عليه وسلم- لخباب ﵁ وقد لقي الصحابة من المشركين شدة فسأله أن يدعو فقال له النبي- صلى الله عليه وسم-: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". وكقوله (١) ﷺ لعدي بن حاتم: (فان طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى) وقد امتدت به الحياة حتى رأى ذلك ومثل هذا أحاديث أخرى في الصحيح. فقد تطابقت الآيات والأحاديث في هذا الوعد وقد صدق الله وعده لعباده الصالحين. وصدق نبيه- ﷺ بما لم يكن يعلمه أحد ولا يرى شيئاً من أسبابه بل لا يرى إلا ما هو مناف له. ولكن العاقبة للمتقين.
إشكال وحله:
قال أناس إن أرض الدنيا كما يستولي عليها الصالحون يستولي عليها غيرهم، والأرض التي لا يرثها إلاَّ الصالحون هي أرض الجنة، فيجب تأويل الآية بها.
والجواب: أن هذا التأويل إنما يحتاج إليه إن لو كانت الآية هكذا (إن الأرض لا يرثها إلا عبادي الصالحون) بطريق الحصر فيهم. أما لما كانت الآية لا حصر فيها فلا حاجة إلى هذا التأويل بل في لفظ الإرث وربطه بوصف الصلاح دلالة على أنها كانت لغيرهم، فانتقلت إليهم، وأنها تزول مع زوال وصف الصلاح. وقد جاء التنبيه على أن الأرض يرثها الصالحون وغيرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
стр. 352
يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) فيرثها الصالحون نعمة ويرثها غيرهم فتنة ونقمة كل ذلك حسب مشيئة الحكيم الخبير.
إيراد وجوابه:
قد يقال: فما هي الفائدة إذاً في تخصيص الصالحين بالذكر في هذه الآية؟ والجواب:
١ - أن هذه الآية خوطب بها أول الناس الصحابة بمكة، وهم الصالحون في الأرض ليعلموا ما وعدهم الله به وليعلموا أن قوة الباطل إلى ضعف، وأن ضعف الحق إلى قوة.
٢ - ولأن شأن الصالحين- أنَّى كانوا أن يكو نوا- قليل سيما أول أمرمم فهم بحاجة إلى أن يعلموا هذا الوعد ليزدادوا إيماناً وقوة وثباتاً.
٣ - ولأن الخلق مفتونون بالكثرة في العدد والعدة غافلون عن القوة الروحية والأخلاقية وما ينشأ عنهما من استقامة لا يحسبون لذلك حساباً، فيحتاجون إلى العلم بأن الصالحين نائلون حظهم من هذا الوعد، وإن كانوا قلة في الناس.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
تحذير من تحريف:
رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة على الأرض- وهي
стр. 353
مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها، فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان- فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدم الله بإرث الأرض. وزعموا أن المراد بالصالحين في الآية: الصالحون لعمارة الأرض. فيالله للقرآن وللإنسان، من هذا التحريف السخيف، كان عبارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت العقائد، وفسدت الأخلاق، واعوجت الأعمال وساءت الأحوال، وعذبت الإنسانية بالاأزمات الخانقة، وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها، هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت الإنسان، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آية القرآن: كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران. فاما الصالحون فهو لفظ قرآني قد فسره القرآن كما قدمناه وقد شرَّف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله: ﴿عِبَادِي﴾ فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلام عن مواضعه أبشع التحريف وأبطله فليحذر المؤمن منه ومن مثله من تحريفات المبطلين والمفتونين.
موعظة وإرشاد:
فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد أن تصلح أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن، فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد، وإن دانت بالإسلام. ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء من أخذ بنوع من تلك السنن بلغت وبلغ بها إلى ما قدر له من عز وذل وسعادة وشقاء وشدة ورخاء وكل محاولة لصدها عن غايتها- وهو آخذ بها- مقضي عليها بالفشل. سنة الله، ومن ذا يبدلها أو يحولها؟
دِفَاعُ اللَّهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (١).
ــ
الكلمات:
دفع الشيء صده ورده، والدفاع عن الشيء حمايته بصد ما يؤذيه عنه وقُرىء في المتواتر (يدفع) وقُرىء (يدافع) وهو بمعنى يدفع، ولكنه أريد قوة الدفع، فجيء بفاعل الذي يقتضي المغالبة في أصله، لأن دفع المغالب أقوى وأبلغ. أو لأن ما يهيئه الله لهم من أسباب الدفع التي يباشرونها مقابلة لما يقصدُهم به أضدادهم، فكان الدفع من الجانبين، خان إذا ضيع ما جعل في حفظه وعهدته، والخوان الكثير التضييع لما استحفظ. والكفور الكثير الجحود للنعم فلا يعترف بها أو لا يؤدي شكرها.
التراكيب:
عندما يكون المؤمنون في قلة وضعف وأعداؤهم في كثرة وقوة- كالحالة التي كان عليها المؤمنون يوم نزلت الآية بعيد الهجرة- تشك النفوس في سالامتهم من كيد عدوهم، فلذا جاء هذا الخبر مؤكداً بأن. ولكون هذا الدفع متجدداً جيء بالفعل مضارعاً. ولبيان سبب الدفع جيء بالجملة المستأنفة بعد الجملة الأولى وأكدت بأن لأن الأولى
стр. 356
تحمل المخاطب علا أن يسال سؤال المتردد: هل هؤلاء المدفوعون أعداء مبغوضون؟ فأجيب بالتأكيد. وحذف مفعول يدافع ليعم كل ما يدفع فشمل كيد الكائدين.
التفسير:
هذا من الله تعالى خبر حق ووعد صدق للمؤمنين بأنه يرد عنهم كيد أعدائهم ويبطل مكرهم ويكف شرهم وإن عظم ذلك منهم وكثر. وأن هذا منه لهم متكرر متجدد. ذلك لأنهم بإيمانهم حافظوا على أمانة الله عندهم وعهده لديهم واعترفوا بنعمه وشكروها، فأحبهم الله ورضي عنهم فأيدهم ونصرهم ودافع عنهم، ولأن أعداءهم ضيعوا أمانة الله عندهم بارتكاب المنهيات وترك المأمورات وجحدوا وحدانيته أو نبوة نبيه ﵌ أو ما جاءهم به من شرعه فأبغضهم ورد كيدهم مغلوبين مدحورين.
تحرير في التعليل:
إن الحب من الله والبغض كسائر أفعاله لا تقع إلا على وجه الحق والعدل والسداد، وهذا أمر واجب لأفعال الرب الحكيم. فالمؤمنون أحبهم ونصرهم لإيمانهم، وأعداؤهم أبغضهم وخذلهم لخيانتهم وكفرهم. واقتضت هذه المقابلة أن الخيانة والكفر من صفات أضدادهم وليست من صفاتهم. فإيمانهم مستلزم لأمانتهم بحفظ عهد الله عندهم في نفوسهم وعقولهم وأبدانهم وجميع ما لديهم على جميع أحوالهم، ومستلزم لاعترافهم بنعم الله وشكره عليها باستعمالها في طاعته وطلب المزيد من بره، وأمانتهم هذه وشكره هي مظهر إيمانهم الذي يميزهم عن أضدادهم ويدل على صدقهم في ذلك الإيمان ورسوخه في قلوبهم. فإذا أعدمت منهم الأمانة فخانوا الله والرسول وخانوا أماناتهم وفشت الفواحش والمناكر والبدع فيهم وصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه،
стр. 357
وإذا بطروا نعم الله عندهم فعطلوا منها ما عطلوا بجهلهم وكسلهم وقعودهم عن الخير وأسباب الحياة والسعادة، واستعملوا منها ما استعملوا في الشر والفساد واتباع الشهوات- إذا كانوا هكذا فقد استوجبوا غضب الله وبغضه ونقمته وحرموا نصرته ودفاعه وكانوا هم الظالمين.
خيانة دون خيانة وكفر دون كفر .
الخيانة خيانتان خيانة عقيدة وخيانة أعمال، وكذلك الكفر وكذلك النفاق وكذلك الشرك وإنما يخرج المرء عن أصل الإسلام بما كان في أصل العقيدة، لا بما كان في الأعمال إلا عملاً يدل دلالة ظاهرة على فساد العقيدة وانحلالها. وعلى هذا عقد البخاري ﵀ في الجامع الصحيح أبواباً في ظلم دون ظلم وكفر دون كفر.
تطبيق:
لما كان المسلمون أهل الإيمان والصدق والشكر والأمانة دافع الله عنهم وقد شهد التاريخ بذلك من الله لهم، فلما خانوا وكفروا تركهم ومكن منهم. ولكنه برحمته وعدله لم ينس لهم أصل إسلامهم فأبقى لهم أصل وجودهم الذاتي. وهم لحم على وضم بين الأمم لا يستطيعون دفعاً عن أنفسهم. وأبقى لهم أصل وجودهم الروحي بكتابه المثلو بين ظهرانيهم رغم إعراضهم عن تدبره وهجرهم لما فيه- عساهم يرجعون.
تنبيه وتحذير:
كل عمل لا يحل فهو خيانة وإن كان بأدنى إشارة، وقد نبَّه الله على هذا بقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ (١) وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل والإشارة بطرف العين فيما يحرم.
стр. 358
وأعظم الخيانة بعد الكفر خيانة العامة، لأن الذنب يعظم بعظم آثره وانتشار ضرره. ولهذا جاء ما جاء من الوعيد الشديد فيمن ولي أمراً من أمور المسلمين فغشهم ولم ينصح لهم. فحَق على المسلم أن يحذر من الخيانة دقيقها وجليلها وخصوصاً ما اتصل بالناس منها ويتنبه من أقل كلمة وأدنى إشارة توقعه في ضطرها.
سؤال وجوابه:
فإن قيل: قد نجد من عباد الله المؤمنين من يصيبه البلاء والشدة فيعذب وقد يقتل وكأين من نبي قتل، وقد أصاب المؤمنين يوم أحد ويوم حنين ما أصابهم. فالجواب: أن دفع الله يكون بأسباب وأنواع وعلى وجوه تختلف بحسب الحكمة ولا تخلو كلها من دفاع، فإن ما يصيب المؤمنين من البلاء في أفرادهم وجماعتهم هو ابتلاء يكسبهم القوة والجلد ويقوي فيهم خلق الصبر والثبات وينبههم إلى مواطن الضعف فيهم أو ناحية التقصير منهم، فيتداركوا أمرهم بالإصلاح والمتاب، فإذا هم بعد ذلك الإبتلاء أصلب عوداً وأطهر قلوباً وأكثر خبرة وأمنع جانبا، وإنَّ في صبر الصابر منهم وقد نزل به البلاء الذي لا يقدر على دفعه والظلم الذي لا يقدر على إزالته لبعثاً للقوة في نفس غيره ممن يأتسى به، وضعفاً في قلب ظالمه. وفي كليهما دفع من الله عن المؤمنين.
مشاهدة وتوصية:
نعرف في حياتنا مواطن ما نجونا فيها إلاَّ بدفع الله وبطل كيد الكائدين فيها بمحض صنع الله، وقد كنا فيها- فيما نرى- على شيء من العمل لله. فكيف بمن كانت أعمالهم كلها لله. وهذه المشاهدة التي شاهدنا- ولا نشك أن من غيرنا من شاهد مثلنا أو أكثر منا- توجب علينا أن نوصي بالإيمان بالله والمحافظة على العهد
стр. 359
والثقة به، فإن ذلك يحقق وعد الله بالدفع وينيل أهله العزة والحفظ، فعلى المسلم أن يعمل لذلك ويعتد به ثقة بالله وصادق وعده. والله لا يخلف الميعاد (١).
стр. 360
أَكْلُ الْحَلَالِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١).
ــ
الكلمات:
الطيب ما صلح واعتدل في نفسه وسلم من كل ما يفسده ويخرجه
عن اعتداله وأصل خلقته، فكان مستلذاً للنفوس سواءاً كان مما يدرك بالسمع أو بالبصر أو بالذوق أو بالشم أو باللمس أو بالعقل. فالطيب هو اللذيذ لذة حسية أو عقلية. ويقابله الخبيث وهو المستقذر حساً أو عقلاً وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) فما أحلَّ الله إلا الطيب المستلذ، وما حرم إلا الخبيث المستقذر. فلهذا صار الطيب في لسان الشرع يجيء كثيراً بمعنى الحلال ويكون ضده الخبيث بمعنى الحرام. ومنه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي المحللات، فملك غيرك، وإن كان مستلذا في الحس فإنه ليس طيباً لك شرعاً، وذلك لأنه مستقذر في العقل بما فيه عند تناوله بدون إذن صاحبه من التعدي المستقبح في العقل. وقد يجيء الطيب بمعنى الجيد، والخبيث بمعنى الرديء، وعليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
стр. 361
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١).
الصالح هو المستقيم النافع، وهو فعل المأمورات وترك المنهيات وتناول المباحات من حيث أنها مباحات أو وسائل لفعل المأمورات وترك المنهيات.
التراكيب:
للإهتمام بالمأمور به قدمت قبل الأمر جملة النداء. ولأن هذا المأمور به مما يجب عليهم تبليغه نودوا بلفظ الرسل. ولأن كل واحد منهم أوحى الله إليه بهذا النداء والأمر في زمانه كان النداء والأمر للجميع، وقد دخل في الجمع عيسى- ﵊ الذي كان الحديث عليه في الآية التي قبل هذه وهي: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٢). كما دخل في الجمع محمد- ﵌ الذي نزلت عليه هذه الآية. ولأن المقصود من الأكل- وهو الغذاء واللذة- يحصل ببعض قبل (من الطيب) بمن التبعيضية. ولما كان المخاطب بكل الحلال والعمل الصالح شأنه أن تتشرف نفسه لتعيين ثمرة ذلك جاء الخبر مؤكداً بأن في ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعلم الله مستلزم لجزائه للعاملين فكان كناية عن الجزاء وفي الكناية عن الجزاء بالعلم تفخيم لهذا الجزاء وتعظيم فهو جزاء الله العليم وكفى به.
стр. 362
التفسير:
خلق الإنسان مركباً من روح وبدن، وإنما بقاء بدنه بالغذاء، وإنما كمال روحه بالعمل، فأمر الله بالأكل لبقاء البدن واشترط أن يكون من الطيبات لأنها هي التي تغذي ولا تؤذي. أما الخبائث ففيها الأذى ويتفه أو يعدم منها الغذاء. وأمر بالعمل الصالح الذي فيه زكاء للنفس ونفع لها في العاجل والآجل وخير للعباد والبلاد. وأخبر بعلمه بعمل العاملين ليجتهدوا في العمل ويخلصوا له فيه وينتظروا جزاءهم من عنده. والدِّين كله عمل صالح وتوحيد خالص. وقد انتظمتهما الآية تصريحاً في العمل واستلزاماً في التوحيد. وبيَّن- تعالى- بهذه الآيتان هذا الذي اشتملت عليه هو دين الله لجميع الأمم أوصى به رسله- صلوات الله عليهم- ليبلغوه لخلقه فهو حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.
توجيه الترتيب:
تتوقف الأعمال على سلامة الأبدان، فكانت المحاقظة على الأبدان
من الواجبات، ولهذا قدم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل، فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلَّها الله كما حرم غلاة المتصوفة اللحم، وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها كما يفعله متصوفة الهنادك ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام. والميزان العدل في ذلك هو ما كان عليه النبي- ﵌ وأصحابه- ﵃ وقد بيَّن ذلك أئمة السنة والأثر ﵏، وقد جوده مالك- ﵁ في كتاب الجامع من الموطأ. وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح تنبيه على أنه هو الذي يثمرها، لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن فتصلح الأعمال كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن فتفسد الأعمال.
стр. 363
بيان نبوي:
خرج مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (أيها الناس، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. وإن الله تعالى أمر المؤمنينن بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) (٢).
فبين الحديث الشريف أن الله طيب أي منزه عن النقص في ذاته وصفاته وأفعاله، تنعم العقول والأرواح بمعرفته- كما يليق به- ومحبته.
وأنه لا يقبل من الأعمال إلا طيباً أي صالحاً في نفسه خالصاً من شوائب المخالفة والرياء والشرك وبين أن الشرع عام للرسل وللأمم ولا يستثنى من هذا إلا ما دل الدليل على اختصاصه بالرسل وبيَّن أن أكل الحلال هو الذي يثمر قبول الدعاء والدعاء هو مخ العبادة فإذا ردَّ عليه فقد ردت عليه عبادته فكان هذا البيان النبوي على مقتضى ما أفاده ترتيب الأمرين في الآية.
تكميل:
في آية الرسل الأمر بالأكل من الطيبات والأمر بالعمل الصالح واستلزام الأمر بالإخلاص، وفي آية المؤمنين الأمر بالأكل من الطيبات والأمر بالشكر والتصريح بلزوم توحيده تعالى في العبادة لأن تمامها هكذا:
стр. 364
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١)
واقتصر في الحديث على الأمر بالأكل من الطيبات إما لأن الأكل كان في الحديث على أكل الحلال، وإما لأن الراوي اختصر الرواية.
الإهتداء:
على المؤمن أن يتحرى في مأكله ومشربه وكل ما فيه قوام ذاته الحلال الطيب يمتثل بذلك أمر الله ويقصد التوصل به إلى العمل الصالح وعليه أن يتحرى في فعله وتركه أمر الله ونهيه حتى يكون عمله عملاً صالحاً طيباً متقبلاً. يمتثل بذلك أمر الله ويقصد قبول عبادته ودُعائه لديه. والمتحري للحق والخير جدير بالتوفيق إليه وكثرة إصابته.
رزقنا الله والمسلمين التحري لطاعته والتوفيق لمرضاته والتأدب بكتابه آمين (١).
стр. 365
الْإِجْتِمَاعُ الْعَامُّ لِلْأَمْرِ الْهَامِّ وَارْتِبَاطِ الْجَمَاعَةِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ
- ١ -
القرآن العظيم:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
ــ
الألفاظ:
الأمر الجامع هو الحادث الذي يتطلب الاجتماع بطبيعته فيجمع الإمام الناس من أجله، من ذوي الرأي والمعرفة بمثله، والخبرة والتجربة فيه، من كل من يعم نفعه، أو ضرره من أمور السلم والحرب وشؤون الحياة والاجتماع، ليتشاوروا فيما بينهم ويستضيئوا بعضهم لرأي بعض. والإستئذان: هو طلب الإذن من الإمام بمفارقة الإجتماع لعذر قاض بالمفارقة.
стр. 366
المعنى:
يأمر الله المؤمنينن إذا كانوا مع رسوله- ﵌ على أمر جامع ألا يفارقوا مجلسه كلهم أو بعضهم إلاَّ بإذنه. وأكَّد هذا الأمر بما وطأ له من ذكر الإيمان بالله ورسوله تنبيهاً على أنه من مقتضاهما، وبقرنه بهما وجعله ثالثاً لهما تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على ملازمته لهما ممن صدق فيهما (١). حتى كان غير المستأذنين لا إيمان لهم، وبإعادته في الجملة الثانية، ببيان أن الذين يستأذنون هم دون غيرهم الثابتون في إيمانهم المستمرون عليه، تعريضاً بالذين لا يستأذنون وتقبيحاً لحالهم، بأنهم لا ثبات لهم في الإيمان ولا استمرار منهم على العمل به، فليسوا بالمؤمنينن ولا بالذين يؤمنون.
ثم جعل الخيار لرسوله في الإذن وعدم الإذن لهم إذا استأذنوه لبعض شأنهم تعظيماً لأمر الاجتماع وتعظيماً للصالح العام وتوكيداً لحق الإمام على الجماعة لحفظ الإجتماع وتتميم الأعمال.
ثم أمره أن يستغفر لهم، فقد يكون العذر دون الاضطرار، وقد يكون ما فاته من بركات الاجتماع، وحسنات المشاركة فيه بالرأي والإهتمام، وتكثير السواد- بسبب ذنب كان منهم في أمر غير الاجتماع، وأكد هذا الأمر بأنه الكثير المغفرة لعباده الدائم الرحمة بهم.
الأحكام:
لما كان الاجتماع شُرع للمصلحة، والذهاب بدون استئذان حُرِّم للمفسدة، فالمشروعية والتحريم دائمان بدوام المصلحة والمفسدة: فأحكام الآية مستمرة الأحكام عامة للمسلمين في كل زمان وكل مكان، مع أئمتهم وقادتهم المقدمين منهم فيهم في كل ما يعرض من اجتماع لصالح عام.
стр. 367
فمن أحكام الآية الكريمة- أن على أئمة المسلمين وذوي القيادة فيهم إذا نزل بهم أمر هام أن يجمعوا جماعة المسلمين الذين يرجى منهم الرأي والعمل فيما نزل، فلا يجوز لهم أن يهملوا أمرهم، ولا أن يسبتدوا عليهم، وأن على المسلمين أن يجتمعوا إليهم ويكونوا معهم، يظاهرونهم ويؤيدونهم وينصحون لهم، فلا يجوز لهم أن يتخلفوا عنهم، ولا أن يخذلوهم، وأنَّ على المجتمعين أن لا يذهب واحد منهم إلا بإذن- وأن لا يستأدن إلا لعذر ببعض الشأن، وأن على الإمام أن ينظر في الإذن وعدمه فيفعل ما هو أولى.
بيان مراد، ودفع اغترار واعتراض:
تجد في آيات القرآن العظيم أخباراً ووعوداً من الله- تعالى- للمؤمنين ولربما حسب من لا يعلم أنها تشمل كل من كان على أصل الإيمان من اعتقاده مع بعض أعماله، وإن فرط في كثير من أصول الأعمال. فيبين الله- تعالى- في هذه الآية وأمثالها مراده بالمؤمنين عند إطلاق لفظ المؤمنين في تلك الأخبار والوعود، حتى لا يغتر المفرطون ولا يعترض الجاهلون.
توجيه وإرشاد:
إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله، ورسوله، إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر، وتدبر، وتتشاور، وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة متساندة في العمل عن فكر وعزيمة. ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله والحديث عن الجماعة وما يتعلق بالإجتماع، فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الإجتماع، ونظامه، ولزوم الحرص، والمحافظة عليه، كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عمود الإسلام.
موعظة:
ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاَّ بإهمالهم لأمر
стр. 368
الاجتماع ونظامه، إمَّا باستبداد أئمتهم وقادتهم وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما ذلك إلا من سكوت علمائهم وقعودهم عن القيام بواجبهم في مقاومة المستبدين، وتعليم الجاهلين، وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين. فعلى أهل العلم- وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم- أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة، فينفخوا في المسلمين روح الإجتماع الشورى، في كل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم، حتى لا يستبد بهم مستبد، ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم، ممن ينتسب إليهم فينبذ ويطرح ويستغني عنه بالله وبالمؤمنين.
موازنة وترجيح:
هنالك المصلحة العامة وهنالك المصلحة الخاصة، ومحال أن تساوي هذه بتلك، أنظر إلى الذكر الحكيم كيف عبر عن الأولى بالأمر الجامع، وفي هذا ما فيه من تفخيم، وعبر عن الثالية ببعض الشأن وفي هذا ما فيه من التحقير والتقليل. وفي قرنها بالإستغفار تنبيه على ترجيح الأولى على الثانية وأنها ما كانت تعتبر إلا على وجه الرخصة والإستغراق في الإهتمام والتدبير للمصلحة العامة أحق وأولى.
إمتثال ورجاء:
لنجعل المصلحة العامة غايتنا، والمقدمة عندنا حتى لا يكون- إن شاء الله- في مصالحنا الخاصة ما يصرفنا أو يشغلنا عنها، راجين من الله تعالى أن يعيننا على ما قصدنا وأن يوفقنا إلى استعمال كل مصلحة خاصة لنا في مصلحة عامة لنا ولإخواننا إنه نعم الموفق ونعم المعين (١).
стр. 369
- ٢ -
القرآن العظيم:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
ــ
المناسبة والإرتباط:
لما بينت الآية السابقة وجوب الإستئذان عند إرادة الإنصراف من مجلسه ﵊ بينت هذه الآية وجوب تلبية دعوته إذا دعا، وفضحت حالة الذين يتسللون غير مستأدنين وحذرت من فعلهم وأوعدت الوعيد الشديد المخالفين أمثالهم.
الألفاظ:
الدعاء: النداء وطلب الإقبال للحضور. بينكم: في اعتقادكم ومعاملتكم. يتسللون:. يذهبون قليلاً قليلاً من الجماعة متخفين. لواذاً: ملاوذة بأن يلوذ هذا بهذا ويلوذ هذا بهذا متستراً به حتى لا يرى عند خروجه. فليحذر: فليتيقظ، وليتحرز. وذلك باجتناب المخالفة. يخالفون عن أمره: يصدون ويعرضون عن طريقته وسنته ومنهاجه وما كان عليه من سير في الحياة. الفتنة: البلاء بأنواع النقم أو بنعم تستدرج إلى النقم، هذا معنى الفتنة لأنها ذكرت في مساق الوعيد. عذاب أليم: في الآخرة.
المعنى:
لا تنزلوا دعاء الرسُول لكم إذا دعاكم إلى الحضور عنده منزلة
стр. 370
دعاء بعضكم بعضا للحضور، فتحسبون أنفسكم مخيرين إن شئتم أجبتم وإن شئتم تخلفتم، فتارة تجيبون وتارة تتخلفون، فإجابة دعوته والإسراع إليه واجب محتم عليكم، والتخلف أو التباطؤ- لغير عذر واضح- محرم عليكم، ذلك لأنه إذا دعاكم لا يدعوكم إلا لمصلحة قطعية وخير محقق يعود عليكم في أمر الدين أو أمر الدنيا، ففي تخلفكم أو تباطئكم تفويت أو تعطيل أو تثبيط. وإذا حضرتم مجلسه فابقوا كلكم عنده ولا تذهبوا من مجلسه واحداً واحداً أو اثنين اثنين يتستر بعضكم ببعض عند الخروج حتى لا يراه الناس ولا يراه الرسول، فإن الله يعلم قطعاً أولئك الذين يخرجون متسللين متسترين بعضهم بعض، فإذا نجوا من ملام الرسول فإنهم لا ينجون من عذاب الله.
وإذا كان الله عالماً بصنعهم ومفارقتهم لمجلس رسوله وثلمهم لجماعته وصدهم وإعراضهم عما هو عليه هو ومن معه- فهو معاقبهم على ما ارتكبوا بالبلايا، يصبها عليهم في الدنيا، أو العذاب الأليم ينزله بهم في الآخرة، أو يجمع لهم ما بينهما، فليتجنب أولئك المخالفون لأمره هذه الفتنة وهذا العذاب وليحذروا منهما. وما ذلك إلا بترك المخالفة والإقلاع عنها والرجوع إلى الموافقة والإتباع.
تنظير وتعميم:
أمراء المسلمين وقادتهم ومن يتولون أمراً من أمورهم العامة تجاب دعوتهم إذا دعوا لأمر عام وشأن مما يرتبط بما في عهدتهم من أمر الناس، ويسرع إليهم ولا يتسلل من مجالسهم. ذلك لما لهم من حق الخلافة عن الرسول- ﵌ فيما كان يقوم به من أمر الناس وتدبير شؤونهم وضبط نظامهم ورعاية مصالحهم.
ميزان:
كل الأقوال والأعمال توزن بأقواله وأعماله، وكل الأحوال والسير
стр. 371
توزن بسيرته وحاله. فما وافقها فهو الحق والخير والهدَى، وهو الذي يقبل من كائن من كان. وما خالفها فهو الباطل والشر والضلال، وهو الذي يرد على صاحبه كائناً من كان. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﵌ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَد).
وجوه الفتنة وسببها:
مخالفة السنة النبوية والهدى المحمدي وما كان عليه رسول الله- ﵌ في تنفيذ شرع الله وتطبيق أحكامه وتمثيل الإسلام تمثيلاً عملياً، تلك المخالفة هي سبب كل بلاء لحق المسلمين حتى اليوم بحكم صريح هذه الآية. وقد ذكر المفسرون في تفسير الفتنة أشياء على وجه التمثيل لا على وجه الحصر والتحديد، فذكروا الكفر، والقتل، والاستدراج بالنعم، وقسوة القلب، عن معرفة المعروف والمنكر، والطَّبع على القلب حتى لا يفقه شيئاً، وكل هذا قد أصاب المسلمين بسبب مخالفتهم.
أعظم الفتنة:
غير أن أعظم الفتنة- فيما نرى- هو ما قاله الإمام جعفر الصادق: (أن يسلط عليهم سلطان جائر) فإنه إذا جار السلطان- وهو من له السلطة في تدبير أمر الأمة والتصرف في شؤونها- فسد كل شيء، فسدت القلوب والعقول والأخلاق والأعمال والأحوال، وانحطت الأمة في دينها ودنياها إلى أحط الدركات، ولحقها من جرائه كل شر وبلاء وهلاك. ثم بتفاوت ذلك الفساد بحسب ذلك الجور في قدره وسعته ومدة بقائه. هذا إذا كان ذلك الجائر من جنسها ويدين- بحسبب ظواهره- بدينها، فكيف إذا لم يكن من جنسها ولا من دينها في شيء. حقاً إن أعظم ما لحق الأمم الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على
стр. 372
يد السلاطين الجائرين منها ومن غيرها. وهذا ما يشهد به تاريخها في ماضيها وحاضرها. فما أصدق كلمة جعفر الصادق وما أعمق نظره فيها، ومن أحق بمثلها من بيت النبوة ومعدن الحكمة؟ عليهم الرضوان والرحمة.
تطبيق وتحذير:
من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي تعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك المحدث فيها. وكلا هذين زيادة وأحداث وابتداع مذموم. يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله- ﵌ وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله- ﵌ عنها. وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء، دع ما يجر إليه من بلايا أخرى، وقد طبق الأمام مالك ﵁ هذه الآية الكريمة، على هؤلاء المتزيدين أحسن تطبيق وأبلغه وأردعه لمن كان له فهم وإيمان.
روى الإمام ابن العربي- ﵀ بسنده المتصل إلى سفيان ابن عيينه ﵀ قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة (١) من حيث أحرم رسول الله- ﵌ فقال: (إني أريد أن أحرم من المسجد) فقال: لا تفعل. قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى
стр. 373
أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﵌. إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فليتأمل المسلمون- وخصوصاً المنتسبين إلى مذهب مالك- في فقه هذا الإمام العظيم ووقوفه عند حدود الله وليحذروا من عاقبة المتزيدين المتغالين.
بوارق أمل:
لقد شعر المسلمون عموماً بالبلايا والمحن التي لحقتهم وفي أولها سيف الجور المنصب على رؤوسهم، وإدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم- ﵌ فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمور. تدعوا الناس الى معالجة أدوائهم بقطع سببها واجتثاث أصلها. وما ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه محمد- ﵊ وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام، وقد حفط الله علينا ذلك بما إن تمسكنا به لن نضل أبداً- كما في الحديث الصحيح- الكتاب والسنة. وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولاً، ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلا إذا أنقذه الله به ثانيا. وقد أخذ المسلمون يصيغون أسماعهم ويستجيبون- أفواجاً أفواجاً- لداعي الإصلاح أينما دعاهم، وفي ذلك- والحمد لله- ما يقوي الرجاء والأمل، ويبعث على الجد والعمل. الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١).
стр. 374
الْفُرْقَانُ
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١)
ــ
المفردات:
تبارك: مادة برك كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها بروك الإبل استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء، والبراكاء الثبات في الحرب، ومنها البركة بمعنه النماء والزيادة ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن الثبوت، وتبارك من البركة، فمعناه تزايد خيره والله تعالى له الكمال ومنه الإنعام فتبارك أي تزايد كماله وإنعامه فلا تحصى إنعاماته ولا تحد كمالاته. وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده، فيقتضي التنزه عن النقص. فانتظم اللفظ ثلاثة معاني: التنزه عن النقص، والإتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. فتبارك: (تقدس وتعاظم) الفعل الأول مفيد للاول، والفعل الثاني مفيد للثاني، والثالث (نزل) مادة نزل كلها ترجع إلى معنى الهبوط من علٍ والحلول في أسفل. ونزل المضاعف أبلغ في المعنى، من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا، لأنه نزله مفرقاً على نيف وعشرين سنة، وقد يفيد القوة في نزول
стр. 375
واحدكما في: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ لان تنزيل الجملة أقوى من إنزال التفصيل. (الفرقان): أصله مصدر فرق بمعنى فصل وهو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد بما فيه من زيادة الألف والنون كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك. وهو هنا اسم من أسماء هذا الكتاب الكريم. (نذير): مادة نذر كلها ترجع إلى الإعلام والتحتيم، فمنها نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه وأعلم به ونذر بالعدو كفرح علم به وأنذره أعلمه، ولا يستعمل إلاَّ في إبلاغ ما فيه تخويف فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل.
التراكيب:
(الَّذِي نَزَّلَ): عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام، لأن الغرض بين كمالات الله تعالى وإنعاماته وتنزيل الفرفان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر ومن آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته. (عبده): إضافة تشريف لأنه أكمل العباد.
المعنى:
تقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال وحزبيهما من الناس مفصلاً آيات آيات على محمد- ﵌ أكمل عباده ليكون بذلك الكتاب لجميع الأنس والجن منذراً لهم، بعلمهم بعذابه ويخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده ويخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة ويدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام.
توحيد:
هذا الفعل وهو (تبارك) لا يسند إلاّ إلى الله تعالى، ذلك لأن
стр. 376
العظمة الحقيقية بالكمال والإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلا له وما من كامل من مخلوقاته إلا وهو- ﷻ الذي كمله وما من منعم عليه منهم إلا وهو- تعالى- الذي أنعم عليه وما من زكي منهم إلا وهو- سبحانه- الذي زكاه.
سلوك:
هذا الرب الكامل المكمل المنعم المتفضل القدوس المقدس هو الذي أنرل هذا الفرقان، فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال وتظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاء التام فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو بساط القدس ومعراج الكمال ومائدة الإكرام وقد سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق النبي ﵌ فقالت كان خلقه القرآن.
تفقه واستنباط:
لما سمى الله كتابه الفرقان علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل وأهل هذا وذاك، فهو الحكم العدل والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه على الحق فيما هو عليه من عقد أو قول أو عمل، فما تقابل حق وباطل وما تعالجت حجة وشبهة إلا وفي هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما بينهما وإنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم وصدق بصيرة وحسن إخلاص، فعلينا - إذاً- أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه، وأن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه ومراميه مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لآليه. فإذا حكم قبلنا وسلمنا وكنا مع ما حكم له وفارقنا ما حكم عليه، فالله سماه الفرقان لنعلم أنه فارق بنفسه ولنعمل بالفرق به ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان إلا بالعلم والعمل.
ولما جعل- تعالى- غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيراً
стр. 377
إقتضى ذلك أن نذارته تكون بالفرقان لتقوم الحجة وتتم الحكمة وتحصل الفائدة وتشمل النعمة. وقد صرح بهذا في قوله تعالى بالأعراف: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. وبالأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. وبالنمل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. وبق: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. وبالتوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فعلينا- إذاً- أن نعلم أنَّ القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولهما وفنونهما من آياته، وهذا حظ العلم، وأن يكون اهتداؤنا في أنفسنا وهدينا لغيرنا به، وهذا حظ العمل، وهما ركنا الإيمان.
تطبيق وتحاكيم:
في العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين تتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير، ولكل منهما في سلوكها للقيام بتلك الخطة سبيل، وكل منهما تدَّعي أنها هي التي على الصواب، وأنها الأحق والأولى بنفع العباد. فرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما وننظر كيف يفرق ما بينهما وبين المصيبة من المخطئة منهما، وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه. وإنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل لخطر الخطة التي تنازعا عليها، وعظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطىء وصواب المصيب بها، ولأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن فتنازعهما عليها تنازع عليه فأحق فصل نمثل به
стр. 378
لنعلمه هو فصله بين المتنازعين فيه. وها نحن نعرض بعض حال كل طائفة في قيامها بالخطة ثم نسوق آيات القرآن وننظر من أسعد الطائفتين بها.
حكم القرآن بين الطائفتين:
الطائفة الأولى: يذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأوراد من وضعهم لا مما ثبت عن النبي ﵌ إلا قليلاً: ولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة.
و الطائفة الثانية: يذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره ويبينون لهم معانيه ويحثونهم على التمسك به والرجوع إليه.
ويدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح لرجوعها إلى القرآن بحكم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) ولا يطلبون عليهم في ذلك أجراً.
والله تعالى يقول في الحال الأول: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس ويقول- تعالى- في الحال الثاني لنبيه- ﵌: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣). ويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا
стр. 379
وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) ومن هم المهتدون؟ هم المتبعون للنبي- ﵌ لقوله تعالى في الأعراف: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله. وقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعو بالقرآن ويذكر به وأنه لا يسئل على ذلك أجراً.
بان- والحمد لله- بما ذكرنا حكم القرآن بين الطائفتين واتضح طريق الحق في الدعوة والإرشاد لمن يريد سلوكه منهما. والله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع به والثبات عليه و ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣ و ٤).
стр. 380
كَلَامُ الظَّالِمِينَ فِي الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، وَالرَّسُولُ الْكَرِيمِ، وَرَدُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
ــ
الألفاظ:
كفروا، غطوا الحق بإنكاره وعدم الإعتراف والإعلان به. وكل من غطى شيئاً وستره فقد كفره، وسمي الليل كافر لأنه يغطي الأشياء بظلامه، والزارع كافر لأنه يغطي البذر بالتراب. إفك: كذب مصروف عن وجهه الحق من أفكه يفكه أفكاً أي صرفه. إفتراه: اختلقه واخترع صورته. جاؤوا: وردوه واتنهوا إليه. ظلماً: وضع الشيء في غير موضعه. زوراً. شهادة بالباطل. أساطير: جمع أسطورة أي أخبار وحكايات مسطورة في كتب الأوائل ليست محل الثقة. إكتتبها: أمر بكتابتها له، وافتعل يأتي للطلب كاحتجم واقتصد. تملى: تلقى عليه ليحفظها فيلقيها على الناس. بكرة: ما بين الفجر والطلوع. أصيلا: ما بعد العصر إلى الغروب. السر: الخفي من كل شيء. غفورا: ستاراً للذنوب كثير التجاوز عنها. رحيما: دائم الإفاضة للنعم.
стр. 381
المعني:
وقال الذين أنكروا الحق مع ظهوره، وجحدوه مع وضوحه، ما هذا الكلام الذي يتلوه محمدٌ علينا إلا كلام كذب مصروف عن وجه الحق اخترعه وصوره وأعانه عليه غيره من أناس آخربن، فقد سموا الحق الصراح والصدق الخالص إفكاً، وجعلوا أخبار الأمين الذي كانوا يدعونه هم أميناً، افتراء وجعلوا القرآن الذي عجزوا عن معارضته كلاماً عادياً متعاوناً على تركيبه وتصويره، فسموا الشيء بغير اسمه ووضعوا الوصف في غير موضعه، فانتهوا بذلك إلى ظلم عظيم أتوه ووقعوا فيه وقد شهدوا بالباطل، فنسبوا للرسول ﵌ ما هو برىء منه من الافتراء والاستعانة بغيره فانتهوا إلى زور عظيم تحملوه.
وقالوا:- أيضاً- هذا الذي يتلوه علينا هو من أخبار الأوائل وكتبهم المسطورة التي سطروها من أعاجيب أحاديثهم مما يتلى به ولا يوثق بصحته توصل إليها من غيره، أمر فكتبت له فكاتبها له يمليها عليه دائماً في طرفي النهار فيحفظها هو ويأتينا بها.
قل- يا محمد- أنزل هذا الذي أتلوه عليكم الخالق الذي يعلم الشيء الخفي والأمر المكتوم في العالم العلوي والعالم السفلي. وما أمهلكم فلم يعاجلكم بالعذاب، وبقي يجدد لكم التذكير مع إعراضكم وعنادكم وقبح صنيعكم وسوء ردكم إلا أنَّه من شأنه الصفح والتجاوز ودوام الإنعام والتفضل، فهل لكم أن ترجعوا إلى هذا الرب الغفور الرحيم؟
مزيد بيان:
بهر العرب ما رأوا وما سمعوا، من رجل كان بالأمس معرضاً عنهم تاركاً لهم وشأنهم يشهد موسم الحج معهم ويجتنب مشاهد
стр. 382
وثنيتهم ولكنه لا يعاديهم ولا ينكر عليهم ويسير بينهم بالصدق والجد والعفاف وكمال المروءة سيرة تخالف سيرتهم فهم لذلك يحبونه ويعظمونه ويدعونه الأمين لقباً خصوه به فصار يدعى به بينهم. فأصبح اليوم- وقد جاوز الأربعين- ينكر عليهم ويسفه أحلامهم ويقبح عبادتهم وما يعبدون ويصبر على أذاهم ولا يقابلهم بالمثل ويستمر على دعوته غير مبال بهم ولا حاسب شيئاً لكثرتهم ولا لسطوتهم. ومن كلام مثل كلامهم في ألفاظه وفي تراكيبه ثم هم يعجزون عن معارضته بمثل أقصر سورة منه ثم يشهدون الفرق بينه وبين كلام محمد نفسه فهو إذا حدَّثهم بما اعتادوا من حديثه معهم حتى إذا تلى عليهم القرآن جاءهم بما هو فوق كلامه وكلامهم وما تقصر عن معارضته ألسنتهم.
بهرهم هذا وهذا وأخذ العناد بعقولهم واستحوذت عليهم شياطينهم فحاروا فيما يقذفون به هذا الرسول وهذا الكتاب، فأخذوا يقولون عن الكتاب أنه إفك مفتري ورأوه أكبر مما كانوا يسمعون من كلام محمد، فلم يكن ليأتي به وحده، وهو فوق المعتاد من كلامه، فإذا هنالك أقوام يعينونه. ومن هم الأقوام؟ وهو- بعد- في نفر قليل ممن آمن به، وهم هم في كثرتهم وتساندهم وقد عجزوا عن الإتيان بشيء مثله فالقليل أحرى بالعجز من الكثير ويقولون أنه أساطير الأولين وقد كان منهم من عرف شيئاً من أخبار الفرس وملوكهم وكان يحدثهم بها ويقصها عليهم ويزعم لهم أنها مثل ما يأتي به محمد فقالوا- وقد علموا الفرق- هذه منها وهي مثلها ولكن محمداً عرفوه أمينا لا يقرأ ولا يكتب فكيف اتصل بهاته التي زعموها أساطير فاخترعوا وسيلة لذلك أنه يكتبها له غيره ويمليها عليه وهو يحفظها ومن هو هذا الذي يكتب ويملي عليه وهم قد عرفوا مدخل محمد ومخرجه ومغداه ومجلسه وعرفوا بلدتهم ومن يساكنهم فكيف لا يرونه ولا مرة بين يدي هذا الكاتب المملي ولا يشاهدونه يوماً في صحبته فاخترعوا لذلك
стр. 383
أنه يمليها عليه في طرفي النهار في ظلام من الوقت وسكون من الناس. وقالوا في الرسول- ﵌ أنه مفتر يستعين على افترائه بغيره، ويتظاهر باستقلاله وينسب لله ما هو حكايات الأوائل وأوضاعهم. فيكذب عليه- تعالى- لديهم.
رد الله عليهم كل ما قالوا فيهما بأنه ظلم وزور وأن ما يتلوه عليه هذا النبي الكريم من ذلك الكتاب الحكيم ليس مما يكون إلا من خالق المخلوقات العالم بأسرارها.
أسلوب في البيان:
لقد جاؤوا الظلم والزور في قولهم الأول وقوله الثاني: ﴿قُلْ﴾ أمر بما يرد قولهم الأول وقولهم الثاني. غير أنه قصد إلى الإيجاز وعدم التكرار فجعل مع قولهم الأول الوصف وهو الظلم واكتفى بذكره هنا عن إعادته وجعل مع قولهم الثاني الدليل وهو إنزال من يعلم السر واكتفى بذكره هنا عن ذكره مع الأول فحذف من كل ما أثبت مع الآخر. وجعل الوصف مع الأول والدليل مع الثاني ترقياً من الدعوى للدليل.
وجه الدليل:
القرآن أعجز العرب ببلاغته حتى عرفوا وعرف العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم أنه ليس مثله من طوق البشر. هذه هي الناحية الظاهرة في إعجاز القرآن والإستدلال به له ولمن أتى به ﵌. وهنالك ناحية أخرى هي أعظم وأعم وهي ناحيته العلمية التي يذعن لها كل ذي فهم من جميع الأمم في كل قطر وفي كل زمن. وهذه الناحية هي التي احتج بها في هذا الموطن. فقد استدل على أن القرآن لا يمكن أن يكون أتى به محمد من عنده ولا يمكن أن يستعين عليه بغيره ولا أن يكون من أوضاع الأوائل- بأنه ينطوي على أشياء من أسرار هذا الكون لا يعلمها إلا خالقه فمن ذلك ما أنبأ به من أسرار الأمم
стр. 384
الخالية وبين من أسرار الكتب الماضية وما أنبأ من أحداث مستقبلة وما ذكر من حقائق كونية كانت لذلك العهد عند جميع البشر مجهولة كالزوجية في كل شيء وسبح الكواكب في الفضاء وسير الشمس إلى مستقر مجهول معين عند الله لها وغير ذلك من أسرار العمران والإجتماع وما تصلح عليه حياة الإنسان مما تتوالى على تصديقه تجارب العلماء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم. فكتاب اشتمل على كل هذه الأسرار لا يمكن أن يأتي به مخلوق.
ترغيب:
قد دعانا الله إلى العلم ورغبنا فيه في غير ما آية وأعلمنا أنه خلق لنا ما في السموات وما في الأرض جميعاً وأمرنا بالنظر فيما خلقه لنا، وأعلمنا هنا أن في هذه المخلوقات أسراراً بينها القرآن واشتمل عليها وكان ذلك من حجته العلمية على الخلق فكان في هذا ترغيب لنا في التقصي في العلم والتعمق في البحث لنطلع على كل ما نستطيع الإطلاع عليه من تلك الأسرار: أسرار آيات الأكوان والعمران وآيات القرآن فنزداد علماً وعرفاناً ونزيد الدين حجة وبرهاناً ونجني من هذا الكون جلائل ودقائق النعم، فيعظم شكرنا للرب الكريم المنعم.
فقهنا الله في كتابه، ووفقنا إلى الاهتداء به، والسير على سننه (١).
..
стр. 385
مَنْزِلَةُ الرِّسَالَةِ الْعَلِيَّةِ وَالضَّرُوْرَاتِ الْبَشَرِيَّةِ
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ... ﴾ (١).
ــ
المناسبة:
لما طعنوا في رسالته بأنه بشر يفعل ما يفعله البشر بقولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٢) رد الله عليهم بأن هذا هو حال جميع المرسلين من قبله، واحتج عليهم بما يعملون من ذلك بما يسمعون من أهل الكتاب جيرانهم وبما عندهم من أخبار عاد وثمود من بني جلدتهم.
المفردات:
الإرسال: هو البعث لتبليغ شيء أو قضائه. وفي لسان الشرع
هو إنزال الله تعالى الوحي على من اصطفاه من خلقه لينذر به من أمره بإنذاره من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣).
فالرسالة وحي مع أمر التبليغ.
стр. 386
التراكيب:
مفعول أرسلنا محذوف تقديره رجالاً، وعليه عاد الضمير في أنهم، وهو صاحب الحال، والحال هي الجملة التي بعد إلا، والجملة الثانية حال بالعطف على الأولى، والاستثناء مفرغ من الأحوال وتقدير الكلام: وما أرسلنا قبلك رجالا من المرسلين إلاَّ حالة أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. أي ما أرسلناهم في حالة من الأحوال إلاّ في هذه الحال. وأن اللام والحصر بما والأكل هذه لتأكيد المعنى الذي سيق إليه الكلام، وهو إثبات أن رسول البشر لا يكون إلا بشراً رداً على منكري ذلك من المشركين، وعبر بالمضارع في يأكلون ويمشون لأن ذلك من ضروريات بشريتهم، فهو يتجدد ويتكرر منهم، وأكل الطعام والمشي في الأسواق كناية من البشرية، لأنهما وصفان لازمان لها.
المعنى:
وما ينكر عليك هؤلاء من أكلك الطعام ومشيك في الأسواق مع أنك رسول الله، وقد علموا أنه ما من رسول كان قبلك إلا وهذه حالته، وما أنت إلا واحد منهم فلا عيب عليك في ذلك ولا حجة لهم عليك به.
تاريخ:
هذه المقالة شنشنة قديمة من الأمم التي أرسلت إليها الرسل فقابلتها بالجهل والعناد فقد قال لنوح قومُه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ (١) وقال لهود قومه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا
стр. 387
تَشْرَبُونَ﴾ (١) ولصالح: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٢) ولشعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ٣١) ولموسى وهرون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٤) وفي سورة إبراهيم عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم أنهم قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٥) فقال المشركون للنبي- ﵌ ما قاله أمثالهم لإخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
تعليل:
ما اعترض المعترضون على الرسل ببشريتهم إلا من جهلهم وسوء نظرهم وغباوتهم، أما جهلهم فقد جهلوا ما في البشرية من استعداد لنيل أرقى الكمالات وجهلوا ما تقتضيه الرسالة من مشاكلة بين الرسول والمرسل إليهم لتحصل المفاهمة والإتصال. وجهلوا ما يؤهل به البشر لرتبة الرسالة من كمال في الروح والعقل، والأخلاق والسلوك مما كان الرسل متصفين به كله أمام أعين أقوامهم، وأما سوء نظرهم فإنهم نظروا إلى بشرية الرسل فقاسوهم بهم وقالوا لهم أنتم مثلنا مع وجود الفارق الواضح بينهم وبين الرسل في الصفات النفسية التي بها كمال الإنسان، وأما غباوتهم فإنهم لغلبة الجسمانيات على حسهم وإهمالهم استعمال عقولهم لم يتفطنوا للكمال المشاهد الذي امتاز به الرسل بين أقوامهم.
стр. 388
تعليم:
هذه العلل التي صدر اعتراض المعترضين عنها قد علمنا الله تعالى
في كتابه العزيز ما يعصمنا منها، فعلمنا أن الإنسان مستعد لأن تخضع له العوالم بما فيه روح الله وأنه يلتحق بعالم الملائكة الأطهار بتلك الروح عندما تكون على أصل طهرها وقدسها، علمنا هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١) فأخضع له ملائكته أشرف العوالم وبقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (٢) فاتصل بهم وخاطبهم وعلمهم، فلا عجب أن يأتي المماثلون له من أبنائه في طهره وعصمته على سنته في الإتصال بالملائكة ومخاطبتهم، وعلمنا أن الرسول لا يكون إلا من جنس المرسل إليهم ليحصل الاتصال ويمكن التلقي، وأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لأرسل لهم ملك وأنهم لو أنزل عليهم ملك وهم بشر لكسي حلة البشرية ولا التبس عليهم أمره ولقالوا فيه مثل ما قالوا في المرسلين من البشر. علمنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٣) وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٤). وعلمنا أن البشر يؤهل للرسالة باصطفاء الله تعالى له ومن مقتضى ذلك الاصطفاء تطهيره من أول نشأته من أوضار البشرية وظلم الجسمانية وتسفلها فتبقى روحه
стр. 389
على غاية الطهر والعلوية النورانية مستعدة للإتصال بالملأ الأعلى حتى تستكمل قواها فيأتيها الملك بالوحي. علمنا هذا بمثل قوله تعالى. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ (٣) وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٤) وغيره كثير. وعلمنا أن الرسل وإن كانوا موافقين لنا في الخلقة البشرية فإنهم مباينون لنا غاية المباينة في الخلقة النفسية من حيث الطهر والكمال. فنفوسهم بقيت على طهرها لم تدنس بشيء ونفوسنا لا تخلو من تدنس، والموفق من داوم على غسلها بالتوبة وتحليتها بالصالحات، وكمالهم فطري ويبلغون فيه بعملهم المتواصل وعصمتهم الربانية إلى الغايات التي لا تنال وكمالنا ليس كذلك في الأمور الثلاثة الفطرة والعمل المتواصل والعصمة.
علمنا هذه بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٥) فبالنظر الصحيح فيما منَّ الله عليهم به ندرك أنهم ليسوا مثلنا وإن ساوونا في الخلقة البشرية. وعلمنا أن لا ننظر إلى ظواهر الأمور دون بواطنها وإلى الجسمانيات الحسية دون ما وراءها من معان عقلية بل نعبر من
стр. 390
الظواهر إلى البواطن وننظر من المحسوس إلى المعقول ونجعل حواسنا خادمة لعقولنا ونجعل عقولنا هي المتصرفة الحاكمة بالنظر والتفكير. وعلمنا هذا بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (١) فلا ينظر إلى بهرجة الكثرة ولكن إلى حقيقة وحالة الشيء الكثير فيعتبر بحسبهما وبقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ (٢) فلا يجوز أن نغتر بالمال والقوة والجاه وأنواع النعيم إذا سيقت إلينا فنحسب أنها هي نفس الكرامة الربانية التي دعينا إلى العمل لنيلها بل إنما نعدها كذلك إذا كان معها التوفيق إلى شكرها بالقيام بحقوقها وصرفها في وجوهها.
ولا نغتر بحالة الضيق والعسر والضعف فنحسب أنها إهانة من الله لصاحبها بل علينا أن ننظر إلى ما معها من صبر ورجاء وبر أو ضجر ويأس وفجُور فنعلم حينئذ أنها مع الأولى للتمحيص والتثبيت ومع الأخيرة للزجر والعقاب بعدل وحكمة من أحْكم الحاكمين. وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) فعلمنا أنه بشر ولكنه خصص بالوحي إليه بتوحيد الله وبما يقتضيه من مقام الإيحاء إليه من طهر وكمال حتى لا تعجب عنا بشريته التي نشاهدها بأبصارنا كمال حاله ومنزلته الذي ندْركه ببصائرنا.