ولأمة محمد اذكروني) وهذا منقوض بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (١)، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ (٢).
٧ - نقل من كلام النيسبوري ما يفيد أن عبادة الله لكونه إلاهاً وكون المخلوق عبداً لا يكون معها رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب وأنها هي أعلى الرتب ونحن نقول من مقتضى شعورك بعبوديتك شعورك بضعفك وفقرك وإن من مقتضى علمك بالله شهودك لقوته وفضله وذاك الشعور وهذا الشهود يبعثان فيك الرجاء والخوف فتكون وأنت تعبده لأنه إله ولأنك عبد راجيا خائفا. ودعوى تجرد العبادة عنهما قد أبطلناها بالأدلة السابقة.
٨ - نقل قول الإمام ابن العربي ((أمر الله عباده بعبادته وهي أداة الطاعة بصفة القربة وذلك بإخلاص النية بتجربد العمل عن كل شيء إلا لوجهه وذلك هو الإخلاص الذي تقدم بيانه)) ثم زعم هو من عنده أن من مقتضى تجريد العمل عن كل شيء تجريده من رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص هو ما كان لوجه الله لكونه إلاهاً لا غير. وهذا صريح منه في أن رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ .. (٣) " الآية، وقد تقدمت فخافوا وعملهم لوجه الله بنص القرآن. وروي الأئمة في الصحيح أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني أسمع الله
стр. 457
تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة الله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها حيث أراك الله. فقال رسول الله ﵌: بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح. فأقره على قوله أرجو برها وذخرها ولم يقل له أن هذا مناف للإخلاص كما يقول الشيخ، وهو يسمبط ويشنبط في كلام الإمام ابن العربي ثم مالك- ياخي- ولابن العربي حسبك ابن سينا وأمثاله الذين يحاولون تطبيق العبادة الإسلامية على الفلسفة اليونانية والآراء الأفلاطونية، أما إبن العربي فهو حكيم إسلامي وفقيه قرآني وعالم سني- حقيقي- لا يبني أنظاره إلا على أصول الإسلام ودلائل الكتاب والسنة. وهاك كلامه في إرادة المأذون فيه مع العبادة من أمور الدنيا بله الرجاء والخوف والسمع كلامه الصريح من الدليل الصحيح في الرد على مثل زعمك قال على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
المسألة الثانية: قال علماؤنا: (في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء إن الحج دون تجارة أفضل أجراً) وقال على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (١): (وهذا يدل على أن العبد يعمل محبة في الله ورسوله لذاتيهما وفي الدار الآخرة لما فيها من منفعة الثواب).
٩ - ونقل كلاما للإمام الغزالي في المحبة وقد قدمنا في الموضع
стр. 458
الثامن الكلام على مثله وبين أن المحبة عبادة وأنها موضوعة كسائر العبادات الشرعية على الرجاء والخوف بالأدلة المتقدمة.
١٠ - وقال: وكان من دعائه ﵌:
(اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك) وقد تقرر أن خوفه خوف اجلال وتعظيم لا خوف النار والعقاب اهـ، ونقول أن خوف الإجلال لا يخرج به العبد عن ضعف وذل العبودية ومشاهدة قوة وفضل الربوبية فلا يتجرد خوفه الإجلالي عن خوف المؤاخذة: المؤاخذة التي ليست ناراً ولا عذاباً ولكنها مؤاخذة مناسبة لذلك المقام العالي بدليل أن إبراهيم- ﵊ وهو مثل نبينا ﵊ في العصمة وعدم النار والعقاب وقد خاف المؤاخذة فقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ولا خطيئة له ولجميع الأنبياء والمرسلين لا من الكبائر ولا من الصغائر على كل حال، وبدليل أنه هو ﵊ قال: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري، وليس هذه لذنب لا صغير ولا كبير وانما هو لعلمه بالله وعظيم حقه وشدة تعظيمه لربه فيخاف المؤاخذة فيطلب المغفرة فبان بهذا أن خوف الإجلال لا يتجرد عن خوف المؤاخذة. وبعد هذا البيان نقول لحضرته لا تستدل بالحديث دون بيان رتبته ولا ذكر لمخرجه، وما هكذا يكون استدلال الأمناء من العلماء وأنه يرمي الأحاديث هكذا مهملة اختلط الحق بالباطل وتجرأ على السنة النبوية الغبي والجاهل حتى بلغ الأمر إلى نسبة الأحاديث إلى كتب الإسلام المتفق عليها ولا وجود لها فيها، أما نحن فلا نعرف هذا الدعاء في الصحاح المتداولة عندنا فليتك تبين من أين جئت به حتى نعرف مقدار ما تعتمد في احتجاجك عليه.
стр. 459
١١ - وقال: فللأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- حالتان: حالة مع الله- تعالى- لا يرون فيها غير جلاله وعظمته: وحالة مع الخلق يستغفرون ويستعيذون من النار وسوء المنقلب وفتنة القبر والدجال، ويطلبون الرحمة والثواب والجنان اهـ، ونقول قد بينا أن رؤية جلال الله مما يبعث على الخوف من المؤاخذه كما مضى عن إبراهيم ومحمد- عليهما الصلاة والسلام- فلا يتجردون عن الخوف خوف الاجلال وخوف المؤاخذة في حالتهم مع الله وقد دل حديث عائشة الذي قدمناه أن النبي ﵌ كان في سجوده في جوف الليل والناس نيام فيما بينه وبين ربه استعاذ برضا الله من سخطه وبمعافاته من عقابه فكانوا يستعيذون ويرجون ويخافون في حالتهم مع الله وأما حالتهم مع الناس فإنهم كانوا يعلمون وكانوا يخبرون عن أنفسهم بخوفهم وطمعهم كما أخبر إبراهيم- عليه السبلام- بطمعه وأخبر محمد- ﵌ أصحابه بأنه أتقاهم لله وأخوفه له وأخبر عن استغفاره لربه وأخبارهم حق صدق لا شك فيه ولا يجوز أن يقال إنهم قالوه لمجرد التعليم وهو في الواقع لا حقيقة له إذ الإخبار عن النفس بشيء أنه كان وهو لم يكن هو الكذب الذي عصمهم الله منه ونزههم عنه ولو تفطن حضرته لهذا لما قال ما قال.
١٢ - وذكر حديث الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وهذا الحديث يقتضي دوام المراقبة لله عند كل حركة وسكون حتى لا تكون من العبد مخالفة فيهما وحتى يأتي بعبادته على غاية الإتقان في صورها وأتم الإخلاص بها وقد علمت أن من مقتضى العبادة الشرعية الشعور بضعف وذل وفقر العبودية أمام عزٍّ وقوة وفضل الربوبية فينبعث الرجاء والخوف في العابد وهما مما يحملانه على تمام الإحسان في العبادة بإتقانها والإخلاص
стр. 460
فيها. ثم من مقتضى مراقبة الله تعالى مشاهدته، أي مشاهدة جلاله وجماله: بصفات القهر والبطش والملك والسلطان، وجماله بصفات الفضل والرحمة والإحسان وبصدق المشاهدة لصفات الجلال يخاف العبد ويخشى وبصدق المشاهدة لصفات الجمال يرجو ويطمع فصدق الشهود لا يد معه من الرجاء والخوف وإذا غاب العبد عن الشعور بالموجودات فإنه لا يغيب عن مشاهدة جلال وجمال الذات الباعثين للخوف والرجاء وإذا لم يشهدهما وزعم أنه يشهد الذات مجردا فإنه لم يكن في الحقيقة مشاهدا بل غافلا معطلا جامدا وأما غيبوبة العابد عن نفسه- إن كانت- فإنها حالة عارضة غير ثابتة وليست مشروعة لا بنص من آية ولا من حديث عن أن تكون فاضلة كاملة. فالحديث دل على المراقبة والمشاهدة الشرعيتين اللتين يكون فيها العبد عابدا العبادة الشرعية الموضوعة على الرجاء والخوف حسب الادلة المتقدمة.
١٣ - ونقل كلام ابن سينا في كتاب الإشارات وكلام شراحه وهو مثل ما تقدم لنا إبطاله بأدلة الكتاب والسنة والشرح بهما لمعنى العبادة المشروعة. وإذ كنا نبحث عن العبادة التي شرعها الله لعباده على لسان رسوله فإننا لا نعرفها إلا من الكتاب والسنة وقد قدمنا من أدلتهما ما جلى المسألة للعيان وأغنى فيها عن كل كلام.
وتلخص وتبين لنا مما تقدم أن العبادة المشروعة هي القصد إلى الطاعة مع الشعور بضعف العبد وذله، وحاجته وفقره ومشاهدته لجلال ربه وقدرته وعزته، وجماله وفضله ورحمته فيكون بتلك المشاهدة خائفا من عقابه أو مؤاخذته، راجيا لثوابه وإنعامه، وأن هذه العبادة هي عبادة الكمل من عباد الله الذين وصفهم بأفضل صفاتهم في كتابه وهي عبادة أنبيائه ورسله الذين ذكر عبادتم القرآن وهي عبادة محمد- ﵌ التي دلت عليها صحاح الآثار وعبادة أصحابه الثابتة في النقول، وخلصنا من هذا إلى أن
стр. 461
العبادة المجردة عن الخوف والرجاء منافية لصدق مشاهدة الجلال والجمال مخالفة لعبادة الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين وأنه لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو سنة مثل واحد من الأدلة المتقدمة المتكاثرة وأنها ما دامت كذلك ليس لنا أن نعدها مشروعة فضلا عن أن نعدها كاملة فضلا عن أن ندعى أنها أكمل لأن مشروعية الشيء لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح. وأنى لنا ذلك في العبادة المجردة عن الرجاء والخوف والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين (١).
الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢).
المناسبة:
مضى وصفهم بأنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما، والصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر وتربي النفس على استصغار الدنيا وما فيها، وعلى تعظيم الرب والوقوف عند حدوده، فلا يعظم شيء من الدنيا عند أهل الصلاة فيمسكوا عن بذله في الحق، ولا يستهويهم شيء منها فينتهكوا لأجله حدود الله وحرماته. ولما كان المال هو أعز شيء من هذه الدنيا، وهو أعظم سبب لنيل مبتغياتها، وصفوا بأنهم في تصرفهم فيه على أكمل حال، وهي حالة العدل التي أثمرتها لهم الصلاة، فلا يمسكونه عن حق ولا يبذلونه في باطل.
стр. 462
المفردات:
أنفقوا: بذلوا المال في وجه من الوجوه. الإسراف: مجاوزة الحد المشروع. الإقتار والتقتير: التضييق. القوام: العدل بين الشيئين، أي المعتدل ما ينهما، وسمي العدل بين الشيئين قواما لاستقامة طرفيه واعتدالهما فلا إلى هذا ولا إلى ذاك.
التراكيب:
وكان: أي هو، أي إنفاقهم المفهوم من أنفقوا. بين ذلك: خبر كان، وقواما: حال مؤكدة، فلو قيل: وكان بين ذلك لكان كافياً، ولكن أكد بِقِوَاماً لما فيه من صريح اللفظ المفهم للعدل. والإنفاق يكون ولا يكون، والشأن أن يكون، ولهذا علق وكان التعليق بإذا، وقدم نفي السرف على نفي التقتير لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال، فينفقه في الخير وقد يبقى لغيره فينتفع به.
المعنى:
إذا أنفقوا أموالهم لم يتجاوزوا الحد المشروع ولم يضيقوا فيقصروا
في القدر المطلوب، وكان إنفاقهم بين التجاوز والتضييق عدلا مستويا لا إفراط فيه ولا تفريط، وصفهم بالقصد الذي هو وسط بين الغلو والتقصير وهو الحالة بين الحالتين والحسنة بين السيئتين.
تحديد:
الإسراف مذموم فهو ما كان في منهي عنه نهي تحريم أو كراهة، أو في مباح قد يؤدي إليهما. فالأول كمن أَوْلَمَ وليمة أنفق فيها جميع ماله، وأصبح بعدها هو وأهله للضبيعة والحاجة، والثاني كمن أَوْلَمَ وليمة دعته إلى الإستدانة وإن كان يظن القدرة على الأداء
стр. 463
لأن الدَّين محذر ومستعاذ منه، والثالث: كالإستمرار على إيلام الولائم مع القدرة عليها في الحال مما قد يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين في المآل.
والتقتير مذموم أيضا، فهو ما كان إمساكا عن مأمور به أمر وجوب، أو استحباب أو عن مباح يؤدِّي إليهما، فالأول: كمن يمسك عن أهله شحاً حتى يذيقهم ألم الجوع والبرد، والثاني: كمن لا يذيقهم بعض الطيبات التي يخص بها نفسه من السوق. والثالث: كمن يمسك عن تطبيب خاطر زوجته ببعض الكماليات مع قدرته عليها مما قد يفسد قلب زوجته عليه أو يحملها على ما لا يرضيه.
والقوام العدل هو الممدوح، فهو أن ينفق في الواجب والمندوب
وما يؤدي إليهما ويمسك عن المحرم والمكروه وما يؤدي إليهما ويتسع في الحلال دون مداومة في الأوقات واستيفاء لجميع اللذات واستهتار بالمشتهيات.
تطبيق:
حالة وطننا في الأعم الأغلب في الولائم والمآتم لا تخلو من السرف فيها الذي يؤدي إلى التقتير من بعدها فيكون الإثم قد أصاب صاحبها بنوعيه وأحاط به من ناحيتيه والشر يجر إلى الشر والإثم يهدي إلى مثله، وعلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين علق كثير ممن سمعناهم يشكون هذه الحالة آمالهم في معالجتها خصوصا في المآتم حقق الله الآمال. وثم نوع آخر موجود في غالب القطر ويكثر في بعض الجبال، وهو أن بعض المأمورين من بعض شيوخ الطوائف يأتون بثلة من أتباعهم فينزلون على المنتمين إليهم من ضعفاء الناس فيذبح لهم العناق إن كانت ويستدين لشرائها إن لم تكن ويفرغ المزاود ويكنس لهم ما في البيت ويصبح معدما فقيرا مدينا ويصبح من يومه صبيته يتضاغون
стр. 464
ويمسي أهل ذلك البيت المسكين يطحنهم البؤس ويميتهم الشقاء ميتات متعددة في اليوم وشر ما في هذا الشر أنه يرتكب باسم الدين ويحسبه الجهال أنه قربة لرب العالمين، فأما إذا جاء وقت الرحال إلى الأحياء والأموات وتقديم النذور والزيارات فحدث هنالك عن أنواع السرف والتكلفات والتضييع للحقوق والواجبات.
نصيحة:
فياليت الذين تأتيهم تلك الوفود يسألونهم فردا فردا عن حالهم ومن أين جاؤوهم بما جاؤوهم به من أموالهم فعساهم أن يطَّلعوا على بؤس أولئك المساكين فترق لهم قلوبهم ويرجعوا إليهم مالهم أو يزيدوهم من عندهم وليقتصروا على من يجدونهم أهل قدرة على ما دفعوه لهم من أموالهم فهذه نصيحة إذا عملوا بها خففت من الشر والبؤس عن الزائرين ومن الإثم واللوم عن المزورين. فهل بها من عاملين، وفقنا الله والمسلمين (١).
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٢).
سبب النزول:
ثبت في الصحيحين- واللفظ لمسلم- أن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر؟ قال: أن تدعو الله ندًّا
стр. 465
وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك. فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ- إلى- أَثَامًا﴾.
المطابقة بين الآية وسبب نزولها:
تواردت الآية والحديث في الإثم الأول على شيء واحد. وتوارد أيضاً في الثاني والثالث، إلا أن في الحديث ذكر فرد من العام هو شر أفراده وأكبرها إثماً، وفي الآية ذكر العام، ولا شك أنَّ شر قتل الولد لما في ذلك زيادة على قتل النفس من الخروج عن حنان الفطرة وارتكاب ضد ما توجبه الرعاية والكفالة، وسوء الظن بالله المتكفل برزق الخليقة. كما أن الزنى بحليلة الجار هو شر أفراد الزنى لما فيه زيادة على الزنى من انتهاك حرمة الجار وخيانة الأمانة، فإنهم ما تجاوروا حتى أمن بعضهم بعضا وأدخل الفساد على أساس التكوين الاجتماعي في الناس، وهو التجاور والتقارب.
المناسبة:
لما أثبت لهم أصول الطاعات في الآيات المتقدمة نفى عنهم أمهات المعاصي في هذه الآية تنبيها على أن الإيمان الكامل هو ما تثبت معه الطاعات وتنتفي المعاصي، وذلك هو غاية الإمتثال للأوامر والنواهي، وفيه تعريض بما كان عليه المشركون من الإتصاف بهذه المعاصي من دعائهم آلهتهم مع الله وقتلهم النفس وارتكابهم فاحشة الزنى. وقدم إثبات الطاعات على إنتفاء المعاصي تنبيها على أن من راض نفسه على الطاعة ودانت نفسه، والإنقياد للأوامر الشرعية ضعفت منه أو زالت دواعي الشر والفساد فانكف عن المعصية.
стр. 466
نكتة استطرادية:
فمن هنا نعلم أن على المسلم الذي يعمل لتزكية نفسه أن يواظب على الطاعات بأنواعها وأن يجتهد في حصول الأنس بها والخشوع فيها، فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه.
وجه ترتيب هذه الصفات المنفيات:
قامت الشريعة على المحافظة على حقوق الله وحقوق عباده، وحق
الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فمن دعا مع الله غيره وأشرك به سواه فقد أبطل حق الله وأعدم عبادته، ومن قتل النفس فقد تعدى على أول حق جعله الله لعباده بفضله وهو حق الوجود وعمل على إبطال وجودهم وفناء نوعهم وزوال عبادتم. فلهذا قرن قتل النفس بدعاء غير الله معه. ولما كان الزنى فيه بطلان النسب وفساد الخلق والجسد وذلك مؤد إلى الإضمحلال والزوال والشرور والأهوال قرن بقتل النفس فذلك قتل حقيقي وهذا قتل معنوي.
المفردات:
الدعاء: هو النداء لطلب أمر أو تنبيه عليه. الإله: هو المعبود. حرم الله النفس: جعل لها حرمة ومنعة فلا يجوز التعدي عليها ومادة (ح رم) تفيد المنع في جميع تصاريفها، الحق: هو الثابت من مقتضيات القتل في الشرع.
التراكيب:
وصف النفس بالإسم الموصول المعروف الصلة، لأن تحريم الله
لها أمر مركوز في النفوس معروف للبشر بما جاءهم من جميع الشرائع، وكان النفي للفعل بصيغة المضارع للإشارة إلى استمرار ذلك النفي.
стр. 467
المعنى:
والذين لا يدعون ولا يعبدون مع الله إلها آخر فيشركون به سواه في عبادتهم إياه ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة ويوحدونه في ربوبيته وألوهيته، ولا يقتلون النفس التي جعل الله لها حرمة وحرم قتلها بالسبب إلا الحق الثابت في دين الله المعارض لحرمتها المقتضي لقتلها بالزنى بعد الإحصان أو الكفر بعد الإيمان أو القتل للنفس العمد العدوان، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج.
مزيد بيان لتوحيد الرحمن:
من دعا غير الله فقد عبده. ما يزل الذكر الحكيم يسمي العبادة
دعاء يعبر به عنها. ذلك لأنه عبادة فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها فإن العابد يظهر ذله أمام عز المعبود وفقره أمام غناه وعجزه أمام قدرته وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه، ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه. فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله، ولهذا كان مخ عبادته. وقد جاء التنبيه على هذا في السنة المطهرة، فعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله- صلى الله عيه وآله وسلم-: الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. رواه أحمد والترمذي وأبو داوود ﵏ والنسائي وابن ماجة. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله- ﵌: الدعاء مخ العبادة رواه الترمذي- ﵁ فتطابق الأثر والنظر على أن الدعاء عبادة. فمن دعا غير الله فقد عبده، وإذا كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة فالحقيقة لا ترتفع بعدم تسميته
стр. 468
لها باسمها وتسميته لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته.
من دعا شيئا فقد اتخذه إلها:
لما ثبت أن الدعاء عبادة فالدَّاعي عابد والمدعو معبود والمعبود إله، فمن دعا شيئا فقد اتخده إلهه لأنه فعل له ما لا يفعل إلا للاله، فهو وإن لم يسمه إلها بقوله فقد سماه بفعله. ألا ترى إلى أهل الكتاب لما اتبعوا أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم- وهما لا يكونان إلا من الرب الحق العالم بالمصالح- قال الله تعالى فيهم: (﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). وإن كانوا لا يسمونهم أربابا فحكم عليهم بفعلهم ولم يعتبر منهم عدم التسمية لهم أربابا بألسنتهم). فكذلك يقال فيمن دعا شيئا أنه اتخذه إلهاً نظرا لفعله وهو دعاؤه، ولا عبرة بعدم تسميته له إلها بلسانه. وفي حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره أنه قال للنبي- ﵌ لما سمعه يقرأ هذه الآية، إنهم لم يكونوا يعبدونهم، فقال رسول الله- ﵌: أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه! قال: قلت: نعم، فتلك عبادتهم إياهم. قال الإمام الجصَّاص: ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم بالمصالح ثم قلد هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم وقبلوه منهم وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل صاروا متخذين لهم أربابا إذ نزولهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب اهـ وعلى وزانه نقول: لما كان الدعاء عبادة والعبادة لا تكون إلا للاله كان الداعي لشيء من المخلوقات متخذا اياه إلهاً لما نزله
стр. 469
بدعائه إياه منزلة الاله، سواء دعاه وحده دون الله أو دعاه مع الله والعياذ بالله.
تحذير وإرشاد:
ما أكثر ما تسمع في دعاء الناس "يا ربي والشيخ"، "يا ربي وناس ربي"، "يا ربي والناس الملاح" وهذا من دعاء غير الله مع الله فإياك أيها المسلم وإياه. وادع الله ربك وخالقك وحده وحده، وحده، وأنف الشرك راغم.
الوعد بالعذاب الشديد:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (١).
المناسبة:
إذا أمر القرآن بشيء ذكر فائدته وثمرته للعباد في الدارين، وكذلك إذا نهى عن شيء ذكر مضرته وسوء عاقبته عليهم فيهما، فلما ذكر في صدر الآية نفي تلك المعاصي عن عباد الرحمن الذي يفيد النهي عنها ذكر هذا الوعيد لبيان سوء عاقبتها وقبح أثرها.
نكتة استطرادية:
هذه هي سنة القرآن في التربية وهي أنجح الطرق في جعل المأمور والمنهي يمتثل للأمر والنهي من كل نفسه ويعمل لتنفيذهما بعقله وإرادته، فالتربية التي تنبني على امتثال الأمر والنهي من غير المعصوم
стр. 470
والإنقياد لهما إنقيادا أعمى، مخالفة لتربية القرآن، والخير كله في اتباع القرآن في جميع ما يفيده القرآن.
المفردات:
إسم الإشارة راجع للثلاثة المذكورة من قبل. يلق: يقابل ويصادف وينال، آثاما: عقابا جزاء على إثمه، فالأثام جزاء الإثم. يضاعف: يزاد له على الأصل فيعذب عذابين أو أنواعا من العذاب، يخلد: يلقى، وطول البقاء يسمِّه خلودا كما قالت العرب في أثافي الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال لا لدوام بقائها إذ لا دوام لها، وعلى هذا قول المخبَّل السعدي (١):
إِلاَّ رَمَادًا هَامِدًا دَفَعَتْ ... عَنْهُ الرِّيَاحَ خَوَالِدٌ سُحْمُ
المهان: الذليل المحتقر الذي يفعل به ما يذله ويحقره.
التراكيب:
يضاعف بدل من يلق، بدل كل من كل، قال الخليل: لأن مضاعفة العذاب هي لقي الاثام، وعندي أنه بدل بعض من كل لان لقي العذاب جزاء على تلك الاثام يكون في الدنيا والآخرة، ومضاعفة العذاب والخلود فيه تكون في الآخرة، وبهذا تكون الآية قد أفادت أن المرتكب لما تقدم من المعاصي الشرك وقتل النفس والزنى ينال جزاءه دنيا وأخرى، وعذاب الآخرة المضاعف المستمر أشد وأبقى، وهذا هو الجاري على سنة القرآن في التخويف بسوء عاقبة المعصية عاجلا وآجلا، والتنبيه على أن الآجل أشد وأفدح من العاجل.
стр. 471
المعنى:
ومن يأت هذه الأفعال فدعا مع الله إلها آخر أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق أو زنى فإنه يلقى وينال جزاء معصيته في دنياه وجزاءها في أخراه ويكون عذابه عليها في الآخرة مضاعفا مزيدا عليه أنواع ويستمر فيه باقيا مذللا محقرا.
توجيه:
إنما ضوعف لأهل هذه الكبائر العذاب، لأن كل كبيرة منها مضاعفة المفاسد والشرور ففي دعاء غير الله الجهل بالله والكفر بنعمة الله والإبطال لحق الله، وفي قتل النفس تأييم وتيتيم وتأليم لغير من قتل وفتح لباب شر بين أولياء القاتل والمقتول وتعد على جميع النوع وتهوين لهذا الجرم الكبير، وفي الزنى جناية على النسل المقطوع وعلى من ادخل عليهم من الزنى من ليس منهم، وعلى أصحاب الارث في خروج حقهم لغيرهم وغير ما ذكرنا في جميعها كثير، فكانت المضاعفة من باب جعل الجزاء من جنس العمل وهو من مقتضى الحكمة والعدل.
تذكير:
يذكرنا القرآن بمضاعفة العذاب على كبائر الأثام لنذكر عندما تحدثنا أنفسنا بالمعصية سوء عاقبتها وتعدد شرورها وتشعب مفاسدها ومضاعفة العذاب بحسب ذلك عليها لنزدجر وننكف فنسلم من الشر المتراكم والعذاب المضاعف ونفوز بأجر التذكر وثمرة التذكير.
جعلنا الله والمسلمين ممن انتفع بالذكرى وسلم من فتن الدنيا والأخرى بمنه وكرمه آمين (١).
стр. 472
إِسْتِثْنَاءُ التَّائِبِينَ مِنَ الْمُذْنِبَينِ
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)
ــ
سبب النزول:
أخرج الشيخان عن ابن عباس- ﵄ واللفظ لمسلم، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى ﴿مُهَانًا﴾. فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى آخر الآية.
المناسبة:
لما ذكر تعالى عظائم الذنوب وأكبر كبائرها وتوعد بالوعيد الشديد عليها، عقبها بذكر التوبة منها ورغب فيها لينبه عباده على طريق الرجوع إليه، وأن من تاب منهم إلى الله تاب الله عليه.
المفردات:
التوبة: الرجوع إلى الله، أي الرجوع من معصية الله إلى طاعته،
стр. 473
وذلك بالندم على ما فات والعزم على عدم العود إليه وهذان من عمل القلب. وبالإقلاع عما هو متلبس به وهذا من عمل الجوارح، الإيمان عندما يذكر مع الأعمال يراد به تصديق القلب ويقينه واطمئنانه بعقائد الحق، والعمل الصالح هو العمل الطيب المشروع من طاعة الله على العباد سواء كان من عمل الباطن، وهو عمل القلب، أو من عمل الظاهر، وهو عمل الجوارح، والعمل الصالح من ثمرات الايمان الدال وجودها على وجوده وكمالها على كماله ونقصها على نقصه وعدمها على اضطرابه ووشك انحلاله واضمحلاله. التبديل: التحويل فتجعل الحسنة مكان السيئة. الغفور: الستار للذنوب المتجاوز عنها. الرحيم: المنعم الدائم الإنعام.
التراكيب:
إلاّ من تَابَ: استثناء من يفعل استثناء متصلاً لأن الذي يتوب من جملة من فعل والفاء في (فأولئك) تفريعية لتفرع التبديل على التوبة وعاطفة لجملة أولئك على جملة استثني التي قامت مقامها إلا، كما عطفت عليها الجملة الأخيرة جملة وكان، ونظير هذا: من يقم منكم فله درهم إلا زيدا فله درهمان.
المعنى:
يستثني من ذلك الوعيد الشديد بمضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا من رجع إلى الله من الشرك وقتل النفس والزنى بالتوبة الصادقة وشفع توبته بالعمل الصالح الدال على صدق تلك التوبة، فهؤلاء بتوبتهم وعملهم الصالح يقبلهم الله ويجعل مكان سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا يتجاوز عن ذنوب عباده ضد تجاوز عما كان منهم من شرك أو قتل أو زنا رحيما منعما على عباده فقد أنعم عليهم بالحسنات مكان ما تقدم من سيئاتهم.
стр. 474
ترتيب وتوجيه:
يكون العاصي في غمرات معصيته فإذا ذكر الله ووفقه الله أسف على حاله ورجع إلى ربه، وهذه أول الدرجات في توبته فإذا استشعر قلبه اليقين واطمأن قلبه بذكر الله صمم على الإعراض عن المعصية والإقبال على الطاعة، فإذا كان صادقا في هذا العزم فلا بد أن يظهر أثر ذلك على عمله، فلهذا روعيت الحالة الأولى فذكرت التوبة والثانية فذكر الإيمان والثالثة فذكر عمل صالح.
تأييد واقتداء:
روى الأئمة عن كعب بن مالك- ﵁ أحد الثلاثة الذين خلفوا أنه لما جلس بين يدي النبي- ﵌ بعد ما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن انخلع من مالي إلى الله وإلى رسول الله ﵌، فقال رسول الله- ﵌: أمسك بعض مالك فهو خير لك، قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي هو بخيبر. فهذا الصحابي الجليل رأى أن من توبته أن يعمل هذا العمل الصالح ليكون دليلا على صدق توبته كما اقتضته الآية، فتأيد بفهمه ما قدمنا وكان خير قدوة للتائبين.
وجوه التبديل:
لما كانت السيئة لا تنقلب حسنة كان معنى التبديل هو جعل الحسنة مكان السيئة وهذا على وجوه أولها محق السيئات الماضية بالتوبه وكتابة حسنة التوبة وما فيها من عمل باطن وظاهر كما تقدم. وثانيهما تركه المعصية وإتيانه بالعمل الصالح، فصار يعمل الصالحات بعد ما كان يعمل السيئات. وثالثهما أن نفسه كانبت بالمعصية مظلمة شريرة
стр. 475
فتصير بالتوبة والعمل الصالح منيرة خيرة فالتبديل في الكتب والعمل وحالة النفس.
مسألتان أصوليتان:
الأولى: هل يخرج غير التائب من النار: استثنى الله التائب من مضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا، فبقي غير التائب للخلود. والخلود كما قدمنا في الآية السابقة طول البقاء، ولا يقتضي التأييد فقد يكون معه التأييد وقد لا يكون، فمع التأييد لا خروج ومع عدمه الخروج. وغير التائب الذي بقي للخلود المطلق في الآية هو المشرك والقاتل والزاني، فأما المشرك فلا خروج له من النار لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأما القاتل والزاني إذا كانا من أهل الإيمان فإنهما يخرجان بعد شديد العذاب بما معهما من الإيمان لأحاديث صحيحة منها ما رواه الشيخان البخاري والمسلم عن أنس- ﵃:
"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ذرة"، زاد البخاري في رواية قتادة عن أنس: "من إيمان" مكان "خير". وهذا من عدل الله ورحمته، فإنه أذاقهم من العذاب الشديد والهوان المخزي جزاءهم، ثم أخرجهم من النار وما أضاع عليهم إيمانهم. إن الله بالناس لرؤوف رحيم.
الثانية: هل لقاتل النفس ظلما وعدوانا من توبة: ذهب ابن عباس
في المشهود عنه الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لا توبة له، وقال في هذه الآية إنها نزلت في المشركين، وذكر سبب نزولها كما تقدم وقال- إثره-: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له
стр. 476
وقال في هذه الآية أنها آية مكية نسختها آية مدنية وهي آية الفرقان (١): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ومراده بالنسخ التخصص، يعني أن لفظة من في ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عامة تشمل القاتل فتقتضي بعمومها أن له توبة وأن آية الفرقان (النساء) التي جاءت في القاتل خصصتها وأخرجته من عمومها. قال ابن رشد- بنقل الابي-: وإلى هذا ذهب مالك لأنه قال: "لا يؤم القاتل وإن تاب" قال ابن رشد: وهذا لأن القتل فيه حق لله وحق للمقتول، وشرط التوبة من مظالم العباد رد التبعات أو التحلل، وهذا لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يعفو عنه المقتول قبل القتل. وذهب جمهور السلف وأهل السنة إلى أنَّ للقاتل توبة، ونظروا في هذه الآية إلى عموم لفظها لا إلى خصوص سبب نزولها، وجعلوا عموم ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾ في آية الفرقان (النساء) مخصصا بمن تاب المستثنى في هذه الآية فابن عباس خصص من تاب بمن يقتل، وهم عكسوا فخصصوا من يقتل بمن تاب، ويرجح تخصيصهم العمومات الدالة على قبول التوبة من كل مذنب مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) وقوله: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣) وقوله: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ (٤).
стр. 477
وحديث التائب من الذنب كمن لا ذنب له في عمومات كثيرة، والظواهر إذا كثرت تفيد القطع.
قدوة في الفتوى:
قال ابن رشد: كان ابن شهاب إذا سئل يستفهم السائل ويطاوله فإن ظهر له أنه لم يقتل يفتيه بأنه لا توبة له وإن تعرف بأنه قتل أفتاه بأن التوبة تصح. قال ابن رشد: وإنه لحسن من الفتوى. فهكذا ينبغي مراعاة الأحوال في تنزيل الأقوال، فإن من لم يقتل يجب التشديد عليه وسد الباب في وجهه، ومن قتل ينبغي ترغيبه في الرجوع إلى الله، وفي مراعاة هذا الأصل والإقتداء بهذا الإمام فوائد كثيرة في الحث على الخير والكف عن الشر والحكيم من ينزل الأشياء في منازلها كانت أعمالا أو كانت أقوالا.
ترهيب:
ما أعظم هذا الذنب وما أكبره. ونعوذ بالله من ذنب اختلف أئمة السلف في قبول توبة مرتكبة، وقد أجمعوا على قبول توبة الكافر، ولعظم شأن الدماء كانت أول ما يقضي فيه يوم القيامة بين الخلق فأيَّاك أيها الأخ أن تلقي الله تعالى بمشاركة في سفك قطرة من دم ظلما ولو بكلمة، فإن الأمر صعب والموقف خطير.
بِشَارَةُ التَّائِبِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ:
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ (١).
стр. 478
المناسبة:
لما أفادت الآية السابقة أن التوبة تمحو السيئات، جاءت هذه الآية إثرها تبين ما لأهلها من جزيل الإنعامات وعظيم الدرجات.
المفردات:
المتاب: مصدر كالمرجع.
التراكيب:
خالف جواب الشرط وهو يتوب فعل الشرط وهو تاب بمتعلقه وهو إلى الله ومعموله وهو متابا، وعبر بالمضارع في الجواب ليفيد التجدد باعتبار تجدد المثوبات للراجعين إلى الله، وتنوين متابا تنوين تفخيم وتعظيم.
المعنى:
ومن تاب التوبة الصادقة وعمل عملا صالحا دليلا على صدق توبته فإنه يرجع إلى الله الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحسن لقاءهم ويجزل ثوابهم، رجوعا وأي رجوع رجوع العز والتكريم إلى الحليم الكريم.
ترغيب:
دعا الله بهذا عباده المذنبين حتى لا يتسرب القنوط إلى قلوبهم، وهو محرم عليهم ولا يحول بينهم وبين خالقهم ذنب، وإن عظم، ورغبهم في التوبة بأنها رجوع إليه وكفى، وأن الرجوع إليه فيه من الخير والشرف فوق ما تصوره الألفاط، فما أحلمه من رب كريم وما أرحمه بعباده المذنبين، فهذا داعي الله فأجيبوه وهذا باب الله فَلِجُوه فإنكم مهما رجعتم إليه لا تطردون ومهما قصدتم إليه تقبلوا وتكرموا.
стр. 479
اللهم فكما فتحت لنا بابك فوفقنا إليه وتب علينا لنتوب إنك أنت التواب الرحيم (١).
الصِّفَةُ التَّاسِعَةُ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ... ﴾ (٣).
المناسبة:
لما وصفهم بالصفات المتقدمة الدالة كلها على كمال أخلاقهم، واستقامة أعمالهم في ظواهرهم وبواطنهم، بأنبائها على قوة إيمانهم، وصحة علمهم، فكانوا أهل الحق المتصفين به في علمهم وعملهم، القائمين عليه في جميع أحوالهم، وصفهم هنا ببعدهم عن الباطل، ومشاهده، ومجانبتهم لأهله.
المفردات:
الشهود: هو الحضور الذي يكون فيه إدراك بالحواس أو بالبصيرة. والشهادة هي الإخبار عن علم حصل عن شهود. ولا يشهدون: يحتمل أن يكون من الشهود وأن يكون من الشهادة. والزور: أصله الميل ويطلق على الكذب لأنه ميل عن الحقيقة وعلى كل باطل من الأقوال، والأعمال، لأنه ميل عن الحق.
التراكيب:
إذا كان ﴿لَا يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى لا يحضرون فالزور مفعول به، وإذا كان بمعنى لا يخبرون فالزور مفعول مطلق بعد حذف المضاف، والأصل: ولا يشهدون شهادة الزور.
стр. 480
المعني:
- على الإحتمال الأول- والذين لا يحضرون مشاهدة الباطل والإثم من كل من مجلس تتعدى فيه الحدود، أو تنتهك فيه الحرمات أو يحكم فيه بالجور، أو تعظم فيه الطواغيت أو يدعى فيه بدعوى الجاهلية، أو تحيا فيه معالم الوثنية أو تطمس فيه السنة النبوية أو يدعي فيه أحد مع الله، أو يضرع إلى سواه. وعلى الاحتمال الثاني- والذين لا يشهدون شهادة الزور ولايخبرون إلا بالحق الواقع.
ترجيع وترجيح:
يلزم من أنهم لا يشهدون مشاهدة الباطل أنهم لا يشهدون بالزور لوجهين: الأول لأنهم إذا كانوا لا يحضرون مجالس الباطل فبالأحرى أنهم لا يقولونه. والثاني أن يشهد شيادة الزور من مشاهد الباطل التي لا يحضرونها. فيكون الوجه الأول أولى لأنه أشمل.
توسع في البيان:
على أنه من بلاغة القرآن أن تأتي مثل هذه الآيات بوجوه من الاحتمالات متناسبات غير متناقضاته فتكون الآية الواحدة بتلك الاحتمالات كأنها آيات نظير مجيء الآية بقراءتين: فتكون كآيتين مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا - فَتَثَبَّتُوا﴾ (١) وقوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢) بالنصب عطفاً على الوجه فيفيد غسل الأرجل، وتلك هي الحالة
стр. 481
الأصلية العامة. وبالخفض عطفا على الرؤوس فيفيد مسح الأرجل وتلك هي حالة الرخصة عند لبس الخفاف. فتكون هذه الآية باحتمالها مفيدة تنزههم عن شهود الباطل وعن شهادته.
موعظة:
قال جار الله في الكشاف عن هؤلاء الموصوفين من عباد الرحمن: إنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يحضرونها ولا يقربونها تنزها عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينهم عما يثلمه، لأن مشاهدة الباطل شركة فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعلية في الإثم لأن حضورهم دليل الرضا به وسبب وجوده والزيادة فيه لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه. وهذا كما قال فإن حضور مشاهد الباطل إقرار لأهلها عليها وترك للنهي عن المنكر، وقد قال الله تعاله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) فتعم الآية كل ظالم فلا تجوز لأحد مجالستهم مع ترك النكير عليهم، ولا
стр. 482
يكفي أن ينكر ويجلس لأنه يكون ببقائه معهم، قد أظل ما يدلُّ على الرضا بفعلهم ونقض بالفعل إنكاره عليهم بالقول، وروى الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله- ﵌: (لا يقفن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه). فأخبر أن اللعنة تنزل على الحاضرين لعدم دفعهم، واقتضى أنهم غير راضين بقلوبهم، وأحرى إذا رضوا فلا يجوز من هذا الحديث وغيره حضور الظلم والقبائح مع عدم دفعها، ولو مع عدم الرضا بها. وروى الشيخان عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله- ﵌ قال لأصحابه: لما وصلوا الحجر ديار ثمود- ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم)) فإذا كان هذا فيمن ماتوا من أهل العذاب فمثلهم مجالس أهل السوء والفساد، فإذا نزلت اللعنة والعذاب عمتهم ومن كان معهم، وشهادة الزور المرادة بالنص على الوجه الثاني أو اللزوم على الوجه الأول من أكبر الذنوب إثما، وشر الكبائر مفسدة تنقلب بها الحقائق وتضيع بها الحقوق وتبطل المعاملات وتزول الثقة بين الناس وتتعرض النفوس والأموال والأعراض للأذى والشر، وتنعدم طمأنينة الناس على ما يعلمون من أنفسهم. وصح عنه عليه وآله الصلاة والسلام أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وشهادة الزور وقول الزور) وكان متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا (شفقة عليه) ليته سكت. فجلس لها وبقي يكررها لعظم شرها وكبر مفسدتها وعظم الإثم فيها
стр. 483
على حسب ذلك منها. أعاذنا الله والمسلمين منها ومن كل زور وذي زور.
الصِّفَةُ الْعَاشِرَةُ:
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١)
المناسبة:
نفى عنهم فيما تقدم حضور مشاهد الزور وأخبر هنا أنهم لا يقفون
عند اللغو عندما يمرون عليه ترقيا في وصفهم بالبعد عن الباطل والإثم والعبث ومجالبة أهله.
المفردات:
اللغو: مصدر لغا يلغو، أى قال باطلا فهو القول الباطل ومثله الفعل الباطل من كل ما لا فائدة فيه ولا نتيجة له مما شأنه أن يلغي ويطرح. والكريم: الخالص العنصر فهو الزكي غير المتدنس، ومن مقتضى ذلك حسن أخلاقه واستقامة أعماله وسلامته من الرذائل.
التراكيب:
كراما حال من فاعل مروا الثاني ليبين وصفهم عند المرور.
المعنى:
وإذا مروا في طريقهم بقول يقال أو فعل يفعل مما لا فائدة فيه جاوزوه معرضين عنه أزكياء غير متدنسين بشيء ولا متلفتين لأهله.
موعظة .
في الإقبال على اللغو شغل للباطل به وتكدير للخاطر بظلمته،
стр. 484
وتضييع للوقت فيه، ولكل كلمة تسمعها أو فعلة تشهدها أثر في حياتك، وإن قلَّ، وقد يعقبها ضدها فتزول بعد ما شغلت وعطلت، وقد يردفها مثلها فتثبت وتنمو وتسوء عاقبتها ولو بعد حين، وبقدر ما تلتفت إلى اللغو تلتفت عن كرمك، وبقدر ما يعلق بك منه ينقص من زكائك وبقدر ما تتساهل بالوقوف عليه تقرب من الدخول فيه وإذا دخلت فيه واستأنست بأهله جرك إلى الزور وعظائم الأمور وللشرِّ أسباب متواصلة وأنساب متصلة يؤدي بعضها إلى بعض فينتقل المغرور الغافل من خفيها إلى جليها، ومن صغيرها إلى كبيرها، فالحازم من لم يسامح نفسه في قليلها، وتباعد كل البعد عنها، وعن أهلها، وقد هدتنا هذه الآيات لنهتدي وذكرت عباد الرحمن لنقتدي والله المستعان ولا توفيق إلا به (١).
الصِّفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٢).
المناسبة:
لما وصفهم فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإكبابهم عليه متفهمين مستبصرين.
الألفاظ:
ذكروا: وعظوا ونبهوا. بآيات ربهم: هي آيات القرآن، وفيها
стр. 485
التذكير بآيات الأكوان التي ترى بالعيان. الخرور: هو السقوط كسقوط الساجد، الأصم: فاقد حاسة السمع أو الذي لا يتدبر ما يسمع فلا ينتفع به وهو المراد هنا. والأعمى: فاقد حاسة البصر، أي الذي لا يعتبر فيما يبصر فلا ينتفع به، ويكون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك القلبي، وهو عمى البصيرة وما هنا يحتمل الوجهين الأخيرين.
التراكيب:
عبر بإذا لأن التذكير مما هو واقع محقق كالذي يسمع من القرآن
في الصلاة من الخطب في الجمع. وبنى الفعل للنائب لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذكر كان. وصما وعميانا: حال من الواو ضمير الجماعة في لم يخروا، والنفي منصب على الحال التي هي قيد في الكلام وإذا كان الكلام مقيدا بقيد كما هنا فإن النفي ينصب على ذلك القيد في غالب الاستعمال العربي، ونظيره ما رأيت زيدا راكبا نفيا للركوب لا للروية، ولا يلقاني مسلما نفيا للسلام لا للقاء، فلم ينف عنهم الخرور وإنما نفى عنهم الصمم والعمى عند الخرور.
المعنى:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم إذا ذكرهم مذكر بآيات ربهم التي أنزلها على نبيهم- ﵌ بما فيها من ذكر مخلوقاته وإنعاماته وأيامه في أوليائه وأعدائه ووعده ووعيده وترغيبه وترهيبه، أقبلوا عليها وأكبوا على سماعها بآذان واعية، وأبصار راعية، وقلوب حاضرة، وعقول متدبرة، لا كمن يقبلون عليها ويكبون على سماعها ولكنهم لا يسمعون ولا يبصرون لأنهم لا يعقلون ولا يتدبرون.
стр. 486
عموم الحاجة للتذكير:
بعد ما ذكر تعالى من صفات عباد الرحمن ما ذكر ذكر استماعهم للتذكير تنبيها على أن التذكير محتاج إليه في كل حال فإذا كان الموصوفون بتلك الصفات يحتاجون إليه فغيرهم أولى وذلك لأن الغفلة من طبع الإنسان ودوام الغفلة صدأ القلوب وصقالها هو التذكير.
قبول التذكير من كل مذكر:
كما تقبل كلمة الحق من كل قائل كذلك يقبل التذكير من كل مذكر ولو كان المذكر من كمل العباد والمذكر من أوساطهم أو أدناهم وفي عباد الرحمن المذكورين في استماعهم إذا ذكروا من أي مذكر، القدوة الحسنة.
ما يكون به التذكير:
قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) فالتذكير بآيات القرآن والأحاديث النبوية هذا هو التذكير المشروع المتبوع والدواء الناجع المجرب ولذلك تجد مواعظ السلف كلها مبنية عليه راجعة إليه، والنصح لله ولرسوله وللمسلمين في لزوم ذلك والسير عليه.
стр. 487
أقسام الناس عند التذكير:
الناس عند تلاوة القرآن على قسمين معرضين ومقبلين. فالمعرضون غير المؤمنين. والمقبلون على قسمين مقبلين بظاهرهم دون باطنهم ومقبلين بظاهرهم وباطنهم، فالمقبلون بظاهرهم دون باطنهم هم المنافقون، والمقبلون بظاهرهم وباطنهم على قسمين: مستمعين مستبصربن حاضرين متدبرين، وغافلين غير متدبرين غير سامعين ولا مبصرين، والأقسام كلها مذمومة إلا قسم المقبلين بظواهرهم وبواطنهم المستمعين المستبصرين، وهذا القسم هو الذي وصف به عباد الرحمن فكانوا مباينين لأهل الإعراض من الكافرين والمنافقين ولأهل الغفلة وعدم التدبر من المؤمنين.
تحذير وتنبيه:
قد صورت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ينكب عليه ويتلقاه بالقبول ثم لا يتفهمه ولا يتدبره بحالة الأصم الأعمى في عدم انتفاعه بما انكب عليه تقبيحا لعدم التفهم والتدبر من المؤمن للآيات وتحذيرا منه وتنبيها على أن الإنتفاع بالقرآن الذي تتفتح به البصائر وتتسع به المدارك وتتهذب به الأخلاق وتتزكى به النفوس وتتقوم به الأعمال وتستقيم به الأحوال إنما يكون بتفهمه وتدبره دون مجرد الانكباب عليه بلا تفهم ولا تدبر.
أمر وإرشاد:
الآيات الدالة على طلب التدبر والتفهم لآيات القرآن العظيم كثيرة منها هذه الآية ومنها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١)
стр. 488
فعلينا أن نحضر قلوبنا عند سماعها ونستعمل عقولنا في فهمها ونحمل أنفسنا على الاتِّعاظ بها، فإذا صدقت النية وأخلص التوجه فتح على العبد من وجوه العلم والعمل- بإذن الله- بما لم يكن له في بال، وأن الله وصف هذا الكتاب بأنه مبارك لزيادة خيراته وتيسيره للذاكرين- ترغيبا لنا في فهمه وتدبره واستنزال الخيرات واستزادة البركات منه، فاقبل- يا أخى على القرآن على استماعه وعلى تفهمه والزم ذلك حتى يصير عادة لك وملكة فيك- تر من فضل الله وإقباله عليه ما يدنيك- إن شاء الله- ويعليك ويعود بالخير الجزيل عليك .. والله نسأل لنا ولكم الإقبال على الله بتلاوة وتدبر كتابه، والتأدب بجميع آدابه حتى نحشر في زمرة أحبابه، بمنه وكرمه آمنين (١).
الصِّفَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٢).
المناسبة:
لما وصفهم في الآيات المتقدمة بما دل على أنهم أهل خير وكمال
في أنفسهم وصفهم في هذه بما دل على محبتهم الخير والكمال لغيرهم من قرابتهم أزواجهم وذريتهم ومن سواهم، وقدم الأزواج على الذرية لأنهم ألصق ولأنهم الأصل.
стр. 489
فقه هذه المناسبة:
فطر الإنسان على محبته لنفسه لتحمله هذه الفطرة على المحافظة عليها والدفاع عنها وتكميلها بكل وجوه الكمال. وكان من مقتضى هذه المحبة رغبته في الوجود والبقاء ومما هو قوة في وجوده ومظهر لبقائه أن يرى الناس على فكره وصفاته وأحواله، فيرى نفسه ممثلة في غيره، وأفكاره وصفاته وأحواله باقية ببقاء الناس، فالخير الكامل من طبعه ومن مقتضى فطرته أنه يحب انتشار الخير والكمال في الناس. والشرير الناقص من طبعه ومن مقتضى فطرته أنه يحب انشار الشر والنقص فيهم فلذا كان لازما لتتميم وصف عباد الرحمن ذكر محبتهم الخير والكمال لغيرهم.
ميزان هذه المناسبة:
قد تخفي عليك دخيلة نفس الإنسان فيمكنك أن تعرفها بما يجري به لسانه فإذا جرت كلماته بمحبة انتشار الخير والكمال، فهو من أهلهما وإذا جرت بالضد فهو على الضد. فما يحب الإنسان انتشاره هو الدليل على صفات نفسه وهو ميزان تزنه به في الشر والخير والنقص والكمال.
المفرادت:
الهبة: العطاء من غير عوض، ولا تكون على الحقيقة التامة إلا من الله، فهو الغني الوهاب. من: ابتدائية فمن ناحية الأزواج والذرية تكون قرة الأعين، الأزواج: جمع زوج، وهو يصدق على الرجل والمرأة، والنساء شقائق الرجال، وهذا الدعاء كما يكون من المؤمنين يكون من المؤمنات، كما تصدق الآيات المتقدمة على الموصوفين من الصنفين بتلك الصفات. الذرية: ما تناسل منهم من أبنائهم وبناتهم، وقرئت بالإفراد لاتحادها في أصل النسل، وبالجمع
стр. 490
لاختلافها في الفروع والانساب. قرة الأعين: بردها إن كانت من القر وهو البرد. وسكونها إن كانت من القرور، بمعنى الاستقرار، الإمام: هو المتبع المقتدى به وأفرد لأن المراد به الجنس، وحسن الافراد من جهة اللفظ لوقوعه فاصلة على وزان ما قبلها وما بعدها ومن جهة المعنى، أن أئمة الهدى كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم بالسير على الصراط المستقيم واتحاد وجهتهم بالقصد إلى الله تعالى وحده.
التراكيب:
قرة أعين: تركيب كنائي، فإذا كان القرة من القر فهو كناية عن السرور، لأن العين في حالة السرور باردة، وإذا سَالَتْ منها دموع في حالة الفرح كانت باردة، وإذا كان الإنسان في حالة حزن فالعين تكون سخنة بسبب ثورة النفس وآلامها التي تثير الحرارة، فإذا سَالَتْ منها دموع الحزن كانت سخنة ومما يقال على هذا أقر الله عين المحق وأسخن عين المبطل وجاء عليه قول أبي تمام (١):
فَأَمَّا عُيُونُ الْعَاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتْ
فقرة أعينهم على هذا كناية عن سرورهم بأزواجهم وذريتيم، بما يرونهم عليه من الخير والكمال، وإعانتهم لهم عليهما. وإذا كانت القرة من القرور فهي كناية عن سكون النفس بحصولها على ما يرضيها من الأزواج والذرية، ومعنى هذا أن النفس إذا لم تحصل على ما يرضيها تعلقت بما عند غيرها وتشوقت إليه، فتمتد إليه العين ويطمح إليه
стр. 491
البصر، وإذا حصلت على ما يرضيها زالت عن ذلك التعلق وانكفت عن التشوف فسكنت العين فلم تمتد إلى غير ما عندها ولم يطمح البصر إليه، ولهذا كما كان قرور العين كناية عن رضى النفس وسكونها كان امتداد العين كناية عن اضطراب النفس وتشوفها وتعلقها وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١). فقرة أعينهم على هذا كناية عن رضى أنفسهم بما يكون لهم من أزواج وذرية موصوفين بالصفات المرضية من طاعة الله في القيام بوظائف الدين والدنيا وإعانتهم لهم على القيام بها.
المعنى:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون ربهم يسألونه أن يهب لهم أزواجا وذرية تقر بهم أعينهم بأن يكونوا موصوفين بمثل صفاتهم سائرين على منهاجهم معينين لهم على ما هم عليه، ويسألونه أن يكونوا على أكمل حال في العلم والعمل والإستقامة يقتدي بهم فيها المتقون.
الأحكم:
الأول: التزوج وطلب النسل هو السنة، سنة النبي- ﵌ وسنة أصحابه عليهم الرضوان، وسنة عباد الرحمن، وليس من شريعته الحنيفية السمحة الرهبانية والتبثل، وقد رأى قوم من الزهاد رجحان الإنقطاع إلى العبادة على التزوج والإشتغال بالسعي على الزوج والذرية فرد عليهم أئمة الدين والفتوى بأنَّ في التزوج
стр. 492
اتباعا للسنة، وفي السعي على الأهل ما هو من أعظم العبادة، وفي التزوج تكثير سواد الأمة والمدافعين عن الملة والقائمين بمصالح الدين والدنيا، وفي هذا ما فيه من الأجر والمثوبة. وفي التبتل مخالفة السنة وانقطاع النسل وضعف الأمة وتعطيل المصالح وخراب العمران وكفى بهذا كله شرا وفسادا.
الثاني: سؤال العبد من ربه أن يهب له من الزوج والذرية ما تقرء به عينه، يقتضي سعيه بقدر استطاعته لتحصيل ذلك فيهما ليقوم بالسببين المشروعين من السعي والدعاء، فعليه أن يختار ويجتهد عندما يريد التزوج، وأن يقصد إلى ذات الدين، وفي اختياره واجتهاده في جانب الزوجة سعي في اختيار الولد، فإن الزوجة الصالحة شأنها أن تربي أولادها على الخير والصلاح. ثم عليه أن يقوم بتعليم زوجه وأولاده وتهذيبهم وإرشادهم فيكون قد قام بما عليه في الإبتداء والإستمرار مع دوام التضرع إلى الله تعالى والابتهال.
الثالث: ما تقرُّ به الأعين يحصل به الفرح والسرور فالفرح والسرور بما هو خير وطاعة من حيث أنه نعمة من الله وفضل محمود ومشروع.
الرابع: طلب الرتب العليا، في الخير والكمال، والسبق إليها والتقدم فيها مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ لأن طلب الكمال كمال ولأن من كانت غايته الرتب العليا إنْ لَم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإنْ لم يساو أهلَها لم يبعد عنهم. ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص ومن لم تكن له غاية سامية قصر في السعي وتوانى في العمل، فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد وحتى يكون في مظنه الوصول بصحة القصد وصدق النية.
стр. 493
الخامس: من الدين الإقتداء بأهل العلم والعمل والإستقامة في الهدى والسمت.
السادس: لا يكون الإمام إلا تقياً فاق غيره في التقوى.
السابع: إن اقتداء المتقين بأئمتهم إنما هو في التقوى لأنهم ما كانوا أئمة إلاَّ بها. فالآية أفادت إن المتقين يقتدون بأئمتهم وإن أئمتهم متقون مثلهم وأكمل منهم في التقوى، وأن اقتداءهم بهم في التقوى لا في غيرها فمن حاد عنها فلا إمامة له.
تمييز:
الخير الكامل المقدم في الخير والكمال المقتدى به فيهما إذا طلب الإمامة من حيث الخير والكمال نفسهما ومن حيث حمل الناس عليهما بالقدوة الصالحة فيهما، لأن فعل الخير والاتصاف بالكمال دعوة إليهما بالعمل وهي أبلغ من الدعوة بالقول، ومن حيث انتشارهما في الناس وسعادة الناس بهما، إذا طلب الإمامة من هذه الحيثيات فطلبه مشروع محمود وهو طلب عباد الرحمن المذكور في الآية، وإذا طلب الإمامة والتقدم لأجل الترأس والتقدم فهذا طلب مذموم من عمل المتكبرين لا من عمل المتقين، فعلى الداعي أن يميز هذا التمييز ليخلص القصد في دعائه ويكون على صواب فيه.
كلمة عظيمة من إمام عظيم:
قال مجاهد- التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير-:
((أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا)) ذكره البخاري ورواه ابن جرير بسند صحيح. يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم، فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم فليسوا أهلاً
стр. 494
لأن يقتدي بهم من بعدهم فكل من اخترع وابتدع في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح فهو ساقط عن رتبة الإمامة فيه.
سلوك واقتداء:
كان الأعرابي الجاهل المشرك يأتي للنبي- صلى الله عليه وآلهه وسلم- فيؤمن به ويصحبه يتعلم منه الدين، ويأخذ عنه الهدى، فيستنير عقله بعقائد الحق وتتزكى نفسه بصفات الفضل، وتستقيم أعماله على طريق الهدى، فيرجع إلى قومه هادياً مهدياً، أما ما يقتدي به، ويؤخذ عنه كما اقتدى هو بالنبي- ﵌ وأخذ عنه. فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله وأحاديث رسوله ما يصحح عقده ويزكي نفسه ويقوِّم عمله وليطبق ما يسمعه على نفسه وليجاهد في تنفيذه على ظاهره وباطنه وليداوم على هذا حتى يبلغ إلى ما قدر له من كمال فيه فيرجع وهو قد صار قدوة لغيره، في حاله، وسلوكه، وطلبة العلم الذين (١) وهبوا نفوسهم لله وقصروا أعمارهم على طلب العلم لدعوة الخلق إلى الله هم المطالبون على الأخص بهذا السلوك ليصلوا إلى إمامة الحق. وهداية الخلق، على أكمل حالة ومن أقرب طربق. فاللهم وفقنا واهدنا إلى سنة نبينا إذا اقتدينا وإذا اقتدي بنا آمين. يا رب العالمين (٢).
стр. 495
جَزَاءُ عِبَادُ الرَّحْمَنِ
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (١).
المناسبة وفقهها:
لما ذكر في الآيات المتقدمة صفاتهم وأعمالهم ذكر ما أعدَّ لهم
من عظيم الجزاء عدلى تلك الأعمال تنبيها على ما وضعه تعالى بمشيئته وحكمته ورحمته من الارتباط بين هذه الأعمال، وهذا الجزاء، وإفضائها إليه إفضاء السبب لمسببه ليسعى الراجون لهذا الجزاء من طريق هذه الصفات وهذه الأعمال كما يسعى لسائر المسببات من طريق أسبابها وتوقي جميع الأمور من أبوابها. وفي هذا حث لأهل هذه الأعمال على التمسك بما هم به عاملون. وتنبيه لأهل الغرور على بطلان ما هم به مغترون ((والكيس من دان نفسه (قهرها على الطاعة وحاسبها) وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)).
المفردات:
يجزون: يعطون في مقابلة أعمالهم، الغرفة: البيت الأعلى فوق بيت، وأل: فيه للجنس فيصدق بالمتعدد. صبروا: حسبوا نفوسهم.