الفاني ولا سعي لهم إلا في تجريد القاصي والداني أزاحهم الله من جميع البلاد وأراح منهم الدواب والعباد ... فعليك يا أخي في مثل هذا الوقت بخاصة نفسك وتباعد عمن بهم تزيد قاذورات رجسك وتابع هدى سيد المرسلين وإمام كل النبيين- والمرسلين فكافيك التمسك بالقرآن والتمسك على طريق سيد ولد عدنان ولا تغرنك - لو فرض- خوارق العادات فإنها كما تكون للكرامة توجد لقصد الإهانة. فهذه وصيتي إليك قد ذكرتها شفقة عليك دعاني لذكرها رعاية المقام فتقبلها مني وعليك السلام".
بان بهذا لمن عرف وأنصف أن الحق لم يعدم أنصارا في سائر الأزمان وأن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة على مرِّ الأيام وأن الطائفة القائمة على الحق التي تحيي من سنة النبي- ﵌ ما أمات الناس لن تزول من على وجه الأرض ولا تزال ظاهرة لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى يأتي أمر الله والحمد لله رب العالمين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 877
الصوفي السني
بين الحكومة السنية والحكومة الطرقية
بقلم الأستاذ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريبن.
ــ
أما الصوفي السني فهو الإمام المجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي الذي توفاه الله منذ أشهر بالمدينة المنورة فقد كان على جانب عظيم من التمسك بالكتاب والسنة والتخلق بأخلاق السلف الصالح وكانت دعوته إلى الله وإرشاده للعباد بهدايتهما وكانت تربيته لأتباعه مبنية على التفقه في الدين والتزام العمل به والزهد والصبر وحفظ الكرامة. وأما الحكومة السنية فهي الحكومة السعودية القائمة على تنفيذ الشريعة الإسلامية بعقائدها وآدابها وأحكامها الشخصية والعمومية حتى ضرب الأمن أطنابه ومد العدل سرادقه على جميع تلك المملكة العربية العظيمة بما لم تعرفه دولة على وجه الأرض غير دولة الإمام يحيى المضارعة لها في السنية وإقامة عمود الشريعة الإسلامية.
وأما الحكومة الطرقية فهي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الإجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج منه صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها. ويواطؤها على هذا علماؤها الرسميون بسكوتهم وإقرارهم وأحيانا بدفاعهم وتأويلاتهم.
أما كيف كان هذا الإمام بينهما فهاك الخبر لتنظر وتعتبر: لما
стр. 878
رجع الإمام من الأناضول بعد ما أنكر الكماليون جميله واستثقلوا بقاءه، ما آوته إلا الحكومة السنية حكومة ابن سعود فأقام عندها في الحجاز مكرما مبجلا. وأما الحكومة المصرية الطرقية فإنها أبت عليه أن يدخل مصر مراعاة لوعد كانت أخذته عليها إيطاليا في شأن الإمام. ولم ينته احترامها لهذا الوعد القاضي بحرمان إمام عظيم من دخول أرضها عند هذا الحد الاعتيادي عند من لا يراعي إلا جهة واحدة وإن أغفل جهات عديدة، بل تجاوز تصلب حكومة مصر ويبسها إلى منعه من دخول مصر في الحالة التي يرثي فيها العدو لعدوه ولو كان كعداوة إيطاليا للإمام. ذلك أن الإمام لما مرض مرضه الأخير واشتد به الألم رغب في التداوي بمصر فطلبت حكومة الحجاز من حكومة مصر السماح له بذلك وكانت الحكومة المصرية في انتظار قدوم ملك إيطاليا فماطلت ولم تجب حتى مات الإمام دون أن تسمح له بالدخول لأجل التداوي.
نحن لا نتكلم على هذه المسألة من ناحيتها السياسية وإنما نتكلم عليها من ناحيتها الإنسانية ومن ناحيتها الدينية على الخصوص. فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات ورجعت اتباع الطرق التي تسمي نفسها الطرق الصوفية إلى عقولهم ودينهم لما جاء هذا الصوفي السني أكرمت وفادته وأنزلته المنزلة اللائقة به وحكومة مصر التي تؤيد الطرقية وبدعها وخرافاتها وتشويهها لما كان عليه الجنيد وأمثاله، وما كان عليه أئمة الهدى كلهم تعامل هذا الصوفي السني هذه المعاملة القاسية الخشنة الخالية من كل لطف ومراعاة وفي هذا الموقف من هاتين الحكومتين البرهان القاطع على أن الحكومة السعودية ما طاردت الطرق لأنها تصوف وإنها طاردتها لأنها مدعية بالباطل ومتصفة بضده. وأن الحكومة المصرية ما نصرت الطرق لأنها تصوف وإنما ناصرتها لأن غالب علمائها الذين يعيشون على رواتبها
стр. 879
وعلى رضا العامة وتعظيمها واستغلال جهلها أقروها على ذلك وحسنوه لها فأقرتهم والعامة عليه:
وهل أفسد الناس إلاَّ الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وقبل الحكومة السعودية قد كان علماء الإسلام المصلحون يقبلون طريقة الحق وينكرون طرق الباطل وقد ذكرنا جمعا منهم من القرن الخامس إلى القرن السالف في عدد مضى وهم قدوتنا أنعم بهم من قدوة وقبل الحكومة المصرية وعلمائها قد كان من يقر ما أقرت دون بينة ولا برهان. وسيبقى كذلك على الدهر من ينصر السنة ويؤيدها ويدافع عنها. ومن ينشر البدعة وينفخ في بوقها وينقر على طبلها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
стр. 880
الإسلام دين علم خالد
ألف الأستاذ محمد فريد وجدي كتابا تحت هذا العنوان بحث فيه في الوحي والدين والإسلام، فوفى البحث حقه. وقد كان بعض المعجبين بالأستاذ أطلعني على الكتاب فوقفت فيه على أشياء أنكرتها منها: تعبيره عن موجد الكون بروح الكون وجعله الحياة الإنسانية قبسة من الحياة الوجودية، ويعني بالحياة الوجودية ما عبر عنه بروح الكون وهذا صريح في أن الروح الإنسانية مأخوذة من الله تعالى، جل َّ (١) الله عن ذلك، وكيف يؤخذ الحادث من القديم؟ ومنها زعمه عن الموجودات (ص ١٢) أنها سابحة في روح الوجود سبح النينان في المحيط الزاخر، منه وجدت وبه تحيا وفيه تفنى، وكما كان تعبيره عن موجد الكون بروح الوجود من العبارات الحلولية الموهمة أن الموجد سارٍ في الموجودات فقد كان تعبيره هنا بأنها سابحة فيه وتفنى فيه مقتضيا أنها حالة فيه وكلا الأمرين محال باطل اعتقاده، حاشا الأستاذ أن يكون قصده، ومنها زعمه أن في الناس علماء منتهين (ص ١٨) لا يتطلبون أن يأخذوا الدِّين آدابا وأخلاقا ولا أن يتعلموا منه أسلوبا في الحياة ولا دستورا في المعاملات ثم يقول عنهم (ص ٢٥) أن هؤلاء العلماء الأعلام يرون أن لا حاجة بهم إلى الأديان المعروفة هم هكذا ويسميهم بالعلماء الأعلام!
رأيت هذا في الكلام واستنكرته ونبهت الإخوان عليه ثم رأيت لحجة الإسلام الأستاذ رشيد رضا بحثا مستفيضا في هذا الكتاب وملؤلفه (٢).
стр. 881
طلب الآخرة وحدها مذموم فى الإسلام
غلو الصوفية بجعل الكمال عدم طلب الدنيا والآخرة.
ــ
كنا بيَّنَّا نحن وغيرنا على صفحات هذه المجلة أن العبادة الشرعية موضوعة على الرجاء والخوف وأن الطمع في فضل الله لا ينافي إخلاص العبادة له، وذكرنا الأدلة الكثيرة على ذلك من الكتاب والسنة وكانت أدلة ثابتة صريحة غير قابلة للتأويل وبينا بها أن من زعم أن العبادة تتجرد عن الرجاء والخوف، فقد زعم باطلاً وأنه لا يجد آية واحدة ولا حديثا صحيحا واحدا يستدل به على دعواه فالعبادة المتجردة عن الرَّجاء والخوف ليست العبادة التي جاء لها الإسلام.
ثم لما اطلع أخونا في الله شيخ الإسلام الأستاذ محمد رشيد رضا على ما دار في المسألة بيننا وبين خصومنا كاتبنا بموافقته على ما قلنا وذكر لنا ما كان كتبه هو في المسألة في الجزء الثاني من تفسير المنار الشهير وها نحن ننقل ما كتبه الأستاذ في المسألة عند تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية، إفادة لقرائنا شاكرين لفضيلته عنايته وتنبيهه.
قال أحسن الله جزاءه:
"وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّقْسِيمِ مَنْ لَا يَطْلُبُ إِلَّا حَسَنَةَ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ التَّقْسِيمَ لِبَيَانِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ دَاعِي الْجِبِلَّةِ وَتَأْثِيرِ التَّرْبِيَةِ وَهَدْيِ الدِّينِ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْبَشَرِ مَنْ لَا تَتَوَجَّهُ نَفْسُهُ إِلَى حُسْنِ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا مَهْمَا يَكُنْ غَالِبًا فِي الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَاسَ
بيان عن هلال شوال
من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى المسلمين الجزائريين
ــ
اجتمعت هيئة علمية بإدارة مجلة الشهاب ليلة الأحد لاتنظار ما يرد من الأخبار عن الهلال والأسئلة عنه مثل ما فعلت ليلة رمضان وبيناه في المنشور السابق.
دق جرس التلفون من قصر الطير فتكلم السيد عبد الرحمن بن بيبي فأخبر بأن الهلال رآه رجلان من قريتهم وناداهما فتكلم كل واحد منهما وأخبر عن الرؤية وزكاهما السيد عبد الرحمن وسمع هذا كله رئيس الجمعية والسيد أحمد بوشمال والشيخ عبد العلي ثم دق الجرس من بلدة جامعة فتكلم فضيلة قاضيها الشيخ لخضر بن غريب فذكر أن قاضي بلدة أولاد جلال أخبره أن الهلال رآه اثنان في بلدته وأنه نقل له اثنان من أهل قرية سيدي خالد الرؤية عن أربعة بها فثبت الأمر عنده ثم ذكر فضيلة قاضي جامعة أن الهلال قد رؤي أيضا في سيدي عقبة وأنه نقل ذلك عن الثقة عنده، ثم تكلم السيد الحاج الشاوي فأخبر بمثل كل ما ذكره الشيخ القاضي وسمع ذلك كله منهما من سمعوا الخبر الأول وغيرهم. ولما تحملنا هذه الشهادات قمنا فذهبت إلى فضيلة قاضي قسنطينة الشيخ محمد بن الساسي فأدينا عنده الشهادة، وكلم هو قاضي بلدة أولاد جلال فأخبره بمثل ما أخبرناه به، فأصدر حكمه بدخول شهر شوال بالأحد وأعلن ذلك للناس. وتولت هيئة جمعية العلماء توزيع الخبر بالبرقيات والتلفونات- كعادتها- على أنحاء القطر.
стр. 885
أصبح الخبر منتشرا في القطر كله وأفطرت جل البلدان ولولا بقايا من الذين في قلوبهم مرض لعم العيد جميع البلدان. وكان من المقدر على العاصمة الجزائر أن يقع فيها الخلاف في الفطر كما وقع فيها الخلاف في الصوم وكان سبب ذلك أخيرا هو السبب، أولا: ذلك المتعنت المخذول. كان يعتل لخلافه في الصوم بأنه لم تخاطبه هيئة رسمية وهو لا يقبل إلا الرسميين فخاطبه ليلة الأحد فضيلة الشيخ محمد بن الساسي بنفسه هو ومن كانوا معه في المحكمة ورغم هذه المخاطبة الرسمية أبى من العمل بها وأصر على رأيه الباطل الذي لا مستند له لا من وهم ولا من شبهة. وكان هذا منه الدليل القاطع عند الناس على تعصبه وعناده وما يكون عنه التعصب والعناد في مثل هذه المسألة الدينية من طوايا وأدغال.
هكذا تقوم الجمعية بكل ما ترى فيه الخير من نشر العلم والدين وتوحيد الكلمة في الخير فتجد أمثال هذه العراقيل من هذه الأشباح المظلمة والأيدي الظالمة تعترضها في طريق الصالح العام، والجمعية- بإذن الله- سائرة في طريقها المحمودة إلى غايتها النافعة ولو كره المبطلون والله المستعان.
هذا وإننا نحمد الله على ما شاهدناه من الأمة من المناية ونشكر كل من أعاننا على القيام بهذه الطاعة ونرجو من إخواننا المسلمين أن يبذلوا عنايتهم في كل الشهور وأن يبادر كل من يرى الهلال إلى إخبار محكمته وأن يعلن رئيس المحكمة ذلك الناس والله المسؤول أن يوفقنا للخير ويعيننا عليه ويجعلنا من أهله (١).
عن مكتب رئاسة الجمعية
الرئيس: عبد الحميد بن باديس
стр. 886
المجتنيات من الجرائد والمجلات
نصيحة الأستاد الإمام لأهل الجزائر وتونس
ــ
للمشاركة في حفلة الذكرى الثلاثين (١) التي أقامها إخواننا المصريون للأستاذ الإمام نشرنا صورته وقدمناها هدية للقراء، وننقل هنا بمناسبة ذلك نصيحته التالية عن المجلد الحادي عشر من (المنار).
من يعرف الأستاذ الإمام يعرف أن كل حديثه في جميع أوقاته نصح وتعليم فمجالسه ومسايره يستفيد علما وحكمة في كل أمره من أمور الدنيا والآخرة ولذلك نعتقد أن الذين عرفوه واجتمعوا به في رحلته الأخيرة إلى الجزائر وتونس قد سمعوا منه نصائح لا تحصى ولكن النصيحة العامة الشاملة التي كان يشافه بها أهل العلم والدراية في القطرين هي:
"١ - الجد في تحصيل العلوم الدينية والدنيوية من طرقها القريبة التي أرشد إليها في الخطاب الذي ألقاه في تونس.
"٢ - الجد في الكسب وعمران البلاد من الطرق المشروعة الشريفة مع الاقتصاد في المعيشة.
"٣ - مسألة الحكومة وترك الاشتغال بالسياسة. وبهذا الأخير يتم لهم كل ما يريدون من مساعدة الحكومة الفرنسية لهم علي ما قبله فإن الحكومات في جميع الأرض يضيقون على البلاد التي يستعمرونها ما داموا يعتقدون أن أهلها ساخطون عليهم أو لهم ضلع مع حكومة
стр. 887
أخرى. وهذا الإعراض عن السياسة لا ينافي مخاطبة الحكومة فيما يرونه ضارا بهم من القوانين والمعاملات فإذا لم تكشف ظلامتهم بعد الالتجاء إليها في كشفها كانوا معذورين إذا سخطوا وتربصوا بها الدوائر" (١).
стр. 888
التقرير الأدبي
الذي ألقاه رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس
في افتتاح اجتماعها السنوي العام
صبيحة يوم الأحد السادس عشر من جمادي الآخرة عام ١٣٥٤هـ الموافق للخامس عشر سبتمبر سنة ١٩٣٥م.
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فباسم الله تعالى ثم باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أفتتح هذا الاجتماح الرابع للجمعية والمؤتمر الديني العلمي لهيئتها العمومية. ثم أرحب بكم شاكرا لكم إقبالكم على الجمعية وعضدكم لها، بوفودكم على اجتماعها، كما أشكر أولئك الإخوان الذين حبستهم الأعذار، فاعتذر من يحسن منهم الكتابة بالكتب، والبرقيات، واكتفى الأميون منهم بهبات الأرواح، ونبضات القلوب.
أيها الإخوان: لقد كانت السنة الماضية، وهي الرابعة من سنوات الجمعية، سنة ممتازة في حياة الجزائر، تحركت فيها الجزائر حركة الألم، وحركة الأمل، حركة ألم أورثه الجمود من ناحية، والغفلة من ناحية، وأسباب أخرى من نواح أخرى، فطال عليه الأمد حتى أنهك الروح، والجسد، وحركة أمل بعثه الشعور بالحياة، وثقة
стр. 889
برجال ممن بيدهم الحل والعقد، أو لهم كلمة مع من بيدهم الحل والعقد، فارتفع صوت الجزائر حتى أسمع الصم، وإن قل المجيب وظهر رسمها على صفحات الأيام، وإن اختلف تلوينه باختلاف أذواق الدساسين ونزعاتهم، وإذا ذكرت الجزائر- أيها الإخوان- فقد ذكرت الجمعية فهي- ولا نكران- الممثلة للجزائر من ناحيتها الروحية والأدبية وما كتب كاتب في صحيفة من كبريات الصحف وصغرياتها عن الجزائر إلا كان حديثه عن الجمعية في طالعة كلامه، وإذا ألغينا تهاويل مقصودة وأنباء مقلوبة بقي الاعتراف للجمعية بمكانتها، وإن صلاح الجزائر، وإرضاء الجزائر معظمه في مساعدة الجمعية على ما تقوم به من تربية وتهذيب.
لقد أبدت الجمعية ألم الأمة وألمها من ناحيتها الخاصة بها بما نشر لها وبما أبرقت من برقيات وما أرسلت من كتب. وقد أبدت ما لها من أمل يوم قابل رجالها وزير فرنسا م. ريفي وسمعت منه ما قوى ذلك الأمل.
وكم كان يسرني- وأنا رجل مسلم طبعتني تربيتي الإسلامية على الاعتراف بالجميل- أو استطعت أن أذكر لكم اليوم شيئا من تحقق ذلك الأمل. لكن بغاية الأسف لا أستطيع أن أقول لكم إلا أنه لم يتحقق شيء منه، فالمساجد ما تزال موصدة الأبواب في وجوه الوعاظ والمرشدين والمكاتب العربية ما زالت تلقى العراقيل الشديدة، وصحيفة الجمعية ما تزال في نطاق المنع والتحجير وما يزال رجال من أشخاص الجمعية البارزين تحت الرقابة والشدة بغير ذنب. غير أننا لا نقطع حبل الرجاء ما دام على رأس الإدارة رجل عالم خبير يقدر العلم وأهله ربما انفسح أمامه المجال للعمل في عهد الولاية الجديدة، ومع ذلك فإنني إبقاء لصوت الحق أرفع باسم جمعكم هذا إلى المراجع العليا الإحتجاج على بقاء هاته الحالة التي يحال فيها بين علماء الإسلام
стр. 890
ومساجد الإسلام، ويحال فيها بين الأمة وتعلم دينها في أماكن دينها ويعرقل فيها المسلمون على تعليم أبنائهم، لغة وعقائد وآداب دينهم. ويخنق فيها صوت جمعية دينية علمية فيحال بينها وبين الصحافة التي هي الأداة المشروعة المعترف بها لكل جمعية لنشر دعوتها والدفاع عن نفسها.
ثم مع هذه الحالة وضيقها فإن الجمعية قامت بحمد الله بما استطاعت من واجباتها. فالدروس العلمية في بلدان عديدة يقوم بها رجال الجمعية للطلاب والمدارس القليلة المسموح بها يتولاها رجال من الجمعية لتعليم الصغار. وقد قام رجال مجلس الإدارة في آخر السنة برحلات في العمالات الثلاث فوفدوا على خمسين بلدة ونيف قألقوا فيها دروس الوعظ والإرشاد على الجموع الكثيرة من الناس فأحيوا بما نشروا من الهداية نفوسا وأنعشوا أرواحا وفتحوا عيونا وآذانا وبعثوا- من الخير- آمالاً وبذروا بذور الرحمة والمحبة بين جميع السكان.
واليوم- وقد قطعنا الرحلة الرابعة من سيرنا- فإننا نستعين الله تعالى على التقدم للمرحلة الخامسة بإيمان ثابت ويقين صادق وقصد للخير صحيح ونحن نجدد لكم عهد الله على السير بالجمعية أو مع الجمعية على خطتها الدينية العلمية لنشر العلم والفضيلة ومحاربة الجهل والرذيلة. القرآن أمامنا والسنة سبيلنا والسلف الصالح قدوتنا وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا. فلنسر موحدين متحدين على هذا الصراط المستقيم لخير الجميع والله مع العاملين المخلصين والحمد لله رب العالمين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 891
العناية بهلال رمضان وثبوته
قياما بالواجب حسب عادة الجمعية كاتب مكتب الرئاسة جميع رؤساء الشعب في القطر كله بالكتاب التالي:
حضرة الأخ الكريم: السلام عليكم ورحمة الله
وبعد: فالمرغوب منكم أن تقوموا بأنفسكم أنتم ومن معكم بالعناية برؤية هلال رمضان وقد ثبت دخول شعبان بالثلاثاء فتجب مراقبة الهلال ليلة الأربعاء الآتية إذ هي ليلة الثلاثين فإذا رؤي فليبادر بإعلام أقرب محكمة شرعية لديكم ولتعلمونا إلى مكتب رئاسة الجمعية على تيليفون: ١٥ - ٢٥ (خمسة وعشرين خمسة عشر) وليكن تلقي الخبر دائما باثنين من اثنين إلا إذا لم يره إلا واحد فليتلق عنه اثنان وليبلغ الخبر على الوجه المذكور إذ قد يكون شخص آخر رآه في ناحية أخرى فتلفق الشهادة، فإذا لم ير ليلة الأربعاء فتصدوا له ليلة الخميس ولتعملوا فيه كما بينا.
هذا وقد طلبنا من مدير إدارة البريد في العاصمة أن يأمر بإبقاء التليفون مفتوحا إلى الساعة العاشرة.
والمرغوب أن تعرفونا بعدد التيليفون الذي نخاطبكم عليه في حين اتصالكم بكتابنا هذا إما ببرقية وإما بالتليفون.
إننا نؤكد عليكم في القيام بهذا الأمر الديني العظيم، والله يتولانا وإياكم والمسلمين بالتوفيق والتأييد.
والسلام عليكم من أخيكم: رئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس
стр. 892
العناية بهلال رمضان
وفاء بالوعد واتماماً للفائدة ننشر لقرائنا الكرام نقلا عن الشهاب الأغر ما يتعلق بهذا المبحث قال:
فجاءت الأجوبة من عندهم كلهم بالكتب والبرقيات باستعدادهم لتنفيذ ما خوطبوا به وتعيين محال مخاطباتهم.
ولما كان مساء يوم الثلاثاء انتصب بمكتب الرئاسة رئيس الجمعية وهيأته من الأعضاء لتلقي الأخبار فوردت عليهم نحو مائة تيليفون من جميع جهات القطر تسأل عن الرؤية وتخبر بوجود الغيم المتكاثف وهطول المطر في بعض الجهات.
كما انتصب بالمحكمة بجوار مكتب الرئاسة فضيلة الشيخ القاضي الشيخ محمد بن الساسي في ثلة من أهل العلم حسب عادته من يوم نهضت الجمعية بهذا الواجب وكان فضيلته من أول من لبى دعوتها ونهض به معها.
أكمل شعبان ثلاثين وفي مساء الأربعاء رأى الهلال بقرية أم البواقي جمع كثير من الناس. وأخبرتنا بذلك هيأة الشعبة ولم نحتج إلى إعلان الخبر لأن رمضان قد يثبت بعد- قطعا- بكمال شعبان ثم من الغد جاءتنا الأخبار من جهات عديدة بأنهم رأوه ليلة الخميس.
إدارة البريد:
كاتب رئيس الجمعية مدير البريد بالعاصمة يرغب منه أن يأمر ببقاء التيليفون مفتوحا بالمراكز الصغرى التي يغلق فيها باكرا- إلى الساعة
стр. 893
العاشرة من ليلة الأربعاء وقد كلمتنا بعضها متأخرة فنظن أنه أمر بذلك، فنشكره.
(الهيئة الشرعية بالعاصمة):
كنا في السنوات الماضية لما يثبت الهلال في مجمة قسنطينة ونحأول الاتصال- تيلفونيا- بمفتي العاصمة أو قاضيها لا نجد إلا ذلك سبيلا حتى نرغب من بعض الفضلاء من إخواننا الجزائريين الذين نخاطبهم كالسيد ابن صيام والسيد ابن المرابط- أن يذهبوا إليهما ويعلموهما فلا يجدون منهم عناية لأن الذي كان يسيطر على الهيئة الدينية هو إمام الجامع الكبير المعروف (١) وكان بقلبه مرض من قسنطينة ومن جمعية العلماء فلا يريد أن يقبل كل ما يأتي من قسنطينة وإن كان من محكمة الشيخ القاضي وبحكمه لما فيه من دخل من عناية الجمعية، حتى أنه في السنة الماضية خوطب هو نفسه من محكمة الشيخ القاضي فأبى إلا العناد كما نشرناه وعلمه الناس في وقته.
أما في هذه السنة- والحمد لله- فقد قطع الله اليد الظالمة وانقذ منها الهيئة الدينية فتألفت الهيئة الشرعية من فضيلتي الشيخ القاضي والشيخ المفتي وغيرهما وتصدت للعناية بأمر الهلال وجلست بمحلها ليلة الأربعاء لانتظار الأخبار وشاهد الناس بالعاصمة مظهرا من العناية الدينية لم يشهدوه من قبل. فنشكر الهيئة على ما قامت به ونرجو لها الاستمرار في هذا المنهج الحميد الذي هي أهله.
(رجاء من أصحاب الفضيلة القضاة والمفاتي):
ندعو فضيلاتكم- باسم الدين والأخوة فيه- إلى القيام بهذا
стр. 894
الواجب العظيم فينتصبوا بمحلاتهم ليلة الثلاثين لتلقي الأخبار بعضهم من بعض وليتلقي الأخبار من الناس.
(رجاء من الأمة):
إن ليلة الثلاثين هي ليلة الجمعة فيجب لرؤية الهلال وعلى كل من رأى وتحقق أن يرى غيره- إن كان معه- ويبادر برفع رؤيته إلى أقرب محكمة إليه، ومن المحتمل القوي أن يرى هلال شوال ليلة الجمعة إذا لم يمنع منه غيم لأن علماء الفلك متفقون على أن هلال رمضان كان استهل نهار الثلاثاء وما منع من رؤيته ليلة الأربعاء إلا عموم الغيم ويؤيد قولهم شيوع رؤيته ليلة الخميس.
(إلى رؤساء شعب الجمعية):
نرجوا من إخواننا رؤساء شعب الجمعية أن يحثوا الناس على هذا الواجب كما هي عادتهم- شكر الله لهم- فبفضل الله ثم بعنايتكم انتشرت هذه الروح من العناية الدينية والتعاون المشروع المحمود وتلك هي غاية الجمعية وقد وصلنا إلى معظمها والحمد لله، ونرجو من الله المزيد فنعم المولى ونعم النصير.
عبد الحميد بن باديس
стр. 895
الإصلاح أمس واليوم
أول من نادى بالإصلاح الديني علما وعملا نداء سمعه العالم الإسلامي كله في عصرنا هذا هو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وأول من قام بخدمته بنشرة إسلامية عالمية هو تلميذه حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار. رحمهما الله وجازاهما عن الإسلام والمسلمين خيرا ما جازى به المجددين لهذا الدين.
ومن عدل الله وحكمته أن كان مبعث هذه الدعوة الإصلاحية هو مصر. مصر التي هي مبعث أكثر البدع والضلالات الاعتقادية والعملية من يوم انتصبت فيها دولة الفاطميين فرسخت فيها البدع الطرقية وغير الطرقية- والطرق حيثما كانت فهي تكأة وملجأ البدع والخرافات- وصارت الخطة الطرقية من الخطط الإسلامية في الحكومات المصرية التي تحميها وتؤيدها فصارت البدع والضلالات رسمية في نظر المسلمين وغير المسلمين وجاء الأزهر وأهل الأزهر- إلا قليلا- على دين الدولة وهوى العامة يقرون تلك البدع والضلالات بسكوتهم بل بمشاركتهم العملية وتأييدهم الفعلي والقولي وما ينتشر عنهم من كتب وتلاميذ.
أما الجامعان اللذان يذكران مع الأزهر بشمالنا الإفريقي وهما الزيتونة بتونس والقرويون بفاس- فهما- إلا قليلا- كما قال الأول:
وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو ... بِصَاحِبِكِ الَّذِي لَا تَصْبَحِينَا
وكيف يكون حال العالم الإسلامي ومراكزه العلمية الدينية في ذلك الضلال المبين؟ ..
стр. 896
جاءت الدعوة الإصلاحية ومصر والعالم الإسلامي على تلك الحال فاصطدمت بقوة ما كانت تثبت لها لولا قوة الحق والإيمان. ومضى ثلث قرن أو يزيد والدعوة الإصلاحية تنتشر وتتقدم وتنقص البدع والضلالات من أطرافها ولكنه لم تقم في أمة إسلامية هيئة علمية منظمة تعلن الدعوة إعلانا عاما وتصمد للمقاومة غير مبالية بما يؤبد البدع والضلالات من سلطان ديني وسلطان دنيوي- غير الأمة الجزائربة فكان من علمائها الأحرار المستقلين الذين لا يعيشون على الوظيف أولئك الذين نهضوا بالدعوة الإصلاحية منذ بضع عشرة سنة وجاهدوا فيها لله وصابروا وأسسوا لها أعظم مؤسسة دينية- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- حتى أصبحت الدعوة الإصلاحية- والفضل لله والحمد لله- ثابتة الأركان مشيدة البنيان باسقة الأفنان دانية الثمار وارفة الظلال- لا على الجزائر وحدها بل على الشمال الإفريقي كله.
لم يبق للمتشبثين بالبدع والضلالات والأوهام والخرافات من شبهة يتمسكون بها ويستندون إليها إلا طرقية مصر وعلماء مصر ورجال الأزهر. وكانت- لا كانت- شبهة لبس بها الشيطان كثيرا وأضل بها العوام وأيد بها حزبه وشغب بها على حزب الله. وكنا على اليقين من أن الله سيزيل هذه الشبهة، ويزيح هذه المحنة ويؤيد العلماء المصلحين في الأزهر فيصبح الأزهر- حجة للمصلحين ومصدر هداية للمسلمين وقد حقق الله الرجا وأصبح الأزهر اليوم يؤلف من رجاله الرسميين، لجانا للقيام بالإصلاح الديني علما وعملا، ومن ورائه الحكومة المصرية تؤيده وتسنده كما تراه في المقال التالي الذي نقلناه من جرائد مصر. فما أعظمها بشرى نزفها للمسلمين ولقرائنا في ختام هذه السنة الحادية عشرة من عمر مجلتهم فتكون أعظم ما نهنيهم به في هذا العيد، عيد النحر السعيد راجين من الله المزيد ﴿كَتَبَ اللَّهُ
стр. 897
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ آمين والحمد لله رب العالين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 898
إحتفال جمعية التربية والتعليم الإسلامية بالحجاج
وتعرض الحكومة لها بعد إذنها (١)
ــ
جرت عادة الجمعية أن تحتفل بالحجاج وكانت تحتفل بهم في (نادي الإتحاد) وكان يضيق عن أفواج الراغبين في السلام على الحجاج والتبرك بهم فرأت هذا العام أن تحتفل بهم في الجامع الكبير فذهب السيد (الحاج إدريس) المحامي كاتبها العام والنائب البلدي والسيد (حسين بن شريف) أمين مالميتها والنائب البلدي فطلبا الإذن من الكاتب العام بدار العمالة فإذن لهم وبعد هذا الإذن أصدرت الجمعية منشورا على الناس يوم الثلاثاء هذا نصه:
جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة تكريم حجاج بيت الله الحرام:
تبتهج النفوس وتنشرح الصدور بقدوم وفد الله وحجاج بيته الحرم حديثي عهد بتلك الديار المطهرة، والآثار الكريمة، فيود كل مسلم أن يراهم وأن يلتمس الخير من الاجتماع بهم.
لكن ذهاب أفواج الناس إليهم في بيوتهم فيه ما فيه من التثقيل عليهم والكلفة لأهلهم، والسرف المذموم فيما يضطرون لتقديمه لقاصديهم، حتى ليكاد يقارب الذي ينفقونه عند قدومهم ما أنفقوه في حجهم. وهذا كله من الحرج والتكلف والتبذير التي نهينا عنها.
стр. 899
فالجمعية تدعو إخواننا المسلمين أن يقلعوا عن هذه المنهيات وأن ينكفوا عن الذهاب إلى الحجاج في بيوتهم إلا من كان من أقاربهم.
والجمعية قد عزمت على تكريم الحجاج مساء يوم الجمعة القابلة إثر صلاة العصر بالجامع الكبير إن شاء الله تعالى. فهي تدعو جميع المسلمين إلى الإتيان إليهم والتبرك بهم.
وبهذا نكون قد اجتمعنا بوفد الله، في بيت الله، وسلمنا مما نهي عنه الله. فيتضاعف إن شاء الله الأجر، ويتكاثر الغنم، ويتجلى جمال المظهر، ويحسن عند الله وعند الناس الأثر.
جمع الله قلوبنا على الحق، وأقوالنا على الصدق وأعمالنا على العدل والإحسان، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عن الجمعية: الرئيس عبد الحميد بن باديس
وفي صبيحة الأربعاء استدعت الإدارة السيد (الحاج إدريس) والسيد (حسين) ولغياب السيد الحاج إدريس ذهب مكانه مع السيد حسين السيد (محمد الشريفه ابن الابيض) المحامي والنائب البلدي والعضو في الجمعية فأخبرهما الكاتب العام بالرجوع في ذلك الإذن لعدم جواز الاجتماع في الجامع فأعلماه بما أصدرته الجمعية من الإعلان بالاجتماع للعموم بناء على إذنه المتقدم، وبعد مراجعة طويلة أوقف الأامر النهائي على مراجعة عامل العمالة السيد البريفي.
وفي مساء الأربعاء سافرت إلى (عنابة) لمقابلة الحجاج صبيحة الخميس فلما نزلت بدار السيد (الحاج الخوجة) رئيس شعبة جمعية العلماء أخبرني أن السيد بريفي يسأل عن قدومي وأمره أن يخبره عني بمجرد قدومي ولما أخبره إذ ذاك بقدومي طلب حضوري لديه
стр. 900
مع السيد الخوجة على السابعة صباح الخميس. ولما ذهبنا إليه في الموعد أخبرني بأن السيد البريفي يمنع من إقامة الاحتفال بالجامع وينكر إعطاء الإذن، فأجبته بأن الناس سوف يجتمعون لأجل المنشور الذي وزع عليهم بعد إذن خليفة البريفي وأما الاحتفال فلا يقام.
رأيت بعد خروجي من عند السيد بريفي أن هذا الأمر لا يجوز السكوت عليه فليس من اللائق بإدارة محترمة أن تضطرب هذا الاضطراب ولا من اللائق بجمعية محترمة أن تعامل هذه المعاملة وعلمت ما يتركه هذا العمل في قلوب المسلمين من الأثر السيء والكدر التام، فبادرت إلى إرسال برقية إلى دار العمالة بقسنطينة، ومثلها إلى دار الولاية العامة ذكرت فيها أن المنشور ما كان إلا بعد الإذن واستنكرت الرجوع في الإذن وأعربت عن الاستياء الذي يحصل من منع المسلمين من إقامة احتفال ديني محض في مسجدهم ونصحت بالرجوع عن المنع في صالح الجميع.
قفلت إلى قسنطينة مساء الخميس ومكثت صبيحة الجمعة أنتظر جوابا عن برقيتي فلم يأت عنها جواب.
لما صليت عصر الجمعة جاءني جماعة من المسلمين فذكروا أن الجامع الكبير قد غص بالناس وأنهم في انتظارك وأنهم لا يتفرقون إلا إذا أتيت فذهبت إلى الجامع الكبير فوجدت رؤساء الشرطة ورجالها قد اكتنفوا بابي الجامع، ووجدت الجامع غاص الرحاب بالناس. فشققت طريقي إلى المحراب حيث وجدت جمعا من الحجاج أربعة عشر أوأكثر فسلمت ثم توجهت للناس فبشرتهم بما لهم عند الله باجتماعهم في بيته لإكرام وفده، ثم أعلمته (١) بمنع الحكومة من إقامة الاحتفال الذي هو عبارة عن تلاوة آيات من القرآن العظيم وإلقاء خطاب ديني فيه
стр. 901
تذكير وتشويق وتبشير ولاجل أن أخفف على الناس ما أصابهم من الألم من صدمة المنع قلت لهم: حسبكم أن عملكم قد وقع عند الله وأن نتوجه كلنا بالدعاء إليه وإخواننا الحجاج يدعون الله لكم وبعد الدعاء قام الحجاج ووقفوا عند باب بيت الصلاة فسلموا عليهم وصافحوهم مهنئين متبركين.
الملاحظات:
١ - ما كان رجوح عامل العمالة في الإذن الذي أعطاه خليفته إلا بعد سعي من المفتي (ابن الموهوب) وتحريش وتهويل، وقد علم السيد (ابن الابيض) لما خاطبه السيد البريفي لغيبتي في "عنابة" أن المسألة أثارتها الناحية الرسمية في الجامع الكبير.
٢ - برهنت الأمة باجتماعها الهائل بالجامع الكبير على أنها تعرف قيمة الناس فلم تلتفت إلى ما نشرته صحيفة معلومة من الصد والتثبيط، ولا ما نشره في أوراق ووزعها من لم يجسر أن يصرح باسمه تحت أوراقه ...
٣ - ما يزال بعض الرجال في الإدارات يغترون ببعض الرسميين الذين لا قيمة لهم عند الأمة حتى يوقعوهم فيما لا ينبغي.
إننا نود أن تعرف الحكومة مقدار تعلق الأمة بمساجدها ورغبتها في عمارتها بأمور دينها فترجع عن معأرضتها فيها ومنعها منها فتكسب شيئا من قلوبها وصادق شكرها.
عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة
стр. 902
شيخ الإسلام بتونس
يقاوم السنة، ويؤيد البدعة، ويغري السلطة بالمسلمين!!
ــ
-١ -
نطق (شيخ الإسلام) - والحمد لله- بعد سكوت مألوف منذ السنين الطوال، وإن كان أتى بما لا يرضي الله ورسوله، والحق ودليله، فقد نطق على كل حال. ولقد كان نطقه متوقعا لدينا. فقد كان المقال المنشور بالعدد الحادي عشر من (البصائر) الموجه إلى علماء الزيتونة عامة وشيخي الإسلام به خاصة، قنبلة وقعت وسط أولئك النائمين والمتناومين أزعجتهم في مراقدم ونبهت من كان غافلا عنهم من الناس، حتى لقد تسابق الناس إلى ذلك العدد يطلبونه بأضعاف ثمنه كما أخبرني تلامذتي الذين رجعوا من تونس لتعطيل القراءة بجامع الزيتونة بسبب البلاغ المشهور وما لحق تلامذة الجامع من سجن وتغريب.
إننا نشكر لشيخ الإسلام المالكي هبوطه إلى الميدان، وإن كان هبط إليه هبوط المغيظ المحنق الذي أنساه الغيظ والحنق ما يناسب مقامه من التحري والاتزان، فتعثر في أذيال العجب والتعظم عثرات أهوت به مرات في مهاوي الخطأ والتناقض حتى تردى في هودة إذاية أنصار السنة باللسان، ومحأولة إذايتهم بيد العدوان.
شيخ الإسلام يقاوم السنة- ويؤيد البدعة-! ويغري (السلطة) بالمسلمين!! هذا- والله- عظيم وإن كان القارىء يود أن يعرف من هو هذا الذي تحلى بهذا اللقب وأتى بهذه الشنع التي لا يأتي
стр. 903
بها من ينتمي انتماء صادقا للإسلام من عامة المسلمين فكيف بشيخ الإسلام؟ نعم كل أحد يتعجب نهاية العجب أن يصدر هذا من شيخ الإسلام. ويزيد كاتب هذه السطور عجبا آخر فوق عجب كل أحد أن شيخه وأستاذه وصديقه الشيخ الطاهر بن عاشور هو الذي يأتي بهذا الباطل ويرتي هذا الذنب.
إنني امرؤ جبلت على حب شيوخي وأساتذتي وعلى احترامهم إلى حد بعيد، وخصوصا بعضهم، وأستاذي هذا من ذلك الخصوص، ولكن ماذا أصنع إذا ابتليت بهم في ميدان الدفاح عن الحق ونصرته؟ لا يسعني وأنا مسلم أدين بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، إلا مقاومتهم ورد عاديتهم عن الحق وأهله.
دعونى- يا قرائي الأفاضل- أحدثكم عن شيء من حقيقة هذا الرجل كما عرفته وعن علاقتي به وأثره في حياتي فإن هذا وفاء لحق تلك الصحبة والأستاذية يهوِّن عليَّ ما أجابهه به بعد.
عرفت هذا الأستاذ في جامع الزيتونة، وهو ثاني الرجلين اللذين يشار إليهما بالرسوخ في العلم والتحقيق في النظر والسمو والاتساع في التفكير أولهما العلامة الأستاذ شيخنا (محمد النخلي) القيرواني ﵀، وثانيهنا العلامة الأستاذ شيخنا (الطاهر بن عاشور) وكانا كما يشار إليهما بالصفات التي ذكرنا يشار إليهما بالضلال والبدعة
стр. 904
وما هو أكثر من ذلك لأنهما كانا يحبذان آراء الأستاذ (محمد عبده) في الإصلاح ويناضلان عنها ويبثانها فيمن يقرأ عليهما وكان هذا مما استطاع به الوسط الزيتوني أن يصرفني عنهما، وما تخلصت من تلك البيئة الجامدة واتصلت بهما حتى حصلت على شهادة العالمية ووجدت لنفسي حرية الاختيار. فاتصلت بهما عامين كاملين كان لهما في حياتي العلمية أعظم الأثر على أن الأستاذ ابن عاشور اتصلت به قبل نيل الشهادة بسنة فكان ذلك تمهيدا لاتصالي الوثيق بالأستاذ النخلي. وإن أنس فلا أنسى دورسًا قرأتها من ديوان الحماسة على الأستاذ ابن عاشور، وكانت من أول ما قرأت عليه فقد حببتني في الأدب والتفقه في كلام العرب وبثت في روحًا جديداً في فهم المنظوم والمنثور وأحيت مني الشعور بعز العروبة والاعتزاز بها كما أعتز بالإسلام.
مات الأستاذ النخلي على ما عاش عليه، وبقي الأستاذ ابن عاشور حتى دخل سلك القضاء فخبت تلك الشعلة وتبدلت تلك الروح فحدثني من حضر دروسه في التفسير أنه- وهو من أعرف إنكاره على الطرق اللفظية وأساليبها- قد أصبح لا يخرج عن المألوف في الجامع من المناقشات اللفظية على طريقة عبد الحكيم في مماحكاته وطرائق أمثاله وبقي حتى تقلد خطة شيخ الإسلام، ووقف هو وزميله الحنفي في مسألة التجنيس المعروفة منذ بضع سنوات، ذلك الموقف حتى أصبح اسمه لا يذكر عند الأمة التونسية إلا بما يذكر به مثله. وها هو اليوم يتقدم بمقال نشره بجرييدة (الزهرة) في عدد يوم الإثنين الرابع عشر من هذا الشهر الحرم يقاوم فيه السنة ويؤيد فيه البدعة ويغري السلطة بالمسلمين.
فهل ابن عاشور هذا اللقب بشيخ الاسلام، هو ابن عاشور أستاذي الذي أعرف؟ لا! ذلك رجل آخر مضى قضى عليه القضاء وأقبرته المشيخة، وقد أديت له حقه بما ذكرته به. وهذا مخلوق آخر ليس
стр. 905
موقفه اليوم أول مواقفه ولا أحسبه يكون آخرها. وإنني لا أود أن يكون آخرها. فإن المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى معرفة ما ينطوي عليه مثله ممن ينتحلون ألقابا مخترعة في الإسلام، ولا يفضحهم مثل مقال هذا الرجل.
وموعدنا بالرد عليه لعدد (١) الآتي أن شاء الله، والله المستعان (٢).
عبد الحميد بن باديس
-٢ -
سئل فضيلته عن حكم قراءة القرآن عند تشييع الجنازة وحول الميت، وحول قبره عند دفنه، فأجاب بقوله: "أن السنة في المحتضر وفي تشييع الجنازة وفي الدفن هو الصمت للتفكر والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكن نطقه بالدعاء للميت، بالمغفرة والرحمة فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوة الإجابة. وأما قراءة القرآن عن الميت حين موته وحين تشييع جنازته وحين دفنه فلم تكن معمولا بها في زمان رسول الله- ﵌ وزمان الصحابة، إذ لم ينقل ذلك في الصحيح من كتب السنة والأثر مع توفر الدواعي على نقله لو كان موجودا. إلا الأثر المروي في قراءة سورة يس عند رأس الميت، عند موته على خلاف فيه، ولهذا كان ترك القراءة هو السنة وكان أفضل من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة".
هذه هي السنة وقد بينها أوضح تبيين، وعللها أحسن تعليل،
стр. 906
ثم أنظر إليه كيف أخذ يقاومها فقال: "وحينئذ فتكون قراءة القرآن في تلك المواطن إما مكروهة وإما مباحة غير سنة، فتكون مندوبة في جميعها وإما مندوبة في بعضها دون بعض".
إذا كان ترك القراءة هو السنة، فالقراءة قطعا بدعة إذ ما فعله النبي- ﵌ من القربات ففعله سنة وما تركه مما يحسب قرابة مع وجود سببه فتركه هو السنة وفعله قطعا بدعة. والقراءة في هذه المواطن الثلاثة التي حسب أنها قربة قد وجد سببها في زمنه فمات الناس وشيع جنائزهم وحضر دفنهم، ولم يفعل هذا الذي حسب- اليوم- قربة ومن المستحيل- شرعا- أن يترك قربة مع وجود سببها بين يديه ثم يهتدي إليها من يجيء من بعده ويسبق هو إلى قربة فاتت محمدا- ﵌ وأصحابه والسلف الصالح من أمته. ولا يكون الإقدام على إحداث شيء للتقرب به مع ترك النبي- ﵌ له مع وجود سببه إلا افتئاتا عليه وتشريعا من بعده وادعاءً - ضمنيا- للتفوق عليه في معرفة ما يتقرب به والحرص عليه، والهداية إليه، فلن يكون فعل ما تركه- والحالة ما ذكر- من المباحات أبدا بل لا يكون إلا من البدع المنكرات. فبطل قوله: "وإما مباحة غير سنة".
بعد هذه المقاومة بالباطل فرع عليها مقاومة بالتناقض فقال: "فتكون مندوبة في جميعها وإما مندوبة في بعضها".
أفيجهل أحد أن المباح هو ما استوى فعله وتركه وأن المندوب هو ما ترجح فعله على تركه. أو أن المباح من حيث ذاته غير مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك، وأن المندوب مطلوب الفعل فكيف يتصور أن القراءة إذا كانت مباحة تكون مندوبة في الجميع أو في البعض، أم كيف يتفرع الضد عن ضده؟؟ ولما ثبت أن ترك القراءة هو السنة وأن القراءة بدعة فأقل ما يقال فيها أنها مكروهة، ولا خلاف بين
стр. 907
المالكية، أن الكراهة هي مذهب مالك وجمهور أصحابه، وقد نقل فضيلته سماع أشهب من العتبية قال: "سئل مالك عن قراءة يس عند رأس الميت، فقال: ما سمعت بهذا وما هو من عمل الناس"، فهذا تصريح منه بأنه رده لأنه محدث ليس عليه عمل السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.
وإذا كان هذا قوله فيما جاء فيه أثر وهو قراءة يس عند رأس الميت فغير هذا الوطن مما لا أثر فيه، أولى وأحرى بالكراهة. والتعليل بأنه ليس عليه عمل الناس يفيد أن مجرد فعل القراءة مكروه لأنه عمل مخالف لعملهم دون التفات إلى أنه اعتقد أن ذلك سنة أو لم يعتقد. إذ ما فعله إلا وهو ويعتقد أنه قربة في تلك المواطن فيكون قصد القربة بما لم يجعله الشارع قربة، وهذا مقتض للكراهة، فقصد القربة وحده كاف في الكراهة دون حاجة إلى اعتقاد أنه سنة وبهذا بطل تأويل من تأول كلام مالك بمن قصد أنه سنة.
وبعد أن ثبت أن قراءة القرآن العظيم في تلك المواطن بدعة، وأنها مكروهة فهل هي كراهة تنزيه أو تحريم؟ ذهب الإمام الشاطبي إلى أن الكراهة حيثما عبر بها في البدعة فهي كراهة تحريم على تفاوت مراتبها في ذلك وساق على ذلك جملة من الأدلة الكافية في الباب السادس من كتابه الاعتصام، فأجمل فضيلته في الإشارة إلى مذهب الشاطبي إجمالا أظهره به مظهر من تكلم في خصوص هذه المسألة فتوهم وتقوَّل على الإمام فقال: "وليس المراد بالكراهة الحرمة كما توهمه الشاطبي في كتاب الاعتصام مستندا إلى أن الإمام قد يعبر بالكراهة ويعني بها الحرمة لأن كلام مالك لم يقع فيه لفظ الكراهة بل هي من تعبير فقهاء مذهبه تفسيرا لمراده. لأن علماء مذهبه متفقون على أنَّ مراد مالك من كلامه في المدونة وفي السماع هو الكراهة بالمعنى المصطلح عليه في الفقه، ولأن دليل التحريم لا وجود له فحمل
стр. 908
كلام مالك عليه تقول عليه والإقدام على التحريم ليس بالهين إذ لم تقم عليه الأدلة الصريحة".
لم ينصف فضيلته الشاطبي في الصورة التي صور بها كلامه وفيما رواه به. وكل ذلك لأجل أن يتوصل إلى تهوين ارتكاب بدعة القراءة في المواطن الثلاثة لأنها من المكروه الذي لا يعاقب على فعله ونحن نذكر فيما يلي ما هو تلخيص لبعض ما استدل به الشاطبي وزيادة عليه:
إن من ابتدع مثل هذه البدعة التي هي تقرب فيما لم يكن قربة كأنه يرى أن طاعة لله بقيت تنقص هذه الشريعة فهو يستدركها وأن محمدا- ﵌ خفيت عليه قربة هو اهتدى إليها أو لم تخف عليه ولكنه كتمها. وهذه كلها مهلكات لصاحبيها فلا يكون ما أوقعه فيها من ابتداع تلك التي يحسبها قربة إلا محرما. وقد قال مالك فيما سمعه من ابن الماجشون: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا- ﵌ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا"، هذا من جهة النظر المؤيد بكلام مالك. وأما من جهة الأثر فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله- ﵌ كان يقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفيه عن أبي هرير قال قال رسول الله، ﵌: «مندعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». ووجه الدليل من الحديثين أنه سمى في الحديث الأول البدعة شراً وضلالا فعم ولم يخص، وأثبت الإثم لمرتكب الضلالة والدَّاعي إليها والإثم لا يكون
стр. 909
إلا في الحرام فيكون النظر هكذا: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة يؤثم صاحبها، فكل بدعة يؤثم صاحبها، وكل ما يؤثم عليه فهو حرام: فكل بدعة حرام.
وقد دخلت بدعة اختراع القرب في قوله: "وكل بدعة ضلالة" بمقتضى عموم اللفظ. ويدل على دخولها ما ثبت في الصحيح أن النبي- ﵌ رد على من قال أما أنا فأقوم الليل، ولا أنام، وعلى من قال أما أنا فلا أنكح النساء، وعلى من قال أما أنا فأصوم ولا أفطر، رد عليهم بقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني» ولم يكن ما التزموه إلا فعل مندوب في أصله أو ترك مندوب ومع ذلك رد عليهم بتلك العبارة التي هي أشد شيء في الإنكار فكل من أراد أن يتقرب بما لم يكن قربة فهو مردود عليه بمثل هذه العبارة الشديدة في الإنكار. ويدل أيضا على دخولها ما ثبت في الصحيح عن قيس بن حازم قال: دخل رسول الله- ﵌ على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال: ما لها، فقال: حجت مصمتة، قال لها: «تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية» فهذه أرادت أن تتقرب بما ليس قربة فجعل عملها من عمل الجاهلية وقال: أنه لا يحل فكل مريد للتقرب بما لم يكن قربة فيقال في فعله ما قيل في فعلها. ووجه الدليل من الحديثين أن التقرب بما ليس قربة أنكر أشد الإنكار وقيل فيه لا يحل، وقيل فيه من عمل الجاهلية فلا يكون بعد هذا كله إلا ضلالا فيدخل- قطعا- في عموم قوله: «وكل بدعة ضلالة» فيثبت له التحريم بالنظر المتقدم.
(لها بقية) (عبد الحميد بن باديس)
стр. 910
-٣ -
ودخول بدعة التقرب بما ليس قربة مثل القراءة في المواطن الثلاثة، قد فهمه مالك وجاء في كلامه ما هو صريح في ذلك. فروي في- الموطأ- حديث أن النيَّ- ﵌ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله- ﵌: «مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه» قال مالك: أمره أن يتم ما كان لله طاعة (وهو الصيام) ويترك ما كان لله معصية. وروى قوله- ﵌: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، قال مالك: معنى قوله- ﵌: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر أو إلى الربذة.
فقد جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام ونذر المشي إلى الأماكن المذكورة معاصي، وفسر لفظ المعصية في الحديث بها، مع أنها في نفسها أشياء مباحات، لكنه لما أجراها مجرى القربة- وليست قربة- حتى نذر التقرب بها وصارت معاصي لله وليس سبب المعصية أنه نذر التقرب بها حتى أنه لو فعلها متقربا دون نذر لكانت مباحة، بل مجرد التقرب بها وليست هي قربة موجب لكونها معصية عند مالك. والدليل على ذلك ما حكاه ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالكا بن أنس، واتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله- ﵌. فقال إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال الرجل: وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال
стр. 911
أزيدها، قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله- ﵌ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فهذا الرجل لا نذر في كلامه وقد أراد الإحرام- وهو في نفسه عبادة- من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه وهو مسجد رسول الله ﵌ وموضع قبره. وأراد أن يزيد أميالا تقرباً لله تعالى بإيقاع الإحرام بذلك الموضع الشريف وزيادة التعب بالأميال. ومع ذلك رده مالك عن ذلك وبيَّن له قبح فعله بما يراه لنفسه من السبق وقرأ عليه الآية مستدلا بها وما كان مثل هذا داخلا في الآية عنده ألا وهو يراه حراما.
فهذا هو مستند الشاطبي في فهم كلام مالك والحكم بأنه يرى في كل بدعة تقرب بما ليس قربة الحرمة لا كراهة التنزيه. فلم يكن متوهما ولا متقولا ولا مقدما على التحريم بدون دليل.
وقد بان مما تقدم أن الحكم على بدعة التقرب بما ليس قربة محكوم عليها بالضلالة والحرمة وأن ذلك هو مذهب إمام دار الهجرة، وبعد ثبوت الحق بالدليل، سقط كل قال وقيل، ونزيد على ذلك الآن ما قاله فقهاؤنا المتأخرون في بدع الجنائز من القراءة ونحوها: "سئل أبو سعيد بن لب كبير فقهاء غرناطة في عصره عما يفعله الناس في جنائزهم حين حملها من جهرهم بالتهليل والتصلية والتبشير والتنذير ونحو ذلك على صوت واحد أمام الجنازة. كيف حكم ذلك في الشرع؟. فأجاب: السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار. خرَّج ابن المبارك أن النبي- ﵌ كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت وأكثر حديث نفسه. قال فكانوا
стр. 912
يرون أنه يحدث نفسه بأمر الميت وما يرد عليه وما هو مسؤول عنه. وذكر ذلك أن مطرفا كان يلقى الرجل من إخوانه في الجنازة وعسى أن يكون غائبا فما يزيد على التسليم يعرض عنه اشتغالا بما هو فيه فهكذا كان السلف الصالح.
واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة: وذكر الله والصلاة على رسول الله- صلى الله عليه وآه وسلم- عمل صالح مرغب فيه في الجملة لكن للشرع توقيت وتحديد في وظائف الأعمال، وتخصيص يختلف باختلاف الأحوال والصلاة وإن كانت مناجاة الرب، وفي ذلك قرة عين العبد، تدخل في أوقات تحت ترجمة الكراهة والمنع. والله يحكم ما يريد ". ا. هـ، وقال أبو سعيد في جواب آخر: أن ذكر الله والصلاة على رسوله ﵇ من أفضل الأعمال وجميعه حسن لكن للشرع وظائف وقَّتها وأذكار عيَّنها في أوقات وقتها، فوضع وظيفة موضع أخرى بدعة، وإقرار الوظائف في محلها سنة، وتبقى وظائف الأعمال في حَمل الجنائز إنما هو الصمت والتفكر والاعتبار. وتبديل هذه الوظائف بغيرها تشريع. ومن البدع في الدين، ا. هـ.
وقال أبو سعيد في جواب آخر: المنقول عن السلف الصالح- ﵃ في المشي مع الجنائز هو الصمت والتفكر في فتنة القبر وسؤاله وشدائده وأهواله. وكان أحدهم إذا قدم من سفره فيلقاه أحد إخوانه بين يدي الجنائز لم يزد على السلام إقبالا على الصمت، واشتغالا بالتفكر في أحوال القبر، والخير كله في اتباعهم وموافقتهم في فعل ما فعلوه. وترك ما تركوه، ا. هـ.
نقل هذا كله الوانشريسي في المعيار وهذه هي فتوى أبي سعيد بن لب في موضوعنا المنطبقة على كل ما أحدث من الأوضاع بقصد التقرب وليست قربة في هذه المواضع وإن كانت حسنة في أصلها وقد رأيت
стр. 913
إنكاره لها، فترك هذا كله فضيلة. ونقل كلاما آخر لأبي سعيد خارجا عن الموضوع كما سنبينه عندما ننتهي إليه. ونعود الآن إلى بقية ما قاله فقهاؤنا عليهم الرحمة والرضوان.
وسئل الإمام عبد الله العبدوسي ما حكم القراءة بين يدي الجنازة، وكذلك ما يفعله الفقراء (هم الإخوان الطرقيون) أمامها. فأجاب: وكذلك يجب قطع الفقراء من الذكر أمامها على ما جرت به العادة لأنه بدعة ومباهاة. ويقال لولي الجنازة ما تعطيه للفقراء تأثم عليه. أعطه للمساكين صدقة عن وليك الميت فذلك أنفع وأبقى لكما إلى الآخرة. والجنازة على الاعتبار والتذكير والاستبصار والإقبال على أمر الآخرة. وكان السلف الصالح- ﵃ يبكون ويحزنون حتى لا يدري الغريب بينهم ولي الميت من غيره، ا. هـ. نقلها من المعيار. وأنت تراه كيف أفتى بوجوب تغيير هذه البدعة المنكرة وجعل ما يعطى للقائمين بها جالبا للإثم على من أعطى. ذلك لأنه أعان على المنكر. والمعين على المنكر كفاعله.
وعقد الوانشريسي فصلا قبيل نوازل النكاح ذكر فيه البدع فجزم ببدعية هذه المحدثات عند الجنائز فقال: ومنها الذكر الجهري أمام الجنائز فإن السنة في اتباع الجنازة الصمت والتفكر والاعتبار وهو فعل السلف. واتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة. وقد قال مالك: لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. ا. هـ، فهذه أقوال الفقهاء أهل الفتوى الجارية على أصل مذهب مالك الجاري على مقتضى تلك الأدلة التي بينا، وعليها بنينا.
(عبد الحميد بن باريس)
стр. 914
-٤ -
لو أردنا الاقتصار في المسألة على ما أقمناه من الاستدلال عليها.
ثم ما ذكرنا من أنها قول مالك ومشهور مذهبه، وما نقلنا من فتوى أهل الفتوى من المتأخرين- لكفانا ذلك في بيان الحق بدليله والتأيد بالسابقين إليه. ولكن رأينا في ما نقله فضيلته إبهاما وإيهاما وتحريفا، فوجب أن نتتبعه بالبيان.
قال فضيلته: (وذهب اللخمي وابن يونس وابن رشد وابن العربي والقرطبي وابن الحاجب وابن عرفة من أئمة المالكية إلى أن القراءة مستحبة في المواطن الثلاثة، إذا أريد إهداء ثوابها إلى الميت).
هنا مسألتان إحداهما هي انتفاع الميت بإهداء القراءة إليه هكذا على الإطلاق، وهذه ليست محل النزاع. والأخرى هي قراءة الجماعة على الميت عند موته وعند رفعه وعند دفنه على فبره. وهذه هي محل الكلام. وكلامه يوهم بصريحه أن هولاء الأئمة كلهم يستحبون القراءة في المواطن الثلاثة، وقد كان عليه أن يبين مأخذه لا أن يلقي به على هذا الإهمال والإجمال. والذين ذكرهم الموافق في مسألة قراءة يس عند موته هم ابن حبيب وابن رشد وابن يونس واللخمي ولم يقل في المواطن الثلاثة كما قال فضيلته وأما ابن العربي والقرطبي فجاءا في كلام للعبدوسي هكذا: (وأما القراءة على القبر فنصر) ابن رشد في الأجوبة، وابن العربي في أحكام القرآن له، والقرطبي في التذكرة، على أنه ينتفع بالقراءة أعني الميت سواء قرأ على القبر أو قرأ في البيت وبعث الثواب له أو في بلد إلى بلد. وأما شهاب الدين القرافي في القواعد فنص على أنه لا ينتفع بذلك إلا إذا قرأ على القبر مشافهة وهو قول خارج عن المذهب". نقل هذه الفتوى من المعيار ونقلها كنون. وكلام هؤلاء الأئمة إنما هو في أن القراءة يصل ثوابها دون توقف على القراءة
стр. 915
على القبر خلافا لمن شرط ذلك وهو القرافي وليس هو فيما اتخذ سنة للتقرب من القراءة عند دفن الميت على قبره الذي هو موضوعنا. والعبدوسي الذي نقل هذا عنهم هو الذي أفتى- كما قدمنا- بما هو مذهب السلف من السكوت والاعتبار. فلم يفهم من كلام هؤلاء الأئمة- قطعا- خلاف ما أفتى به. وليس عندي مختصر ابن الحاجب ولا مختصر ابن عرفة حتى أعرف ما قالا. وأحسب أنه لو كان لهما قول مقابل لمذهب مالك لذكره شراح مختصر خليل وحواشيهم.
ثم قال فضيلته: (وذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله ووافقهما عياض والقرافي من المالكية وبعض الحنفية إلى استحباب القراءة عند القبر خاصة) وكان عليه - أيضا- أن يذكر مأخذه وأحسبه استند في هذا النقل المجمل المبهم على ما نقله كنون والرهوني والحطاب من كلام القرافي، وقد وقع منهم اختصار في نقله أدى إلى اضطراب فيه، فقال الرهوني نقلا عن القرافي: "مذهب أحمد بن حنبل وأبي حنيفة أن القراءة يحصل ثوابها للميت إذا قرىء عند القبر حصل للميت أجر المستمع" فأوهم أن القراءة عند القبر شرط في مذهبهما ووقع غيره في هذا الوهم فنقل عنهما التفريق بين القراءة عند القبر وعند غيره. ونحن ننقل لك كلام القرافي من الفرق الثاني والسبعين بعد المائة لتتجلى لك حقيقة مذهبهما وموضوع كلامهما.
قال القرافي: "وقسم اختلف فيه هل فيه حجر (أي منع للعامل من نقله لغيره) أم لا. وهو الصيام والحج وقراءة القرآن فلا يحصل شيء من ذلك للميت عند مالك والشافعي ﵄. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل يصل ثواب القراءة للميت.
فأنت ترى أن الشافعي موافق لمالك خلافا لما زعمه فضيلته، وأن موضوع الكلام في وصول القراءة للميت لا في اتخاذها قربة في المواطن