← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المؤتمر الجزائري الإسلامي العام يحقق مبادئ (الشهاب) ــ يجد القراء على وجه كل جزء من أجزاء (الشهاب) مبدأه في الإصلاح السياسي هكذا: (الحق والعدل والمؤاخاة، في إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات) ونحن نعني بذلك أن الأمة الجزائرية قد قامت لفرنسا بكل ما طلبته منها من نفس ونفيس، فمن الحق الواجب على فرنسا ومن العدل الذي لا يقوم أمة إلا به، ومن مقتضى المؤاخاة الحقيقية التي لا تكون إلا عند ما يشعر الإنسان بأنه غير مغموط الحق ولا مهضوم الجانب من صاحبه- أن تعطي فرنسا للجزائريين جميع حقوقهم دون أي تنقيص لهم عن غيرهم، ولا أدنى تمييز له عنهم، وليس لها أن تطالبهم بالانخلاع عن أقل شيء من مميزاتهم في قوميتهم ودينهم ولغتهم فقد قاموا بما فرضته عليهم من الواجبات وهم على قوميتهم ودينهم ولفتهم فلتعطهم جميع الحقوق وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم. وعلى هذا المبدأ كنا نقاوم بروجي الرجل العظيم الذي لا ننسى فضله م فيوليت لما فيه من عدم التسوية في الحقوق لا بين الجزائريين والفرنسيبن ولا بين طبقات الجزائريين أنفسهم وما فيه من تهئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة، قاومناه أيام كان الناس كلهم متمسكين به إلا من عارضوه لأغراض معلومة وبإيعازات خاصة، ولم نبال في معارضته- لما كان مخالفا لمبدئنا من المساواة في الحقوق والمحافظة على المقومات الذاتية بكل الذين كانوا يعترضون علينا وقد يجاوزون الإعتراض إلى حد آخر، نعم ثبتنا على تلك المقاومة لأننا نعرف أننا بمبدئنا نعبر عن عقيدة

стр. 1157

جمهور الأمة ونعرب عن إحساسها، وجاء المؤتمر وطلبت مني لجنة قسنطينة أن أضع لها ما أراه من المطالب، فوضعت المطالب المنشورة في المقال المتقدم ومن تلك المطالب "السماواة في الحقوق السياسية مع المحافظة التامة على جميع الذاتية" وهذا هو الذي أقره المؤتمر بالاجماع ووجهته رئاسة المؤتمر إلى الحكومة ونشرته الصحف في صدر قرارات المؤتمر، وسقطت به جميع البروجيات، فحققت الأمة بهذا من مؤتمرها العام المبدأ الذي دعا إليه الشهاب لأنه يدرك حقا نفسيتها وينطق صدقا بلسانها، فنحمد الله الذي وفق الأمة إلى ما فيه خيرها وشرفها ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا في خدمتها، محافظين على قوميتها ودينها ولغتها، ساعين بها ومعها في ترقية العمران وسعادة الإنسان (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1158

كلمة قالها ابن باديس تلخيص مندوب جريدة الأمة الغراء بمناسبة اجتماع الوفد الجزائري بالشعب ــ قال الشيخ الرئيس: أيها الجزائري التاريخي القديم، السمام الصميم، كلمته من كلمة الله، وإرادته من إرادة الله، وقوته من قوة الله، أو لست منذ شهر كونت مؤترا كما ينبغي أن يكون جلالا وروعة، فذلك مجلى إرادتك ومظهر قوتك، وكونت هذا الوفد الكريم فحملته مطالبك فاضطلع بها وأدى الأمانة في ثمانية أيام، وهي لا تؤدي إلا في إضعاف ذلك من الأيام، وفد لعمر الله مثلك في قوتك وإرادتك وحياتك وكرمك، وفد متحد متعاون متساند زار الوزارات والأحزاب وأرباب الصحف فعرفك إليها ورفع إليها صوتك. ولقد كدت تكون أيها الشعب مجهولا عندهم تمام الجهل، لكن بأعمالك العظيمة وبما قام به الوفد صرت معلوما لدى من يعرف الحق ويحترم الكريم وينصف المظلوم. أيها الشعب إنك بعملك العظيم الشريف برهنت على أنك شعب متعشق للحرية وهائم بها، تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ ركنا نحن الحاملين للوائها، وسنعرف في المستقبل كيف نعمل لها وكيف نحيا ونموت لأجلها. إننا مددنا إلى الحكومة الفرنسية أيدينا، وفتحنا قلوبنا، فإن مدت إلينا يدها وملأت بالحب قلوبنا فهو المراد، وإن ضيعت فرنسا فرصتها

стр. 1159

هذه فإننا نقبض أيدينا ونغلق قلوبنا فلا نفتحها إلى الأبد. أيها الشعب لقد عملت وأنت في أول عملك فاعمل ودم على العمل وحافظ على النظام، واعلم أن عملك هذا على جلالته ما هو إلا خطوة ووثبة ووراءه خطوات ووثبات. وبعدها إما الحياة وإما الممات (١). اهـ

стр. 1160

مع الوفد الإسلامي الجزائري: مشاهدات وملاحظات ــ تمهيد: لقد كان مقرراً أن يزور الوفد تلمسان وقسنطينة بعد اجتماع الجزائر الذي وقع في ١٤ جمادى الثانية أوت ليطلع الأمة على أعماله وآماله وكان مقررا أن يكون السفر لتلمسان مساء ذلك اليوم. ولكن مكيدة قتل ابن كحُّول المشؤومة حالت دون ذلك وما كان ينبغي- في نظرنا- أن تحول. ويالميتها أدت إلى التأخير فقط ولكنها كانت تكاة لمن لم تكن له رغبة في تلك الزيارة في الترك والابطال. ولهذا رأينا أن نطلع قراءنا على شيء مما بقي بأذهاننا مما شاهدنا ولاحظنا، وشيء في الجملة خير من لا شيء. على ظهر الباخرة: كان أعضاء الوفد- من النواب والعلماء والشبان- كأسرة واحدة في الأنس والعطف والاتحاد وكانت أوقات ينفرد فيها الشيوخ الثلاثة فهي التي أتحدث عنها لما فيها من أدب خاص. الأستاذ العقبي: يعرف الناس العقبي واعظا مرشدا يلين القلوب القاسية، ويهد البدع والضلالات العاتية بقوة بيانه وشدة عارضته ولكن العقبي الشاعر لا يعرفه كثير من الناس. فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهب النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى.

стр. 1161

[صورة: أعضاء وفد المؤتمر الإسلامى الجزائري إلى باريس، في مكتب وزارة (فيوليت)، ويرى رئيس الوزارة نفسه مع أعضاء الوفد] ... ويرتجل البيتين والثلاثة والأربعة في المناسبات- وهاج بالرجل شوقه إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة دون تعريج على مرساي، وأن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكتبه ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحى في سبيل الجزائر تضحية أي تضحية. الأستاذ الإبراهيمي: وبينما كان حكيمنا الإبراهيمي يساجل الأستاذ العقبي ذكرياتهما بالحجاز وأيامهما بطيبة الطيبة، ويفيض في الحديث عن أيامه هو بالشام وتعليمه والمدرسة السلطانية بدمشق ويحدث عن رفاقه وأصدقائه من أدباء الشام وشعرائها وعلمائها ورجالها الذين لا تخلو الجرائد اليوم من ذكرهم- إذا به ينتقل إلى فجأة إلى الأندلس. وعجبنا باديء بدء

стр. 1162

لتلك القفزة من الأستاذ حتى ذكرنا ما بين الشام والأندلس من علاقات في فتحها وانتقال الخلافة الأموية إليها فقلنا أن الأستاذ قد عوضه الله من القوة في عقله ما ضاع عليه في رجله وكدنا نغبطه على عرجه. وهاجت الذكرى الأندلسية بصاحبنا الإبراهيمي وأخذ في الحديث عليها وعلى وطنينا المقرى مؤرخها حتى كاد ينثر علينا "نفح الطيب" من حفظه، وعلمنا أننا سنرى أنوار الأندلس بعد الغروب وبدت لنا بعد صلاة المغرب فطار لب صاحبنا وأخذ يهلل ويكبر ويحوقل ويسترجع. وسبقته إلى قول الشاعر: كبرت نحو ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق فكاد يجن جنونه وأخذ يحدث عن شموس العلم التي بدت من ذلك الأفق وعن الثائر ابن غانية وما يتصل به وقضيناها سهرة أمام تلك الأنوار وأين منها عندنا "نار غالب" أو"نار المحلق". الأستاذ عبد الحميد: هذه هي المرة الأولى والأخيرة أعبر فيها عن نفسي كما عبرت عن رفيقي "الأستاذ" فإن ما كنا نشعر به من الاتحاد الروحي كره إليَّ أن أعبر عن نفسي بغير ما عبرت به عنهما وأنا في قرارة نفسي أبغض التواضع المصنوع كما أبغض الإدعاء الكاذب فلا أعرفه من نفسي ولا مرة واحدة، وأما التواضع المصنوع فمما تنقضي به العادة ويحتمه أصل التربية وقد خرجت عنهما هذه المرة امتثالا للطبع ولن أعود. لقد كنت مأخوذا بأدب الرفيقين ولطفها، وكنت أختم إنشادات العقبي بالآهات والأنات، وتارة بالهزات والوقفات، وكنت أساوق الإبراهيمي الحافظة فيما ينشد من "نفح الطيب" وقد طال عهدي به. ولم تفارقني مهنة المعلم فكنت أجدني عن غير قصد أقرر نكتة في

стр. 1163

بيت من الشعر أو عبرة في حادثة من التاريخ فيوافق الرفيقان وقد يخالفان. وكنت بحكم مهنتي أيضا، أفكر في تلامذتي وأعدادهم لمثل مقام هذين العالمين الأديبين العظيمين فلن يحفط الإسلام والعربية في الجزائر إلا بأمثالهما فينبعث في عزم على الجد والاجتهاد في التعليم كل ما بقي من حياتي حتى آخر ومضة من الروح وآخر قطرة من الدم. ويمر بذهنبي خاطر مزعج يكدر عليَّ ذلك الصفو ويكاد يضعفه ذلك الأمل. أتدري ما هو الخاطر: هو "صندوق الطلبة" الفارغ المدين، ولكنني سرعان ما أزيله بكلمتي التي ألهمت إلى قولها منذ نحو ربع قرن: "نحن على الفيض الرباني" ولن نزال عليه إن شاء الله. المقابلات الرسمية: استقبلت الوزارات المقصودة كلها الوفد كله، فكان رئيس الوفد الدكتور ابن جلول يقدم الوفد للوزير واحدا واحدا ثم يلقي كلمات في التعريف بالوفد ومقاصده وما يناسب مقام زيارة الوزير ثم يتكلم الوزير بما يدل على الترحيب وحسن القبول ثم يتلو الكاتب العام للجنة المؤتمر الأستاذ ابن الحاج مطالب الوفد وهي التي قررها المؤتمر ويشرحها مطلبا مطلبا شرحا وافيا ثم يجيب الوزير عن تلك المطالب ويناقش في بعضها ثم تكون كلمات من بعض الأعضاء في أثناء الحوار. هذه هي الصورة الإجمالية العامة لجميع المقابلات على ما يختلف من التفصيل في كل وزارة بما يناسبها. عند م. فيوليط: هو أول من زرنا ولما أجاب عن المطالب قال قد أكون نسيت شيئا فذكره الأستاذ العمودي بمطلب حرية التعليم العربي فأخذ في مدح العربية وأنها لغة تاريخية ولغة علم فمن المحال أن أحدا يبغضها أو

стр. 1164

يقاومها فقلت له: لكن مع الأسف إن اللغة العربية محاربة بالفعل من الإدارة الجزائرية وأن المسلمين يشعرون من أجل ذلك بألم شديد. ونبهت بعض الإخوان إلى أن م فيوليط لما كان يتكلم على المطالب كان يتكلم بفصاحة واسترسال فلما أخذ في الكلام على العربية لم يكن كما كان. فوافقوني على ذلك وقد كانوا تنبهوا له مثلي. صحيح أن م فيوليط يحب الخير للمسلمين ولكنه لا يحب لهم ما يعرقلهم عن الاندماج التدريجي، وليس كل ما يحبه لنا أحد عن حسن نية هو مما نحبه نحن لأنفسنا. وقابلنام فيوليط مرة ثانية- الشيوخ الثلاثة والدكتور ابن جلول والأستاذ القلعي- فوضَّحنا له مطالب المؤتمر في الحرية الدينية وحرية التعليم بالمساجد لكل عالم مسلم وتأسيس جمعيات دينية في كل ناحية باختبار أهلها وذكر له الأستاذ الإبراهيمي الظلم الواقع من الإدار الجزائرية في هذه الناحية من حياة المسلمين، الظلم الذي لم يبق فيه من خفاء كما لم يبق عليه من صبر. فوعد بأنه سينظر المسألة مع رئيس الوزراء. عند وزير الداخلية: ولم تمكن مقابلة نفس الوزير- لتنقلاته في البلدان بسبب الاعتصابات- فقابلنا الكاتب العام للوزارة م أوبو وهو رجل راديكالي صميم وممن كلمه الأستاذ العقبي فقال له: نريد أن نعامل في الجزائر بما يعامل به غيرنا من سكانها من الطليان والأسبان فإننا نعامل بها أدنى من كل جنس. فوعد الوزير بالنظر في الحالة وأنه سيقدم هو إلى الجزائر بنفسه. عند وزير الحربية: م دالاديه راديكالي من يمين الراديكال وقد صارحنا بأنه لا يمكن

стр. 1165

أن يوافق على إعطاء النيابة بالبرلمان ما دمنا محافظين على الشريعة الإسلامية في حقوقنا الشخصية وصرح بأنه يكون مع المعارضين إذا عرضت المسألة في البرلمان. والذين يعرفون م دالاديه لا يستغربون منه هذا ورأيه هذا هو رأي الراديكاليين إلا القليل فلو عرضت مسألة النيابة في البرلمان ولقيها م دالاديه وأكثرية حزبه بالمعارضة مع من يعارضها من أحزاب غير الجبهة الشعبية لقضي عليها بالفشل قطعا. عند رئيس الوزراء: لطف وبشاشة وجاذبية: هذه الصفات التي يمتاز بها- مجموعة- م بلوم على كل من لقيناه من رجال الحكومة الفرنسية. بعد خطاب رئيس الوفد وشرح الكاتب لمطالب المؤتمر تكلم كبير الوزراء وافتتح كلامه بقوله: "إنني مسرور بزيارة مسلمين ليهودي وديموقراطيين لديموقراطي وفرانسويين لفرنسوي" وبهذه الروح ألقى جميع خطابه. كلمة لكبير الوزراء: قدمت قبل اليوم مطالب الأمة الجزائرية مرات عديدة بطرق متعددة وكانت تقابل بقبولها للنظر فيها وبالوعد بإنجاز بعضها ثم لا يكون بعد ذلك شيء من الوفاء من الواعدين، ولا شيء من الاستياء من الموعودين. غير أن هذه المرة لم تكن كتلك المرات في جميع ما يحيط بها، وبالطبع لن تكون مثلها فيما ينشأ عنها من نفع عند الوفاء أو ضرر عند الاخلاف. فأحببت أن أصارح كبير الوزراء بالعاقبة السيئة التي تكون لخيبة الأمة الجزائرية في مطالبها هذه المرة إذا خابت، فقلت له- بحضور الوفد كله والمترجم رئيس الوفد-: "الأمة الجزائربة المتألمة ليس ألمها ضد جنس ولا ضد دين ولا ضد فرنسا، وإنما ألمها ضد الظلم، ولهذا لما جاءت الحكومة الشعبية وتوسمت فيها الحرية والعدالة

стр. 1166

أعطتها كل ثقتها وأعلنت سرورها بها وأرسلت هذا الوفد فإذا رجعنا إليها ببعض مطالبها زادت ثقتها، وإذا رجعنا بأيدينا فارغة انعكس ذلك الفرح وحصل عن انعكاسه ضرر عظيم يستغله أضدادنا وأضداكم" فأجابني- باندهاش-: "كيف ترجعون بأيديكم فارغة وأنا أشتغل وحبيبي فيوليط من الآن في مطالبكم" فقال م فيوليط: "قبل الأحد ينجز العمل" وقد كنا لخصنا من المطالب بعضا منها لينجز ونرجع به في أيدينا وهو الذي دار عليه هذا الحديث. ولكن بعد هذا كله ها نحن قد رجعنا بأيدينا فارغة وما زالت فارغة إلى الآن. نعم فيها وعود وفيها آمال، وسنصبر هذه العطلة الصيفية على كل حال. مقابلات الأحزاب الشعبية: أكبر الأحزاب الشعبية التي تتألف منها الجبهة الشعبية هي الحزب الاشتراكي والحزب الراديكالي والحزب الشيوعي. وقد زار الوفد الأحزاب الثلاثة كلا في قسمه الخاص به من دار البرلمان، فأما الإشتراكيون والشيوعيون فقد كانوا موافقين على مطالب المؤتمر كلها، وأما الراديكاليون فكان منهم الوفاق على جملة المطالب لا على تفصيلها، وظهر منهم احتراز وتريث، وأشاروا إلى إرسال لجنة برلمانية لبحث الحالة وهذا هو الذي قررته الحكومة بعد كما هو معلوم. مقابلة الصحافة: عيَّن رئيس الوفد وقتا لمكاتبي الصحافة الباريسية في قاعة النزل الذي كان به الوفد فاستقبلهم الوفد فيها في الوقت المعين وبينت لهم المطالب وقد كتبت الصحافة بعد كل بحسب مشربه ولكن الأمر الذي كان حاصلا ولا محالة هو لفتها الرأي العام الفرنسي للمسألة الجزائرية الإسلامية لفتا جديا لم يكن قد حصل على هذا الوجه من قبل.

стр. 1167

النتيجة المحققة: ١ - أدى الوفد مطالب مؤتمر الأمة الجزائرية المسلمة بصدق وأمانة وشرف. ٢ - عرفت فرنسا حكومتها وأحزابها وصحافتها أن وراء البحر أمة جزائرية إسلامية تطالب فرنسا بحقوقها وتحافط تمام المحافظة على شخصيتها ومقومات شخصيتها. وهذان الأمران- وما حصلا قبل اليوم- لهما قيمتهما في حياة الجزائر وبناء مستقبلها. والأخير منهما هو الأساس الذي يجب أن يبني عليه كل عمل للجزائر والنهج الذي يجب أن يسير فيه كل من يتولى قيادة ناحية من نواحي سيرها في الحياة. وكل من حاد عنه قولا أو عملاً فإنه يعد خائنا للأمة ويجب أن يعامل بما يستحقه الخائنون. وقد رأينا اقتناعا به ممن لم يكن منه من قبل على يقين وسمعنا اعترافا به ممن كان قبل فيه من المتشككين. وإذا كنا نسمع أحيانا نعقات بما يخالفه فهي من شذاذ لا تخلو منهم أمة، ولا يزيدهم ذلك إلا بعداً عن الأمة وإسراعا في دركات السقوط إلى هاوية المقت وقرارة النسيان. العودة إلى الوطن: رجعنا وأكثر الرفاق يظن أن المطالب المستعجلة إذا لم تكن صاحبتنا فإنها لا تتأخر عنا بأكثر من أسبوع وإذا تقاعست وتباطأت فلا أكثر من شهر. أما أنا فلم أكن مع الأسف على هذا القدر من الرجاء. فالجبهة الشعبية تعتمد في بقائها على الراديكاليين وهؤلاء ما يزال فيهم من عرفنا سياستهم الإستعماوية في العهد القديم وهم ما يزالون عليها في العهد الجديد. وقد سمعت منهم حديث لجنة البحث فحق لدي ما ظننته فيهم وتوقعته منهم فكنت أعتقد أن المطالب ستتأخر

стр. 1168

وأنَّ هذا الصيف لا يكون فيه شيء ولكن لا بد من التمسك بحبل الرجاء إلى حين. وقد صدق الواقع ظننا وها أن الصيف قد مضت، وها أن لجنة البحث قد تعينت وها نحن من المنتظرين. واليوم ...! إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل (١)

стр. 1169

نحن مسلمون وكفى إن الإسلام الذي ندين به، وهو دين الله الذي أرسل به جميع أنبيائه. وكمل هدايته وعمم الإصلاح البشري به على لسان خاتم رسله، هو دين جامع لكل ما يحتاج إليه البشر أفرادا وجماعات لصلاح حالهم ومآلم، فهو دين لتنوير العقول وتزكية النفوس وتصحيح العقائد وتقويم الأعمال. فيكمل الإنسانية وينظم الإجماع ويشيد العمران ويقيم ميزان العدل وينشر الإحسان. فلا يحتاج بعده إلى ما يتناحر عليه الأوروبيون من مبادئ أحزاب وجمعيات ليس في استطاعة شيء منها أن يصلح حالهم لا في السياسة ولا في الاجتماع دع عنك الأخلاق والآداب. كما أنه لا يسلم واحد منها من قواعد منافية للفطرة أو مجانبة للعدل أو ضعيفة في العقل فالمسلم بطبيعة إسلامه بعيد عن كل هذه الجمعيات والأحزاب. وهذه هي حال السواد الأعظم من المسلمين في جميع الأقطار. يجهل بعض الكتاب الأوروبيين هذه الحقيقة أو يتجاهلونها، فتراهم يرمون المسلمين في كل حركة من حركاتهم بمبادئ الأحزاب الأوروبية ذات النفوذ والشهرة في أوروبا. وللقارىء نموذجا من ذلك: النمسا- الدعاية الهتلرية في إفريقيا الشمالية وفلسطين: فيينا في ٢: لمراسل البلاغ الخصوصي- يؤخذ من المعلومات التي أذاعتها صحيفة تلغراف عن نظام الدعاية الهتلرية في إفريقيا الشمالية وفلسطين أن مجموع ما أنفق على هذه الدعاية التي جعل مركزها

стр. 1170

الأساسي في برلين بلغ ٠٠٠ ر٠ ٣٦ ر ٣ مارك في الشهر، وقالت أن الغرض من هذه الدعاية هو إثارة العالم الإسلامي ضد اليهود وإنجلترا وفرنسا وإعداد العدة لفتنة تقوم في إفريقيا الشمالية الفرنسية في حالة نشوب الحرب. "البلاغ" الدعاية الألمانية في إفريقيا الشمالية: باريس- نشرت جريدة "الرجل الحر" التي تصدر في باريس فصلا قالت فيه: هل من واجبنا أن لا نغفل هذه المسألة الحيوية بالنسبة لسيادتنا في الشمال الإفريقي. أن مذبحة مدينة قسنطينة والقلاقل الأخيرة التي أثارها الدستور في جهات الساحل بالبلاد التونسية ليست إلا إنذارات يجب علينا ألاَّ نهمل أمرها وألاَّ نغفل نتائجها. ولهذا يجب أن نظهر في هذه الأراضي الإسلامية، وإذا كانت قوانا لا تصل حتى ترتكب الشدة أو الإرهاق فإن عفونا وتسامحنا ليس منشؤهما الضعف. يجب أن يقع تتبع تأثيرات هذه الدعاية الهتلرية أو الوطنية أو الثورية بغاية اليقظة والنشاط، تلك الدعاية التي إذا غفلنا عنها تسببت لنا في متاعب جمة. "الزهرة" ومما يجب أن يلاحظ هنا أن الذي كنا نرمي به هو الدعاية البلشفية، والذي صرنا نرمى به هو الهتلرية، ومن المعروف أن روسيا البلشفية قد دخلت في عصبة الأمم وأخذت كرسيا دائما فيها كسائر الدول العظام وأصبحت معترفا بها كدولة كبرى وكل ما كانت تأتيه "يبس وتحتت وطارت به الأرياح" فلم يبق من وجه لرمينا بالبلشفية والدعاية البلشفية. ولكن هتلر اليوم هو لينين بالأمس، فلتكن الهتلرية

стр. 1171

هي الكرة التي ترمى بها الأمة المستضعفة. وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن هذا الرمي بالهتلرية بعد البلشفية لم يكن عن جهل وإنما كان عن مكر وسوء قصد. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (١).

стр. 1172

ليست الزردة وحدها ولكن وراء الأكمة ما وراءها ... ــ تمهيد: حقا أن الزردة التي أقامها الدكتور بقسنطينة وترأسها ودعا إليها، ونشر عنها المقالات الطويلة أياما متوالية في جريدة (لا ديبش) اليومية، لمنكر طريف، وحادث عجيب، شغل الناس بما فيه من نكر وما فيه من طرافة حتى كاد ينسيهم كل ما أتى به الدكتور من أعمال ضارة وما سلكه من سبل معوجة، فلربما حسب قوم أن الزردة هي كل ما تنقمه الجمعية عليه، ولربما استكثر قوم هذه النقمة على أمر حقير إذ ليس بالخطير ولكن الحقيقة خلاف هذا الظن ووراء هذا الحسبان وليس من النصح أن تبقى الحقيقة مكتومة عن الناس ففي بقائها مكتومة الحيرة والاضطراب والضلال وفي بيانها الهدوء والاطمئنان وإنارة السبيل للعاملين. وها نحن نبيِّنها في الكلمات التالية مكشوفة دون أي تقبيح أو تحسين، حتى يحكم القراء بأنفسهم حكما غير متأثرين فيه إلا بالحقيقة المجردة. كيف كنا معا: لقد كانت الجمعية مضطهدة من الحكومة ومعاكسة في أعمالها من أول نشأتها وكان ما تنقمه الحكومة عليها بعثها النهضة العلمية والدينية في الأمة الجزائزية بعد طول رقادها ويأس القانطين والمقنطين من يقظتها. فلما جاءت الحركة السياسية وتقدم رجال أحرار للنيابة عن الأمة، وكان جميع المنتمين للجمعية- بطبيعة علمهم وبصرهم

стр. 1173

لا بوحي جمعيتهم- مع النوابه الأحرار، وفاز النواب الأحرار في أكثر الدوائر، لما كان هذا كله زادت نقمة الحكومة على الجمعية واعتقدت تأييد الجمعية للنواب الأحرار ونسبت يقظة الأمة وحسن اختيارها وعدم امتثالها للإيعازات وعدم خوفها من التهديدات، إلى ما بثته فيها الجمعية من حياة. وأخذت من يوم ذاك هي والصحافة الفرنسية الباريسية والجزائرية تقرن النواب الأحرار والجمعية في قرن عندما تكيد أو تقذف أو تغري أو تهاجم مع تخصيص الجمعية بالقسط الأوفر من الأذى والتهويل والإثارة للفكر الفرنسي العام. ومن العجيب أن الدكتور كان، دون سائر النواب الأحرار، ينفس على الجمعية هذا البلاء ويحسدها على هذا العذاب، ويكره أن تكون لها تلك السمعة في الصحف، وأن يكون للمنتمين إليها ذلك الأثر في فوز النواب الأحرار، وكان يظهر ذلك في مجالسه وأمام من هم معه من الساسة، ولكنهم لا يرون رأيه في الجمعية. وكان كلام الدكتور يبلغنا- ولا محالة- وكنا لا نلقي له بالا حرصا على اتفاق الكلمة وإبقاء على وحدة الأمة. وكنا- رجال الجمعية- لا يكون موقف عام إلا أيدناه، ولا موطن يقتضي التقدم إلا قدمناه. حتى جاء المؤتمر الذي بذل كل جهده في عرقلته وأبى الله إلا أن يتمه، فقدمناه رئيسا عليه. ولما جاء تأسيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر قدمه رئيس الجمعية لرئاستها فوقع الإتّفاق على قوله. ولما رجع الوفد وقفل هو ورئيس الجمعية إلى قسنطينة وخرجت البلدة كلها للقائهما في يوم مشهود، خطب رئيس الجمعية في تلك الجموع وقال لهم: (ثقوا بالله ثم بأنفسكم ثم برئيس المؤتمر) وكنا- علم الله- إلى ذلك اليوم، وبعد ذلك اليوم عاقدي العزائم على العمل معه في ظل المؤتمر إلى غاية ما نستطيع. كيف افترقنا: وقعت حادثة الاغتيال المشؤومة فاغتيل معها- والله- عقل الرجل.

стр. 1174

وقال وكتب ما سبق به كل أعداء الجمعية إلى توجيه التهمة- تصريحا بالقول وتلويحا بالكتابة- إلى العلماء ورغم ذلك أغضينا وسكتنا. ووقعت حادثة الاعتقال الباغية فاهتبلها فرصة للإيقاع بالجمعية فطار الرجل إلى باريس يحمل معه تصريحاته إلى جريدة (مارساي ماتان) لما نزل بمرسيليا، تلك التصريحات التي لم يقل مثلها- مجتمعة- أحد من أعداء الجمعية والباغين لها الشر على كثرتهم فيها. ووقف على تلك التصريحات السيد طاهرات والسيد ابن الحاج العضوان في الوفد، وقد جاءا باريس مرة ثانية كما جئنا فأظهرا استنكارهما لها ودعواه إلى تكذيبها فوعد بتكذيبها. ووقفنا عليها ونحن بباريس فتريثنا بقدر ما انزعجنا، وانتظرنا التكذيب وانتظرنا، ولكن مضت الأيام والرجل لم يكذب فطلبنا منه التكذيب على لسان جريدة الجمعية وانتظرنا ثم انتظرنا وجاء الاجتماع العام للجمعية وعرضت مسألة تصريحاته على الاجتماع فقرر بالاجماع- إلا الأستاذ العقبي- القرار الذي نشر في العدد ٣٩ من "البصائر" مع تعليق تنفيذ القرار على مضي ثمانية أيام دون أن يكذب. وكاتبه أثر تلك الجلسة الأستاذ العقبي بصفة خاصة يطلب منه كلمة تكذيب ينشرها في البصائر وتنتهي بها المسألة حسبما كان وعده فلم يفعل. فنفذ قرار الاجتماع العام واعتبر ضدا من أضداد الجمعية ليكون لكلامه عنها عند الحكومة وعند الناس قيمة كلام الضد لا قيمة كلام الصديق. طعنة من الخلف في أخطر الأوقات: في الوقت الذي أدخل فيه السجن الأستاذ العقبي ونجمت قرون الشر من كل جهة تنضنض بألسنة الباطل إلى الجمعية. يصرح الدكتور ابن جلول تلك التصريحات التي نعرف نحن وأمثالنا ممن تعودوا البهت الإداري أنه لا يحسن نسجها ولا يتقن وضعها ولا يحويها ذهنه.

стр. 1175

وإنما هي صنع معامل شيطانية تقدمها لمن يرضى لنفسه باستعمالها فيستعملها فيكون عليه غرمها ولها هي غنمها. أخبرنا نائب عمالي ذو شخصية، أن الدكتور عقد اجتماعا لجمعية النواب قبيل الاعتقال وأظهر من حنقه على الجمعية وعزمه على البطش بها ما أفزع ذلك النائب وتركه ليالي مهتما بما سيكون من الدكتور ضد الجمعية. وسألنا غيره ممن حضر ذلك الاجتماع فحققه لنا. وأخبرني بعض الرفاق في الوفد من النواب لما قدمت باريس بعيد قدوم الدكتور أنه قدم ممتلئا غيظا على الجمعية. وفي طريق قدمته تلك فعل فعلته في "مارساي ماتان". فالدكتور وجد من تلك التصريحات المحصلة لغرض غيره ما يحصل غرض نفسه فطعن بها الجمعية في نكبتها وأحرج أوقاتها طعنة حسبها هي القاضية عليها. فأنى له بعد هذا كله أن يكذب وكيف ينتظر منه أن يكذب؟؟ ولو أن هذه الطعنة لم تكن لها هذه الملابسات من قيمة فاعلها المباشر، ومدبرها المصاول، ووقتها المتخير، لما التفتنا إليها ولا ألزمنا بتكذيبها مثل ما ألزمناه. آلة في يد الظلم: لقد اتخذت لمحاربة هذه الجمعية آلاف ... فأسست لأجلها الجمعيات والصحف، واستخدم نواب من ذلك الطراز المعلوم فدسوا الدسائس، وخطبوا في المجالس، وباء الجميع بالفشل والخسران المبين. ولقد قوومت هذه الجمعية بأنواع المقاومة وسوومت للتحول عن خطتها أو التساهل فيها بوجوه المساومة حتى سوومت بنصرها وتأييدها وتقديم رجالها وإجابة مطالبها على أن تتخلى عن النواب الأحرار وتنفض يدها منهم، فكانت إزاء ذلك كله الجبل الأصم الذي

стр. 1176

لا يسمع والطود الأشم الذي لا يتزعزع. وكان جواب رجالها على المساومة الأخيرة أن كونوا المؤتمر الإسلامي الجزائري العام فأوقفوا الأمة كلها خلف النواب الأحرار، ووضعوا على رأسه ابن جلول، وأعلنوا ثقتهم بالحكومة الشعبية وأحزابها. هال هذا الموقف الجدي وهذا المظهر الرائع من الأمة الإسلامية الجزائرية نواحي لا تعيش إلا على فقر هذه الأمة وجهلها وتفرقها وعدته ذنبا جديدا من ذنوب الجمعية أتى على ما قبله وأفزع بما بعده فابتدأ من تلك النواحي موقفها الجديد وسلاحها الجديد، وكان من آثار ذلك الموقف حادثة الاغتيال والاعتقال ورمي الشيخ الحبيباتني بالرصاص، وكان من السلاح الجديد حضرة الدكتور الزعيم ...! وافق شن طبقة: فبينما تلك النواحي تحرق الارم على الجمعية التي لم يكفها جمع الأمة على العلم والدين والتهذيب حتى عملت على جمعها على هذا المؤتمر العظيم، وتسف للدنايا لتنسف الجمعية نسفا وتصم رجالها- كذبا وزورا- بكل إفك وشين، إذا بها: تلك النواحي تسمع زمجرة الدكتور ووقيعته في الجمعية وبغيه لها الكيد. وبينما هو الآخر يتحرق من الغيظ على الجمعية التي عملت على تكوين مؤتمر يظهر فيه رجال وتوزن فيه الأعمال، ويسمع فيه الزعيم ما لم يعتد سماعه من انتقاد، إذا به يشاهد أيديا من تلك النواحي تلوح له بالرضاء وما وراء الرضاء، وتوميء إليه بالقضاء على أولئك العلماء المشوشين المتدخلين في السياسة كل القضاء، فأسرع إلى الأحضان وأصبح الحبيب المقرب والصديق الممدح، الذي تفتح له الأبواب، وتفسح له الرحاب، ويدخل بلا استئذان، ويناديه متصرف "بريفي" قسنطينة من نافذة سيارته في طريق سكيكدة "سالي دكتور ... "

стр. 1177

ويعطيه الماليون المعروفون قناطير الفارينة ورؤوس البقر ليقيم زردة لأموات وجه الأرض على أموات بطنها، وإن كان الذين أوذوا واضطهدوا من جرائه أيام كان- وا أسفاه- ما زالوا من آثار ذلك في الذل والفقر يتخبطون. كل هذا لحضرة الدكتور على أن يعمل على هدم الجمعية وهدم المؤتمر. وقد عمل لذلك بقوله وعمله وكتاباته، وما زال يعمل، ولكنه خائب إن شاء الله. الأمة حكمت وأبرمت: لم تزد الجمعية من يوم أيست من رجوعه عن طعنته لها، على أن أعلنت أمره للأمة وخلت الحكم عليه لها، ولقد شاء الله أن يكون حكم الأمة عليه سريعا فحكمت بإسقاطه من رئاسة مؤتمرها. ثم حاول منذ أيام بمكتوب نشره هو والسيد ابن الحاج أن يجمع لجان المؤتمر من العمالات الثلاث إلى سطيف لتعيد النظر في أمر عزله لأن عزله- زعم- لم يكن بالأكثرية، فكان من تلك اللجان أن أمطرت للسيد ابن الحاج ببرقيات الاحتجاج على استبداده بالدعوة إلى سطيف وظهوره بمظهر الموافق على ذلك الزعم. فما وسع السيد ابن الحاج إلا الرضوخ وحاول أن يتدارك الأمر فأبرق إلى أعضاء تلك اللجان مساء الجمعة الماضية بتحويل الاجتماع إلى الجزائر فأعرضت عنه اللجان وأصبح يوم الأحد الماضي المعين للاجتماع، وهو ينتظر الوافدين في محل بإحدى المقاهي الإفرنجية فما وجد نفسه إلا في سبعة شطرهم جاء للاعتراض فكان هذا من الأمة الممثلة في لجان مؤتمرها بالعمالات الثلاث، إبراما لما كانت حكمت به من عزل الدكتور من رئاسة المؤتمر، وتلك عاقبة الظالمين. وبعد: فهل أدرك الدكتور ضيقة أمره، وشعر بنفسب الأمة عليه

стр. 1178

فأخذ يتراجع عن غيه، ويتدارك من خطئه ليعود إلى بعض مقامه عند قومه؟ أم هو ما يزال جادا في سيره حتى يصل من منحدره إلى النهاية. ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم (قسنطينة) عبدالحميد بن باديس

стр. 1179

الجنسية القومية والجنسية السياسية تختلف الشعوب بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المقومات وتلك المميزات. وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميزات. والجنسية السياسية أن يكون لشعب ما لشعب آخر من حقوق مدنية واجتماعية وسياسية مثل ما كان عليه مثل ما على الآخر من واجبات اشتركا في القيام بها لظروف ومصالح ربطت ما بينهما. ومن الممكن أن يدوم الاتحاد بين شعبين مختلفين في الجنسية القومية إذا تناصفا وتخالصا فيما ارتبطا به من الجنسية السياسية التي قضت بها الظروف واقتضتها المصلحة المشتركة. فإذا لم يرتبطا بالجنسية السياسية فلا بد لهما- مهما طال الأمد- من أحد أمرين: إما أن يندمج أضعفهما في أقواهما بانسلاخه من مقوماته ومميزاته فينعدم من الوجود. وإما أن يبقى الضعيف محافظا على مقوماته ومميزاته فيؤول أمره- ولا بد- إلى الانفصال. وبعد فنحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية وقد دلت تجارب الزمان والأصوال على أننا من أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية وإننا ما زدنا على الزمان إلا قوة

стр. 1180

فيها وتشبثا بأهدابها وأنه من المستحيل إضعافنا فيها فضلا عن إدماجنا أو محونا. أما من الناحية السياسية فقد قضى قانون- ١٨٦٥ - باعتبارنا فرنسيين لكنه تفذ وينفذ تنفيذا جائرا فيفرض علينا جميع الواجبات الفرنسية دون حقوقها فكنا كما قال الشاعر: وإذا تكون كريهة ادعي لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب أو كما يقول مثلنا الدارج "وقت الدوا هاتوا بو نافع، وقت الشفا طيشوا الدرياس" صبرنا على هذا الحيف طويلا وعالجناه بما استطعنا مرات كثيرة من جهات عديدة حتى جاء الوقت الذي نفد فيه الصبر وأعيا العلاج فقلنا البيت الثاني من قول الشاعر المتقدم: هَذَا وَجِدَّكُمُ الصِّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لاَ أُمُّ لِي إِنْ دَامَ ذَاكَ وَلاَ أَبُ فنهضت الأمة نهضتها بمؤتمرها الفخم الجليل وقررت فيه بالإجماع "المحافظة التامة على المميزات الشخصية، والمطالبة بجميع الحقوق السياسية" وأدرك أقطاب الواجهة الشعبية أحقية هذا الطلب وأدركوا أن لا بقاء للأمة الجزائرية مرتبطة بفرنسا إلا إذا أعطيت حقوق الجنسية الفرنسية السياسية مع بقائها على جنسيتها القومية بجميع مميزاتها ومقوماتها فتقدموا لمجلس الأمة الفرنسي بالقانون المعروف اليوم ببروجي بلوم- فيوليط وتلقاه الذين يقدمون مصالحهم الفردية والاستعمارية على مصالح فرنسا الحقيقية بما هو معروف من معارضة بذية ظالمة منكرة وتلقته الأمة الجزائرية التي ترضى بالارتباط بفرنسا في حقوقها وواجباتها- وهي الجنسية السياسية- ما دامت محترمة في جنسيتها القومية وهي تلك المقومات والمميزات بشرط لا بد منه: وهو أن يكون التساوي تاما في جميع تلك الحقوق دون تخصيص لحق دون حق ولا تمييز لطبقة عن طبقة.

стр. 1181

ولهذا اعتبرت بروجي بلوم- فيوليط قليلا جدا بالنسبة لحقوقها وإنما تقبله اليوم كخطوة أولى فقط يجب بعد تنفيذها أن يقع الاسراع في بقية الخطوات إلى تحقيق التساوي التام العام الذي هو الشرط الطبيعي في سنن الاجتماع في بقاء الارتباط بصفاء وإخلاص. واذا لم يكن فلا عتب على الزمان، وما شاء الله كان. إننا بكلامنا هذا نعرب عن فكر الأكثرية العظمى من الأمة الإسلامية الجزائرية. ونعلن أن هنالك من لا يرضيهم هذا ومن لهم نظرات أخرى لها حظها من الاعتبار. وإننا نتحقق أن الموقف الذي يقفه البرلمان الفرنسوي يوم تعرض عليه المسألة هو الذي يوجه الأمة الجزائرية إحدى الوجهتين فالمستقبل بيده. والأمر لله من قبل ومن بعد (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1182

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أمام لجنة البحث البرلمانية ــ مساء الخميس ٥ صفر الجاري ١٦ أفريل قابلت لجنة البحث البرلمانية بقصر الجمعيات بالعاصمة هيئة من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باسم الجمعية. وكانت الهيئة متركبة من الشيخ: عبد الحميد ابن باديس، البشير الإبراهيمي، مبارك الميلي، العربي التبسي، الأمين العمودي. قدم الرئيس كراس المطالب للجنة وتلاه عليها الشيخ العمودي ي وشرح لها بعض نقط فيه. فصل الجزائر عن فرانسا: بادرنا الرئيس بأن للجمعية خصوما كثيرين وأنهم يقولون أن في جريدة الجمعية دعوة إلى فصل الجزائر عن فرنسا. فأجبته بأن هذا الفصل لم يفكر فيه أحد من الجمعية فلا وجود له- قطعا- في جريدة الجمعية. نظرنا في إصلاح الحالة: سألنا عن نظرنا في إصلاح الحالة فأجبته بأنني أحقق لهم قبل كل شيء أمرين وهما: ١ - أن كل محأولة لحمل الجزائريين على ترك جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم فهي محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة، والواقع دل على هذا.

стр. 1183

٢ - وأن الحالة التعيسة التي بلغت إليها الأمة الجزائرية- وقد اطلعتم أنتم عليها أكثر من غيركم- لا يمكن أبدا أن يستمر صبر الأمة الجزائرية عليها أكثر مما صبرت. فالواجب- إذاً- هو إعطاء الأمة الجزائرية جميع الحقوق مع محافظتها على جميع مقوماتها. هنا سألنا أحد أعضاء اللجنة من جماعة اليمين: إذاً فأنتم ترون أن فرنسا والجزائر شعبان اثنان؟ فأجبته بأننا نراهما كذلك، وهما في الواقع وبالطبع كذلك، ولا يمنع هذا من تعاونهما كأخوين لا كسيِّد وعبد. بروجي فيوليط والحالة الشخصية: سألنا عن بروجي فيوليط فأجبته بأن بروجي فيوليط ما حاز القبول الذي حازه إلا لما فيه من التصريح بالمحافظة على الحالة الشخصية، مع أن ما فيه إنما هو نزر قليل جدا من الحقوق المطلوبة. رأينا في إلزام الحكومة المسلمين برفض الأحكام الشرعية: سألنا الرئيس عن رأينا لو أن فرنسا أصدرت أمرا بطرح المسلمين الأحكام الشرعية لتعطيهم الحقوق الفرنسية، فإنهم فهموا من بعض الناس أن المسلمين يصبرون لذلك كما صبروا لقانون إلزامهم بالعسكرية. فأجبته بأن قياس أمر رفض الشريعة الإسلامية على أمر التجنيد الإلزامي، غلط فاحش وقياس مع الفارق. فإن المسلمين لما ألزموا بالجندية علموا أنهم مظلومون أفدح الظلم بتقديمهم للموت مع حرمانهم من حقوق الحياة، ولكنهم صبروا على ذلك لأمرين: الأول أنهم يشعرون ببقاء ذاتيتهم، والثاني أنهم يعتقدون أنه يأتي يوم يدرك فيه رجال من فرنسا فداحة هذا الظلم فيزيلونه بإعطائهم حقوق الحياة

стр. 1184

التي يتمتع بها غيرهم. أما إذا ألزمت فرنسا المسلمين برفض شريعتهم والتخلي عن ذاتيتهم فإنهم يشعرون بالضربة القاضية عليهم بالعدم التام. أنا أعتقد أنكم وأمثالكم تبحثون عن وجه في الإصلاح ينقل الجزائر من حالة اضطراب إلى حالة استقرار. وأنا أحقق لكم أنكم إذا ألزمتم الأمة الجزائرية المسلمة برفض شريعتها والتخلي عن ذاتيتها فإنكم تكونون قد وضعتم أمرا يؤول بالجزائر إلى اضطراب أعظم لا تدرى عاقبته. تجزئة الأحكام الشرعية: سألنا ماذا تقولون لو صدر الأمر بمنع تعدد الزوجات خاصة، فأجبته بأن الشريعة كلٌّ لا يجوز للمسلم تجزئته، فتقبل كلها أو ترد كلها. جبر البكر: سألنا عن جبر البكر فأجبته بأن هذه من الفروع الخلافية التي يسوغ للمسلمين أن يتوسعوا فيها باتباع من شاءوا من أئمتهم. مجلة (الشهاب) ومقاومة الاندماج: جاء أحد الأعضاء بمقالات مترجمة من مجلة (الشهاب) فيها الإشادة بالعروبة والإسلام والمحافظة عليهما، وعدم الاندماج في الأمة الفرنسية، فسألنا الرئيس عما فيها، فأجبته بأن مجلة (الشهاب) ليست مجلة الجمعية وإنما هي مجلتي، وأنا أجيبك عنها بصفتي الخاصة: أولا- أنا لا أثق بترجمة المترجمين في الإدارة لأنني جربت عليهم الخطأ والاقتصار على ما لا يفهم المراد بل يفهم خلافه، لأن الكلام يبين بعضه بعضا. وثانيا- أنا أقول لكم- كما أصرح دائما-: أننا عرب مائة في المائة ومسلمون مائة في المائة لا نتنازل عن شيء من ذلك، ونحن مع فرنسا كأخ مع أخيه لا كسيد مع عبده. وأقر أعضاء هيئتنا ما قلته فكان رأي الجميع.

стр. 1185

تقييد في محله: لما قلت أننا مع فرنسا قال الشيخ العمودي ما لم تنفرنا هي. وعود نرجو أن تتحقق: وختم المجلس باعراب الرئيس عن اهتمام اللجنة بمعرفة الحقائق لتتوصل إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن تعمل جهدها لتنال الجزائر رغائبها، فأجبناه بالشكر له ولأعضاء اللجنة كلهم على ما بذلوا من جهد، وأعربنا لهم عما للجزائر فيهم من ثقة وما تعلقه عليهم من أمل. ثم ودعناهم راجين لهم رحلة سعيدة مثمرة يكون لها أثرها المحمود عند الجزائريين. عبد الحميد بن باريس

стр. 1186

دعوة وبيان إلى عموم الشعب المسلم الجزائري الكريم ــ إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعلم ما تجتازه الأمة اليوم في طريق نهضتها من وقت حرج، ومصاعب جمة، وما يحف بها من أخطار، وما ينصب لها من عراقيل، وما يتجاذبها من عوامل التفريق من الخارج ومن الداخل، وأن الجمعية التي بثت روح النهضة في الأمة بما دعت إليه من الرجوع إلى الكتاب والسنة والمحافظة على الجنس واللغة، والاعتزاز بالإسلام والعروبة حتى عرفت الأمة نفسها، ووجهت للحياة السعيدة رغبتها، ووجد السبيل إلى مخاطبتها وتفهيمها من أراد- بحق أو بباطل- قيادتها أن الجمعية التي بثت هذه النهضة هي حارستها في جميع أطوارها والمدافعة عنها بكل ما لديها، والصابرة على البلاء من القريب والبعيد في سبيلها. إن أعداء الأمة الذين تمثلهم الجرائد الاستعمارية الكبرى هنا وهنالك ويصدع بأمرهم كراسي متنوعة، ما فتئوا يوالون ضرباتهم، ويعيدون هجماتهم على الجمعية لأنهم يرون فيها حياة الأمة ويشاهدون فيها السد الحصين دون ما يرغبون من ذوبان الأمة وانحلالها لإفنائها وابتلائها وتنقصها من أطرافها فكل ما تجتازه الأمة اليوم وما تعانيه وما تلاقيه هو ما تجتازه الجمعية وما تعانيه وما تلاقيه على أبلغه وأشده، لأن الجمعية هي الأمة، والأمة هي الجمعية. إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- كالمسلمين الجزائريين- جبلت على النضال والمقاومة والصبر والمصابرة وقد صبرت لغشم

стр. 1187

الحكومة وأذنابها وكيد الاستعمار وجرائده، ولن تزال ثم لن تزال. ولقد ولدت الأيام الجارية والظروف الحاضرة مقاومين جددا ينطحون صخرتها برؤوسهم الحاسرة وينحتون أثلتها بأظافرهم المتآكلة ويضربون على نغمات من تقدمهم من أعداء الأمة والجمعية ويخدمون عن علم أو عن غير علم، مقاصد من يحاربون في الجمعية روح الإسلام والعروبة، فهنالك في عمالة قسنطينة وهنا بعمالة الجزائر من يعملون لرفع أنفسهم بالحط من الجمعية ويموهون على الأمة بما يقولونه عليها وعلى رجالها فمرة يربطون الجمعية بحزب من الأحزاب الأجنبية، والجمعية لا تنتمي لحزب ولا تعادي حزبا إلا من حارب الإسلام والعروبة فإنها تكون عليه- كائنا من كان- بلاء وحربا، ومرة يصمونها بالتدخل في السياسة والجمعية ما تدخلت في سياسة الكراسي والنيابات والمكاتب والممرات ... وإنما وقفت الجمعية في مؤتمر الأمة تضع مطالب الدين واللغة وشروط المحافظة على الجنسية والشخصية. ومثلت ذلك كله بلسانها وهيئتها أصدق تمثيل. يا هؤلاء! ... إن الجمعية ليست عاجزة عن مقاومتكم وإظهار خطئكم وكشف باطلكم. ولكنها تعلم ما تحتاج إليه الأمة اليوم من اجتماع الكلمة وعدم الفرقة وتوحيد الصفوف، فلهذا تركتكم وتترككم راجية لكم أن تدركوا حقيقة الموقف فتعملوا بما يقتضيه. أيها الشعب الجزائري الكريم! ... قد بينت لك جمعيتك حقيقة الموقف وحرجه، وكشفت لك شيئا مما تعانيه أنت وتعانيه هي من الأقرباء والبعداء وهي تدعوك إلى التبصر والتثبت والاتحاد والتجمع والتنبه والتيقظ، وتحثك على الاعتماد على الله وحده، ثم على نفسك والصادقين من أبنائك، وما الصادقون إلا الذين يحافظون بأقوالهم وأعمالهم ومواقفهم على إسلامك وعروبتك

стр. 1188

وجميع مقوماتك، يناضلون بالنفس والنفيس عن جميع حقوقك، وهم فيك اليوم إن شاء الله كثيرون وسيكونون أكثر والله أكبر!. الجزائر ٥ جمادى الثانية ١٣٥٦هـ عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس

стр. 1189

نداء إلى رئيس المؤتمر الإسلامي الجزائري وإلى اللجنه التنفيذية ــ لقد علمتم أن الحكومة الفرنسية لم تجب أي مطلب من مطالب المؤتمر رغم وعد رئيس الوزارة يوم زاره الوفد بتنجيز بعضها المستعجل على رجاء أن تكون مطالب المؤتمر من أول ما ينظر فيه. غير أنه قد حدث اليوم ما دل على أن مطالب المؤتر غير ملتفت إليها ولا منظور فيه وذلك بما قررته الحكومة من تكليف اللجنة البرلمانية التي يرأسها قرنيت ببحث جديد لا ينتهي إلا بعد ثمانية عشر شهراً ...! وبعد ذلك تأتي الوفود للبحث والسؤال المدقق ... فزيادة على ما في هذا من التسويف والمماطلة فإنه دليل قطعي على أن مطالب المؤتمر لا عبرة بها. وهذا يوجب على اللجنة التنفيذية أن تجتمع لتقرر قرارها الصريح الحازم وتقف موقفا جديا إزاء هذا الحادث الجديد ثم يكون من واجبها أن تدعو إلى عقد مؤتمر عام فوق العادة ليقرر قرارا إجماعيا من طلبات لا يخالف فيها أحد ويقرر قراراً إجماعيا في الموقف الذي تقغه الأمة الجزائرية إذا لم تجب إلى تلك المطالب في أجل محدود. وعليه فإني (كمسلم جزائري) أطلب من سيادة الرئيس أن يأمر اللجنة التنفيذية للمؤتمر بأن تجتمع في الخامس عشر من أوت الجاري.

стр. 1190

هذا وأنا الآن قد أديت أول واجب من واجباتي في الوقت الحاضر بهذا النداء. والله المستعان على إتمام الواجبات الأخرى (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1191

هل آن أوان اليأس من فرنسا ؟ إن الذين كانوا معنا يوم قابلنا رئيس الوزارة م بلوم باسم المؤتمر في جوليت من السنة الماضية، يعلمون تصريحه بأننا لا نرجع بأيدينا فارغة وأنه سيشرع في الحين القريب في تحضير مطالبنا المستعجلة، ويعلمون قول م فيوليط وهو بجنبة: ستحضر قبل يوم الأحد، ورجال ذلك الوفد يعلمون أنهم رجعوا بأيديهم فارغة. ولم يصدق لا الرئيس ولا الوزير. وقراء (الشهاب) لا ينسون ما كتبه (الشهاب) عن هذا الاخلاف وعن الوفد في عدد رجب وأكتوبر من السنة الماضية، والذين حضروا المؤتمر الثاني هذه السنة يعلمون ما نبهتهم عليه من أن فرانسا لم تجب أي مطلب من مطالب المؤتمر، والناس كلهم اليوم يعلمون ما نشرته الصحافة الفرنسية- رسميا- عن لجنة الثمانية عشر شهراً التي يرأسها م قرنوت وم ستيق وأنها بعد الثمانية عشر شهراً توفد وفوداً تسأل أسئلة مدققة؟! .. فماذا فهم الناس من هذا كله؟ أما الذين ينطرون إلينا من الخارج نظر الحاكم على الأمم بما يبدو من أعمالها وسيرها فإنهم يقولون: إن فرنسا تعد وتخلف لأنها رأت مصلحتها في الاخلاف، ولا يرجى منها إقلاع عنه ما دامت تعتقد مصلحتها فيه. والجزائر تنخدع وتطمع، ويمكن أن يطول انخداعها ويستمر طمعها ويمكن أن ينجلي لها سراب الغرور فتقلع عن الانخداع وتقطع حبل الطمع وتتصل باليأس وما يثمره اليأس ويقتضيه. وأما نحن- الجزائريين- فإننا نعلم من أنفسنا أننا أدركنا هذا الاخلاف العرقوبي وأدركنا مغزاه وأخذ اليأس بتلابيب كثير منا وهو

стр. 1192

يكاد يعم، ولا نتردد في أنه قد آن أوانه ودقت ساعته ... ماذا تريد فرنسا من مماطلتنا! لقد أعلن شاعرنا القومي جواب هذا السؤال في قصيدته التي نشرناها في الجزء الماضي حيث قال: ولعل من نظم السيا ... سة أن نغش وأن نغر ولعل منها أن يدس ... لنا ونجذب للحفر ولعل منها أن يبسس ... لنا لنحلب كالبقر ولعل منها أن نما ... طل كي يساورنا الفجر كذب رأي السياسة وساء فألها، كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل، وإنما تدفعنا إلى اليأس الذي يدفعنا إلى المغامرة والتضحية. أيها الشعب الجزائري! أيها الشعب المسلم! أيها الشعب العربي الأبي! حذار من الذين يمنونك ويخدعونك، حذار من الذين ينومونك ويخدرونك، حذار من الذين يأتونك بوحي من غير نفسك وضميرك، ومن غير تاريخك وقوميتك، ومن غير دينك وملتك وأبطال دينك وملتك. استوح الإسلام ثم استوح تاريخك ثم استوح قلبك. اعتمد على الله ثم على نفسك، وسلام الله عليك. عبد الحميد بن باديس

стр. 1193

الوطن والوطنية الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء. ــ بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر سنين توجنا جريدة (المنتقد) الشهيدة، وجعلناهما شعارا لها تحمله فى رأس كل عدد منها. هذا أيام كانت كلمة الوطن والوطنية كلمة إجرامية لا يستطيع أحد أن ينطق بها، وقليل جدا من يشعر بمعناها. وإن كان ذلك المعنى دفينا في كوامن النفوس ككل غريزة من غرائزها، لا سيما في أمة تنسب إلى العروبة وتدين بالإسلام مثل الأمة الجزائرية ذات التاريخ المجيد. أما اليوم وقد صارت كلمة الوطن والوطنية سهلة على كل لسان وقد يقولها قوم ولا يفقهون معناها، وقد يقولها آخرون بألسنتهم ولا يستطيعون أن ينتسبوا لها في المكتوب من رسمياتهم، ويفزع منها نن يتخيلون فيها ما يعرفون في وطنياتهم، وينكرها آخرون زعما منهم أنها ضد إنسانيتهم وعمومياتهم- فكان حقا لقراء (الشهاب) علينا أن نقول لهم كلمة مختصرة نبين بها حقيقة هذه الكلمة وأقسامها وأقسام الناس إزاءها، ومن أي قسم نحن من تلك الأقسام. من نواميس الخلقة حب الذات للمحافظة على البقاء وفي البقاء عمارة الكون، فكل ما تشعر النفس بالحاجة إليه في بقائها فهو حبيب إليها، فالإنسان من طفولته يحب بيته وأهل بيته لما يرى من حاجته إليهم واستمداد بقائه منهم وما البيت إلا الوطن الصغير. فإذا تقدم شيئا في سنه اتسع أفق حبه وأخذت تتسع بقدر ذلك دائرة وطنه، فإذا دخل ميدان الحياة وعرف الذين يماثلونه في ماضيه وحاضره وما ينظر إليه من مستقبله، ووجد فيهم صورته بلسانه ووجدانه وأخلاقه

стр. 1194

ونوازعه ومنازعه- شعر نحوهم من الحب بمثل ما كان يشعر به لأهل بيته في طفولته ولما فيه- كما تقدم- من غريزة حب الذات وطلب البقاء، وهؤلاء هم أهل وطنه الكبير، ومحبته لهم في العرف العام هي الوطنية. فاذا غذي بالعلم الصحيح، شعر بالحب لكل من يجد فيهم صورته الإنسانية وكانت الأرض كلها وطنا له وهذا هو وطنه الأكبر. هذا ترتيب طبيعي لا طفرة فيه ولا معدل عنه، فلا يعرف ولا يحب الوطن الأكبر إلا من عرف واجب الوطن الكبير، ولا يعرف ولا يحب الوطن الكبير إلا من عرف وأحب الوطن الصغير. والناس إزاء هذه الحقيقة أربعة أقسام: ١ - قسم لا يعرفون إلا أوطانهم الصغيرة، وهؤلاء هم الأنانيون الذين يعيشون على أممهم كما تعيش الطفيليات على دم غيرها من الحيوان، وهم في الغالب لا يكون منهم خير حتى لأقاربهم وأهل بيتهم. ٢ - وقسم يعرفون وطنهم الكبير فيعملون في سبيله كل ما يرون فيه خيره ونفعه ولو بإدخال الضرر والشر على الأوطان الأخرى بل يعملون دائما على امتصاص دماء الأمم والتوسع في الملك لا تردهم إلا القوة. وهؤلاء شر وبلاء على غير أممهم بل وعلى أممهم فهم مصيبة البشربة جمعاء. ٣ - وقسم زعموا أنهم لا يعرفون إلا الوطن الأكبر وأنكروا وطنيات الأمم- كما أنكروا أديانها- وعدوها مفرقة بين البشر. وهؤلاء عاكسوا الطبيعة جملة وما عرفته البشرية منذ آلاف السنين ودلائل الفشل على تجربتهم حيث أجروا تجربتهم لا تكاد تخفى. ٤ - وقسم اعترف بهذه الوطنيات كلها ونزلها منازلها غير عادية ولا معدو عليها، ورتبها ترتيبها الطبيعي في تدرجها، كل واحدة منها مبنية على ما قبلها ودعامة لا بعدها. وآمن- هذا القسم- بأن

стр. 1195

الإنسان يجد صورته وخيره وسعادته في يته ووطنه الصغير وكذلك يجدها في أمته ووطنه الكبير ويجدها في الإنسانية كلها وطنه الأكبر. وهذا الرابع هو الوطنية الإسلامية العادلة. إذ هي التي تحافظ على الاسرة بجميع مكنوناتها وعلى الأمة بجميع مقوماتها وتحترم الإنسانية في جميع أجناسها وأديانها. فهي تخاطب البشرية كلها في جميع أجناسها بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وتخاطبها في جميع أديانها بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. وتخاطب جميع الأمم والأوطان بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. وبقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وهذه هي وطنيتنا معشر المسلمين الجزائريين الأفارقة ووطنية كل مسلم صادق في إسلامه ووطنيته. وقد أعلناها يوم قلنا على رأس جريدة (المنتقد): (الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء) وسرنا على مقتضاها إلى اليوم في كل ما قلنا وكتبنا وسنبقى عليها- ككل مسلم جزائري- حتى نلقى الله إن شاء الله. أشعب الجزائر روحي الفدا ... لما فيك من عزة عربية بنيت على الدين أركانها ... فكانت سلاما على البشرية (١) عبد الحميد بن باديس
следующие страницы →