صِدْقُ الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
ــ
المناسبة:
مضى في الآيات السابقة ذكر الله تعالى ما كان من المشركين من الكيد لنبيه ﷺ بمحاولتهم فتنته في دينه والله يثبته، ومبالغتهم في عداوته وإذايته، حتى كادوا يستفزونه ويزعجونه من أرض مكة فيخرجونه منها، وجاء بعدها أمر الله تعالى بإقامة الصلاة والتهجد بالليل، وفي ذلك أمر الله له بالقيام بعبادة ربه والتوجه والإنقطاع إليه وعدم المبالاة والاشغال عن مهام العبادة بهم، فجاء بعد ذلك الأمر الذي في هذه الآية بسؤاله أن يختار له، وفي ذلك تفويض أمره إلى ربه ورضاه بما يختار له. فالآيات السابقة أمر بالتجرد لعبادته، وهذه أمر بالتسليم لمشيئته، فبتلك يكون منقطعاً إليه، وبهذه يكون معتمداً عليه.
الألفاظ:
المدخل يكون بمعنى الإدخال ويكون بمعنى زمانه أو مكانه، الصدق: أصله وصف للقول بمعنى قوله ومطابقته للواقع.
стр. 317
ويوصف به الفعل إذا وقع على وجهه، وكما ينبغي أن يكون. وتضاف إليه الأشياء الكاملة في أنفسها الحسنة في ظاهرها وباطنها. لدن بمعنى عند. السلطان: بمعنى التسلط، يصدق على التسلط على العقول بالحجة وعلى غيرها بالملك والولاية. النصير: بمعنى ناصر.
التراكيب:
مدخل ومخرج منصوبان على المصدرية أو على الظرفية.
المعنى:
قل يا محمد سائلاً ربك متضرعاً إليه، يا رب أدخلني إدخالاً حسناً كاملاً تساوي في ظاهره وباطنه في الحسن والكمال، وتماثلت بدايته ونهايته وحاله وعاقبته فيهما أكون فيه على بصيرة ويقين وثبات وقوة، وأخرجني إخراجاً كذلك- وإذا كان بمعنى الظرف كان المعنى أدخلني في مكان حسن أو زمان حسن .. الخ. وأخرجني كذلك- واجعل لي من عندك تسلطا بالحق على العقول بالحجة والبرهان وعلى الملك بالعدل والإحسان، ينصرني ويؤيدني على كل من يقف في طريق دعوتي إليك وهداية خلقك من جبابرة البغي أو رؤوس الضلال.
توجيه:
قدمنا احتمال المصدرية في مدخل ومخرج لأنه أعم والعموم أنسب بهذا الدعاء الجليل الذي ليس في ألفاظه ما يدل على التخصص ولما كان الذي يضاف إلى الصدق لا يكون إلا حسناً لا عيب فيه ثابتاً لا خلل فيه وصفنا الإدخال والإخراج بما وصفناهما به لأن ذلك كله من مقتضى الحسن والكمال والثبوت. ولما كان السلطان المطلوب هو من عند الله ولا يكون إلا سلطاناً بالحق سواء
стр. 318
أكان في العلم أم في الحكم فسرنا، بالحجة والبرهان والعدل والإحسان.
ترجيح:
إذا نظرنا إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ قيل إن المراد بمدخل الصدق هو المدينة ومخرج الصدق هو مكة وتكون مكة مخرج صدق لأنه يخرج منها على حق ويقين وبصيرة وبإذن من الله تعالى وتأييده وتكون المدينة مدخل صدق لذلك كذلك. وإذا نظرنا إلى عموم اللفط حملنا الآية على العموم اعتباراً بحكم اللفظ ولا يفوت اعتبار المناسبة لما تقدم فإن الخروج من مكة ودخول المدينة يكون مما دخل في العموم دخولاً أولياً فالحمل على العموم - كما رأيت- محصل لاعتبار اللفظ واعتبار المناسبة ولذلك اخترناه.
تطبيق:
كل فرد من أفراد بني الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته لا ينفك عن المداخل والمخارج فكل ساعة يقضيها من حياته هي مدخل باعتبار دخوله فيها من غيرها ومخرج باعتبار خروجه منها إلى سواها. فإن قضاها صادق العقد صادق القول، صادق العمل وفارقها كذلك فهي مدخل صدق ومخرج صدق. وإن قضاها وفارقها سيء العقد سيء القول سيء العمل فهي ليست كذلك بل هي مدخل كذب وفجور ومخرج كذب وفجور. فالإنسان محتاج في كل لحظة من حياته لتوفيق الله وتأييده، وحفظه وإمداده، فجاء هذا الدعاء القرآني منبهاً على هذه العقيدة، مشتملاً على سؤال ما يحتاج إليه الإنسان في جميع شؤونه في حياته وأطواره فيه- من ألطاف ربه. ولما كان الإنسان في كل لحظة من حياته- لا بد- واجداً معارضاً
стр. 319
وصاداً عن الخير والصدق وقاطعاً في طريق الحق- من نفسه وشياطين الإنس والجن- قرن الدعاء السابق بالدعاء الثاني الذي فيه طلب التأييد من الله بالسلطان المبين، فالدعاءان- على (١) اختصارهما وإيجازهما- قد جمعا للإنسان كل حاجته من تحصيل الخير ودفع الشر فهما من أعظم الأدوية الربانية للإنسان ومن أعظم وسائله الشرعية إلى خالقه، فما أحراهما بأن يلهج بهما في كثير من أوقاته.
إستنباط:
إذا علمنا الله تعالى دعاء ففي ضمن ذلك التعليم تعليم آخر لنا كيف نعمل ما يناسب ذلك الدعاء وكيف نسلك السلوك الذي هو مظنة الاستجابة، فلما علمنا تعالى- مثلا- كيف ندعوه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كان في ذلك إرشاد لنا إلى سلوك الطريق المستقيم والإهتداء بأهله والمباينة لغيرهم، فكذلك هنا لما علمنا كيف ندعوه بالحفظ والتوفيق في المدخل والمخرج كان في ذلك إرشاد لنا إلى ما ينبغي لنا أن نكون عليه في مداخلنا ومخارجنا وجميع مصادرنا ومواردنا من تحري ما فيه مرضاته واجتناب ما فيه سخطه، ولما علمنا كيف ندعوه بالتقوية والتأبيد بسلطان من لدنه مبين كان في ذلك إرشاد لنا أن نكون أهل قوة في الأيدي وقوة في البصائر ودفاع عن الحق بما استطعنا من قوة.
سلوك وامتثال:
فعلينا أن لا ندخل في أمر إلاَّ على بصيرة به وعلم بحكم الله تعالى فيه، وأن دخوله خير، وأن لا نخرج من أمر إلا على بصيرة
стр. 320
وعلم كذلك، لا فرق بين أمر وأمر من كبير وصغير وجليل وحقير ونكون- مع بذل غاية ما عندنا من نظر واختيار- معتمدين على ربنا واثقين بحسن اختياره لنا مسلمين له فيما اختاره، ضارعين له مظهرين فقرنا وحاجتنا في كل حال. وعلينا أن نحصل من الأسباب ما يحصل لنا قوة العلم وقوة العمل لنكون أهلاً للدفاع عن الحق وحزبه، ومقيمين لسلطان الله في أرضه بالحق والعدل والإحسان. معتمدين- مع تحصيل تلك الأسباب- على الله وحده ومنتظرين منه الفرج والتيسير.
هذان هما الأصلان الأساسيان في سلوك أهل الله: التمسك بالحق ومدافعة الباطل، فاستمسك بهما تكن- بإذن الله- من الفائزين.
مَجِيءُ الْحَقِّ وَزُهُوقُ الْبَاطِلَ وَاسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الصَّادِقِينَ:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١)
المناسبة:
لما أمر الله تعالى نبيه أن يدعوه بحسن المدخل والمخرج والنصرة والتأييد أمره أن يعلن استجابته لدعوته بمجيء الحق وفي ذلك نصره، وذهاب الباطل وفي ذلك هلاك أعدائه وذهاب دولتهم. هذا على النظر العام، وأما على النظر الخاص فإن الله تعالى بعد ما ذكر أن أعداءه كادوا يستفزونه من الأرض وأمره أن يتوجه إلى عبادته ودعائه ذكر في هذه الآية ما كان من نصره على المشركين وفتح مكة عليه وتنكيس الأصنام التي هي باطلهم وإعلان كلمة التوحيد
стр. 321
الذي هو دينه وهدايته. ولذلك كان النبي ﷺ يتلو هذه الآية عندما كان يشير إلى الأصنام فتسقط إلى الأرض.
ففي الصحيح من حديث ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﵌ دخل مكة (يعني عام الفتح) وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
الحق الثابت الذي لا يعتريه زوال الباطل الذي لا ثبات له في نفسه. فالإسلام حق ويشمل كل ما هو طاعة. والشرك والكفر باطل ومثله كل ما هو معصية. زهقت الروح: خرجت، وزهق الباطل: ذهب واضمحل. الزهوق: الهالك الذاهب.
التراكيب:
جملة أن الباطل كان زهوقاً إطناب بالتذييل، المخرج إخراج المثل لتأكيد منطوق الكلام السابق. وشبه الباطل الذي غلب بأدلة الحق فزالت شبهه من الأذهان وطواغيته من الأرض بالحيوان الذي صرع فذبح فزهقت روحه وذهب على طريق المكنية حيث حذف المشبه به، وهو الحيوان المصروع المذبوح، وذكر المشبه وهو الباطل المغلوب، وأشير إلى المحذوف بذكر لازمه وهو الزهوق.
المعنى:
وقل يا محمد- معلنا بما أظهر الله على يدك وما قضى به من نصرك وما أجاب من دعائك- جاء الإسلام والتوحيد بأدلته وحججه وقوته وسلطانه، وذهب الكفر والشرك فبطلت شبهه.
واضمحلت دولته وأصبح الحق غالباً والباطل مغلوباً، وكذلك كان الباطل شأنه الذهاب والإضمحلال.
стр. 322
صدق وعد الله ﷻ :
نزلت هذه الآية بمكة والنبي ﵌ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم يلقون من المشركين ما يلقون، والمسلمون في ضعف- من العدد- وقلة، والمشركون في قوة وكثرة. فكانت هذه الآية وعداً بما سيكون من غلبتهم وقوتهم وكثرة عددهم فيبطل الشرك ويذهب سلطانه.
وقد صدق الله وعده ففتح عليهم مكة، وتمت لهم على المشركين النصرة، وللإشارة إلى إنجاز هذا الوعد وصدق الخبر قرأ النبي ﷺ الآية يوم فتح مكة كما تقدم.
تفصيل:
مجيء الحق هو بظهور أدلته وقيام دولته، وزهوق الباطل هو ببطلان شبهه وذهاب دولته. فأما القسم الأول فإنّ الأمر فيه ما زال ولن يزال كذالك ولن تزداد على الأيام أدلة الحق إلا اتضاحاً، ولن تزداد شبه الباطل إلا افتضاحاً. وأما القسم الثاني فإنه مرتبط بأحوال أهل الحق وما يكون عليه من تمسك به وقيام فيه، أو إهمال له وقعود عنه فيدال لهم ويدال عليهم بحسب ذلك.
عقيدة:
يرتبط قلب المسلم مطمئناً على أن ما هو عليه من الإسلام حق لا شك فيه وأنه يومئذ منصور ما تمسك به وأنه إذا خذل فإنما جاءه ذلك من ناحية نفسه، وعلى أن ما عدا الإسلام هو باطل لا شك فيه، وأن صاحبه هالك عند ربه وأن ما يكون له من سلطان لم يأته من جهة باطله وإنما جاءه من أسباب عمرانية مما يقتضيه الحق وفرط فيه أهله فحرموا ثمرته.
стр. 323
سلوك:
على أهل الحق أن يكون الحق راسخاً في قلوبهم عقائد، وجارياً على ألسنتهم كلمات، وظاهراً على جوارحهم أعمالاً يؤيدون الحق حيثما كان، وممن كان، ويخذلون الباطل حيثما كان وممن كان. يقولون كلمة الحق على القريب والبعيد، على الموافق والمخالف، ويحكمون بالحق كذلك على الجميع. ويبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نشره بين الناس وهدايتهم إليه بدعوة الحق، وحكمة الحق وأسبابه ووسائله. على ذلك يعيشون وعليه يموتون. فلنجعل هذا السلوك سلوكنا، وليكن من همنا. فما وفينا منه حمدنا الله تعالى عليه، وما قصرنا فيه تبنا واستغفرنا ربنا. فمن صدقت عزيمته ووطن على العمل نفسه - أعين ويسر للخير. وربك التواب الرحيم (١).
стр. 324
الْقُرْآنُ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١).
ــ
المناسبة:
لما جاء في الآية السابقة الإخبار بمجيء الحق، وفي مجيئه صحة الأرواح والأبدان والأحوال، وبزهوق الباطل وفي ذهابه ذهاب العلل والأمراض كذلك- جاء في هذه الآية بذكر القرآن والإخبار كما جاء فيه من الشفاء والرحمة تنبيهاً على أنه هو الشافي من أمراض الباطل وعلله، وأنه هو مصدر الحق وحجة ناصره، ومحصل الرحمة لأتباعه والمتمسكين به.
المفردات:
من: لابتداء الغاية أو للتبعيض، لأنه نزل مبعضاً، فكل بعض نزل منه فهو شفاء ورحمة. الشفاء: البرء من المرض، مرض الأبدان أو مرض النفوس. الرحمة: النعمة. الظلم: وضع الشيء في غير محله، كوضع الكفر موضع الإيمان. الخسار: النقص والضياع يكون في الأموال، يقال خسر ماله إذا ضيعه، ويكون في النفوس فيقال خسر نفسه إذا ضيعها ولم يستعملها فيما خلقت له من الطاعة والكمال، ويكون في الدين فيقال خسر دينه إذا ضيعه ولم يعمل به. فخاسر القرآن هو من ضيعه ولم يؤمن به.
стр. 325
التراكيب:
قرنت جملة (نُنَزِّلُ) بالواو مع أن ما قبلها إنشائية وذلك على وجهين: الأول أن تكون معطوفة على جاء الحق، أي وقل ننزل، فعطفت الخبرية على الخبرية التي لها حل، وهو المفعولية بالقول. الثاني: أن تكون الواو للإستئناف وهي في الحقيقة صلة في الكلام لتقويته وقرنت جملة لا يزيد بالواو لأنها معطوفة على جملة الصلة، وعبر بالمضارع في ننزل ويزيد قصداً لمعنى التجدد لأن الآيات كانت تنزل شيأ فشيأ وتنكير شفاء ورحمة للتعظيم. وقدم الشفاء لأنه برء من النقص على الرحمة لأنها حصول الكمال تقديم التخلية على التخلية وآيات القرآن الكريم سبب في حصول الشفاء فجعلت هي شفاء على طريق المبالغة تنبيهاً على تحقق حصوله بها.
المعنى:
وننزل عليك يا محمد بسبب الوقائع والمناسبات آيات من القرآن العظيم، هي شفاء يستشفي بها المؤمنون، ونعمة عظيمة أنعمنا بها عليهم، يؤمنون بها ويحلون حلالها، ويحرمون حرامها، ويعملون بما فيها، فينالون سعادة الدنيا والآخرة. أما الكافرون الظالمون الذين قابلوا بالكفر ما يجب أن يقابل بالإيمان وقابلوا بالرد ما يجب أن يقابل بالقبول فإن نزول تلك الآيات يكون سبباً في زيادة خسارهم وضياع الخير عليهم. إذ كل آية من تلك الآيات كانت كافية في شفائهم لو استشفوا بها ونزول الرحمة عليهم لو اهتدوا بها إلى الإسلام لكنهم يقابلون كل آية بالكفر والجحود فيخسرون في كل مرة كنزاً عظيماً، وهكذا يزداد خسارهم بقدر كفرهم المتجدد بنزول الآيات.
تنظير:
وصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء في مواضع من كتابه منها هذه،
стр. 326
ومنها قوله تعالى في سورة يونس ﵇: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ومنها في سورة فصلت: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (٢).
وأفادت الآيات كلها أنه شفاء لأهل الإيمان الذين يؤمنون دون غيرهم فإنهم بإعراضهم عنه كانوا من الخاسرين، وجاءت آية يونس بتقييد الشفاء بها في الصدور الذي هو العقائد، لأن ذلك هو المقصود الأول من هداية القرآن، وأصل لغيره. فإنه إذا شفيت الصدور من عقائد السوء ونزغات الشكوك واعتقدت الحق وارتبطت على اليقين زكت النفوس واستقام سلوك الإنسان فرده وجماعاته، ورقي درجات الكمال، فلا ينافي ذلك أن القرآن شفاء أيضاً للنفوس من سيء الأخلاق كما هو مقتضى الإطلاق في آية الإسراء هذه وآية فصلت (٣) لأن الأخلاق ناشئة عن العقائد ولازمة لها ولأنهما كليهما- العقائد والأخلاق- لا تكمل النفس الإنسانية إلا بالشفاء فيهما. ولا ينافي أيضاً حصول الشفاء للأبدان بالقرآن في بعض الأحوال كما هو مقتضى الإطلاق أيضاً ومقتضى ما سيأتي من الآثار، وإن كان هذا ليس هو المقصود بالقصد الأول من شفاء القرآن.
стр. 327
تقسيم:
الأمراض الإنسانية قسمان أمراض أرواح وأمراض أبدان، وكلاهما أنواع. وأمراض الأرواح المقصودة بالذات هنا ترجع إلى نوعين: مرض العقول ومرض النفوس، فالأول بجمود النظر وفساد الإدراك وتقليد الآباء واعتقاد الباطل والشك في الحق. والثاني بفساد الأخلاق وانحطاط الصفات. أما الأعمال فهي تابعة لهما فتصلح بصلاحهما وتفسد بفسادهما، والقرآن قد جاء داعياً إلى النظر والتفكر والإعتبار والتدبر، مبيناً- بما ساق من حجج الله وحجج رسله- الطريق الأقوم في الإدراك الصحيح. والسبيل الأشد في الفهم والتفهيم ناعياً على المقلدين تقليدهم، كاشفاً لأهل الباطل عن باطلهم، ذاكراً من قواطع البراهين البينة الواضحة ما لا يبقى معه خفاء في الحق ولا ريب. وجاء أيضاً مبيناً للأخلاق الفاسدة وذاكراً سوء أثرها وقبح مغبتها، مبيناً كذلك الأخلاق الصحيحة وعظيم نفعها وحسن عاقبتها فهذا شفاؤه للنفوس والعقول. وهو راجع إلى تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق وبهما سلامة الأرواح وكمالها وعليهما قوام الهيئة الإجتماعية وانتظامها. على أن القرآن هو شفاء للإجتماع البشري كما هو شفاء لأفراده فقد شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل وسياسة الناس ما فيه العلاج والدواء الشافي لأمراض المجتمع الأنساني مع جميع أمراضه وعلله. شفاء العقائد والأخلاق- وهما أساس الأعمال- والمجتمع. هذه الثلاثة لا تكاد تخلو آيات القرآن من معالجتها وبيان ما هو شفاء لها. ولا شفاء لها إلا بالقرآن- وبيان النبي راجع إلى القرآن- ومن طلب شفاءها في غير القرآن فإنه لا يزيدها إلا مرضاً، فهذه الأمم الغربية بسجونها ومشانقها ومحاكمها وقوتها قد إمتلأت بالجنايات والفضائح المنكرة التي تقشعر منها الأبدان، وهذه الممالك الإسلامية التي تقيم الحدود القرآنية
стр. 328
كالمملكة النجدية الحجازية والمملكة اليمنية قد ضرب الأمن رواقه عليهما واستقرت السكينة فيها دون سجون ولا مشانق مثل أولئك، وما ذلك إلا لأنهم داووا الملك بدواء القرآن فكان الشفاء التام.
وأما الأمراض البدنية فقد قال رسول الله ﵌: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" رواه البخاري من طريق أبي هريرة وقال: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" رواه مسلم من طريق جابر، وثبت عنه أنه داوى وتداوى، وروى الأئمة من ذلك عنه الكثير الطيب في كتاب الطب من صحيح البخاري وغيره. وثبت عنه ﵌ أنه استشفى واسترقى ببعض آيات القرآن العظيم، وأقر على ذلك من فعله من أصحابه. روى البخاري من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: "كان رسول الله ﵌ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به. قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه" وروى الشيخان واللفط للبخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: "انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطع من الغنم فانطلق يتفل عليه
стр. 329
ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط (١) من عقال (٢). فانطلق يمشي وما به قلبة (٣). قال: فأوفهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم أقسموا فقال الذي رقي لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله ﵌ فذكروا له فقال وما يدريك (٤) أنها رقية. ثم قال: قد أصبتم، أقسموا واضربوا لي معكم سهماً، فضحك رسول الله ﷺ . فثبت بهذين الحديثين أن في القرآن شفاء للأبدان، وحصل عندنا من جميع ما تقدم أنه شفاء للأرواح والأبدان للأفراد والمجتمع.
مداواة الأبدان، بالطب والقرآن:
ثبت عنه ﵌ الأمر بالتداوي قولاً وعملاً، وثبت عنه الإستشفاء بالقرآن، ولا منافاة بينهما، فإن الإنسان مركب من روح من عالم النور وجسم من عالم المادة المركبة. فمن الحكمة الإلهية أن شرع الله لنا عند الأمراض على لسان رسوله ﵌ الجمع بين الأدوية المادية التي هي المناسبة للبدن والآيات القرآنية التي هي المناسبة للروح مع ما في الأدوية القرآنية من اطمئنان القلب بالله وقوته به وانتعاشه بذكره وفي ذلك من تقوية للروح ونعيمها ما يهون عليها ألم المرض ويغلبها بإذن الله تعالى عليه. ومثل الآيات القرآنية في ذلك كل ما ثبت من الرقي النبوية المأثورة.
стр. 330
تحذير:
فرط قوم فأهملوا الإستشفاء بالذكر المأثور واقتصروا على الدواء المادي فحرموا أنفسهم من خير كبير إذا لم يكونوا له كالمنكرين، وأفرط آخرون فأهملوا الدواء المادي وزهدوا الناس فيه وتزيدوا في جانب المأثور حتى خرجوا عنه واتخذوا لهم من ذلك حرفة ومورداً لمعاش ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية والإجتماعية التي هي المقصودة بالقصد الأول من تنزيله، مقتصرين على الوجه الذي وجدوا منه سبيلاً إلى الإسترزاق على ما أحدثوا فيه وما ابتدعوا. فعكسوا الأمر وخالفوا السنة ووقعوا في المحظور من عدة وجوه. هذان الطرفان مذمومان. والعدل هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك ويقف في الوارد عندما ورد ويتناوله على ما ورد.
تطبيق:
نزول الآيات في الكافرين لا يمنع من تطبيقها على من شاركهم في مثل الحال الذي أنكرته عليهم من المؤمنين لأن الوصف المذموم سواء أكان المتصف به مؤمنا أم كان كافراً. فالذين تتلى عليهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتوضح لهم الدلائل الشرعية وهم عنها معرضون وعن تدبرها غافلون وبها متهاونون- يزدادون بكل مرة إثما بإعراضهم وغفلتهم وتهاونهم فيخسرون بقدر ما بقوتهم من الهداية على حسب حالهم، وإذا لم يكن خسارهم كخسار الكافرين فهو كخسار المعرضين الغافلين المتهاونين، وكفى به خساراً يتنزه عنه المؤمنون ويأباه الراشدون.
سلوك:
نتناول القرآن العظيم دواء من عند ربنا شفاء لأمراض عقولنا، وأمراض نفوسنا، وأمراض مجتمعنا، فنتطلب ذلك منه بتدبر آياته
стр. 331
وتفهم إشاراته ووجوه دلالاته، وشفاء أيضاً لأبداننا فنفعل كما كان يفعل النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه على ما تقدم في حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها. وعلى ما جاء من نحو ذلك مما ثبت عنه - عليه وآله الصلاة والسلام - وانتهى إليه علمنا. غير مقصرين ولا غالين وعلى ربنا متوكلين، سائلين أن يشفينا بالقرآن الكريم أجمعين آمين يا رب العالمين (١).
стр. 332
صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ: الْإِعْرَاضُ مِنَ النِّعْمَةِ - وَالْيَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ... ﴾ (١).
ــ
تمهيد:
في النوع الإنساني غرائز غالبة عليه لا يسلم منها إلا من عصم الله أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي آيات القرآن العظيم بيان لكثير من تلك الغرائز للتحذير من شرها والتنبيه على سوء مغبتها، منها هذه الآية الكريمة.
المناسبة:
لما ذكر الله- تعالى- أن القرآن يكون شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، بين تعالى سبب خسار أولئك الظالمين، وهو إعراضهم عن الله وبعدهم منه ويأسهم من رحمته. وعلم منه أن المؤمنين الذين كان القرآن لهم شفاء ورحمة هم على الضدِّ منهم، فهم أهل إقبال على الله- تعالى- وقرب منه ورجاء فيه.
المفردات:
(أنعمنا): أوصلنا أنواع الإحسان. (الإنسان): المراد به النوع باعتبار مجموعه، فلا ينافي خروج أفراد كثيرين بالعصمة والتوفيق
стр. 333
(أعرض): صد بوجهه إلى ناحية أخرى، فأرى عرض وجهه، أي ناحية وجهه. (نئا): بعد. (بجانبه): بناحيته، بشقه الأيمن أو الأيسر، والباء للتعدية، أي أبعد جانبه. (مسه): أصابه. (الشر): البلايا والرزايا بأنواعها. (يئوسا) شديد اليئوس والقنوط وعدم انتظار الفرج.
التركيب:
جييء بفعل الشرط وجوابه ماضين لتحقق وقوعهما، ولذلك كان التعليق بإذا، وجواب الشرط والفعل والمعطوف عليه فيهما الصورة التامة للمعرض غاية الإعراض، فإنه يصرف عنك وجهه، وهذا مفاد الفعل الأول. ويلوي عنك عطفه ويعد جانبه ويوليك ظهره، وهذا مفاد الفعل الثاني. ثم هما كناية عن الإستكبار وعدم الإكتراث والإلتفات إلى مولى النعم، سواء حصلت هذه الصورة بالفعل أو لم تحصل.
المعنى:
وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض تمام الإعراض إما بعدم قبول تلك النعمة استكباراً أو تهاوناً، كما يكون من الذين يكفرون بالقرآن أو يخالفونه، وهو من أعظم نعم الله عليهم، وإما بعدم القيام بحق الله في تلك النعمة وعدم شكره عليها، كنعمة العقل والبدن والحال وغيرها إذا لم تستعمل في طاعة الله ولم يقم بحقه فيها. وإذا مس الإنسان الشر ونزلت به المصائب وحلت به النوائب إستولى عليه اليأس والقنوط وانسدت في وجهه أبواب الرجاء.
توجيه:
يرتبط اليئوس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين: الأول أن من أعرض عن نعمة الله فقد قطع صلته بخالقه وذهب ممعنا في
стр. 334
بعده فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب، الثانية أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده مغضوب عليه قد ترك فترك وكان جزاؤه من جنس عمله.
إنتقال واعتبار:
هذه حالة أهل الإعراض، أما أهل الإقبال على الله تعالى والقبول لإنعامه فإن قلوبهم عامرة بالله وصلتهم متينة به، فإذا نزلت بهم المصائب رجعوا إليه وانتظروا رحمته، فكان ذكره غناهم في الفقر وإنسهم في الوحشة، ونعيمهم في الألم. وكان لهم من الرجاء في أنواع رحمته ما يهون عليهم جميع المصائب.
تبصير وتحذير:
بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين الإعراض عن النعمة، واليؤس من الرحمة، ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح. بصَّرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما ومن سوء عواقبهما، فإن الإعراض عن النعمة كفر بها ومقتض لسلبها، وأن اليئوس من رحمة الله جهل به وكفر بما هو متقلب فيه من نعمه وموجب لانطماس القلب وشلل البدن وانقطاع الأعمال. فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين وليعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما.
سلوك:
على المرء أن يقبل نعم الله تعالى ويقبل عليها إقبال المستعظم لها، العارف بحقها وعظيم الفضل بها، ليقوم بشكرها وذكر الله عندها، وليتفحصهما وليتأملها نعمة نعمة، ليشكر الله عليها واحدة واحدة، بالقلب واللسان، وإلا كان حسب المستطاع حتى ما يكون من باب
стр. 335
المصائب والآلام فإنه يتناوله على أنه نعمة من الله تعالى بها فيه من أجر وتمحيص، وما يحصل به من رجوع وإنابة، وما يكون منه من تربية وتدريب على السلوك اللازم في الحياة الفردية والإجتماعية:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١).
وليكن دائماً متمسكاً بحبل الرجاء في الله في تسيير الأسباب وكشف الكروب ودفع المكروه، فالرجاء حسن ظن في الرب وقوة في القلب وباعث على العمل ومخفف أو مذهب للألم. فياله من طاعة عظيم أجرها جليل نفعها في الدنيا والدين، فهنيئاً للشاكرين الراجين، ويا ويح الكافرين- كفر عقيدة أو كفر نعمة- القانطين.
مُبَايَنَةُ سُلُوكِ أَهْلِ الْحَقِّ لِسُلُوكِ أَهْلِ الْبَاطِلِ:
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ (٢).
المناسبة:
قد استفيد مما تقدم تقسيم الخلق إلى قسمين: أهل إيمان ورجاء، وأهل كفر وقنوط، فجاء البيان في هذه الآية بأن كل فريق له مذهبه وطريقه الذي يكون عليه.
المفردات:
(شاكلته): طريقته ومذهبه. المشاكلة له اللائقة به التي صارت له طبيعة وخلقاً. (أهدى سبيلا): أسد مذهباً وأقوم طريقاً.
стр. 336
التراكيب:
التعبير بالمضارع مع لفظة على يفيد تجدد العمل وانبناؤه على الخلق والطبيعة.
المعنى:
قل يا محمد- ﵌ كل فريق منا ومنكم يعمل في حياته على طريقته ومذهبه. فأعمالنا مباينة لأعمالكم لأن طريقتنا مباينة لطريقتكم فربكم أعلم بمن هو أقوم طريقاً وأسد مذهباً، فيثبت المهتدين ويعاقب الضالين.
ومن فوائد الآية الكريمة إستدراج الضال لقبول الهداية.
وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك وهو على ناحيته، وإظهار التساوي معه أمام علم الله وقدرته، وهذا من أنفع الأسباب في نجاح الدعوة، وعليه في القرآن آيات كثيرة منها سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) فينبغي لدعاة الحق أن يلتزموه ولا يهملوه. والبراءة من أهل الباطل. وذلك بإعلان المباينة والمخالفة لهم في عملهم وما انبنى عليه عملهم بأسلوب المناصفة الذي جاءت به الآية فتحصل البراءة مع الفائدة المتقدمة.
إنبناء الأعمال على العقائد والأخلاق فإن الآية، وإن كانت بالخطاب الأول للمشركين ثم لأمثالهم من الكافرين فإنها تفيد أن كل واحد تبنى أعماله على مذهبه وطريقته التي هي خلقه وطبيعته، ونأخذ من هذا أن الذي نوجه إليه الإهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر. وفي الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله فعل
стр. 337
المؤمن ما يناسب إيمانه: فإن كل أحد يعمل على طريقته وطبيعته اللائقة به، ولا يليق بالمؤمن ولا يشاكله إلا الصدق في القول والعمل والعدل والاحسان والوفاء والأمانة، فلا يظلم من ظلمه ولا يخون من خانه ولا يكذب على من كذب عليه، فلا تجرى أفعاله في مقابلة الناقص على ما يشاكل ذلك الناقص، بل تجرى أفعاله على ما يشاكله هو في إيمانه وكماله.
مراقبة الله في السلوك:
فإن علمنا بأنه أعلم بمن هو أهدى سبيلاً يدعونا إلى المبالغة في تقويم سلوكنا حتى تكون على الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإنه هو أهدى الطرق وأقربها، وما ذلك الصراط المستقيم إلا القرآن العظيم والهدي النبوي الكريم وسلوك السلف الصالح، وذلك هو دين الإسلام.
نسأل الله تعالى أنَّ لنا ولجميع المسلمين الإستقامة والنجاة يوم القيامة بمنه وكرمه آمين (١).
..
стр. 338
الْوُدُّ مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (١).
ــ
سبب النزول، ووعد السابقين:
كان السابقون الأولون من المؤمنين أول الاسلام بمكة -مبغوضين من أهل مكة المشركين مهجورين منهم مزهوداً فيهم. ومن أشد الآلام على النفس وأشقها أن يعيش الإنسان بين قومه مبغوضاً مهجوراً، مزهوداً فيه، خصوصاً مثل تلك النفوس الحية الأبية. فأنزل الله هذه الآية تأنيساً لأولئك السادة ووعداً لهم بأن تلك الحالة لا تدوم، وأنه سيجعل لهم وداً فيصيرون محبوبين مرغوباً فيهم.
وقد حقق الله وعده: فكان أولئك النفر بعد السادة المقدمين من أقوامهم وعشائرهم لسبقهم وفضلهم وكانوا- وهم قادة الجيوش في الفتوحات الاسلامية- المحبوبين هم وجيوشهم المرغوب فيهم من الأمم التي فتحوها لعدلهم ورحمتهم ورفعهم لنير الإستعباد الديني والدنيوي الذي كانت تئن تحته تلك الأمم، وأثبت التاريخ أن بعض الأمم الأجنبية دعتهم إلى إنقاذها من أيدي رؤسائها. فكانت هذه الآية من آيات الإعجاز بالإعلام بما يتحقق في الإستقبال مما هو كالمحال في الحال فكان على وفق ما قال.
عموم الوعد لعموم اللفظ:
الإيمان- وهو التصديق الصادق المثمر للأعمال- والأعمال
стр. 339
الصالحة- وهي المستقيمة النافعة المبينية على ذلك الإيمان- هما اللذان جعلهما الله سبباً في تحقيق جعل هذا الود لما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
فيعم ذلك كل أهل الإيمان والعمل الصالح. وهم أولياء الله و ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾
سبب الود وسبب الجعل:
تكسب مودة الناس بأسباب متعارفة بينهم، منها القرابة ومنها الصداقة، ومنها صنائع المعروف، ومآثر الإحسان. أما هذا الود الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات فسببه جعل من الله له في قلوب العباد لهم دون تودد منهم ولا توقف على تلك الأسباب فيودهم من لم يكن بينه وبينهم علاقة نسب أو صداقة ولا وصل إليه منهم معروف فهذا نوع من الود خاص يكرمهم الله به وينعم عليهم به الرحمن من جملة نعمه التي يحدثها ويجددها لهم زيادة على ما يقتضيه الإيمان والعمل الصالح- ومنه الإحسان- من مودة القلوب. أما سبب هذا الجعل والوضع والإيجاد من الله لهذا الود والإكرام به فهو الإيمان والعمل الصالح، وهما سبب لإكرامات كثيرة من الله تعالى. هذا الجعل للود منها.
بشارة وتثبيت:
في الآية من سبب نزولها بشارة لدعاة الحق وأنصار السنة ومرشدي الأمم عندما يقومون بدعوة القرآن في عشائرهم ويلقون منهم النفور والإعراض والبغض والإنكار ويجدون أنفسهم غرباء بينهم، يعاديهم من كانوا أحبابهم ويقاطعهم أقرب الناس قرابة إليهم، ويصبح يؤذيهم
стр. 340
من كان يحميهم ويدافع عنهم- في الآية بشارة لهم بأن تلك الحالة لا تدوم وأنهم سيكون لهم على كلمة الحق مؤيدون وفي الله محبون، وسيكون لهم ود في القلوب ممن يعرفون وممن لا يعرفون. وفيها أيضاً تثبيت لهم في تلك الغربة ووحشة الإنفراد بما يكون لهم من أنس الود وأي ود هو. ود يكون من جعل الرحمن.
دفع إشكال:
الآية منظور فيها إلى مجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وغالبهم، فلا يشكل علينا أن منهم من يموت في غربة الحق قبل أن يكون له على الحق أنصاره، ومنهم من يموت غير معروف من الناس. كما أن الود الذي يجعل لهم غير منظور فيه للعموم فلا يشكل ببغض من يبغضهم تعصباً لهوى آو تقليداً لضال أو حرصاً على منفعة ومحافظة على جاه أو منصب أو مال.
تفسير نبوي:
قال رسول الله ﵌: (إن الله اذا أحب عبد دعا جبريل فقال إني أحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول اني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي (جبريل) في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض) رواه بهذا اللفظ مسلم ورواه البخاري وغيرهما. وزاد الطبراني: (ثم قرأ رسول الله ﵌:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾
فارتبط الحديث بالآية بزيادة الطبراني. وبين النبي- ﷺ -
стр. 341
بقراءة الآية أن هذا القبول الذي يجعل لمن أحبه الله في أهل الأرض- والمراد بهم من يعرفونه منهم- هو نوع الود المذكور في الآية، وبين أن أهل القبول في الأرض محبوبون في أهل السماء قبل أهل الأرض، وبين أن سبب ذلك القبول هو محبة الله لهم، فمن أحبهم حببهم لعباده. ولما كان سبب القبول محبة الله لهم بيَّن ﵌ أن بغض الله سبب في بغض الخلق لهم إذا ما تسبب عن أحد الضدين يتسبب عن الآخر ضده. ولما كانت محبة الله مسببة عن الإيمان والعمل الصالح فبغض الله مسبب عن ضدهما، إذ ما تسبب عنه أحد الضدين يتسبب عن ضده الضد الآخر. وكما كان ذلك الود والقبول يكون شيئاً زائداً على ما تقتضيه أسباب الود بين الناس، كذلك تكون هذه البغضاء التي يهين الله بها ويعاقب من يشاء زيادة على ما تقتضيه أسباب البغضاء بينهم، فيكون هذا الذي وضعت له البغضاء- والعياذ بالله- مبغوضا حتى ممن لم يكن منه إليه شيء من أسباب البغض.
تبيين وتعيين:
قد يكون الإتباع والمحبون والراغبون لأهل الحق ولأهل الباطل لأئمة الهدى ولرؤوس الضلال لدعاة الإتباع ولدعاة الإبتداع. ولكن أهل المحبة من الله والود والقبول من العباد هم أهل الحق وأئمة الهدى ودعاة الإتباع للكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالحون، لا لأنفسهم والتحزب لهم وجلب النفع لهم، والذي يعينهم لهذه الكرامة دون غيرهم هو إتباعهم للنبي ﷺ في سيرته ودعوته. وما كانت دعوته إلا للقرآن وبالقرآن دون أن يسأل على ذلك من أجر. وهذا لأن الود والقبول عند العباد مسببان عن محبة الله للعبد، ومحبة الله لا تكون إلا للمتبعين للنبي ﵌ لقوله تعالى:
стр. 342
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١).
فكرامة الود والقبول إنما هي للمتبعين له- ﵌ فأما غيرهم فما يكون لهم من قبول عند أمثالهم فهو فتنة وبلاء عليهم.
إرشاد:
أفادت الآية الكريمة والحديث الشريف أن على المسلم أن يتمسك بالإيمان والعمل الصالح والإتباع للنبي ﷺ ولو كان في قوم انفرد بينهم بذلك وحده. ولا يستوحش من انفراده بينهم. فحسبه رضى الله ومحبته وكفى بهما أنساً وليثق بأنه- إن صدق- ومد الله في عمره يكون له ود وقبول في عباد الله وأنس بمن يحبهم ويحبونه لله وتلك المحبة النافعة الدائمة والصلة المتينة الجامعة التي تجمع بين أهلها في الدنيا والأخرة.
جمعلنا الله والمسلمين من العاملين له المتحابين فيه (٢).
стр. 343
مِنْ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ حُسْنُ التَّلَقِّي وَطَلَبُ الْمَزِيدِ
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١).
ــ
لا حياه إلا بالعلم، وإنما العلم بالتعلم، فلن يكون عالماً إلا من كان متعلماً، كما لن يصلح معلماً إلا من قد كان متعلماً. ومحمد ﵌ الذي بعثه الله معلماً، كان أيضاً متعلماً. علمه الله بلسان جبريل، فكان متعلماً عن رب العالمين ثم كان معلماً للناس أجمعين. أرأيت أصل العلم ومن معلموه ومتعلموه؟ ثم أرأيت شرف رتبة التعلم والتعليم. لا جرم كان لرتبة التعلم آدابها ولرتبة التعليم آدابها. وكان محمد ﷺ أكمل الخلق في آدابهما بما أدبه الله وأنزل عليه من الآيات فيهما، مثل آيتنا اليوم وغيرها.
لزوم الصمت عند السماع:
كان النبي ﷺ إذ أنزل عليه جبريل- ﵇ بالوحي وقرأه عليه قرأ معه وساوقه في القراءة وكان ذلك منه ﷺ لحرصه على حفظه وعدم نسيانه، حتى يبلغه كما أنزل عليه. ولأن تعلق قلبه بما يسمع من جبريل وامتلأه به واستيلاء ذلك المسموع على لبه يدعوه إلى النطق به لما بين القلب واللسان
стр. 344
من الإرتباط، ولأن شوقه إلى ذلك المسموع ومحبته ورغبته فيه تبعثه على التعجيل بقراءته، غير أن القراءة عند السماع وقبل تمام الإلقاء تمنع تمام الوعي، لأن عمل اللسان بالنطق يُضْعِفُ عمل القلب بالوعي والحفظ، فلذا أوصى الله تعالى نبيه ﷺ عن أن يعجل بقراءة القرآن عند سماعه من جبريل من قبل أن يقضي ويتمم إليه وحيه فقال تعالى:
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾
تأكيد الصمت بكف اللسان:
لا يتم تفرغ القلب للوعي إلا بسكون اللسان فلا يكفي في تفرغه ترك القراءة الجهرية عند السماع حتى ينكف اللسان عن الحركة فلا تكون قراءة لا جهراً ولا سراً فلذا أكد الله تعالى طلب ترك القراءة بالنهي عن تحريك اللسان فقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (١) ثم بين أن الله يجمعه في قلبه- ﵌ بالحفظ وأنه يطلق بقراءته لسانه بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٢) أي قراءتك إياه، ثم أمره أن يتبع قراءة جبريل إذا قرأه عليه فيقرأه كما قرأه بعد فراغه بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٣) أي فإذا قرأه جبريل وفرغ منه فاتبع قراءته فاقرأ كما قرأه. وأنه تعالى يبينه بأقوال نبيه- ﵌ وأفعاله بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٤)
стр. 345
هذا الأدب أدب عام:
إنما المقصود من الكلام البيان عن المراد، وإنما المقصود من السماع وعي الكلام ليفهم المراد. فكما كان على المتعلم أن يسكت حتى يفرغ معلمه من القدر المرتبط بعضه ببعض مما يلقيه إليه حتى يفرغ المعلم من إلقائه كذلك على المناظر أن يستمع لمناظره حتى يستوفي دعواه وحجته، وعلى كل قارىء لكتاب أن يستوفي ما يرتبط بعضه ببعض منه، ثم يبدي رأيه فيه وعلى كل مستمع لمتكلم كذلك فبهذا الأدب يتم وعي المتعلم فيحفظ وفهم المناظر فيرد ويقبل وفهم القارىء فيعرف ما يأخذ ويترك وفهم السامع لتحصل فائدة الإستماع، وبترك هذا الأدب كثيراً ما يقع سوء الوعي أو سوء الفهم وفوات القصد من المناظرة أو القراءة أو الكلام.
دوام التعلم للإزدياد من العلم:
يتعلم الإنسان حتى يصير عالماً ويصير معلماً، ولكنه مهما حاز
من العلم وبلغ من درجة فيه، ومهما قضى من حياته في التعليم وتوسع فيه وتكمل به فلن يزال بحاجته إلى العلم ولن تزال أمامه فيما علمه، وعلمه أشياء مجهولة يحتاج إليها فعليه أبداً أن يتعلم وأن يطلب المزيد. ولذا أمر الله نبيه ﷺ وهو المعلم الأعظم- أن يطلب من الله- وهو الذي علمه ما لم يكن يعلم- أن يزيده علماً فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
تحذير واقتداء:
ما أكثر ما رأينا من قطعهم ما حصلوا من علم عن العلم فوقف
بهم عندما انتهوا إليه فجمدوا وأكسبهم الغرور بما عندهم فتعظموا وتكلموا فيما لم يعلموا فضلوا وأضلوا وكانوا على أنفسهم وعلى الناس شر فتنة وأعظم بلاء فبمثل هذه الآية الكريمة يداوي نفسه من ابتلى
стр. 346
بهذا المرض فيقلع عن جموده وغروره ويزداد مما ليس عنده ممن عنده علم ما لم يعلم. ويحذر من أن يقف عن طلب العلم ما دام فيه زمن من الحياة، ويقتدي بهذا النبي الكريم- ﵌ فلن يزال يطلب من الله تعالى أن يزيده علماً بما ييسر له من أسباب وما يفتح له من خزائن رحمته وما يلقيه في قلبه من نور وما يجعل له من فرقان وما يوفقه إليه من أصل ذلك كله وهو تقوى الله والعمل بما عليه.
نسأل الله لنا وللمسلمين العلم النافع والعمل الصالح. فهو ولي الهداية والتوفيق (١).
стр. 347
مِنْ وَعْدِ اللَّهِ لِلْصَّالِحِينَ
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١).
ــ
المناسبة:
لما مضى في السورة ذكر الأنبياء ﵈ وأممهم وختم الحديث عنهم بذكر الساعة وقربها ومقدماتها وأحوال الخلق يوم القيامة- جاء في هذه الآية ذكر الأمة التي جاءت بعد تلك الأمم كلها، وهي أمة محمد- ﷺ .
توجيه:
وإنما كانت هذه الآية في أمة محمد، لأنه لما تكلم على الأمم الخالية لم يبق الكلام إلا عليها، فخوطبت بما قضاه الله وكتبه من إرث الصالحين الأرض. والمخاطبون به بهذه الآية المكية هم المؤمنون بالله الموحدون له المتبعون لرسوله محمد- ﷺ المصدق لجميع الرسل ﵈، وهم أصحاب النبي- ﷺ وهم الصالحون الموجودون يوم ذلك على وجه الأرض، فكانت الآية إعلاماً بما كتبه الله لهم ووعداً بإرثهم الأرض.
الألفاظ:
(الزبور): بمعنى المزبور، أي المكتوب. والمراد به جنس ما أنزله
стр. 348
الله من الوحي على رسله- ﷺ وأمر بكتابته. وقرأ حمزة: الزبور جمع زبر، أي كتاب فعَيَّنت هذه القراءة المراد بالزبور في القراءة الأولى الكتب المنزلة، لا خصوص زبور داوود ﵇.
الذكر: المراد به هنا اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء قبل أن يخلق الخلق، وجاء تسميته بالذكر فيما رواه البخاري في مواضع من صحيحه عن عمران بن حصين ﵁ قال رسول الله - صلى الله ضليه وسلم-: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر شيء وخلق السموات والأرض ومما كتبه في الذكر ما أنزله على رسله ﵈ كما قال تعالى:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
الأرض: جنس الأرض الدنيوية، لأن هذا اللفظ موضوع لها، فإذا أطلق إنصرف إليها، وبهذا فسرها ابن عباس من طريق علي ابن طلحة، وهي أصح طرقه.
يرثها: تنتقل إليهم من يد غيرهم، وأصل الإرث الإنتقال من سالف إلى خالف، وقد يطلق في غير هذا الموضع على أصل التمليك مجازاً.
الصالحون: الصالح من كل شيء هو ما استقام نظامه فحصلت منفعته، وضده الفاسد وهو ما اختل نظامه فبطلت منفعته. ويظهر هذا من تتبع مواقع الإستعمال فإذا قالوا هذه آلة صالحة عنوانها محصلة للمنفعة المرادة منها لانتظام أجزائها، وإذا قالوا آلة فاسدة عنوانها لا تحصل المنفعة لاختلال في تركيبها. والصالح في لسان الشرع- قرآناً وسنة- لم يخرج عن هذا المعنى حيثما جاء. فالصالح
стр. 349
هو من استنار قلبه بالإيمان والعقائد الحقة، وزكت نفسه بالفضيلة والأخلاق الحميدة، واستقامت أعماله وطابت أقواله، فكان مصدر خير ونفع لنفسه وللناس. استقام نظامه في عقده وخلقه وقوله وعمله، فعظمت وزكت منفعته، وهذا هو معنى الصالحين حيثما جاء كما في قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ وكما في التشهد: «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» وقد بين القرآن من هم الصالحون بياناً شافياً وكافياً بذكر صفاتهم مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
المعنى:
يخبرنا الله تعالى أنه كتب في الكتب التي أنزلها على رسوله من بعد ما كتب في اللوح المحفوط الذي هو أصل تلك الكتب أن الأرض يرثها ويملكها عباده الصالحون أهل العقائد الصحيحة والأخلاق الكريمة والأعمال المستقيمة الذين ينفعون العباد والبلاد.
تطبيق:
خاطب الله بهذه الآية المؤمنين بمكة وهم في قلة عَدد وعُدد يعدهم بذلك- لا بطريق صريح- أنهم يرثون الأرض ويكون لهم فيها القوة والنفوذ. ويبعثهم بتعليق الوعد بوصف الصلاح على التمسك به والإزدياد منه والإستمرار عليه، ثم صرح لهم بالوعد بعد في سورة النور وهي مدنية بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
стр. 350
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
وقد حقق الله لهم هذا الوعد ففتح لهم الفتوح وأورثهم ملك كسرى وقيصر ومد لهم ملكهم في الشرق والغرب، وأولئك الذين كانوا في قلة وخوف يوم نزلت الآية المكية هم الذين شاهدوا ذلك النصر وتلك الفتوح وترأسوا ذلك الملك العريض.
تعميم وتقييد:
علق الوعد بالوصف، وهو الصلاح، ليعلم أنه وعد عام، ولتعلم كل أمة صالحة أنها نائلة حظها- ولا محالة- من هذا الوعد. واقتضى هذا التعليق بالوصف أيضاً تقييده بأهله، فإذا زال وصف الصلاح من أمة زال من يدها ما ورثت. ونظير هذا التقييد قوله في آية النور: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
تنظير:
مثل هذه الآية فيما تضمنته من الوعد الذي يقوي به قلوبهم ويثبت إيمانهم ويظهر به صدق نبيه- ﷺ بما أعلمه به من غيب- أحاديث صحيحة (٢). كقول النبي- صلى الله
стр. 351
عليه وسلم- لخباب ﵁ وقد لقي الصحابة من المشركين شدة فسأله أن يدعو فقال له النبي- صلى الله عليه وسم-: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". وكقوله (١) ﷺ لعدي بن حاتم: (فان طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى) وقد امتدت به الحياة حتى رأى ذلك ومثل هذا أحاديث أخرى في الصحيح. فقد تطابقت الآيات والأحاديث في هذا الوعد وقد صدق الله وعده لعباده الصالحين. وصدق نبيه- ﷺ بما لم يكن يعلمه أحد ولا يرى شيئاً من أسبابه بل لا يرى إلا ما هو مناف له. ولكن العاقبة للمتقين.
إشكال وحله:
قال أناس إن أرض الدنيا كما يستولي عليها الصالحون يستولي عليها غيرهم، والأرض التي لا يرثها إلاَّ الصالحون هي أرض الجنة، فيجب تأويل الآية بها.
والجواب: أن هذا التأويل إنما يحتاج إليه إن لو كانت الآية هكذا (إن الأرض لا يرثها إلا عبادي الصالحون) بطريق الحصر فيهم. أما لما كانت الآية لا حصر فيها فلا حاجة إلى هذا التأويل بل في لفظ الإرث وربطه بوصف الصلاح دلالة على أنها كانت لغيرهم، فانتقلت إليهم، وأنها تزول مع زوال وصف الصلاح. وقد جاء التنبيه على أن الأرض يرثها الصالحون وغيرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
стр. 352
يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) فيرثها الصالحون نعمة ويرثها غيرهم فتنة ونقمة كل ذلك حسب مشيئة الحكيم الخبير.
إيراد وجوابه:
قد يقال: فما هي الفائدة إذاً في تخصيص الصالحين بالذكر في هذه الآية؟ والجواب:
١ - أن هذه الآية خوطب بها أول الناس الصحابة بمكة، وهم الصالحون في الأرض ليعلموا ما وعدهم الله به وليعلموا أن قوة الباطل إلى ضعف، وأن ضعف الحق إلى قوة.
٢ - ولأن شأن الصالحين- أنَّى كانوا أن يكو نوا- قليل سيما أول أمرمم فهم بحاجة إلى أن يعلموا هذا الوعد ليزدادوا إيماناً وقوة وثباتاً.
٣ - ولأن الخلق مفتونون بالكثرة في العدد والعدة غافلون عن القوة الروحية والأخلاقية وما ينشأ عنهما من استقامة لا يحسبون لذلك حساباً، فيحتاجون إلى العلم بأن الصالحين نائلون حظهم من هذا الوعد، وإن كانوا قلة في الناس.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
تحذير من تحريف:
رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة على الأرض- وهي
стр. 353
مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها، فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان- فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدم الله بإرث الأرض. وزعموا أن المراد بالصالحين في الآية: الصالحون لعمارة الأرض. فيالله للقرآن وللإنسان، من هذا التحريف السخيف، كان عبارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت العقائد، وفسدت الأخلاق، واعوجت الأعمال وساءت الأحوال، وعذبت الإنسانية بالاأزمات الخانقة، وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها، هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت الإنسان، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آية القرآن: كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران. فاما الصالحون فهو لفظ قرآني قد فسره القرآن كما قدمناه وقد شرَّف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله: ﴿عِبَادِي﴾ فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلام عن مواضعه أبشع التحريف وأبطله فليحذر المؤمن منه ومن مثله من تحريفات المبطلين والمفتونين.
موعظة وإرشاد:
فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد أن تصلح أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن، فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد، وإن دانت بالإسلام. ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء من أخذ بنوع من تلك السنن بلغت وبلغ بها إلى ما قدر له من عز وذل وسعادة وشقاء وشدة ورخاء وكل محاولة لصدها عن غايتها- وهو آخذ بها- مقضي عليها بالفشل. سنة الله، ومن ذا يبدلها أو يحولها؟
دِفَاعُ اللَّهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (١).
ــ
الكلمات:
دفع الشيء صده ورده، والدفاع عن الشيء حمايته بصد ما يؤذيه عنه وقُرىء في المتواتر (يدفع) وقُرىء (يدافع) وهو بمعنى يدفع، ولكنه أريد قوة الدفع، فجيء بفاعل الذي يقتضي المغالبة في أصله، لأن دفع المغالب أقوى وأبلغ. أو لأن ما يهيئه الله لهم من أسباب الدفع التي يباشرونها مقابلة لما يقصدُهم به أضدادهم، فكان الدفع من الجانبين، خان إذا ضيع ما جعل في حفظه وعهدته، والخوان الكثير التضييع لما استحفظ. والكفور الكثير الجحود للنعم فلا يعترف بها أو لا يؤدي شكرها.
التراكيب:
عندما يكون المؤمنون في قلة وضعف وأعداؤهم في كثرة وقوة- كالحالة التي كان عليها المؤمنون يوم نزلت الآية بعيد الهجرة- تشك النفوس في سالامتهم من كيد عدوهم، فلذا جاء هذا الخبر مؤكداً بأن. ولكون هذا الدفع متجدداً جيء بالفعل مضارعاً. ولبيان سبب الدفع جيء بالجملة المستأنفة بعد الجملة الأولى وأكدت بأن لأن الأولى