← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

التراكيب: مفعول أرسلنا محذوف تقديره رجالاً، وعليه عاد الضمير في أنهم، وهو صاحب الحال، والحال هي الجملة التي بعد إلا، والجملة الثانية حال بالعطف على الأولى، والاستثناء مفرغ من الأحوال وتقدير الكلام: وما أرسلنا قبلك رجالا من المرسلين إلاَّ حالة أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. أي ما أرسلناهم في حالة من الأحوال إلاّ في هذه الحال. وأن اللام والحصر بما والأكل هذه لتأكيد المعنى الذي سيق إليه الكلام، وهو إثبات أن رسول البشر لا يكون إلا بشراً رداً على منكري ذلك من المشركين، وعبر بالمضارع في يأكلون ويمشون لأن ذلك من ضروريات بشريتهم، فهو يتجدد ويتكرر منهم، وأكل الطعام والمشي في الأسواق كناية من البشرية، لأنهما وصفان لازمان لها. المعنى: وما ينكر عليك هؤلاء من أكلك الطعام ومشيك في الأسواق مع أنك رسول الله، وقد علموا أنه ما من رسول كان قبلك إلا وهذه حالته، وما أنت إلا واحد منهم فلا عيب عليك في ذلك ولا حجة لهم عليك به. تاريخ: هذه المقالة شنشنة قديمة من الأمم التي أرسلت إليها الرسل فقابلتها بالجهل والعناد فقد قال لنوح قومُه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ (١) وقال لهود قومه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا

стр. 387

تَشْرَبُونَ﴾ (١) ولصالح: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٢) ولشعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ٣١) ولموسى وهرون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٤) وفي سورة إبراهيم عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم أنهم قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٥) فقال المشركون للنبي- ﵌ ما قاله أمثالهم لإخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام. تعليل: ما اعترض المعترضون على الرسل ببشريتهم إلا من جهلهم وسوء نظرهم وغباوتهم، أما جهلهم فقد جهلوا ما في البشرية من استعداد لنيل أرقى الكمالات وجهلوا ما تقتضيه الرسالة من مشاكلة بين الرسول والمرسل إليهم لتحصل المفاهمة والإتصال. وجهلوا ما يؤهل به البشر لرتبة الرسالة من كمال في الروح والعقل، والأخلاق والسلوك مما كان الرسل متصفين به كله أمام أعين أقوامهم، وأما سوء نظرهم فإنهم نظروا إلى بشرية الرسل فقاسوهم بهم وقالوا لهم أنتم مثلنا مع وجود الفارق الواضح بينهم وبين الرسل في الصفات النفسية التي بها كمال الإنسان، وأما غباوتهم فإنهم لغلبة الجسمانيات على حسهم وإهمالهم استعمال عقولهم لم يتفطنوا للكمال المشاهد الذي امتاز به الرسل بين أقوامهم.

стр. 388

تعليم: هذه العلل التي صدر اعتراض المعترضين عنها قد علمنا الله تعالى في كتابه العزيز ما يعصمنا منها، فعلمنا أن الإنسان مستعد لأن تخضع له العوالم بما فيه روح الله وأنه يلتحق بعالم الملائكة الأطهار بتلك الروح عندما تكون على أصل طهرها وقدسها، علمنا هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١) فأخضع له ملائكته أشرف العوالم وبقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (٢) فاتصل بهم وخاطبهم وعلمهم، فلا عجب أن يأتي المماثلون له من أبنائه في طهره وعصمته على سنته في الإتصال بالملائكة ومخاطبتهم، وعلمنا أن الرسول لا يكون إلا من جنس المرسل إليهم ليحصل الاتصال ويمكن التلقي، وأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لأرسل لهم ملك وأنهم لو أنزل عليهم ملك وهم بشر لكسي حلة البشرية ولا التبس عليهم أمره ولقالوا فيه مثل ما قالوا في المرسلين من البشر. علمنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٣) وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٤). وعلمنا أن البشر يؤهل للرسالة باصطفاء الله تعالى له ومن مقتضى ذلك الاصطفاء تطهيره من أول نشأته من أوضار البشرية وظلم الجسمانية وتسفلها فتبقى روحه

стр. 389

على غاية الطهر والعلوية النورانية مستعدة للإتصال بالملأ الأعلى حتى تستكمل قواها فيأتيها الملك بالوحي. علمنا هذا بمثل قوله تعالى. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ (٣) وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٤) وغيره كثير. وعلمنا أن الرسل وإن كانوا موافقين لنا في الخلقة البشرية فإنهم مباينون لنا غاية المباينة في الخلقة النفسية من حيث الطهر والكمال. فنفوسهم بقيت على طهرها لم تدنس بشيء ونفوسنا لا تخلو من تدنس، والموفق من داوم على غسلها بالتوبة وتحليتها بالصالحات، وكمالهم فطري ويبلغون فيه بعملهم المتواصل وعصمتهم الربانية إلى الغايات التي لا تنال وكمالنا ليس كذلك في الأمور الثلاثة الفطرة والعمل المتواصل والعصمة. علمنا هذه بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٥) فبالنظر الصحيح فيما منَّ الله عليهم به ندرك أنهم ليسوا مثلنا وإن ساوونا في الخلقة البشرية. وعلمنا أن لا ننظر إلى ظواهر الأمور دون بواطنها وإلى الجسمانيات الحسية دون ما وراءها من معان عقلية بل نعبر من

стр. 390

الظواهر إلى البواطن وننظر من المحسوس إلى المعقول ونجعل حواسنا خادمة لعقولنا ونجعل عقولنا هي المتصرفة الحاكمة بالنظر والتفكير. وعلمنا هذا بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (١) فلا ينظر إلى بهرجة الكثرة ولكن إلى حقيقة وحالة الشيء الكثير فيعتبر بحسبهما وبقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ (٢) فلا يجوز أن نغتر بالمال والقوة والجاه وأنواع النعيم إذا سيقت إلينا فنحسب أنها هي نفس الكرامة الربانية التي دعينا إلى العمل لنيلها بل إنما نعدها كذلك إذا كان معها التوفيق إلى شكرها بالقيام بحقوقها وصرفها في وجوهها. ولا نغتر بحالة الضيق والعسر والضعف فنحسب أنها إهانة من الله لصاحبها بل علينا أن ننظر إلى ما معها من صبر ورجاء وبر أو ضجر ويأس وفجُور فنعلم حينئذ أنها مع الأولى للتمحيص والتثبيت ومع الأخيرة للزجر والعقاب بعدل وحكمة من أحْكم الحاكمين. وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) فعلمنا أنه بشر ولكنه خصص بالوحي إليه بتوحيد الله وبما يقتضيه من مقام الإيحاء إليه من طهر وكمال حتى لا تعجب عنا بشريته التي نشاهدها بأبصارنا كمال حاله ومنزلته الذي ندْركه ببصائرنا.

стр. 391

عقيدة: الرسول إنسان ذو روح طاهرة نورانية علوية بها تأتى له تلقي الوحي من الملائكة وذو جسد بشري عليه ضروريات البشرية الخلقية دون نقائصها الكسبية لأنه مصرف بتلك الروح العلوية الظاهرة التي لا يصدر عنها إلا الخير، وبهذا الجسد البشري تأتي للبشر الأخذ عنه والإاقتداء به ومأخذ هذه العقيدة من الآيات التي تلوناها في فصل التعليم المتقدم. تحذير: علينا أن نحذر من أن نعترض أو نحكم بالأنظار السطحية دون بحث عن الحقائق أو أن نلحق شيئاً بشيء دون أن تتحقق انتفاء جميع الفوارق. فقد انتشرت بعدم الحذر من هذين الأمرين جَهالات وارتكبت ضلالات، وبالنظر السطحي ازدرى إبليس آدم فامتنع من السجود له واعترض على خالقه فكانت عليه اللعنة إلى يوم الدين وبعدم النظر إلى الفوارق قال أحد ابني آدم لأخيه لما تقبل قربانه دونه هو ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ حتى ذكره أخوه بوجود الفارق فقال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) وحقيقة الأول ترجع إلى الجهل المركب وحقيقة الثاني ترجع إلى القياس الفاسد وهما أعظم أصول الفساد والضلال. سلوك: الأنبياء والمرسلون أكمل النوع الإنساني وهم المثل الأعلى في كماله وقد كان أصل كمالهم بطهر أرواحهم وكمالها فأقبل على روحك بالتزكية والتطهير والترقية والتكميل ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاقتداء بهم

стр. 392

والإهتداء بهديهم وقد قال الله تعالى لنبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) فاقرأ ما قصه القرآن الكريم من أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم وسيرهم وتفقه فيه وتمسك به تكن- إن شاء الله تعالى- من الكاملين (٢).

стр. 393

فِتْنَةُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (١) ــ المناسبة: أفاد ما تقدم من الآية أن الرسل يأكلون الطَّعام فيحتاجون للغذاء وتحصيله، وأنهم يمشون في الأسواق للسعي والتكسب، وأفاد آخر الآية الحكمة الربانية في ذلك، وهو أن يكون بذلك فتنة واختبارا للعباد، وتلك سنة الله تعالى في خلقه، فقد جعل بعضهم لبعض فتنة. المفردات: قال في (لسان العرب): الأزهري وغيره: جماع معنى الفتنة الإبتلاء والإمتحان والإختبار، وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد ا. هـ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) و ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) و ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٤) و ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ

стр. 394

وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١). (أتصبرون): الصبر حبس النفس على المكروه. والمكروه لها فعل ما فيه تعب، وترك ما فيه لذة. ويكون في المشروع والمقدور، ففي الأول بالقيام بالمأمورات والترك للمنهيات. وفي الثاني- وهو المصَائب والبلايا- بالرضا والتسليم للخالق وعدم الاعتراض عليه وعدم السعي في إزالتها بغير الوجه المأذون فيه. و (الصبر): هو المشاهد للأشياء ظاهرها وباطنها، ذواتها ونعوتها وأحوالها، مبادئها وغاياتها وعواقبها. التركيب: الاستفهام في (أتصبرون) بمعنى الأمر، أي اصبروا. وخرج الأمر في صورة الإستفهام تنبيهاً على قلة الصبر في الوجود فهو من الأمر المعدوم الذي يسأل عنه هل يوجد، وفي ذلك بحث للهمم على تحصيله والتمسك به. وجملة (وكان ... الخ) معطوفة على جملة ﴿وَجَعَلْنَا﴾ وعدل عن مقتضى الظاهر، وهو وكنا بصراء بالإضمار إلى ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بالإظهار للتنبيه على أن فتنته لعباده من مقتضى ربوبيته لهم وحسن تدبيره فيهم. موقع هذه الجملة بعد الجملة الأولى لبيان أن فتنته لهم هي من علم وبصر بصواب ذلك وحكمته، وأنه مطَّلع على حقيقة ما يكون منهم عند الاختبار ليجازيهم عليه، وفي هذا وعد ووعيد للممتحنين. المعنى: امتحنا بعضكم ببعض لتظهر حقائقكم عند الإمتحان. جلنا الرسل يأكلون كما يأكل البشر ويتكسبون كما يتكسبون لنمتحن العباد بهم فيظهر من يتبعهم بالإيمان واليقين لما معهم من الحق والكمال

стр. 395

ويصبر على ما يلحقه في أتباعهم من الجهد والبلاء ممن يحتقرهم ويعرض عنهم لما يرى من بشريتهم، كما جعلنا الأمم فتنة لرسلها وامتحاناً لهم ليظهر صبرهم على ما يلاقون منهم من إذاية وشر، فتعلو درجاتهم ويضاعف أجرهم. وجعلنا الغني إمتحاناً للفقير حتى يظهر صبره على حاله وكفه لعيْنه ويده عن شيء غيره، كما جعلنا الفقير امتحاناً للغني حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه، وجعلنا الصحيح فتنة للمريض حتى يظهر صبره على بلواه ورضاء بما أعطاه الله، كما جعلنا المريض فتنة للصحيح حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه من العطف عليه وعيادته ومواساته: وجعلنا الرعية فتنة للراعي حتى يظهر صبره على القيام بواجب رعايتها، كما جعلنا للراعي فتنة للرعية ليظهر صبرها على طاعته، وهكذا في جميع أقسام الناس. أتصبرون على هذا الإمتحان فإن الصبر عليه عزيز شديد فاصبروا فإنه لا يخرجكم من هذا الإمتحان خالصين خلوص الذهب الإبريز إلا الصبر، وكان ربك يا محمد بصيراً عالماً بعاقبة الإمتحان في عباده، مطلعاً على كل ما يكون منهم عند الإمتحان ليجازيهم عليه. سؤال وجوابه: الله تعالى عالم بما يكون من عباده بعد امتحانهم قبل أن يمتحنهم فما هي حكمة الإمتحان؟ والجواب: أن الله تعالى إنما يحاسب عباده على ما عملوا وكسبوه واكتسبوه بما عندهم من التمكن من الفعل والترك وما عندهم من الاختيار لا على ما علمه منهم قبل أن يعملوه، فلهذا يمتحنون لتظهر حقائقهم ويقع جزاؤهم على ما كسبت أيديهم باختيارهم، ولا حجة لهم في تقدم علمه تعالى بما يكون منهم، لأن تقدم العلم لم يكن ملجئاً لهم على أعمالهم، ففي هذا الإمتحان قيام حجة الله على العاملين أمام أنفسهم وأمام الناس، كما فيه إظهار لحقيقتهم لأنفسهم ولغيرهم.

стр. 396

تطبيق: كما يفتن الفرد بالفرد كذلك تفتن الأمة بالأمة، من ذلك أننا- معشر الأمة الإسلامية- قد فتنا بغيرنا من أمم الغرب وفتنوا هم أيضاً بنا. فنحن ندين بالإسلام وهو دين السعادة الدنيوية والأخروية، ولكن حيثما كنا- إلا قليلاً- لسنا سعداء لا في مظاهر تديننا ولا في أحوال دنيانا، ففي الأولى نأتي بما يبرأ منه الإسلام ونصرح بأنه من صميمه. وفي الثانية ترانا في حالة من الجهل والفقر والتفرق والذل والاستعباد يرثي لها الجماد، فلما يرانا الغربيون على هذه الحالة ينفرون من الإسلام ويسخرون منه إلا من نظر منهم بعين العلم والإنصاف فإنه يعرف ما نحن عليه هو ضد الإسلام، فكنا فتنة عظيمة عليهم وحجاباً كثيفاً لهم عن الإسلام، فكنا- ويا للأسف- فتنة للقوم الظالمين. وهم من ناحيتهم نراهم في عز وسيادة، وتقدم علمي عمراني فننظر إلى تلك الناحية منهم فنندفع في تقليدهم في كل شيء حتى معائبهم ومفاسدهم ونزدري كل شيء عندنا حتى أعز عزيز إلا من نظر بعين العلم فعرف أن كل ما عندهم من خير هو عندنا في ديننا وتاريخنا، وأن ذلك هو هو الذي تقدموا وسادوا به وأن ما عندهم من شر هو شر على حقيقته وأن ضرره فيهم هو ضرره وأنه لا يجوز أن يتابعوا عليه فكانوا فتنة لنا حتى يظهر من ينظر بعين الحق للحقائق ممن تبهره الظواهر فتسلبه إدراكه فيغدو لا يفرق بين اللب والقشور. إقتداء: علمنا من هذه الآية وغيرها أن الله تعالى يمتحن عباده ويختبرهم ليظهر حقائقهم، فلنقتد به تعالى في هذا فنبني أمورنا على الإمتحان والإختبار فلا نقرر علماً، ولا نصدر حكماً إلا بعد ذلك وخصوصاً في معرفة الناس والحكم عليهم، فالظواهر كثيراً ما تخالف البواطن

стр. 397

والتصنع والتكلف قلما يسلم منهما أحد ولا يعصم من الخطأ مع هذه المغالطات كلها إلا الإمتحان والإختبار فاعتصم بهما. إهتداء: كل من اتصل بك من أهلك وبنيك وأبيك وأمك وأصحابك وعشيرتك وقومك وكل من ترتبط به برباط من أبناء جنسك- هو فتنة وامتحان لك هل تقوم بواجبك نحوه من جانب خير له أو دفع شر عنه أو جلب خير منه لغيره أو دفع شره عن غيره. وهل تكف يدك عن شيئه وتكف بصرك عما متع به وتسأل الله مما عنده من فضله؟ وإنما تقوم بواجبك نحوه مما تقدم وتكف يدك وعينك عنه وتسأل الله مما عنده راضياً بما قسم لك معتقداً الخير كل الخير في قسمته- إذا تذرعت بالصبر على إتيان ما يطلب منك إتيانه وإن كان عليك ثقيلاً. والكف عما يُطْلب منك الانكفاف عنه وإن كان منك قريباً وفي طبعك لذيذاً، وإنما يكون لك هذا الصبر إذا كنت دائم اليقين بعلم الله بك واطلاعه عليك وأنه كان بك بصيراً. هذه الحقائق كلها هدتنا هذه الآية الكريمة إليها: هدتنا إلى أنَّا امتحنا ببعضنا، وأن الذي يخلصنا في هذا الإمتحان ويخرجنا سالمين هو الصبر، وأن حالتنا في الإمتحان منكشفة لمن سيجازينا عليها. فلنهتد بهدايتها إلى ما هدتنا إليه، ولنتدرع في هذا الإمتحان بالصبر المتين ولنستحضر في قلوبنا مراقبة الله لنا لتثبت قدمنا في مقام الصبر بروح اليقين، فبذلك نخرج- إن شاء الله تعالى- من نار الفتنة ذهباً خالصاً نقياً، وجوهراً طيباً زكياً فنسعد في الدارين برضى رب العالمين، والله ولي التوفيق (١).

стр. 398

نَدَامَةُ الظَّالِمِ عَلَى تَرْكِهِ السَّبِيلَ الْقَوِيمِ وَصُحْبَتِهِ لِلْمُضِلِّينَ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما سأل المشركون أن يروا الملائكة أخبروا بأنهم سيرونهم في يوم يكون شره عليهم عظيماً. وذكر في الآيات السابقة ما يكون في ذلك اليوم من حبوط أعمالهم وتشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة وغير ذلك، وذكر في هذه الآيات ما يكون في ذلك اليوم من ندم الظالم وسوء حاله. المفردات: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، كوضع الكفر موضع الإيمان، ووضع المعصية موضع الطاعة. وحق الله تعالى أن يؤمن به ويوحد ويطاع، فمن كفر أو أشرك به أو عصاه فقد ظلم. وهو هنا الكافر والمشرك لأنه الذي لم يتخذ مع الرسول سبيلاً. الويلة: الهلكة كالويل بمعنى الهلاك، فلان: يكنى به عن الأعلام كما يكنى بالهن

стр. 399

عن الأجناس. الخليل: فعيل بمعنى فاعل، وهو من تخللت مودته القلب وامتزجت بالنفس فكانت له مكانة منهما وسلطان عليهما. هذا في جانب الخلق وأما في جانب الله تعالى فبالمعنى الذي يليق بقدسه وتنزيهه فإبراهيم- ﵇ خليل الرحمن بما له عنده تعالى من عظيم المنزلة ورفعة الشأن وقبول الدعوة وما له عليه من جزيل الإنعام. الإضلال: الصد والصرف عن طريق الحق والنجاة. الذكر: القرآن العظيم، وفسر بالشهادتين وبالإسلام، والقرآن فيه ذلك كله وهو الذي سيأتي على الأثر ذكر هجرهم له، ولذلك اخترناه في معنى الذكر هنا. الشيطان: الخبيث الشرِّير الذي استولى عليه وتمكن منه خلق الإفساد، والإضرار من الجن والإنس. الخذول: الكثير الخذل أي التسليم والترك لمن نزل به البلاء في وقت الحاجة إلى إنقاذه. التراكيب: شأن من وقع في غيظ وحسرة وندامة أن يعض يديه ويأكل بنانه كأنه لمَّا لم يجد شيئاً يطفيء فيه غيظه رجع على نفسه بذلك، فعض اليد لازم لحالة الحسرة والغيط والندامة، فلذا يكنى به عنها من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، وذلك لا يمنع من وقوع العض منه حقيقة بل وقوع ذلك هو الشأن الغالب. وجملة ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ حالية فهو يعض حالة كونه قائلاً يا ليتني فبينت هذه الجملة ما يقول كما بينت التي قبلها ما يعمل، فصورتاه في حاله الشنيع الفظيع. ويوم: منصوب بأذكر أو معطوف على ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما عطف عليه ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ ويوم يرون: منصوب بأذكر أو بيمنعون البشرى كما يدل عليه ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والتنكير في قوله ﴿سَبِيلاً﴾، للإفراد أي سبيلاً واحداً لا تعدد فيه، بخلاف ما كان عليه الظالم من سبل أهوائه

стр. 400

المتعددة المتشعبة، والألف في ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ منقلبة عن ياء المتكلم، والأصل يويلتي، نادَى ويلته أي هلكته لتحضر في ذلك الوقت لأنه وقتها وليس نداؤها رغبة في حضورها، فالهلاك لا يرغب فيه وإنما نادى الهلاك ليحضر لما حصل له من اليأس والقنوط من أسباب النجاة، فلم يبق له إلا الهلاك، كما يقول العليل للطبيب وقد آيس من معالجة جرح بيده مثلاً: اقطع فهذا وقت القطع، وهكذا يخرج كل نداء في حالة شدة لما لا يخلص منها، وإنما يزيد في اشدادها كما ينادي الشقي (يا شقوتاه) والمفتضح (يا فضيحتاه) والمصاب (يا مصيبتاه) وكنى بفلان لأن لكل ظالم خليلاً له اسمه الخاص فلا يمكن التصريح بأسماء الجميع، فما بقي إلا الكناية عنها بفلان، وجملة ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾ بيان لسبب تمنيه السابق وأل في الشيطان والإنسان للجنس، فيدخل في جنس الشيطان خليل الظالم الذي صده عن الذكر وقرين خليله من الجن الذي سول له ذلك وأعانه. وقرينه هو الذي زينه له ودعاه إليه، والجملة من كلام الظالم لإعلان خيبته وإظهار ألمه منها لما وجد نفسه وحده مخذولاً ممن أضله وأغواه. المعنى: ويوم يعض الظالم لنفسه بالكفر لربه أو الشرك على يديه ندماً وحسرة على تفريطه وعدم اتباعه لسبيل الحق مع الرسول الذي أرسل إليه وعلى توريطه لنفسه بصحبته لخليله وطاعته له حتى صرفه عن الإيمان بالقرآن بعد ما جاءه وسمعه وتمكن من الإيمان به فأغواه ذلك الخليل وقرينه، وقرينه (١) هو حتى أردوه ثم خذلوه في ذلك اليوم العظيم وفي وقت الحسرة والندامة فلم يجد منهم نصراً ولا معونة كما هو شأن الشياطين في خذلان من يغووه ويردوه (٢).

стр. 401

إلحاق واعتبار: كما علينا أن نتبع سبيل الرسول- عليه وآله الصلاة والسلام- التي جاء بها من عند الله- تعالى- وهي الإسلام كذلك علينا أن نتبع سبيله في القيام بشرائع الإسلام علماً وعملاً في أبواب العبادات وأحكام المعاملات، وفي تطبيق أصول الإسلام وفروعه على الحياة الخاصة والعامة، وهذه هي سنته التي كان عليها وكان عليها أصحابه وأهل القرن الثاني من التابعين وأهل القرن الثالث من أتباع التابعين، تلك القرون المشهود لها بالخيرية على غيرها بلسان المعصوم. وكما أن من عدل عن الإسلام ولم يسلك سبيله وقع في ضلال الكفر كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل الإسلام يندم أشد الندم ويتحسر أعظم الحسرة على ما كان من تفريطه كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل السنَّة إذ كل منهما قدظلم نفسه وفرط في سبيل نجاته. فالآية وإن كانت في الكافر والمشرك فهي تتناول بطريق الإعتبار أهل الأهواء والبدع، وبهذا كانت متناولة بوعظها وترهيبها جميع الخلق ممن لم يدخل في الإسلام أو دخل فيه، ولم يلتزم سنة نبيه ﵌. تحذير: عندما تتخلل محبة شخص من الناس قلبك وتمتزج بروحك ويستولي بسلطان مودته عليك تصير أقواله وأفعاله كلها عندك مرضية وعيوبه ونقائصه عنك محجوبة. فتمسي طوع بنانه ورهن إشارته، يوجهك حيث شاء، ويصرفك عما أراد. وهذه حالة من أخطر الأحوال عليك لأنك فيها قد سلبت تمييزك وخسرت إرادتك وصرت آلة في يد غيرك، فقد ترى الخير وتدعى إليه فيصرفك عنه، وقد ترى الشر وتحذر منه ويوقعك فيه، وهب هذا الخليل كان مخلصاً لك وحدباً عليك فإنه غير معصوم من الخطأ والضلال، أما إذا كان شريراً مفسداً فهنالك الهلاك المحقق والوبال الشديد، وقد ذكر لنا الله- تعالى- في

стр. 402

هذه الآية ما كان من سوء مآل الظالم بسبب انقياده لخليله واتباعه له عن غير روية وصدق تمييز يحذرنا من سلطان الخلة الذي يهمل معه شأن الإرادة والتمييز ويعلمنا أن علينا أن نحافظ على إرادتنا وتمييزنا ونظرنا لأنفسنا مع الصديق والعدو، ومع الخليل وغير الخليل، بل نحافظ عليهما مع الخليل أكثر لأنه مظنة الخوف بما له من المكانة في القلب والسلطان على النفس. إرشاد: لما كان خليل المرء بهذه المنزلة فعليك أن تختار من تخال، فلا تخال إلا من حسنت سريرته واستقامت سيرته وغلب الصواب على أقواله وأعماله ليكون دليلك إلى الخير وسائقك إليه، مع محافظتك على إرادتك وتمييزك معه على كل حال. علامة: إذا أردت أن تعرف شر خلانك وأحقهم بهجرك له وابتعادك عنه فانظر فيما يرغبك هو فيه وما يرغبك عنه، فإذا وجدته يرغبك عن القرآن وعما جاء به القرآن فإياك وإياه فتلك أصدق علامة على خبثه وسوء عاقبة قربه، فابتعد عنه في الدنيا قبل أن تعض على يديك على صحبتك له في الأخرى. وإذا وجدته يرغبك في القرآن وما جاء به القرآن فذلك الخليل الزكي الصادق فاستمسك به وحافظ عليه. وإن خلة أسست على الرجوع إلى القرآن والتحاب على القرآن والتناصح بالقرآن لخلة نافعة دنيا وأخرى لأنها أسست على أساس التقوى. وقد قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (١) (٢).

стр. 403

شَكْوَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ مِنْ هَجْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ . ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما ذكر تعالى ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن والإعراض والصد عنه وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة على ما كان منهم من ذلك في الدنيا ذكر ما قاله النبي- ﵌ من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره. المفردات: مهجورا: متروكاً مقاطعاً مرغوباً عنه. الرسول: محمد ﵌. وقومه: قريش. التراكيب: في قوله ﴿يَا رَبِّ﴾ إظهار لعظيم اِلتجائه وشدة اعتماده وتمام تفويضه لمالكه، ومدبر أمره وموالي. الإنعام عليه. وفي التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفي التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب،

стр. 404

بيان لعظيم جرمهم، فتركهم للقرآن وهو قريب منهم في متناولهم وقد أتاهم به واحد منهم أقرب الناس إليهم. فصدوا وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب. وهذا أقبح الصد وأظلمه. وفي قوله: ﴿اتَّخَذُوا ... الخ﴾ بيان أنهم جعلوا الهجر ملازماً له ووصفاً من أوصافه عندهم، وذلك أعظم من أن يقال هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم دون دلالة على الثبوت والملازمة. المعنى: وقال الرسول شاكياً لربه إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم قد صدوا عنه فتركوه وثبتوا على تركه وهجره. إستنتاج واعتبار: في شكوى النبي- ﵌ من هجر القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عليه وأبغضها لديه، وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للمهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه، ولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد. تنزيل: ونحن- معشر المسلمين- قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة. وبيَّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والإعتبار مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح

стр. 405

الخاص والعام فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاط المختصرة تفني الأعمار قبل الوصول إليها، وبيَّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساويء الأخلاق ومضارها، وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بقدسيتها فهجرنا ذلك كلها (١) ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا واصطلاحات من اختراعاتنا خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع، وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والتبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيُّل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقي بين أهلها بذور الشقاق والخصام وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها والإقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها ومعارضة هداية القرآن بها. وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة لننظر ونبحث ونستفيد ونعمل، فهحجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب وبدائع الزهور والحوت والصخرة وفرن الثور! ودعانا القرآن الى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبينه، فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير، كتفسير الجلالين، مثلاً بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك. وفي جامع الزيتونة عمره الله- تعالى- إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير فإنه- ويا للمصيبة- يقع في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن

стр. 406

يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسم أنهم في خدمة القرآن. وعلَّمنا القرآن أن النبي- ﵌ هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن، فهجرناها كما هجرناه وعاملناه بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة فضلاً عن غيرهم من أهل العلم وفضلاً عن غيرها من كتب السنة. وكم وكم وكم بيَّن القرآن وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران. بيان واستشهاد: شر المهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعدياً وبلاؤهم متجاوزاً وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك، وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم في كتاب (أعلام الموقِّعين) عن حماد بن سلمة ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: ((تكون فتن فيكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن فيقرؤه الرجل فلا يتبع فيقول والله لأقرأنَّه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا ويبتدع كلاما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﵌ فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة))

стр. 407

قاله معاذ ثلاث مرات ا. هـ فانظر في قطرنا وفي غير قطرنا كم تجد ممن بنى موضعاً للصلاة ووضع كتباً من عنده أو مما وضعه أسلافه من قبله وروَّجها بين أتباعه فأقبلوا عليها وهجروا القرآن. وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه إذ لا نفع بما صرف عباد الله عن كتاب الله، وإنما يدعى لله بكتاب الله، ولذلك سمي صنيع هذا الواضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير. وهذا الحديث وإن كان موقوفاً على معاذ فهو في حكم المرفوع لأنه إخبار بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- إلا بتوقيف من النبي- ﵌ وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله. سبيل النجاة: لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوَّع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن. إلى علمه، وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه، والإستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والإعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والإهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين، وهذا أمر قريب على من قربه الله عليه ييسِّر على من توكل على الله فيه، وقد بدت طلائعه والحمد لله وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله وسبحان من يحيي العظام وهي رميم.

стр. 408

التَّسْلِيَةُ وَالتَّثْبِيتُ لِلنَّبِيِّ ﵌ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما شكا ﵊ قومه سلاَّه الله تعالى وعزَّاه وأمره بالصبر والثبات ووعده ورجاه. المفردات: العدو: وزنه فعول يكون للواحد والجماعة. التراكيب: كاف كذلك بمعنى مثل، والإشارة (٢) للجعل المفهوم مما تقدم، أي مثل ذلك الجعل للأعداء لك جعلنا لكل نبي ... الخ. المعنى: مثلما جعلنا لك أعداء من قومك كفروا بك وهجروا كتابك وصدوا عنك وبالغوا في إذايتك جعلنا لكل نبيء مما نبأنا أعداء من أهل الذنب والإجرام، فما أصابك إلا ما أصابهم فاصبر كما صبروا وكفى بربك

стр. 409

هادياً يهديك إلى طريق الحق ويبصرك الرشد ويعرفك بما تؤدي به رسالة ربك، فلا تتحير في أمرك لما ترى من صدود قومك وناصراً ينصرك على أعدائك يأمره بالصبر ويثبته بالتآسي، يعده بأنه يهديه في طريق التبليغ وينصره على معارضيه حتى يتم أمر الله على يده. ترهيب: هؤلاء الذي (١) سماهم الله- تعالى- أعداء لنبيه ووصفهم بالإجرام هم أولئك الذين هجروا القرآن وصدوا عنه فهذا تخويف عظيم ووعيد شديد لكل من كان هاجراً للقرآن العظيم بوجه من وجوه الهجران. إقتداء وتأس: حق على حزب القرآن الداعين به والداعين إليه أن يقتدوا بالأنبياء والمرسلين في الصبر على الدعوة والمضي فيها والثبات عليها وأن يداووا أنفسهم عند ألمها واضطرابها بالتآسي بأولئك السادة الأخيار. بشارة: قد وعد الله تعالى نبيه بعد ما أمره بالتآسي والصبر- بالهداية والنصر- وفي هذا بشارة للدعاة من أمته من بعده السائرين في الدعوة بالقرآن وإلى القرآن على نهجه أنه يهديهم وينصرهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) معهم بالفضل والنصر والتأييد، وهذا عام للمجاهدين المحسنين والحمد لله رب العالمين (٣).

стр. 410

تَثْبِيتُ الْقُلُوبِ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيِمِ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (١). ــ المناسبة: هذا اعتراض آخر من اعتراضاتهم الباطلة نسق مع ما تقدم منها ليجاب عنه ويبين خطؤهم فيه كما فعل تقدمة. المفردات: ﴿لَوْلَا﴾: مع المضارع للتحضيض نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢) ومع الماضي للوم والتوبيخ نحو ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣) وهي هنا مع الماضي فتكون للوم على عدم حصول المذكور وحصول ضده، والمقصود من اللوم هنا الإعتراض على عدم نزوله جملة واحدة ونزوله مفرقاً، فالمعترض عليه هو نزوله مفرقاً. ﴿نُزِّلَ﴾: يأتي مرادفاً لأنزل، والتضعيف أخو الهمزة، ويأتي مفيداً للتكثير فيفيد تكرر النزول وتجديده. وخرج على هذا قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا

стр. 411

لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ- من الكتاب- وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (١) وأما هنا فلا يصح حمله على التكثير المفيد للتدريج لئلا يناقض قولهم جملة واحدة، فيكون من التضعيف المرادف للهمزة. وعندي أن ﴿نزَّل﴾ المضاعف يرد لكثرة الفعل ولقوته، فجاء لكثرته في آية آل عمران المتقدمة، وجاء لقوته في هذه الآية، لأن إنزال الجملة مرة واحدة أقوى من إنزال كل جزء من الأجزاء بمفرده. (كَذَلِكَ): الإشارة للإنزال المفرق المفهوم من قولهم ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾ لأنه في معنى: لمه نزل عليه جملة ولم ينزل عليه مفرقا. (التثبيت): ثبات الشيء إقامته ورسوخه دون اضطراب وذلك من قوته، كما أن اضطراب المضطرب من ضعفه، فتفسير تثبيت الفؤاد هنا بتقويته تفسير يلازم معناه، على أنه مراد منه أيضاً أصل المعنى، وهو السكون وعدم الإضطراب. فتثبيته- إذاً- هو تسكينه وتقويته. (الترتيل): مادة رتل كلها ترجع إلى تناسق الشيء وحسن تنضيده، منه ثغر رتل- بالتحريك- أي مفلج بين الأسنان فرج لا يركب بعضها بعضاً، وترتيل القرآن في التلاوة هو القاء حروفه حرفاً حرفاً وكلماته كلمة كلمة وآياته آية آية على تؤدة ومهل حتى يتبين للقارىء وللسامع، ولا يخفى عليه منه شيء، وأما ترتيله في نزوله وهو المراد هنا فإنه (٢) إنزاله آية وآيتين وآيات مفرقاً نجوماً على حسب الوقائع. التراكيب: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وصل لأنه قيل من أقوالهم فعطف على ما تقدم من مثله ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾ الأصل أنزلناه كذلك

стр. 412

فأوجز بحذف المتعلق لوجود ما يدل عليه في اعتراضهم وفصل لأنه جواب عن اعتراضهم. ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾: وصل لأنه معطوف على أنزلناه المحذوف، والتنوين في ﴿تَرْتِيلًا﴾ تنوين تنويع وتعظيم أي نوعاً من الترتيل عظيماً. المعنى: وقال الذين كفروا- وهم قريس أو اليهود أو الجميع، وهو الظاهر لأن قريشاً واليهود كان يتصل بينهم الكلام في شأن النبي- ﵌ وشأن القرآن- قالوا معترضين ومقترحين: لمه لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة وغيرها ونزل عليه مفرقاً. فقال الله- تعالى- جواباً لهم وأنزلناه كذلك الإنزال مفرقاً لنثبت به قلبك فيسكن ويطمئن وتقوية فيصبر ويتحمل. وأنزلناه مرتلاً مفرقاً تفريقاً مرتباً منزلاً كل قسم منه في الوقت المناسب لإنزاله والحالة الداعية إليه اللائقة به. مزيد بيان للإعتراض والجواب: أما اعتراضهم فكان لأنهم سمعوا القرآن يذكر أن الكتاب أنزل على النبي- ﵌ كما أنزلت الكتب على الأنبياء- ﵈ من قبله بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فقالوا لماذا نزل هذا الكتاب مفرقاً ولم ينزل مثل تلك الكتب جملة واحدة؟ وهم لما عجزوا عن معارضة أقصر سورة منه أخذوا يباهتون بالباطل ويعترضون بمثل هذا الإعتراض. وأما الجواب فكان ببيان حكمتين في إنزاله مفرقاً: الحكمة الأولى تثبيت قلبه والحكمة الثانية تفريقه مرتباً على الوقائع وكان في تينك الحكمتين مزيتان عظيمان للقرآن العظيم على غيره من كتب الله تعالى فكان ما اعترضوا به على أنه نقص فيه عنها هو كمال له عليها.

стр. 413

شرح الحكمة الأولى . كان كل نجم ينزل من القرآن العظيم- والنجم القسم الذي ينزل معاً آية أو آيتين أو أكثر- يزداد به عجزهم وعنادهم ظهوراً وتزداد به حجة النبي- ﵌ وصدقه وضوحاً فيزداد بذلك سكون قلبه وطمأنينته بظهور أمره على عدوه وعلو كلمة الحق على كلمة الباطل وفي ذلك تقوية له وأي تقوية لا عن شك كان في قلبه أو تردد ولكن البراهين المتوالية والحجج المتتالية تزيد في سكون القلب واطمئنانه، وإن كان معقوداً من أول أمره على اليقين فهذا وجه من تثبيت فؤاده بالآيات المتفرقات في النزول. وقد كان كل نجم من نجوم القرآن ينزل بشيء من العلم والعرفان مما يرجع إلى العقائد أو الأخلاق أو الأحكام أو التذكير بالأمم الماضية وأخبار الرسل المتقدمين أو باليوم الآخر أو بسنة الله في المكذبين إلى غير ذلك من علوم القرآن فيتقوى قلبه عند نزول كل نجم بما يكتسبه منه من معرفة وعلم. وكان يلقى من الجهد والعناء في تبليغ الرسالة ما تضعف عن تحمله القوى البشرية، فإذا نزل عليه القرآن واتصل بالملك الروحاني النوراني وقذف في قلبه ذلك الوحي القرآني تقوى قلبه على تحمله أعباء الرسالة ومشاق التبليغ ولما كان البلاء والعناء في سبيل التبليغ متكرراً متجدداً كان محتاجاً إلى تجديد تقوية قلبه وكان ذلك مقتضياً لتفريق نزول الآي عليه. فهذه ثلاثة وجوه من التثبيت. حظنا من العمل بهذه الحكمة: قلوبنا معرضة لخطرات الوساوس بل للأوهام والشكوك. فالذي يثبتها ويدفع عنها الاضطراب ويربطها باليقين هو القرآن العظيم. ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم، ومماحكات المتكلمين ومناقضاتهم، فما ازدادوا إلاّ شكاً وما ازدادت قلوبهم إلا مرضاً حتى

стр. 414

رجع كثير منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد القرآن، وأدلة القرآن، فشفوا بعد ما كادوا، كإمام الحرمين والفخر الرازي. وقلوبنا معرضة لران المعصية الذي تظلم منه القلوب وتقسوا حتى تحجب عنها الحقائق وتنطمس أمامها سبل العرفان. فالذي يجلو عنها ذلك الران ويزيل منها تلك القسوة ويكشف لها حقائق العلم ويوضح لها سبل المعرفة هو القرآن العظيم. فقراؤه المتفقهون فيه قلوبهم نيرة مستعدة لتلقي العلوم والمعارف، مستعدة لسماع الحق وقبوله، لها من نور القرآن فرقان تفرق به بين الحق والباطل وتميز به بين الهدى والضلال، وقلوبنا معرضة للضعف عن القيام بأعباء التكليف وما نحن مطالبون به من الأعمال والذي يجدد لنا فيها القوة ويبعث فيها الهمة هو القرآن العظيم فحاجتنا إلى تجديد تلاوته وتدبره أكيدة جدا لتقوية قلوبنا باليقين، وبالعلم، وبالهمة والنشاط للقيام بالعمل. شرح الحكمة الثانية: من محاسن هذه الشريعة المطهرة أنها نزلت بالتدريج المناسب كما كان في تحريم الخمر وكما كان في العدد المفروض عليه الثبات للعدو في آيات الأنفال وكما كان في مشروعية قيام الليل في آيات سورة المزمل وما كان ليكون هذا التدريج بغير تفريق الآيات في التنزيل. ومن محاسنها نسخ المحكم عند انتهاء المصلحة التي اقتضت تشريعه وانقضاء زمنها لحكم آخر أنسب منه للبقاء في الأزمان كما كان في آيتي المتوفى عنها في سورة البقرة وما كان ذلك ليتأتى إلا بتفريق الآيات في الإنزال. وكانت الوقائع تقع والحوادث تحدث والشبه تعرض والإعتراضات ترد فكانت الآيات تنزل بما تتطلبه تلك الوقائع من بيان وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام وما تستدعيه تلك الشبه من رد وتلك الإعتراضات من إبطال إلى غير ما ذكرنا من مقتضيات نزول الآيات المعروفة بأسباب النزول وفي بيان الواقعة عند وقوعها

стр. 415

وذكر حكم الحادثة عند حدوثها ورد الشبهة عند عروضها وإبطال الإعتراض عند وروده، ما فيه من تأثير في النفوس ووقع في القلوب ورسوخ في العقول وجلاء في البيان وبلاغة في التطبيق واستيلاء على السامعين وما كان هذا كله ليتأتى لولا تفريق الآيات في التنزيل وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب وهذا التنضيد الغريب الذي بلغ الغاية من الحسن والمنفعة حتى إنه ليصح أن يعد وحده وجهاً من وجوه الإعجاز. حظنا من العمل بهذه الحكمة: أن نقرأ القرآن ونتفهمه حتى تكون آياته على طرف ألسنتنا ومعانيه نصب أعيننا لنطبق آياته على أحوالنا وننزلها عليها كما كانت تنزل على الأحوال والوقائع فإذا حدث مرض قلبي أو اجتماعي طلبنا دواءه في القرآن وطبقنماه عليه وإذا عرضت شبهة أو ورد اعتراض طلبنا فيه الرد والإبطال وإذا نزلت نازلة طلبنا فيه حكمها وهكذا نذهب في تطبيقه وتنزيله على الشؤون والأحوال إلى أقصى حد يمكننا. اقتداء: انظر الى هذه الحكمة في هذا التنزيل كيف تنزل آياته على حسب الوقائع في هذا قدوة صالحة لأئمة المجتمع وخطبائها في توخيهم بخطبهم الوقائع وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال. بلى والله بلى والله، ولقد كانت الخطب النبوية والخطب السلفية كلها على هذا المنوال تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال، وأما هذه الخطب المحفوظة المتلوة على الأحقاب والأجيال فما هي إلا مظهر من مظهر (١) قصورنا وجمودنا. فإلى الله المشتكى وبه المستعان (٢).

стр. 416

الْحَقُّ وَالْبَيَانُ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١). المناسبة: لما رد تعالى إعتراضاتهم وأبطل شبهاتهم أخبر تعالى بأنه لا يزال القرآن كذلك يدمغ باطلهم بحقه فيزهقه. ويصدع غشاء تمويهم بصادق بيانه فيمزقه لطمْأنة قلب نبيه- ﵌ وتثبيته ووعداً له بدوام النصر والتأييد. المفردات: (المثل): هو الشبه، هذا أصله، ثم يطلق على الكلام الذي قيل أول ما قيل في مقام، ثم لحسنه وإيجازه حفط وجرى على الألسنة وصار يقال في كل مقام يشابه مقامه الأصلي الذي قيل فيه أولاً لمشابهة المقام الثاني للمقام الأول. ثم صار يطلق أيضاً على كل كلام فيه بيان لشيء وتصوير له، سواء أطابق ذلك البيان والتصوير الواقع وأتى بالحق أم لم يطابق الواقع ولم يأت بالحق، وهذا المعنى هو المراد هنا، فإن المشركين جاؤوا بكلمات في حق الله- تعالى- وفي حق كتابه وفي حق ملائكته وفي حق نبيه، لم يطابقوا فيها الواقع ولا أتوا فيها بحق كقولهم في الله وملائكته: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا

стр. 417

الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾. وفي نبيه: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وفي القرآن: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فهذه هي أمثالهم التي ضربوها فضلوا. وجاء القرآن بعد كلماتهم الباطلة بكلمات الحق الدامغة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ فهذه هي أمثال الله التي جاءت بالحق وأحسن تفسيراً، التفسير: الكشف عن المعنى . التراكيب: وصلت الجملة لمشاركتها لما قبلها في الخبرية والمخبر عنهم والموضوع المتحدث عنه مما جاؤوا به من الباطل وما رد عليهم به من الحق، وجملة ﴿جِئْنَاكَ﴾ حالية من كاف الخطاب المفعول في ﴿لَا يَأْتُونَكَ﴾ والحصر بالنفي، وإلا في تلك الحال والتقدير: ولا يأتونك بمثل في حال من أحوالك إلا في حال مجيئنا بالحق وأحسن تفسيرا، والتعبير بالمضارع في يأتونك يفيد الحدوث وتجدد الإتيان منهم، والتعبير بالماضي في جئناك مع أنه في معنى المستقبل يفيد تحقق المجيىء، وهو المناسب لمقام الوعد والتثبيت. المعنى: ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون وأمثالهم بكلام يحسنونه ويزخرفونه يصورون به شبهة باطلة أو اعتراضاً فاسداً إلا جئناك بالكلام

стр. 418

الحق الذي يدمغ باطلهم ويدحض شبهتهم وينقض اعتراضهم ويكون أحسن بياناً وأكمل تفصيلاً. إهتداء: اذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شبه الظالمين واعتراضاتهم ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه، وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية ومزيد دراية وخبرة. ولا نحسب شبهة ترد على الإسلام إلاَّ وفي القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة، فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن ولا أخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلا واجديها فيها وكيف لا نجدها في آيات ربنا التي هي الحق وأحسن تفسيراً. إقتداء: لنقتد بالقرآن فيما نأتي به من كلام في مقام الحجاج أو مقام الإرشاد فلنتوج دائماً الحق الثابت بالبرهان أو بالعيان ولنفسره أحسن التفسير ولنشرحه أكمل الشرح ولنقربه إلى الأذهان غاية التقريب وهذا يستدعي صحة الإدراك وجودة الفهم ومتانة العلم لتصور الحق ومعرفته ويستدعي حسن البيان وعلوم اللسان لتصوير الحق وتجليته والدفاع عنه فللإقتداء بالقرآن في الإتيان بالحق وأحسن بيان علينا أن نحصل هذه كلها ونتدرب فيها ونتمرن عليها حتى نبلغ إلى ما قدر لنا منها. هذا ما على أهل الدعوة والإرشاد وخدمة الإسلام والقرآن، فأما ما على عموم المسلمين من هذا الإقتداء فهو دوام القصد إلى الإتيان بالحق وبذل الجهد في التعبير بأحسن لفظ وأقربه ومن أخلص قصده في شيء وجعله من وكده أعين- بإذن الله تعالى- عليه.

стр. 419

حَشْرُ الْكُفَّارِ إِلَى النَّارِ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما أبطل شبههم بين مآلهم وجزاءهم. المفردات: (الحشر): السوق والجمع. (المكان): المنزل. (والسبيل): الطريق. التراكيب: فصلت الجملة لأنها بيان لحالهم في الآخرة وهو غير الموضوع المتقدم: عرف المسند إليه بالإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ للتنبيه على أن المشار إليه وهو الذي (٢) المتقدم حقيق بما بعد اسم الإشارة من قوله: ﴿شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ بسبب ما اتصف به المشار إليه المتقدم مما دلت عليه الصلة، وهو حشرهم على وجوههم إلى جهنم الذي ما أصابهم إلا بما قدمت أيديهم، ففي الحقيقة هم الحقاء بكونهم شراً مكاناً وأضل سبيلا بسبب ما أداهم إلى ذلك الحشر. فاكتفى بذكر المسبب عن السبب وأفعل التفضيل لم يذكر

стр. 420

معه المفضل عليه ليفيد أن مكانهم شر مكان من أمكنة الشر وسبيلهم أضل سبيلاً من سبيل الضلال. وإسناد الضلال للسبيل مجاز. المعنى: هؤلاء المشركون القائلون للمقالات المتقدمة ومن كان على شاكلتهم في الكفر، والعناد الذين يجمعون ويساقون إلى جهنم مقلوبين على وجوههم أولئك شر مكاناً ومستقراً فإنهم أهل النار وأضل طريقاً فإنهم سلكوا طريق الكفر الذي أداهم إلى ذلك المستقر. حديث: أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. فقه: من هذا الحديث علمنا أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره ولو كان غير معتاد في الدنيا لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم. توجيه: رفعوا وجوههم في الدنيا عن السجود لله فأذل الله تلك الوجوه فمشوا عليها في المحشر، ورفعوا رؤوسهم كبراً عن الحق فنكَّسها الله يوم القيامة، ومشوا في طريق النظر والاستدلال مشياً مقلوباً فمشوا في الآخرة مشياً مقلوباً فكان ما نالهم من سوء تلك الحال جزاءاً وفاقاً لما أتوا من قبيح الأعمال. وما ربك بظلام للعبيد.

стр. 421

تحذير: فيما يذكره الله تعالى من هذا الجزاء العادل تخويف عظيم لنا من سوء الأعمال التي تؤدي إلى سوء الجزاء وخصوصاً من مثل ما ذكر فيما تقدم من ترك السُّجود والكبر على الحق والنظر المقلوب. عصمنا الله والمسلمين أجمعين بالعلم والدين وهدانا سنن المرسلين آمين يا رب العالمين (١).

стр. 422

مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَبْدَهُ تَحْمِيلُهُ أَعْبَاءَ الرِّسَالَةِ وَحْدَهُ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ (١). ــ المناسبة: قد استفيد من الآيات المتقدمة ما كان يكابده النبي- ﵌ من إذاية قومه وما كان يلقاه من مكابرتهم للحق، وتعنتهم بالباطل، وما كان يعانيه من الجهد الجهيد في إنذارهم وتبليغ دين الله- تعالى- إليهم وقد أحاط به الأعداء من كل جانب، ولقيته العقبات من كل ناحية، وهو في ذلك كله جاهد في القيام بتبليغ الأمانة، ناهض بأعباء الرسالة في تلك السبيل ليس معه من نذير وقد كان ذلك مما تتفسخ له القوى البشرية لولا تأييد من الله، فأراد تعالى في هذه الآية أن يثبته في مقامه ويؤنسه في انفراده، فيبين له أن تخصيصه بالقيام هذا المقام العظيم هو لأجل تعظيمه، وتكريمه، وتخصيصه بالأجر الكثير، والثواب الذي ليس له من مثيل. المفردات: البعث: الإرسال. القرية: منازل الناس حيث يقيمون ويكونون مجتمعاً كبيراً أو صغيراً. النذير: المخوف من الوقوع في الشر والهلاك.

стр. 423

التراكيب: مفعول المشيئة محذوف قياساً، وتقدير الكلام ولو شئنا أن نبعث، والبعث في كل قرية منتف بحكم لوْ لأنَّها هنا تدل على امتناع شرطها. المعنى: لو أردنا لأرسلنا في كل بلدة ومصر رسولاً ينذرهم ويخوفم من حلول نقمتنا بهم بكفرهم بنا، ومعصيتهم لنا، فيخف عنك عبء ما حملت ويسقط عنك بذلك تعب كثير ولكنا لم نرد ذلك وحملناك أنت وحدك أعباء وأثقال النذارة لجميع القرى ليظهر فضلك بعموم رسالتك ويعظم أجرك بعظم جهادك وصبرك ويكثر ثوابك بكثرة من يؤمن بك، ومن تودُّ وتعمل ليؤمن بك. حديث: صح عن النبي ﵌ أنه قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة)). وذكر اللونين الأحمر والأسود لقصد التعميم، هكذا جاء هذا الحديث عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم وجاء فيه من طريق أبي هريرة زيادة ((وختم بي النبيون " فتعميم رسالته وختم النبوة به في هذا الحديث الصحيح من طريقيه من مقتضى معنى الآية فإنه لما عمت رسالته ولم يكن معه رسول في حياته وختمت به النبوة فلا يكون كذلك بعد وفاته ثبتبت له كرامة الخصوصية، وعظمة المنزلية وجزالة المثوبة، وهو ما كنا بيناه في معنى الآية، وما أحسن التفسير تعضده الأحاديث الصحاح.

стр. 424

تأسي ورجاء: قد ثبت في السُّنَّة ما يكون من كثرة الجهل، وموت السنة، وانتشار البدعة، وقد أيد ذلك الواقع والمشاهدة، فإذا كان دعاة العلم، والسنة، وخصوم الجهل، والبدعة، فلا بد أن يكونوا قليلاً في العدد الكثير خصوصاً في مبدأ أمرهم وأول دعوتهم، ولا بد أن يلقوا ما يلقون ويقاسوا ما يقاسون، ومما يثبت قلوبهم في عظيم مواقفهم تآسيهم بالنبي ﵌ الذي جاء وحده بالحق والناس كلهم على الباطل فما زال يجاهد حتى لقي ربه، ومما يثبت قلوبهم أيضاً رجاؤهم- إذا أخلصوا النية وأحسنوا الإقتداء- فيما يكون لهم من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، في جهادهم على قلتهم، وفيما يكون لهم من الثواب كذلك فيمن اهتدى بهم وفيمن بذلوا جهدهم في هدايته، وكانت لهم الرغبة العظيمة في إيصال الخير إليه، وإن لم يرجع إليهم. عَدَمُ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ. وَالْجِهَادُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١). المناسبة: لما بين ما خصصه به من الكرامة دعاه إلى مقابلة ذلك بعدم طاعة أهل الكفر والثبات على جهادهم بالقرآن. المفردات: الفاء تعريفية- الطاعة: الإمتثال للطلب. والجهاد: بذل الجهد من

стр. 425

ناحيتك في مقابلة من هو باذل جهده في الناحية المقابلة لك، هذا مقتضى صيغة فعال. التراكيب: جهاداً كبيراً مصدر مبين للنوع المطلوب بصفته وهي كبيرا. المعني: لما أكرمناك بعموم رسالتك وختم النبوة بك فقابل هذه النعمة، بإخلاص الطاعة لربك ولا تطع الكافرين أعداء الله وأعدائك في أي شيء يدعونك إليه من مقتضيات كفرهم كالرجوع إليهم والسكوت عن بعض كفرهم، وابذل كل جهدك في دعوتهم للدين الحق، ومقاومة ما هم عليه من الباطل بالقرآن العظيم، وجاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيراً بتحمل كل ما يأتيك من ناحيتهم من بلاء وإذاية والصبر عليه والثبات على الدعوة والمقاومة. تعميم: كما لا تجوز طاعة الكافرين في شيء مما يمليه عليهم كفرهم كذلك لا تجوز طاعة العصاة في شيء مما تمليه عليهم معصيتهم لأن الجميع فيه مخالفة لدين الله وكما يجاهد أهل الكفر بالقرآن العظيم الجهاد الكبير كذلك يجاهد به أهل المعصية لأنه كتاب الهداية لكل ضال والدعوة لكل مرشد، وفي ذكر الكافرين تنبيه على العصاة من التنبيه بالأعلى على الأدنى لاشتراكهم في العلة وهي المخالفة. إقتداء: ما كان النبي- ﵌ ليطيع الكافرين وإنما جاء هذا النهي تهييجاً له على تمام مخالفتهم ومعاكستهم في جميع
следующие страницы →