← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

تحذير: فيما يذكره الله تعالى من هذا الجزاء العادل تخويف عظيم لنا من سوء الأعمال التي تؤدي إلى سوء الجزاء وخصوصاً من مثل ما ذكر فيما تقدم من ترك السُّجود والكبر على الحق والنظر المقلوب. عصمنا الله والمسلمين أجمعين بالعلم والدين وهدانا سنن المرسلين آمين يا رب العالمين (١).

стр. 422

مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَبْدَهُ تَحْمِيلُهُ أَعْبَاءَ الرِّسَالَةِ وَحْدَهُ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ (١). ــ المناسبة: قد استفيد من الآيات المتقدمة ما كان يكابده النبي- ﵌ من إذاية قومه وما كان يلقاه من مكابرتهم للحق، وتعنتهم بالباطل، وما كان يعانيه من الجهد الجهيد في إنذارهم وتبليغ دين الله- تعالى- إليهم وقد أحاط به الأعداء من كل جانب، ولقيته العقبات من كل ناحية، وهو في ذلك كله جاهد في القيام بتبليغ الأمانة، ناهض بأعباء الرسالة في تلك السبيل ليس معه من نذير وقد كان ذلك مما تتفسخ له القوى البشرية لولا تأييد من الله، فأراد تعالى في هذه الآية أن يثبته في مقامه ويؤنسه في انفراده، فيبين له أن تخصيصه بالقيام هذا المقام العظيم هو لأجل تعظيمه، وتكريمه، وتخصيصه بالأجر الكثير، والثواب الذي ليس له من مثيل. المفردات: البعث: الإرسال. القرية: منازل الناس حيث يقيمون ويكونون مجتمعاً كبيراً أو صغيراً. النذير: المخوف من الوقوع في الشر والهلاك.

стр. 423

التراكيب: مفعول المشيئة محذوف قياساً، وتقدير الكلام ولو شئنا أن نبعث، والبعث في كل قرية منتف بحكم لوْ لأنَّها هنا تدل على امتناع شرطها. المعنى: لو أردنا لأرسلنا في كل بلدة ومصر رسولاً ينذرهم ويخوفم من حلول نقمتنا بهم بكفرهم بنا، ومعصيتهم لنا، فيخف عنك عبء ما حملت ويسقط عنك بذلك تعب كثير ولكنا لم نرد ذلك وحملناك أنت وحدك أعباء وأثقال النذارة لجميع القرى ليظهر فضلك بعموم رسالتك ويعظم أجرك بعظم جهادك وصبرك ويكثر ثوابك بكثرة من يؤمن بك، ومن تودُّ وتعمل ليؤمن بك. حديث: صح عن النبي ﵌ أنه قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة)). وذكر اللونين الأحمر والأسود لقصد التعميم، هكذا جاء هذا الحديث عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم وجاء فيه من طريق أبي هريرة زيادة ((وختم بي النبيون " فتعميم رسالته وختم النبوة به في هذا الحديث الصحيح من طريقيه من مقتضى معنى الآية فإنه لما عمت رسالته ولم يكن معه رسول في حياته وختمت به النبوة فلا يكون كذلك بعد وفاته ثبتبت له كرامة الخصوصية، وعظمة المنزلية وجزالة المثوبة، وهو ما كنا بيناه في معنى الآية، وما أحسن التفسير تعضده الأحاديث الصحاح.

стр. 424

تأسي ورجاء: قد ثبت في السُّنَّة ما يكون من كثرة الجهل، وموت السنة، وانتشار البدعة، وقد أيد ذلك الواقع والمشاهدة، فإذا كان دعاة العلم، والسنة، وخصوم الجهل، والبدعة، فلا بد أن يكونوا قليلاً في العدد الكثير خصوصاً في مبدأ أمرهم وأول دعوتهم، ولا بد أن يلقوا ما يلقون ويقاسوا ما يقاسون، ومما يثبت قلوبهم في عظيم مواقفهم تآسيهم بالنبي ﵌ الذي جاء وحده بالحق والناس كلهم على الباطل فما زال يجاهد حتى لقي ربه، ومما يثبت قلوبهم أيضاً رجاؤهم- إذا أخلصوا النية وأحسنوا الإقتداء- فيما يكون لهم من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، في جهادهم على قلتهم، وفيما يكون لهم من الثواب كذلك فيمن اهتدى بهم وفيمن بذلوا جهدهم في هدايته، وكانت لهم الرغبة العظيمة في إيصال الخير إليه، وإن لم يرجع إليهم. عَدَمُ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ. وَالْجِهَادُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١). المناسبة: لما بين ما خصصه به من الكرامة دعاه إلى مقابلة ذلك بعدم طاعة أهل الكفر والثبات على جهادهم بالقرآن. المفردات: الفاء تعريفية- الطاعة: الإمتثال للطلب. والجهاد: بذل الجهد من

стр. 425

ناحيتك في مقابلة من هو باذل جهده في الناحية المقابلة لك، هذا مقتضى صيغة فعال. التراكيب: جهاداً كبيراً مصدر مبين للنوع المطلوب بصفته وهي كبيرا. المعني: لما أكرمناك بعموم رسالتك وختم النبوة بك فقابل هذه النعمة، بإخلاص الطاعة لربك ولا تطع الكافرين أعداء الله وأعدائك في أي شيء يدعونك إليه من مقتضيات كفرهم كالرجوع إليهم والسكوت عن بعض كفرهم، وابذل كل جهدك في دعوتهم للدين الحق، ومقاومة ما هم عليه من الباطل بالقرآن العظيم، وجاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيراً بتحمل كل ما يأتيك من ناحيتهم من بلاء وإذاية والصبر عليه والثبات على الدعوة والمقاومة. تعميم: كما لا تجوز طاعة الكافرين في شيء مما يمليه عليهم كفرهم كذلك لا تجوز طاعة العصاة في شيء مما تمليه عليهم معصيتهم لأن الجميع فيه مخالفة لدين الله وكما يجاهد أهل الكفر بالقرآن العظيم الجهاد الكبير كذلك يجاهد به أهل المعصية لأنه كتاب الهداية لكل ضال والدعوة لكل مرشد، وفي ذكر الكافرين تنبيه على العصاة من التنبيه بالأعلى على الأدنى لاشتراكهم في العلة وهي المخالفة. إقتداء: ما كان النبي- ﵌ ليطيع الكافرين وإنما جاء هذا النهي تهييجاً له على تمام مخالفتهم ومعاكستهم في جميع

стр. 426

مناحي ومظاهر كفرهم، والخطاب وإن كان له فالحكم شامل لأمته فلا يجوز للمسلم أن يطيع كافراً أو عاصياً في أيِّ شيء من نواحي الكفر ونواحي المعصية، وكما أن الجهاد بالقرآن العظيم هو فرض عليه فكذلك هو فرض على أمته هكذا على الإجمال وعند التفصيل تجده فرضاً على الدعاة والمرشدين الذين (١) يقومون بهذا الفرض الكفائي على المسلمين، فالنبي- ﵌ وقدوة لأمته فيما اشتملت عليه الآية من نهي وأمر. إستدلال: هذه الآية نص صريح في أن الجهاد في الدعوة إلى الله وإحقاق الحق من الدين وإبطال الباطل من شبه المشبهين وضلالات الضالين، وإنكار الجاحدين، هو بالقرآن العظيم، ففيه بيان العقائد وأدلتها ورد الشبه عنها. وفيه بيان الأخلاق، محاسنها ومساوئها، وطرق الوصول إلى التحلي بالأولى والتخلي عن الثانية ومعالجتها. وفيه أصول الأحكام وعللها وهكذا فيه كل ما يحتاج إليه المجاهد به في دين الله فيستفاد منها كما يستفاد من آيات أخرى غيرها أن على الدعاة والمرشدين أن تكون دعوتهم وإرشادهم بالقرآن العظيم. ميزان: عندما يختلف عليك الدعاة الذين يدعي كل منهم أنه يدعوك إلى الله تعالى فانظر من يدعوك بالقرآن إلى القرآن- ومثله ما صح من السنة لأنها تفسيره وبيانه- فاتبعه لأنه هو المتبع للنبي ﵌ في دعوته وجهاده بالقرآن والمتمثل لما دلت عليه أمثال هذه الآية الكريمة من آيات القرآن.

стр. 427

نعمة ومنقبة: قد سمى الله تعالى الجهاد بالقرآن جهاداً كبيراً وفي هذا منقبة كبرى للقائمين بالدعوة إلى الله بالقرآن العظيم وفي ذلك نعمة عظيمة من الله عليهم حيث يسرهم لهذا الجهاد حتى ليصح أن يسمُّوا بهذا الإسم الشريف (مجاهدون) فحق عليهم أن يقدروا هذه النعمة ويؤيدوا شكرها با لقول والعمل، والإخلاص والثبات والصبر واليقين. جعلنا الله والمسلمين منهم وحشرنا في زمرتهم أجمعين (١).

стр. 428

تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِلتَّفْكِيرِ وَالْعَمَلِ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما سأل المشركون بقولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ كما يسألون عن المجهول ذكر لهم القرآن ما يعرفهم به من عظيم آياته وجلائل إنعاماته التي هي من آثار رحمته، فذكر لهم بروج السماء والشمس والقمر، ثم ذكر لهم تعاقب الليل والنهار. المفردات: (خلفة): يقولون خلفت الفاكهة بعضها بعضاً خَلَفا- بالتحريك- وخلفة إذا صارت خلفا، من الأولى، وخلف زيد عمرا يخلفه إذا جاء بعده في مكانه، فالخِلْفة مصدر، وهو لما كان على وزن فِعْلَة دال على الهيبة كالركبة، بمعنى الهيئة من الركوب، فالخلفة إذاً هيئة من الخلوف. فإذا قلت خلفه خلفا أو خلوفا فقد أردت مطلق الحدث، وإذا قلت خلفه خلفة فقد أردت هيئة خاصة من الخلوف. (التذكر): قبول التذكير: فإن مخلوقات الله مذكرات للعبد بربه، فتذكره هو قبوله ذلك التذكير واعتباره واتعاظه به. (الشكور): مصدر شكر، بمعنى القيام بعبادته وطاعته لأجل نعمه. (أو): للتفصيل والتنويع،

стр. 429

لأن المستفيدين من اختلاف الليل والنهار هم المتذكرون والشاكرون، فلا تمنع من أن يكون الشخص الواحد متذكرا شاكرا في آن واحد. التراكيب: خلفة: مفعول ثان لجعل، على معنى جعلهما ذوي خلفة، وفي الأخبار تقول الليل والنهار خلفة، والرجلان خلفة على هذا المعنى ، أي يخلف أحدهما الآخر، وكان مفردا عن الاثنين لأنه مصدر والجار في ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ يتعلق بجعل، وكان الجعل لهما لأنهما المستفيدان منه. ولم يكرر الإسم الموصول لأن الشخص الواحد يمكن أن يتصف بالصلتين معا، وكرر فعل الإرادة لأنها لا بد منها في التذكر وفي الشكر، وقيل (أن يتذكر) ليفيد المضارع الحدوث والتجدد فإن الغفلة مستولية على الإنسان والآيات المرئية ما تزال تحدث له التذكر وتجدده له. وقيل ﴿شُكُورًا﴾ لمناسبة رؤوس الآي. المعنى: يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ووضعهما يختلفان ويتعاقبان على هيئة مخصوصة في التخالف والتعاقب ليستفيد من ذلك من العباد من أراد أن يتذكر فيعتبر بما فيهما من انتقال وتغير ونظام وتقدير، ويستدل بذلك على وجود خالقهما وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ورحمته بمخلوقاته، أو أراد أن يشكر فيقوم بعبادة خالقه المنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها التي منها هذا الإختلاف والتعاقب بين هذين الوقتين اللذين لا يصلح حال الإنسان ولا تنتظم أعماله ولا يستقيم عمرانه إلا به. فقه لغوي: اختيرت لفظة الخلفة هنا لدلالتها على الهيئة فتكون منبهة على

стр. 430

هيئة هذا الإختلاف بالطول والقصر المختلفين في جهات من الأرض وذلك منبه على أسباب هذا الاختلاف من وضع جرم الأرض وجرم الشمس وذلك كله من آيات الله الدالة عليه وبتلك الهيئة المقدر المنظم عظمت النعمة على البشر وشملتهم الرحمة فكانت هذه اللفظة الواحدة منبهة على ما في اختلاف الليل والنهار من آية دالة ومن نعمة عامة. وهكذا جميع ألفاط القرآن في انتقائها لمواضعها. فقه شرعي: لما كان جعل الليل والنهار خلفة لأجل التذكر والعمل كان كل واحد منهما صالحا للعمل الذي يعمل فيه صاحبه، فمن فاته عمل بالليل أتى به في النهار، ومن فاته عمل بالنهار أتى به في الليل، وهذا إذا كان من العادات فهو على سبيل التدارك، وإذا كان من العبادات فهو على سبيل القضاء. وقد روى ابن جرير بسند حسن: ان رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب- ﵁ فقال: فاتتني الصلاة الليلة، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتها في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا. ومن هذا ما رواه مسلم والأربعة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله- ﵌: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل. فقه قرآني: حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاث: الإرادة والفكر والعمل، وهي المذكورات في هذه الآية، لأن التذكر بالتفكر والشكر بالعمل. فاستفادة الإنسان مما خلقه الله له وجعله لأجله لا تكون إلا بهذه الثلاثة، وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لا بد للإنسان منها، فالعمل متوقف على

стр. 431

البدن، والفكر متوقف على العقل، والإرادة متوقفة على الخلق، فالتفكير الصحيح من العقل الصحيح، والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم، فلهذا كان الإنسان مأموراً بالمحافظة على هذه الثلاثة عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم ويقوم أخلاقه بال سلوك النبوي ويقوي بدنه بتنظيم الغذاء وتوقي الأذى والتريض على العمل. موعظة: قال الإمام ابن العربي: سمعت ذانشمند الأكبر- يعني الغزالي- يقول إن الله خلق العبد حيا عالما وبذلك كماله، وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخلقة، إذ الكمال للأول الخالق فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في الطاعة فليفعل، ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا وينام نحو سدس النهار راحة فيذهب له ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية ولا يتلف عمره سهرة في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم. اهـ سلوك: حافظ على العبادات في أوقاتها، واقض ما فاتك واربط أعمالك بأوقاتها، وتدارك ما فاتك ووجه قصدك إلى ما ترى من آيات الله متفكراً ووجه قصدك في جميع أعمالك لله سامعا مطيعا- تكن عبدا ذاكرا شاكرا سعيدا- إن شاء الله- في الدارين. وفقنا الله إلى ذلك والمسلمين أجمعين (١).

стр. 432

الْقُرْآنُ يَصِفُ عِبَادُ الرَّحْمَنِ الصِّفَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (١). ــ المناسبة: لما تجاهل المشركون الرحمن واستكبروا عن السجود له عرفهم القرآن بالرحمن بخلقه وتدبيره وإنعامه كما مضى في الآيات المتقدمة، ثم عرفهم بعباده الذين عرفوه بذلك فآمنوا به وخصوا له بما اشتملت عليه هذه الآيات من صفاتهم. وكما كانت مخلوقات الله المذكورة سابقاً دالة عليه ومعرفة به بما فيها من آثار قدرته وآثار رحمته كذلك كان عباده المذكورون أدلة عليه ومعرفين به بأقوالهم وأفعالهم وهديهم وسلوكهم ومظاهر آثار رحمة الله عليهم، فذكروا بعد ذكر تلك المخلوقات وذكرت هي قبلهم لأنها كانت أدلة لهم، والدليل سابق على المستدل سبق المستفاد منه على المستفيد. وفي تعريف القرآن لعباد الرحمن بعد تعريفه بالرحمن تشريف كبير لهم وتبكيت لأولئك المتجاهلين المتكبرين، ووجه آخر في المناسبة، وهو أنه لما ذكر التذكر والشكر في الليل والنهار في الآية المتقدمة ذكر صفات المتذكرين الشاكرين وما أثمره لهم تذكرهم وشكرهم ترغيباً في التذكر والشكر.

стр. 433

وقولهم للجاهلين سلاماً من مقتضى هونهم ورفقهم، فلذلك قرن به وعطف عليه. المفردات: عباد: جمع عبد، بمعنى المملوك الذليل الخاضع، أو جمع عابد كصاحب وصحاب وتاجر وتجار بمعنى المطيع والقائم بما يرضي ربه، والأول هنا أظهر، الرحمن: المنعم الذي تتجدد نعمه في كل آن، يمشون على الأرض: يتنقلون عليها. هونا: هان الأمر يهون هونا بمعنى سهل، ومنه (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي سهل، وشيء هين على وزن فيعل، أي سهل، ويقال هين بالتخفيف. ومن صفات المؤمن أنه هين لين من الهون بمعنى السهولة في أخلاقه ومعاملته، وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: ((حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس) وهو على ما فسرنا من السهولة في أخلاقه ومعاملته وذلك هو الذي يقرِّبه من الناس، وفسر الهون في الآية بالحلم والوقار والسكينة والتواضع والطاعة، وكلها ترجع إلى السهولة واللين، وفسر بعدم الفساد في الأرض وعدم التجبر والتكبر لأنها كلها أضداد للسهولة واللين. خاطبهم: كَالَمهم. الجاهلون: السفهاء القليلو الأدب السيئو الأخلاق. والجهل ضد العلم ويطلق بمعنى السفه والطيش لأنهما عنه ينشآن ومنه قول الشاعر: أَلاَ لاَ يَجْهَلْنَ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا (١) ومنه الجاهلون في الآية. سلاما: السلام كالسلامة معناهما التعري. من الآفات والمكروهات.

стр. 434

التراكيب . وصلت الجملة بما قبلها بالواو لاشتراكهما في القصد وهو التعريف بالرحمن وبعباده. وعباد مبتدأ والذين خبر وأضاف العباد للرحمن تخصيصا لهم وتفضيلا وتقريبا وفيه تعويض بأولئك المتجاهلين المتكبرين المبعدين، وهونا منصوبا على أنه مفعول مطلق والتقدير: مشياً هوناً، أو على أنه حال من فاعل يمشون أي هينين، ومجيء المصدر حالا كثير ولمصدريته أفرد، والموصوف جمع (١) نظير الزيدون عدل. ويمشون على الأرض هونا تركيب كنائي أريد به معناه ولازم معناه، فهم يمشون هينين برفق وتثبت، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا. هذا أصل المعنى وهو مراد ومراد أيضا لازم وهو سهولتهم وتواضعهم وعدم تكبرهم ورفقهم في الأمور وبعدهم عن الإفساد. ومراد لازم آخر أيضاً، وهو سيرهم في الحياة وتصرفهم في جميع الأمور ومعاملتهم للناس، فإذا كانوا أهل رفق وسهولة في مشيهم في الأرض فكذلك هم أهل رفق وسهولة في الأمور الأخرى، مما ذكرنا، لأن الرفق والسهولة خلق فيهم فكما هو في المشي هو في غيره. وكانت الصلة بالمضارع ليفيد التجدد، فإن المشي في الأرض ضروري للإنسان وكان المعطوف على الصلة بصورة الشرط لأن خطاب الجاهلين لهم ليس مما يكون دائما، وكان التعليق بإذا لأن مخاطبة الجاهلين لهم بالسوء أمر محقق، ومتى سلم أهل العلم والدين من الجاهلين ولم يذكر ما يخاطبهم به الجاهلون للعلم بأن خطاب الجاهل أي السفيه لا يكون إلا سوءا مما يمليه عليه جهله وسفهه. ونصب سلاما على أنه مفعول مطلق، والتقدير قالوا قولا سلاما، أي ذا سلام، فيشمل كل قول فيه سلامة من الأذى والمكروه، كسلام عليكم

стр. 435

ويغفر الله لكم وسامحكم الله ونحو ذلك. أو نصب على أنه مفعول به، أي قالوا هذا اللفظ سلاما نفسه. المعنى: يقول تعالى وعباد الرحمن ومماليكه القائمون بحق العبودة (١) له هم أهل الرفق والسهولة الذين يمشون على الأرض هينين في مشيهم وفي معالجتهم لشؤون الحياة ومعاملتهم للناس لحلمهم وتواضعهم غير مستكبرين ولا متجبرين ولا ساعين في الأرض بالفساد. وإذا خاطبهم السفهاء بما لا ينبغي من الخطاب قابلوهم بالحلم وقالوا لهم سلاما لأنهم سلموا من الجهل، فسلم المخاطب لهم من أن يجهلوا عليه ولو جهل (٢) أو قالوا لهم من الكلام ما فيه سلامة من الأذى والمكروه. الأحكام: في الآية استحباب الرفق في المشي وكراهية العنف والإضطراب، ومن العنف الضرب بالرجل والخفق بالنعل، فإذا كانا بعجب وخيلاء فهو حرام. وفيها الإغضاء عن الجاهل ومقابلة كلمته السيئة بالكلام الحسن. وكراهة مجاراته في خطابه ومماثلته، وإذا كان في ذلك فتنة أو مفسدة محققة كان حراما. تمييز: ليس من الهون في المشي التثاقل والتماوت فيه، وروي أن عمر بن الخطاب- ﵁ قال لجماعة رآهم كذلك: ((لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله) وأن عائشة- ﵂ رأت

стр. 436

قوما يتماوتون فسألت عنهم فقيل لها هؤلاء قوم من القراء، فقالت: لقد كان عمر من القراء، وكان إذا مشى أسرع وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان مشيه- ﵁ إلى السرعة خلقة لا تكلفا والخير في الوسط. وليس هون المشي وحده يعرفك بأن صاحبه من عباد الرحمن، فرب ماشٍ هوناً رويداً وهو ذئب أطلس، ولكن بالهون في المشي وبما ذكرنا في فصل التراكيب والمعنى من لوازمه. بيان ورد: اشتملت الآية على بيان الأدب في معاملة الجاهلين من أفراد الناس، أكانوا مسلمين أم غيرهم، وما اشتملت عليه من الأدب قد جاء في آيات كثيرة مثل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) و ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) فهو أدب مشروع مؤكد، وحكم دائم محكم، وهو في معاملات الأفراد كما ترى. فلا ينافي ما شرع من الحرب عند وجود أسبابها وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات، وهي من الأمور العامة كما ترى فبطل قول من زعم أن هذه الآية بالنسبة لغير المسلم منسوخة بآية السيف لأن هذه الآية ثابت حكمها في حالٍ وآية السيف ثابت حكمها في حال أخرى، فلا تنسخ إحداهما الأخرى. وما أكثر ما قتلت أحكام بآية السيف هذه، وهي عند التحقيق غير معارضة لها لمباينة حالها لحالها.

стр. 437

تمثيل واستدلال: جاء في الصحيح من طرق مجموع ألفاظها ان رهطا من إليهود دخلوا على النبي- ﵌ فقالوا: السام عليكم (والسام الموت) ففهمتها عائشة- ﵂ فقالت: عليكم السام واللعنة وغضب الله عليكم، فقال لها رسول الله ﵌: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، إن الله يحب الرفق في الأمور كلها. فقالت عائشة: أولم تسمع ما قالوا؟ فقال لها: أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم. قد قلت ((وعليكم)) فيستجاب لي فيهم ((لأنه دعاء بحق)) ولا يستجاب لهم في ((لأنه دعاء بباطل وظلم)). فقد خاطبه هؤلاء الجاهلون بالسوء فقال لهم كلمة سالمة من القبح ليس فيها لفظ الإذاية وهو السام بعيدة عن الايحاش خالصة للرفق، فهي من القول السلام، أي ذي السلام من مقتضى الآية على الوجه الأولى من وجهيها، ففي الحديث مثال لقول السلام في خطاب الجاهل ودليل على عموم الحكم وأحكامه. سؤال وجوابه: على الوجه الثاني في الآية، وهو أنه يقول للجاهل سلاما، يقال هل يسلم عليه إذا كان كافراً، فيقال نعم كما قال إبراهيم لأبيه ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) ولم يستثن إلا قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نعم هو سلام موادعة ومتاركة لا سلام تحية وكرامة.

стр. 438

لطيفة تاريخية: قالوا إن إبراهيم بن المهدي العباسي كان منحرفا عن علي بن أبي طالب- ﵁ فرآه في النوم قد تقدمه لعبور قنطرة، فقال له إبراهيم: إنما تَدَّعي هذا الأمر، يعني الخلافة، بامرأة، يعني فاطمة ﵂، ونحن أحق به منك، وحكى إبراهيم رؤياه للمأمون وقال له: فما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه، فقال له المأمون: فما أجابك به؟ قال: كان يقول لي: ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾، فنبهه المأمون على هذه الآية وقال: يا عم، قد أجابك بأبلغ جواب، فخزي إبراهيم واستحيا اهـ، فرضي الله عن الإمام الهاشمي ما أبلغه حيا وميتا. توجيه وسلوك: القول السلام محمود ومطلوب في كل حال، وإنما خصت حالة خطاب الجاهل لأنها الحالة التي تثور فيها ثائرة الغضب بما يكون من سفهه ومهاترته، فعلى المؤمن أن يكون حاضر البال بهذه الآية عند ما تسوق إليه الأقدار جاهلا، فيخاطبه بما لا يرضيه حتى يسلم من شره، ويكسر من شرته، فيسلم له عرضه ومروءته ودينه ويسلم ذلك الجاهل أيضاً من اللجاج في الشر، والتمادي فيه فيكون المؤمن بقوله السلام وتأدبه بأدب القرآن قد حصل السلامة للجميع وأعظم به من فضل وأجر في الدنيا والدين وفقنا الله لذلك والمسلمين أجمعين (١).

стр. 439

الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (١) ــ المناسبة: لما ذكر فيما تقدم سلوكهم مع الخلق، ذكر في هذه الآية سلوكهم في القيام بعبادة الحق. وفيما تقدم بيان حالهم عند اختلاطهم بالعباد، وفي هذه بيان حالهم عند تفردهم لرب العباد. المفردات: يبيتون من البيتوتة وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، ويقابلها الظلول وهو أن يدركك النهار. السجد: جمع ساجد، والقيام: جمع قائم، وهو من الأوزان التي يشترك فيها المصدر والجمع. التراكيب: الذين عطف على الخبر الأول وأعيد لفظ الذين لاستقلال الحالة الثانية عن الأولى، وقدم الجار ليفيد تخصيص عبادتهم بربهم ويفيد الكلام عبادتهم وإخلاصهم، وقدم سجداً لأن السجود أقرب أحوال العبد للرب لحديث: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ووقع قياما في موقعه مناسبا للفاصلة. المعنى: ومن صفات عباد الرحمن أنهم يحيون الليل فيبيتون يصلون لربهم يوافون بين السجود والقيام.

стр. 440

بيان وترغيب: هذه الآية من آيات الحث على قيام الليل مثل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (١) وقد بينت السنة المطهرة مقداره فثبت في الموطأ من طريق أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن رسول الله- ﵌ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا والسلام بعد كل ركعتين لحديث: ((صلى الليل مثنى)). وثبت عند مسلم من طريق سعد بن هشام عنها أنه كان يفتتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين، فتلك ثلاث عشرة، وقد ثبت ذلك في الموطأ من طريق عروة عنها، قالت: كان رسول الله- ﵌ يصلي الليل ثلاث عشرة ركعة، وهذا هو الغالب من أحواله، وقد كان يصلي أقل منه في بعض الأحوال، فقد ثبت عند البخاري من طريق مسروق عنها أن صلاته ﵌ بالليل سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، ومثل ما جاء عن عائشة من إنتهاء ركعاته إلى ثلاث عشرة. جاء في الموطأ من حديث ابن عباس، وجاء فيه أيضاً من حديث زيد بن خالد الجهني، وفي هذه السنة العملية الثابتة بيان للقدر الأكمل الذي يكون به العبد ممن يصدق عليهم هذا الوصف من صفات عباد الرحمن. الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).

стр. 441

المناسبة: لما ذكر حسن سلوكهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق ذكر خوفهم منن ربهم واعتمادهم عليه في نجاتهم وعدم اغترارهم بأعمالم، فهم يأتون ما يأتون من محاسن الأعمال ولا يعتمدونه إلا على الكبير المتعال. المفردات: الغرام مادة (غ رم) تدور على معنى الملازمة مع الثقل والشدة، ولذا فسر الغرام بالشر وبالعذاب وبالهلاك الملازم. ساءت: بمعنى قبحت مثل بئس لإنشاء الذم، المستقر: محل الإستقرار إلى الثبوت، والمقام: محل الإقامة أي البقاء. المفردات: ساءت: فاعله الضمير المخصوص بالذم، ومستقراً ومقاما تمييز مفسر للضمير، وجملة ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ تعليل للجملة الدعائية، وفصلت عنها لكمال الإنقطاع بينهما لإنشائية الأولى وخبرية الثانية، وجملة ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ مؤكدة لمضمون الجملة قبلها مع اختلاف في المعنى، فإن ما أفادته الأولى من فداحة عذابها وملازمته أكدته الثانية بما أفاد من مقامه ومستقرها، ففصلت عنها لما بينهما من كمال الإتصال نظير: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. والتأكد فيهما بأن، لأنه لوح وأشير في الكلام السابق إلى هذا الخير وشأن السامع لهذا أن يستشرف له استشراف المتردد الطالب، فينزل منزلة المتردد، فيؤكد له الخبر ووجه التلويح بهذا الخبر أنه لما سئل صرف عذاب جهنم كان هذا مشيراً إلى قبح هذا العذاب وشدته فهذا نظير: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (١)

стр. 442

المعنى: ومن صفاتهم أنهم يدعن الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لأن عذابها عذاب شديد فادح ملح ملازم، ولأنها بئست المستقر الذي يستقر ويثبت فيه وبئست المقام الذي يقام ويمكث فيه. رد واستدلال: زعم قوم أن أكمل أحوال العابد أن يعبد الله تعالى لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، وهذه الآية وغيرها رد قاطع عليهم ومثلها قول إبراهيم عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١) في نصوص لا تحصى كثرة، وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه أو طمع في ثوابه، وأخطأوا فيما زعموا، فإن العبادة مبناها الخضوع والذل والإفتقار والشعور بالحاجة والإضطرار وإظهار العبد هذه العبودية بأتمها، ومن أتم مظهر لها أن يخاف ويطمع كما يذل ويخضع ففي إظهار كمال نقص العبودية القيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية، ولهذا كان الأنبياء- عليهم وآلهم الصلاة والسلام- وهم أشد الخلق تعظيما لله، ومن أكثرهم خوفا من الله وتعوذا من عذاب الله، وسؤالا لما عند الله وكفى بهم حجة وقدوة، وأن هذه المقالة تكاد تفضي إلى صرح الرجاء والخوف، وعليهم مبني الأعمال لما فيهما من ظهور العبودية بالذل والإحتياج، ومن دعاء القنوت الثابت المحفوظ ((وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد)) وهذا ضروري في الدين. ولكن مثل هذه المقالة إنما يجر إليه الغلو وقلة الفقه في الدين في الكتاب والسنة وما كان عليه هدى السابقين الأولين.

стр. 443

إعتبار ونصيحة: إن جهنم هي أقبح مستقر وأقبح مقام، وأن الدنيا هي مطية الآخرة، فمن ساء مستقره ومقامه في الدنيا ساء كذلك مستقره ومقامه في الآخرة وأن ملازمة العذاب في الآخرة على قدر ملازمة المعاصي في الدنيا فمن لازمها بالكفر ومات عليه دامت له تلك الملازمة ومن لازمها بالإصرار على الكبائر كانت له على حسب تلك الملازمة. فعلى العاقل أن يحسن مقره ومقامه وأن يجتنب كل موطن تلحقه فيه الملامة وأن يجتنب مجالس السوء والبدعة ويلازم مجالس الطاعة والسنة وأن يسرع بالتوبة مفارقا الذنوب وأن لا يصر على شيء من القبائح والعيوب وأن يكون سريع الرجوع إلى الله ولو عظم ذنبه وبلواه فالله يحب التوابين ويغفر للاوابين جلنا منهم أجمعين. آمين (١).

стр. 444

أَيُّهُمَا أَكْمَلُ (١) الْعِبَادَةُ مَعَ رَجَاءِ الثَّوَابِ وَخَوْفِ الْعِقَابِ أَمِ الْعِبَادَةُ دُونَهُمَا؟ زيادة بيان على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (٢). ــ قد قال قوم إن العبادة دون رجاء ثواب ولا خوف عقاب هي أكمل العبادات. وأنكرنا مقالتهم فيما كتبناه على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ في الجزء الصادر في غرة جمادى الأولى. وقلنا في الإنكار عليهم: "وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه أو طمع في ثوابه وأخطأوا فيما زعموا". وذكرنا أثر ذلك بعض الأدلة التي اعتمدنا عليها، وبعد أن مضى على ذلك ثلاثة أشهر كاملة نشر الشيخ المولود الحافظي مقالا ردا علينا دون أن يذكر جميع أدلتنا ودون أن يتعرض لنقضها في سندها أو متها أو عدم انطباقها أو إفادتها لما سيقت لافادته، ودون

стр. 445

أن يعارضها بمثلها في الرتبة والدلالة. وأطال بما بعضه خارج عن محل النزاع، وبعضه هو نفس الدعوى المحتاجة إلى الاستدلال. فرأينا أثر اطلاعنا على مقاله أن نعود في هذا الجزء لذكر أدلتنا التي اعتمدنا عليها فيما اخترناه من أن وضع العبادة الشرعية على رجاء الثواب وخوف العقاب، وبيان دلالتها على المدعي، ثم نتكلم على بعض ما في مقاله، فنقول: إن العبادة هي غاية الذل والخضوع مع الشعور بغاية الضعف والافتقار، ومن مقتضى الضعف أن يخاف ويوجل، ومن مقتضى الافتقار أن يرجو ويطمع. فخوف العبد من عقاب ربه هو من مقتضى اعترافه بضعفه وقوة ربه وشهوده لعزته وقهره وعموم تصرفه في خلقه، وأنه لا معقب لحكمه وأنه لا يؤمن من مكره، وطمعه في ثوابه هو من مقتضى اعترافه بحاجته وفقره وغنى ربه وفضله وتصديقه بوعده فهو يعبده ويخاف أن لا يقبل عبادته ويخشى نقمته. ويعبده ويرجو رحمته وينتظر مثوبته، وفي عبادته هذه إظهار لغاية العبودية بنقصها وحاجتها وقيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية والإعتراف لذلك المقام بالقدرة والعزة والغنى والرحمة والكمال. فوضعت العبادة في الدين على خوف العقاب ورجاء الثواب لما في ذلك من إظهار غاية عبودية العبد بضعفه وافتقاره أمام ربه الغني الرحيم القوي المتين. والدليل على هذا ستسمعه من الكتاب والسنة وأقوال السلف. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ

стр. 446

يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). ووجه الدليل من الآية أن هؤلاء المذكورين فيها هم الكمل من عباد الله الصالحين يدليل حديث أبي هريرة- ﵁ المروي في الصحيح قال: قال رسول الله- ﵌: يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعتم عليه ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ومع كمالهم لم تتجردْ عبادتهم من الخوف والطمع. ووجه آخر: وهو أن الله تعالى ذكر لنا عبادتهم لنعرف العبادة الشرعية كيف تكون فذكرها مع الخوف والطمع فعرفنا أن العبادة وضعت في الشرع على ذلك، ووجه آخر وهو أنه تعالى ذكر لنا صفاتهم وعبادتهم لنقتدي بهم فيها فعلم أن العبادة التي يدعونا ربنا إليها هي العبادة خوفا وطمعا. ومثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ- إلى- رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ووجه الدليل منها كالتي قبلها وتزيد

стр. 447

عليها ببيان صريح دعائهم وطلبهم الوقاية من النار وغفران وتكفير السيئات. ومثلها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. ووجه الدليل منها كالتي قبلها. ومثلها قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا" (١) ووجه الدليل منها مثل ما تقدم وتزيد ببيان أن خوف اليوم العبوس لا ينافي الإطعام لوجه الله. ومثلها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢).

стр. 448

ووجه الدليل كما تقدم وفيها أيضاً بيان أن خوف سوء الحساب لا ينافي الصبر ابتغاء وجه الله. ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ. (١) ووجه الدليل ما تقدم ومعنى الآية إنهم يعطون ما أعطوا من أعمال البر والطاعات وقلوبهم خائفة من أنهم راجعون إلى ربهم فيخافون أن لا تقبل منهم. ففيها بيان أنهم كانوا يعملون راجين قبول الأعمال خائفين من عدم قبولها. فهؤلاء هم الكمل من عباد الله وهذه هي عبادتهم في صريح هذه الآيات الكريمة التي ذكرت فيها صفاتهم وكلها بكثرتها وصراحتها دالة دلالة قطعية لما قلناه من أن العبادة الشرعية موضوعة على رجاء الثواب والخوف من العقاب إذ ذلك هو أظهر مظاهر العبودية بذلها وخضوعها وضعفها وحاجتها وفقرها وحالتها المباينة غاية المباينة لمقام الربوبية مقام ذي الجلال والإكرام. ولا تجد في القرآن العظيم آية واحدة دالة صريحة على ذكر عباده- هكذا- دون خوف أوطمع. ونزيد على الآيات المتقدمة آية دالة على حال عباده المعصومين عليهم الصلاة والسلام، وهي قوله تعالى (٢): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ

стр. 449

الدِّينِ﴾ ووجه الدليل من الآية أن إبراهيم- ﵇ أخبر عن نفسه بصيغة المضارع المفيد للتجدد أنه يطمع من الله أن يغفر له خطيئته، فدل ذلك على أنه كان في عبادته طامعاً ومعلوم أنه معصوم وأنه مؤمن من العذاب، وأن ما سماه خطيئة هو بالنسبة إلى مقامه الرفيع من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ومع ذلك كله فالمقصود من الدليل حاصل وهو أنه خاف المؤاخذة- المؤاخذة اللائقة بمقامه- وطمع في الغفران وكانت عبادته على الطمع والخوف. ولا يقال أنه كان معلما للناس لأنه إخبار عن نفسه وخبره صدق ثابت فلا بد أن يكون كما أخبر. وأما السنة فمنها دعاء القنوت المشهور (نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد) ووجه الدليل منه أن الصلاة أشرف أحوال العبد وأجل مقاماته وأعظم عباداته وقد علم أن يدعو فيها هذا الدعاء الصريح في رجاء الرحمة وخوف العذاب وما كان ذلك إلا لأن العبادة الشرعية موضوعة عليهما. ومنها حديث: (وأما السجود فادعوا فيه، فقمن أن يستجاب لكم) وهو حديث صحيح، وفي الصحيح أيضاً (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ووجه الدليل أن أقرب أحوال العبد من ربه هو محل للدعاء، والداعي يرجى القبول ويخاف المنع، فالعبادة في أقرب أحوال العبد موضوعة على الرجاء والخوف. ومنها الحديث الصحيح: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنرلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به) ووجه الدليل منه أنه تعليم لما يقوله المسلم فيما قد يكون آخر حال يلقى

стр. 450

عليه ربه ولا ينبغي أن يلقاه إلا على أكمل حال. فعلمنا هذا الدعاء الصريح في الرغبة والرهبة ليقوله المؤمن ولو كان من أكمل الكمل فدل على أن الرغبة والرهبة عليهما وضعت العبادة في جميع الأحوال. ومنها الحديث الصحيح: " قالت عائشة ﵂: كنت نائمة إلى جنب رسول الله- ﵌ ففقدته فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك) ووجه الدليل أنه في الحال التي هو فيها أقرب ما يكون من ربه وهي حالة سجوده استعاذ برضى الله من سخطه وبعافيته من عقوبته، ثم لما لم يستطع الإلحاطة بأفعاله رد الأمر لذاته فاستعاذ به منه وهو في الجميع مستعيذ والمستعيذ طالب والطالب راج وطامع في نيل المطلوب فلم يفارق عبادته الرجاء والطمع حتى في هذه الحالة التي هي بينه وبين ربه لأنه كان ساجداً في جنح الليل دون حضور أحد من الناس إلا عائشة التي كانت نائمة واستيقظت ففقدته فاطلعت عليه في تلك الحال. ومنها الحديث الصحيح عن ابن عباس الذي كان يعلمهم رسول الله- ﵌ إياه كما يعلمهم السورة من القرآن رواه مالك وفيه: (اللهم أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ووجه الدليل منه أنه علمهم هذه الاستعاذة الصريحة في الخوف والرجاء كسائر ما علمهم من الدعوات المبنية عليهما. وهكذا تجد جميع دعواته المأثورة على الرغبة والرهبة والرجا والخوف ولا تجد دعاء واحداً علمهم فيه أن يتوجوا إلى الله تعالى دون رغبة ولا رهبة ولا رجاء ولا خوف، ولو كانت العبادة الخالية

стр. 451

من الطمع والخوف هي أكمل العبادة لكان بينها لهم بيانا شافيا صريحا كعادته في بيان الكمالات، وهو الحريص على دلالتهم على كل خير، فكيف لم يدلهم على هذا المقام بصريح المقام لو كان من الكمال بحيث يدعى لها بعض الناس. فقد بان لنا بما ذكرناه توارد آيات الكتاب وأحاديث السنة في صراحة وجلاء على مشروعية العبادة مقرونة بالرغبة والرجاء والخوف، ولم نظفر بآية واحدة أو حديث واحد فيه التصريح بمشروعيتها مجردة منهما فضلا عن أنها أكمل منها معهما، وما كنا لنترك أدلة الكتاب والسنة الصريحة لرأي أحد كائنا من كان، وإننا نورد فيما يلي حديثا من صحيح البخاري يبين لنا كيف كان الصحابة سادة هذه الأمة يعبدون الله تعالى يرجون قبول أعمالهم لديه: (قال أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري، قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول الله- ﵌ وهجرتنا معه وجهادنا وعملنا كلنا معه بَرْدٌ لنا وإن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأساً برأس قال أبي (يعني أبا موسى) لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله ﵌ وصلينا وصمنا وعملنا خيراً كثيراً وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال أبي (يعني عمر) لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت- أبو بردة- إن أباك والله خير من أبي) ووجه الدليل عملهم على الرجاء وخوفهم من عدم القبول والعقاب على المخالفة وإن اختلفا فيما اختلفا فيه ولا تجد في كلام واحد منهم أنه كان يجرد عبادته عن الطمع والخوف وما كان المقام الأكمل ليفوتهم وهم أفقه الناس في الدين وأحرصهم على الخير. هذه هي أدلتنا فيما ذهبنا إليه ورددنا على مخالفيه وهي أكثر من

стр. 452

هذا عدا في كتاب الله وسنة رسوله وفيما ذكرناه كفاية- إن شاء الله- لمن نصح وأنصف وأخلص الإيمان بقوله تعالى (١): ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. والآن نعطف بالكلام على مقال الشيخ ونحْصره في مواضع: ١ - أنكرنا على من زعموا أن مرتبة العبادة العليا أن يعبد الله تعالى لذاتِه دون الطَّمع في ثوابه ولا الخوف من عقابه ونسبنا إليهم الخطأ ولما وجدنا آيات الكتاب وأحاديث السنة طافحة بأن عبادة الكمل من عباد الله مقرونة بالخوف والطمع كما قدمنا نسبنا خطأهم إلى قلة التفقه في الدين أي في أدلة الدين وهي الآيات والأحاديث المذكورة، وما عسى أن يقال فيمن لم تكفه تلك الآيات والأحاديث كلها على صراحتها واتفاقها إلا أنه لم يتفقه فيها. ولما لم نجد آية واحدة ولا حديثا واحداً يصرح بمدعاهم حملناهم على الغلو هذا كله دون أن نصرح بشخص ولا بطائفة لأن الكلام مع القول والدليل. فأبى حضرته إلا أن يحمل كلامنا على طائفة مخصوصة يحب هو اليوم التظاهر بالدفاع عنها ثم تطرق من ذلك إلى رمينا بما يناسب غرضه من الجرأة وقلة النصيحة والتطاول على الأئمة إلى ما يريد أن يصفنا به ليقول القارىء أن حضرته موصوف بضده. وربك أعلم بتلك الأوصاف وأهلها. ٢ - كان استدلالنا بآية (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) على الوجه الذي بيناه فيما تقدم دون أن نذكر الحصر ولا أن نشير إليه ولا من مقتضى

стр. 453

موضوعنا أن نقصر عباد الرحمن على تلك الصفات، لكن حضرته أخذ يقرر في قواعد الحصر الضرورية عند المبتدئين وخرج من ذلك إلى أن الآية لا حصر فيها وإننا تسرعنا وما تدبرنا ولم نحسن تطبيق قواعد العلوم على موضوع النزاع. وفي الحق أن حضرته هو الذي لم يحسن تنزيل ما طولب به في الحصر على كلام لم ندع فيه الحصر ولم نستدل به وإنما استدللنا بالآية مثل ما استدللنا بغيرها على الوجه الذي تقدم وعلى ما معه من الوجوه. ٣ - ما في كلام الإمام الرازي من أن الله مستحق للعبادة لذاته وأنه لو أمرنا بالعبادة بلا ثواب ولا عقاب لوجبت فهو حق مسلم وليس هو موضوع النزاع، كان موضوع النزاع هل العبادة مع الخوف والرجاء أكمل أم العبادة دونهما وما فيه من أن (من عبد الله للثواب والعقاب فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب والله واسطة) - إذا كان يعني به أنه عبد الله للثواب من حيث ذاته والعقاب من حيث ذاته دون الإمتثال للأمر وتوجه للرب، فهذا ليس كلامنا فيه، وإن كان يعني أنه يعبد للثواب والعقاب من حيث أن العبادة الشرعية موضوعة على رجاء الثواب وخوف العقاب فهو يعبد الله امتثالا لأمره- فكلامه منوع لأن العبادة هي التوجه بالطاعة لله امتثالا لأمره وقياما بحقه مع الشعور بالضعف والذل أمام قوة وعز الربوبية وذلك يبعث على الخوف المأمور به، ومع الشعور بالفقر والحاجة أمام غنى وفضل الربوبية وذلك يبعث على الرجاء المأمور به، فالمعبود في الحقيقة والواقع هو المتوجه إليه بالطاعة وهو الله تعالى لا الثواب الذي تعلق به الرجاء ولا العقاب الذي تعلق به الخوف. وكيف يكون الثواب وهو المعبود والعقاب هو المعبود والله هو الذي شرعهما، فهل يشرع عبادة غيره، وما هذا إلا من عدم التأمل في مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ

стр. 454

رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (١). أي شأنه أن يحذر ومن حقه أن يحذر وهل هذا إلاَّ من عدم التفقه في قوله تعالى- في أم القرآن والسبع المثاني التي يناجي بها المصلي ربه وهو في أعظم عبادة-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن المستعين طالب للإعانة والطالب راج قبول طلبه خائف من عدم قبوله. وقوله تعالى فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ طلبا كذلك فليتفقه المتففهون في كلام رب العالمين. ٤ - ونقل كلام الإمام الرازي في باب المحبة قوله: (وأما العارفون فقد قالوا قد يحب الله تعالى لذاته وأما حب خدمته وحب ثوبه فدرجة نازلة) ونحن نقول إن الذات أقدس الموصوف بالكمالات المفيض للإنعامات تتعلق به قلوب المحبين موصوفا بكمالاته وإنعاماته التي منها ثوابه وجزاءه وتلك المحبة تبعث على خدمته بطاعته والتقرب إليه بأنواع العبادات وأما عبادة الذات مجرداً عن الإنعامات فهو نوع من التعطيل في الإعتقاد والتقصير في الشهود وإذ كانت المحبة عملا من أعمال العبد القلبية التي يتقرب بها إلى الله فهي عبادة. وقد بينا بالأدلة المتقدمة أن العبادة في الإسلام موضوعة على مصاحبة الرجاء والخوف والمحب للرب ذي الجلال والإكرام والبطش والإنعام لا يغيب عن إجلاله بالخوف والتذلل له بالطمع كحاله في سائر العبادات. ٥ - ونقل من كلام النيسبوري قوله: (المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة وعلى المنعم لا على النعمة) فإن كان مراده أن نظرهم على المعبود أي إعتمادهم في القبول على المعبود لا على العبادة فهذا حق وليس كلامنا فيه، وإن كان مراده أن نظرهم على المعبود أي توجههم

стр. 455

إلى المعبود دون العبادة فهذا ايضا حق لان العبادة متوجة بها لا إليها وليس كلامنا في هذا. وإن كان مراده دون تقرب بالعبادة فهذا باطل لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي ما يقربكم إليه من طاعته وإن كان مراده دون شعور بالعبادة فهذا أيضا باطل لأن العابد ينوي العبادة ويقصد بها القربة ويتوجه بها مخلصا فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فكيف يكون لا شعور له بها وأما قوله (وعلى المنعم لا على النعمة) فإن أراد أن المتقرب إليه هو الله المنعم دون النعمة، فهذا حق وليس كلامنا فيه، وإن أراد أن رجاء نعمة الثواب حين التوجه لله والتقرب إليه بالطاعة ينافي التقرب إلى المنعم ويعد تقربا للنعمة فهذا هو الذي أبطلناه بالأدلة السابقة ونقضناه في الموضع الثالث. وإن أراد أن ذكر العبد لنعم الله عليه مخل بكمال عبادته فهذا باطل أيضا لأن عبادة الله شكرا على ما أتى من النعم وطلبا للمزيد من أرفع المقامات وقد قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا - إلى- شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ (٢)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ (٣) ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٤) و ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٥). ٦ - إستدل النيسبوري: (بأنه قيل لبني إسرائيل اذكروا نعمتي

стр. 456

ولأمة محمد اذكروني) وهذا منقوض بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (١)، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ (٢). ٧ - نقل من كلام النيسبوري ما يفيد أن عبادة الله لكونه إلاهاً وكون المخلوق عبداً لا يكون معها رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب وأنها هي أعلى الرتب ونحن نقول من مقتضى شعورك بعبوديتك شعورك بضعفك وفقرك وإن من مقتضى علمك بالله شهودك لقوته وفضله وذاك الشعور وهذا الشهود يبعثان فيك الرجاء والخوف فتكون وأنت تعبده لأنه إله ولأنك عبد راجيا خائفا. ودعوى تجرد العبادة عنهما قد أبطلناها بالأدلة السابقة. ٨ - نقل قول الإمام ابن العربي ((أمر الله عباده بعبادته وهي أداة الطاعة بصفة القربة وذلك بإخلاص النية بتجربد العمل عن كل شيء إلا لوجهه وذلك هو الإخلاص الذي تقدم بيانه)) ثم زعم هو من عنده أن من مقتضى تجريد العمل عن كل شيء تجريده من رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص هو ما كان لوجه الله لكونه إلاهاً لا غير. وهذا صريح منه في أن رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ .. (٣) " الآية، وقد تقدمت فخافوا وعملهم لوجه الله بنص القرآن. وروي الأئمة في الصحيح أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني أسمع الله

стр. 457

تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة الله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها حيث أراك الله. فقال رسول الله ﵌: بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح. فأقره على قوله أرجو برها وذخرها ولم يقل له أن هذا مناف للإخلاص كما يقول الشيخ، وهو يسمبط ويشنبط في كلام الإمام ابن العربي ثم مالك- ياخي- ولابن العربي حسبك ابن سينا وأمثاله الذين يحاولون تطبيق العبادة الإسلامية على الفلسفة اليونانية والآراء الأفلاطونية، أما إبن العربي فهو حكيم إسلامي وفقيه قرآني وعالم سني- حقيقي- لا يبني أنظاره إلا على أصول الإسلام ودلائل الكتاب والسنة. وهاك كلامه في إرادة المأذون فيه مع العبادة من أمور الدنيا بله الرجاء والخوف والسمع كلامه الصريح من الدليل الصحيح في الرد على مثل زعمك قال على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. المسألة الثانية: قال علماؤنا: (في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء إن الحج دون تجارة أفضل أجراً) وقال على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (١): (وهذا يدل على أن العبد يعمل محبة في الله ورسوله لذاتيهما وفي الدار الآخرة لما فيها من منفعة الثواب). ٩ - ونقل كلاما للإمام الغزالي في المحبة وقد قدمنا في الموضع

стр. 458

الثامن الكلام على مثله وبين أن المحبة عبادة وأنها موضوعة كسائر العبادات الشرعية على الرجاء والخوف بالأدلة المتقدمة. ١٠ - وقال: وكان من دعائه ﵌: (اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك) وقد تقرر أن خوفه خوف اجلال وتعظيم لا خوف النار والعقاب اهـ، ونقول أن خوف الإجلال لا يخرج به العبد عن ضعف وذل العبودية ومشاهدة قوة وفضل الربوبية فلا يتجرد خوفه الإجلالي عن خوف المؤاخذة: المؤاخذة التي ليست ناراً ولا عذاباً ولكنها مؤاخذة مناسبة لذلك المقام العالي بدليل أن إبراهيم- ﵊ وهو مثل نبينا ﵊ في العصمة وعدم النار والعقاب وقد خاف المؤاخذة فقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ولا خطيئة له ولجميع الأنبياء والمرسلين لا من الكبائر ولا من الصغائر على كل حال، وبدليل أنه هو ﵊ قال: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري، وليس هذه لذنب لا صغير ولا كبير وانما هو لعلمه بالله وعظيم حقه وشدة تعظيمه لربه فيخاف المؤاخذة فيطلب المغفرة فبان بهذا أن خوف الإجلال لا يتجرد عن خوف المؤاخذة. وبعد هذا البيان نقول لحضرته لا تستدل بالحديث دون بيان رتبته ولا ذكر لمخرجه، وما هكذا يكون استدلال الأمناء من العلماء وأنه يرمي الأحاديث هكذا مهملة اختلط الحق بالباطل وتجرأ على السنة النبوية الغبي والجاهل حتى بلغ الأمر إلى نسبة الأحاديث إلى كتب الإسلام المتفق عليها ولا وجود لها فيها، أما نحن فلا نعرف هذا الدعاء في الصحاح المتداولة عندنا فليتك تبين من أين جئت به حتى نعرف مقدار ما تعتمد في احتجاجك عليه.

стр. 459

١١ - وقال: فللأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- حالتان: حالة مع الله- تعالى- لا يرون فيها غير جلاله وعظمته: وحالة مع الخلق يستغفرون ويستعيذون من النار وسوء المنقلب وفتنة القبر والدجال، ويطلبون الرحمة والثواب والجنان اهـ، ونقول قد بينا أن رؤية جلال الله مما يبعث على الخوف من المؤاخذه كما مضى عن إبراهيم ومحمد- عليهما الصلاة والسلام- فلا يتجردون عن الخوف خوف الاجلال وخوف المؤاخذة في حالتهم مع الله وقد دل حديث عائشة الذي قدمناه أن النبي ﵌ كان في سجوده في جوف الليل والناس نيام فيما بينه وبين ربه استعاذ برضا الله من سخطه وبمعافاته من عقابه فكانوا يستعيذون ويرجون ويخافون في حالتهم مع الله وأما حالتهم مع الناس فإنهم كانوا يعلمون وكانوا يخبرون عن أنفسهم بخوفهم وطمعهم كما أخبر إبراهيم- عليه السبلام- بطمعه وأخبر محمد- ﵌ أصحابه بأنه أتقاهم لله وأخوفه له وأخبر عن استغفاره لربه وأخبارهم حق صدق لا شك فيه ولا يجوز أن يقال إنهم قالوه لمجرد التعليم وهو في الواقع لا حقيقة له إذ الإخبار عن النفس بشيء أنه كان وهو لم يكن هو الكذب الذي عصمهم الله منه ونزههم عنه ولو تفطن حضرته لهذا لما قال ما قال. ١٢ - وذكر حديث الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وهذا الحديث يقتضي دوام المراقبة لله عند كل حركة وسكون حتى لا تكون من العبد مخالفة فيهما وحتى يأتي بعبادته على غاية الإتقان في صورها وأتم الإخلاص بها وقد علمت أن من مقتضى العبادة الشرعية الشعور بضعف وذل وفقر العبودية أمام عزٍّ وقوة وفضل الربوبية فينبعث الرجاء والخوف في العابد وهما مما يحملانه على تمام الإحسان في العبادة بإتقانها والإخلاص

стр. 460

فيها. ثم من مقتضى مراقبة الله تعالى مشاهدته، أي مشاهدة جلاله وجماله: بصفات القهر والبطش والملك والسلطان، وجماله بصفات الفضل والرحمة والإحسان وبصدق المشاهدة لصفات الجلال يخاف العبد ويخشى وبصدق المشاهدة لصفات الجمال يرجو ويطمع فصدق الشهود لا يد معه من الرجاء والخوف وإذا غاب العبد عن الشعور بالموجودات فإنه لا يغيب عن مشاهدة جلال وجمال الذات الباعثين للخوف والرجاء وإذا لم يشهدهما وزعم أنه يشهد الذات مجردا فإنه لم يكن في الحقيقة مشاهدا بل غافلا معطلا جامدا وأما غيبوبة العابد عن نفسه- إن كانت- فإنها حالة عارضة غير ثابتة وليست مشروعة لا بنص من آية ولا من حديث عن أن تكون فاضلة كاملة. فالحديث دل على المراقبة والمشاهدة الشرعيتين اللتين يكون فيها العبد عابدا العبادة الشرعية الموضوعة على الرجاء والخوف حسب الادلة المتقدمة. ١٣ - ونقل كلام ابن سينا في كتاب الإشارات وكلام شراحه وهو مثل ما تقدم لنا إبطاله بأدلة الكتاب والسنة والشرح بهما لمعنى العبادة المشروعة. وإذ كنا نبحث عن العبادة التي شرعها الله لعباده على لسان رسوله فإننا لا نعرفها إلا من الكتاب والسنة وقد قدمنا من أدلتهما ما جلى المسألة للعيان وأغنى فيها عن كل كلام. وتلخص وتبين لنا مما تقدم أن العبادة المشروعة هي القصد إلى الطاعة مع الشعور بضعف العبد وذله، وحاجته وفقره ومشاهدته لجلال ربه وقدرته وعزته، وجماله وفضله ورحمته فيكون بتلك المشاهدة خائفا من عقابه أو مؤاخذته، راجيا لثوابه وإنعامه، وأن هذه العبادة هي عبادة الكمل من عباد الله الذين وصفهم بأفضل صفاتهم في كتابه وهي عبادة أنبيائه ورسله الذين ذكر عبادتم القرآن وهي عبادة محمد- ﵌ التي دلت عليها صحاح الآثار وعبادة أصحابه الثابتة في النقول، وخلصنا من هذا إلى أن
следующие страницы →