(١٨٨)
باب تفريق الخمس
(١٩١٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
(١٩٢٠) ورُوِيَ عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: «إنّ رسولَ الله ﷺ لمّا قَسَمَ سَهْمَ ذي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، أتَيْتُه أنا وعثمانُ بنُ عفّانَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، هؤلاء إخْوانُنا مِنْ بني [هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم؛ لمكانِك الذي وَضَعَكَ الله جل وعز به منهم، أرأيتَ إخْوانَنا مِنْ بني (١) المطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وتَرَكْتَنا، وإنّما قرابَتُهم وقرابَتُنا واحدةٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : إنّما بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ هكذا، وشَبَّكَ بين أصابِعِه»، ورَوَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ لم يُعْطِ بني عبدِ شَمْسٍ ولا بني نَوْفَلٍ مِنْ ذلك شيئًا، قال الشافعي: فيُعْطَى سَهْمُ ذي القُرْبَى في ذَوِي القُرْبَى حيثُ كانوا، ولا يُفَضَّلُ أحدٌ على أحدٍ، حَضَرَ القتالَ أو لم يَحْضُرْ، إلّا سَهْمُه في الغنيمةِ كسَهْمِ العامّةِ، ولا فقيرٌ على غَنِيٍّ.
(١٩٢١) ويُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا؛ لأنّهم أُعْطُوا باسمِ القرابةِ، فإن قيل: فقد أعْطَى النبي ﷺ بعضَهم مائةَ وَسْقٍ، وبعضَهم أقَلَّ .. قيل: لأنّ بعضَهم كان ذا وَلَدٍ، فإذا أعْطاه حَظَّه وحَظَّ غيرِه قيل: أعْطاه أكْثَرَ مِنْ غيرِه، والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنّ باسمِ القرابةِ أُعْطُوا، وأنّ حديثَ
стр. 1074
جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ (١).
(١٩٢٢) قال الشافعي: ويُفَرَّقُ ثلاثةُ أخْماسِ الخمُسِ على مَنْ سَمَّى اللهُ، على اليَتامَى والمساكين وابنِ السَّبِيلِ في بلادِ الإسلام، يُحْصَوْنَ، ثُمّ يُوَزَّعُ بينهم، لكُلِّ صِنْفٍ منهم سَهْمُه، لا يُعْطَى أحَدٌ منهم سَهْمَ صاحبِه (٢).
(١٩٢٣) وقد مَضَى رسولُ الله ﷺ بأبي هو وأمّي، فاخْتَلَفَ أهلُ العلمِ عندنا في سَهْمِه، فمنهم مَنْ قال: يُرَدُّ على السُّهْمانِ التي ذَكَرَها الله معه؛ [لأنّي رأيتُ المسلمِين قالوا فيمَن سُمِّيَ له سَهْمٌ مِنْ الصّدقاتِ فلم يُوجَدْ: رُدَّ على مَنْ سُمِّيَ معه (٣)، وهذا مَذْهبٌ يَحْسُنُ، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه الإمامُ حيثُ رَأى، على الاجتهادِ للإسلامِ وأهْلِه، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه في الكُراعِ والسِّلاحِ.
والذي أخْتارُ: أن يَضَعَه الإمامُ في كُلِّ أمْرٍ حَصَّنَ به الإسلامَ وأهلَه؛ مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ، أو إعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعْطاءِ أهْلِ البَلاءِ في الإسلامِ نَفْلًا عند الحربِ وغيرِ الحربِ، إعدادًا للزيادةِ في تَعْزِيزِ الإسلامِ وأهلِه،
стр. 1075
على ما صَنَعَ فيه رسولُ الله ﷺ ؛ فإنّه أعْطَى المؤَلَّفَةَ ونَفَلَ في الحربِ، وأعْطَى عامَ حُنَيْنٍ نَفَرًا مِنْ أصحابِه مِنْ المهاجرين والأنصار أهْلِ حاجةٍ وفَضْلٍ، وأكْثَرُهم أهلُ حاجةٍ، ونَرَى ذلك كُلَّه مِنْ سَهْمِه، والله أعلم (١).
(١٩٢٤) قال: وممّا احْتَجّ به الشافعيُّ في ذَوِي القُرْبَى: أنْ رَوَى حديثًا عن ابنِ أبي ليلى، قال: «لَقِيتُ عليًّا، فقلتُ له: بأبي وأمي، ما فَعَلَ أبو بكرٍ وعُمَرُ في حَقِّكُم أهلَ البَيْتِ مِنْ الخمس؟ فقال عليٌّ: أمّا أبو بكر رحمة الله عليه .. فلم يَكُنْ في زمانِه أخْماسٌ، وما كان فقد أوْفاناه، وأمّا عُمَرُ .. فلم يَزَلْ يُعْطِيناه حتّى جاءه مالُ السُّوسِ والأهْوازِ - أو قال: مال الأهواز (٢)، أو قال: فارس، قال الشافعي: أنا أشُكُّ - فقال عمرُ في حديث مَطَرٍ أو في حديثٍ آخَرَ (٣): إنّ في المسلمِين خَلَّةً، فإنْ أحْبَبْتُمْ تَرَكْتُم حَقَّكُم فجَعَلْناه في خَلَّةِ المسلمِين حتّى يأتِيَنا مالٌ فأوفِيَكُم حَقَّكُم، فقال العباسُ رحمة الله عليه: لا تُطْمِعْه في حَقِّنا، فقلتُ: يا أبا الفَضْلِ، ألَسْنا مِنْ أحَقِّ مَنْ أجاب أميرَ المؤمنين، ورَفَعَ خَلَّةَ المسلمِين، فتُوُفِّيَ عمرُ قبل أن يَأتِيَه مالٌ يَقْضِيناه؟»، وقال الحكمُ في حديثِ مَطَرٍ أو الآخَرِ: «إنّ عُمَرَ قال: لكم حَقٌّ (٤)، ولا يَبْلُغُ عِلْمِي أنْ أذْكُرَ أن يَكُونَ لكم كُلُّه، فإنْ شِئتُمْ أعْطَيْتُكُم بقَدْرِ ما أرَى لكم، فأبَيْنا عليه إلّا كُلَّه، فلم يُعْطِناه كُلَّه (٥)».
стр. 1076
(١٩٢٥) قال الشافعي للمُنازِعِ في سَهْمِ ذي القُرْبَى: أليسَ مَذْهَبُ العلماءِ في القَديمِ والحديثِ أنّ الشيءَ إذا كان مَنْصُوصًا في كتابِ الله جل ثناؤه، بَيِّنًا على لسانِ رسولِ الله ﷺ أو فِعْلِه، أنّ عليهم قَبُولَه؟ فقد ثَبَتَ سَهْمُهم في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله جل وعز، وفي فِعْلِ رسولِ الله ﷺ بخَبَرِ ثِقَةٍ (١) لا مُعارِضَ له في إعطاءِ النبيِّ ﷺ غَنِيًّا لا دَيْن عليه في إعطائِه العباسَ بنَ عبدِالمطّلِبِ وهو في كَثْرَةِ مالِه يَعُولُ عامَّةَ بني عبدالمطَّلِبِ .. دليلٌ على أنّهم اسْتَحَقُّوا بالقرابةِ، لا بالحاجةِ؛ كما أعْطَى الغنيمةَ مَنْ حَضَرَها لا بالحاجةِ، وكذلك مَنْ اسْتَحَقَّ الميراثَ بالقرابةِ لا بالحاجةِ، وكيف جاز لك أنْ تُريدَ إبطالَ اليمينِ مع الشاهدِ بأنْ تَقُولَ: هي خلافُ ظاهرِ القرآنِ، وليستْ مُخالِفَةً (٢)، ثُمّ تَجِدُ سَهْمَ ذي القُرْبَى مَنْصُوصًا في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله معهما سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، فتَرُدُّهُ؟ أرأيْتَ لو كان (٣) عارَضَك مُعارِضٌ فأثْبَتَ سَهْمَ ذي القُرْبَى، وأسْقَطَ اليَتامَى والمساكينَ وابنَ السَّبِيلِ، ما حُجَّتُك عليه إلّا كهِيَ عليك؟
стр. 1077
(١٨٩)
باب تفريق ما أُخِذ من أربعة أخماس الفيء غيرِ الموجَفِ عليه (١)(١٩٢٦) قال الشافعي: ويَنْبَغِي للإمامِ (٢) أن يُحْصِيَ جميعَ مَنْ في البلدانِ مِنْ المقاتِلَةِ، وهُم مَنْ قد احْتَلَمَ أو اسْتَكْمَل خمسَ عشْرةَ سَنَةً مِنْ الرجالِ، [ويُحْصِيَ الذُّرِّيَّةَ، وهم مَنْ دُونَ المحْتَلِمِ ودُون خمسَ عشْرةَ سَنَةً (٣)، والنساءَ، صغيرَهم وكبيرَهم، ويَعْرِفَ قَدْرَ نفقاتِهم وما يَحْتاجُون إليه مِنْ مُؤْناتهم بقَدْرِ مَعاشِ مِثْلِهم في بُلْدانِهم.
стр. 1078
(١٩٢٧) ثُمّ يُعْطِيَ المقاتِلَةَ في كُلِّ عامٍ عطاءَهم، والذُّرِّيَّةَ والنساءَ ما يَكْفِيهم لِسَنَتِهم في كِسْوَتِهم ونَفَقاتِهم؛ طعامًا أو قيمتَه دراهمَ أو دنانيرَ، يُعْطِي المنْفُوسَ شَيْئًا (١)، ثُمّ يُزادُ كُلَّما كَبِرَ على قَدْرِ مُؤنَتِه، وهذا مُسْتَوٍ؛ لأنّهم يُعْطَوْنَ الكفايةَ، ويُخْتَلَفُ في مَبْلَغِ العَطاءِ باخْتلافِ أسْعارِ البُلْدانِ وحالاتِ الناسِ فيها، بأنّ المؤونَةَ في بعضِ البلادِ أثْقَلُ منها في بعضٍ، ولا أعْلَمُ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في أنّ العطاءَ للمقاتِلَةِ حيثُ كانوا إنّما يَكُونُ مِنْ الفيءِ، وقالوا: لا بأسَ أن يُعْطِيَ الرجلُ لنفسِه أكْثَرَ مِنْ كفايَتِه، وذلك أنّ عُمَرَ بَلَغَ في العطاءِ خمسةَ آلافٍ، وهي أكْثَرُ مِنْ كفايةِ الرجلِ لنفسِه، ومنهم مَنْ قال: خمسةُ آلافٍ بالمدينةِ، ويُغْزَى إذا غُزِيَ ليستْ بأكْثَرَ مِنْ الكفايةِ إذا غُزِيَ عليها؛ لبُعْدِ المغْزَى، قال الشافعي: وهي كالكفايةِ على أنّه يَغْزُو، وإن لم يَغْزُ في كُلِّ سَنَةٍ.
(١٩٢٨) قال: ولم يَخْتَلِفْ أحَدٌ لَقِيتُه في أن ليس للمَمالِيكِ في العطاءِ حَقٌّ، ولا الأعرابِ الذين هم أهلُ الصدقةِ.
(١٩٢٩) واخْتَلَفُوا في التَّفْضِيلِ على السّابقةِ والنَّسَبِ، فمنهم مَنْ قال: أسَوِّي بين الناسِ، فإنّ أبا بكرٍ حين قال له عُمَرُ: أتَجْعَلُ الذين جاهدُوا في اللهِ بأموالهم وأنفُسِهم وهَجَرُوا ديارَهم كمَن إنّما دَخَلَ في الإسلامِ كُرْهًا؟ فقال أبو بكرٍ: إنّما عَمِلُوا للهِ، وإنّما أجورُهم على اللهِ، وإنّما الدُّنْيا بَلاغٌ، وسَوَّى عليُّ بنُ أبي طالبٍ بين الناسِ ولم يُفَضِّلْ، قال الشافعي: وهذا الذي أخْتارُ، وأسألُ الله التوفيقَ، وذلك أنّي رَأيْتُ اللهَ ﵎ قَسَمَ
стр. 1079
المواريثَ على العَدَدِ فسَوَّى، فقد يَكُونُ الإخوةُ مُتَفاضِلي الغَناءِ (١) عن الميِّتِ في الصِّلَةِ في الحياةِ والحِفْظِ بعد الموتِ، ورَأيْتُ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ لمن حَضَرَ الوَقْعَةَ مِنْ الأربعةِ الأخماسِ على العَدَدِ فسَوَّى، ومنهم مَنْ يُغْنِي غايةَ الغَناءِ وتَكُونُ الفُتُوحُ على يَدَيْه، ومنهم مَنْ يَكُون مَحْضَرُه إمّا غيرَ نافعٍ وإمّا ضارًّا بالجُبْنِ والهزيمة، فلمّا وَجَدْتُ الكتابَ والسُّنَّةَ على التَّسْوِيَةِ كما وَصَفْتُ، كانت التَّسْوِيَةُ أوْلى مِنْ التَّفْضِيلِ على نَسَبٍ أو سابِقَةٍ، ولو وَجَدْتُ الدَّلالةَ على أنّ التَّفْضِيلَ أرْجَحُ بكتابٍ أو سُنَّةٍ، كُنْتُ إلى التَّفْضِيلِ بالدَّلالةِ مع الهوَى أسْرَعَ.
(١٩٣٠) قال الشافعي: وإذا قَرُبَ القَوْمُ مِنْ الجهادِ ورَخُصَتْ أسْعارُهم، أعْطُوا أقَلَّ ممّا يُعْطَى مَنْ بَعُدَتْ دارُه وغَلا سِعْرُه، وهذا وإنْ تَفاضَلَ عَدَدُ العَطِيَّةِ تَسْوِيَةٌ على مَعْنَى ما يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ مِنْ الفَرِيقَيْن في الجهادِ إذا أرادَه (٢).
(١٩٣١) وعليهم أن يَغْزُوا إذا غُزُوا، ويَرَى الإمامُ في إغْزائِهِم رأيَه (٣)، فإن اسْتَغْنَى مُجَاهَدُه بعَدَدٍ أو كَثْرَةٍ مِنْ قُربِه أغْزاهُم إلى أقْرَبِ المواضعِ مِنْ مُجاهَدِهم.
(١٩٣٢) واخْتَلَفَ أصحابُنا في إعطاءِ الذُّرِّيَّةِ ونِساءِ أهْلِ الفَيْءِ، فمنهم
стр. 1080
مَنْ قال: يُعْطَوْن، وأحْسَبُ مِنْ حُجَّتِهم إن لم يَفْعَلْ ومؤنَتُهم تَلْزَمُ رِجالَهم فلم يُعْطِهِم الكفايةَ، فيُعْطِيهم كَمالَ الكفايةِ، ومنهم مَنْ قال: إذا أعْطُوا ولم يُقاتِلُوا فلَيْسُوا بذلك أوْلى مِنْ ذُرِّيَّةِ الأعرابِ ونِسائِهم ورِجالِهم الذين لا يُعْطَوْن مِنْ الفَيْءِ (١).
(١٩٣٣) قال الشافعي: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، أنّ عمر بن الخطاب، قال: «ما أحَدٌ إلّا وله في هذا المالِ حَقٌّ، إلّا ما مَلَكَتْ أيمانُكم، أعْطِيَه أو مُنِعَه».
(١٩٣٤) قال الشافعي: وهذا الحديثُ يَحْتَمِلُ مَعانيَ، منها أن نقولَ: ليس أحَدٌ بمَعْنَى حاجةٍ مِنْ الصدقةِ، أو بمَعْنَى أنّه مِنْ أهلِ الفَيْءِ الذين يَغْزُون، إلّا وله في مالِ الفَيْءِ أو الصدقةِ حَقٌّ، وكان هذا أوْلى مَعانيه، فإن قيل: ما دَلَّ على هذا؟ .. قيل: قولُ رسولِ الله ﷺ في الصدقةِ: «لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ مُكْتَسِبٍ»، والذي أحْفَظُ عن أهلِ العِلْمِ أنَّ الأعرابَ لا يُعْطَوْنَ مِنْ الفَيْءِ، وقد رُوِّينا عن ابنِ عبّاسٍ، أنّه قال: «إنّ أهلَ الفَيْءِ كانُوا في زمانِ رسولِ الله ﷺ بمَعْزِلٍ عن الصدقةِ، وأهلُ الصدقةِ بمَعْزِلٍ عن الفَيْءِ».
(١٩٣٥) قال الشافعي: والعَطاءُ الواجبُ في الفَيْءِ لا يَكُونُ إلّا لِبالِغٍ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، قال ابنُ عُمَرَ: «عُرِضْتُ على رسولِ الله ﷺ عامَ أحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عشْرةَ سَنَةً فرَدَّنِي، وعُرِضْتُ عليه يومَ الخنْدَقِ وأنا ابنُ خمسَ عشْرةَ فأجازَني»، وقال عمر بن عبدالعزيز: «هذا فَرْقٌ بين (٢) المقاتِلَةِ والذُّرِّيَّةِ».
стр. 1081
(١٩٣٦) قال الشافعي: فإنْ أكْمَلَها أعْمَى لا يُطِيقُ القتالَ أبدًا، أو مَنْقُوصُ الخلقِ لا يَقْدِرُ على القتالِ أبدًا .. لم يُفْرَضْ له فَرْضُ المقاتِلَةِ، وأعْطِيَ على كِفايَةِ المُقامِ، وهو شَبيهٌ بالذُّرِّيَّةِ.
(١٩٣٧) فإنْ فُرِضَ لصحيحٍ ثُمّ زَمِنَ .. خَرَجَ مِنْ المقاتِلَةِ، وإنْ مَرِضَ طَوِيلًا يُرْجَى .. أعْطِيَ كالمقاتِلَةِ.
(١٩٣٨) قال: ويُخْرَجُ العطاءُ للمقاتِلَةِ كُلَّ عامٍ في وقتٍ مِنْ الأوقات، والذُّرِّيَّةِ على ذلك الوقتِ.
(١٩٣٩) وإذا صارَ مالُ الفَيْءِ إلى الوالي ثُمّ مات مَيِّتٌ قبل أن يَأخُذَ عَطاءَه .. أعْطِيَه وَرَثَتُه، وإنْ مات قبل أن يَصِيرَ إليه المالُ لذلك العامِ .. لم يُعْطَهُ وَرَثَتُه.
(١٩٤٠) قال الشافعي: وإنْ فَضَلَ مِنْ الفَيْءِ شَيْءٌ بَعْدَما وَصَفْتُ مِنْ إعطاءِ العَطاءِ .. وَضَعَه الإمامُ في إصْلاحِ الحُصُونِ، والازْدِيادِ في السِّلاحِ والكُراعِ، وكُلِّ ما قَوِيَ به المسلمون، فإن اسْتَغْنَوْا عنه وكَمُلَتْ كُلُّ مَصْلَحَةٍ لهم .. فُرِّقَ ما يَبْقَى منه بينهم على قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّون في ذلك المالِ.
(١٩٤١) قال: وإنْ ضاقَ عن مَبْلَغِ العطاءِ .. فَرَّقَه بينهم بالِغًا ما بَلَغَ، لم يَحْبِسْ عنهم منه شيئًا.
(١٩٤٢) قال: ويُعْطِي من الفَيْءِ رِزْقَ الحُكّامِ ووُلاةِ الأحْدَاثِ والصَّلاةِ لأهلِ الفَيْءِ (١).
стр. 1082
(١٩٤٣) وكُلُّ مَنْ قام بأمرِ أهلِ الفَيْءِ مِنْ والٍ وكاتبٍ وجُنْدِيٍّ، ممّن لا غِنَى لأهلِ الفَيْءِ عنه رُزِقَ مِثْلَه، فإنْ وُجِدَ مَنْ يُغْنِي غَناءَه وكان أمينًا بأقَلَّ لم يَزِدْ أحَدًا على أقَلَّ ما يَجِدُ؛ لأنّ مَنْزِلَةَ الوالي مِنْ رَعِيَّتِه مَنْزِلَةُ والي اليتيمِ مِنْ مالِه، لا يُعْطِي منه عن الغَناءِ لليتيمِ إلّا أقَلَّ ما يَقْدِرُ عليه، قال: ومَنْ وَلِيَ على أهلِ الصّدقاتِ كان رِزْقُه ممّا يَأخُذُ منها، لا يُعْطَى مِنْ الفَيْءِ عليها؛ كما لا يُعْطَى مِنْ الصدقاتِ على الفَيْءِ.
(١٩٤٤) قال: واخْتَلَفَ أصْحابُنا وغيرُهم في قَسْمِ الفَيْءِ (١)، فذَهَبُوا مَذاهِبَ لا أحْفَظُ عنهم تَفْسِيرَها، ولا أحْفَظُ أيُّهُم قال ما أحْكِي مِنْ القَوْلِ دون مَنْ خالفَه، وسأحْكِي ما حَضَرَني مِنْ معاني كُلِّ مَنْ قال في الفَيْءِ شيئًا، فمنهم مَنْ قال: هذا المالُ لله ، دَلَّ على مَنْ يُعْطاه، فإذا اجْتَهَدَ الوالي ففَرَّقَه في جميعِ مَنْ سَمّى اللهُ (٢)، على قَدْرِ ما يَرَى مِنْ اسْتِحْقاقِهم بالحاجةِ إليه، وإنْ فَضَّلَ بعضَهم على بعضٍ في العطاءِ .. فذلك تَسْوِيَةٌ، إذا كان ما يُعْطَى كُلُّ واحدٍ منهم سَدَّ خَلَّتَه، ولا يَجُوزُ أن يُعْطِيَه صِنْفًا منهم ويَحْرِمَ صِنْفًا، ومنهم مَنْ قال: إذا اجْتَمَع المالُ نَظَرَ في مَصْلَحَةِ المسلمين، فرَأَى أن يَصْرِفَ المالَ إلى بَعْضِ الأصْنافِ دُون بَعْضٍ، وإن كان الصِّنْفُ الذي يَصْرِفُه إليه لا يَسْتَغْنِي عن شيءٍ ممّا يَصْرِفُه إليه، وكان أرْفَقَ بجماعةِ المسلمين .. صَرَفَه وحَرَمَ غيرَه (٣)، ويُشْبِه قَوْلَ الذي يَقُولُ هذا أنّه إنْ طَلَبَ
стр. 1083
المالَ صنفان، فكان إذا حَرَمَه أحَدَ الصِّنْفَيْن تَماسَكَ ولم يَدْخُلْ عليه خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ، وإن آسَى بيْنَه وبيْنَ الصِّنْفِ الآخَرِ كانتْ على الصنف الآخر خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ .. أعْطاه الذين فيهم الخَلَّةُ المضِرَّةُ كُلَّه، قال: ثُمّ قال بعضُ مَنْ قال: إذا صَرَفَ مالَ الفيءِ إلى ناحيةٍ فسَدَّها وحَرَمَ الأخْرَى، ثُمّ جاء مالٌ آخَرُ .. أعْطاها إيّاه دون الناحيةِ التي سَدَّها؛ فكأنّه ذَهَبَ إلى أنّه إنّما عَجَّلَ أهْلَ الخَلَّةِ وأخَّرَ غيرَهم حتّى أوْفَاهُم بعدُ.
(١٩٤٥) قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا منهم قال: يُعْطَى مَنْ يُعْطَى مِنْ الصدقاتِ ولا مجاهدٌ مِنْ الفيءِ (١)، وقال بعضُ مَنْ أحْفَظُ عنه: فإنْ أصابَتْ أهلَ الصدقاتِ سَنَةٌ تُهْلِكُ أموالَهم أنْفِقَ عليهم مِنْ الفَيْءِ، فإذا اسْتَغْنَوْا عنه مُنِعُوا الفيْءَ، ومنهم مَنْ قال في مالِ الصدقاتِ هذا القولَ، يُرَدُّ بعضُ مالِ أهلِ الصَّدَقاتِ إلى أهلِ الفَيْءِ.
(١٩٤٦) قال الشافعي: والذي أقولُ به وأحْفَظُ عمّن أرْضَى ممّن سمعتُ منه: أن لا يُؤَخَّرَ المالُ إذا اجْتَمَعَ، ولكن يُقْسَمُ، فإنْ كانتْ نازلةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَجَبَ على المسلمين القيامُ بها، وإنْ غَشِيَهُمْ عَدُوٌّ في دارِهم وَجَبَ النَّفِيرُ على جميعِ مَنْ غَشِيَه، أهلِ الفَيْءِ وغيرِهم.
(١٩٤٧) قال الشافعي: أخبرنا غيرُ واحدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، أنّه لمّا قُدِمَ على عمرَ بمالٍ أصِيبَ بالعراقِ، قال له صاحبُ بَيْتِ المالِ: ألا تُدْخِلُه بيتَ المالِ؟ قال: لا ورَبِّ الكعبة، لا يَأوِي تحت سَقْفِ بيتٍ حتّى أقْسِمَه، فأمَرَ به فوُضِعَ في المسجدِ، ووُضِعَتْ عليه الأنْطاعُ، وحَرَسَتْه رجالٌ مِنْ المهاجرين والأنصار، فلمّا أصْبَحَ غَدَا معه العباسُ بنُ عبدِالمطلب وعبدُالرحمن بنُ عوفٍ آخِذًا بيَدِ أحدِهما - أو: أحدُهما آخذٌ بيَدِه - فلمّا
стр. 1084
رَأوْه كَشَفُوا الأنْطاعَ عن الأموالِ، فرَأى مَنْظَرًا لم يَرَ مِثْلَه، والذهبُ فيه والياقوتُ والزَّبَرْجَدُ واللُّؤلُؤُ يَتَلألأ، فبَكَى، فقال له أحدُهما: إنّه والله ما هو بيَوْمِ بُكاءٍ، لكنّه يومُ شُكْرٍ وسُرُورٍ، فقال: إنّي والله ما ذَهَبْتُ حيثُ ذَهَبْتَ، ولكنْ والله ما كَثُرَ هذا في قومٍ قَطُّ إلّا وَقَعَ بأسُهُم بَيْنَهُم، ثُمّ أقْبَلَ على القِبْلَةِ ورفعَ يدَيْه إلى السماءِ وقال: اللهمّ إنّي أعوذُ بك أن أكونَ مُسْتَدْرَجًا؛ فإنّي أسْمَعُك تَقُولُ: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢] (١)، ثُمّ قال: أيْنَ سُراقَةُ بنُ جُعْشُمٍ؟ فأُتِيَ به أشْعَرَ الذِّراعَيْن دَقِيقَهما، فأعْطاه سِوارَيْ كِسْرَى وقال: الْبَسْهُما، ففَعَلَ، فقال: قُلْ: اللهُ أكبرُ، قال: اللهُ أكبرُ، قال: قل: الحمدُ لله الذي سَلَبَهُما كِسْرَى بنَ هُرْمُزَ وألْبَسَهُما سُراقَةَ بنَ جُعْشُمٍ، أعْرابِيًّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وإنّما ألْبَسَهُما إيّاه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال لسُراقَةَ ونَظَرَ إلى ذِراعَيْه: «كأنّي بك قد لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرَى»، ولم يَجْعَلْ له إلّا سِوارَيْه، وجَعَلَ يُقَلِّبُ بعضَ ذلك بَعْضًا ثُمّ قال: إنّ الذي أدَّى هذا لأمينٌ، فقال قائلٌ: أنا أخْبِرُك، أنت أمينُ الله، وهم مُؤَدُّونَ إليك ما أدَّيْتَ إلى الله، فإذا رَتَعْتَ رَتَعُوا، قال: صَدَقْتَ، ثُمّ فَرَّقَه.
(١٩٤٨) قال الشافعي: وأخبرني الثقةُ مِنْ أهل المدينة، قال: أنْفَقَ
стр. 1085
عمرُ على أهلِ الرَّمادَةِ (١) حتّى وَقَعَ مَطَرٌ فتَرَحَّلُوا، فخَرَجَ إليهم عمرُ راكبًا فَرَسًا يَنْظُرُ إليهم كيف يَتَرَحَّلُون، فدَمَعَتْ عيناه، فقال رجلٌ مِنْ مُحارِبِ خَصَفَة: أشْهَدُ أنّها انْحَسَرَتْ عنك ولسْتَ بابن أميّةَ (٢)، فقال عمر: ويْلك، ذلك لو كنتُ أنْفِقُ عليهم مِنْ مالي أو مِنْ مالِ الخطابِ، إنّما أنْفِقُ عليهم مِنْ مالِ الله ﵎.
стр. 1086
(١٩٠)
باب ما لم يوجَف عليه من الأَرَضين بخيل ولا رِكاب
(١٩٤٩) قال الشافعي: كُلُّ ما صُولِحَ عليه المشركون بغير قتالِ خيلٍ ولا رِكابٍ .. فسَبيلُه سبيلُ الفَيْءِ على قَسْمِه، وما كان مِنْ ذلك مِنْ أرَضِينَ ودُورٍ .. فهي وَقْفٌ للمسلمين، تُسْتَغَلُّ وتُقْسَمُ غَلَّتُها في كُلِّ عامٍ كذلك أبدًا، قال: وأحْسَبُ ما تَرَكَ عمرُ مِنْ بلادِ أهلِ الشركِ هكذا، أو شيئًا اسْتَطاب أنْفُسَ مَنْ ظَهَرَ عليه بخيلٍ وركابٍ فتَرَكُوه؛ كما اسْتَطابَ رسولُ الله ﷺ أنْفُسَ أهلِ سَبْيِ هَوازِنَ فتَرَكُوا حُقُوقَهم، وفي حديث جرير بن عبدالله عن عمر أنّه عَوَّضَه مِنْ حَقِّه، وعَوَّضَ امرأةً مِنْ حَقِّها بمِيراثِها .. كالدليلِ على ما قُلْتُ.
(١٩٥٠) قال: وقال الله ﵎: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات: ١٣] (١)، قال: ورَوَى الزهريُّ أنّ النبيَّ ﷺ عَرَّفَ عامَ حُنَيْنٍ على كُلِّ عشَرةٍ عَرِيفًا، قال: وجَعَلَ رسولُ الله ﷺ للمهاجرين شِعارًا، وللأوْسِ شِعارًا، وللخَزْرَجِ شِعارًا، قال: وعَقَدَ رسولُ الله ﷺ الألْوِيَةَ، فعَقَدَ للقَبائلِ قَبِيلَةً فقَبِيلَةً، حتّى جَعَلَ في القبيلةِ
стр. 1087
ألْوِيَةً؛ كُلَّ لِواءٍ لأهْلِه، وكُلُّ هذا ليَتَعارَفَ الناسُ في الحرْبِ وغيرِها، فتَخِفَّ المؤنةُ عليهم باجْتِماعِهم (١)، وعلى الوالي بذلك (٢)؛ لأنّ في تَفْرِيقِهِم إذا أرِيدُوا مَؤُونَةً عليهم وعلى وَالِيهِم، فهكذا أحِبُّ للوالي أن يَضَعَ دِيوانَه على القبائلِ، ويَسْتَظْهِرَ على مَنْ غاب عنه ومَن جَهِلَ ممّن حَضَرَه أهلَ الفَضْلِ مِنْ قَبائلِهم (٣).
(١٩٥١) قال: وأخبرني غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلم والصدق مِنْ أهل مَكّةَ والمدينةِ مِنْ قبائلِ قريشٍ، وكان بعضُهم أحْسَنَ اقْتِصَاصًا للحديثِ مِنْ بَعْضٍ، وقد زاد بعضُهم على بعضٍ، أنّ عُمَرَ لمّا دَوَّنَ الدِّيوانَ قال: أبْدَأُ ببني هاشمٍ، ثُمّ قال: حَضَرْتُ رسولَ الله ﷺ يُعْطِيهم وبني المطَّلِبِ (٤)، فإذا كانت السِّنُّ في الهاشميِّ قَدَّمَه على المطَّلِبِيِّ، وإذا كانتْ في المطَّلِبِيِّ قَدَّمَه على الهاشميِّ، فوَضَعَ الدِّيوانَ على ذلك، وأعْطاهُم عطاءَ القبيلةِ الواحدةِ، ثُمّ اسْتَوَتْ له عبدُشمسٍ ونَوْفَلٌ (٥) في جِذْمِ النَّسَبِ، فقال: عبدُشمسٍ إخْوَةُ النبيِّ ﷺ لأبيه وأمّه دون نَوْفَلٍ، فقَدَّمهم، ثُمّ دعا بني نَوْفَلٍ يَلُونَهم، ثُمّ اسْتَوَتْ له عبدُالعُزَّى وعبدُالدّارِ، فقال في بني أسَدِ بنِ عبدِالعُزَّى: أصْهارُ النبيِّ ﷺ ، وفيهم أنَّهم مِنْ المطَيَّبِين، وقال بعضُهم: هم حِلْفٌ مِنْ الفُضُول (٦)، وفيهم كان رسولُ الله ﷺ ، وقيل: ذَكَرَ سابقةً، فقَدَّمَهم على
стр. 1088
بني عبدِالدار، [ثُمّ دعا بني عبدِالدار يَلُونَهم، ثُمّ انْفَرَدَتْ له زُهْرَةُ فدَعا بها تَتْلُو عبدَالدار (١)، ثُمّ اسْتَوَتْ له بنو مَخْزُومٍ وتَيْمٍ، فقال في تَيْمٍ: إنّهم مِنْ حِلْفِ الفُضُولِ والمطَيَّبِينَ، وفيهما كان رسولُ الله ﷺ ، وقيل: ذَكَرَ سابقةً، وقيل: ذَكَرَ صِهْرًا، فقدَّمَهُم على مَخْزُومٍ، ثُمّ دعا مَخْزُومًا يَلُونَهم، ثُمّ اسْتَوَتْ له سَهْمٌ وجُمَحُ وعديُّ بنُ كعبٍ، فقيل (٢): ابْدَأ بعَدِيٍّ، فقال: بل أقِرُّ نَفْسِي حيثُ كُنْتُ؛ فإنّ الإسلامَ دَخَلَ وأمْرُنا وأمرُ بني سَهْمٍ واحدٌ، ولكن انْظُرُوا بين سَهْمٍ وجُمَحَ، فقيل: فقَدَّمَ بني جُمَحَ ثُمّ دَعا بني سَهْمٍ، وكان دِيوانُ عَدِيٍّ وسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كالدَّعْوةِ الواحدةِ، فلمّا خَلَصَتْ إليه دَعْوَتُه كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عاليةً، ثُمّ قال: الحمدُ لله الذي أوْصَلَ إليَّ حَظِّي مِنْ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ دعا عامرَ بنَ لُؤَيٍّ، قال الشافعي: فقال بعضهم: إنّ
стр. 1089
أبا عُبَيْدَةَ بنَ عبدِالله بنِ الجرّاحِ الفِهْرِيّ لمّا رَأى مَنْ تَقَدَّمَ عليه، قال: أكُلُّ هؤلاء يُدْعَى أمامي؟ فقال: يا أبا عُبَيْدَةَ، اصْبِرْ كما صَبَرْتُ، أو كَلِّمْ قَوْمَكَ، فمَن قَدَّمَكَ منهم على نَفْسِه لم أمْنَعْه، فأمّا أنا وبنو عَدِيٍّ فنُقَدِّمُك إنْ أحْبَبْتَ على أنْفُسِنا، قال: فقَدَّمَ معاويةُ بعد بني الحارثِ بنِ فِهْرٍ ففَصَلَ بهم بين بني عبدِ منافٍ وأسدِ بنِ عبدِالعُزَّى، وشَجَرَ بين بني سَهْمٍ وعَدِيٍّ شيءٌ في زَمانِ المهْدِيِّ فافْتَرَقُوا، فأمَرَ المهديُّ ﵀ ببني عَدِيٍّ فقُدِّمُوا على سَهْمٍ وجُمَحَ للسابقةِ فيهم، قال الشافعي: فإذا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ بُدِّيَت الأنصارُ على العربِ؛ لمكانِهم مِنْ الإسلامِ.
قال الشافعي: الناسُ عِبادُ الله، فأَوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ .
قال المزني: هذا واللهِ هو الكلامُ الصحيحُ (١).
(١٩٥٢) قال الشافعي: ومَن فَرَضَ له الوالي مِنْ قبائلِ العربِ رَأيْتُ أن يُقَدِّمَ الأقربَ فالأقربَ منهم برسولِ الله ﷺ ، فإذا اسْتَوَوْا قَدَّمَ أهلَ السابقةِ على غيرِ أهلِ السابقةِ ممّن هو مِثْلُهم في القرابةِ.
(١٩٥٣) قال الشافعي: فَرَضَ اللهُ على أهْلِ دِينِه المسلمين في أمْوالِهم حقًّا لغَيْرِهم مِنْ أهْلِ دِينِه المسلمين المحْتاجِين إليه، لا يَسَعُهم حَبْسُه عمّن أمِرُوا بدَفْعِه إليه أو وُلاتِه.
(١٩٥٤) ولا يَسَعُ الوُلاةَ تَرْكُه لأهْلِ الأمْوالِ؛ لأنّهم أمَناءُ على أخْذِه لأهلِه، ولم نَعْلَمْ رسولَ الله ﷺ أخَّرَها عامًا لا يأخُذُها فيه، وقال أبو بكر الصديق: «لو مَنَعُوني عَناقًا ممّا أعْطَوْا رسولَ الله ﷺ ، لقاتَلْتُهم عليها» (١).
(١٩٥٥) قال: وإذا أخِذَتْ صَدَقَةُ مسلمٍ دُعِيَ له بالأجرِ والبركةِ؛ كما قال الله: ﴿وصلِّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم.
(١٩٥٦) قال: والصدقةُ هي الزكاةُ، والأغْلَبُ على أفْواهِ العامّةِ أنّ الثَّمَرَ عُشْرٌ، والماشيةَ صدقةٌ، والوَرِقَ زكاةٌ، وقد سَمَّى رسول الله ﷺ هذا كُلَّه صدقةً.
(١٩٥٧) فما أُخِذَ مِنْ مُسْلمٍ، مِنْ زكاةِ مالٍ ناضٍّ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، أو زكاةِ فِطْرٍ، أو خُمُسِ رِكازٍ، أو صدقةِ مَعْدِنٍ، أو غيرِه ممّا وَجَبَ عليه في مالِه بكتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعِ عوامِّ المسلمِين .. فمعناه واحدٌ، وقَسْمُه واحدٌ، وقَسْمُ الفَيْءِ خلافُ هذا، و «الفَيْءُ»: ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ تَقْوِيَةً لأهلِ دينِ الله، وهو موضوعٌ في غيرِ هذا الموْضِعِ، وقَسْمُ الصدقةِ كما قال الله ﵎: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم
стр. 1092
وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾، قال الشافعي: ثُمّ وَكَّدَها وشَدَّدَها، فقال: ﴿فريضة من الله﴾ الآية [التوبة: ٦٠] (١).
(١٩٥٨) وهي سُهْمانٌ ثمانيةٌ، لا يُصْرَفُ منها سَهْمٌ ولا شيءٌ منه عن أهلِه ما كان مِنْ أهلِه أحدٌ يَسْتَحِقُّه، ولا يُخْرَجُ عن بلدٍ وفيه أهلُه، وقال رسول الله ﷺ لمعاذِ بنِ جَبَلٍ حين بَعَثَه إلى اليمنِ: «فإنْ أجابُوك فأعْلِمْهُم أنّ عليهم صدقةً، تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيائِهم، فتُرَدُّ على فُقَرائِهم»، قال الشافعي: وتُرَدُّ حِصَّةُ مَنْ لم يُوجَدْ مِنْ أهلِ السُّهْمانِ على مَنْ وُجِدَ منهم.
(١٩٥٩) ويَجْمَعُ أهلَ السُّهْمانِ أنّهم أهلُ حاجةٍ إلى مالِهِم مِنْها، وأسبابُ حاجتِهم مخْتَلِفَةٌ، وكذلك أسبابٌ اسْتِحْقاقِهم معانٍ مخْتَلِفَةٌ.
(١٩٦٠) فإذا اجْتَمَعُوا .. فالفقراءُ: الزَّمْنَى الضِّعافُ الذين لا حِرْفَةَ لهم، وأهلُ الحِرْفَةِ الضعيفةِ الذين لا تَقَعُ حِرْفَتُهم مَوْقِعًا مِنْ حاجتِهم، لا (٢) يَسْألُون الناسَ، وقال في الجديد: زَمِنًا كان أو غيرَ زَمِنٍ، سائلًا أو مُتَعَفِّفًا، قال الشافعي: والمساكينُ: السُّؤَّالُ، أو مَنْ لا يَسْألُ ممّن له حِرْفَةٌ تَقَعُ (٣) منه مَوْقِعًا ولا تُغْنِيه ولا عِيالَه، وقال في الجديد: سائلًا كان أو غيرَ سائلٍ (٤).
стр. 1093
قال المزني: قلت أنا (١): أشْبَهُ بقولِه ما قال في الجديدِ؛ لأنّه قال:
стр. 1094
إنّ أهلَ هذَيْن السَّهْمَيْن يَسْتَحِقُّونَهما بمعنى العُدْمِ، وقد يَكُونُ السّائلُ بين مَنْ يَقِلُّ مُعْطِيهم، وصالحٌ مُتَعَفِّفٌ بين مَنْ (١) يَبْدَؤونه بعَطِيَّتِهم (٢).
(١٩٦١) قال الشافعي: فإنْ كان رجلٌ جَلْدٌ، يَعْلَمُ الوالي أنّه صحيحٌ مُكْتَسِبٌ يُغْنِي عِيالَه، أو لا عِيالَ له يُغْنِي نَفْسَه بكَسْبِه .. لم يُعْطِه، فإنْ قال الجَلْدُ: لسْتُ مُكْتَسِبًا لِما يُغْنِينِي، أو لا يُغْنِي عِيالي ولي عِيالٌ، وليس عند الوالي يَقِينُ ما قال .. فالقولُ قولُه؛ واحْتَجّ بأنّ رجلَيْن أتَيا رسولَ الله ﷺ فسَألاه مِنْ الصدقة، فقال: «إنْ شِئتُما، ولا حَظَّ فيها لغَنِيٍّ، ولا لذي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ»، قال الشافعي: رأى النبيُّ ﷺ صِحَّةً وجَلَدًا يُشْبِه الاكْتِسابَ، فأعْلَمَهُما أنّه لا يَصْلُحُ لهما مع الاكْتِسابِ، ولا يَعْلَمُ أمُكْتَسِبان أم لا (٣)، فقال: إنْ شِئتُما بعد أنْ أعْلَمْتُكُما أن لا حَظَّ فيها لغَنِيٍّ ولا لمكتسبٍ، فَعَلْتُ.
(١٩٦٢) قال: والعامِلُون عليها: مَنْ وَلّاهُ الوالي قَبْضَها، ومَن لا غِنَى للوالي عن مَعُونَتِه عليها.
(١٩٦٣) وأمّا الخليفةُ ووالي الإقليمِ العظيمِ الذي لا يَلِي قَبْضَ الصدقة، وإنْ كانا مِنْ القائمين بالأمْرِ بأخْذِها .. فلَيْسا عندنا ممّن له فيها حَقٌّ؛ لأنّهما لا يَلِيان أخْذَها، وشَرِبَ عمرُ لَبَنًا فأعْجَبَه، فأُخْبِرَ أنّه مِنْ نَعَمِ الصدقةِ، فأدْخَلَ إصْبَعَه فاسْتَقاءه.
стр. 1095
(١٩٦٤) قال: ويُعْطَى العاملُ بقَدْرِ غَنائِه مِنْ الصدقةِ، وإنْ كان مُوسِرًا؛ لأنّه يَأخُذُه على معنى الإجارةِ.
(١٩٦٥) والمؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم (١) في مُتَقَدِّمِ الأخبارِ ضربان:
ضَرْبٌ مسلمون، أشْرافٌ، مُطاعُونَ، يُجاهِدُون مع المسلمين، فيَقْوَى المسلمون بهم، ولا يَرَوْنَ مِنْ نيّاتِهم ما يَرَوْنَ مِنْ نيّاتِ غيرِهم، فإذا كانُوا هكذا فأرَى أن يُعْطَوْا مِنْ سهمِ النبيِّ ﷺ وهو خُمُسُ الخمسِ - ما يُتَألَّفُون به (٢)، سِوَى سُهْمانِهم مع المسلمين، وذلك أنّ اللهَ ﵎ جَعَلَ هذا السَّهْمَ خالِصًا لنَبِيِّه فرَدَّه في مَصْلَحَةِ المسلمين، واحْتَجّ بأنّ رسولَ الله ﷺ أعْطَى المؤَلَّفَة يومَ حُنَيْنٍ مِنْ الخمسِ، وهم مِثْلُ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ وأصحابِهما، ولم يُعْطِ عبّاسَ بنَ مِرْداسٍ وكان شَريفًا عظيمَ الغَناءِ، حتّى اسْتَعْتَبَ فأعطاه النبيُّ ﷺ ، قال الشافعي: لمّا أراد ما أراد القومُ، احْتَمَلَ أن يكون دَخَلَ رسولَ الله ﷺ منه شيءٌ حين رَغِبَ عمّا صَنَعَ بالمهاجرين والأنصارِ، فأعْطاه على معنى ما أعْطاهم، ويحْتَمِلُ أن يكون رَأى أن يُعْطِيَه مِنْ مالِه ما لَه (٣) أن يُعْطِيَه حيثُ رَأى - لأنّه له ﷺ خالصًا - للتَّقْوِيَةِ بالعَطِيَّةِ، ولا يَرَى أن قد وَضَعَ مِنْ شَرَفِه؛ فإنّه ﷺ قد أعْطَى مِنْ خُمُسِ الخمسِ النَّفْلَ وغيرَ النَّفْلِ؛ لأنّه له.
وأعْطَى صفوانَ بنَ أمَيَّةَ ولم يُسْلِمْ، ولكنّه أعارَه أداتَه، فقال فيه عند الهزيمة أحْسَنَ ممّا قال بعضُ مَنْ أسْلَمَ مِنْ أهل مكَّةَ عامَ الفتحِ، وذلك أنّ
стр. 1096
الهزيمةَ كانتْ في أصحابِ رسولِ الله ﷺ يومَ حُنَيْنٍ أوَّلَ النهارِ، فقال له رجلٌ: غُلِبَتْ هَوَازنُ، أو: قُتِلَ محمدٌ، فقال صفوانُ: «بفِيكَ الحجَرُ، فوالله لرَبٌّ مِنْ قريشٍ أحَبُّ إليَّ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازنَ»، وأسْلَمَ قومُه مِنْ قريشٍ، وكان كأنّه لا يَشُكُّ في إسلامِه، والله أعلم.
فإذا كان مثلُ هذا رَأيْتُ أن يُعْطَى مِنْ سهمِ النبي ﷺ ، وهو أحَبُّ إليَّ؛ للاقتداءِ بأمرِه ﷺ ، ولو قال قائلٌ: كان هذا السهمُ لرسولِ الله ﷺ ، فكان له أن يَضَعَ سهمَه حيثُ رَأى، فقد فَعَلَ هذا مرَّةً وأعْطَى مِنْ سهمِه بخيبرَ رجالًا مِنْ المهاجرين والأنصار؛ لأنّه مالُه يَضَعُه حيث رَأى، فلا يُعْطَى أحَدٌ اليومَ على هذا المعنى مِنْ الغنيمة، ولم يَبْلُغْنا أنّ أحَدًا مِنْ خلفائه أعْطَى أحَدًا بعده، وليس للمؤلَّفَةِ [في قَسْمِ الغنيمةِ سهمٌ مع أهلِ السُّهْمانِ .. كان مذهبًا، والله أعلم.
قال الشافعي: وللمؤلَّفَةِ (١) قلوبُهم في قَسْمِ الصّدقاتِ سهمٌ، والذي أحْفَظُ فيه مِنْ مُتَقَدِّمِ الخبرِ: أنّ عديَّ بنَ حاتمٍ جاء أبا بكر الصديق أحْسِبُه بثلاثمائةٍ مِنْ الإبِلِ مِنْ صدقاتِ قَوْمِه، فأعْطاه أبو بكرٍ منها ثلاثين بَعِيرًا، وأمَرَه أن يَلْحَقَ بخالدِ بنِ الوليدِ بمَن أطاعَه مِنْ قومِه، فجاءه بزُهاءِ ألفِ رجلٍ وأبْلَى بلاءً حسنًا، والذي يَكادُ يَعْرِفُ القلبُ بالاستدلالِ بالأخبارِ أنّه أعْطاه إيّاها مِنْ سَهْمِ المؤلَّفَةِ، فإمّا زاده ترغيبًا فيما صَنَعَ، وإمّا ليَتألَّفَ بها غيرَه مِنْ قومِه ممّن لا يَثِقُ منه بمثلِ ما يَثِقُ به مِنْ عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: فأرَى أن يُعْطَى مِنْ سهمِ المؤلَّفَةِ قلوبُهم في مثلِ هذا المعنى، إنْ نَزَلَتْ نازِلَةٌ
стр. 1097
بالمسلمين - ولن تَنْزِلَ إن شاء الله - وذلك أن يَكُونَ العدوُّ بمَوْضِعٍ مُنْتاطٍ (١)، لا تَنالُه الجيوشُ إلّا بمُؤنَةٍ، ويكونَ بإزاءِ قومٍ مِنْ أهلِ الصدقاتِ، فأعان عليهم أهلُ الصدقاتِ، إمّا بنِيَّةٍ فأرَى أن يُقَوَّوْا بسهمِ سبيلِ الله مِنْ الصدقاتِ، وإمّا لا يُقاتِلُون إلّا بأن يُعْطَوْا سهمَ المؤلَّفَةِ أو ما يَكْفِيهم منه، وكذلك إذا انْتاطَ العدوُّ فكانُوا أقْوَى عليه مِنْ قومٍ مِنْ أهلِ الفَيْءِ، يُوَجَّهُون إليه ببُعْدِ دِيارِهم، وثِقَلِ مُؤناتِهم، ويَضْعُفُون عنه، فإن لم يَكُنْ مِثْلُ ما وَصَفْتُ ممّا كان في زمنِ أبي بكرٍ مِنْ امتناعِ أكْثَرِ العربِ بالصدقة على الرِّدَّةِ وغيرِها .. لم أرَ أن يُعْطَى أحَدٌ مِنْ سهمِ المؤلَّفَةِ، ولم يَبْلُغْني أنّ عمرَ ولا عثمانَ ولا عليًّا أعْطَوْا أحَدًا تألُّفًا على الإسلامِ، وقد أغْنَى اللهُ - وله الحمدُ كثيرًا - الإسلامَ عن أن يُتَألَّفَ عليه رجالٌ.
وقال في الجديد: لا يُعْطَى مشركٌ يُتَألَّفُ على الإسلامِ؛ لأنّ اللهَ خَوَّلَ المسلمين أموالَ المشركين (٢)، لا المشركين أموالَ المسلمين، وجَعَلَ صدقاتِ المسلمين مَرْدُودَةً فيهم (٣).
стр. 1098
(١٩٦٦) قال: والرِّقابُ: المكاتَبون مِنْ جِيرانِ الصدقاتِ، والله أعلم، قال: ولا يُعْتَقُ عبدٌ يُبْتَدَأ عِتْقُه فيُشْتَرَى فيُعْتَقُ.
(١٩٦٧) والغارِمون صنفان:
صِنْفٌ دانُوا (١) في مَصْلَحَتِهم أو مَعْرُوفٍ وغيرِ مَعْصِيَةٍ، ثُمّ عَجَزُوا عن أداءِ ذلك في العَرَضِ والنَّقْدِ، فيُعْطَوْن في غُرْمِهم بعَجْزِهم، فإنْ كانتْ لهم
стр. 1099
عُرُوضٌ يَقْضُون منها دُيُونَهم .. فهم أغنياءُ، لا يُعْطَوْن حتّى يَبْرَؤوا مِنْ الدَّيْنِ، ثُمّ لا يَبْقَى لهم ما يَكُونون به أغنياءَ.
وصِنْفٌ دانُوا في صَلاحِ ذاتِ بينٍ ومعروفٍ (١)، ولهم عُرُوضٌ تَحْتَمِلُ حَمالاتِهم أو عامَّتَها، وإنْ بِيعَتْ أضَرَّ ذلك بهم وإن لم يَفْتَقِرُوا، فيُعْطَى هؤلاء وتُوَفَّرُ عُرُوضُهم؛ كما يُعْطَى أهْلُ الحاجَةِ مِنْ الغارِمِين حتّى يَقْضُوا سَهْمَهُم.
واحْتَجّ بأنّ قَبِيصَةَ بنَ الْمُخارِقِ قال: تَحَمَّلْتُ بحَمالَةٍ، فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فسَألْتُه، فقال: نُؤدِّيها عنك - أو: نخرجها عنك - إذا قَدِمَ نَعَمُ الصدقةِ، يا قَبِيصَة، المسألةُ حُرِّمَتْ إلّا في ثلاثٍ: رجلٍ تَحَمَّلَ بحَمالَةٍ فحَلَّتْ له المسألةُ حتّى يُؤدِّيَها ثُمّ يُمْسِكَ، ورَجُلٍ أصابَتْه فاقَةٌ وحاجةٌ حتّى شَهِدَ - أو تَكَلَّمَ - ثلاثةٌ مِنْ ذَوِي الحِجا مِنْ قومِه أنّ به حاجةً وفاقةً، فحَلَّتْ له المسألةُ حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ - أو قِوامًا مِنْ عَيْشٍ (٢) - ثُمّ يُمْسِكَ، ورجلٍ أصابَتْه جائحةٌ فاجْتاحَتْ مالَه، فحَلَّتْ له الصدقةُ حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ - أو قِوامًا مِنْ عَيْشٍ - ثُمّ يُمْسِكَ، فما سِوَى ذلك مِنْ المسألةِ فهو سُحْتٌ»، قال الشافعي: فبِهَذا قُلْتُ في الغارِمِين، وقولُ النبيِّ ﷺ : «تَحِلُّ له
стр. 1100
المسألةُ في الفاقةِ والحاجةِ» يعني والله أعلم: مِنْ سَهْمِ الفقراءِ والمساكين، لا الغارمين، وقولُه ﷺ : «حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ» يعني والله أعلم: أقَلَّ اسْمِ الغِنَى (١).
ولقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِيٍّ إلّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لعامِلٍ عليها، أو لغارِمٍ، أو لرجلٍ اشْتَراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتَصَدَّقَ على المسكينِ (٢)، فأهْدَى المسكينُ للغَنِيِّ»، فبهذا قُلْتُ: يُعْطَى الغازي والعاملُ وإنْ كانا غَنِيَّيْنِ، والغارِمُ في الحَمالَةِ على ما أبان ﷺ ، لا عامٌّ.
(١٩٦٨) ويُقْبَلُ قولُ ابنِ السّبِيلِ بأنّه عاجِزٌ عن البلَدِ؛ لأنّه غيرُ قَوِيٍّ حتّى نَعْلَمَ قُوَّتَه بالمالِ، ومَن طَلَبَ بأنّه يَغْزُو أعْطِيَ، ومَن طَلَبَ بأنّه غارِمٌ أو عبدٌ بأنّه مُكاتَبٌ .. لم يُعْطَ إلّا ببَيِّنَةٍ؛ لأنّ أصْلَ الناسِ أنّهم غيرُ غارمين حتّى يُعْلَمَ غُرْمُهم، والعَبِيدُ غيرُ مُكاتَبِين حتّى تُعْلَمَ كِتابَتُهم، ومَن طَلَبَ بأنّه مِنْ المؤلَّفَةِ .. لم يُعْطَ إلّا بأن يُعْلَم ذلك وما وَصَفْتُ أنّه يَسْتَحِقُّه به.
(١٩٦٩) وسَهْمُ سبيلِ الله كما وَصَفْتُ يُعْطَى منه مَنْ أراد الغَزْوَ مِنْ
стр. 1101
أهلِ الصدقةِ، فقيرًا كان أو غَنِيًّا، ولا يُعْطَى منه غيرُهم، إلّا أن يُحْتاجَ إلى الدَّفْعِ عنهم، فيُعْطاه مَنْ دَفَعَ عنهم المشركين؛ لأنّه يَدْفَعُ عن جماعةِ أهلِ الإسلام.
(١٩٧٠) وابنُ السبيلِ عندي (١) مِنْ أهلِ الصدقةِ: الذي يُريدُ البلدَ غيرَ بلَدِه لأمرٍ يَلْزَمُه (٢).
стр. 1102
(١٩١)
باب كيف تفريقُ قَسْم الصدقات؟
(١٩٧١) قال الشافعي: يَنْبَغِي للسّاعِي أن يَأمُرَ بإحْصاءِ أهلِ السُّهْمانِ في عَمَلِه، حتّى يَكُونَ فَراغُه مِنْ قَبْضِ الصدقاتِ بعد تَناهِي أسْمائِهم وأنْسابِهم وحالاتِهم وما يَحْتاجُون إليه، ويُحْصِي ما صار في يدَيْه مِنْ الصّدقاتِ، فيَعْزِلُ مِنْ سهمِ العاملين بقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّون بأعمالهم، فإذا جاوَزَ سهمَ العاملين رأيْتُ أن يُعْطِيَهم سهمَ العاملين (١) ويَزِيدَهم قدرَ أجُورِ أعْمالهم مِنْ سهمِ النبيِّ ﷺ مِنْ الفَيْءِ والغنيمةِ، ولو أعْطاهُم ذلك مِنْ السُّهمان ما رَأيْتُ ذلك ضَيِّقًا، ألا تَرَى أنّ مالَ اليتيمِ يَكُونُ بالموْضِعِ فيُسْتَأجَرُ عليه - إذا خِيفَ ضَيْعَتُه - مَنْ يَحُوطُه، وإنْ أتى ذلك على كثيرٍ منه.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أوْلى بقولِه؛ لِما احْتَجّ به في مالِ اليتيمِ (٣).
(١٩٧٢) قال الشافعي: وتُفَضُّ جميعُ السُّهْمانِ (٤) على أهْلِها كما أصِفُ إنْ شاء الله، كأنّ الفقراءَ عشرةٌ، والمساكينَ عشرون، والغارمِين
стр. 1103
خمسةٌ، وهؤلاء ثلاثةُ أصنافٍ، وكان سُهْمانُهم الثلاثةُ مِنْ جميعِ المالِ ثلاثةَ آلافٍ، فلِكُلِّ صنفٍ ألفٌ، فإنْ كان الفقراءُ يَغْتَرِقُون سَهْمَهُم كَفافًا (١) يَخْرُجُون به مِنْ حَدِّ الفَقْرِ إلى أدْنَى الغِنَى أعْطَوْه، وإنْ كان يُخْرِجُهُم مِنْ حَدِّ الفُقراءِ إلى أدْنَى الغِنَى أقَلَّ أوْقَفَ الوالي ما بَقِيَ منه، ثُمّ يَقْسِمُ على المساكين سَهْمَهُم هكذا، وعلى الغارمين سهمَهم هكذا، فإذا خَرَجُوا مِنْ اسْمِ الفَقْرِ والمسْكَنَةِ فصاروا إلى أدْنَى اسْمِ الغِنَى، ومِن الغُرْمِ فبَرِئَتْ ذِممُهم فصاروا غيرَ غارمِين .. فلَيْسُوا مِنْ أهلِه.
(١٩٧٣) ولا وَقْتَ فيما يُعْطَى الفقيرُ إلّا ما يُخْرِجُه مِنْ حَدِّ الفَقْرِ إلى الغِنَى، قَلَّ ذلك أو كَثُرَ، ممّا تَجِبُ فيه الزّكاةُ أو لا تَجِبُ؛ لأنّه يَوْمَ يُعْطاه لا زَكاةَ عليه فيه، وقد يَكُونُ غَنِيًّا ولا مالَ له تَجِبُ فيه الزكاةُ، وفَقِيرًا بكَثْرَةِ العيالِ وله مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، وإنّما الغِنَى والفقرُ ما يَعْرِفُ الناسُ بقَدْرِ حالٍ إلى حالٍ (٢).
(١٩٧٤) ويَأخُذُ العاملون عليها بقدرِ أجُورِهم في مثلِ كِفايَتِهم وقِيامِهم وأماناتِهم والمؤنةِ عليهم، فيَأخُذُ لنَفْسِه بهذا المعنى، ويُعْطِي العَرِيفَ ومَن يُجمِعُ الناسُ عليه بقدرِ كِفايَتِه وكُلْفَتِه، وذلك خَفِيفٌ (٣)؛ لأنّه في بلادِه.
(١٩٧٥) وكذلك المؤلَّفَةُ إن احْتِيجَ إليهم.
(١٩٧٦) والمكاتَبُ ما بَيْنَه وبَيْنَ أن يُعْتَقَ، وإنْ دُفِعَ إلى سَيِّدِه كان أحَبَّ إليَّ.
стр. 1104
(١٩٧٧) ويُعْطَى الغازِي الحَمُولَةَ (١) والسِّلاحَ والنَّفَقَةَ والكِسْوَةَ، وإن اتَّسَعَ المالُ زِيدَ الخيلُ (٢).
(١٩٧٨) ويُعْطَى ابنُ السّبيلِ قدرَ ما يُبَلِّغُه البلَدَ الذي يُرِيدُه مِنْ نَفَقَتِه وحَمُولَتِه إنْ كانَ البَلَدُ بعيدًا وكان ضعيفًا، وإنْ كان البلدُ قريبًا وكان جَلْدًا الأغلبُ في مثلِه لو كان غَنِيًّا المشْيُ إليها .. أعْطِيَ مؤنتَه في نَفَقَتِه بلا حَمُولَةٍ، فإنْ كان يُريدُ أن يَذْهَبَ ويَرْجِعَ .. أعْطِيَ ما يَكْفِيه في ذَهابِه ورُجُوعِه مِنْ النّفَقَةِ، فإنْ كان ذلك يَأتي على السّهْمِ كُلِّه .. أعْطِيَه كُلَّه إن لم يَكُنْ معه ابنُ السبيلِ غيرَه، وإنْ كان لا يَأتِي إلّا على سهمٍ مِنْ مائةِ سهمٍ مِنْ سهمِ ابنِ السبيلِ .. لم يُزَدْ عليه.
(١٩٧٩) قال: ويُقْسَمُ للعاملِ بمَعْنَى الكفايةِ، وابنُ السبيلِ بمَعْنَى البَلاغِ؛ لأنّي لو أعْطَيْتُ العاملَ وابنَ السبيلِ والغازِيَ بالاسْمِ .. لم يَسْقُط عن العاملِ اسْمُ العاملِ ما لم يُعْزَلْ، ولا عن ابنِ السبيلِ اسْمُ ابنِ السبيلِ ما دام مُجْتازًا أو يُريدُ الاجتيازَ، ولا عن الغازِي ما كان على الشُّخُوصِ للغَزْوِ.
(١٩٨٠) وأيُّ السُّهْمان فَضَلَ عن أهْلِه رُدَّ على عَدَدِ مَنْ بَقِيَ مِنْ عَدَدِ السُّهْمانِ؛ كأنّه في فقراءَ ومساكينَ لم يَسْتَغْنُوا وغارمِين لم تُقْضَ كُلُّ دُيونِهم، فيُقْسَمُ ما بَقِيَ على ثلاثةِ أسْهُمٍ، فإن اسْتَغْنَى الغارمون رُدَّ باقي سَهْمِهم على هذين السَّهْمَيْن نِصْفَيْن، حتّى تَنْفَدَ السُّهْمانُ، وإنّما رَدِّي ذلك؛ لأنّ الله لمّا جَعَلَ هذا المالَ لا مالكَ له مِنْ الآدَمِيِّين بعَيْنِه يُرَدُّ إليه؛ كما تُرَدُّ عَطايا
стр. 1105
الآدَمِيِّين ووَصاياهم لو أوْصَوْا بها لرَجُلٍ فمات الموصَى له قبل الموصِي كانتْ وَصِيَّتُه راجعةً إلى وَرَثَةِ الموصِي، فلمّا كان هذا المالُ مخالِفًا للمالِ يُورَثُ ههنا .. لم يَكُنْ أحَدٌ أوْلى به عندنا في قَسْمِ اللهِ وأقربَ ممَّن سَمّى اللهُ له هذا المالَ، وهؤلاء مِنْ جمْلَةِ مَنْ سَمَّى اللهُ له هذا المالَ، ولم (١) يَبْقَ مُسْلِمٌ محتاجٌ إلّا وله حَقٌّ سِواه، أمّا أهْلُ الفَيْءِ .. فلا يَدْخُلون على أهلِ الصدقةِ، وأمّا أهلُ الصدقةِ الأخْرَى فهم مَقْسُومٌ لهم صَدَقَتُهم، ولو كَثُرَتْ .. لم يَدْخُلْ عليهم غيرُهم وواحدٌ منهم يَسْتَحِقُّها، فكما كانوا لا يَدْخُلُ عليهم غيرُهم فكذلك لا يَدْخُلُون على غيرِهم ما كان مِنْ غيرِهم مَنْ يَسْتَحِقُّ منها شيئًا.
(١٩٨١) قال: وإن اسْتَغْنَى أهلُ عَمَلٍ ببعضِ ما قُسِمَ لهم ففَضَلَ عنهم فَضْلٌ .. رأيتُ أن يُنْقَلَ الفَضْلُ منهم إلى أقْرَبِ الناسِ بهم في الجوارِ.
(١٩٨٢) ولو ضاقت السُّهْمانُ قُسِمَتْ على الجِوارِ دون النَّسَبِ، وكذلك إنْ خالَطَهُم عَجَمٌ غيرُهم .. فهم معهم في القَسْمِ على الجِوارِ.
(١٩٨٣) فإنْ كانُوا أهلَ باديةٍ عند النُّجْعَةِ (٢) يَتَفَرَّقُون مَرَّةً ويخْتَلِطُون
стр. 1106
أخْرَى .. فأحَبُّ إليَّ لو قَسَمَها على النَّسَبِ إذا اسْتَوَت الحالان، وإن اخْتَلَفَت الحالان .. فالجِوارُ أوْلَى مِنْ النَّسَبِ، فإنْ قال مَنْ تَصَدَّقَ: إنّ لنا فُقَراءَ على غيرِ هذا الماءِ، وهم كما وَصَفْتُ يخْتَلِطُون في النُّجْعَةِ .. قُسِمَ بين الغائبِ والحاضرِ، ولو كانُوا بالطَّرَفِ مِنْ باديتِهم (١)، وكانُوا ألْزَمَ له .. قُسِمَ بينهم وكان كالدّارِ لهم، وهذا إذا كانُوا مَعًا أهلَ نُجْعَةٍ لا دارَ لهم يَقِرُّون بها، فأمّا إنْ كانتْ لهم دارٌ يَكُونون لها ألْزَمَ .. فإنّي أقْسِمُها على الجِوارِ بالدّارِ.
وقال في الجديد: إذا اسْتَوَى في القُرْبِ أهلُ نَسَبِهم وعِدًى (٢) .. قَسَمْتُ على أهلِ نَسَبِهم دُون العِدَى، وإنْ كان العِدَى أقْرَبَ بهم دارًا، وكان أهْلُ نَسَبِهم منهم على سَفَرٍ تُقْصَرُ فيه الصلاة .. قَسَمْتُ على العِدَى إذا كان دون ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ؛ لأنّهم أوْلى باسمِ حَضْرَتِهم، وإن كان أهْلُ نَسَبِهم دون ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ، والعِدَى أقْرَبُ منهم .. قَسَمْتُ على أهْلِ نَسَبِهم؛ لأنّهم بالباديةِ غيرُ خارجين مِنْ اسْمِ الجِوارِ، وكذلك هم في المتْعَةِ حاضِرُو المسجدِ الحرامِ.
(١٩٨٤) وإذا وَلِيَ الرجلُ إخْراجَ زكاةِ مالِه .. قَسَمَها على قَرابَتِه وجِيرانِه مَعًا، فإنْ ضاقَتْ فآثَرَ قَرابَتَه .. فحَسَنٌ.
(١٩٨٥) وأحَبُّ إليَّ أن لا يُوَلِّيَها غَيرَه؛ لأنّه المحاسَبُ بها والمسؤولُ عنها، وأنّه على يقينٍ مِنْ نَفْسِه وفي شَكٍّ مِنْ فِعْلِ غيرِه.
стр. 1107
(١٩٨٦) وأقَلُّ مَنْ يُعْطَى مِنْ أهلِ السَّهْمِ ثلاثةٌ؛ لأنّ اللهَ ذَكَرَ كُلَّ صنفٍ جماعةً، فإنْ أعْطَى اثْنَيْن وهو يَجِدُ الثالثَ .. ضَمِنَ ثُلُثَ سَهْمٍ.
(١٩٨٧) فإنْ أخْرَجَه إلى غيرِ بَلَدِه .. لم يَبِنْ أنّ عليه إعادةً؛ لأنّه أعْطَى أهْلَه بالاسمِ، وإنْ تَرَكَ الجوارَ (١).
(١٩٨٨) وإنْ أعْطَى قَرابَتَه مِنْ السُّهْمان ممَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه .. كان أحَقَّ بها مِنْ البعيدِ منه، وذلك أنّه يَعْلَمُ مِنْ قَرابَتِه أكْثَرَ ممّا يَعْلَمُ مِنْ غيرِهم، وكذلك خاصَّتُه، ومَن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِنْ قَرابَتِه: مَنْ عَدَا وَلَدِه ووالِدِه.
(١٩٨٩) ولا يُعْطِي وَلَدَ الوَلَدِ، صَغِيرًا، ولا كَبِيرًا زَمِنًا، ولا أبًا ولا أمًّا، ولا جَدًّا ولا جدَّةً زَمِنين، ويُعْطِيهم غيرَ زَمْنَى؛ لأنّه لا تَلْزَمُه نَفَقَتُهم إلّا زَمْنَى، ولا يُعْطِي زَوْجَتَه؛ لأنّ نَفَقَتَها تَلْزَمُه.
(١٩٩٠) فإن ادّانُوا أعْطاهم مِنْ سَهْمِ الغارِمِين، وكذلك مِنْ سَهْمِ ابْنِ السّبِيلِ؛ لأنّه لا يَلْزَمُه قَضاءُ الدَّيْنِ عنهم، ولا حَمْلُهُم إلى بَلَدٍ أرادُوه، فلا يَكُونُون أغْنِياءَ عن هذا به كما كانُوا به أغنياءَ عن الفَقْرِ والمسْكَنَةِ.
(١٩٩١) وأمّا آلُ محمَّدٍ ﷺ الذين جَعَلَ لهم الخُمُسَ عِوَضًا مِنْ الصدقةِ .. فلا يُعْطَوْن مِنْ الصدقاتِ المفروضاتِ، وإن كانُوا محْتاجِين
стр. 1108
غارِمِين، وهم أهْلُ الشِّعْبِ (١)، وهم صَلِيبَةُ بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، ولا تَحْرُمُ عليهم صدقةُ التَّطَوُّع، ورَوَى عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه أنّه كان يَشْرَبُ مِنْ سِقاياتٍ بين مكة والمدينة، فقلتُ له: أتَشْرَبُ مِنْ الصدقةِ؟ فقال: «إنّما حُرِّمَتْ علينا الصدقةُ المفروضةُ»، وقَبِلَ النبيُّ ﷺ الهديةَ مِنْ صدقةٍ تُصُدِّقَ بها على بَريرةَ، وذلك أنّها مِنْ بَريرةَ تَطَوُّعٌ لا صدقةٌ (٢).
(١٩٩٢) وإذا كان فيهم غارمون لا أموالَ لهم، فقالوا: أعْطِنا بالغُرْمِ والفَقْرِ .. قيل: لا، إنّما نُعْطِيكُم بأيّ المعنيَيْن شِئتُم، فإذا أعْطَيْناه باسْمِ الفَقْرِ فلِغُرَمائه أن يَأخُذُوا ممّا في يدَيْه حُقُوقَهم، وإذا أعْطَيْناه بمَعْنَى الغُرْمِ أحْبَبْتُ أن يَتَوَلّى دَفْعَه عنه، وإلّا فجائزٌ؛ كما يُعْطَى المكاتَبُ، فإن قيل: ولم لا يُعْطَى بمَعْنَيَيْن؟ .. قيل: الفقيرُ مِسْكينٌ، والمسكينُ فقيرٌ، يجْمَعُهُما اسمٌ، ويَتَفَرَّقُ بهما اسمٌ، فلا يجُوزُ أن يُعْطَى إلّا بأحَدِ المعنيَيْن، ولو جاز ذلك جاز أن يُعْطَى رجلٌ بفَقْرٍ وغُرْمٍ وبأنّه ابنُ سبيلٍ وغازٍ ومُؤلَّفٌ، فيُعْطَى بهذه المعاني كُلِّها، فالفقيرُ هو المسكينُ، ومعناه: أن لا يَكُونَ غَنِيًّا بحِرْفَةٍ ولا مالٍ، فإذا جُمِعا مَعًا فقُسِمَ لصِنْفَيْن بهما .. لم يَجُزْ إلّا أن يُفَرَّقَ بين حالَيْهِما بأن يَكُونَ الفقيرُ الذي بُدِئَ به أشَدَّهما فَقْرًا، وكذلك هو في اللسانِ (٣).
стр. 1109
(١٩٩٣) فإنْ كان فيهم رجلٌ مِنْ أهلِ الفَيْءِ ضُرِبَ عليه البَعْثُ في الغَزْوِ .. لم يُعْطَ، فإنْ قال: لا أغْزُو وأحْتاجُ .. أعْطِيَ.
(١٩٩٤) فإنْ هاجَرَ بَدَوِيٌّ واقْتَرَضَ وغَزا .. صار مِنْ أهلِ الفَيْءِ وأخَذَ فَيْئَه، ولو احْتاجَ وهو في الفَيْءِ .. لم يَكُنْ له أن يَأخُذَ مِنْ الصدقاتِ حتّى يَخْرُجَ مِنْ الفَيْءِ ويَعُودَ إلى الصدقاتِ، فيَكُونَ ذلك له.
(١٩٩٥) فإن لم تَكُنْ رِقابٌ، ولا مُؤلَّفَةٌ، ولا غارمون .. ابْتُدِئَ القَسْمُ على خمسةِ أسْهُمٍ أخماسًا، ثُمّ على ما وَصَفْتُ.
(١٩٩٦) فإنْ ضاقَت الصدقةُ قُسِمَتْ على عَدَدِ السُّهْمان، وقُسِمَ بين كُلِّ أهلِ صنفٍ على قَدْرِ اسْتِحْقاقِهم، ولا يُعْطَى أحَدٌ مِنْ أهلِ سَهْمٍ وإن اشْتَدَّتْ حاجَتُه وقَلَّ ما يُصِيبُه مِنْ سَهْمِ غيرِه حتّى يَسْتَغْنِيَ، ثُمّ يُرَدُّ فَضْلٌ إن كان عنه ويُقْسَمُ.
(١٩٩٧) فإن اجْتَمَعَ حَقُّ أهلِ السُّهْمان في بَعِيرٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ أو دينارٍ أو درهمٍ، أو اجْتَمَعَ فيه اثنان مِنْ أهلِ السُّهْمان أو أكْثَرُ .. أُعْطُوه وشُرِكَ بينهم فيه، ولم يُبَدَّلْ بغَيْرِه؛ كما يُعْطاه مَنْ أوصِيَ لهم به، وكذلك ما يُوزَنُ أو يُكالُ.
(١٩٩٨) وإذا أعْطَى الوالي مَنْ وَصَفْنا أنّ عليه أن يعْطِيَه، ثُمّ عَلِمَ أنّه غيرُ مُسْتَحِقٍّ .. نَزَعَ ذلك منه إلى أهلِه، فإنْ فاتَ .. فلا ضَمانَ عليه؛ لأنّه
стр. 1110
أمينٌ لمن يُعْطِيه ويَأخُذُه منه، لا لبعضِهم دون بعضٍ؛ لأنّه كُلِّفَ فيه الظاهرَ، وإنْ تَوَلّى ذلك رَبُّ المالِ .. ففيها قولان: أحدُهما - أنّه يَضْمَنُ، والآخَرُ - كالوالي لا يَضْمَنُ.
قال المزني: قلت أنا (١): ولم يخْتَلِفْ قولُه في «الزكاةِ» [ف: ٥٦٦] أنّ رَبَّ المالِ يَضْمَنُ (٢).
(١٩٩٩) قال الشافعي: ويُعْطَى الولاةُ زكاةَ الأموالِ الظاهرةِ: الثمرةِ والزرعِ والمعدنِ والماشيةِ (٣)، فإن لم يَأتِ الوُلاةُ .. لم يَسَعْ أهْلَها إلّا قَسْمُها، فإنْ جاء الوُلاةُ بعد ذلك .. لم يَأخُذُوهم بها، وإن ارْتابُوا بأحَدٍ .. فلا بأسَ أن يحَلِّفُوه باللهِ : لقد قَسَمَها في أهْلِها، وإنْ أعْطاهم زكاةَ التجاراتِ والفِطْرِ والرِّكازِ .. أجْزَأهم إن شاء الله.
(٢٠٠٠) وإنّما يَسْتَحِقُّ أهلُ السُّهْمان سِوى العاملين حَقَّهم يومَ يَكُونُ القَسْمُ.
стр. 1111
(١٩٢)
باب مِيسَمِ الصدقاتِ
(٢٠٠١) قال الشافعي: يَنْبَغِي لوالي الصدقاتِ أن يَسِمَ كُلَّ ما أخَذَ منها مِنْ إبلٍ أو بقرٍ في أفْخاذِها، ويَسِمَ الغنمَ [في أصُولِ آذانِها، وميسَمُ الغنمِ (١) ألْطَفُ مِنْ مِيسَمِ الإبلِ والبقرِ، ويجْعَلُ الميسَمَ مَكتوبًا: «لله»؛ لأنّ مالِكَها أدّاها لله تعالى فكُتِبَ: «لله» (٢)، ومِيسَمُ الجزيةِ مخالِفٌ لميسَمِ الصدقةِ؛ لأنّها أُدِّيَتْ صَغارًا، لا أجْرَ لصاحِبِها فيها، وكذلك بَلَغَنا عن عُمّالِ عمرَ أنّهم كانوا يَسِمُون، وقال أسْلَمُ لعمرَ: إنّ في الظَّهْرِ ناقةً عمياءَ؟ فقال عمرُ: نَدْفَعُها إلى أهلِ بيتٍ يَنْتَفِعُون بها يَقْطُرُونها بالإبلِ، قال: قلتُ: كيف تَأكُلُ مِنْ الأرضِ؟ قال عمرُ: أمِن نَعَمِ الجزيةِ أو مِنْ نَعَمِ الصدقةِ؟ فقلتُ: لا، بلْ مِنْ نَعَمِ الجزيةِ، فقال عمرُ: أرَدْتُم والله أكْلَها، قلتُ: إنّ عليها مِيسَمَ الجزيةِ، قال: فأمَرَ بها عمرُ فنُحِرَتْ، وكانتْ عنده صِحافٌ تِسْعٌ، فلا تَكُونُ فاكهةٌ ولا طَرِيفَةٌ إلّا جَعَلَ منها في تلك الصِّحافِ فيَبْعَثُ بها إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ ، فيَكُونُ الذي يَبْعَثُ به إلى حَفْصَةَ مِنْ آخِرِ ذلك، فإنْ كان فيه نُقْصانٌ كان في حَظِّها، فجَعَل في تلك الصِّحافِ مِنْ لحْمِ تلك الجَزُورِ،
стр. 1112
فبَعَثَ بها إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ ، وأمَرَ بما بَقِيَ مِنْ اللَّحْمِ فصُنِعَ، فدَعا عليه المهاجرين والأنصارَ، قال: ولا أعْلَمُ في الميسَمِ عِلَّةً إلّا أن يَكُون ما أخِذَ مِنْ الصدقةِ مَعْلُومًا فلا يَشْتَرِيه الذي أعْطاه؛ لأنّه خَرَجَ منه لله؛ كما أمَرَ رسولُ الله ﷺ عمرَ في فَرَسٍ حَمَلَ عليه في سبيلِ الله فرَآهُ يُباعُ أن لا يَشْتَرِيَه، وكما تَرَكَ المهاجرون نُزُولَ مَنازِلهم بمَكَّةَ؛ لأنّهم تَرَكُوها لله (١).