البصر، وإذا حصلت على ما يرضيها زالت عن ذلك التعلق وانكفت عن التشوف فسكنت العين فلم تمتد إلى غير ما عندها ولم يطمح البصر إليه، ولهذا كما كان قرور العين كناية عن رضى النفس وسكونها كان امتداد العين كناية عن اضطراب النفس وتشوفها وتعلقها وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١). فقرة أعينهم على هذا كناية عن رضى أنفسهم بما يكون لهم من أزواج وذرية موصوفين بالصفات المرضية من طاعة الله في القيام بوظائف الدين والدنيا وإعانتهم لهم على القيام بها.
المعنى:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون ربهم يسألونه أن يهب لهم أزواجا وذرية تقر بهم أعينهم بأن يكونوا موصوفين بمثل صفاتهم سائرين على منهاجهم معينين لهم على ما هم عليه، ويسألونه أن يكونوا على أكمل حال في العلم والعمل والإستقامة يقتدي بهم فيها المتقون.
الأحكم:
الأول: التزوج وطلب النسل هو السنة، سنة النبي- ﵌ وسنة أصحابه عليهم الرضوان، وسنة عباد الرحمن، وليس من شريعته الحنيفية السمحة الرهبانية والتبثل، وقد رأى قوم من الزهاد رجحان الإنقطاع إلى العبادة على التزوج والإشتغال بالسعي على الزوج والذرية فرد عليهم أئمة الدين والفتوى بأنَّ في التزوج
стр. 492
اتباعا للسنة، وفي السعي على الأهل ما هو من أعظم العبادة، وفي التزوج تكثير سواد الأمة والمدافعين عن الملة والقائمين بمصالح الدين والدنيا، وفي هذا ما فيه من الأجر والمثوبة. وفي التبتل مخالفة السنة وانقطاع النسل وضعف الأمة وتعطيل المصالح وخراب العمران وكفى بهذا كله شرا وفسادا.
الثاني: سؤال العبد من ربه أن يهب له من الزوج والذرية ما تقرء به عينه، يقتضي سعيه بقدر استطاعته لتحصيل ذلك فيهما ليقوم بالسببين المشروعين من السعي والدعاء، فعليه أن يختار ويجتهد عندما يريد التزوج، وأن يقصد إلى ذات الدين، وفي اختياره واجتهاده في جانب الزوجة سعي في اختيار الولد، فإن الزوجة الصالحة شأنها أن تربي أولادها على الخير والصلاح. ثم عليه أن يقوم بتعليم زوجه وأولاده وتهذيبهم وإرشادهم فيكون قد قام بما عليه في الإبتداء والإستمرار مع دوام التضرع إلى الله تعالى والابتهال.
الثالث: ما تقرُّ به الأعين يحصل به الفرح والسرور فالفرح والسرور بما هو خير وطاعة من حيث أنه نعمة من الله وفضل محمود ومشروع.
الرابع: طلب الرتب العليا، في الخير والكمال، والسبق إليها والتقدم فيها مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ لأن طلب الكمال كمال ولأن من كانت غايته الرتب العليا إنْ لَم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإنْ لم يساو أهلَها لم يبعد عنهم. ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص ومن لم تكن له غاية سامية قصر في السعي وتوانى في العمل، فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد وحتى يكون في مظنه الوصول بصحة القصد وصدق النية.
стр. 493
الخامس: من الدين الإقتداء بأهل العلم والعمل والإستقامة في الهدى والسمت.
السادس: لا يكون الإمام إلا تقياً فاق غيره في التقوى.
السابع: إن اقتداء المتقين بأئمتهم إنما هو في التقوى لأنهم ما كانوا أئمة إلاَّ بها. فالآية أفادت إن المتقين يقتدون بأئمتهم وإن أئمتهم متقون مثلهم وأكمل منهم في التقوى، وأن اقتداءهم بهم في التقوى لا في غيرها فمن حاد عنها فلا إمامة له.
تمييز:
الخير الكامل المقدم في الخير والكمال المقتدى به فيهما إذا طلب الإمامة من حيث الخير والكمال نفسهما ومن حيث حمل الناس عليهما بالقدوة الصالحة فيهما، لأن فعل الخير والاتصاف بالكمال دعوة إليهما بالعمل وهي أبلغ من الدعوة بالقول، ومن حيث انتشارهما في الناس وسعادة الناس بهما، إذا طلب الإمامة من هذه الحيثيات فطلبه مشروع محمود وهو طلب عباد الرحمن المذكور في الآية، وإذا طلب الإمامة والتقدم لأجل الترأس والتقدم فهذا طلب مذموم من عمل المتكبرين لا من عمل المتقين، فعلى الداعي أن يميز هذا التمييز ليخلص القصد في دعائه ويكون على صواب فيه.
كلمة عظيمة من إمام عظيم:
قال مجاهد- التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير-:
((أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا)) ذكره البخاري ورواه ابن جرير بسند صحيح. يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم، فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم فليسوا أهلاً
стр. 494
لأن يقتدي بهم من بعدهم فكل من اخترع وابتدع في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح فهو ساقط عن رتبة الإمامة فيه.
سلوك واقتداء:
كان الأعرابي الجاهل المشرك يأتي للنبي- صلى الله عليه وآلهه وسلم- فيؤمن به ويصحبه يتعلم منه الدين، ويأخذ عنه الهدى، فيستنير عقله بعقائد الحق وتتزكى نفسه بصفات الفضل، وتستقيم أعماله على طريق الهدى، فيرجع إلى قومه هادياً مهدياً، أما ما يقتدي به، ويؤخذ عنه كما اقتدى هو بالنبي- ﵌ وأخذ عنه. فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله وأحاديث رسوله ما يصحح عقده ويزكي نفسه ويقوِّم عمله وليطبق ما يسمعه على نفسه وليجاهد في تنفيذه على ظاهره وباطنه وليداوم على هذا حتى يبلغ إلى ما قدر له من كمال فيه فيرجع وهو قد صار قدوة لغيره، في حاله، وسلوكه، وطلبة العلم الذين (١) وهبوا نفوسهم لله وقصروا أعمارهم على طلب العلم لدعوة الخلق إلى الله هم المطالبون على الأخص بهذا السلوك ليصلوا إلى إمامة الحق. وهداية الخلق، على أكمل حالة ومن أقرب طربق. فاللهم وفقنا واهدنا إلى سنة نبينا إذا اقتدينا وإذا اقتدي بنا آمين. يا رب العالمين (٢).
стр. 495
جَزَاءُ عِبَادُ الرَّحْمَنِ
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (١).
المناسبة وفقهها:
لما ذكر في الآيات المتقدمة صفاتهم وأعمالهم ذكر ما أعدَّ لهم
من عظيم الجزاء عدلى تلك الأعمال تنبيها على ما وضعه تعالى بمشيئته وحكمته ورحمته من الارتباط بين هذه الأعمال، وهذا الجزاء، وإفضائها إليه إفضاء السبب لمسببه ليسعى الراجون لهذا الجزاء من طريق هذه الصفات وهذه الأعمال كما يسعى لسائر المسببات من طريق أسبابها وتوقي جميع الأمور من أبوابها. وفي هذا حث لأهل هذه الأعمال على التمسك بما هم به عاملون. وتنبيه لأهل الغرور على بطلان ما هم به مغترون ((والكيس من دان نفسه (قهرها على الطاعة وحاسبها) وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)).
المفردات:
يجزون: يعطون في مقابلة أعمالهم، الغرفة: البيت الأعلى فوق بيت، وأل: فيه للجنس فيصدق بالمتعدد. صبروا: حسبوا نفوسهم.
стр. 496
والباء: فيه سببية. يلقون: من لقي بمعنى يجدون. ويلقون: من لقي بمعنى تلقيهم الملائكة أي تقابلهم وتتلقاهم. تحية: دعاء بالحياة. سلاما: دعاء بالسلامة. خالدين: باقين. مستقرا: هو المكان الذي ينتهي إليه من غيره ويثبت فيه. مقاما: هو المكان الذي يقام ويمكث فيه.
التركيب:
جملة أولئك مستأنفة بيانيا، فإنَّ تلك الصفات والأعمال تشوق السامع إلى معرفة ما لهم وثمرة أعمالهم فيسأل عنهما، فكانت الجملة جواباً لذلك السؤال المقدَّر وعرف المسند إليه بالإشارة تنبيها على أن استحقاقه للمسند كان بما تقدم من صفات. وجملة (حسنت) مستأنفة بيانياً، لأن من عرف حالتهم من الحياة والسلامة والبقاء يتشوف لمعرفة حال مكان هذه الحياة السالمة الباقية فيسأل عنه فوقعت جملة حسنت موقع الجواب عن هذا السؤال المقدَّر. وهي إنشائية أفادت إنشاء مدح الغرف بالحسن، وتعظيم ذلك الحسن وقدم المستقر لأن أول الحلول استقرار، والمقام ببقاء الإستقرار واستمرار المكث.
المعنى:
أولئك الذين ذكرت صفاتهم وأفعالم يعطون جزاء أعمالهم البيوت العلالي في الجنة بسبب صبرهم وحبسهم لأنفسهم على الطاعات والمجاهدات وكفهم لها عن المعاصي والشهوات، وتتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام، باقين في هذا النعيم المقيم وسكنى علالي الجنة التي هي أحسن مستقر ينتهي إليه الإنسان ومقام يمكث فيه.
تطبيق حديث وفقهه:
" روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري- ﵃ أن رسول
стр. 497
الله- ﵌ قال: "إن إهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى- والذي نفسي بيده- رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ... )، فهذا الحديث بيَّن أن أهل الغرف هم أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة في الجنة بهذا المقدار من البعد، فهم الموصوفون بالصفات المذكورة في الآيات المتقدمة على أتمها، ومن لم يكن مثلهم فيها لم يكن في منازلهم التي جوزوا بها عليها وكان على حسب حظه من الإيمان في منزلة من منازل أهل الجنة الذين يتراءون أهل الغرف. فدرجات أهل الجنة في منازلهم على حسب سلوكهم في أعمالهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).
دلالة:
دلت الآية على السبب الذي أفضى بهم إلى هذا الجزاء العظيم وهو أعمالهم، ودلت على السبب الذي تمكنوا به من القيام بهذه الأعمال وهو الصبر لقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ومن أعظم الحكمة معرفة الأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض، فلا ينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات إلاَّ من صبر، والصبر خلق من الأخلاق التي تتربى وتنمو بالمران والدوام، فواجب على المكلف أن يجعل تربية نفسه عليه وتعويدها به من أكبر همه، إذ لا يقوم بالتكاليف
стр. 498
الشرعية إلا به بل ولا يستطيع الحياة في هذه الدار الدُّنيا الموضوعة على المحنة والإبتلاء إلا إذا تمسك بسببه.
بيان القرآن للقرآن:
في هذه الآية إنهم يلقون تحية وسلاما وقد بين من يتلقاهم بذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (١). فالملائكة هم الذين يتلقونهم بالسلام والدعاء لهم بالطيب وهو مما يدخل في التحية، لأن من طيبهم طيب حياتهم، وما أكثر ما تجد في القرآن بيان القرآن، فاجعله من بالك تهتد- إن شاء الله- إليه.
إقتداء ورجاء:
هؤلاء هم السالكون وما ذكر من أعمالهم وأحوالهم هو سلوكهم،
ولما سلكوا الصراط المستقيم بالعمل المستقيم انتهى بهم السير إلى أحسن قرار ومقام، إلى دار النعيم المقيم في جوار الرحمن الرحيم، فإذا اشتقت إلى نهايتهم فتمسك ببدايتهم وزن أعمالك بأعمالهم وأحوالك بأحوالهم، فإذا جعلت ذلك من همك، وحملت عليه نفسك بصادق عزمك وصبرت كما صبروا رجوت أن تظفر بما ظفروا، فالله نسأل لنا ولك وللمسلمين صحة الاقتداء وصدق الرجاء، وحسن الجزاء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). (٣)
стр. 499
قِيمَةُ الْعِبَادِ عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَدَرِ عِبَادَتِهِمْ
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (١).
ــ
المناسبة:
قد أفادت الآيات السابقة كمال حال عباد الرحمن في نفوسهم وعقولهم وأخلاقهم وأعمالهم، وأفادت عظيم منزلتهم عند ربهم ورفيع ما أُعدَّ لهم من درجاتهم جزاء على صالحاتهم وحسناتهم، وجاءت هذه الآية تفيد أن ذلك المقام العظيم الذي كان لهم عند ربهم إنما هو بسبب عبادتهم، وتعلن للناس أن عبادتهم هي الشيء الوحيد الذي يكون لهم به قدر وقيمة عند ربهم وبدونها لا يكون لهم وزن عند خالقهم ولا يكونون شيئا يبالي به. وأن من كذب وخلع بتكذيبه ربقة العبادة فقد حقَّت عليه كلمة العذاب، وهو واقع به لا محالة.
المفردات:
ما يعبؤ بكم: ما يبالي بكم، العبء: هو الثقل فما عبأت به بمعنى ما كان له عندي وزن ولا مقدار، وعبأت به كان له عندي وزن ومقدار، وعدِّي بالباء لأنه بمعنى ما باليت، دعاؤكم: عبادتكم من إطلاق الجزء على الكل. كذبتم: كفرتم فلم تعبدوا. لزاما: ملازما واصل اللزام مصدر لازم واختير هنا للتنبيه على أن بين المكذبين
стр. 500
والعذاب ملازمة من الطرفين فهم بتكذيبهم قد ألزموا أنفسهم العذاب فلازمهم العذاب.
التراكيب:
جواب لولا محذوف لدلالة ما تقدم وتقدير الكلام: لولا دعاؤكم ما عبأ بكم، وجملة فقد كذبتم واقعة موقع التعليل الكلام مقدر تقديره- والله أعلم- لا يعبأ بكم فقد كذبتم، أي لأنكم قد كذبتم فالفاء تعليلية وأما جملة فسوف يكون فمتسببة عما قبلها فالفاء فيها سببية. وضمير يكون عائد على العذاب المفهوم من المقام.
المعنى:
قل للذين أرْسِلْتَ إليهم ما يبالي بكم ربِّي ولا يعبأ بكم ولا يكون لكم عنده وزن لولا إيمانكم وعبادتكم، فإذا كذبتم وكفرتم فهو لا يعبأ بكم وسوف يكون العذاب ملازما بسبب تكديبكم.
تحرير في المخاطب:
المخاطبون هم الذين كذبوا، ثم ان ما لحقم بسبب التكذيب من العذاب الملازم، فهو خاص بهم وبالمكذبين أمثالهم، وما كان موجها لم من جهة أنهم عباد- وهو أن الله لا يعبأ بهم لولا دعاؤهم- فهو عام لجميع العباد لمماثلتهم لهم في العبودية لله واستغناء الله عنهم وفرض العبادة عليهم وعدم التقدير لهم إلا بها.
تفسير أثري:
أخرج البخاري في كتاب التفسير، عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام. ورواه في مواضع أخرى من صحيحه. وعنى بالدخان
стр. 501
المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) وبالقمر المذكور في: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وبالبطشة المذكورة في: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ (٣) وباللزام المذكور في هذه الآية. وفسَّر ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر، وفسر اللزام به أيضاً فهي في الحقيقة أربع وعدها خمسا باعتبار الوصفين البطش والملازمة. وفسر الحسن اللزام بعذاب يوم القيامة ومن عادة السلف أنهم يفسرون اللفظ بما يدخل في عمومه دون قصد للقصر عليه ولا منافاة حينئذ بين التفسيرين فيكونون قد توعدوا تكذيبهم بلزوم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
ترهيب:
رتب لزوم العذاب على التكذيب فأعظم العذاب لأكمل التكذبب وهو تكذيب الكفر ثم أصناف العذاب لازمة لتكذيب العصيان بالعدل والحكمة في التفسير والترتيب.
إستنباط:
لما كانت مقادير العباد عند ربهم بحسب عبادتهم فالأنبياء- ﵈ أعلى الناس منزلة عند الله هم أعظمهم عبادة لله، وهم أتقاهم له، وأشدهم، خشية منه. وقد قال النبي- ﵌ فيما رواه مالك وغيره ((والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وألمكم بما أتقي)). وقال أيضاً: ((والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده)).
стр. 502
سؤال استطرادي وجوابه:
كيف يخشى وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ أجاب العلماء عن هذا بأجوبة منه أنه لا يخشى العقاب ولكنه يخشى العتاب ومنها- وهو قول الأكثر- أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بشرط امتثاله لما أمر به. ذكر هذين ابن العربي في "القبس" ومنها أنها خشية الإجلال ومشاهدة عظمة الربوبية وأنه لا يجب عليه تعالى شيء. وهذان (١) الحديثان الصحيحان من الأدلة الصريحة عند أهل العلم على أن العبادة الشرعية الإسلامية لا تتجرد من الخوف حتى عبادة أفضل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
تعليل:
الإنسان مهيأ للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي وهو روحه، ومعرض للسقوط والنقصان بما فيه من أخلاط عناصر جزئه الأرضي الظلمائي وهو جسده، ولا يخلص من كدرت جثمانه ولا ينجو من أسباب نقصانه إلا بعبادة ربه التي بها صفاء عقله وزكاء نفسه وطهارة بدنه في ظاهره وباطه فبعبادة ربه يكمل فيرقى في مراتب الكمال ويدنو من الملأ الأعلى عند الرب الأعلى ذي الجلال والإكرام فالله طيب لا يقبل إلا الطيب وإليه يصعد الكلم الطيب، ولا طيب ولا كمال إلا للعابدين فلا قيمة ولا قبول لغيرهم عند رب العالمين.
إرشاد وتحذير:
قد بيَّن لك الطريق الذي يوصلك إلى مولاك، ويرقيك في مراتب كمالك وعلاك، وما هو إلاَّ عبادة ربك. فكن عبدا له في اختيارك واضطرارك وفي جميع أحوالك، واحذر أن تعتمد على شيء
стр. 503
غير عبادته، واحذر أن تتوجه بشيء من عبادتك لغيره، ومن عبادتك بل هو مخ عبادتك، ودعاؤك وسؤالك واستغاثتك فإياك إياك أن تتوجه بشيء منه لغيره، فكن دائما عبداً لله وكن دائما عبدا له وحده فذلك حقه عليك وذلك السبب الوحيد الذي ينجيك ويعليك.
والله نسأل أن يقصرنا على عبادته، ويديمنا على الإخلاص في التوجه إليه حتى نلقاه على ملة الإسلام وهدى عباده الصالحين آمين يا رب العالمين (١).
стр. 504
انتهى الجزء الأول من المجلد الأول من هذا الكتاب، وقد اشتمل على مدخل الحياة العقلية والثقافية للمغرب الإسلامي، وعلى حياة الأستاذ الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعلى آثاره المتعلقة بالتفسير وشرح الحديث. ويليه الجزء الثاني من المجلد الأول، وفيه تتمة دروس التفسير وشرح الأحاديث.
стр. 505
آثاَرُ ابْنُ بَادِيسَ
стр. 506
الطبعة الأولى
عام ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ ميلادية
يشتمل المجلد الأول من هذه الطبعة على مدخل للحياة العقلية والثقافية للمغرب الإسلامي، وعلى حياة ابن باديس وآثاره المتعلقة بالتفسير، وشرح الحديث، ويشتمل المجلد الثاني على المقالات الاجتماعية والتربوية والأخلاقية والدينية والسياسية التي دبجها يراع الشيخ الإمام الأستاذ عبد الحميد ابن باديس.
وقد كلفت دار اليقظة العربية لجنة من كبار علماء دمشق للقيام بتصحيح آثار ابن باديس أثناء طبعها، وذلك حرصا منها على أن يصدر هذا الكتاب الذي له أهمية بالغة في النهضة الإسلامية العربية الحديثة في المغرب الإسلامي سليما من الأخطاء، خاليا من التحريف
стр. 507
كتاب
آثار ابن باديس
المجلد الأول
تفسير وشرح أحاديث
اعداد وتصنيف
الأستاذ عمّار طالبي
بالإشتراك مع الناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما
الجزائر-٢٤ شارع عزون هاتف ٥٦ - ٧٦ - ٦٢
стр. 508
طبع هذا الكتاب بموافقة واشراف
الناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما
الجزائر- ٢٤ شارع عزون هاتف ٥٦ - ٧٦ - ٦٢
ملتزم الطبع والتوزيع
في الأقطار العربية والبلاد الأجنبية دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر
стр. 509
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر
كتاب
آثار ابن باديس
الجزء الثاني من
المجلد الأول
تفسير وشرح أحاديث
إعداد وتصنيف الأستاذ عمّار طالبي
بالإشتراك مع دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر
الطبعة الأولى ١٣٨٨ هجرية - ١٩٦٨ ميلادية
стр. 510
جميع حقوق الترجمة والطبع والنشر والاقتباس محفوظة للناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر
стр. 511
- صورة -
.....
العلامة الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة بالمغرب العربي وقائد الحركة الإصلاحية ومؤسسها بالجزائر
ــ
стр. 512
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الأول
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)
ــ
تمهيد:
النبوة:
منزلة من الكمال التام البشري يهيء الله لها من يشاء من عباده فيكون بذلك مستعدا لتلقي الوحي والاتصال بعالم الملائكة ولتحمل أعباء ما يلقى إليه وتكاليف تبليغه بالقول والعمل، وتحمل كل بلاء يلقاه في سبيل ذلك التبليغ.
و الملك:
ولاية على المجتمع لحفط نظامه، تقتضي عموم النظر وشمول التصرف في روابط الناس ومعاملاتهم وتصرفاتهم، وتسييرهم في ذلك كله على أصول عادلة توصل كل أحد إلى حقه وتكـ فه (٢) عن حق غيره، ليعيشوا في رخاء وسلام، ويبلغوا غاية ما يستطيعون من متع الحياة.
стр. 513
وقد يتصف الشخص بالنبوة دون الملك فيكون مبلغا عن الله ولا يكون له التنفيذ والإدارة والتنظيم، وقد يتصف الشخص بالملك دون النبوة؛ وقد وجد الشخصان في شمويل وطالوت فكان الأول نبيا وكان الثاني ملكا كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (١) وقد يجمع بينهما مثل داود وسليمان ﵉.
ثم إن الملك قد تكون الأصول التي يستند إليها مستمدة من أوضاع البشر لحفط مصالحهم في الحياة الدنيا ليكون ملكا بشريا. وقد تكون الأصول مستمدة من وحْي الله بما فيه حفظ مصالح العباد في الدنيا وتحصيل سعادتهم فيها وفي الأخرى فيكون ملك نبوة.
ومن طبيعة ملك النبوة إلتزام الحق ونصرته حيثما كان، بإقامة ميزان العدل في القول والحكم والشهادة بين الناس أجمعين، المعادين والموالين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢) ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣) ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا
стр. 514
الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١). وبالوفاء بالعقود والعهود بين الأفراد والجماعات كما قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (٣) ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٤)
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٥). وبغير هذا من وجوه إلتزام الحق ونصرته.
ومن طبيعته بث الخير بين الناس بنشر الهداية والإحسان دون تمييز بين الأجناس والألوان كما قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦) ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧)
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
стр. 515
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (١).
ومن طبيعة الدعوة إلى القوة والتنويه بها وبناء الحياة عليها، لكن في نطاق العدل والرحمة ولدفاع المعتدين، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢) ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣) وقبلها: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ فقوة الحديد لحفظ الكتاب، والميزان وحمل الناس عليها. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
ومن طبيعته الدعوة إلى الجمال والتحبيب فيه في جميع مظاهر الحياة لكن في نطاق الفضيلة والعفاف كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، (٦)، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
стр. 516
صُوَرَكُمْ﴾ (١) ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٢) ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (٣) ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ (٤) ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٥) ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٦) ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٧) ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٨) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٩).
ومن طبيعة الملك البشري- وإن روعيت في أوضاعه هذه الأصول الأربعة- أنه لا يقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم فتراه يكيل لهؤلاء بمكيال ولهؤلاء بمكيال. ولا يرعى من العهود- في الغالب- إلاَّ ما لا يعارض مصلحته أو تلزمه براعاته قوة خصمه.
كما أنه يكاد يقصر بره وإحسانه على أبناء جلدته ومن كانوا من جنسه ولونه، كما أنه يبني أمره على القوة المطلقة فتندفع مع رغباته
стр. 517
إلى أقصى ما يمكنها أن تصل إليه فيكون البغي والتسلط والعدوان. كما أنه تستهويه زينة الحياة الدنيا وزخارفها فتمتد يده إليها حيثما وجدها فتتنازعها الأيدي بالقوة والحيلة وتذهب في أفانينها الشهوات بالناس إلى النقص والرذيلة.
ثم إن طبيعة الملك من حيث أنه ملك- سواء أكان بشريا أم نبويا- مظاهر الأبهة والجمال والقوة والفخامة، لما جبل عليه الخلق من اعتبار المظاهر والتأثر بها، وهذا إذا كان في الحق فهو محمود مطلوب وإذا كان للباطل والبغي والتحظيم النفسي فمذموم متروك. ومن الأول أمر النبي- ﵌ عمه العباس- ﵁ أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى تمر عليه كتائب المسلمين وذلك لإدخال الرعب على قلبه بما يرى من النظام والقوة، فحبسه العباس فجعلت الكتائب تمر به فيسأل العباس عن كل كتيبة فإذا أخبره قال: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله- ﵌ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: من هؤلاء؟ فقال العباس: هذا رسول الله- ﵌ في المهاجرين والأنصار، قال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. قال العباس: فقلت له: إنها النبوة، فقال: فنعم إذن. قصد أبو سفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم فنفى ذلك العباس ورده إلى النبوة التي هي أصل تلك القوة، وذلك الملك النبوي المستند إلى الوحي الإلهي ولم يرد نفي الملك جملة، ومنه ما كان معاوية بالشام: لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة فاستنكر ذلك وقال له: أكسروية يا معاوية؟ فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد فسكت عمر وأقره. فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو
стр. 518
ملك وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب. فلما كان للحق والمصلحة أقره.
ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله ﵊.
نعم في مسند أحمد أن النبي- ﵌ خير من أن يكون نبيا ملكا أو يكون نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا. وكان ذلك تواضعا منه. ولا ينفي هذا أنه- ﵌ كما كان مبلغا عن الله ﵎ كان قائما على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة وتنظيم المجتمع مما يسمى ملكا نبويا مستندا إلى الوحي الإلهي، لأن التخيير راجع إلى حالته الشخصية الكريمة فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان سليمان أو لا تكون له تلك المظاهر فاختار أن لا تكون وأن يكون مظهره مظهرا عاديا مثل مظهر العبد العادي. كما سليمان- ﵇ الذي كان ملكا نبيا لم ينف ذلك عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي.
فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان وعلى الأخرى محمد- عليهما الصلاة والسلام- وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر- ﵁ الفضلى وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى.
ولما كان محمد- ﵌ جاء بملك النبوة كان القرآن العظيم جامعا للأصول التي ينبني عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها ليبين صورة من صور ملك النبوة ومظهرا صادقا من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان-
стр. 519
عليه السلام- وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشر من سورة النمل إلى الآية الرابعة والأربعين منها.
الآية الأولى وهي: ١٥
الألفاظ والتراكيب:
علماً: نوعا عظيما ممتازا من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية. وقالا: قولهما متسبب وناشيء عن العلم لكنه لو قيل فيقالا، بالفاء، أفاد أن غير القول تسبب منهما عن العلم ولما عطف بالواو على أن هنالك أعمالا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، ونشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا. فضلنا: أعطانا ما فقنا به غيرنا. على كثير: فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما. من عباده المؤمنين: ففضلا بين أهل الفضل فكانا من أفضل الفاضلين وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها.
المعنى:
يخبرنا الله تعالى عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه. وإظهار السرور به مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانهما ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه.
تنويه وتأصيل:
قد ابتدىء الحديث عن هذا الملك العظيم بذكر العلم وقدمت النعمة به على سائر النعم تنويها بشأن العلم وتنبيها على أنَّه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا. وأن الممالك انما تبني عليه وتشاد، وأن الملك
стр. 520
إنما ينظم به ويساس وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار. وأنه هو سياج المملكة ودرعها، وهو سلاحها الحقيقي وبه دفاعها وأن كلَّ مملكة لم تحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض.
أحماض:
قال أبو الطيب المتنبي:
أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ
نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها والذين تصلح لهم ويصلحون لها هم الذين يستعذبون في سبيلها الموتَ، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان، فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم. وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ، وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم، وحمي بالسيف، وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره، إذا كان العلم من ورائه.
ولكن أبا الطيب شاعر الرجولة والبطولة، شاعر المعارك والمعامع، لا يرى أمامه إلا الحرب، وآلات الطعن والضرب فلا يمكن أن يقول- وقد غمرته لذة الانتصار، واستولت نشوة الغلب والظفر على لبه وخياله- إلا ما قال.
فقه وأدب:
يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمة وفضله بفضيلة أن يفرح بتلك النعمة ويظهر فرحه بها في معرض حمد الله عليها، من حيث أنها كرامة من الله لا من حيث إنها مزية من مزاياه فاق بها سواه، مثلما فعل هذين النبيين الكريمين، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
стр. 521
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١).
وكثيرا ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجبا له عن غيره فيذكر من شأنه ما أفرحه ويسكت عن غيره وفيهم من هو مثله ومن يفوقه، فقد يجر هذا إلى عجب بنفسه وغمط لحق من عداه. فلهذا كان من أدب مقام الفرج بنعمة الله وحمده عليها، ذكر نعمته العامة عليه وعلى غيره، والإاشارة إلى من فضلوا عليه. فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها، ويرضى الله باعترافه لدى الفضل بفضله وحكمة الله وعدله، وبوقوفه كواحد ممن أنعم عليهم من عباده.
إرشاد وإشادة:
إذكار الأنبياء- صلى الله عليهم- من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار وأجمها وأسلمها، وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها، فعلى المسلم الحرص على الخير بها علما وعملا، فقد رأيت ما يحف بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يتنبه لها، وقد جاء هذا الحمد النبوي محصلا للقصد سالما من كل خطره بعباراته الموزونة الشاملة، التي لا يصدر مثلها إلا منهم لكمال علمهم وأدبهم. عليهم الصلاة والسلام (٢).
стр. 522
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم االثاني
الآية الثانية وهي: ١٦ سورة النمل (٢٧)(١)
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
ــ
الألفاظ والتراكيب:
الارث: انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث. سواء كان مالاً أو ملكاً أو علماً أو مجداً، والمراد هنا الملك والنبوة، علمنا: أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم- وهو الله- للعلم به، فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر ولا من طوقهم، منطق الطير: نطقها، وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق والجماد صامت، وأوتينا: أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها، من كل شيء: هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي فيما تقتضيه تلك العظمة مما يؤتاه الأنبياء والملوك، الفضل: الزيادة، المبين: الظاهر الذي لا خفاء به.
стр. 523
المعنى:
قام سليمان مقام أبيه داوود- عليهما الصلاة والسلام-، فكان في بني إسرائيل من بعد نبياً ملكاً. وأراد سليمان أن يشهر نعمة الله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به وطاعته، فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير وعظائم الأمور مما هو خارق للعادة معجز للبشر آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته.
فقه وتحقيق:
من ميزة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يتعلقوا بشيء منها فلا يورثون ديناراً ولا درهماً وإنما يورثون العلم. وفي الصحيح: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، فلم يرث سليمان من داوود مالاً وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك وما دل عليه ذلك من النبوة. وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته.
تفرقة:
الشيء الموروث إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي وينقطع عنه ملك الميت. وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت- لبقاء الروح- وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما يؤديه الميت من أعمالٍ متصفاً بمثل ما كان متصفاً به الميت، متحلياً بمثل حليته. فإرث سليمان للملك هو من المعنى الأول، فداوود بعد موته لم يبق ملكاً وإرثه للعلم والنبوة، هو من المعنى الثاني، فداوود بعد موته على علمه ونبوته.
стр. 524
تفرقة أخرى:
إذا كان الموروث مالا فإنه يستحق بالقرابة شرعا، وإذا كان علما أو نبوة أو ملكا فإنها لا تستحق بها. فلم يرث سليمان من داوود ما ورثه منه لأنه ابنه، وإنما كان ذلك تفضلا من الله ونعمة. ولهذا لما دعا سليمان الناس لم يذكر لهم أبوة داوود. وإنما ذكر لهم ما كان به أهلا لمقامه مما خصه الله به من علم وقوة، ومظاهر الملك ومعجزة النبوة.
عجائب الخلقة وحكمة العربية:
الحيوانات كلهم فهم وإدراك وأصوات تدل بها على ما في نفسها، وتتفاهم بها أجناسها بعضها عن بعض. ومن تلك الأصوات ما يكون أخفى من أن يصل إليه سمعنا، ومنها ما نسمعه، ومما نسمعه ما نفهم مرادها به ومنه مما لا نفهمه. فلا نسمع صوت النملة ولكننا نسمع صوت الهرة- مثلا-، ونميز بين صوتها الذي تدل به على غضبها وصوتها الذي تدل به على طلبها. وفي مملكة النمل ومملكة النحل- مثلا- من النطام والترتيب والتقدير والتدبير ما لا يبقى معه شك فيما لهذه الحيوانات من إدراك وتمييز وما بينهما من تفاهم. بل كثير من الحيوانات تصير بالترويض تفهم عنا كثيرا من العبارات والإشارات وتأتي بالأعمال العجيبة طبق ما يراد منها وتدل عليه. فهذا أصل ما بلغت إليه من إدراكها ونطقها اللذين أخبرنا بهما القرآن، وتلك الغاية من الإدراك والنطق لا سبيل لنا إليها لاختلاف الخلقة وجهل مدلولات الأصوات. وقد أدركها سليمان- ﵇ بتعليم من الله كرامة له وآية على نبوته ومعجزة للناس.
فمن حكمة اللغة العربية الشريفة أن سمت أصوات الحيوانات نطقا كما سمت في، المتعارف، اللفط الذي يعبر به عما في الضمير نطقا. لأن الأصوات لغير الإنسان تقوم مقام الألفاظ للإنسان، فهي
стр. 525
طريق تفاهمها، وطريق فهم ما يمكن لإنسان فهمه عنها. فلله هذه اللغة ما أعمق غورها وما أدق تعبيرها.
نظر وإيمان:
قد شوهد بالعيان في أنواع من الحيوانات حسن تدبيرها لأمر معاشها ودقة سعيها في جلب منافعها ودفع مضارها، فمن الجائز أن يصل إدراكها بالفطرة إلى ما وراء ذلك من وجود خالقها ورازقها. وهذا هو الذي أخبرنا به القرآن في هذه الآيات من أمر النملة وأمر الهدهد الآتيين من بعد، فنحن به مؤمنون لجوازه عقلا وثبوته سمعا، مثل سائر السمعيات.
تمييز:
قد شارك الحيوان الإنسان في الإدراك والتمييز وبلغ إدراكه إلى معرفة وجود خالقه ورازقه، ولكن الإنسان يمتاز عنه بقوة التحليل والتركيب لكل ما يصل إليه حسه وإدراكه، وتطبيق ذلك على كل ما تمتد إليه قدرته ويكون في متناول يده. فمن ذلك التركيب والتحليل والتطبيق تغلب على عناصر الطبيعة وتمكن من ناصيتها واستعمل حيوانها وجمادها في مصلحته ورقي أطوار التقدم في حياته. ولفقد الحيوان غير الإنسان هذه القوة بقي في طور واحد من حياته ومعيشته. فإدراك الحيوان فطري إلهامي يعطاه من أول الخلقة، والإنسان يعطى أصل الإدراك الإجمالي، ثم بتلك القوة يتسع أفق إدراكه ويستمر في درجات التقدم وهذه القوة التي يمتاز بها الإنسان هي العقل. وهي التي ساد بها هذا العالم الفاني.
توجيه:
ذكر سليمان- ﵇ منطق الطير، وهو قد علم منطق غير الطير أيضا، فقد فهم نطق النملة، ذلك لأن الحيوانات غير
стр. 526
الإنسان مراتب: الزاحفة، والماشية، والطائرة، وأشرفها الطائرة فاقتصر على الطير تنبيها بالأعلى على الأدنى.
تنزيه وتبيين:
عبر سليمان- ﵇ عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان ﵇ ليتعظم بسلطان- ولا ليتطاول بفضل. فالأنبياء- صلى الله عليهم- أشد الخلق تواضعا لله وأرحمهم بعباده، وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخيم ملك النبوة في قلوب الرعية ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة. وهذا هو الذي توخاه سليمان- ﵇ من المصلحة بإظهار العظمة. ولذا لم يقل: علمت، ولا: لي، وعندي من كل شيء. ولم يقل: فضلي فهو فضل من علمه أتاه فضله به عمن سواه.
ترغيب واقتداء:
يذكر الله تعالى لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم وما مكنه منه من عظيم الأشياء ترغيبا لنا في طلب العلم والسعي في تحصيل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا، وتشويقا لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد وعوالم الأحياء وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة، وحثا لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة. فقد كان سليمان- ﵇ نبيا وما كان ملكه ذلك إلا بإذن الله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمره قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين. عليهم الصلاة والسلام أجمعين
стр. 527
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الثالث
الآية الثالثة ، وهي: ١٧ من النمل (٢٧)(١)
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
ــ
الألفاظ والتراكيب:
الحشر: الجمع من أماكن متفرقة، جنوده: هم المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده. يوزعون: يكفرون عن الخروج عن النظام في السير فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون عن الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشمال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى وأعلاهم في ذلك الجن ثم الانس ثم الطير وفي عطف الجملة الثانية بالفاء إفادة سرعة الانتظام بعد الاجتماع. وفاعل حشرهم الاعوان الحاشرون، وفاعل وزع هم الضباط المنظمون.
المعنى:
كان لسليمان- ﵊ من الجن والانس والطير
стр. 528
جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين فإذا عرض أمر جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم. فإراد سليمان أن يسافر فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام.
تفصيل:
كما أن للانس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن ينظمهم من رؤسائهم كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير، وسلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له وخصوصية ملك لم ينبغ لأحد من بعده.
تاريخ وقدوة:
تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان. فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة. وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة. وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة، وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم، وكان النظام محكما لضبط تلك الكثرة ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى. تعرض علينا الآية هذه السورة التاريخية الواقعية تعليماً لنا وتربيةً على الجندية المضبوطة المنظمة. ولا شك أن الخلفاء الأولين قد عملوا على ذلك في تنظيم جيوشهم وأن مثل هذه الآية كان له الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما أسلموا فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة مما لم يكن معروفاً عندهم في الجاهلية، وبقيت الآية على الدَّهر مذكرة لنا بأن النظام أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوى والكثرة
стр. 529
وحدهما لا يغنيان بدون نظام وأن النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم الوازعون.
طبيعة وشريعة:
في عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان نجد الطبيعة- بصنع الله- تستخلص الأعلى من الأدنى والأقوى من الأضعف، فتجد الممتاز من أصل الخلق، وبانتخاب الطبيعة في هذه العوالم الثلاث كما تجد الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في النجم والشجر، وتجد المملكة من النمل والنحل مثلا. فالإنسان لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي، ففيه الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع الإنساني في صلاح حاله ومآله ومنهم الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه ومجتمعاته وجماعاته، فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنسان ومقررات الشرع الإسلامي مثل ما في هذه الآية من أمر الوازعين. ولما ولي الحسن البصري القضاء، قال لا بدَّ للسلطان من وزعة أي أعوان يكفون الناس عن الشر والفساد ويتولون تربيتهم وتنظيمهم. وفي رواية: لا بد للناس من وازع، أي كاف يكف بعضهم عن بعض وهو الحاكم وأعوانه.
وفي حديث ذكره أهل الغريب: من يزم السلطان أكثر ممن يزع القرآن ومعناه، أن من يكفهم عن الشر خوف السلطان وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعد والوعيد في القرآن. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
الآية الرابعة: وهي ١٨ من النمل (٢٧): ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾:
стр. 530
يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الألفاظ والتراكيب:
أتوا على وادي النمل: هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه فلم يعين، وأضيف للنمل لكثرته فيه. نملة: لفظها مؤنث ومعناها محتمل مثل شاة وحمامة. مساكنكم: هي قرى النمل التي يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع والتركيب، والتقسيم، ولذلك قيل فيها مساكن ولم يقل غيرها. لا يحطمنكم: لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام. لا يشعرون: لا يحسون بوجودكم.
الإتيان بإذا وجوابها لإفادة أن قولها كان يسبب إتيانهم عند أول ما أتوا. لا يحطمنكم: نعتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم حتى ينهوا عنه. وإنما المعنى لا تكونوا خارج مساكنكم فيحطمكم فنهتهم عن السبب والمراد النهي عن السبب لما في ذلك من الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة النجاة، ولما في ذكر السبب وهو الحطم من التخويف الحامل على الإسراع إلى الدخول، والجملة مؤكدة للأولى فكأنها قالت أدخلوا مساكنكم لا تبقوا خارجها. ونظير التركيب في التعبير بالمسبب عن السبب لا أرينك ههنا .. أي لا تكن هنا فأراك.
المعنى:
سار سليمان- ﷺ في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظلهم الطير حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته فصاحت في بني جنسها فنادتهم للتنبيه وأرشدتهم إلى طريق النجاة بأمرهم بالدخول في مساكنهم وحذرتهم من