو الدينية غير الدولية" ونحن نحتفظ بهذا التصريح بعدم المنع مما ذكر، ثم قال: إن الأماكن الدينية التي سماها جنابه دولية هي المساجد الإسلامية العامة التي يأتيها الناس المقصود تهذيبهم وإرشادهم وهي التي تناسبها دروس العلماء الدينية ومواعظهم، فأما الأماكن المدنية فليست مما يناسبهم ولا مما أعد لهم وأما الأماكن الدينية غير الدولية - ويعني المساجد الخاصة- فهذه على قلتها لا تكفي عموم الناس، فالحق أن منع العلماء من المساجد العامة منع لهم من القيام بمهمتهم الدينية
стр. 1124
على أتم وجوه المنع الذي لا يخففه وجه من وجوه الاعتذار.
هذا وإننا مع كل احترامنا لجنابه ما نزال نكرر احتجاجنا على منعنا من المساجد وكل ما نرمى به عن غير تبصر غير آيسين من إتيان يوم تتجلى فيه العدالة لجمعية دينية علمية تهذيبية تعمل لخير الجميع.
عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الرئيس: عبد الحميد بن باديس
стр. 1125
في الشمال الأفريقي:
سياسة وخز الدبابيس
ــ
لا ننكر أننا من المعجبين بالآداب الفرنسية، ولا ننكر أننا مع المعجبين فوق ذلك بالصحافة الفرنسية الكبرى، وما لها من بديع نظام، ومهرة أقلام، وجرأة وإقدام، لهذا يؤلمنا ويزعجنا ويملأ أنفسنا حسرة وإشفاقا أن نرى الآداب الفرنسية وأن نرى الصحافة الفرنسية الكبرى تنحط أحيانا إلى دركة الهذر واللغو والسخافة، وتنغمس في حمأة التعصب الممقوت المظلم فتنكر على غيرها ما تستحسنه لنفسها، وتعتبر الفضيلة عندها رذيلة عند غيرها. ثم تلجأ فوق كل ذلك إلى باب الاختلاق والإفك والبهتان فتتهم الأبرياء وهي تعلم أنهم أبرياء، وتقلب الحقائق وهي تعلم أنها تقلب الحقائق، وما ذلك إلا خدمة لغايات انتفاعية، ودفاعا عن مصالح مادية لبعض الهيئات التي تغذي صناديق تلك الصحف الكبرى.
وهكذا يقع التدليس والتلبيس على الشعب الفرنسي، فيبقى بفضل صحافته الكبرى المتحاملة عن غرض أو عن استئجار، جاهلا حقيقة ما يجري بالبلاد المرتبطة مع وطنه ارتباطا وثيقا، غالطا في حكمه عليها، غير متصور حقيقة ميولها وعواطفها وآمالها وآلامها.
وكلامنا اليوم مع أم الصحف الباريسية الكبرى، العجوز الوقورة جريدة الطان. فقد سولت لها النفس الأمارة بالسوء أن تسود مقالا عن الجزائر والجزائريين بمناسبة الاجتماع الذي عقدته بباريس لجنة البحر المتوسط الجديدة، وهي التي تجمع نواب الوزارات ورجال الحكم في مستعمرات فرنسا وبلاد الحماية والانتداب، ومهمتها النظر
стр. 1126
في المشاكل المشتركة التي تهم سياسة فرنسا الاستعمارية لكي تتوحد تلك السياسة وتسير في خطة متماثلة بكل الأقطار التي يخفق على أرضها العلم الذي يقولون أنه يمثل بأحمره وأبيضه وأزرقه الحرية والأخوة والمساواة.
فلتحريش أعضاء هذه اللجنة، ولحملهم على سلوك سياسة الشدة والعنف والجبروت مع الرجال الذين دانوا بطاعة فرنسا ما يزيد عن القرن، وسقطوا في كل ميادين القتال ألوفا مؤلفة حول رايتها، ولأجل غايتها، ولتشويه الحقائق والباس الحوادث غير لباسها الطبيعي، كتبت الطان مقالها المأسوف له والمتحسر عليه، ونشرته في عددها الصادر يوم ٢٠ فيفري السالف.
فهي تقول وأنف الحقيقة راغم: أن المهيجين الذين هدأ فورانهم أثر زيارة مسيو ريني قد عادوا فجأة إلى ميدان الإثارة، ومن الممكن أن يقودوا الأمة إلى فاجعة كفاجعة قسنطينة المؤلمة.
فالدكتور ابن جلول يتهم كي جريدته (الانطانت) الإدارة الفرنسية بأنها تريد أن تغمر الجزائر في ميدان النار والدماء.
ويؤيده في هذا الطريق ابن باديس والطيب العقبي وهما على رأس جمعية العلماء التي لمت في نادي الترقي شمل الذين اتفقوا على نسف نفوذ فرنسا باستعمال شتى الطرق. وفي كل مكان نجد نشاط دعاة المذهب الوهابي وأعوان الجامعة العربية الذين يدينون بفكرة شكيب أرسلان، والذين يتلقون تعاليمه من لوزان على طريق القاهرة. ومن أهم مطالبهم حرية الوعظ في المساجد وحرية التعليم بدون مراقبة.
فمن ناحية يقع الحث على عدم دفع الضرائب. ومن ناحية أخرى تجمع الأموال الطائلة لشراء الديار زعم أنها تستعمل مراكر دينية، وأنها في الحقيقة تستعمل مركزا لتهذيب الناشئة تهذيبا إصلاحيا متعصبا.
стр. 1127
ثم وقع استغلال موت الأمير خالد سليل الأمير عبد القادر، وقد توفي بدمشق فرقدت الدعوة لإقامة صلوات عمومية لاستنزال الرحمة على روحه.
وهنالك الشيوعية وهي لا تستدرج الناس باسم المذهب الشيوعي.
إنما تستدرجهم باسم المصالح المختلفة فتجذب إلى الحزب الشيوعي مستخدمي السكك الحديدية- وبرجال، المراسي والعملة. وجمعية كوكب شمال إفريقيا الشيوعية ترسل أفلاما سينمائية تظهر النظام الشيوعي في أبدع صوره. فناحية قسنطينة وتبسة وهي القريبة لتونس والتي يمكن للدعاة أن يتجولوا بسهولة بينها وبين البلاد التونسية، وناحية تلمسان، وهي مركز التعصب الديني الحاد، هما الناحيتان اللتان تحوم حولهما الريب بشدة واللتان سيدلي مسيو لودو عنهما ببيان أمام اللجنة العليا).
هذا كلام جريدة الطان.
ولقد كنا نمر كراما بهذا اللغو لو أنه صدر من صحيفة صغيرة، أو جريدة لا تمثل طبقة ممتازة من كبار الفرنسيين، أما وقد صدرت هذه الأقوال المستهجنة من صحيفة الطان، فالسكوت عنها يعد خوراً إن لم يعتبر جريمة.
فلنأخذ أقوال الطان من أولها، ولنعمل فيها معول الحقيقة- وللحقيقة معاول هدامة في بعض الأحيان- ولنقل نحن أقوالنا التي تخالف أقوالها على خط مستقيم. ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
نقول نحن أن الهيجان الذي تريد الطان أن تجعله موجوداً الآن بالجزائر، لا وجود له إلا في المخيلة المريضة المخروفة التي أملت ذلك الفصل. نعم هنالك استياء عمومي في طبقة الفلاحين الذين لم يجد أكثرهم من الإعانة الموعود بها إلا ما يجده الصادي في السراب. وهنالك استياء في الرأي العام عن إبطاء الإصلاحات الموعود بها والتي
стр. 1128
أجمعت الأمة على المطالبة بها. وهنلك تذمر عمومي من الحالة الحاضرة سواء من ناحيتها السياسية أو من ناحيتها الدينية والاقتصادية.
إنما الهيجان الذي تصوره الطان كأنه الغول الهاجم لابتلاع الأرواح، إنما الهيجان التي (١) تقول بأنه سيكون من نوع حوادث قسنطينة المؤلمة، فذلك ما نفي (٢) وقوعه بكل قوة وبكل شدة، ولن يكون إلا إذا عملت يد المحرشين الأجانب الأوربيين على إثارته وتهيئة أسبابه، خدمة لأغراضهم الخاصة. والرأي العام الإسلامي لا يتبع كل ناعق، ولا يقدم بسهولة مثل هذه الأعمال إلا إذا استثير وأمعن في استثارته ولم يبق في قوس صبره منزع.
ثم لنتول الدفاع متطوعين عن النواب وهم الأغنياء عن دفاعنا، فمتى كانوا مهيجين أو دعاة للفتنة والاضطراب، وهم الذين بحّت أصواتهم في المناداة بوجوب التآخي والتضامن مع الفرنسيين لأجل الإحراز على نفس الحقوق الفرنسية، بواسطة فرنسا وحدها، ولو بتضحية بعض الشخصية الإسلامية- وهذا ما لا نوافق عليه نحن- وأقوالهم أمام وزير الداخلية، وكتاباتهم كلها على هذا المنوال.
لكن هؤلاء السادة قد ألفوا منذ أمد طويل سياسة البني وي وي (٣) أولئك الذين لم يرتفع لهم صوت ولم تنبس لهم شفة بكلمة في مجال الدفاع عن الحقوق. فإن هم سمعوا كلمة المتذمر وإن هم شاهدوا حركة المستاء، نادوا بالويل والثبور وقالوا أن هذه إلا حركات ضد فرنسا قد نضجت في القلوب وانفجرت بها الصدور.
стр. 1129
ثم ما شأن جمعية العلماء في هذا الأمر؟ - إن سمحت الطان لنفسها بحشر ابن جلول في ميدان التهييج السياسي- وهو بريء منه- فالرجل على كل حال رجل سياسة، ويمكن مصادمته، ويستطيع النضال عن نفسه في هذا المدان. أما جمعية العلماء المسلمين وهي الدينية التهذيبية البحتة، وهي البعيدة كل البعد عن السياسة والسياسيين، وهي التي لا علاقة لها مع الشعب إلا في ميدان الإصلاح المديني والتهذيب الاجتماعي ورفع الأمية عن القوم، فما أسخف الطان وما أسخف ذوي السخائم الذين أملوا على الطان تلك الأقوال في شأنها.
هذه الجمعية جمعية العلماء صحفها منشورة، وأقوالها مأثورة، وأعمالها مشهورة، فليأت هلؤلاء الأفاكون بكلمة أو قول أو فعل يمكن به إتهام الجمعية أو أفراد الجمعية أو القائمين بأمر الجمعية بأنهم يعمدون إلى التهييج أو يعينون على التهييج- هذا إن فرضنا جدلا أن الهيجان موجود.
وإن طالبت الجمعية بإلقاء الوعظ في المساجد، فقدما كانت المساجد مفتوحة في وجه علمائها ودعاتها، وقدماً عقدت الجمعية مجالس الدعوة والإرشاد تحت رعاية ورئاسة رجال الحكومة والبلدية فهل يستطيع أحد من رجال- البوليس أو من رجال البلدية أو الحكومة الادعاء بأن الجمعية قد حادت ولو مرة واحدة في كل حياتها عن سلوك طريق الإرشاد العلمي الديني سواء بالمساجد أو المجتمعات العامة وإشارت على الناس ولو من طرف خفي بتأييد المهيجين وإعانة الهيجان؟
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾!
ثم ما شأن الأمير شاكيب أرسلان، وما شأن الوهابية، وما شأن الجامعة العربية في كل هذا؟
إنهم يعلمون علم اليقين أنه ليس في الحركة الإصلاحية ولا في
стр. 1130
الحركة السياسية في القطر الجزائري، من أصبع خارجي كيفما كان أمره ومهما كان مصدره، ولقد قامت لديهم الأدلة والبراهين على ذلك. وتالله لو أنهم وجدوا برهانا ولو ضعيفا على خلاف ذلك، ولو وجدوا حجة ولو واهية على وجود أي شيء من هذا القبيل، لكانوا قد بطشوا بنا قبل اليوم بطشا، ولكانوا قد محقوا هيأتنا من عالم الوجود، بعد محق أشخاصنا.
لكن ولاة الأمور قد علموا جلية الأمر، وتميز لهم خبيث القول من الطيب، وتأكدوا أن ليس في حركتنا الدينية ولا في الحركة السياسة من يد خارجية. وإننا لنتحداهم تحدي القوي المؤمن بحقه أن يأتونا- حكومة وأفرادا- بما يثبت للناس خلاف هذا. ونكون عندئذ محجوجين ويكون لهم الحق في كل ما يفعلون.
فان لم يفعلوا، ولن يفعلوا، فمثل هذه الأقوال التي لا قيمة لها، والتي لا يقصد بها إلا حشر أسماء مفزعة في ميدان البحث قصد التهويل والتهويش، ليست لها من قيمة أي قيمة، وإنها لتزيد الذي يأتي بها في حديثه سخفا على سخافته، وضعفا على ضعفه.
وقالت الطان: أننا نريد حرية التعليم دون مراقبة. لقد غلطت الطان وغلط الموعزون لها غلطا فاحشا. فنحن نطلب حرية التعليم العربي حقا، إنما نحن نقبل كل مراقبة، فأعمالنا العلمية والتهذيبية تقع علنا في وضح النهار وليس ما نخشاه ولا ما نكتمه. ولو تفضلت الطان وهيأتها الظاهرة والخفية بتعيين مراقب من قبلها للتعليم العربي الحر، لرحبنا به ولحبذنا تعيينه، ولأعقدنا أنه سيكون مقنعا لجريدته بفساد النظرية التي تدافغ عنها اليوم.
أما ما أشارت إليه الطان من أمر ابتياع الديار فإنهأ تقصد به الدار التي ابتاعتها جمعية التربية والتعليم، والتي قامت بفضل جهود
стр. 1131
الأمة وتضحياتها المثمرة. فتالله لو أن كاتب الطان شاهد الأمة وهي تجود بما لديها من مال قليل، وشاهد تلك الدار وما تحتويه، لخجل من نفسه ولندم على قوله ولكفانا مؤونة الرد عليه ... أسست فرنسا في بلادنا وأسست جمعياتها ميات الآلاف من المعاهد والديار التي من هذا القبيل. فقال قائلهم إن الفرنسيين لم يعملوا شيئا مذكورا في هذا الميدان، وطالبوا بالمزيد. ولم يتجاوز ما أسسه الجزائريون أربعة أو خمسة من هذه الديار، فأصبحت هذه الديار متهمة وأصبحت خطرا على المجتمع ونفوذ فرنسا، تؤكد للطان أننا نربد أن نخرج من هذه المعاهد ناشئة مهذبة تعمل جهدها لكي تكون بعيدة عن مثل هذا التعصب الممقوت.
ومن أعجب العجب استشهاد الطان الرصينة- عادة- على صحة أقوالها بالدعوة التي انتشرت في البلاد الجزائرية لإقامة الصلوات العامة أو حفلات الذكرى للأمير خالد ﵀.
فتا الله إن هذا لمؤلم، ومؤلم جد الألم.
إذا سلمنا لصحيفة الطان المرتبطة برجال الدين، أن تستهجن مسلكنا الديني، وإذا سمحنا لكتاب الطان الذين أشبعوا روح الحرية أن يقاوموا مطالبنا في الحرية، وإذا سمحنا للذين يدعون الموت في سبيل تحرير الشعوب أن يقاوموا أحراز هذا الشعب أي حق من حقوقه الضئيلة، إذا سمحنا مكرهين بكل هذا، فكيف نسمح لجريدة أمة أقامت في مختلف بلادها فوق الألف تمثل لتخليد ذكرى عظمائها في ميادين الحرب والسياسة والعلم والفن، أن تقاوم أمتنا عندما رأت أن تقيم- لا التماثيل- إنما صلوات عامة وابتتهال لله أن يتقبل خالد برحمته ورضوانه؟
стр. 1132
حتى الاعتراف بالجميل، وحتى ذكر الموتى يجب أن ننساه لكي يرضى عنا هؤلاء السادة أصحاب المنطق المستقيم.
إسمعوا! إننا لن نرضيكم أبدا وإننا لن نعمل على إرضائكم. إننا لن نخشاكم أبدا ولن نعمل عملا يوقعنا تحت طائلة أيديكم. نحن سائرون على منهاجنا وفي طريقنا. لا يضرنا صراخكم ولا ينفعنا سكوتكم. فقولوا ما شئتم، فلن تنالوا منا منالا ولن نتزعزع عن عقيدتنا. إنما ننصحكم نصيحة خالصة أن لا تعودوا لمثل هذا العمل الممقوت، فسياسة وخز الدبابيس تنتهي غالبا بفقد الشعب لصبره، وإخراج الحليم عن حلمه. وإننا لنسد في أوجهكم هذا الباب إلا أن كسرتموه والأمر بعدئذ لله (١).
стр. 1133
كلمات حكيمة
إنما ينسب للوطن أفراده الذين ربطتهم ذكريات الماضي، ومصالح الحاضر! وآمال المستقبل.
والنسبة للوطن توجب علم تاريخه والقيام بواجباته من نهضة علمية، واقتصادية، وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه، وسمعة نبيه.
فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه (١).
لمنشيء (الشهاب) في جزء جمادي الثانية من سنة ١٣٤٨
стр. 1134
في الشمال الإفريقي:
كلمة صريحة
ــ
حقا إننا نعيش في وسط سادت الفوضى فيه من جميع جهاته، فمن فوضى في الدين إلى فوضى في الأخلاق، إلى فوضى في الاقتصاد. وزادتنا الأيام على كل ذلك فوضى جديدة ربما كانت أخطر الفوضات وأشدها تأثيراً على حياة الأمة وهي فوضى التكلم باسم الأمة.
فما من متكلم في أي مناسبة من المناسبات إلا ورفع عقيرته مدعياً بأنه إنما يمثل الأمة الإسلامية قاطبة في هذه البلاد، وأن الكلمات التي يقولها من عند نفسه إنما هي كلمة الحق وقولها الفصل. ولو أنهم اقتصدوا في القول ولم يلجوا باب الغلو والإسراف، وقالوا إننا نتكلم باسم الفريق الذي انتخبنا، أو باسم الهيئة التي ننتمي إليها، أو باسم الجماعة التي نحن منها أو باسم الذين يشاركوننا في الرأي والتفكير، لكان قولهم أصوب، ورأيهم أصلح، وكلامهم أقرب إلى نفوس السامعين من رجال الحكومة ومن رجال الشعب.
وإننا نتكلم اليوم حول هذا الموضوع إثر ما رأيناه من الحملة التي أجمعت الأمة على مجابهة جريدة الطان بها، وإثر اجتماع اللجنة الوزارية الإسلامية بباريس.
قال البعض من النواب المحليين، ومن الأعيان ومن كبار المتوظفين بهذه البلاد، أن الأمة الإسلامية الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة، لا وطن لها إلا الوطن الفرنسي، ولا غاية لها إلا الاندماج الفعلي التام في فرنسا، ولا أمل لها في تحقيق هذه الرغبة إلا بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة، فتلغي جميع ما يحول دون تحقيق هذا الاندماج
стр. 1135
التام. بل لقد قال أحد النواب النابهين أنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون التاريخ فلم يجد لها من أثر، وفتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر، وأخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح: فرنسا هي أنا! حقا إن كل شيء يرتقي في هذا العالم ويتطور، حتى التصوف فبالأمس كان يقول أحد كبار المتصوفين:
فتشت عليك يا الله ... وجدت روحي أنا الله
واليوم يقول المتصوف في السياسة:
فتشت عليك يا فرانسا ... وجدت روحي أنا فرانسا
فمن ذا الذي يستطيع بعد اليوم أن ينكر قدرة الجزائري العصر على التطور والاختراع؟
إن هؤلاء المتكلمين باسم "المسلمين الجزائريين" والذين يصورون الرأي العام الإسلامي الجزائري بهذه الصور، إنما هم مخطئون يصورون الأمور بغير صورتها ويوشكون أن يوجدوا حفيرا عميقا بين الحقيقة وبين الذي يجب أن يعرفها. فهم في واد والأمة في واد، ويريدون أن يضعوا رجال الإدارة العليا في واد ثالث.
لا يا سادتي! نحن نتكلم باسم قسم عظيم من الأمة، بل ندعي أننا نتكلم باسم أغلبية الأمة فنقول لكم ولكل من يريد أن يسمعنا، ولكل من يجب عليه أن يسمعنا، إن أراد أن يعرف الحقائق ولا يختفي وراء آكام الخيال: نقول لكم إنكم من هذه الناحية لا تمثلوننا ولا تتكلمون باسمنا، ولا تعبرون عن شعورنا وإحساسنا. إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية
стр. 1136
واللغوية. ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمة في الدنيا.
ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية.
ثم إن هذا الوطن الجزائري الإسلامي صديق لفرنسا مخلص، وإخلاصه إخلاص قلبي لا إخلاص ظاهري، يخلص لها إخلاص الصديق لصديقه لا إخلاص التابع لمتبوعه. فهو في حالة السلام والأمن يطلب من فرنسا أن تحترم دينه ولغته، وتمهد له السبيل ليرتقي ضمن دينه ولغته وأخلاقه، وتسبغ عليه نعم الحرية والعدل والمساواة حتى يصبح في رقيه وحريته وسعادته نموذجا للإدارة الفرنسية والتعاون الأهلي الفرنسي، وتستطيع فرنسا أن تفاخر به الذين يتباهون بما علموه في مستعمراتهم الحرة.
أما في حالة الأزمات العالمية، وحين اشتداد الخطب وإذا تكلم الرصاص وارتقت السيوف فوق منابر الرقاب فالمسلم الجزائري يهب كالليث من عرينه، للدفاع عن الأرض الفرنسية كما يدافع عن أرضه الجزائرية وعن حريمه وأطفاله. ولو لم تجنده فرنسا لسار للدفاع عنها متطوعا. ولنا في مختلف الواجهات الحربية الفرنسية عشرات الآلاف من قبور المتطوعين تشهد بهذا.
فنحن الجزائريين المسلمين العائشين في وطننا الجزائري، والمستظلين
стр. 1137
بالعلم الفرنسي المثلث الألوان، والمتحدين مع الفرنسيين اتحاداً متيناً لا تؤثر عليه الحوادث الطفيفة أو الأزمات السطحية، نعيش مع الفرنسيين، عيش الأصدقاء المخلصين، نحترم حكومتهم وقوانينهم ونطيع أوامرهم ونواهيهم، ونريد منهم أن يحترموا ديننا ولغتنا، ويحفظوا كرامتنا، ويأخذوا بأيدينا في طريق النهضة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهكذا نعيش وإياهم أصدقاء مخلصين، وإذا جاءت ساعة الموت في سبيل الدفاع عن الوطن الفرنسي وعن الوطن الجزائري، وجدونا في صفوفهم الأولى لنموت إلى جانبهم موت الأصدقاء المخلصين.
وعلى هذا الأساس، توضع الأمور في مواضعها ويحصل التفاهم ويزول كل التباس.
اللجنة الوزارية:
هذه الفكرة جميلة هي نفسها، فكرة تأليف لجنة من مسلمي الجزائر، يستشيرها رجال الوزارات الفرنسية المختلفة في المسائل التي تهم البلاد الجزائرية، حتى تسير الحكومة الفرنسية في سياستها الجزائرية على هدى وعلى نور الإرشادات الصادقة التي تستمدها من رجال تلك اللجنة.
بل إن تشكيل تلك اللجنة يدلنا دلالة صادقة على رغبة حكومة فرنسا في درس المسائل الإسلامية الجزائرية دراسة عميقة، حتى تتقي في المستقبل الأخطاء التي كانت ترتكب من قبل.
لكن الفكرة إن كانت جميلة في نفسها، فإنها كانت غير موفقة
في تنفيذها، ذلك أن الإدارة العليا لم تلاحظ إلا الفكرة السياسية في انتخاب أعضاء هذه اللجنة وعمدت إلى ذلك الانتخاب بصفة مستعجلة
стр. 1138
فكان أعضاء اللجنة من جراء ذلك لا يستطيعون أن يخوضوا في مختلف المسائل المعروضة عليهم، والتي يتطلب الكثير منها معرفة فنية عميقة.
لقد استلفت أنظارنا أخيرا خوض هذه اللجنة في مسألة "الترشيد" كما كانت من قبل خاضت في شأنها أثناء جلساتها الأولى، وهذه المسألة علمية فقهية بحتة، يجب لحلها تضلع في الفقه وتعمق في دراسة الكتب الدينية والقوانين الدينية المختلفة مما وضع في استامبول والبلاد المصرية وغيرها.
فإلى جانب بعض المستشرقين الذين يحضرون اللجنة والذين لا ننكر عميق اطلاعهم وسعة معلوماتهم، نجد بعض أعيان الباشاغاوات، ولا نطعن فيهم إذا قلنا أنهم ليسوا بأصحاب معلومات فقهية، ونجد بعض الدكاترة وليسوا من أصحاب الموطأ ولا من قراء سحنون، ونجد غيرهم ممن توفرت فيهم بعض شروط سياسية أو اقتصادية، إلا أنهم لا يستطيعون الخوض أي خوض في أي مسألة دينية مهما قل أمرها وصغر شأنها. فهذه المسألة الدينية إذا استثنينا شخص الشيخ ابن الساسي قاضي قسنطينة لا نجد من يستطيع أن يقول فيها كلمة.
ونحن اليوم في ساعة بناء وترميم، ولا نريد أن نترك مثل هذه المسائل مهملة فتعتقد فرنسا أنها عملت ما يجب عمله، ويقول لها بعض المتكلمين "باسم الأمة الإسلامية" إنها قد عملت حقا في هذا الباب ما يجب أن يعمل، في الوقت الذي نعتقد نحن فيه أن ما عملته إنما هو عديم الفائدة وقليل الجدوى.
نرى نحن أن إصلاح هذه اللجنة أمر واجب وسريع، ونرى أنه إصلاح سهل ميسور. فلكي تمثل هذه اللجنة كل طبقات الأمة، ولكي تستطيع الخوض في جميع المشاكل المعروضة على أنظارها، وتقدم للحكومة إرشادات صائبة يمكن أن تكون أساسا لأعمال موفقة، يجب أن تشمل:
стр. 1139
أولا- ثلاثة من كبار العلماء الرسميين تنتخبهم الإدارة من بين رجال القضاء والافتاء بالقطر الجزائري.
ثانيا- ثلاثة من كبار العلماء الغير المتوظفين.
ثالثا- ثلاثة من رجال مجلس النيابات المالية ينتخبهم رفقاؤهم.
رابعا- ثلاثة منتخبون من المجالس العمالية.
خامسا- ثلاثة من كبار المتوظفين الإداريين المسلمين تنتخبهم الحكومة.
سادسا- ثلاثة من الفلاحين والتجار والصناع.
فاللجنة التي تتألف من مثل هؤلاء الرجال، يمكنها أن تتفاوض مع رجال فرنسا في مختلف المسائل والمشاكل الجزائرية، ويمكنها أن تؤلف لجانا فرعية مختصة: لجنة دينية، ولجنة اقتصادية، ولجنة سياسية، ولجنة اجتماعية، الخ- فهذه اللجان التي يباشر أعمالها رجال متخصصون يمكنها أن تدرس المسائل المعروضة عليها دراسة مدققة، ويمكنها أن تنير أفكار الحكومة والوزارات قبل إقدامها على تشريع قوانين تنفذ على الجزائر. وتكون اللجنة كلها أشبه شيء ببرلمان صغير جزائري يعمل إلى جانب حكومة باريس ويكون لها مرشدا ومعينا.
فإصلاح اللجنة، سواء في طريقة عملها أو في طريقة جمع أعضائها، ليس من مصلحة الجزائريين فحسب بل هو في مصلحة الإدارة العليا الفرنسية أكثر من ذلك.
أما بقاء اللجنة على حالها، واستمرارها على خوض الكثير من المسائل دون استعداد وسابق دراسة، فإننا لا نكتم الإدارة العليا أن هذا العمل الذي يستطيع أن يكون مثمرا، قد يصبح موجبا للازدراء
стр. 1140
ولا تكون له من نتيجة إلا خيبة الآمال التي كانت معلقة من الطرفين عليه.
فعسانا نرى من الحكومة التفاتا إلى هذه اللجنة، فتخرجها من دور التكوين إلى دور العمل الصحيح، وتجعلها وسيلة من وسائل التفاهم والعمل المشترك والتعاون الصادق في سبيل المصلحة العامة.
الإضراب التونسي:
هاجت تونس وحق لها أن تهيج، وأضرب طلبة الجامع الأعظم (١) وحق لهم أن يضربوا، وتظاهروا في الطرق العامة، وكان حقا عليهم أن يتظاهروا، فليست الصدمة التي صودم بها طلبة الجامع المعمور والمتخرجون منه بالصدمة الصغيرة، وليس التهديد الذي جرد سيفه الماضي على رؤوسهم بالتهديد الخفيف. فإن النصوص القانونية التي شملها الأمر العلي المتعلق بالوظائف العمومية، يجعل سائر الطبقات الزيتونية إلى نحو الخمسة أعوام أخرى، بعيدة عن الوظائف العمومية ومناصب الإدارة، وكأنما ذلك الأمر العلي قد صدر خصيصا لإقصاء هذه الطبقة التى هي روح الأمة التونسية عن الوظائف العامة وعن الإدارة التونسية كلها.
أرادت هيأة التشريع التونسية المختفية وراء الأوامر العلية، أن يزداد حسن التفاهم بين سائر المتوظفين من فرنسيين وتونسيين، ففرضت على كل راغب وظيفة من التونسيين أن يكون ملما بمبادئ اللغة الفرنسية وكل راغب وظيفة من الفرنسيين أن يكون ملما بمبادئ اللغة العربية، بحيث يستطيع كل منهما أن يقوم بمحادثة بسيطة باللغة الأخرى.
стр. 1141
وقد جاء ما نصه في الأمر المذكور: "لا يمكن لأي متوظف تونسي ما عدا حكام المحاكم الشرعية أن يحرز على تسميته بصفة رسمية إلا إذا أثبت تحصيله على نفس درجة المعارف المذكورة في اللغة الفرنسوية.
فمفهوم هذا الفصل ومنطوقه يدلان على أن لن يستطيع التوظف من خريجي المعهد الزيتوني في أي إدارة تونسية إلا من كان محرزا على مبادئ اللغة الفرنسية، وبما أن القانون المذكور لم يترك أجلا في وجه المتعلمين لتعاطي الدروس الفرنسية، وبما أنه لا يوجد بين أساطين الجامع الأعظم شيوخ يلقنون إلى جانب شرح ميارة وحاشية التاودي مبادئ A. B. C. D.، فإن طلبة الجامع الأعظم رأوا أن جهودهم كلها أصبحت عبثاً، وأن آمالهم جميعا قد انهارت وأنه فيما عدا القضاة ورجال الإفتاء وهم رؤساء المحاكم الشرعية، لا يستطيع أن يتطلب منهم التوظيف أحد.
أضرب الجامع عن تلقي الدروس، ووقعت المظاهرات الهادئة الرصينة فقلبتها أعمال البوليس مظاهرة حادة دامية، وأوصدت المدينة التونسية أبوابها احتجاجا وتضامنا مع طلبة الكلية الزيتونية، فما كان لذلك من أثر عند الإدارة التونسية إلا أمرها بإبعاد فوج جديد من التونسيين إلى برج لوبوف وتقديم جماعة كبيرة إلى المحاكم الفرنسية فنالوا عقابا صارما من السجن والإبعاد. وهكذا استمر مسيو بيروطون على سياسة العنف الفاشستي إلى آخر لحظة من مدة حمكمه بتونس.
أصدرت الحكومة بلاغا تناقض فيه نفسها، وتخفف وطأة قانونها الأخير، فقالت في ذلك البلاغ أن الزيتونيين الذين لا يحسنون الفرنسية قد بقيت أمام وجوههم عدة وظائف يمكنهم التطلع إليها كأعضاء المحاكم الشرعية وأعوانها الإداريين كالعدول المحررين والكتبة والنساخين
стр. 1142
والعدول العموميين وخطط قسم الأمور الشرعية بوزارة العدلية وخطط القسم الأول من الوزارة الكبرى وخطط العمال والكواهي وكافة خطط الجامع الأعظم والشعائر الدينية والأوقاف.
فالأمر العلي يوصد باب التوظف إلا لحكام المحاكم الشرعية، وهذا البلاغ الحكومي يناقضه ويفتح الباب لهذه الخطط، إنما العمل الرسمي لا يقع إلا بناء على الأوامر، ولا اعتبار للبلاغات فيه.
فحركة الإضراب في المسجد المعمور لا تزال جارية إلى أن يصدر أمر جديد يزبل عن الأنفس الحيرة والارتباك، والهيجان لا يزال مستوليا على أنفس كل التونسيين من جراء هذه الضربة الصارمة، والجيش العرمرم من رجال تونس وخير شبانها لا يزال يتضاعف عدده في المنفى ببرج لوبوف حيث الآلام والأسقام، والصحافة التونسية المغلولة اليد لا تتجاسر على قول كلمة أو إبداء إشارة إلا تلميحا أو من طرف خفي، وما تجاسر البعض منها على طلب إرجاع المبعدين إلا عندما تحققت نقلة بيروطون من تونس. والأفواه مكممة بحيث لا يستطيع الإنسان أن يفتح فمه بانتقاد أو ملاحظة خشية أن ينتزع في منتصف الليل من بين أهله وذويه ويسار به إلى برج لوبوف. والاستياء العام سائد بين سائر الطبقات كالنار تحت الرماد. هذه هي حقيقة الحالة بتونس كما تركها مسيو بيروطون عندما أمرت الحكومة بنقله إلى المغرب الأقصى ليمثلها هنالك بدل مسيو بونسو الذي أخفق في إدارة السلطنة المغربية.
وإننا لنتمنى أن يسلك مسيو فيون المقيم الجديد بتونس سياسة اللين والتسامح فيعيد إلى الأنفس اطمئنانها، ويرتق ما فتقه سلفه، معتمدا على المفاهمة والمشاركة الصادقة.
стр. 1143
حول كلمتنا الصريحة
لقد أحدثت الكلمة الصريحة التي نشرناها بالعدد الاسبق من الشهاب أثرها المطلوب، وكان لها الدوي العظيم الذي كنا نتوقعه لها. فتلك كانت أول مرة فيما نعلم، جوبهت فيها الحكومة وجوبه فيها رجال السياسة بحقيقة ناصحة، هي عين الحقيقة التي تعتقدها الأمة، وفيها بيان لعواطف وإحساس وشعور الأغلبية المطلقة من سكان هذا الوطن الجزائري.
فأما الذين طهرت سريرتهم وخلصت نيتهم، فقد حبذوا خطتنا وشكروا لنا صراحتنا، وحمدوا لنا هذا الموقف الذي وقفناه ضد محاولات التجنيس الخائبة، ومحاولات هدم القومية واللغة والدين المجرمة، إذ بينا في جلاء ووضوح أننا مع احترامنا للسلطة الفرنسية، وإطاعتنا لقوانين الجمهورية، نريد ونستطيع أن نحافظ على ذاتيتنا الخاصة، وما فيها من مميزات اللغة والدين والإخلاص والثقافة ولا نريد بأي حال من الأحوال ولا نستطيع أن ننسلخ طوعا واختيارا أو كرها وجبرا على تلك الذاتية، وما فيها من مميزات، وما لها من حقوق.
وأما الذين في قلوبهم مرض، والذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وأنكروا ما لهذه الأمة من مجد، وما لها من تاريخ، وما لها من روابط تجعل منها أمة متحدة ومتجانسة لها من الاتحاد والتجانس ما لأكثر الأمم تجانسا واتحادا في كل بلاد الأرض فأولئك قوم فزعوا من مقالنا كما تفزع الخفافيش عندما ينبثق نور الفجر، ومنهم من انتقد ومنهم من رد، ومنهم من أفحش وأقذع، وأن إلى الأمة التي أنكروها إيابهم، وأن عليها- مهما تجاهلوها- حسابهم.
стр. 1144
إن كلمتنا الصريحة قد وضعت الكثير من الرجال على المحك، فمنهم من ظهرت نفسه من در مكنون، ومنهم من انطوت جوانبه على حمأ مسنون.
وإنا لنشهد أن من أكمل الرجال الذين رأينا فيهم بهذه المناسبة، الهمة الحالية، وشرف النفس، وطهارة الضمير، الأستاذ فرحات عباس الصيدلي، والعضو البلدي والعمالي بسطيف.
كان هذا الرجل الأبي من أهدافنا في مقالنا (كلمة صريحة) وهو الذي آخذناه عن مقاله (فرنسا هي أنا) وقلنا له ولمن معه إنكم عندما تسمعون لسياسة الاندماج، وتحبذون التجنيس، وترضون ضياع حقوقنا الإسلامية مقابل حق الانتخاب، وتريدون- خلافا للطبيعة- أن يصير جمهور المسلمين بهذه البلاد جمهورا فرنسيا بحتا، لا يختلف عن الجماهير الفرنسية في شيء، إنكم عندما تسعون وتحبذون هذا لا تمثلوننا ولا تتكلمون باسمنا، وإنكم في واد والأمة في واد آخر.
فالسيد فرحات عباس، لم يتألم ولم يتكدر، وسلك مسلك كبار رجال السياسة الذين يحبذون النقد وينصاعون لكلمة الحق، فزار إدارة الشهاب، وأكد لها تقديره لجهودها، وجرت له مع صاحب الشهاب محادثة دلت على سمو أدبه وعلو كعبه في عالم السياسة والتفكير.
ثم نشر مقالا في جريدة (لا ديفانس) (١) الصادقة الثابتة الجسورة، يبين فيه نظريته، ويشرح فيه فكرته الاجتماعية التي بنى عليها سلوكه السياسي، وسيجد قراؤنا تعريب هذا المقال إثر فصلنا هذا.
ولقد تولت بعض الدوائر مهاجمتنا، مستترة وراء جريدة النجاح، ووراء ورقة تدعى (صدى الصحافة الإسلامية)، ولقد كنا ننتظر من تلك الدوائر التي هاجمتنا، مناقشة هادئة تتناسب مع وقارها، وكنا
стр. 1145
ننتظر منها نضالا بأسلحة حادة، لكن خاب أملنا في الأمرين. فالمناقشة كانت صبيانية الشكل والموضوع، والأسلحة كانت عتيقة مفلولة أبلتها كثرة الاستعمال.
فأما السلاح الذي استعمل ضدنا في النجاح فهو أسئلة وضعها رجل كبير، وأمضاها رجل صغير وقد حسب الذين قدموا لنا هذه الأسئلة أنهم يحرجوننا بوضع البحث فوق ميدان الاستقلال، كأننا قد رفعنا علم العصيان، ونادينا بفصل الجزائر عن فرنسا من الآن.
فهو يسألنا أولا: متى كانت حدود الجزائر على ما هي عليه الآن؟ وإننا نجيبه لنفرض أن حدود الجزائر لم ترسم على صفتها الحالية شرقا وغربا إلا منذ نحو مائة عام، فهل له أن يجيبنا متى كانت حدود فرنسا وألمانيا وإيطالبا والنمسا والمجر ورومانيا ويوغوسلافيا واليونان وبلغاريا كما هي الآن؟ وهل لم تتغير المرات العديدة خلال هذه المائة عام؟
ثم يسألنا: متى كانت بلاد الجزائر مستقلة؟ ونحن نقول له: إن ضربنا صفحا عن الدول الإسلامية المستقلة التي نشأت وازدهرت بالقطر الجزائري، وسلمنا بأن القطر الجزائري بصفته الحالية لم يكن مستقلا في وقت من الأوقات، فهل لحضرة السائل أن يجيبنا: متى كانت دولة تشيكوسلوفاكيا مستقلة؟ وإلى أي عهد يرجع استقلالها؟
ويسألنا أخيرا، ما هي وحدة اللغة التي تكلمنا عنها في كلمتنا الصريحة، فهل هي اللغة العربية، والحال ليس كذلك، كما يقول، أم ماذا؟
فهل نستطيع أن نجيبه بأن لغة هذا الوطن ليست عربية بدليل أن جريدة النجاح تنشر بلغة الصين، وأن الجريدة الرسمية الحكومية تنشر إلى جانب نسختها الفرنسية نسخة بلغة النبط والكلدانيين؟ أم نقول له أن الواقع يثبت بأنه لا يوجد في أرض الجزائر إلا واحد في المائة
стр. 1146
فقط من السكان المسلمين لا يتكلم العربية. ثم نسأله: هل لا توجد في فرنسا إلى جانب اللغة الرسمية الفرنسية لغات أخرى ذات آداب ولها صحف سيارة ويتكلمها الملايين من الناس، وخاصة بالألزاس، وبجهات الفلاندر، وببلاد ابروتانيا التي يقوم أهلها بحملة تكاد تكون ثورية لإجبار الحكومة على تعليم لغتهم بالمدارس، وببلاد البروفانس، وضواحي مرسيليا، وبجزيرة كورسيكا؟
وهل توجد وحدة اللغة، كما توجد بالقطر الجزائري، في رومانيا، ويوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا إن لم نتكلم إلا عن هذه البلاد؟
وأما السلاح الذي استعمل ضدنا بصدى الصحافة الأهلية، والذي خرج من معمل جريدة الهك القديمة وكتب بأقلام محرريها، ونحن لا نشرِّفهم بذكر اسمهم، احهتقارا لا جهلا، فهو ذلك الشتم البذيء الرقيع، سلاح الأسافل العاجزين، فصاحب الشهاب عند أولئك السادة: أحمق. مجنون، أخرق، جاهل غبي، مجرم، وهو بوحماره الخارجي الذي أثار إفريقيا قصد تأسيس دولة فوق الخرائب، ولم يتورع الكاتب شلت يمينه عن نبش قبر عبد المؤمن بن علي قدس الله روحه، لتبشيع سياسته والحط بكرامته.
ثم يصف ذلك الكاتب الأمة الجزائرية بكل أوصاف الجهل والفوضى، والتهديم والتخريب، حتى ليكاد الإنسان يعتقد أن ذلك الرجل الذي استؤجر لينال منا، إنما استؤجر لكي يقول للناس في العالم أجمع: أنطروا كيف أصبحت حالة المسلمين الجزائريين بعد أن حكمت فرنسا بلادهم نيفاً ومائة من السنين!
ولو كنا نستطيع أن ننحطَّ إلى تلك الدركة السافلة، ونجاري أولئك المحررين- في أسلوبهم لقلنا لهم إنهم أنذال، سفهاء ليس لهم ضمير، ولا يعرفون شهامة ولا كرامة. لكننا لا نقول لهم هذا، ولا
стр. 1147
نوجه لهم أمثال هذا الكلام، فلنا من آدابنا الإسلامية، ولنا مع شهامتنا العربية ما يمنعنا عن الانغماس في مستنقهم النتن.
فدعهم هم والذين يملون عليهم تلك السخافات الرقيعة، يقفون أمام الرأي العام بهذه البلاد، ولننظر كيف يكون حكمه عليهم قاسيا أليما.
إننا أكدنا في (الكلمة الصريحة) رغبتنا في الاحتفاظ بكياننا العربي الإسلامي، فوق أرض هي أرض آبائنا وأجدادنا، مع أحترامنا التام للسلطة وخضوعنا لقوانين البلاد.
لكن خصومنا، كما قلنا آنفا، أرادوا أن يفهموا من كلامنا أننا نريد الاستقلال ورأوا أنهم يحرجوننا إذا وضعوا البحث على بساط الاستقلال. حتى إذا زل بنا القدم فوق هذا البساط الأملس استنزلوا علينا نقمة الحكومة وطلبوا أن نعامل معاملة الثائرين المهيجين، وأن نذهب (١) ضحية قوانين روني وما سبقها.
لكن خابت آمالهم، فنحن قوم لا نتأخر عن الخوض في مثل هذه الميادين، وأنهم لا يزعجوننا أن جرونا للبحث في مسألة الاستقلال.
إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا. وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد. فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أنها تزداد تقلبا مع التاريخ. وليس من العسير بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية عامة والفرنسية خاصة، وتسلك فرنسا مع الجزائر مسلك
стр. 1148
إنكلترا مع أستراليا وكندا واتحاد جنوب إفريقيا، وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة إستقلالا واسعا، تعتمد عليها فرنسا إعتماد الحر على الحر.
هذا هو الاستقلال الذي نتصوره- لا الاستقلال الذي يتصوره خصومنا المجرمون، إستقلال النار والدماء- وهذا هو الاستقلال الذي نستطيع أن نحرز عليه مع الوقت، وبإعانة فرنسا وبإرادتها. وإننا لا نخشاه ولا نخشى البحث فيه.
إنتهاء الأزمة التونسية:
تمت الحوادث ببلاد الخضراء على النمط الذي توقعناه في العدد السالف، فإن مسيو فيون المقيم العام الجديد قد افتتح سياسته، كما افتتحها من قبل لوسيان سان ومانصرون وبيروطون، بالركون إلى جانب الاعتدال، والوعد بسلوك طريق المشاركة الصادقة وإجابة رغائب التونسيين المعقولة.
فأول عمل تم إجراؤه هو إرضاء طلبة الجامع الأعظم المعمور، بأن أجيبت طلباتهم المتعلقة بمسألة تعلم اللغة الفرنسية، فوقع العفو على الذين نالهم العقاب الصارم منهم سواء بالسجن أو بالتغريب ثم جمع المقيم العام لجنة قررت من جهة تأخير العمل بذلك الأمر إلى شهر مارس من سنة ١٩٤٣، ثم قررت من جهة أخرى استثناء الكثير من الأعمال الإدارية والقضائية من ذلك الأمر القاضي بوجوب تعلم مبادئ اللغة الفرنسية لإجراء محادثات بسيطة عادية بها.
وهذه الوظائف المستثناة هي: الحكام الشرعيون ورؤساء كتبة المحاكم الشرعية وكتبة المحاكم الشرعية ومستكتبو المحاكم الشرعية والكتبة والنساخون باللغة العربية بالمجالس المذكورة والمنشئون والكتبة والمستكتبون والنساخون باللغة العربية بالقسم الأول من
стр. 1149
الوزارة الكبرى وبالإدارة المركزية للعدلية التونسية والمدرسون التونسيون بالمدرسة الصادقية ومدرسو القسم الإسلامي من مدرسة ترشيح المعلمين ومؤدبو المكاتب الابتدائية. كما يخرج من هذا القيد أيضا رغم كونهم لا ينسحب عليهم هذا القانون العمال والكواهي والخلفاء والمشائخ وكتبة الأعمال والمدرسون وسائر متوظفي الجامع الأعظم دام عمرانه وأرباب الشعائر ومتوظفو جمعية الأوقاف والعدل والمنشؤون بالشرع العزيز. وبعد ذلك وقع الالتفات إلى الناحية السياسية، فأمر مسيو فيون بحذف "جهنم الدنيا" برج لوبوف من قائمة الأماكن التي يمكن إبعاد التونسيين إليها ثم أمر بإرجاع ٦٢ من المبعدين السياسيين إلى أهلهم وذويهم، بعد أن ذاقوا من العذاب الأليم وتجرعوا من كؤوس البأساء والضراء ما لم نسمع بمثله إلا في تاريخ محاكم التفتيش.
ولقد بقى الزعماء الثمانية أحرارا بمراقبتي قابس وجربة، إلى أن يتفاوض معهم المقيم العام مفاوضة رجل لرجل: وهم السادة: الدكتور محمود الماطري، والأساتذة محيي الدين القليبي، والطاهر صفر، والبحري قيقة، وصالح بن يوسف، والحبيب بورقيبة، ومحمد بوزويته.
وأثناء رحلة القيم إلى الجنوب، تقابل مع الثمانية الزعماء، ووقمت ينه وبينهم مفاوضة طويلة، نشر بعدها القيم بلاغا رسميا جاء فيه:
أن المقيم أكد لهم بأنه لا يريد أن يرى في المستقبل سياسة هيجان، إذ هو عازم على تنفيذ سياسة الحماية بحذافيرها، باحترام حقوق الدولة الحامية وحقوق سمو الباي، وأنه يريد التعاون الصادق من الجميع حول هذه السياسة، وأجابوه بلسان الدكتور الماطري أنهم لن يسلكوا أبدا سياسة الهيجان، وأنهم لم يهاجموا مبدأ الحماية بل
стр. 1150
قصارى مطلبهم الإحراز على الحقوق التي يطلبها التونسيون داخل منطقة النظام الحاضر. ثم أكدُوا للمقيم أنه يستطيع أن يثق بكلامهم وأنه لن يندم على ثقته بهم.
هذه خلاصة بلاغ السفير، ونحن نعتقد وإن لم تأتنا الأنباء بعد، بأن المبعدين الثمانية قد رجعوا إلى بلادهم، واسترجعوا حريتهم بعد طول البعاد، وأن تونس ستفتح عصراً جديداً من العمل الهاديء المثمر، خاصة وأن اها في الواجهة الشعبية الفرنسية أصدقاء سيبرهنون على صداقتهم لها، فلعل الدستور والمجلس التشريعي وتحديد العلائق بين الإدارتين تكون من نتائج هذا الدور الذي نرجو أن يكون موفقاً سعيداً.
стр. 1151
حقوق الأمة الجزائرية (١)
التي تطلبها من الأمة الفرنسوية
ــ
مقدمة:
إن الأمة الجزائرية قد شاركت الأمة الفرنسوية في مواقف الموت فمن الحق والعدل أن تساويها في مواقف الحياة.
إن الحياة تشترى بالأرواح والأبدان والأمة الجزائرية قد بذلت أرواحها وأبدانها مع الأمة الفرنسوية ومثلها، ومن دفع الثمن فمن الحق والعدل أن يأخذ الثمن.
إن الأمة الجزائرية سمعت في أيام الشدة ومواطن البأس من الأمة الفرنسية أنهما يستويان في السلم كما تساويا في الحرب. فأما الذين ماتوا في تلك الأيام فقد ماتوا وقلوبهم تنعم بذلك الأمل المعسول وأما الذين بقوا فبقيت قلوبهم تتجرع الخيبة بعد الخيبة وتنطوي على الألم بعد الألم.
إن الأمة الفرنسوية لا تستغني عن الأمة الجزائرية كما لا تستغني الأمة الجزائرية عنها فمن الخير لهما معا أن لا تشعر واحدة منهما من ناحية الأخرى بنقص في الود أو ظلم في الحقوق.
وعلى هذا بنينا ما نقدم من الحقوق التالية طالبين من الأمة الفرنسية وخصوصا من الحكومة الشعبية الجديدة التي تمثل الشعب الفرنسوي والمبادئ الجمهورية أصدق تمثيل باسم الحق والعدل تنجيزه.
стр. 1152
الأوضاع والمعاملات الخاصة:
لا تتحقق المساواة المطلوبة إلا برفع جميع الأوضاع الخاصة مثل المتصرفيات ومجالس (الكريمينال) والمعاملات الخاصة، بل الأنديجينة وأعطيات الجندية وزيادة مدة الخدمة العسكرية، والبرنامج الخاص بالتعليم في المكاتب الابتدائية وغيرها وحرمان عمال الجزائر من كثير مما يتمتع به العمال الفرنساويون.
النيابات:
لا يمكن للأمة الجزائرية أن تنال حقها من الحياة على الأرض الجزائرية ما دامت لا تمثلها في جميع المجالس الإقليمية فأول مطلب في النيابة هو تسوية نواب الجزائريين بنواب الفرنساويين في جميع المجالس ثم مطلب توحيد النيابة البرلمانية بكلا المجلسين بحيث يشارك في انتخاب النواب البرلمانيين مشاركة فعلية جميع سكان الجزائر على اختلاف أجناسهم وعقائدهم مع بقاء المسلمين على جميع ذاتياتهم الإسلامية.
(هذا التصدير قدمه الأستاذ للمؤتمر باسمه الخصوصي على أنه رأى من الآراء يضم إلى نظائره وبعد هذا بين في إيجاز بليغ مطالب جمعية العلماء وقدمها باسمها وهي (١)).
اللغة العربية:
تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية وتكتب بها، مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية وتعامل صحافتنا مثل الصحافة الفرنسية وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية.
стр. 1153
الدين:
١ - المساجد:
تسلم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها، وتتولى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة.
٢ - التعليم الديني:
تؤسس كلية لتعليم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرسين ومؤذنين وقيمين وغيرهم.
٣ - القضاء:
لا ينظم (١) القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرج منها رجال القضاء، منها تدريس تلك المجلة، والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها (٢).
стр. 1154
نص المطالب التي قدمها لمكتب المؤتمر
رئيس جمعية العلماء خاصة بالدين واللغة العربية
ــ
اللغة العربية:
تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية وتكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية.
الديانة:
١ - المساجد:
تسلم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها وتتولى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة.
٢ - التعليم الديني:
تؤسس كلية لعلوم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرسين ومؤذنين وقيمين وغيرهم.
٣ - القضاء:
ينظم القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرج منها رجال المحاكم
стр. 1155
- منها تدريس تلك المجلة- والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها.
عبد الحميد بن باديس
стр. 1156
المؤتمر الجزائري الإسلامي العام
يحقق مبادئ (الشهاب)
ــ
يجد القراء على وجه كل جزء من أجزاء (الشهاب) مبدأه في الإصلاح السياسي هكذا: (الحق والعدل والمؤاخاة، في إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات) ونحن نعني بذلك أن الأمة الجزائرية قد قامت لفرنسا بكل ما طلبته منها من نفس ونفيس، فمن الحق الواجب على فرنسا ومن العدل الذي لا يقوم أمة إلا به، ومن مقتضى المؤاخاة الحقيقية التي لا تكون إلا عند ما يشعر الإنسان بأنه غير مغموط الحق ولا مهضوم الجانب من صاحبه- أن تعطي فرنسا للجزائريين جميع حقوقهم دون أي تنقيص لهم عن غيرهم، ولا أدنى تمييز له عنهم، وليس لها أن تطالبهم بالانخلاع عن أقل شيء من مميزاتهم في قوميتهم ودينهم ولغتهم فقد قاموا بما فرضته عليهم من الواجبات وهم على قوميتهم ودينهم ولفتهم فلتعطهم جميع الحقوق وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم. وعلى هذا المبدأ كنا نقاوم بروجي الرجل العظيم الذي لا ننسى فضله م فيوليت لما فيه من عدم التسوية في الحقوق لا بين الجزائريين والفرنسيبن ولا بين طبقات الجزائريين أنفسهم وما فيه من تهئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة، قاومناه أيام كان الناس كلهم متمسكين به إلا من عارضوه لأغراض معلومة وبإيعازات خاصة، ولم نبال في معارضته- لما كان مخالفا لمبدئنا من المساواة في الحقوق والمحافظة على المقومات الذاتية بكل الذين كانوا يعترضون علينا وقد يجاوزون الإعتراض إلى حد آخر، نعم ثبتنا على تلك المقاومة لأننا نعرف أننا بمبدئنا نعبر عن عقيدة
стр. 1157
جمهور الأمة ونعرب عن إحساسها، وجاء المؤتمر وطلبت مني لجنة قسنطينة أن أضع لها ما أراه من المطالب، فوضعت المطالب المنشورة في المقال المتقدم ومن تلك المطالب "السماواة في الحقوق السياسية مع المحافظة التامة على جميع الذاتية" وهذا هو الذي أقره المؤتمر بالاجماع ووجهته رئاسة المؤتمر إلى الحكومة ونشرته الصحف في صدر قرارات المؤتمر، وسقطت به جميع البروجيات، فحققت الأمة بهذا من مؤتمرها العام المبدأ الذي دعا إليه الشهاب لأنه يدرك حقا نفسيتها وينطق صدقا بلسانها، فنحمد الله الذي وفق الأمة إلى ما فيه خيرها وشرفها ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا في خدمتها، محافظين على قوميتها ودينها ولغتها، ساعين بها ومعها في ترقية العمران وسعادة الإنسان (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1158
كلمة قالها ابن باديس
تلخيص مندوب جريدة الأمة الغراء
بمناسبة اجتماع الوفد الجزائري بالشعب
ــ
قال الشيخ الرئيس:
أيها الجزائري التاريخي القديم، السمام الصميم، كلمته من كلمة الله، وإرادته من إرادة الله، وقوته من قوة الله، أو لست منذ شهر كونت مؤترا كما ينبغي أن يكون جلالا وروعة، فذلك مجلى إرادتك ومظهر قوتك، وكونت هذا الوفد الكريم فحملته مطالبك فاضطلع بها وأدى الأمانة في ثمانية أيام، وهي لا تؤدي إلا في إضعاف ذلك من الأيام، وفد لعمر الله مثلك في قوتك وإرادتك وحياتك وكرمك، وفد متحد متعاون متساند زار الوزارات والأحزاب وأرباب الصحف فعرفك إليها ورفع إليها صوتك. ولقد كدت تكون أيها الشعب مجهولا عندهم تمام الجهل، لكن بأعمالك العظيمة وبما قام به الوفد صرت معلوما لدى من يعرف الحق ويحترم الكريم وينصف المظلوم.
أيها الشعب إنك بعملك العظيم الشريف برهنت على أنك شعب متعشق للحرية وهائم بها، تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ ركنا نحن الحاملين للوائها، وسنعرف في المستقبل كيف نعمل لها وكيف نحيا ونموت لأجلها.
إننا مددنا إلى الحكومة الفرنسية أيدينا، وفتحنا قلوبنا، فإن مدت إلينا يدها وملأت بالحب قلوبنا فهو المراد، وإن ضيعت فرنسا فرصتها
стр. 1159
هذه فإننا نقبض أيدينا ونغلق قلوبنا فلا نفتحها إلى الأبد.
أيها الشعب لقد عملت وأنت في أول عملك فاعمل ودم على العمل وحافظ على النظام، واعلم أن عملك هذا على جلالته ما هو إلا خطوة ووثبة ووراءه خطوات ووثبات. وبعدها إما الحياة وإما الممات (١). اهـ
стр. 1160
مع الوفد الإسلامي الجزائري:
مشاهدات وملاحظات
ــ
تمهيد:
لقد كان مقرراً أن يزور الوفد تلمسان وقسنطينة بعد اجتماع الجزائر الذي وقع في ١٤ جمادى الثانية أوت ليطلع الأمة على أعماله وآماله وكان مقررا أن يكون السفر لتلمسان مساء ذلك اليوم. ولكن مكيدة قتل ابن كحُّول المشؤومة حالت دون ذلك وما كان ينبغي- في نظرنا- أن تحول. ويالميتها أدت إلى التأخير فقط ولكنها كانت تكاة لمن لم تكن له رغبة في تلك الزيارة في الترك والابطال. ولهذا رأينا أن نطلع قراءنا على شيء مما بقي بأذهاننا مما شاهدنا ولاحظنا، وشيء في الجملة خير من لا شيء.
على ظهر الباخرة:
كان أعضاء الوفد- من النواب والعلماء والشبان- كأسرة واحدة في الأنس والعطف والاتحاد وكانت أوقات ينفرد فيها الشيوخ الثلاثة فهي التي أتحدث عنها لما فيها من أدب خاص.
الأستاذ العقبي:
يعرف الناس العقبي واعظا مرشدا يلين القلوب القاسية، ويهد البدع والضلالات العاتية بقوة بيانه وشدة عارضته ولكن العقبي الشاعر لا يعرفه كثير من الناس. فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهب النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى.