هم الغالبون وليعلم كل ذي موسى ان موسى الله أحد، وكل ذي ساعد أن ساعد الله أشد وكل متريب ومتكبر أن لا إله إلا الله والله أكبر.
أيها الأخوان:
هذه حالة الجمعية في سنتها الثالثة عرضتها باختصار عليكم.
وهي في يومها الحاضر كما كانت في ماضيها وكما تكون إن شاء الله في مستقبلها سائرة في خطتها الإصلاحية الدينية العلمية المحضة تنشر العلم والفضيلة وتحارب الجهل والرذيلة عن نور القرآن العظيم والسنة النبوية، وهدي السلف الصالح من الأمة، تخدم بذلك الإسلام والمسلمين وجميع المساكين بالجزائر، وتؤدي بذلك واجبها نحو الإنسانية جمعاء.
والله نسأل دوام التوفيق في القصد والعمل والوصول إلى الخير العميم، على الصِّراط المستقيم.
عبد الجميد بن باديس
стр. 1367
خطاب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الذي ألقاه في الاجتماع العام
بمركز الجمعية بنادي الترقي بالعاصمة
يوم الأحد ١١ رجب ١٣٥٥ه و٢٧ سبتامبر ١٩٣٦م.
ــ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيا أيها الوفود الكرام قدمتم خير مقدم. جمعتكم عقيدة الحق والخير، وقادتكم فكرة الواجب وساقكم شوق النفوس الزكية إلى مشاهد الفضل، ومواقف المجد، ومطارح العمل الصالح الذي يرضي وينفع المخلوق فجئتم من أطراف القطر معتزين بالإسلام ممثلين للجزائر مكرمين للعلم، كل ذلك بحضوركم اجتماع جمعيتكم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فحياكم الإسلام الذي حفظتموه فحفظكم، وحيتكم الجزائر التي تأبون إلا أن تكونوا أبناءها وتأبى إلا أن تكون - بحق- أمًّا لكم، وحياكم العلم الذي هو أساس سعادتكم بإسلامكم وجزائريتكم، وحياكم الله، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من عند الله مباركة طيبة والله أكبر ..
أيها الإخوة:
خمس سنوات قطعناها معلنين بدعوة الجمعية سائرين إلى غايتها فما جمجمنا يوما بتلك الدعوة، ولا حدنا مرة عن ذلك القصد، فأغنى الناس بيان دعوتهم وإيضاح وجهتهم هم رجال هذه الجمعية لكن الشمس في رابعة النهار قد يخفى في بعض الجهات جرمها ويجهل- إلا
стр. 1368
عند القليل- مكانها إذا تراكمت السحب، وهزم الرعد وكاد البرق يخطف الأبصار فلا عجب أن تخفى حقيقة هذه الجمعية في بعض الأحيان على بعض الناس عندما أظلم الجو بسحب الباطل والتجأت طوائف من الناس إلى تبادل رعود الوعيد وبروق الوعود. وإذ كنا في فترة من الزمن هي على هذه الحال فأرى من الواجب أن أحدثكم عن غاية الجمعية ودعوتها وإن كنتم بها جد عالمين ليعلمها من كان بها جاهلا ويقمع من كان عليها من الكاذبين.
غاية الجمعية:
أرأيتم- أيها الأخوان- الزرع كيف ينبت ويخضر ويورق ويسنبل فيؤتي أكله، وقد تصيبه آفة وهو حب في الأرض فلا ينبت، وقد تصيبه وقد نبت فلا يورق ولا يسنبل وقد تصيبه وقد سنبل فلا تجنى منه حبة! والناس كالنبت معرضون في حياتهم إلى عدة آفات، يكادون لا يسلمون منها، فمنها ما يصيب العقول، ومنها ما يصيب الأبدان، ومنها ما يصيب الأموال، ومنها ما يعم ذلك كله، ولا يسلم المجتمع البشري إلا بمحاربة هذه الآفات كلها- وذلك نص الفصل الرابع من قانونها الأساسي الذي يقول: "القصد من هذه الجمعية هو محاربة الآفات الاجتماعية كالخمر والميسر والبطالة والفجور، فكل ما يفسد على الناس عقولهم أو يضيع عليهم أموالهم فهو من الآفات. ولهذا حاربت الجهل والجمود والدجل والخرافة وكل أنواع الأباطيل، وحاربت كل واقف في طريق التعلم والتعليم أي نوع من أنواع التعلم والتعليم، وحاربت "الزردات والوعدات والفدوات" وبدعة المآتم ومنكرات الولائم وكل وجوه السرف وأكل أموال الناس بالباطل، وحاربت أثرة ذوي المال بما جعلهم الله مستخلفين فيه، وقعودهم عن تأسيس المشاريع الاقتصادية وقبض أيديهم عن المشاريع العلمية والخيرية لأن ذلك من أسباب البطالة والفجور.
стр. 1369
ثمرة هذه الغاية:
هي سلامة المسلمين من تلك الآفات وأمثالها حتى يمكنهم أن يترقوا في جميع نواحي الحياة إلى أقصى ما تترقى إليه الأمم، فيكونوا محترمين من أنفسهم ومن غيرهم يفيدون ويستفيدون ويعرفون كيف يسوسون وكيف يساسون فتربح بهم الإنسانية عضوا من خير من عرفت من أعضائها.
دعوة الجمعية:
أيها الإخوة هذا العالم عالم الكون والفساد فكل كائن فيه هو معرض للخروج عن حالته الأصلية واختلال أصل نظامه، وتلك هي حالة الفساد، وإرجاعه إلى حالته الأصلية هو الإصلاح فالمسلمون اليوم بما دانوا به من عقائد الإسلام وفضائله وأعماله ونظمه على خير لكنهم خرجوا عن أكثر ما دانوا به فكانوا بذلك الخروج في حالة فساد فلا بد من إصلاحهم بإرجاعهم إلى ما خرجوا عنه، والجمعية تدعو إلى هذا الإصلاح فدعوتها إصلاحية محضة، وقد صرح بهذه الدعوة الفصل الثامن من قانونها.
ثمرة هذه الدعوة:
هي رجوع المسلمين إلى عقائد الإسلام المبنية على العلم، وفضائله المبنية على القوة والرحمة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان، ونظمه المبنية على التعاون بين الأفراد والجماعات والتآلف والتعامل والتعاون، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله، ومن اتقى الله فهو أنفع الخلق لعباد الله.
ما حصلنا من الثمرتين:
أيها الإخوة ما بين تلك الآفات وأنصارها وبين خصوم هذه
стр. 1370
الدعوة وعوارضها، ثبتت الجمعية ثبوت الجبال، وتتسع دائرتها في كل يوم، ويكيد أعداؤها لها ليصرفوا عنها، فيزداد التمسك بها ويكثر الالتفاف حولها، إن هذا أيها الأخوة لدليل عملي على نجاح دعوتها الصادقة ودنوها من غايتها الشريفة الواضحة ومتى كانت جمعية تلقى ما لقيته هذه الجمعية وتبقى بقاء هذه الجمعية لولا عقائد صحت، وأخلاق متنت وأفكار استنارت فأثمرت كلها العمل الصالح والصبر والثبات وكان اجتماعكم هذا في ختام هذه السنة وعلى أثر مرير حوادثها وشنيع كوارثها عنوان ذلك كله في الأمة ومبين مقدار ما جنت الجمعية من ثمار غايتها ودعوتها وأنه- والحمد لله- لكثير في هذا الزمن الصعب القصير فلنسر ولنرج من الله المزيد.
الجمعية وأنواع من يتصل بها:
تتصل الجمعية بنواح عدة مما يقضي به عملها ويستدعيه مركزها وتقتضيه سنن الاجتماع، فتسير مع كل ناحية بما تقتضيه خطة الجمعية وما يناسب غايتها ودعوتها، وسنذكر مواقف الجمعية مع كل ناحية منها ليكون كل أحدعلى علم بها.
الجمعية والأمة:
إذا كانت الجمعية بلغت- بتوفيق الله- إلى شيء من غايتها فذلك لأنها أتت هداية الأمة من بابها فخاطبتها بلسانها وقادتها بدينها الذي هو زمام روحها والجزء الأعظم الذي تتكون منه، وتحيا به شخصيتها، فعالجتها بالكتاب والسنة، وهدى صالح سلف الأمة حيث يتوجه كل مسلم منشرح الصدر مطمئن النفس، وحيث تنضوي كل المذاهب والفرق فيقل الخلاف أو يخف أو ينعدم، فلو كان في الجزائر جميع مذاهب الإسلام لوسعتهم هذه الجمعية بعلاجها الناجع النافع- بإذن الله- للجميع.
стр. 1371
الجمعية وأهل الطرق:
ها هو القانون الأساسي للجمعية كما وضع أول مرة منذ خمس سنوات وقد كان الذين وضعوه شطرهم مع الطرقيين، ولكنهم ما أكملوا السنة الأولى حتى فروا من الجمعية وناصبوها العداء واستعانوا عليها بالظلمة ورموها بالعظائم وجلبوا عليها من كل ناحية بكل ما كان عندهم من كيد، ذلك لأنهم وجدوا كثيراً من الآفات الاجتماعية التي تحاربها الجمعية هم مصدرها وهي مصدر عيشهم، ووجدوا قسماً منها مما تغضب محاربته سادتهم ومواليهم وقد شاهدوا مظاهر الغضب بالفعل منهم فما رفضتهم الجمعية ولا أبعدتهم ولكنهم هم أبعدوا أنفسهم، وكانوا والجمعية كما قال كثير:
وكنا سلكنا في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تواثقنا شددت وحلت
﴿ ... فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
الجمعية والحكومة:
لقد لقيت هذه الجمعية الإصلاحية من الحكومة العنت والبلاء ولم تبال في سبيل إرهاق الجمعية بكرامة المسلمين في دينهم وحرمة مساجدهم فأوصدت المساجد في وجوه العلماء وشحَّت برخص التعليم العربي القرآني وأعملت أصابعها في شؤون المساجد ورجالها والجمعيات الدينية وإعطائها بواسطة من لا يدينون بالإسلام ولا يشعرون شعوره ولا تهمهم مصلحته مما لا نعرف له نظيراً في أمة من الأمم وصورت رجال الجمعية بصورة الأعداء لتبعد عنهم كل من يعيش معها أو يرجو مصلحة لديها، كل ذلك والجمعية تصبر على البلاء وترد بأعمالها وأقوالها كل افتراء وتوالي الاحتجاجات على تكرر السكوت والإعراض ...
стр. 1372
هكذا كانت الحكومة وهكذا ما زالت في الجزائر إلى اليوم، ولكننا نرجو أن تنجلي هذه البلايا في عهد الحكومة الشعبية إذا صدق عزمها صدقت نيتها في إعطاء الجزائر حقوقها. وأن ثقتنا التي كنا منحناها في كل مثل اجتماعنا هذا، من السنة الماضية، لفرط حسن ظننا فيه، وانتظرناه، حتى خاب ذلك الظن- لنمنحها اليوم للحكومة الشعبية وأحزابها مستنجزين وعودها منتظرين فاتحة سنتها آملين أن لا يخيب ظننا هذه المرة وإذا خاب ظننا- لا قدر الله- فنحن عباد الله والله أكبر.
الجمعية والأحزاب:
إن الإسلام عقد اجتماعي عام فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي حياته لسعادته ورقيه وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مباديء الإسلام، فالمسلم الفقيه في الإسلام غني به عن كل مذهب من مذاهب الحياة فليس للجمعية إذاً من نسبة إلا إلى الإسلام، وبالإسلام وحده تبقى سائرة في طريق سعادة الجزائر والبلوغ بها- إن شاء الله- إلى أرقى درجات الكمال.
وإلى هذا فنحن نشكر ونعترف بالجميل لكل من يؤيدنا في سيرنا نصرة للمظلوم ومقاومة للجبروت، وخدمة للإنسانية في جميع أجناسها.
الجمعية والمؤتمر الإسلامي الجزائري العام:
مطالب الأمة الجزائرية كانت معروفة قبل اليوم وقد قدمت للحكومات المتعددة غير ما مرة وكان منها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكان من أولها محافظة الأمة على شخصيتها ولسانها وديانتها وقد كانت الأمة تخشى دائما أن تمس في شخصيتها وأن يتساهل بعض المتساهلين فيها، فلما جاء المؤتمر كان العلماء أحد عناصره لما فيه من تقديم المطالب الاجتماعية والاقتصادية لتطمئن الأمة على شخصيتها
стр. 1373
ولتظهر الأمة مقدار اهتمامها بدينها ولغتها وما ترجوه من الحرية فيهما ولتعلم الحكومة أن مطالب الجمعية هي مطالب الأمة كلها الممثلة في مؤتمرها وقد قامت الجمعية بواجبها كعضو في مؤتمر وستبقى إن شاء الله على تأييده ورد كل عادية عنه.
الجمعية وخصومها:
يالله ما أكثر خصوم هذه الجمعية، غير أنهم، بحمد الله كثيرون في العد، قليلون في الحسب العد، وهم على تفاهتهم في خصومتها يختلفون فيما خاصموها لأجله، فمنهم الظالم الذي خاف على سيطرته ومنهم المتريب بنفسه وبأصله الذي خاف على (خبزته) ومنهم المتشبع لما لم يعط فهو يخاف من افتضاح حقيقته. وقد حاربوها بأنواع السلاح وأصناف المكائد حتى انتهى بهم الأمر إلى تدبير حادثة الاغتيال والاعتقال. والجمعية- بحمد الله- ثابتة لهم صابرة لامتحان الله بهم. وقد عودها الله عاقبة الصابرين ورد عنها كيد الظالمين، والحمد لله رب العالين.
إخواني إني أحييكم وأحيي جميع إخوانكم الذين خلفهم العذر.
ثم أسكب عبرة الأسى على ما تلقاه أرض القدس الشريف من عسف الاستعمار الغاشم الذي فرق بين الإخوة الذين عاشوا في هناء وصفاء منذ قرون كما لطخ تاريخهم من هذه الفعلة بكل نقيصة مخزية ومردية، ولطخ تلك الرحاب المقدسة بالدماء البربئة، فبلسانكم ولسان الجزائر كلها من الأجنة في بطون الأمهات إلى الذين في الأجداث أرفع الشكوى إلى الله ثم الاحتجاج إلى كل من فيهم إنسانية من جميع الأمم (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1374
خطبة رئيس الجمعية
التي ارتجلها في الاجتماع العام بعد تجديد مكتب الإدارة
والفضل للأستاذ العقبي في كتابتها
ــ
الحمد للة معطي الفلج لباذلي المهج، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الذي جاءنا بها حنيفية سمحة لا إصر فيها ولا حرج وعلى آلة الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه فرسان الرهج، الذين أقاموا بالحق كل عوج، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين عدد من دب ودرج، أما بعد:
فيا أيها الإخوان إنني بلسان إخوانكم أعضاء المجلس الإداري لجمعيتكم أقدم لكم الشكر على ما بذلتموه في هذا المجلس من ثقة، وبلسانهم أعدكم أنهم يسيرون بالجمعية في مستقبلها كما ساروا بها في ماضيها وإن كنا نسأل الله أن يكون هذا المستقبل أحسن من الماضي. فلقد سار إخوانكم بهذه الجمعية في سنواتها في أهوال أي أهوال؟ حتى انتهوا بها في اجتماعكم هذا سالمة من كل كيد، محصلة على السمعة الحسنة والزيد كل الزيد، وهذا ما جعلكم تبذلون لها ثقتكم لأنكم تقدرون الرجال بأعمالهم وليس هذا لعمر الحق بالعجيب من أمثالكم الذين لا يراعون إلا الحق ولا يخافون إلا الله، ولا يطمعون إلا فيما عنده.
وأعضاء المجلس الإداري الذين انتخبتموهم وقد عرفتموهم قد أبقوا هيأتهم الإدارية على ما كانت عليه من الرئاسة ونيابة الرئاسة والكتابة وأمانة المال والرقابة. وكذلك لجنة العمل الدائمة بقيت كما هي: الرئيس (الشيخ أبو يعلى الزواوي) والكاتب (الشيخ الرشيد
стр. 1375
بطحوش) وأمين المال (السيد محمد بن الباي) ومستشاران اثتان هما السيد (محمد بن مرابط) والسيد (عباس التركي محمد وعلي) رفيق الأستاذ (الشيخ الطيب العقبي) في السجن بتلك التهمة الآفكة والمكيدة المدبرة. ثم إن هذا العبد الضعيف يقدم بلسان العجز الشكر لأعضاء الإدارة إخوانه أن قدموه للرئاسة وجددوا له ثقتهم به هذا مع علمه بعبء الرئاسة الثقيل وما يلزم لها من التضحية التي هي أول شرط الرئاسة. ولقد قال الهذلي (١):
وَإِنَّ سِيَادَةَ الْأَقْوَامِ فَاعْلَمْ ... لَهَا صَعْدَاءُ مَطْلَعُهَا طَوِيلُ
وأن هذا العبد الضعيف لثقته في الله وقوته بالله واعتزازه بقومه واعتماده بعد الله على إخوانه لمستعد لهذه الصعداء وإن طال مطلعها وطال.
أيها الإخوان!
إن أعظم لذة يشعر بها ذو الضمير الحي أن تكون له قيمة عند قومه. وأن لحصول الثقة منكم للذة أعظم من كل لذة، وأنها لتقع بعد لذة الإسلام والإيمان.
ثقة القوم بأخيهم هي التي يسعى إليها من يعرف قيمة نفسه وقيمة قومه.
وأنتم تعلمون ما هي قصة من أوذي في سبيل الله حيا ودخل الجنة بعد موته فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ فإنه في حب الله لم تكن لهم به ثقة بل كان فيما بينهم من المكذبين. ولذلك حينما نال ما نال، تمنى أن يكون يعلم به قومه حتى يعلموا ما صار إليه من حسن حال وسمو مقام.
стр. 1376
إخواني قدمتموني للرئاسة وهذا اعتراف منكم بأني أبقى على ما كنت عليه. فأنا رجل مسلم ورجل وطني، كل حواسي وكل عقلي هو لخدمة وطني، نعم أخدمه وأدرجه حتى لا يكون هنالك اندحار ولا انهيار.
إن ميدان العمل في هذه الجمعية لميدان واسع وهنالك للعمل ميادين أخرى لا أدخلها باسمها، ولكن "إن كان فيها منفعة" أدخلها باسمي- إن كان عند قومي قيمة لاسمي- وأرجو أن يعينني الله عليها.
أيها الإخوان!
إن على كل رئيس حقا، وقد قال الأحنف بن قيس:
إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئيِسٍ حَقًّا ... أَنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا
والصعدة هي الرمح يريد أنها تخضب بالدماء أو تنكسر وتندق في يده أثناء محاربته للأعداء. ولكن صعدتنا التي نخضبها هي القلم (وخضابه الحِبْرُ) ولكنه لا يندق هذا القلم حتى تندق أمامه جبال من الباطل (تصفيق عال وهتاف بكلمة الله أكبر).
وإن من الحق أن نتأدب بالأدب النبوي، ومنه أن لا نتمنى لقاء العدو، فإذا لقيناهم فلنصبر والله معنا.
إخواني!
إن لنا آمالا تتبعها أعمال، ونسأل الله أن يجعلنا حي أعمال لا حي أقوال. صدق الله أعمالنا وأقوالنا والله المستعان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1377
خطاب الرئيس الجليل
الأستاد الشيخ عبد الحميد بن باديس
في عرض حالة الجمعية الأدبية
ــ
الحمد لله الذي فضلنا بالعقل وكملنا بالعلم وجملنا بالفضيلة، وأسعدنا بالهداية والتوفيق.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الكامل بالفطرة، المكمل بالعصمة، المبعوث إلى الخلق رحمة، الداعي بالحكمة والموعظة الحسنة إلى أقوم طريق.
وعلى آله المنبثقين من أكرم نبعة والمنحدرين من أطهر مزنة، والنابتين من أطيب تربة، فنعم الفريق ذيَّاك الفريق.
وعلى أصحابه الذين نشروا الملة فبينوها بأسلات الألسن، وحملها بأسل الأسنَّة، حتى تبحبح الناس من الإسلام والسلام في روض أنيق.
وعلى التابعين لهم من جميع الأمة، المقتفين آثارهم بحق وقوة، المجددين عهدهم بعلم وحكمة المصطحبين من طريق سعادتهم- من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح خير رفاق.
أما بعد فحياكم الله أبناء العروبة والإسلام وأنصار العلم والفضيلة.
حوربت فيكم العروبة حتى ظن أن قد مات منكم عرقها، ومسخ فيكم نطقها، فجئتم بعد قرن تصدح بلابلكم بأشعارها فتثير الشعور والمشاعر وتهدر خطباؤكم بشقاشقا فتدك الحصون والمعاقل ويهزُّ كتَّابكم أقلامها فتصيب الكُلى والمفاصل.
стр. 1378
وحورب فيكم الإسلام حتى ظن أن قد طمست أمامكم معالمه، وانتزعت منكم عقائده ومكارمه فجئتم بعد قرن ترفعون علم التوحيد وتنشرون من الإصلاح لواء التجديد وتدعون إلى الإسلام كما جاء به محمد- ﵌ وكما يرضى الله، لا كما حرَّفه الجاهلون وشوَّهه الدجالون ورضيه أعداؤه.
وحورب فيكم العلم حتى ظن أن قد رضيتم بالجهالة وأخلدتم للنذالة ونسيتم كل علم إلا ما يرشح به لكم أو ما يمزح بما هو أضر من الجهل عليكم فجئتم بعد قرن ترفعون للعلم بناء شامخاً وتشيِّدون له صرحا سامقا فأسستم على قواعد الإسلام والعروبة والعلم والفضيلة جمعيتكم هذه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وحوربت فيكم الفضيلة فسمتم الخسف وديثتم بالصغار حتى ظن أن قد زالت منكم المروءة والنجدة وفارقتكم العزة والكرامة فرئمتم الضيم ورضيتم الحيف وأعطيتم بالمقادة، فجئتم بعد قرن تنفضون غبار الذل وتهزهزون أسس الظلم، وتهمهمون همهمة الكريم المحنق وتزمجرون زمجرة العزيز المهان وتطالبون مطالبة من يعرف له حقاً لا بد أن يعطاه أو يأخذه.
فبحق قلت: حياكم الله أبناء العروبة والإسلام وأنصار العلم والفضيلة.
نعم- أيها الإخوان- نهضنا بعد أن صهرتنا بنار الفتنة والابتلاء حوادث الزمان، وقارعتنا وقارعناها الخطوب ودافعتنا ودافعناها الأيام ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
نعم نهضنا بعد قرن بعد ما متنا وأقبرنا أحيينا وبعثنا سنة كونية
стр. 1379
فقهناها من القرآن ونعمة ربانية تلقيناها من الملك الديان ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا - إلى - يَشْكُرُونَ﴾، ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ - إلى - قَدِيرٌ﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ- إلى-الْحَكِيمُ﴾.
نعم نهضنا نهضة (بنينا على الدين أركانها فكانت سلاماً على البشرية) لا يخشاها- والله- النصراني لنصرانيته ولا اليهودي ليهوديته بل ولا المجوسي لمجوسيته ولكن يجب- والله- أن يخشاها الظالم لظلمه والدجال لدجله والخائن لخيانته.
العروبة والإسلام، والعلم والفضيلة، هذه أركان نهضتنا وأركان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي هي مببعث حياتنا ورمز نهضتنا، فما زالت هذه الجمعية منذ كانت تفقهنا في الدين وتعلمنا اللغة وتنيرنا بالعلم وتحلينا بالأخلاق الإسلامية العالية وتحفط علينا جنسيتنا وقوميتنا وتربطنا بوطنيتنا الإسلامية الصادقة، ولن تزل كذلك بإذن الله ثم بإخلاص العاملين.
كانت جمعية العلماء فكانت نهضة الأمة دوى صوت العلم فأيقظها من رقدتها، وكذلك عرفت الأمم من تاريخها لا تنهض إلا على صوت علمائها، فهو الذي يحل الأفكار من عقلها، ويزيل عن الأبصار غشاواتها ويبعث الهمم من مراقدها ويرفع بالأمم إلى التقدم في جميع نواحي الحياة ولهذا ترى أعداء النهوض من كل عصر ومصر يبذلون لإخفات هذا الصوت كل جهودهم ويكيدون له كل كيد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وما كانت جمعية العلماء حتى كان العلماء القرآنيون الذين فقهوا
стр. 1380
الدين والدنيا بفقه القرآن وعرفوا السنن الأقوم بمعرفة سنة محمد ﵌ وهدوا واهتدوا بما كان عليه السلف الصالح ورجال الإسلام العظام.
هذه- أيها الإخوان- نهضتنا وأركانها وأسبابها واضحة للعيان محفوظة للتاريخ خالدة للأجيال نورثها أبناءنا الذين سيقولون- إن شاء الله- فينا مثلما قلنا في أسلافنا:
إِنَّا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا ... لَسْنَا عَلَى الْأَحْسَابِ نَتَّكِلُ
نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا ... تَبْنِي وَنَفْعَلُ فَوْقَ مَا فَعَلُوا
أيها الإخوان، هذا يوم الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولكنني أريد أن أسميه بعيد نهضة المسلمين الجزائريين فهل أنتم موافقون (أصوات بالإجماع: موافقون).
فلنتعاهد في هذا اليوم العظيم، والعيد القومي العلمي الكريبم على خدمة مبادئ الجمعية وتوسيع نطاق أعمالها ونشر هدايتها ونصر كل عامل من رجالها بصبر وتضحية ونزاهة وثبات، فهل أنتم معاهدون (أصوات بإجماع: معاهدون).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
أيها الإخوان تنتظرون مني الآن أن أبين لكم مواقف الجمعية من بعض الجهات التي تعاصرها وتلتقي بها في محجة السير وميدان الحياة.
أما موقفها من الحكومة فهو هو: المطالبة والاحتجاج من ناحية الجمعية والصد والإعراض من الناحية الأخرى، ولقد كنت في خطاب السنة الماضية علقت رجاء الجمعية على الحكومة الشعبية وحسنت الظن بها، وأنا أعلن اليوم- مع الأسف المر- خيبة ذلك الظن ووهن ذلك
стр. 1381
الرجاء فحسبنا إيماننا بالله وثقتنا بأنفسنا فذلك- والله- أجدى لنا وأعود بالخير علينا.
وأما موقف الجمعية مع الأحزاب فأعيد فيه نص ما قلته بالسنة الماضية.
"إن الإسلام عقد اجتماعي عام فيه جميع ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه وقد دلت تجارب الحياة كثيراً من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام فالمسلم الفقيه في الإسلام غني به عن كل مذهب من مذاهب الحياة فليس للجمعية إذاً من نسبة إلا إلى الإسلام، وبالإسلام وحده تبقى سائرة في طريق سعادة الجزائر، والبلوغ بها - إن شاء الله- إلى أرقى درجات الكمال.
وإلى هذا فنحن نشكر ونعترف بالجميل لكل من يؤيدنا في سيرنا نصرة للمظلوم ومقاومة وخدمة للإنسانية في جميع أجناسها".
وأزيد اليوم: إن الجمعية لا توالي حزباً من الأحزاب ولا تعادي حزباً منها، وإنما تنصر الحق والعدل والخير من أي ناحية كان وتقاوم الباطل والظلم والشر من أي جهة أتى. محتفظة في ذلك كله بشخصيتها ومبادئها محترسة في جميع مواقفها مقدرة للظروف والأحوال بمقاديرها.
وأما موقفها مع المؤتمر فقد أوكلته لمن شاء من رجالها ليحافط فيه على اللغة والقومية والمطالب الدينية والعلمية، يعمل فيه على مسئوليته لا على مسئوليتها.
وأما مواقف الجمعية مع خصومها فإنها تعلم أن الأمة اليوم تجتاز طوراً من أشق أطوارها وأخطرها فهي تتناسى كل خصومة وتعمل لجمع الكلمة وتوحيد الوجهة ولا تنبذ إلا أولئك الرؤوس رؤوس الباطل
стр. 1382
والضلال الذين لا تجدهم الأمة في أيام محنتها إلا بلاء عليها ولا يتحركون إلا إذا حركوا الغايات عكس غايتها، فرقوا المسلمين بددا وصيروهم قددا، وقد هد الله- والحمد لله- ركنهم المنهار وفضح أمرهم في رابعة النهار، وصيرهم أقل من أن يعتني بهم وأحقر من أن يضيع الوقت في الحديث عليهم.
هذه مواقف جمعيتكم- أيها الإخوان عرضتها عليكم في إيضاح وإيجاز، والله أسأل أن يثبت أقدامنا في مواقف الحق كلها في الدنيا وفي مواطن السؤال والجزاء في الأخرى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. آمين يا رب العالين.
стр. 1383
خطاب الرئيس في الاجتماع العام
لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
المنعقد بنادي الترقي صبيحة يوم السبت ٢٩ رجب
ــ
الحمد لله الذي قضى بابتلاء عباده ليظهر حقائقهم فيجازيهم على أعمالهم، والصلاة والسلام على أشرف من قاد الخلق وساقهم إلى سعادتهم وكمالهم وعلى آله الذين كرم الله أصولهم وجمل أخلاقهم وبرهنوا على النسب الشريف بجميل حالهم.
وعلى أصحابه الذين لم يخلق الله من فاقهم بل ولا من ماثلهم في حالهم ومآلهم، وعلى كل من تبع طريقهم، وتحلى من بعدهم بخلالم.
أما بعد، فسلام عليكم يا أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أجمعين، وسلام على مساجينكم في المساجين وسلام على متهميكم في المتهمين، وسلام على منكوبيكم في المنكوبين، سجون واتهامات ونكبات ثلاث لا تبنى الحياة إلا عليها ولا تشاد الصروح السامقه للعلم والفضيلة والمدنية الحقة إلا على أسسها. فاليوم وقد قضى الله للجمعية بهذه الثلاث- أثبتت الجمعية في تاريخ الإسلام وجودها، وسجلت في صحيفة الخلود رسمها، ونقشت في قلوب أبناء المستقبل أسمها، وبرزت في ذلك كله أسماء أولئك المسجونين والمتهمين والمنكوبين نجوما متألقة تأخذ بالأبصار.
هذا الأستاذ العقبي برأته العدالة من التهمة الباطلة ثم أبت تلك النواحي المظلمة من الحياة الجزائرية إلا أن تعود به إلى التهمة، ولا نشك أنه لم تنتصر مرة أخرى في تبرئته العدالة فستفضح تلك النواحي في العالم شر فضيحة.
стр. 1384
وهذا الأستاذ الإبراهيمي سيق إلى المحاكمة على حفلة علمية وقضي عليه بالغرامة فلم يكتف في حقه بذلك فرفعت القضية للإعادة وهو ينتظر ما يكون.
وهذا الشيخ عمر دردور سجن في سبيل نشر العلم والفضيلة، ثم أنصفته العدالة فأطلقت صراحه فأبت تلك النواحي إلا أن تعود به إلى القضاء وهو ينتظر إلى اليوم فصله.
وهذا الشيخ عبد الحفيظ الجنان عزل من وظيفة قيم بالجامع الأخضر لأنه من جمعية العلماء.
وهؤلاء أهل (سوف) قد ذاقوا من التغريم والنفي والسجن ما ذاقوا وروعوا في ديارهم وأهليهم أفظع ترويع ثم لم يثبت عليهم شيء مما رموا به إلا رغبتهم في العلم وطرحهم لسربال الطرقية الوسخ الثقيل.
وهذا الشيخ عبد العزيز الهاشمي والشيخ علي بن سعد والشيخ عبد القادر الياجوري والسيد عبد الكامل في ظلمات السجن إلى اليوم، وقد رمي الشيخ عبد العزيز بالثورة ضد أمن الدولة وبالصلة الأجنبية فلم يثبت لدى البحث النزيه إلا أنه عقد مظاهرة بدون رخصة، طلب الناس فيها حرية التعليم، والإعانة بالخبز، وشكوا من ظلم بعض القادة.
وهؤلاء رجال التعليم في بجاية وباتنة وغيرهما يساقون إلى المحاكمة المرة بعد الأخرى، ويغرمون من أجل التعليم ويهددون بالسجن.
وهذه مدرسة دار الحديث بتلمسان مغلقة إلى اليوم وكم أذكر وكم أعدد، فلقد هبت الأمة لتعلم دينها ولغة دينها في جد ونشاط فاق السنوات المتقدمة فعوجلت بهذه البلايا والمحن. حقا لقد كانت سنتنا الماضية سنة عمل وسنة ابتلاء، وأي عامل صادق في عمله مخلص فيه لا يبتلى؟
стр. 1385
وفيم هذا كله؟ على من ثرتم؟ وإلى من أساتم؟ وأي حدود تعديتم! وماذا تبغون!
لا والله ما ثرتم إلا على الجهل والرذيلة. وما أسأتم إلا للأثرة والجبرية، وما تخطيتم إلا حدود الجمود والخرافة، ولا تبغون إلا الحق والخير والعدْل والإحسان.
ألا في سبيل الله ما لقيتم، ألا في سبيل الله ما أنتم لاقون.
أيها الإخوان، إن جمعيتكم أمينة على حفظ الإسلام ولغة الإسلام في هذه الديار فإن قانونها الاساسي ينص على أنها جمعية تهذيبية إرشادية، تحارب الآفات الاجتماعية، وكل ما يحرمه صريح الشرع. وتتدرع لغايتها بكل ما تراه صالحا نافعا غير مخالف للقوانين المعمول بها، وأي وسيلة أقرب إلى تهذيب المسلمين. وأي دواء أنجع في علاجهم، من دينهم الإسلام الكريم؟ وبأي شيء يفهمون هذا الدين ويصلون منه إلى ما فيه من تربية وتهذيب إلا بالعربية لغة القرآن العظيم؟ وتعلم الإسلام ولغة الإسلام مباح في أصل القوانين. ولقد صدمت هذه القوانين الأصلية بمعاملات استثنائية رامية في فهم جميع المسلمين إلى فهم جميع المسلمين إلى مقاومة الإسلام ولغة الإسلام. وذلك هو المشاهد من آثارها في التغليق والتعطيل.
لقد قامت الجمعية بالدفاع إزاء هذا كله، وقامت معها جميع الهيئات أو جلها حتى تبين أن المسألة مسألة أمة لا مسألة جمعية، وأن المسلمين لا يسكتون عن تعلم دينهم ولغة دينهم بحال.
وقد جيش على الإسلام من ناحية أخرى، فوضعت الذاتية الإسلامية في المساومة، فرفعت الجمعية صوتها بالتحذير والتبيين، ووجدت من ممثلي الأمة آذانا صاغية، ففشلت تلك المساومة وقبرت المسألة من ذلك اليوم. والمجد والخلود للإسلام وهكذا لا تفتأ جمعيتكم أن
стр. 1386
شاء الله دائبة في سبيل الإسلام والعربية لغة الإسلام في دائرة القانون العام، ولو لحقها في ذلك ظلم وعدوان.
أيها الإخوان قد تعاهدنا في مثل هذا العيد من السنة الماضية، تعاهدنا على خدمة مبادئ الجمعية وتوسيع نطاق أعمالها، ونشر هدايتها، ونصر كل عامل من رجالها، بصبر وتضحية وثبات، وقد وفينا- والفضل لله- بهذا العهد أو بما استطعنا في السنة الماضية، فهل أنتم على هذا العهد فيما نستقبل من سنتنا؟ "أصوات بإجماع: معاهدون".
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
أيها الإخوان قد اعتدنا في كل اجتماع عام من اجتماعاتنا أن نرفع شكوانا واحتجاجنا إلى الولاية العامة وإلى الحكومة العليا، ولم يرد لنا جواب مرة واحدة، بلى يكون الجواب بزيادة الإرهاق وتضييق الخناق.
فصدر قانون النوادي الذي يرمي إلى أخلائها وحرمان الكبار من التهذيب في نواديهم، بعد ما حرموا منه في مساجدهم وصدر قانون ٨ مارس الذي يرمي إلى غلق المدارس وحرمان المسلمين من تهذيبهم وتلقين دينهم وآداب فنهم ولغة دينهم وصار من شروط إعطاء الرخصة للقليل الذي أعطيت له أن يعلم على الكيفية القديمة الخالية من كل تهذيب ذات العصا والفلقة والحصير، في العصر الذي تتقدم الأمم كل عام في أساليب التعليم نرد نحن إلى الوراء فاسمع وتعجب يا عصر المدنية والنور.
وصدر أمر الولاية العامة بتحجير القسم الجنوبي من الوطن على كل منتسب للعلماء بينما تعطى الإعانات وتمنح التسهيلات للبعثات غير
стр. 1387
الإسلامية لتنصير أبناء وبنات المسلمين وصدرت الإيعازات- وخصوصا في الدوائر الممتزجة إلى القياد ومن إليهم بالابتعاد عن رجال العلم مما أحدث تباعدا في كثير من النواحي بين أبناء العرش الواحد بينما نحن نسعى للتقريب والتأليف بين جميع المتساكنين، هذا هو الجواب العملي عن شكوانا واحتجاجنا.
وكذلك في أكثر اجتماعات المجلس الإداري كنا نصدر البيان إثر البيان عن خطتنا وغرضنا وأن غايتنا من أول أمرنا هي تهذيب المسلمين بدينهم ولغة دينهم في دائرة القانون، وإننا نريد من ذلك رفع مستوى المسلمين الجزائريين العقلي والأخلاقي، ليتعاونوا مع من يساكنونهم بكفاءة وتآخ واحترام، وإننا نعمل لذلك بواجب ديننا ووحي ضمائرنا وأن كل ما أصابنا هو في سبيل تعليم الدين ولغة الدين فلم يرد علينا بجواب واحد، بلى يرد علينا بقلب الحقائق واختلاق التهم وترويج الأباطيل وبعث الأراجيف، فيكون ذلك هو الجواب العملي.
أيها الإخوان فنحن مع بقائنا على جميع ما قلنا وبينا، واستمرارنا في موقفنا كما كنا لا نريد اليوم أن نرفع شكوانا ولا أن نقدم احتجاجنا. وحسبنا في هذه السنة السكوت. وكفى بالسكوت احتجاجا عند من عرف وأنصف، وحسبنا الله ونعم الوكيل (١).
عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الرئيس: عبد الحميد بن باديس
стр. 1388
آثار ابن باديس
قسم الشعر
стр. 1389
السياسة في نظر العلماء
هي التفكير والعمل والتضحية
ــ
أشعب الجزائر روحي الفدى ... لما فيك من عزة عربية
بنيت على الدين أركانها ... فكانت سلاماً على البشرية
خلدتم بها وبكم خلدت ... بهذي الديار على الأبدية
فدوموا على العهد حتى الفنا ... وحتى تنالوا الحقوق السنية
تنالونها بسواعدكم ... وإيمانكم والنفوس الأبية
فضحوا وها أنا بينكم ... بذاتي وروحي عليكم ضحية
بهذه الأبيات ختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس خطابه التاريخي في الجلسة الختامية للمؤتمر الثاني الأخير (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1390
حديقة الأدب
من المنثور والمنظوم، اليوم وقبل اليوم
تحية المولد الكريم
ألقيت ليلة حفلة جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة
ــ
حييت يا جمع الأدب ... ورقيت سامية الرتب
ووقيت شر الكائدين ... ذوي الدسائس والشغب
ومنحت في العلياء ما ... تسمو إليه من أدب
...
أحييت مولد من به ... حيي الأنام على الحقب
أحييت مولده بما ... يبري النفوس من الوصب
بالعلم والآداب والأ ... خلاق في نشء عجب
...
نشء على الإسلام أسـ ... ـس بنائه السامي انتصب
نشء بحب محمد غـ ... ـذاه أشياخ نجب
فيه اقتدى في سيـ ... ـره وإليه- بالحق انتسب
وعلى القلوب الخافقا ... ت إليه رايته نصب
بالروح يفديها وما ... يغري النفوس من النشب
وبخلقه يحمي حما ... ها أو ببارقة الغضب
حنى يعود لقومه ... من عزهم ما قد ذهب
ويرى الجزائر رجعت ... حق الحياة المستلب
***
стр. 1391
يا نشء يا ذخر الجزا ... ئر في الشدائد والكرب
صدحت بلابلك الفصا ... ح فعم مجمعنا الطرب
وأذقتنا طعما من الـ ... ـفصحي ألذ من الضرَب
وأريت للأبصار ما ... قد قررته لك الكتب
شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب
من قال حال (١) عن أصلـ ... ـه أو قال مات فقد كذب
أو رام إذ ما جاله ... رام المحال من الطلب
يا نشء أنت (رجاؤنا) (٢) ... وبك (الصباح) (٣) قد اقترب
خذ للحياة سلاحـ ... ـها وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل والإ ... حسان واصدم من غصب
وأذق نفوس الظالمين ... السم يمزج بالرهب
واقلع جذور الخائنين ... فمنهم كل العطب
واهزز نفوس الجامديـ ... ـن فربما حيي الخثسب
يا قوم هذا نشؤكم ... وإلى المعالي قد وثب
كونوا له يكن لكم ... وإلى الأمام إبناً وأب
نحن الأولى عرف الزمان ... قديمنا الجم الحسب
ومعين ذاك المجد في ... نسل العروبة ما نضب
وقد انتبهنا للحياة ... آخذين لها الأهب
لنحل مركزنا الذي ... بين الأنام لنا وجب
فنزيد في هذا الورى، ... عضواً شريفاً منتخب
стр. 1392
[صورة: جمعية الكشافة الإسلامية]
ندعو إلى الحسنى ونو ... لي أهلها منا الرغب
من كان يبغي ودنا ... فعلى الكرامة والرحب
أو كان يبغي ذلنا ... فله المهانة والحرب
هذا نظام حياتنا ... بالنور خطَّ وباللهب
هذا لكم عهدي به ... حتى أوسد في الترب
فإذا هلكت فصيحتي ... تحيا (الجزائر) و (العرب) (١)
عبد الحميد بن باديس
стр. 1393
حديقة الأدب
من المنثور والمنظوم، اليوم وقبل اليوم
القومية والإنسانية
ألقيت ليلة احتفال جمعية التربية والتعليم الإسلامية بالمولد الشريف
ــ
المجد لله ثم المجد للعرب ... من أنجبوا لبني الإنسان خير نبي،
ونشروا ملة في الناس عادلة ... لا ظلم فيها على دين ولا نسب،
وبذلوا العلم مجاناً لطالبه ... فنال رغباه ذو فقر وذو نشب،
وحرروا العقل من جهل ومن وهم ... وحرروا الدين من غش ومن كذب،
وحرَّروا الناس من رق الملوك ومن ... رق القداسة باسم الدين والكتب،
قومي هم وبنو الإنسان كلهم ... عشيرتي، وهدى الإسلام مطلبي،
أدعو إلى الله لا أدعو إلى أحد ... وفي رضى الله ما نرجو من الرغب (١)
عبد الحميد بن باديس
стр. 1394
انتهى الجزء الأول من المجلد الثاني من هذا الكتاب، وقد اشتمل على قسم الإصلاح والثورة ضد البدع، وقسم التربية والتعليم، وقسم السياسة، وقسم البرقيات والاحتجاجات، وقسم الاجتماعيات وقسم الخطب، وقسم الشعر.
ويليه الجزء الثاني من المجلد الثاني وفيه بقية أقسام الكتاب وكامل فهارس المجلد الثاني.
стр. 1395
كتاب آثار ابن باديس
الجزء الثاني من
المجلد الثاني
مقالات اجتاماعية تربوية أخلاقية دينية سياسية
إعداد وتصنيف
دكتور عمّار الطالبي
الشركة الجزائرية
стр. 1396
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى ١٣٨٨ هجرية = ١٩٦٨ ميلادية
الطبعة الثانية ١٤٠٣ هجرية = ١٩٨٣ ميلادية
الطبعة الثالثة ١٤١٧ هجرية = ١٩٩٧ ميلادية
стр. 1397
آثار ابن باديس
٤
стр. 1398
آثار ابن باديس
٤
стр. 1399
ـ[صورة]ـ
العلامة الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة بالمغرب العربي وقائد الحركة الإصلاحية ومؤسسها بالجزائر
ــ
стр. 1400
هذا هو الجزء الثاني من المجلد الثاني والأخير من كتاب آثار ابن باديس، وهو يشتمل على المقلات التالية: التاريخ، العرب في القرآن، التراجم، القصص الديني والتاريخي، الرحلات، تطور الشهاب، الصلاة على النبي، الفقه والفتاوى.
وقد قامت لجنة من كبار علماء دمشق بالإشراف على تصحيح هذا الكتاب القيِّم أثناء طبعه، ليأتي سليماً من الأخطاء، خالياً من كل تحريف، وذلك بالنظر لأهميته المبالغة في النهضة الإسلامية العربية الحديثة في المغرب الإسلامي.
стр. 1401
آثار ابن باديس
قسم التاريخ
стр. 1402
تبليغ الرسالة
تلخيص المحاضرة التي ألقاها صاحب هذه المجلة بنادي الترقي بالعاصمة
في حفلة المولد الشريف
ــ
مقدمة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
أيها السادة الحياة ماض ومستقبل وحال. وما أقل حظنا من الحياة لو حظنا منها هو الحال خاصة، ذلك الجزء اليسير من الزمن الذي ما يجيىء حتى يذهب، ولا يثبت حتى يزول، ولكن حظنا من الحياة عظيم بالماضي المديد، والمستقبل البعيد، بالماضي إذا كانت لنا ذكريات نشعر بها، وبالمستقبل إذا كانت لنا آمال نتوق إلى تحقيقها، وإنه- لتتسع حياة الشخص الماضية بقدر ما تمتد ذكرياته في سوالف الأزمان وتمتد آماله في غابرها، حتى يكون كأنه- وهو شخص واحد- قد عاش أعمار الأجيال والأمم من السابقين واللاحقين.
فالذكريات والآمال- أيها السادة- هي مقياس الأعمار.
ذكريات الشخص وآماله في حياته الخاصة لا تجعله يتجاوز نطاق ما قدر له أن يعيش من أمد محدود قصير جداً بالنسبة إلى عمر
стр. 1403
التاريخ الطويل. ولكن الذكريات والآمال الخارجة عن حياته الشخصية هي التي تجعله كأنه قد عاش الدهور الطوال.
فنحن في حفلنا هذا بذكرى المولد النبوي الكريم التي هي الثانية بعد الأربعمائة والألف من ولادة محمد بن عبد الله- ﵌ نشعر بالحياة الإسلامية في هذه القرون كلها حتى كأننا عشناها فعلاً.
ونريد أن نحلي شعورنا بهذه الذكرى بذكر ناحية من نواحي حياة هذا النبي الكريم- ﵌ ليبعث فينا العلم بتلك الناحية آمالاً عظيمة في المستقبل الإسلامي القريب والبعيد ويدفعنا إلى تحقيق تلك الآمال بما استطعنا، فنكون كأننا نعيش مع الأجيال الآتية من أبناء الإسلام.
المقصد:
الرسول- ﵌ جاء بالرسالة من الحق لهداية الخلق فكيف بلغ هاته الرسالة، هاته هي الناحية التي نريد الكلام عليها.
فصل علمي:
قد بلغ- ﵌ رسالة ربه بالقول والعمل إلى آخر رمق من حياته، وكان تبليغه كما أمره ربه على درجات حسب التدريج الذي هو من سنة الله في خلقه وفي شرعه.
الدرجة الأولى الأمر بالتبليغ المطلق:
بدأ رسول الله- ﵌ من الوحي بالرؤيا الصادقة التي هي تلقي الروح من عالم الملائكة عند تخليها بعض التخلي عن الجسد في حالة النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق
стр. 1404
الصبح، ثم جاءه الملك بالوحي، فكان أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
ولم يكن في هذا أمر بالتبليغ لغيره. فرجع إلى بيته فأعلم زوجته خديجة رضوان الله عليها فصدقته، وقوته بذكر صفاته العالية وأخلاقه الكريمة الطيبة التي لا يجازي الله صاحبها إلا بالكريم الطيب وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقالت له: فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فكانت هي أول مصدق له. ثم فتر الوحي، ثم رأى الملك المرة الثانية ولم يكن قد اعتادت بشريته رؤية الملائكة، فرجع إلى أهله يقول لهم: دثروني دثروني! فدثروه أي غطوه بثياب فأنزل عليه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
فكان هذا أول أمر بالتبليغ والإنذار فكان تبليغه لزوجته وهي مصدقة له وكان يبلغ الفرد والفردين وكان أبو بكر الصديق أول من آمن من الناس، وكان علي كرم الله وجهه في كفالته مستمسكا بأذياله ما عرف باتباعه فكان من أول من آمن به.
الدرجة الثانية الأمر بتبليغ العشيرة:
ثم أمر بإنذار قومه قريش بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج حتى صعد إلى الصفا ثم نادى يا صباحاه وكانت
стр. 1405
العرب إذا دعا الرجل بياصباحاه اجتمحت إليه عشيرته. فاجتمعت إليه عشيرته، فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فقال لهم: أرايتكم لو أخبرتهم أن خيلا تخرج من سفح الجبل وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم، كنتم مصدقين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم قال: يا آل كعب بن لؤي، يا آل مرة ابن لؤي، يا آل قصي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هشم، يا آل عبد الطلب، يا صفية أم الزبير- وهي عمته- يا فاطمة بنت محمد. أنقذوا أنفسهم من النار إني لا أملك لكم من الله شيئا.
فكانت هذه دعوته العامة لقومه من قريش.
الدرجة الثالثة الأمر بتبليغ العرب حوالي مكة:
ثم كان أمره بأن ينذر العرب خارج مكة بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج إلى أن كانت بيعة العقبة وإيمان الأنصار.
الدرجة الرابعة الأمر بالتبليغ العام لمن في عصره ولمن بعدهم:
ثم أمر بالتبليغ العام بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
فكاتب الملوك خارج جزيرة العرب كسرى وقيصر والقوقس وغيرهم.
وقد بلغ من جاء بعده من الأمم بما ترك لهم من كتاب الله لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.
أي لأنذركم بالقرآن وأنذر من بلغ القرآن فعم ذلك كله من بلغه.