← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1038–1077 · переход к 1043.

стр. 1038

(١٨٠) باب الجَدِّ يقاسم الإخوة (١٨٢١) قال الشافعي: إذا وَرِثَ الجَدُّ مع الإخوةِ للأبِ والأمِّ أو للأبِ قاسَمَهُم ما كانت المقاسَمَةُ خيرًا له مِنْ الثلثِ، فإذا كان الثلثُ خيرًا له منها أعْطَيْتُه، وهذا قولُ زيد بن ثابت، وعنه قَبِلْنا (١) أكْثَرَ الفرائضِ، وقد رُوِيَ هذا القولُ عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ أنّهم قالوا فيه مثلَ قولِ زيدٍ، وهذا قولُ الأكثرِ مِنْ فُقهاءِ البلدانِ. (١٨٢٢) فإن قال قائل: فإنّا نَزْعُمُ أنّ الجدَّ أبٌ لخصالٍ؛ منها: أنّ اللهَ ﵎ قال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]، فسَمَّى (٢) الجدَّ في النَّسَبِ أبًا، ولم يَنْقُصْه المسلمون مِنْ السُّدُسِ وهكذا حُكْمُهم للأبِ،

стр. 1039

[وحَجَبُوا بالجدِّ بَنِي الأمِّ، وهكذا حُكْمُهُم في الأبِ (١)، فكيف جاز أنْ تُفَرِّقُوا بين أحْكامِه وأحكامِ الأبِ فيما سِواها؟ .. قلنا: إنّهم لم يَجْمَعُوا بين أحْكامِهما فيها قياسًا منهم للجدِّ على الأبِ؛ لأنّه لو كان إنّما يَرِثُ باسْمِ الأبُوَّةِ لوَرِثَ ودُونَه أبٌ، أو كان قاتلًا، أو مملوكًا، أو كافرًا، فالأبُوَّةُ تَلْزَمُه وهو غيرُ وارثٍ، وإنّما وَرَّثْناه بالخبرِ في بعضِ المواضعِ دون بعضٍ، لا باسمِ الأبُوَّةِ، ونحن لا نَنْقُصُ الجَدَّةَ مِنْ السدسِ، أفَتَرَى ذلك قياسًا على الأبِ يَحْجُبُون بها الإخوةَ للأمِّ؟ وقد حَجَبْتُم الإخوةَ مِنْ الأمِّ بابْنَةِ ابْنٍ مُتَسَفِّلَةٍ (٢)، أفَتَحْكُمُون لها بحُكْمِ الأبِ؟ وهذا يُبَيِّنُ أنّ الفرائضَ تَجْتَمِعُ في بعضِ الأمُورِ دون بعضٍ، وقلنا: أليس إنّما يُدْلِي الجدُّ بقَرابَةِ الميِّتِ بأن يَقُولَ: أنا أبُو أبِ الميِّتِ، والأخُ يَقُولُ: أنا ابنُ أبي الميِّتِ، فكِلاهما يُدْلِي بقرابةِ أبي الميِّتِ؟ وقلنا: أفَرَأيْتُم لو كان أبُوه الميِّتَ في تلك الساعة أيُّهما أوْلى بمِيراثِه؟ قالوا: يَكُونُ لأخِيه خَمْسَةُ أسْداسٍ، ولجَدِّه سُدُسٌ، قلنا: فإذا كان الأخُ أوْلى بكَثْرَةِ الميراثِ ممّن يُدْلِيان بقَرابَتِه [فكيف جازَ أن يُحْجَبَ الذي هو أوْلى بالأبِ الذي يُدْلِيَان بقَرابَتِه (٣) بالذي هو أبْعَدُ؟! ولولا الخبرُ كان القياسُ أن يُعْطَى الأخُ خمسةَ أسْهُمٍ والجَدُّ سَهْمًا؛ كما وَرَّثْناهما حين ماتَ ابنُ الجدِّ وأبو الأخِ.

стр. 1040

[٣٣] كتاب الوصايا مما وَضَعَ بخطه لا أعلمه سُمِع منه

стр. 1041

(١٨٢٣) قال الشافعي فيما يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ مِنْ قولِه: «ما حَقُّ امرئٍ … »: يحتمل .. ما الحَزْمُ لامْرِئٍ (١) أن يَبِيتَ ليلَتَيْن إلّا ووَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عنده، ويحتمل .. ما المعْرُوفُ في الأخْلاقِ إلّا هذا، لا مِنْ وَجْهِ الفَرْضِ (٢). (١٨٢٤) قال الشافعي: وإذا أوْصَى بمِثْلِ نصيبِ ابْنِه، لا ابنَ له غيرُه .. فله النِّصْفُ، فإن لم يُجِز الابنُ .. فله الثلثُ، ولو قال: بمِثْلِ نصيبِ أحَدِ وَلَدِي .. فله مع الابْنَيْن الثلثُ، ومع الثلاثةِ الرُّبُعُ، حتّى يَكُونَ كأحَدِهم، ولو كان وَلَدُه رجالًا ونساءً .. أعْطَيْتُه نصيبَ امرأةٍ، ولو كانتْ له ابْنَةٌ وابْنَةُ ابنٍ .. أعْطَيْتُه سُدُسًا (٣)، ولو قال: بمِثْلِ نصيبِ أحَدِ وَرَثَتِي .. أعْطَيْتُه مِثْلَ أقَلِّهِم نَصِيبًا. (١٨٢٥) ولو قال: ضِعْفَ ما يُصِيبُ أحَدَ وَلَدِي .. أعْطَيْتُه مِثْلَه مرَّتَيْن، وإنْ قال: ضِعْفَيْن .. فإنْ كان نَصِيبُه مائةً أعْطَيْتُه ثَلاثَمائةٍ، فأكُونُ

стр. 1042

قد أضْعَفْتُ المائةَ التي تُصِيبُه بمَنْزِلَةِ مرَّةٍ ثُمّ مَرَّةٍ (١). (١٨٢٦) ولو قال: لفلانٍ نصيبٌ، أو حظٌّ، أو قليلٌ، أو كثيرٌ، مِنْ مالي .. ما عَرَفْتُ لـ (كَثِيرٍ) حَدًّا، ووَجَدْتُ رُبعَ دينارٍ قليلًا يُقْطَعُ فيه، ومائتي درهمٍ قليلًا فيها الزّكاةُ، وكُلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ قليلٍ وَقَعَ عليه اسْمُ كثيرٍ، وقيل للورثةِ: أعْطُوه ما شِئتُم يَقَعُ عليه اسْمُ ما قال الميِّتُ. (١٨٢٧) قال: ولو أوْصَى لرجلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بنِصْفِه، ولآخَرَ برُبُعِه، فلم تُجِز الورثةُ .. قُسِمَ الثلثُ على الحِصَصِ، فإنْ أجازوا .. قُسِمَ المالُ على ثلاثةَ عشرَ جُزْءًا، لصاحبِ النصفِ ستةٌ، ولصاحبِ الثلثِ أربعةٌ، ولصاحبِ الربعِ ثلاثةٌ، حتّى يَكُونُوا سواءً في العَوْلِ. (١٨٢٨) ولو أوْصَى بغُلامِه وهو يَسْوَى خمْسَمائةٍ، وبدارِه لآخَرَ وهي تَسْوَى ألفًا (٢)، وبخمْسِمائةٍ لآخَرَ، والثلثُ ألفٌ .. دَخَلَ على كُلِّ واحدٍ منهم عَوْلُ نصفٍ، فصار للذي له الغلامُ نصفُه، وللذي له الدارُ نصفُها، وللذي له خمسُمائةٍ نصفُها.

стр. 1043

(١٨٢٩) ولو أوْصَى لوارِثٍ وأجْنَبِيٍّ، فلم يُجِيزُوا .. فللأجْنَبِيِّ النصفُ، ويَسْقُطُ النصفُ (١). (١٨٣٠) وتجوزُ الوصيةُ لما في البطنِ، وبما في البطنِ (٢)، إذا كان يَخْرُجُ لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فإنْ خَرَجُوا عَدَدًا ذُكْرانًا وإناثًا فالوصيةُ بينهم سواءٌ، وهم لمن أوْصَى بهم له. (١٨٣١) ولو أوْصَى بخِدْمَةِ عَبْدِه أو بغَلَّةِ دارِه أو ثَمَرِ بُسْتانِه، والثلثُ يَحْمِلُه .. جاز ذلك (٣). (١٨٣٢) ولو كان أكْثَرَ مِنْ الثلثِ فأجاز الورثةُ في حياتِه .. لم يَجُزْ ذلك، إلّا أن يُجِيزُوه بعد مَوْتِه. (١٨٣٣) ولو قال: أعْطُوه رأسًا مِنْ رقيقي .. أُعْطِيَ ما شاء الوارثُ، مَعِيبًا أو غيرَ مَعِيبٍ، ولو هلكتْ إلّا رأسًا .. كان له إذا حَمَلَه الثلثُ. (١٨٣٤) ولو أوْصَى بشاةٍ مِنْ ماله .. قيل للورثة: أعْطُوه أو اشْتَرُوها له، صغيرةً كانتْ أو كبيرةً، ضائنةً أو ماعزةً. (١٨٣٥) ولو قال: بعيرًا أو ثَوْرًا (٤) .. لم يَكُنْ لهم أن يُعْطُوه ناقةً

стр. 1044

ولا بقرةً، ولو قال: عشر أيْنُقٍ أو عشْرَ بقراتٍ .. لم يَكُنْ لهم أن يُعْطُوه ذكرًا، ولو قال: عشرةَ أجْمالٍ أو أثوارٍ .. لم يَكُنْ لهم أن يُعْطُوه أنثى، فإن قال: عشرةً مِنْ إبلي .. أعْطَوْه ما شاؤوا. (١٨٣٦) فإن قال: أعْطُوه دابَّةً مِنْ مالي .. فمِن الخيلِ أو البغالِ أو الحميرِ، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، أعجفَ أو سَمِينًا. (١٨٣٧) ولو قال: أعْطُوه كلبًا مِنْ كلابي .. أعطاه الوارثُ أيَّها شاء. (١٨٣٨) ولو قال: طَبْلًا مِنْ طُبولي، وله طبلان: للحرب وللهو .. أعْطَوْه أيَّهما شاؤوا، فإن لم يَصْلُح الذي للهو إلّا للضَّرْبِ .. لم يَكُنْ لهم أن يُعْطُوه إلّا الذي للحرب. (١٨٣٩) ولو قال: عُودًا مِنْ عِيداني، وله عيدانٌ يُضْرَبُ بها، وعِيدانُ قِسِيٍّ وعِصِيٍّ .. فالعُودُ الذي يُواجَه به المكلَّم هو الذي يُضْرَبُ به، فإنْ صَلَحَ لغيرِ الضَّرْبِ .. جاز بلا وَتَرٍ، وكذلك المزاميرُ. (١٨٤٠) ولو قال: عُودًا مِنْ القِسِيِّ .. لم يُعْطَ قَوْسَ نَدَّافٍ ولا جُلاهِقٍ، وأعْطِيَ مَعْمُولَةً؛ أي: قوسَ نَبْلٍ، أو نُشّابٍ، أو حُسْبانٍ (١).

стр. 1045

(١٨٤١) قال: وتُجْعَلُ وصيَّتُه في الرقابِ في المكاتَبِينَ، ولا يُبْتَدأ منه عِتْقٌ، ولا يَجُوزُ في أقَلَّ مِنْ ثَلاثِ رِقابٍ، فإن نقَصَ .. ضَمِنَ حِصَّةَ مَنْ تَرَكَ. (١٨٤٢) فإن لم يَبْلُغْ ثلاثَ رِقابٍ وبَلَغَ أقَلَّ رَقَبَتَيْن يَجِدُهما ثَمَنًا وفَضَلَ فَضْلٌ .. جَعَلَ الرَّقَبَتَيْن أكْثَرَ ثَمَنًا حتّى يُعْتِقَ رَقَبَتَيْن، ولا يُفْضِلُ شيئًا لا يَبْلُغُ قيمةَ رَقَبَةٍ، ويُجْزِئ صغيرُها وكبيرُها (١). (١٨٤٣) ولو أوْصَى أن يُحَجَّ عنه، ولم يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ .. فإنْ بَلَغَ ثُلُثُه حَجَّةً مِنْ بَلَدِه أحَجَّ عنه مِنْ بَلَدِه، وإن لم يَبْلُغْ أحَجَّ عنه مِنْ حيث بَلَغَ. قال المزني: قلت أنا (٢): والذي يُشْبِهُ قَوْلَه أن يُحَجَّ عنه مِنْ رأسِ مالِه؛ لأنّه في قولِه دَيْنٌ عليه (٣).

стр. 1046

(١٨٤٤) قال الشافعي: ولو قال: أحِجُّوا عنّي رجلًا بمائة درهمٍ، وأعْطُوا ما بَقِي مِنْ ثُلُثِي فلانًا، وأوْصَى بثُلُثِ مالِه لرجلٍ بعَيْنِه .. فللمُوصَى له بالثلثِ نِصْفُ الثلثِ، وللحاجِّ والموصَى له بما بَقِي نصفُ الثلثِ، ويَحُجُّ عنه رجلٌ بمائةٍ. (١٨٤٥) ولو أوْصَى بأمَةٍ لزَوْجِها وهو حُرٌّ .. فلم يَعْلَمْ حتّى وَضَعَتْ له بعد مَوْتِ سَيِّدِها أولادًا .. فإنْ قَبِلَ عَتَقُوا، ولم تَكُنْ أمُّهُم أمَّ وَلَدٍ حتّى تَلِدَ منه بعد قَبُولِه بستَّةِ أشْهُرٍ فأكْثَرَ؛ لأنّ الوطءَ قبل القَبُولِ وطءُ نكاحٍ، ووطءُ القبولِ وطءُ مِلكٍ، فإنْ مات قبل أن يَقْبَلَ أو يَرُدَّ .. قام ورَثَتُه مَقامَه، فإنْ قَبِلُوا فإنّما مَلَكُوا لأبيهم، وأولادُ أبيهم الذين وَلَدَتْ بعد مَوْتِ سَيِّدِها أحرارٌ، وأمُّهم مملوكةٌ، وإنْ رَدُّوا كانوا مماليكَ، وكَرِهْتُ ما فَعَلُوا. قال المزني: قلت أنا (١): لو مات أبُوهُم قبل المِلْكِ .. لم يَجُزْ أن يَمْلِكُوا عنه ما لم يَمْلِكْ، ومِن قولِه [ف: ٧١٦]: «لو أهَلّ شوّالٌ ثُمّ قَبِلَ كانت الزكاةُ عليه»، وفي ذلك دليلُ أنّ المِلْكَ مُتَقَدِّمٌ، ولولا ذلك ما كانتْ عليه زكاةُ ما لا يَملِكُ (٢).

стр. 1047

(١٨٤٦) قال الشافعي: ولو أوْصَى بجاريةٍ ومات، ثُمّ وَهَبَ للجاريةِ مائةَ دينارٍ (١)، وهي ثلثُ مالِ الميِّتِ، ووَلَدَتْ، ثُمّ قَبِل الوصيةَ .. فالجاريةُ له، ولا يَجُوزُ فيها بما وَهَبَ لها (٢) ووَلَدِها إلّا واحدٌ مِنْ قولَيْن: إمّا أن يَكُونَ وَلَدُها، وما وَهَبَ لها في مِلْكِ الموصَى له، فإنْ ردَّها فإنّما أخْرَجَها مِنْ مِلْكِه إلى الميِّتِ، وله ولدُها وما وَهَبَ لها؛ لأنّه حَدَثَ في مِلْكِه،

стр. 1048

والقول الثاني: أنّ ذلك ممّا يَمْلِكُه حادِثًا بقَبُولِ الوصيةِ، وهذا قولٌ يَنْكَسِرُ، لا نَقُولُ به؛ لأنّ القبولَ إنّما هو على مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، وليس بمِلْكٍ حادِثٍ، قال: وقد قيل: تَكُونُ له الجاريةُ، وثُلُثُ وَلَدِها، وثُلُثُ ما وَهَبَ لها. قال المزني: هذا قولُ بعضِ الكوفيّين (١)، قال أبو حنيفة: تَكُونُ له الجاريةُ وثُلُثُ وَلَدِها، وقال أبو يُوسف ومحمد (٢): يَكُونُ له ثُلُثا الجاريةِ، وثُلُثا وَلَدِها. قال المزني: وأحَبُّ إليَّ قولُ الشافعي (٣)، أنّها ووَلَدَها على قَبُولِ مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، قال المزني: وقد قَطَعَ بالقولِ الثاني أنّ المِلْكَ مُتَقَدِّمٌ، وإذا كان كذلك وأقام الوارثَ في القَبُولِ مُقَامَ أبيه، فالجاريةُ له بمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، ووَلَدُها وما وَهَبَ لها مِلْكٌ حادثٌ بسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ. قال المزني: ويَنْبَغِي في المسألةِ الأولى أن تَكُونَ امْرَأتُه أمَّ وَلَدِه، وكيف يَكُونُ أولادُها بقَبُولِ الوارثِ أحْرارًا على أبيهم، ولا تَكُونُ أمُّهم أمَّ وَلَدٍ لأبيهم، وهو يُجِيزُ أن يَمْلِكَ الأخُ أخاه، وفي ذلك دليلُ أن لو كان مِلْكًا حادثًا لوَلَدِ الميِّتِ لكانوا له مماليكَ، وقد قَطَعَ بهذا المعنى الذي قلتُ في «كتاب الزكاة» [ف: ٧١٦]، فتَفَهَّمْه كذلك تَجِدْه إن شاء الله. (١٨٤٧) قال الشافعي: ولو أوْصَى له بثُلُثِ شيءٍ بعَيْنِه، فاسْتُحِقَّ ثُلثاه .. كان له الثلثُ الباقي إن احْتَمَلَه ثُلُثُه. (١٨٤٨) قال: ولو أوْصَى بثُلُثِه للمساكين .. نُظِرَ إلى مالِه فقُسِمَ ثُلُثُه

стр. 1049

في ذلك البلد، [وكذلك لو أوْصَى لغازين في سبيلِ الله، فهم الذين مِنْ البلد (١) الذي به مالُه. (١٨٤٩) ولو أوصَى له، فقَبِلَ أو رَدَّ قبل مَوْتِ الموصِي .. كان له قَبُولُه ورَدُّه بعد مَوْتِه، وسواءٌ أوصَى له بأبيه أو غيرِه. (١٨٥٠) قال: ولو أوْصَى له بدارٍ .. كانت له وما ثَبَتَ فيها مِنْ أبْوابِها وغيرِها، دون ما فيها، ولو انْهَدَمَتْ في حياةِ الموصِي .. كانتْ له إلّا ما انْهَدَم منها فصار غيرَ ثابتٍ فيها. (١٨٥١) قال: ويجوزُ نكاحُ المريضِ. (١٨٥٢) وقال في «الإملاء»: يَلْحَقُ الميِّتَ مِنْ فِعْلِ غيرِه وعملِه ثلاثٌ: حَجٌّ يُؤدَّى، ومالٌ يُتَصَدَّقُ به عنه أو يُقْضَى (٢)، ودعاءٌ، أجاز النبيُّ ﷺ الحجَّ عن الميِّتِ، ونَدَبَ اللهُ إلى الدعاءِ وأمَرَ به رسولُه ﷺ ، فإذا جاز للأخِ حَيًّا جازَ له ميتًا، وكذلك ما تَطَوَّعَ به عنه مِنْ صدقةٍ. (١٨٥٣) وقال في كتاب آخر: ولو أوْصَى له ولمن لا يُحْصَى بثُلُثِه .. فالقياسُ أنّه كأحدِهم (٣).

стр. 1050

(١٨١) باب الوصية للقرابة (١) (١٨٥٤) قال الشافعي: ولو قال: ثُلُثِي لقَرابَتِي، أو لذَوِي رَحِمِي، أو لأرْحامِي .. فسواءٌ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأمِّ، وأقْرَبُهم وأبْعَدُهم وأغْناهم وأفْقَرُهم سواءٌ؛ لأنّهم أُعْطُوا باسمِ القرابةِ كما أعْطِيَ مَنْ شَهِدَ القتالَ باسم الحضورِ، فإنْ كان من قبيلةٍ مِنْ قُرَيْشٍ .. أعْطِيَ بقَرابتِه المعروفةِ عند العامّةِ، فيُنْظَرُ إلى القبيلةِ التي يُنْسَبُ إليها فيُقالُ: مِنْ بَني عبدِ منافٍ، ثُمّ يُقالُ: وقد تَفْتَرِقُ بنو عبدِ منافٍ، فمِن أيّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عبدِ يزيدَ بنِ هاشم بن المطلب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم قبائلُ، فإن قيل: فمِن أيّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عُبَيْد بن عبد يزيد (٢)، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هُمْ بنو السائب بن عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم بنو شافعٍ، وبنو عليٍّ، وبنو عباسٍ أو: عيّاشٍ - شك المزني (٣) - وكلُّ هؤلاء بنو السائب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، كلُّ بطنٍ مِنْ هؤلاء يَتَمَيَّزُ عن صاحبِه، فإذا كان مِنْ آلِ شافعٍ قيل لقرابتِه: هم آلُ شافعٍ، دون آلِ عليٍّ والعباسِ؛ لأنّ كلَّ هؤلاء مُتَمَيِّزٌ ظاهرٌ. (١٨٥٥) ولو قال: لأقْرَبِهم بي رَحِمًا .. أُعْطِيَ أقْرَبُهم بأبيه وأمِّه سواءً، وأيُّهم جَمَعَ قرابةً لأبٍ وأمٍّ كان أقْرَبَ ممّن انْفَرَدَ بأبٍ أو أمٍّ، وإنْ كان أخٌ وجَدٌّ .. كان للأخِ في قولِ مَنْ جَعَلَه أوْلى بولاءِ الموالى (٤).

стр. 1051

(١٨٢) باب ما يكون رجوعًا في الوصية (١٨٥٦) قال الشافعي: وإذا أوْصَى لرجلٍ بعَبْدٍ بعَيْنِه، ثُمّ أوْصَى به لآخَرَ .. فهو بينهما نصفان. (١٨٥٧) ولو قال: العبدُ الذي أوْصَيْتُ به لفلانٍ لفلانٍ، أو: قد أوْصَيْتُ بالذي أوْصَيْتُ به لفلانٍ لفلانٍ .. كان هذا رجوعًا عن الأوَّلِ إلى الآخِرِ. (١٨٥٨) ولو أوْصَى أن يُباعَ، أو دَبَّرَه، أو وَهَبَه .. كان هذا رُجوعًا، ولو أجَّرَه أو عَلَّمَه أو زَوَّجَه .. لم يكن رُجوعًا. (١٨٥٩) ولو كان الموصَى به قَمْحًا فخَلَطَه بقَمْحٍ، أو طَحَنَه دقيقًا، أو دَقِيقًا فصَيَّرَه عَجِينًا .. كان أيضًا رُجوعًا، ولو أوْصَى له بمَكِيلَةِ حنطةٍ ممّا في بَيْتِه، ثُمّ خَلَطَها بمِثْلِها لم يَكُنْ رُجوعًا، وكانتْ له المكِيلَةُ بحالها.

стр. 1052

(١٨٣) باب المرض الذي تجوز فيه الأُعْطيَة ولا تجوز (١)، والخوفُ غيرُ المرض (١٨٦٠) قال الشافعي: كلُّ مَرَضٍ كان الأغْلَبُ فيه أنّ الموْتَ مَخُوفٌ عليه .. فعَطِيَّتُه إنْ مات في حُكْمِ الوَصايا، وإلّا .. فهو كالصَّحِيحِ. (١٨٦١) قال: ومِن المخُوفِ منه إذا كانتْ حُمَّى تَدْأبُ بصاحِبِها (٢)، ثُمّ إذا تَطاوَلَتْ .. فهو مَخُوفٌ، إلّا الرِّبْعَ (٣)؛ فإنّها إذا اسْتَمَرَّتْ بصاحِبِها رِبْعًا فغيرُ مَخُوفَةٍ، فإنْ كان معها وَجَعٌ .. كان مَخُوفًا، وذلك مثل البِرْسامِ، أو الرُّعافِ الدّائمِ، أو ذاتِ الجنْبِ، أو الخاصِرَةِ، أو القُولَنْجِ، ونحوِه، فهو مَخُوفٌ. (١٨٦٢) وإنْ سَهُلَ بَطْنُه يومًا أو اثْنَيْن ويَأتِي منه الدّمُ عند الخلاءِ .. لم يَكُنْ مَخُوفًا (٤)، فإن اسْتَمَرَّ به بعد يَوْمَيْن حتّى يُعْجِلَه، أو يَمْنَعَه النّوْمَ،

стр. 1053

أو يَكُونَ البَطْنُ مُنْخَرِقًا .. فهو مَخُوفٌ، وإن لم يَكُنْ مُنْخَرِقًا ومعه زَحِيرٌ أو تَقْطِيعٌ (١) .. فهو مخوف. (١٨٦٣) وإذا أشْكَلَ سُئِلَ عنه أهْلُ البَصَرِ (٢). (١٨٦٤) ومَن ساوَرَه الدّمُ حتّى تَغَيَّرَ عَقْلُه، أو المُرارُ، أو البَلْغَمُ .. كان مَخُوفًا (٣)، فإذا اسْتَمَرَّ به البَلْغَمُ فالجًا .. فالأغْلَبُ إذا تَطاوَلَ أنّه غيرُ مَخُوفٍ.

стр. 1054

(١٨٦٥) والسِّلُّ غيرُ مَخُوفٍ (١). (١٨٦٦) والطاعونُ مَخُوفٌ حتّى يَذْهَبَ. (١٨٦٧) ومَن أنْفَذَتْه الجراحُ .. فمَخُوفٌ، فإن لم تَصِلْ إلى مَقْتَلٍ، ولم تَكُنْ في مَوْضِعِ لحْمٍ، ولم يَغْلِبْه لها وَجَعٌ ولا ضَرَبانٌ، ولم يَأتَكِلْ ويَرِمَّ .. فغيرُ مَخُوفٍ (٢). (١٨٦٨) وإذا الْتَحَمَ في الحرْبِ .. فمَخُوفٌ، وإن كان في أيْدِي مُشْرِكِين يَقْتُلُون الأُسارَى .. فمَخُوفٌ. وقال في «الإملاء»: «إذا قُدِّمَ مَنْ عليه قِصاصٌ غيرُ مخوفٍ (٣)، ما لم يُجْرَحُوا؛ لأنّه يُمْكِن أن يُتْرَكُوا فيَحْيَوْا»، قال المزني: قلت أنا (٤): الأوّل أشْبَه بقولِه، وقد يُمْكِنُ أن يَسْلَمَ مِنْ الْتِحامِ الحرْبِ، ومِن كُلِّ مَرَضٍ مَخُوفٍ (٥). (١٨٦٩) قال الشافعي: وإذا ضَرَبَ الحاملَ الطَّلْقُ .. فهو مخوفٌ؛ لأنّه كالتَّلَفِ وأشَدُّ وَجَعًا.

стр. 1055

(١٨٤) باب الأوصياء (١٨٧٠) قال الشافعي: ولا تَجُوزُ الوصيةُ إلّا إلى بالغٍ مسلمٍ حُرٍّ عَدْلٍ، أو امرأةٍ كذلك. (١٨٧١) فإنْ تَغَيَّرَتْ حالُه أخْرَجْتُ الوصيةَ مِنْ يَدِه، وضُمَّ إليه إذا كان ضَعِيفًا أمِينٌ معه. (١٨٧٢) قال: فإنْ أوْصَى إلى غيرِ ثقةٍ .. فقد أخْطَأ على غيرِه، فلا يَجُوزُ ذلك. (١٨٧٣) ولو أوْصَى إلى رجلين، فمات أحدُهما أو تَغَيَّرَ .. أبْدِلَ مكانَه آخَرُ. (١٨٧٤) فإن اخْتَلَفا قُسِمَ بينهما ما كان يُقْسَمُ، وجُعِلَ في أيْدِيهما نِصْفَيْن، وأمِرَا بالاحتفاظِ بما لا يُقْسَمُ. (١٨٧٥) وليس للوَصِيِّ أن يُوصِيَ بما أُوصِيَ به إليه؛ لأنّ الميِّتَ لم يَرْضَ الموصَى إليه الآخَرَ، وإن قال: فإنْ حَدَثَ بوَصِيِّ حَدَثٌ فقد أوْصَيْتُ إلى مَنْ أوْصَى إليه .. لم يَجُزْ؛ لأنّه إنّما يُوصِي بمالِ غيرِه. وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: «إنّ ذلك جائزٌ إذا قال: قد أوْصَيْتُ إليك بتَرِكَةِ فلانٍ»، قال المزني: قلت أنا (١): قولُه هذا يُوافِقُ قولَ الكوفيِّينَ والمدنيِّينَ، والذي قَبْلَه أشْبَهُ بقَوْلِه عندي (٢).

стр. 1056

(١٨٧٦) قال الشافعي: ولا وِلايَةَ للوَصِيِّ في إنْكاحِ بَناتِ الميِّتِ.

стр. 1057

(١٨٥) ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى (١٨٧٧) قال الشافعي: ويُخْرِجُ الوَصِيُّ مِنْ مالِ اليَتِيمِ كُلَّ ما لَزِمَه، مِنْ زكاةِ مالِه، وجنايتِه، وما لا غِنَى به عنه مِنْ نفقتِه وكسوتِه بالمعروفِ، وإذا بَلَغَ الحُلُمَ ولم يَرْشُدْ زَوَّجَه، وإذا احْتاجَ إلى خادمٍ ومِثْلُه يُخْدَمُ اشْتَرَى له، ولا يَجْمَعُ له امْرَأتَيْن ولا جاريَتَيْن للوطءِ وإن اتَّسَعَ مالُه؛ لأنّه لا ضِيقَ في جاريةٍ للوطءِ، فإنْ أكْثَرَ الطلاقَ لم يُزَوَّجْ، ويُسَرَّى، والعِتْقُ مردودٌ عليه. (١٨٧٨) قال المزني: قلت أنا (١): هذا آخِرُ ما وَصَفْتُ في هذا الكتابِ أنّه وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُ أحَدًا سَمِعَه منه، وسَمِعْتُه يقولُ (٢): لو قال: أعْطُوه كذا وكذا مِنْ دنانيري .. أعْطِيَ دينارَيْن، ولو لم يَقُلْ: مِنْ دنانيري .. أعْطَوْه ما شاؤوا اثنَيْن.

стр. 1058

[٣٤] كتاب الوديعة (١)

стр. 1059

(١٨٧٩) قال الشافعي: وإذا أُودِعَ رجلٌ وَدِيعةً (١)، فأرادَ سَفَرًا، فلم يَثِقْ بأحَدٍ يَجْعَلُها عنده، فسافَرَ بها بَرًّا أو بَحْرًا .. ضَمِنَ. (١٨٨٠) وإنْ دَفَنَها في مَنْزِلِه، ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا يَأتَمِنُه على مالِه، فهَلَكَتْ .. ضَمِنَ. (١٨٨١) وإنْ أوْدَعَها غيرَه وصاحِبُها حاضِرٌ عند سَفَرِه .. ضَمِنَ، فإن لم يَكُنْ حاضِرًا فأوْدَعَها أمِينًا يُودِعُه مالَه .. لم يَضْمَنْ. (١٨٨٢) وإنْ تَعَدَّى فيها ثُمّ رَدَّها في مَوْضِعِها فهَلَكَتْ .. ضَمِنَ بخُرُوجِه بالتَّعَدِّي مِنْ الأمانةِ. (١٨٨٣) ولو أوْدَعَ عَشَرةَ دراهمَ فأنْفَقَ منها درهمًا ثُمّ رَدَّه فيها .. ضَمِنَ الدرهَمَ (٢). (١٨٨٤) ولو أوْدَعَه دابَّةً وأمَرَه بعَلْفِها وسَقْيِها، فأمَرَ مَنْ فَعَلَ ذلك بها في دارِه كما يَفْعَلُ بدَوابِّه .. لم يَضْمَنْ، وإنْ بَعَثَها إلى غيرِ دارِه وهو يَسْقِي في دارِه .. ضَمِنَ، وإن لم يَأمُرْه بعَلْفِها ولا بسَقْيِها ولم يَنْهَه، فحَبَسَها مُدَّةً إذا أتَتْ على مِثْلِها لم تَأكُلْ ولم تَشْرَبْ هَلَكَتْ .. ضَمِنَ، وإن لم تَكُنْ كذلك فتَلِفَتْ .. لم يَضْمَنْ، ويَنْبَغِي أن يأتيَ الحاكمَ حتّى يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ منه النفقةَ عليها، ويَكُونُ دَيْنًا على رَبِّها أو يَبِيعُها، فإنْ أنْفَقَ على غيرِ ذلك .. فهو مُتَطَوِّعٌ.

стр. 1060

(١٨٨٥) ولو أوْصَى المودَعُ إلى أمينٍ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ كان غيرَ أمينٍ .. ضَمِنَ. (١٨٨٦) وإن انْتَقَلَ مِنْ قريةٍ آهِلَةٍ إلى غيرِ آهِلَةٍ .. ضَمِنَ. (١٨٨٧) وإنْ شَرَطَ أن لا يُخْرِجَها مِنْ هذا الموضعِ، فأخْرَجَها مِنْ غيرِ ضرورةٍ .. ضَمِنَ، وإن كان ضرورةٌ فأخْرَجَها إلى حِرْزٍ .. لم يَضْمَنْ. (١٨٨٨) ولو قال المودَعُ: أخْرَجْتُها لمّا غَشِيَتْنِي النارُ .. فإن عُلِمَ أنّه قد كان في تلك الناحيةِ نارٌ أو أثَرٌ يَدُلُّ .. فالقولُ قولُه مع يمينِه. (١٨٨٩) ولو قال: دَفَعْتُها إلى فلانٍ بأمْرِك .. فالقولُ قولُ المودَعِ، ولو قال: دَفَعْتُها إليك .. فالقولُ قولُ المودَعِ. (١٨٩٠) ولو حَوَّلها مِنْ خريطةٍ إلى أحْرَزَ أو مِثْلِ حِرْزِها .. لم يَضْمَنْ، فإن لم يكن حِرْزًا لها .. ضَمِنَ. (١٨٩١) ولو أكْرَهَه رجلٌ على أخْذِها .. لم يَضْمَنْ. (١٨٩٢) ولو شَرَطَ أن لا يَرْقُدَ على صُنْدُوقٍ هي فيه، فرَقَدَ عليه .. كان قد زاده حِرْزًا. (١٨٩٣) ولو قال: لم تُودِعْنِي شيئًا، ثُمّ قال: قد كُنْتَ اسْتَوْدَعْتَنِيه فهَلَكَ .. ضَمِنَ. (١٨٩٤) وإن شَرَطَ أن يَرْبِطَها في كُمِّه، فأمْسَكَها في يَدِه، فتَلِفَتْ .. لم يَضْمَن، ويَدُه أحْرَزُ (١).

стр. 1061

(١٨٩٥) وإذا هَلَكَ وعِنْدَه وديعةٌ بعَيْنِها .. فهي لرَبِّها، وإنْ كانتْ بغيرِ عَيْنِها، مثلَ: دنانيرَ، أو ما لا يُعْرَفُ بعَيْنِه .. حاصَّ رَبُّ الوديعةِ الغرماءَ. (١٨٩٦) ولو ادَّعَى رجلان الوديعةَ، مثلَ: عبدٍ أو بعيرٍ، فقال: هي لأحدِكما ولا أدْرِي أيُّكما هو .. قيل لهما: هل تَدَّعِيان شيئًا غيرَ هذا بعَيْنِه؟ فإن قالا: لا .. أُحْلِفَ المودَعُ بالله ما يَدْرِي أيُّهما هو، ووُقِفَ لهما جميعًا، حتّى يَصْطَلِحا فيه، أو يُقِيمَ أحدُهما بَيِّنَةً، وأيُّهما حَلَفَ مع نُكولِ صاحبِهِ كان له.

стр. 1062

[٣٥] كتاب قَسْم الفيء والغنيمة (١)

стр. 1063

(١٨٩٧) قال الشافعي: أصلُ ما يَقُومُ به الولاةُ مِنْ جُمَلِ المالِ ثلاثةُ وجوهٍ؛ أحدها: ما أخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا له، فذلك لأهلِ الصَّدَقاتِ، لا لأهلِ الفيءِ، والوجهان الآخران: ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ، كِلاهُما مُبَيَّنٌ في كتابِ الله وسُنّةِ رسولِه وفِعْلِه ﷺ ، فأحدهما: الغنيمةُ، قال اللهُ جل ثنائه: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والوجه الثاني: هو الفَيْءُ، قال الله جل ذكره: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآية [الحشر: ٧]. (١٨٩٨) قال الشافعي: فالغنيمةُ والفَيْءُ يَجْتَمِعان في أنّ فيهما معًا الخمسَ مِنْ جميعِهما لمَن سمّاه الله في الآيتَيْن معًا سواءً، ثُمّ تَفْتَرِقُ الأحكامُ في الأربعةِ الأخماسِ بما بَيَّنَ اللهُ على لِسانِ رسولِه ﷺ وفي فِعْلِه؛ فإنّه قَسَمَ أربعةَ أخْماسِ الغنيمةِ على ما وَصَفْتُ مِنْ قَسْمِ (١) الغنيمةِ - وهي: الموجَفُ عليها بالخيلِ والرِّكابِ - لمَن حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، و «الفَيْءُ»: هو (٢) ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ (٣)، وكانتْ سُنَّةُ رسول الله ﷺ في

стр. 1064

قُرًى عَرَبِيّةٍ أفاءها اللهُ عليه أربعةُ أخماسِها لرسولِ اللهِ صلى الله عليه خاصّةً دُون المسلمين، يَضَعُه حيثُ أراه اللهُ. (١٨٩٩) وقال عمر بن الخطاب حين اخْتَصَم إليه العباسُ وعليٌّ في أموالِ النبيِّ ﷺ : «كانتْ أموالُ بني النَّضِيرِ ممّا أفاء اللهُ على رسولِه ممّا لم يُوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، فكانتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خاصَّةً دون المسلمين، فكان يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقَةَ سَنَةٍ، فما فَضَلَ جَعَلَه في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ الله، ثُمّ تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ فوَلِيَها أبو بكرٍ بمِثْلِ ما وَلِيَها به رسولُ الله ﷺ ، ثُمّ وَلِيَها عمرُ بمِثْلِ ما وَلِيَها به رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ الصديق رحمة الله عليه، فوَلَّيْتُكُماها على أنْ تَعْمَلا فيها بمِثْلِ ذلك، فإنْ عَجَزْتُما عنها فادْفَعاها إليَّ أكْفِكُماها». قال الشافعي: وفي ذلك دَلالةٌ على أنّ عُمَرَ حَكَى أنّ أبا بكرٍ وهو أمْضَيَا ما بَقِيَ مِنْ هذه الأمْوالِ التي كانتْ بيَدِ رسولِ الله ﷺ على وَجْهِ ما رَأيَا رسولَ الله ﷺ يَعْمَلُ به فيها، وأنّه لم يَكُنْ لهما ممّا لم يُوجِفْ عليه مِنْ الفَيْءِ ما للنَّبِيِّ ﷺ ، وأنّهما فيه أسْوَةُ المسلمين، وكذلك سِيرَتُهما وسيرةُ مَنْ بعدهما، وقد مَضَى مَنْ كان يُنْفِقُ عليه رسولُ الله ﷺ ، ولم أعْلَمْ أحَدًا مِنْ أهْلِ العلمِ قال: إنّ ذلك لوَرَثَتِهم، ولا خالَفَ في أنْ تُجْعَلَ تلك النفقاتُ حيثُ كان النبيُّ ﷺ يَجْعَلُ فُضُولَ غَلّاتِ تلك الأموالِ ممّا فيه صَلاحُ الإسلامِ وأهْلِهِ، قال رسولُ الله ﷺ : «لا يَقْتَسِمَنَّ وَرَثَتِي دينارًا، ما تَرَكْتُ بعد نَفَقَةِ أهْلِي ومَؤُونَةِ عامِلي فهو صدقةٌ».

стр. 1065

قال الشافعي: فما صار في أيْدِي المسلمين مِنْ فَيْءٍ لم يُوجَفْ عليه .. فخُمُسُه حيثُ قَسَمَهُ رسولُ الله ﷺ ، وأربعةُ أخْماسِه على ما سأبَيِّنُه إنْ شاء الله، وكذلك ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ مِنْ جِزْيَةٍ وصُلْحٍ عن أرْضِهِم، أو أخِذَ مِنْ أمْوالهم إذا اخْتَلَفُوا في بِلادِ المسلمين، أو مات منهم مَيِّتٌ لا وارِثَ له، وما أشْبَه هذا ممّا أخَذَه الوُلاةُ مِنْ المشركين، والخمسُ فيه ثابتٌ على مَنْ قَسَمَه اللهُ مِنْ أهْلِ الخمسِ الموجَفِ عليه مِنْ الغنيمةِ، وهذا هو المسَمَّى في كتابِ الله ﵎: الفَيْءَ، وفُتِحَ في زَمانِ رسولِ الله ﷺ فُتُوحٌ في قُرًى عَرَبِيَّةٍ وَعَدَها اللهُ جل وعز رَسُولَه ﷺ قَبْلَ فَتْحِها، فأمْضاها ﷺ لمَنْ سَمَّى له، ولم يَحْبِسْ منها ما حَبَسَ مِنْ القُرَى التي كانت له ﷺ . ومعنى قولِ عُمَرَ: «لرسول الله ﷺ خاصَّةً» يُريدُ ما كان يَكُونُ للموجِفِين، وذلك أربعةُ أخماسٍ، فاسْتَدْلَلْنا بذلك بأنّ خُمُسَ ذلك - كخُمُسِ ما أوجِفَ عليه - لأهلِه. (١٩٠٠) وجملةُ الفَيْءِ: ما رَدَّه اللهُ ﵎ على أهْلِ دِينِه مِنْ مال مَنْ خالفَ دِينَه.

стр. 1066

(١٨٦) باب الأنفال (١) (١٩٠١) قال الشافعي: ولا يُخْرَجُ مِنْ رأسِ الغنيمةِ قبل الخُمُسِ غيرُ السَّلَبِ للقاتلِ (٢)، قال أبو قتادة: «خَرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، فلمّا الْتَقَيْنا كانتْ للمسلمين جَوْلَةٌ، فرَأيْتُ رَجُلًا مِنْ المشركين قد عَلا رَجُلًا مِنْ المسلمين»، قال: «فاسْتَدَرْتُ له حتّى أتَيْتُه مِنْ وَرائِه، فضَرَبْتُه على حَبْلِ عاتِقِه (٣)، فأقْبَلَ عليَّ فضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ منها رِيحَ الموْتِ، ثُمّ أدْرَكَه الموتُ فأرْسَلَنِي، فلَحِقْتُ عُمَرَ فقُلْتُ: ما بالُ الناسِ؟ قال: أمْرُ اللهِ، ثُمّ إنّ الناسَ رَجَعُوا، فقال رسولُ الله ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُه، فقُمْتُ فقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟ ثُمّ جَلَسْتُ، يَقُولُ وأقُولُ ثلاثَ مرّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ : ما لَكَ يا أبا قتادةَ؟ فاقْتَصَصْتُ عليه القصَّةَ، فقال رجلٌ مِنْ القَوْمِ: صَدَقَ يا رسولَ الله، وسَلَبُ ذلك القَتِيلِ عندي، فأرْضِه منه، فقال

стр. 1067

أبو بكرٍ: لاها اللهِ، إذًا لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقاتِلُ عن الله وعن رسولِه فيُعْطِيك سَلَبَه، فقال رسولُ الله ﷺ : صدق، فأعْطِه إيّاه، فأعْطانِيه، فبِعْتُ الدِّرْعَ، فابْتَعْتُ به مَخْرَفًا في بني سَلِمَةَ، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُه في الإسلام (١)»، ورُوِيَ أنّ شِبْرَ بنَ علقمةَ قال: «بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فبَلَغَ سَلَبُه اثْنَيْ عشرَ ألْفًا، فنَفَّلَنِيه سعدٌ». قال الشافعي: فالذي لا أشُكُّ فيه: أن يُعْطَى السَّلَبَ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا، مُقْبِلًا، يُقاتِلُ، مِنْ أيّ وجهٍ قَتَلَه، مُبارِزًا أو غيرَ مُبارِزٍ (٢)، وقد أعْطَى النبيُّ ﷺ سَلَبَ مَرْحَبٍ مَنْ قَتَلَه مُبارِزًا، وأبو قتادةَ غيرُ مبارِزٍ، ولكنّ المقْتُولَيْن مُقْبِلانِ، ولقَتْلِهما مُقْبِلَيْن والحربُ قائمةٌ مَؤُونَةٌ ليستْ له إذا انْهَزَمُوا أو انْهَزَمَ المقتولُ (٣)، وفي حديثِ أبي قَتادةَ ما دَلَّ على أنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ» يومَ حُنَيْنٍ بعدما قَتَلَ أبو قَتادةَ الرَّجُلَ، وإعطاءُ النبيِّ ﷺ ذلك حُكْمٌ عندنا. (١٩٠٢) قال: ولو ضَرَبَه ضَرْبَةً فقَدَّ يَدَيْه أو رِجْلَيْه ثُمّ قَتَلَه آخَرُ .. فإنّ

стр. 1068

سَلَبَه للأوَّلِ (١)، وإنْ ضَرَبَه ضَرْبَةً وهو مُمْتَنِعٌ فقَتَلَه آخَرُ .. كان سَلَبُه للآخَرِ، ولو قَتَلَه اثْنانِ .. كان سَلَبُه بينهما نصفين (٢). (١٩٠٣) والسَّلَبُ الذي يَكُونُ للقاتلِ: كُلُّ ثَوْبٍ يَكُونُ عليه، وسِلاحُه، ومِنْطَقَتُه، وفَرَسُه إنْ كان رَاكِبَه أو مُمْسِكَه، وكُلُّ ما أخِذَ مِنْ يَدِه (٣). (١٩٠٤) والنَّفَلُ مِنْ وجهٍ آخَرَ، نَفَلَ رسولُ الله ﷺ مِنْ غنيمةٍ قِبَلَ نَجْدٍ بعيرًا بعيرًا، وقال سعيد بنُ المسيب: «كانوا يُعْطُون النَّفْلَ مِنْ الخُمُسِ»، قال الشافعي: نَفَّلَهُم النبيُّ ﷺ مِنْ خُمُسِه كما كان يَصْنَعُ بسائرِ مالِه فيما فيه صلاحُ المسلمين، وما سِوَى سَهْمِ النبيِّ ﷺ مِنْ جميعِ الخُمُسِ لمَن سَمّاه الله جل وعز له، فيَنْبَغِي للإمامِ أن يَجْتَهِدَ إذا كَثُرَ العَدُوُّ واشْتَدَّتْ شَوْكَتُه، وقَلَّ مَنْ بإزائِه مِنْ المسلمين فيُنَفِّلُ منه اتِّباعًا لسُنَّة رسولِ الله ﷺ ، وإلّا لم يَفْعَلْ. (١٩٠٥) وقد رُوِيَ في النَّفْلِ في البداءَةِ والرَّجْعَةِ، الثُّلُثُ في واحدةٍ، والرُّبُعُ في الأخْرَى، وروايةُ ابنِ عمرَ أنّه نَفَّلَ نِصْفَ السُّدُسِ، فهذا يَدُلُّ على أنّه ليس للنَّفْلِ حَدٌّ لا يُجاوِزُه الإمامُ، ولكنْ على الاجتهادِ.

стр. 1069

(١٨٧) باب تفريق القسم (١٩٠٦) قال الشافعي: كُلُّ ما حَصَلَ ممّا غُنِمَ مِنْ أهلِ دارِ الحرْبِ مِنْ شيءٍ قَلَّ أو كَثُرَ مِنْ دارٍ أو أرْضٍ أو غيرِ ذلك قُسِمَ، إلّا الرِّجالَ البالغِين، فالإمامُ فيهم مُخَيَّرٌ بين أن يَمُنَّ أو يَقْتُلَ أو يُفادِيَ أو يَسْبِيَ، وسبيلُ ما سُبِيَ أو أخِذَ منهم مِنْ شيءٍ على إطْلاقِهم سَبِيلُ الغنيمةِ، وفادَى رسولُ الله ﷺ رجلًا برَجُلَيْن. (١٩٠٧) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَعْزِلَ خُمُسَ ما حَصَلَ بعدما وَصَفْنا كاملًا، ويُقِرَّ أربعةَ أخْماسِه لأهلِها، ثُمّ يَحْسِبَ مَنْ حَضَرَ القتالَ مِنْ الرِّجالِ المسلمِين البالغِين، ويَرْضَخَ مِنْ ذلك لمن حَضَرَ (١) مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ وغيرِ البالغِين مِنْ المسلمِين والنساءِ، فيُنَفِّلَهُم شَيْئًا بحُضُورِهم، ويَرْضَخَ لمن قاتل أكْثَرَ مِنْ غيرِه، وقد قيل: لهم مِنْ الجميعِ (٢). (١٩٠٨) ثُمّ يَعْرِفُ عَدَدَ الفُرْسانِ والرَّجَّالَةِ الذين حَضَرُوا القتالَ، فيَضْرِبُ كما ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ ، للفَرَسِ سَهْمَيْن وللفارسِ سَهْمًا، وللرّاجِلِ سَهْمًا، وليس يَمْلِكُ الفرسُ شيئًا، إنّما يَمْلِكُه صاحبُه لِمَا تَكَلَّفَ مِنْ اتِّخاذِه، واحْتَمَلَ مِنْ مُؤْنَتِه، ونَدَبَ اللهُ إلى اتِّخاذِه لعَدُوِّه.

стр. 1070

(١٩٠٩) ومَن حَضَرَ بفَرَسَيْن فأكْثَرَ لم يُعْطَ إلّا لواحدٍ؛ لأنّه لا يَلْقَى إلّا بواحدٍ، ولو أسْهَمَ لاثْنَيْن لأسْهَم لأكْثَرَ. (١٩١٠) ولا يُسْهِمُ لراكبٍ دابَّةً غيرَ دابَّةِ الخيلِ. (١٩١١) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَتَعاهَدَ الخيلَ، فلا يُدْخِلَ إلّا شديدًا، ولا يُدْخِلَ حَطِمًا، ولا قَحْمًا ضعيفًا (١)، ولا ضَرَعًا، ولا أعْجَفَ رازِحًا (٢)، وإنْ أغْفَلَ فدَخَلَ رَجلٌ على واحدٍ منها فقد قيل: لا يُسْهِمُ له؛ لأنّه لا يُغْنِي غَناءَ الخيلِ التي يُسْهَمُ لها، ولا أعْلَمُه أسْهِمَ فيما مَضَى على مثلِ هذه (٣). (١٩١٢) وإنّما يُسْهِمُ للفَرَسِ إذا حَضَرَ صاحبُه شيئًا مِنْ الحربِ فارسًا (٤)، فأمّا إذا كان فارسًا إذا دَخَلَ بلادَ العَدُوِّ ثُمّ مات فَرَسُه، أو كان فارسًا بعد انقطاعِ الحربِ وجَمْعِ الغنيمة .. فلا يُضْرَبُ له، ولو جاز أن

стр. 1071

يُسْهَمَ له لأنّه ثَبَتَ في الديوانِ حين دَخَلَ، لكان صاحبُه إذا ثَبَتَ في الديوانِ ثُمّ مات قبل الغنيمة أحَقَّ أن يُسْهَمَ له. (١٩١٣) ولو دَخَلَ يُريدُ الجهادَ فمَرِضَ أو لم يُقاتِلْ .. أسْهِمَ له (١). (١٩١٤) ولو كان لرجلٍ أجيرٌ يُريدُ الجهادَ .. فقد قيل: يُسْهَمُ له، وقيل: يُخَيَّرُ بين أن يُسْهَمَ له وتُطْرَحَ الإجارةُ، أو الإجارةُ ولا سَهْمَ له، وقيل: يُرْضَخُ له (٢). (١٩١٥) قال: ولو أفْلَتَ إليهم أسيرٌ قبل تُحْرَزُ الغنيمةُ .. فقد قيل: يُسْهَمُ له، وقيل: لا يُسْهَمُ له، إلّا أن يَكونَ قتالٌ فيُقاتِلَ، فأرَى أن يُسْهَمَ له (٣). (١٩١٦) ولو دَخَلَ تُجّارٌ فقاتَلوا .. لم أرَ بأسًا أن يُسْهَمَ لهم، وقد قيل: لا يُسْهَمُ لهم (٤). (١٩١٧) ولو جاءهم مَدَدٌ قبل تَقَضِّي الحربِ، فحَضَرُوا منها شيئًا قَلَّ أو كَثُرَ .. شَرَكُوهم في الغنيمةِ، فإنْ تَقَضَّت الحربُ، ولم يَكُنْ للغنيمةِ مانعٌ .. لم يَشْرَكُوهم. (١٩١٨) ولو أنّ قائدًا فَرَّقَ جندَه في وَجْهَيْن، فغَنِمَتْ إحْدَى الفِرْقَتَيْن،

стр. 1072

أو غَنِمَ العسكرُ ولم تَغْنَمْ واحدةٌ منهما .. شَرَكُوهم؛ لأنّهم جيشٌ واحدٌ، وكُلُّهم رِدْءٌ لصاحبِه (١)، قد مَضَتْ خيلُ المسلمِين فغَنِمَتْ بأوْطاسٍ غنائمَ كثيرةً، وأكْثَرُ العسكرِ بحُنَيْنٍ، فشَرَكُوهم، وهم مع رسولِ الله ﷺ ، ولكنْ لو كان قومٌ مُقِيمِين ببلادِهم، فخَرَجَتْ منهم طائفةٌ فغَنِمُوا .. لم يَشْرَكُوهم، وإنْ كانوا منهم قريبًا؛ لأنّ السَّرايا كانتْ تَخْرُجُ مِنْ المدينةِ فتَغْنَمُ فلا يَشْرَكُهم أهلُ المدينة (٢)، ولو أنّ إمامًا بَعَثَ جَيْشَيْن على كُلِّ واحدٍ منهما قائدٌ، وأمَرَ كُلَّ واحدٍ منهما أن يَتَوَجَّهَ ناحيةً غيرَ ناحيةِ صاحبِه مِنْ بلادِ عَدُوِّهم، فغَنِمَ أحَدُ الجيشَيْن .. لم يَشْرَكْهُم الآخَرُون، فإن اجْتَمَعُوا فغَنِمُوا مُجْتَمِعِين فهم كجيشٍ واحدٍ.

стр. 1073

(١٨٨) باب تفريق الخمس (١٩١٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. (١٩٢٠) ورُوِيَ عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: «إنّ رسولَ الله ﷺ لمّا قَسَمَ سَهْمَ ذي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، أتَيْتُه أنا وعثمانُ بنُ عفّانَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، هؤلاء إخْوانُنا مِنْ بني [هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم؛ لمكانِك الذي وَضَعَكَ الله جل وعز به منهم، أرأيتَ إخْوانَنا مِنْ بني (١) المطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وتَرَكْتَنا، وإنّما قرابَتُهم وقرابَتُنا واحدةٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : إنّما بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ هكذا، وشَبَّكَ بين أصابِعِه»، ورَوَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ لم يُعْطِ بني عبدِ شَمْسٍ ولا بني نَوْفَلٍ مِنْ ذلك شيئًا، قال الشافعي: فيُعْطَى سَهْمُ ذي القُرْبَى في ذَوِي القُرْبَى حيثُ كانوا، ولا يُفَضَّلُ أحدٌ على أحدٍ، حَضَرَ القتالَ أو لم يَحْضُرْ، إلّا سَهْمُه في الغنيمةِ كسَهْمِ العامّةِ، ولا فقيرٌ على غَنِيٍّ. (١٩٢١) ويُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا؛ لأنّهم أُعْطُوا باسمِ القرابةِ، فإن قيل: فقد أعْطَى النبي ﷺ بعضَهم مائةَ وَسْقٍ، وبعضَهم أقَلَّ .. قيل: لأنّ بعضَهم كان ذا وَلَدٍ، فإذا أعْطاه حَظَّه وحَظَّ غيرِه قيل: أعْطاه أكْثَرَ مِنْ غيرِه، والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنّ باسمِ القرابةِ أُعْطُوا، وأنّ حديثَ

стр. 1074

جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ (١). (١٩٢٢) قال الشافعي: ويُفَرَّقُ ثلاثةُ أخْماسِ الخمُسِ على مَنْ سَمَّى اللهُ، على اليَتامَى والمساكين وابنِ السَّبِيلِ في بلادِ الإسلام، يُحْصَوْنَ، ثُمّ يُوَزَّعُ بينهم، لكُلِّ صِنْفٍ منهم سَهْمُه، لا يُعْطَى أحَدٌ منهم سَهْمَ صاحبِه (٢). (١٩٢٣) وقد مَضَى رسولُ الله ﷺ بأبي هو وأمّي، فاخْتَلَفَ أهلُ العلمِ عندنا في سَهْمِه، فمنهم مَنْ قال: يُرَدُّ على السُّهْمانِ التي ذَكَرَها الله معه؛ [لأنّي رأيتُ المسلمِين قالوا فيمَن سُمِّيَ له سَهْمٌ مِنْ الصّدقاتِ فلم يُوجَدْ: رُدَّ على مَنْ سُمِّيَ معه (٣)، وهذا مَذْهبٌ يَحْسُنُ، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه الإمامُ حيثُ رَأى، على الاجتهادِ للإسلامِ وأهْلِه، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه في الكُراعِ والسِّلاحِ. والذي أخْتارُ: أن يَضَعَه الإمامُ في كُلِّ أمْرٍ حَصَّنَ به الإسلامَ وأهلَه؛ مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ، أو إعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعْطاءِ أهْلِ البَلاءِ في الإسلامِ نَفْلًا عند الحربِ وغيرِ الحربِ، إعدادًا للزيادةِ في تَعْزِيزِ الإسلامِ وأهلِه،

стр. 1075

على ما صَنَعَ فيه رسولُ الله ﷺ ؛ فإنّه أعْطَى المؤَلَّفَةَ ونَفَلَ في الحربِ، وأعْطَى عامَ حُنَيْنٍ نَفَرًا مِنْ أصحابِه مِنْ المهاجرين والأنصار أهْلِ حاجةٍ وفَضْلٍ، وأكْثَرُهم أهلُ حاجةٍ، ونَرَى ذلك كُلَّه مِنْ سَهْمِه، والله أعلم (١). (١٩٢٤) قال: وممّا احْتَجّ به الشافعيُّ في ذَوِي القُرْبَى: أنْ رَوَى حديثًا عن ابنِ أبي ليلى، قال: «لَقِيتُ عليًّا، فقلتُ له: بأبي وأمي، ما فَعَلَ أبو بكرٍ وعُمَرُ في حَقِّكُم أهلَ البَيْتِ مِنْ الخمس؟ فقال عليٌّ: أمّا أبو بكر رحمة الله عليه .. فلم يَكُنْ في زمانِه أخْماسٌ، وما كان فقد أوْفاناه، وأمّا عُمَرُ .. فلم يَزَلْ يُعْطِيناه حتّى جاءه مالُ السُّوسِ والأهْوازِ - أو قال: مال الأهواز (٢)، أو قال: فارس، قال الشافعي: أنا أشُكُّ - فقال عمرُ في حديث مَطَرٍ أو في حديثٍ آخَرَ (٣): إنّ في المسلمِين خَلَّةً، فإنْ أحْبَبْتُمْ تَرَكْتُم حَقَّكُم فجَعَلْناه في خَلَّةِ المسلمِين حتّى يأتِيَنا مالٌ فأوفِيَكُم حَقَّكُم، فقال العباسُ رحمة الله عليه: لا تُطْمِعْه في حَقِّنا، فقلتُ: يا أبا الفَضْلِ، ألَسْنا مِنْ أحَقِّ مَنْ أجاب أميرَ المؤمنين، ورَفَعَ خَلَّةَ المسلمِين، فتُوُفِّيَ عمرُ قبل أن يَأتِيَه مالٌ يَقْضِيناه؟»، وقال الحكمُ في حديثِ مَطَرٍ أو الآخَرِ: «إنّ عُمَرَ قال: لكم حَقٌّ (٤)، ولا يَبْلُغُ عِلْمِي أنْ أذْكُرَ أن يَكُونَ لكم كُلُّه، فإنْ شِئتُمْ أعْطَيْتُكُم بقَدْرِ ما أرَى لكم، فأبَيْنا عليه إلّا كُلَّه، فلم يُعْطِناه كُلَّه (٥)».

стр. 1076

(١٩٢٥) قال الشافعي للمُنازِعِ في سَهْمِ ذي القُرْبَى: أليسَ مَذْهَبُ العلماءِ في القَديمِ والحديثِ أنّ الشيءَ إذا كان مَنْصُوصًا في كتابِ الله جل ثناؤه، بَيِّنًا على لسانِ رسولِ الله ﷺ أو فِعْلِه، أنّ عليهم قَبُولَه؟ فقد ثَبَتَ سَهْمُهم في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله جل وعز، وفي فِعْلِ رسولِ الله ﷺ بخَبَرِ ثِقَةٍ (١) لا مُعارِضَ له في إعطاءِ النبيِّ ﷺ غَنِيًّا لا دَيْن عليه في إعطائِه العباسَ بنَ عبدِالمطّلِبِ وهو في كَثْرَةِ مالِه يَعُولُ عامَّةَ بني عبدالمطَّلِبِ .. دليلٌ على أنّهم اسْتَحَقُّوا بالقرابةِ، لا بالحاجةِ؛ كما أعْطَى الغنيمةَ مَنْ حَضَرَها لا بالحاجةِ، وكذلك مَنْ اسْتَحَقَّ الميراثَ بالقرابةِ لا بالحاجةِ، وكيف جاز لك أنْ تُريدَ إبطالَ اليمينِ مع الشاهدِ بأنْ تَقُولَ: هي خلافُ ظاهرِ القرآنِ، وليستْ مُخالِفَةً (٢)، ثُمّ تَجِدُ سَهْمَ ذي القُرْبَى مَنْصُوصًا في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله معهما سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، فتَرُدُّهُ؟ أرأيْتَ لو كان (٣) عارَضَك مُعارِضٌ فأثْبَتَ سَهْمَ ذي القُرْبَى، وأسْقَطَ اليَتامَى والمساكينَ وابنَ السَّبِيلِ، ما حُجَّتُك عليه إلّا كهِيَ عليك؟

стр. 1077

(١٨٩) باب تفريق ما أُخِذ من أربعة أخماس الفيء غيرِ الموجَفِ عليه (١) (١٩٢٦) قال الشافعي: ويَنْبَغِي للإمامِ (٢) أن يُحْصِيَ جميعَ مَنْ في البلدانِ مِنْ المقاتِلَةِ، وهُم مَنْ قد احْتَلَمَ أو اسْتَكْمَل خمسَ عشْرةَ سَنَةً مِنْ الرجالِ، [ويُحْصِيَ الذُّرِّيَّةَ، وهم مَنْ دُونَ المحْتَلِمِ ودُون خمسَ عشْرةَ سَنَةً (٣)، والنساءَ، صغيرَهم وكبيرَهم، ويَعْرِفَ قَدْرَ نفقاتِهم وما يَحْتاجُون إليه مِنْ مُؤْناتهم بقَدْرِ مَعاشِ مِثْلِهم في بُلْدانِهم.
следующие страницы →