← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1053–1092 · переход к 1058.

стр. 1053

أو يَكُونَ البَطْنُ مُنْخَرِقًا .. فهو مَخُوفٌ، وإن لم يَكُنْ مُنْخَرِقًا ومعه زَحِيرٌ أو تَقْطِيعٌ (١) .. فهو مخوف. (١٨٦٣) وإذا أشْكَلَ سُئِلَ عنه أهْلُ البَصَرِ (٢). (١٨٦٤) ومَن ساوَرَه الدّمُ حتّى تَغَيَّرَ عَقْلُه، أو المُرارُ، أو البَلْغَمُ .. كان مَخُوفًا (٣)، فإذا اسْتَمَرَّ به البَلْغَمُ فالجًا .. فالأغْلَبُ إذا تَطاوَلَ أنّه غيرُ مَخُوفٍ.

стр. 1054

(١٨٦٥) والسِّلُّ غيرُ مَخُوفٍ (١). (١٨٦٦) والطاعونُ مَخُوفٌ حتّى يَذْهَبَ. (١٨٦٧) ومَن أنْفَذَتْه الجراحُ .. فمَخُوفٌ، فإن لم تَصِلْ إلى مَقْتَلٍ، ولم تَكُنْ في مَوْضِعِ لحْمٍ، ولم يَغْلِبْه لها وَجَعٌ ولا ضَرَبانٌ، ولم يَأتَكِلْ ويَرِمَّ .. فغيرُ مَخُوفٍ (٢). (١٨٦٨) وإذا الْتَحَمَ في الحرْبِ .. فمَخُوفٌ، وإن كان في أيْدِي مُشْرِكِين يَقْتُلُون الأُسارَى .. فمَخُوفٌ. وقال في «الإملاء»: «إذا قُدِّمَ مَنْ عليه قِصاصٌ غيرُ مخوفٍ (٣)، ما لم يُجْرَحُوا؛ لأنّه يُمْكِن أن يُتْرَكُوا فيَحْيَوْا»، قال المزني: قلت أنا (٤): الأوّل أشْبَه بقولِه، وقد يُمْكِنُ أن يَسْلَمَ مِنْ الْتِحامِ الحرْبِ، ومِن كُلِّ مَرَضٍ مَخُوفٍ (٥). (١٨٦٩) قال الشافعي: وإذا ضَرَبَ الحاملَ الطَّلْقُ .. فهو مخوفٌ؛ لأنّه كالتَّلَفِ وأشَدُّ وَجَعًا.

стр. 1055

(١٨٤) باب الأوصياء (١٨٧٠) قال الشافعي: ولا تَجُوزُ الوصيةُ إلّا إلى بالغٍ مسلمٍ حُرٍّ عَدْلٍ، أو امرأةٍ كذلك. (١٨٧١) فإنْ تَغَيَّرَتْ حالُه أخْرَجْتُ الوصيةَ مِنْ يَدِه، وضُمَّ إليه إذا كان ضَعِيفًا أمِينٌ معه. (١٨٧٢) قال: فإنْ أوْصَى إلى غيرِ ثقةٍ .. فقد أخْطَأ على غيرِه، فلا يَجُوزُ ذلك. (١٨٧٣) ولو أوْصَى إلى رجلين، فمات أحدُهما أو تَغَيَّرَ .. أبْدِلَ مكانَه آخَرُ. (١٨٧٤) فإن اخْتَلَفا قُسِمَ بينهما ما كان يُقْسَمُ، وجُعِلَ في أيْدِيهما نِصْفَيْن، وأمِرَا بالاحتفاظِ بما لا يُقْسَمُ. (١٨٧٥) وليس للوَصِيِّ أن يُوصِيَ بما أُوصِيَ به إليه؛ لأنّ الميِّتَ لم يَرْضَ الموصَى إليه الآخَرَ، وإن قال: فإنْ حَدَثَ بوَصِيِّ حَدَثٌ فقد أوْصَيْتُ إلى مَنْ أوْصَى إليه .. لم يَجُزْ؛ لأنّه إنّما يُوصِي بمالِ غيرِه. وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: «إنّ ذلك جائزٌ إذا قال: قد أوْصَيْتُ إليك بتَرِكَةِ فلانٍ»، قال المزني: قلت أنا (١): قولُه هذا يُوافِقُ قولَ الكوفيِّينَ والمدنيِّينَ، والذي قَبْلَه أشْبَهُ بقَوْلِه عندي (٢).

стр. 1056

(١٨٧٦) قال الشافعي: ولا وِلايَةَ للوَصِيِّ في إنْكاحِ بَناتِ الميِّتِ.

стр. 1057

(١٨٥) ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى (١٨٧٧) قال الشافعي: ويُخْرِجُ الوَصِيُّ مِنْ مالِ اليَتِيمِ كُلَّ ما لَزِمَه، مِنْ زكاةِ مالِه، وجنايتِه، وما لا غِنَى به عنه مِنْ نفقتِه وكسوتِه بالمعروفِ، وإذا بَلَغَ الحُلُمَ ولم يَرْشُدْ زَوَّجَه، وإذا احْتاجَ إلى خادمٍ ومِثْلُه يُخْدَمُ اشْتَرَى له، ولا يَجْمَعُ له امْرَأتَيْن ولا جاريَتَيْن للوطءِ وإن اتَّسَعَ مالُه؛ لأنّه لا ضِيقَ في جاريةٍ للوطءِ، فإنْ أكْثَرَ الطلاقَ لم يُزَوَّجْ، ويُسَرَّى، والعِتْقُ مردودٌ عليه. (١٨٧٨) قال المزني: قلت أنا (١): هذا آخِرُ ما وَصَفْتُ في هذا الكتابِ أنّه وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُ أحَدًا سَمِعَه منه، وسَمِعْتُه يقولُ (٢): لو قال: أعْطُوه كذا وكذا مِنْ دنانيري .. أعْطِيَ دينارَيْن، ولو لم يَقُلْ: مِنْ دنانيري .. أعْطَوْه ما شاؤوا اثنَيْن.

стр. 1058

[٣٤] كتاب الوديعة (١)

стр. 1059

(١٨٧٩) قال الشافعي: وإذا أُودِعَ رجلٌ وَدِيعةً (١)، فأرادَ سَفَرًا، فلم يَثِقْ بأحَدٍ يَجْعَلُها عنده، فسافَرَ بها بَرًّا أو بَحْرًا .. ضَمِنَ. (١٨٨٠) وإنْ دَفَنَها في مَنْزِلِه، ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا يَأتَمِنُه على مالِه، فهَلَكَتْ .. ضَمِنَ. (١٨٨١) وإنْ أوْدَعَها غيرَه وصاحِبُها حاضِرٌ عند سَفَرِه .. ضَمِنَ، فإن لم يَكُنْ حاضِرًا فأوْدَعَها أمِينًا يُودِعُه مالَه .. لم يَضْمَنْ. (١٨٨٢) وإنْ تَعَدَّى فيها ثُمّ رَدَّها في مَوْضِعِها فهَلَكَتْ .. ضَمِنَ بخُرُوجِه بالتَّعَدِّي مِنْ الأمانةِ. (١٨٨٣) ولو أوْدَعَ عَشَرةَ دراهمَ فأنْفَقَ منها درهمًا ثُمّ رَدَّه فيها .. ضَمِنَ الدرهَمَ (٢). (١٨٨٤) ولو أوْدَعَه دابَّةً وأمَرَه بعَلْفِها وسَقْيِها، فأمَرَ مَنْ فَعَلَ ذلك بها في دارِه كما يَفْعَلُ بدَوابِّه .. لم يَضْمَنْ، وإنْ بَعَثَها إلى غيرِ دارِه وهو يَسْقِي في دارِه .. ضَمِنَ، وإن لم يَأمُرْه بعَلْفِها ولا بسَقْيِها ولم يَنْهَه، فحَبَسَها مُدَّةً إذا أتَتْ على مِثْلِها لم تَأكُلْ ولم تَشْرَبْ هَلَكَتْ .. ضَمِنَ، وإن لم تَكُنْ كذلك فتَلِفَتْ .. لم يَضْمَنْ، ويَنْبَغِي أن يأتيَ الحاكمَ حتّى يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ منه النفقةَ عليها، ويَكُونُ دَيْنًا على رَبِّها أو يَبِيعُها، فإنْ أنْفَقَ على غيرِ ذلك .. فهو مُتَطَوِّعٌ.

стр. 1060

(١٨٨٥) ولو أوْصَى المودَعُ إلى أمينٍ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ كان غيرَ أمينٍ .. ضَمِنَ. (١٨٨٦) وإن انْتَقَلَ مِنْ قريةٍ آهِلَةٍ إلى غيرِ آهِلَةٍ .. ضَمِنَ. (١٨٨٧) وإنْ شَرَطَ أن لا يُخْرِجَها مِنْ هذا الموضعِ، فأخْرَجَها مِنْ غيرِ ضرورةٍ .. ضَمِنَ، وإن كان ضرورةٌ فأخْرَجَها إلى حِرْزٍ .. لم يَضْمَنْ. (١٨٨٨) ولو قال المودَعُ: أخْرَجْتُها لمّا غَشِيَتْنِي النارُ .. فإن عُلِمَ أنّه قد كان في تلك الناحيةِ نارٌ أو أثَرٌ يَدُلُّ .. فالقولُ قولُه مع يمينِه. (١٨٨٩) ولو قال: دَفَعْتُها إلى فلانٍ بأمْرِك .. فالقولُ قولُ المودَعِ، ولو قال: دَفَعْتُها إليك .. فالقولُ قولُ المودَعِ. (١٨٩٠) ولو حَوَّلها مِنْ خريطةٍ إلى أحْرَزَ أو مِثْلِ حِرْزِها .. لم يَضْمَنْ، فإن لم يكن حِرْزًا لها .. ضَمِنَ. (١٨٩١) ولو أكْرَهَه رجلٌ على أخْذِها .. لم يَضْمَنْ. (١٨٩٢) ولو شَرَطَ أن لا يَرْقُدَ على صُنْدُوقٍ هي فيه، فرَقَدَ عليه .. كان قد زاده حِرْزًا. (١٨٩٣) ولو قال: لم تُودِعْنِي شيئًا، ثُمّ قال: قد كُنْتَ اسْتَوْدَعْتَنِيه فهَلَكَ .. ضَمِنَ. (١٨٩٤) وإن شَرَطَ أن يَرْبِطَها في كُمِّه، فأمْسَكَها في يَدِه، فتَلِفَتْ .. لم يَضْمَن، ويَدُه أحْرَزُ (١).

стр. 1061

(١٨٩٥) وإذا هَلَكَ وعِنْدَه وديعةٌ بعَيْنِها .. فهي لرَبِّها، وإنْ كانتْ بغيرِ عَيْنِها، مثلَ: دنانيرَ، أو ما لا يُعْرَفُ بعَيْنِه .. حاصَّ رَبُّ الوديعةِ الغرماءَ. (١٨٩٦) ولو ادَّعَى رجلان الوديعةَ، مثلَ: عبدٍ أو بعيرٍ، فقال: هي لأحدِكما ولا أدْرِي أيُّكما هو .. قيل لهما: هل تَدَّعِيان شيئًا غيرَ هذا بعَيْنِه؟ فإن قالا: لا .. أُحْلِفَ المودَعُ بالله ما يَدْرِي أيُّهما هو، ووُقِفَ لهما جميعًا، حتّى يَصْطَلِحا فيه، أو يُقِيمَ أحدُهما بَيِّنَةً، وأيُّهما حَلَفَ مع نُكولِ صاحبِهِ كان له.

стр. 1062

[٣٥] كتاب قَسْم الفيء والغنيمة (١)

стр. 1063

(١٨٩٧) قال الشافعي: أصلُ ما يَقُومُ به الولاةُ مِنْ جُمَلِ المالِ ثلاثةُ وجوهٍ؛ أحدها: ما أخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا له، فذلك لأهلِ الصَّدَقاتِ، لا لأهلِ الفيءِ، والوجهان الآخران: ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ، كِلاهُما مُبَيَّنٌ في كتابِ الله وسُنّةِ رسولِه وفِعْلِه ﷺ ، فأحدهما: الغنيمةُ، قال اللهُ جل ثنائه: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والوجه الثاني: هو الفَيْءُ، قال الله جل ذكره: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآية [الحشر: ٧]. (١٨٩٨) قال الشافعي: فالغنيمةُ والفَيْءُ يَجْتَمِعان في أنّ فيهما معًا الخمسَ مِنْ جميعِهما لمَن سمّاه الله في الآيتَيْن معًا سواءً، ثُمّ تَفْتَرِقُ الأحكامُ في الأربعةِ الأخماسِ بما بَيَّنَ اللهُ على لِسانِ رسولِه ﷺ وفي فِعْلِه؛ فإنّه قَسَمَ أربعةَ أخْماسِ الغنيمةِ على ما وَصَفْتُ مِنْ قَسْمِ (١) الغنيمةِ - وهي: الموجَفُ عليها بالخيلِ والرِّكابِ - لمَن حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، و «الفَيْءُ»: هو (٢) ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ (٣)، وكانتْ سُنَّةُ رسول الله ﷺ في

стр. 1064

قُرًى عَرَبِيّةٍ أفاءها اللهُ عليه أربعةُ أخماسِها لرسولِ اللهِ صلى الله عليه خاصّةً دُون المسلمين، يَضَعُه حيثُ أراه اللهُ. (١٨٩٩) وقال عمر بن الخطاب حين اخْتَصَم إليه العباسُ وعليٌّ في أموالِ النبيِّ ﷺ : «كانتْ أموالُ بني النَّضِيرِ ممّا أفاء اللهُ على رسولِه ممّا لم يُوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، فكانتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خاصَّةً دون المسلمين، فكان يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقَةَ سَنَةٍ، فما فَضَلَ جَعَلَه في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ الله، ثُمّ تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ فوَلِيَها أبو بكرٍ بمِثْلِ ما وَلِيَها به رسولُ الله ﷺ ، ثُمّ وَلِيَها عمرُ بمِثْلِ ما وَلِيَها به رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ الصديق رحمة الله عليه، فوَلَّيْتُكُماها على أنْ تَعْمَلا فيها بمِثْلِ ذلك، فإنْ عَجَزْتُما عنها فادْفَعاها إليَّ أكْفِكُماها». قال الشافعي: وفي ذلك دَلالةٌ على أنّ عُمَرَ حَكَى أنّ أبا بكرٍ وهو أمْضَيَا ما بَقِيَ مِنْ هذه الأمْوالِ التي كانتْ بيَدِ رسولِ الله ﷺ على وَجْهِ ما رَأيَا رسولَ الله ﷺ يَعْمَلُ به فيها، وأنّه لم يَكُنْ لهما ممّا لم يُوجِفْ عليه مِنْ الفَيْءِ ما للنَّبِيِّ ﷺ ، وأنّهما فيه أسْوَةُ المسلمين، وكذلك سِيرَتُهما وسيرةُ مَنْ بعدهما، وقد مَضَى مَنْ كان يُنْفِقُ عليه رسولُ الله ﷺ ، ولم أعْلَمْ أحَدًا مِنْ أهْلِ العلمِ قال: إنّ ذلك لوَرَثَتِهم، ولا خالَفَ في أنْ تُجْعَلَ تلك النفقاتُ حيثُ كان النبيُّ ﷺ يَجْعَلُ فُضُولَ غَلّاتِ تلك الأموالِ ممّا فيه صَلاحُ الإسلامِ وأهْلِهِ، قال رسولُ الله ﷺ : «لا يَقْتَسِمَنَّ وَرَثَتِي دينارًا، ما تَرَكْتُ بعد نَفَقَةِ أهْلِي ومَؤُونَةِ عامِلي فهو صدقةٌ».

стр. 1065

قال الشافعي: فما صار في أيْدِي المسلمين مِنْ فَيْءٍ لم يُوجَفْ عليه .. فخُمُسُه حيثُ قَسَمَهُ رسولُ الله ﷺ ، وأربعةُ أخْماسِه على ما سأبَيِّنُه إنْ شاء الله، وكذلك ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ مِنْ جِزْيَةٍ وصُلْحٍ عن أرْضِهِم، أو أخِذَ مِنْ أمْوالهم إذا اخْتَلَفُوا في بِلادِ المسلمين، أو مات منهم مَيِّتٌ لا وارِثَ له، وما أشْبَه هذا ممّا أخَذَه الوُلاةُ مِنْ المشركين، والخمسُ فيه ثابتٌ على مَنْ قَسَمَه اللهُ مِنْ أهْلِ الخمسِ الموجَفِ عليه مِنْ الغنيمةِ، وهذا هو المسَمَّى في كتابِ الله ﵎: الفَيْءَ، وفُتِحَ في زَمانِ رسولِ الله ﷺ فُتُوحٌ في قُرًى عَرَبِيَّةٍ وَعَدَها اللهُ جل وعز رَسُولَه ﷺ قَبْلَ فَتْحِها، فأمْضاها ﷺ لمَنْ سَمَّى له، ولم يَحْبِسْ منها ما حَبَسَ مِنْ القُرَى التي كانت له ﷺ . ومعنى قولِ عُمَرَ: «لرسول الله ﷺ خاصَّةً» يُريدُ ما كان يَكُونُ للموجِفِين، وذلك أربعةُ أخماسٍ، فاسْتَدْلَلْنا بذلك بأنّ خُمُسَ ذلك - كخُمُسِ ما أوجِفَ عليه - لأهلِه. (١٩٠٠) وجملةُ الفَيْءِ: ما رَدَّه اللهُ ﵎ على أهْلِ دِينِه مِنْ مال مَنْ خالفَ دِينَه.

стр. 1066

(١٨٦) باب الأنفال (١) (١٩٠١) قال الشافعي: ولا يُخْرَجُ مِنْ رأسِ الغنيمةِ قبل الخُمُسِ غيرُ السَّلَبِ للقاتلِ (٢)، قال أبو قتادة: «خَرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، فلمّا الْتَقَيْنا كانتْ للمسلمين جَوْلَةٌ، فرَأيْتُ رَجُلًا مِنْ المشركين قد عَلا رَجُلًا مِنْ المسلمين»، قال: «فاسْتَدَرْتُ له حتّى أتَيْتُه مِنْ وَرائِه، فضَرَبْتُه على حَبْلِ عاتِقِه (٣)، فأقْبَلَ عليَّ فضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ منها رِيحَ الموْتِ، ثُمّ أدْرَكَه الموتُ فأرْسَلَنِي، فلَحِقْتُ عُمَرَ فقُلْتُ: ما بالُ الناسِ؟ قال: أمْرُ اللهِ، ثُمّ إنّ الناسَ رَجَعُوا، فقال رسولُ الله ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُه، فقُمْتُ فقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟ ثُمّ جَلَسْتُ، يَقُولُ وأقُولُ ثلاثَ مرّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ : ما لَكَ يا أبا قتادةَ؟ فاقْتَصَصْتُ عليه القصَّةَ، فقال رجلٌ مِنْ القَوْمِ: صَدَقَ يا رسولَ الله، وسَلَبُ ذلك القَتِيلِ عندي، فأرْضِه منه، فقال

стр. 1067

أبو بكرٍ: لاها اللهِ، إذًا لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقاتِلُ عن الله وعن رسولِه فيُعْطِيك سَلَبَه، فقال رسولُ الله ﷺ : صدق، فأعْطِه إيّاه، فأعْطانِيه، فبِعْتُ الدِّرْعَ، فابْتَعْتُ به مَخْرَفًا في بني سَلِمَةَ، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُه في الإسلام (١)»، ورُوِيَ أنّ شِبْرَ بنَ علقمةَ قال: «بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فبَلَغَ سَلَبُه اثْنَيْ عشرَ ألْفًا، فنَفَّلَنِيه سعدٌ». قال الشافعي: فالذي لا أشُكُّ فيه: أن يُعْطَى السَّلَبَ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا، مُقْبِلًا، يُقاتِلُ، مِنْ أيّ وجهٍ قَتَلَه، مُبارِزًا أو غيرَ مُبارِزٍ (٢)، وقد أعْطَى النبيُّ ﷺ سَلَبَ مَرْحَبٍ مَنْ قَتَلَه مُبارِزًا، وأبو قتادةَ غيرُ مبارِزٍ، ولكنّ المقْتُولَيْن مُقْبِلانِ، ولقَتْلِهما مُقْبِلَيْن والحربُ قائمةٌ مَؤُونَةٌ ليستْ له إذا انْهَزَمُوا أو انْهَزَمَ المقتولُ (٣)، وفي حديثِ أبي قَتادةَ ما دَلَّ على أنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ» يومَ حُنَيْنٍ بعدما قَتَلَ أبو قَتادةَ الرَّجُلَ، وإعطاءُ النبيِّ ﷺ ذلك حُكْمٌ عندنا. (١٩٠٢) قال: ولو ضَرَبَه ضَرْبَةً فقَدَّ يَدَيْه أو رِجْلَيْه ثُمّ قَتَلَه آخَرُ .. فإنّ

стр. 1068

سَلَبَه للأوَّلِ (١)، وإنْ ضَرَبَه ضَرْبَةً وهو مُمْتَنِعٌ فقَتَلَه آخَرُ .. كان سَلَبُه للآخَرِ، ولو قَتَلَه اثْنانِ .. كان سَلَبُه بينهما نصفين (٢). (١٩٠٣) والسَّلَبُ الذي يَكُونُ للقاتلِ: كُلُّ ثَوْبٍ يَكُونُ عليه، وسِلاحُه، ومِنْطَقَتُه، وفَرَسُه إنْ كان رَاكِبَه أو مُمْسِكَه، وكُلُّ ما أخِذَ مِنْ يَدِه (٣). (١٩٠٤) والنَّفَلُ مِنْ وجهٍ آخَرَ، نَفَلَ رسولُ الله ﷺ مِنْ غنيمةٍ قِبَلَ نَجْدٍ بعيرًا بعيرًا، وقال سعيد بنُ المسيب: «كانوا يُعْطُون النَّفْلَ مِنْ الخُمُسِ»، قال الشافعي: نَفَّلَهُم النبيُّ ﷺ مِنْ خُمُسِه كما كان يَصْنَعُ بسائرِ مالِه فيما فيه صلاحُ المسلمين، وما سِوَى سَهْمِ النبيِّ ﷺ مِنْ جميعِ الخُمُسِ لمَن سَمّاه الله جل وعز له، فيَنْبَغِي للإمامِ أن يَجْتَهِدَ إذا كَثُرَ العَدُوُّ واشْتَدَّتْ شَوْكَتُه، وقَلَّ مَنْ بإزائِه مِنْ المسلمين فيُنَفِّلُ منه اتِّباعًا لسُنَّة رسولِ الله ﷺ ، وإلّا لم يَفْعَلْ. (١٩٠٥) وقد رُوِيَ في النَّفْلِ في البداءَةِ والرَّجْعَةِ، الثُّلُثُ في واحدةٍ، والرُّبُعُ في الأخْرَى، وروايةُ ابنِ عمرَ أنّه نَفَّلَ نِصْفَ السُّدُسِ، فهذا يَدُلُّ على أنّه ليس للنَّفْلِ حَدٌّ لا يُجاوِزُه الإمامُ، ولكنْ على الاجتهادِ.

стр. 1069

(١٨٧) باب تفريق القسم (١٩٠٦) قال الشافعي: كُلُّ ما حَصَلَ ممّا غُنِمَ مِنْ أهلِ دارِ الحرْبِ مِنْ شيءٍ قَلَّ أو كَثُرَ مِنْ دارٍ أو أرْضٍ أو غيرِ ذلك قُسِمَ، إلّا الرِّجالَ البالغِين، فالإمامُ فيهم مُخَيَّرٌ بين أن يَمُنَّ أو يَقْتُلَ أو يُفادِيَ أو يَسْبِيَ، وسبيلُ ما سُبِيَ أو أخِذَ منهم مِنْ شيءٍ على إطْلاقِهم سَبِيلُ الغنيمةِ، وفادَى رسولُ الله ﷺ رجلًا برَجُلَيْن. (١٩٠٧) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَعْزِلَ خُمُسَ ما حَصَلَ بعدما وَصَفْنا كاملًا، ويُقِرَّ أربعةَ أخْماسِه لأهلِها، ثُمّ يَحْسِبَ مَنْ حَضَرَ القتالَ مِنْ الرِّجالِ المسلمِين البالغِين، ويَرْضَخَ مِنْ ذلك لمن حَضَرَ (١) مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ وغيرِ البالغِين مِنْ المسلمِين والنساءِ، فيُنَفِّلَهُم شَيْئًا بحُضُورِهم، ويَرْضَخَ لمن قاتل أكْثَرَ مِنْ غيرِه، وقد قيل: لهم مِنْ الجميعِ (٢). (١٩٠٨) ثُمّ يَعْرِفُ عَدَدَ الفُرْسانِ والرَّجَّالَةِ الذين حَضَرُوا القتالَ، فيَضْرِبُ كما ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ ، للفَرَسِ سَهْمَيْن وللفارسِ سَهْمًا، وللرّاجِلِ سَهْمًا، وليس يَمْلِكُ الفرسُ شيئًا، إنّما يَمْلِكُه صاحبُه لِمَا تَكَلَّفَ مِنْ اتِّخاذِه، واحْتَمَلَ مِنْ مُؤْنَتِه، ونَدَبَ اللهُ إلى اتِّخاذِه لعَدُوِّه.

стр. 1070

(١٩٠٩) ومَن حَضَرَ بفَرَسَيْن فأكْثَرَ لم يُعْطَ إلّا لواحدٍ؛ لأنّه لا يَلْقَى إلّا بواحدٍ، ولو أسْهَمَ لاثْنَيْن لأسْهَم لأكْثَرَ. (١٩١٠) ولا يُسْهِمُ لراكبٍ دابَّةً غيرَ دابَّةِ الخيلِ. (١٩١١) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَتَعاهَدَ الخيلَ، فلا يُدْخِلَ إلّا شديدًا، ولا يُدْخِلَ حَطِمًا، ولا قَحْمًا ضعيفًا (١)، ولا ضَرَعًا، ولا أعْجَفَ رازِحًا (٢)، وإنْ أغْفَلَ فدَخَلَ رَجلٌ على واحدٍ منها فقد قيل: لا يُسْهِمُ له؛ لأنّه لا يُغْنِي غَناءَ الخيلِ التي يُسْهَمُ لها، ولا أعْلَمُه أسْهِمَ فيما مَضَى على مثلِ هذه (٣). (١٩١٢) وإنّما يُسْهِمُ للفَرَسِ إذا حَضَرَ صاحبُه شيئًا مِنْ الحربِ فارسًا (٤)، فأمّا إذا كان فارسًا إذا دَخَلَ بلادَ العَدُوِّ ثُمّ مات فَرَسُه، أو كان فارسًا بعد انقطاعِ الحربِ وجَمْعِ الغنيمة .. فلا يُضْرَبُ له، ولو جاز أن

стр. 1071

يُسْهَمَ له لأنّه ثَبَتَ في الديوانِ حين دَخَلَ، لكان صاحبُه إذا ثَبَتَ في الديوانِ ثُمّ مات قبل الغنيمة أحَقَّ أن يُسْهَمَ له. (١٩١٣) ولو دَخَلَ يُريدُ الجهادَ فمَرِضَ أو لم يُقاتِلْ .. أسْهِمَ له (١). (١٩١٤) ولو كان لرجلٍ أجيرٌ يُريدُ الجهادَ .. فقد قيل: يُسْهَمُ له، وقيل: يُخَيَّرُ بين أن يُسْهَمَ له وتُطْرَحَ الإجارةُ، أو الإجارةُ ولا سَهْمَ له، وقيل: يُرْضَخُ له (٢). (١٩١٥) قال: ولو أفْلَتَ إليهم أسيرٌ قبل تُحْرَزُ الغنيمةُ .. فقد قيل: يُسْهَمُ له، وقيل: لا يُسْهَمُ له، إلّا أن يَكونَ قتالٌ فيُقاتِلَ، فأرَى أن يُسْهَمَ له (٣). (١٩١٦) ولو دَخَلَ تُجّارٌ فقاتَلوا .. لم أرَ بأسًا أن يُسْهَمَ لهم، وقد قيل: لا يُسْهَمُ لهم (٤). (١٩١٧) ولو جاءهم مَدَدٌ قبل تَقَضِّي الحربِ، فحَضَرُوا منها شيئًا قَلَّ أو كَثُرَ .. شَرَكُوهم في الغنيمةِ، فإنْ تَقَضَّت الحربُ، ولم يَكُنْ للغنيمةِ مانعٌ .. لم يَشْرَكُوهم. (١٩١٨) ولو أنّ قائدًا فَرَّقَ جندَه في وَجْهَيْن، فغَنِمَتْ إحْدَى الفِرْقَتَيْن،

стр. 1072

أو غَنِمَ العسكرُ ولم تَغْنَمْ واحدةٌ منهما .. شَرَكُوهم؛ لأنّهم جيشٌ واحدٌ، وكُلُّهم رِدْءٌ لصاحبِه (١)، قد مَضَتْ خيلُ المسلمِين فغَنِمَتْ بأوْطاسٍ غنائمَ كثيرةً، وأكْثَرُ العسكرِ بحُنَيْنٍ، فشَرَكُوهم، وهم مع رسولِ الله ﷺ ، ولكنْ لو كان قومٌ مُقِيمِين ببلادِهم، فخَرَجَتْ منهم طائفةٌ فغَنِمُوا .. لم يَشْرَكُوهم، وإنْ كانوا منهم قريبًا؛ لأنّ السَّرايا كانتْ تَخْرُجُ مِنْ المدينةِ فتَغْنَمُ فلا يَشْرَكُهم أهلُ المدينة (٢)، ولو أنّ إمامًا بَعَثَ جَيْشَيْن على كُلِّ واحدٍ منهما قائدٌ، وأمَرَ كُلَّ واحدٍ منهما أن يَتَوَجَّهَ ناحيةً غيرَ ناحيةِ صاحبِه مِنْ بلادِ عَدُوِّهم، فغَنِمَ أحَدُ الجيشَيْن .. لم يَشْرَكْهُم الآخَرُون، فإن اجْتَمَعُوا فغَنِمُوا مُجْتَمِعِين فهم كجيشٍ واحدٍ.

стр. 1073

(١٨٨) باب تفريق الخمس (١٩١٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. (١٩٢٠) ورُوِيَ عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: «إنّ رسولَ الله ﷺ لمّا قَسَمَ سَهْمَ ذي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، أتَيْتُه أنا وعثمانُ بنُ عفّانَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، هؤلاء إخْوانُنا مِنْ بني [هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم؛ لمكانِك الذي وَضَعَكَ الله جل وعز به منهم، أرأيتَ إخْوانَنا مِنْ بني (١) المطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وتَرَكْتَنا، وإنّما قرابَتُهم وقرابَتُنا واحدةٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : إنّما بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ هكذا، وشَبَّكَ بين أصابِعِه»، ورَوَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ لم يُعْطِ بني عبدِ شَمْسٍ ولا بني نَوْفَلٍ مِنْ ذلك شيئًا، قال الشافعي: فيُعْطَى سَهْمُ ذي القُرْبَى في ذَوِي القُرْبَى حيثُ كانوا، ولا يُفَضَّلُ أحدٌ على أحدٍ، حَضَرَ القتالَ أو لم يَحْضُرْ، إلّا سَهْمُه في الغنيمةِ كسَهْمِ العامّةِ، ولا فقيرٌ على غَنِيٍّ. (١٩٢١) ويُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا؛ لأنّهم أُعْطُوا باسمِ القرابةِ، فإن قيل: فقد أعْطَى النبي ﷺ بعضَهم مائةَ وَسْقٍ، وبعضَهم أقَلَّ .. قيل: لأنّ بعضَهم كان ذا وَلَدٍ، فإذا أعْطاه حَظَّه وحَظَّ غيرِه قيل: أعْطاه أكْثَرَ مِنْ غيرِه، والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنّ باسمِ القرابةِ أُعْطُوا، وأنّ حديثَ

стр. 1074

جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ (١). (١٩٢٢) قال الشافعي: ويُفَرَّقُ ثلاثةُ أخْماسِ الخمُسِ على مَنْ سَمَّى اللهُ، على اليَتامَى والمساكين وابنِ السَّبِيلِ في بلادِ الإسلام، يُحْصَوْنَ، ثُمّ يُوَزَّعُ بينهم، لكُلِّ صِنْفٍ منهم سَهْمُه، لا يُعْطَى أحَدٌ منهم سَهْمَ صاحبِه (٢). (١٩٢٣) وقد مَضَى رسولُ الله ﷺ بأبي هو وأمّي، فاخْتَلَفَ أهلُ العلمِ عندنا في سَهْمِه، فمنهم مَنْ قال: يُرَدُّ على السُّهْمانِ التي ذَكَرَها الله معه؛ [لأنّي رأيتُ المسلمِين قالوا فيمَن سُمِّيَ له سَهْمٌ مِنْ الصّدقاتِ فلم يُوجَدْ: رُدَّ على مَنْ سُمِّيَ معه (٣)، وهذا مَذْهبٌ يَحْسُنُ، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه الإمامُ حيثُ رَأى، على الاجتهادِ للإسلامِ وأهْلِه، ومنهم مَنْ قال: يَضَعُه في الكُراعِ والسِّلاحِ. والذي أخْتارُ: أن يَضَعَه الإمامُ في كُلِّ أمْرٍ حَصَّنَ به الإسلامَ وأهلَه؛ مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ، أو إعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعْطاءِ أهْلِ البَلاءِ في الإسلامِ نَفْلًا عند الحربِ وغيرِ الحربِ، إعدادًا للزيادةِ في تَعْزِيزِ الإسلامِ وأهلِه،

стр. 1075

على ما صَنَعَ فيه رسولُ الله ﷺ ؛ فإنّه أعْطَى المؤَلَّفَةَ ونَفَلَ في الحربِ، وأعْطَى عامَ حُنَيْنٍ نَفَرًا مِنْ أصحابِه مِنْ المهاجرين والأنصار أهْلِ حاجةٍ وفَضْلٍ، وأكْثَرُهم أهلُ حاجةٍ، ونَرَى ذلك كُلَّه مِنْ سَهْمِه، والله أعلم (١). (١٩٢٤) قال: وممّا احْتَجّ به الشافعيُّ في ذَوِي القُرْبَى: أنْ رَوَى حديثًا عن ابنِ أبي ليلى، قال: «لَقِيتُ عليًّا، فقلتُ له: بأبي وأمي، ما فَعَلَ أبو بكرٍ وعُمَرُ في حَقِّكُم أهلَ البَيْتِ مِنْ الخمس؟ فقال عليٌّ: أمّا أبو بكر رحمة الله عليه .. فلم يَكُنْ في زمانِه أخْماسٌ، وما كان فقد أوْفاناه، وأمّا عُمَرُ .. فلم يَزَلْ يُعْطِيناه حتّى جاءه مالُ السُّوسِ والأهْوازِ - أو قال: مال الأهواز (٢)، أو قال: فارس، قال الشافعي: أنا أشُكُّ - فقال عمرُ في حديث مَطَرٍ أو في حديثٍ آخَرَ (٣): إنّ في المسلمِين خَلَّةً، فإنْ أحْبَبْتُمْ تَرَكْتُم حَقَّكُم فجَعَلْناه في خَلَّةِ المسلمِين حتّى يأتِيَنا مالٌ فأوفِيَكُم حَقَّكُم، فقال العباسُ رحمة الله عليه: لا تُطْمِعْه في حَقِّنا، فقلتُ: يا أبا الفَضْلِ، ألَسْنا مِنْ أحَقِّ مَنْ أجاب أميرَ المؤمنين، ورَفَعَ خَلَّةَ المسلمِين، فتُوُفِّيَ عمرُ قبل أن يَأتِيَه مالٌ يَقْضِيناه؟»، وقال الحكمُ في حديثِ مَطَرٍ أو الآخَرِ: «إنّ عُمَرَ قال: لكم حَقٌّ (٤)، ولا يَبْلُغُ عِلْمِي أنْ أذْكُرَ أن يَكُونَ لكم كُلُّه، فإنْ شِئتُمْ أعْطَيْتُكُم بقَدْرِ ما أرَى لكم، فأبَيْنا عليه إلّا كُلَّه، فلم يُعْطِناه كُلَّه (٥)».

стр. 1076

(١٩٢٥) قال الشافعي للمُنازِعِ في سَهْمِ ذي القُرْبَى: أليسَ مَذْهَبُ العلماءِ في القَديمِ والحديثِ أنّ الشيءَ إذا كان مَنْصُوصًا في كتابِ الله جل ثناؤه، بَيِّنًا على لسانِ رسولِ الله ﷺ أو فِعْلِه، أنّ عليهم قَبُولَه؟ فقد ثَبَتَ سَهْمُهم في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله جل وعز، وفي فِعْلِ رسولِ الله ﷺ بخَبَرِ ثِقَةٍ (١) لا مُعارِضَ له في إعطاءِ النبيِّ ﷺ غَنِيًّا لا دَيْن عليه في إعطائِه العباسَ بنَ عبدِالمطّلِبِ وهو في كَثْرَةِ مالِه يَعُولُ عامَّةَ بني عبدالمطَّلِبِ .. دليلٌ على أنّهم اسْتَحَقُّوا بالقرابةِ، لا بالحاجةِ؛ كما أعْطَى الغنيمةَ مَنْ حَضَرَها لا بالحاجةِ، وكذلك مَنْ اسْتَحَقَّ الميراثَ بالقرابةِ لا بالحاجةِ، وكيف جاز لك أنْ تُريدَ إبطالَ اليمينِ مع الشاهدِ بأنْ تَقُولَ: هي خلافُ ظاهرِ القرآنِ، وليستْ مُخالِفَةً (٢)، ثُمّ تَجِدُ سَهْمَ ذي القُرْبَى مَنْصُوصًا في آيَتَيْن مِنْ كتابِ الله معهما سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، فتَرُدُّهُ؟ أرأيْتَ لو كان (٣) عارَضَك مُعارِضٌ فأثْبَتَ سَهْمَ ذي القُرْبَى، وأسْقَطَ اليَتامَى والمساكينَ وابنَ السَّبِيلِ، ما حُجَّتُك عليه إلّا كهِيَ عليك؟

стр. 1077

(١٨٩) باب تفريق ما أُخِذ من أربعة أخماس الفيء غيرِ الموجَفِ عليه (١) (١٩٢٦) قال الشافعي: ويَنْبَغِي للإمامِ (٢) أن يُحْصِيَ جميعَ مَنْ في البلدانِ مِنْ المقاتِلَةِ، وهُم مَنْ قد احْتَلَمَ أو اسْتَكْمَل خمسَ عشْرةَ سَنَةً مِنْ الرجالِ، [ويُحْصِيَ الذُّرِّيَّةَ، وهم مَنْ دُونَ المحْتَلِمِ ودُون خمسَ عشْرةَ سَنَةً (٣)، والنساءَ، صغيرَهم وكبيرَهم، ويَعْرِفَ قَدْرَ نفقاتِهم وما يَحْتاجُون إليه مِنْ مُؤْناتهم بقَدْرِ مَعاشِ مِثْلِهم في بُلْدانِهم.

стр. 1078

(١٩٢٧) ثُمّ يُعْطِيَ المقاتِلَةَ في كُلِّ عامٍ عطاءَهم، والذُّرِّيَّةَ والنساءَ ما يَكْفِيهم لِسَنَتِهم في كِسْوَتِهم ونَفَقاتِهم؛ طعامًا أو قيمتَه دراهمَ أو دنانيرَ، يُعْطِي المنْفُوسَ شَيْئًا (١)، ثُمّ يُزادُ كُلَّما كَبِرَ على قَدْرِ مُؤنَتِه، وهذا مُسْتَوٍ؛ لأنّهم يُعْطَوْنَ الكفايةَ، ويُخْتَلَفُ في مَبْلَغِ العَطاءِ باخْتلافِ أسْعارِ البُلْدانِ وحالاتِ الناسِ فيها، بأنّ المؤونَةَ في بعضِ البلادِ أثْقَلُ منها في بعضٍ، ولا أعْلَمُ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في أنّ العطاءَ للمقاتِلَةِ حيثُ كانوا إنّما يَكُونُ مِنْ الفيءِ، وقالوا: لا بأسَ أن يُعْطِيَ الرجلُ لنفسِه أكْثَرَ مِنْ كفايَتِه، وذلك أنّ عُمَرَ بَلَغَ في العطاءِ خمسةَ آلافٍ، وهي أكْثَرُ مِنْ كفايةِ الرجلِ لنفسِه، ومنهم مَنْ قال: خمسةُ آلافٍ بالمدينةِ، ويُغْزَى إذا غُزِيَ ليستْ بأكْثَرَ مِنْ الكفايةِ إذا غُزِيَ عليها؛ لبُعْدِ المغْزَى، قال الشافعي: وهي كالكفايةِ على أنّه يَغْزُو، وإن لم يَغْزُ في كُلِّ سَنَةٍ. (١٩٢٨) قال: ولم يَخْتَلِفْ أحَدٌ لَقِيتُه في أن ليس للمَمالِيكِ في العطاءِ حَقٌّ، ولا الأعرابِ الذين هم أهلُ الصدقةِ. (١٩٢٩) واخْتَلَفُوا في التَّفْضِيلِ على السّابقةِ والنَّسَبِ، فمنهم مَنْ قال: أسَوِّي بين الناسِ، فإنّ أبا بكرٍ حين قال له عُمَرُ: أتَجْعَلُ الذين جاهدُوا في اللهِ بأموالهم وأنفُسِهم وهَجَرُوا ديارَهم كمَن إنّما دَخَلَ في الإسلامِ كُرْهًا؟ فقال أبو بكرٍ: إنّما عَمِلُوا للهِ، وإنّما أجورُهم على اللهِ، وإنّما الدُّنْيا بَلاغٌ، وسَوَّى عليُّ بنُ أبي طالبٍ بين الناسِ ولم يُفَضِّلْ، قال الشافعي: وهذا الذي أخْتارُ، وأسألُ الله التوفيقَ، وذلك أنّي رَأيْتُ اللهَ ﵎ قَسَمَ

стр. 1079

المواريثَ على العَدَدِ فسَوَّى، فقد يَكُونُ الإخوةُ مُتَفاضِلي الغَناءِ (١) عن الميِّتِ في الصِّلَةِ في الحياةِ والحِفْظِ بعد الموتِ، ورَأيْتُ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ لمن حَضَرَ الوَقْعَةَ مِنْ الأربعةِ الأخماسِ على العَدَدِ فسَوَّى، ومنهم مَنْ يُغْنِي غايةَ الغَناءِ وتَكُونُ الفُتُوحُ على يَدَيْه، ومنهم مَنْ يَكُون مَحْضَرُه إمّا غيرَ نافعٍ وإمّا ضارًّا بالجُبْنِ والهزيمة، فلمّا وَجَدْتُ الكتابَ والسُّنَّةَ على التَّسْوِيَةِ كما وَصَفْتُ، كانت التَّسْوِيَةُ أوْلى مِنْ التَّفْضِيلِ على نَسَبٍ أو سابِقَةٍ، ولو وَجَدْتُ الدَّلالةَ على أنّ التَّفْضِيلَ أرْجَحُ بكتابٍ أو سُنَّةٍ، كُنْتُ إلى التَّفْضِيلِ بالدَّلالةِ مع الهوَى أسْرَعَ. (١٩٣٠) قال الشافعي: وإذا قَرُبَ القَوْمُ مِنْ الجهادِ ورَخُصَتْ أسْعارُهم، أعْطُوا أقَلَّ ممّا يُعْطَى مَنْ بَعُدَتْ دارُه وغَلا سِعْرُه، وهذا وإنْ تَفاضَلَ عَدَدُ العَطِيَّةِ تَسْوِيَةٌ على مَعْنَى ما يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ مِنْ الفَرِيقَيْن في الجهادِ إذا أرادَه (٢). (١٩٣١) وعليهم أن يَغْزُوا إذا غُزُوا، ويَرَى الإمامُ في إغْزائِهِم رأيَه (٣)، فإن اسْتَغْنَى مُجَاهَدُه بعَدَدٍ أو كَثْرَةٍ مِنْ قُربِه أغْزاهُم إلى أقْرَبِ المواضعِ مِنْ مُجاهَدِهم. (١٩٣٢) واخْتَلَفَ أصحابُنا في إعطاءِ الذُّرِّيَّةِ ونِساءِ أهْلِ الفَيْءِ، فمنهم

стр. 1080

مَنْ قال: يُعْطَوْن، وأحْسَبُ مِنْ حُجَّتِهم إن لم يَفْعَلْ ومؤنَتُهم تَلْزَمُ رِجالَهم فلم يُعْطِهِم الكفايةَ، فيُعْطِيهم كَمالَ الكفايةِ، ومنهم مَنْ قال: إذا أعْطُوا ولم يُقاتِلُوا فلَيْسُوا بذلك أوْلى مِنْ ذُرِّيَّةِ الأعرابِ ونِسائِهم ورِجالِهم الذين لا يُعْطَوْن مِنْ الفَيْءِ (١). (١٩٣٣) قال الشافعي: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، أنّ عمر بن الخطاب، قال: «ما أحَدٌ إلّا وله في هذا المالِ حَقٌّ، إلّا ما مَلَكَتْ أيمانُكم، أعْطِيَه أو مُنِعَه». (١٩٣٤) قال الشافعي: وهذا الحديثُ يَحْتَمِلُ مَعانيَ، منها أن نقولَ: ليس أحَدٌ بمَعْنَى حاجةٍ مِنْ الصدقةِ، أو بمَعْنَى أنّه مِنْ أهلِ الفَيْءِ الذين يَغْزُون، إلّا وله في مالِ الفَيْءِ أو الصدقةِ حَقٌّ، وكان هذا أوْلى مَعانيه، فإن قيل: ما دَلَّ على هذا؟ .. قيل: قولُ رسولِ الله ﷺ في الصدقةِ: «لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ مُكْتَسِبٍ»، والذي أحْفَظُ عن أهلِ العِلْمِ أنَّ الأعرابَ لا يُعْطَوْنَ مِنْ الفَيْءِ، وقد رُوِّينا عن ابنِ عبّاسٍ، أنّه قال: «إنّ أهلَ الفَيْءِ كانُوا في زمانِ رسولِ الله ﷺ بمَعْزِلٍ عن الصدقةِ، وأهلُ الصدقةِ بمَعْزِلٍ عن الفَيْءِ». (١٩٣٥) قال الشافعي: والعَطاءُ الواجبُ في الفَيْءِ لا يَكُونُ إلّا لِبالِغٍ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، قال ابنُ عُمَرَ: «عُرِضْتُ على رسولِ الله ﷺ عامَ أحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عشْرةَ سَنَةً فرَدَّنِي، وعُرِضْتُ عليه يومَ الخنْدَقِ وأنا ابنُ خمسَ عشْرةَ فأجازَني»، وقال عمر بن عبدالعزيز: «هذا فَرْقٌ بين (٢) المقاتِلَةِ والذُّرِّيَّةِ».

стр. 1081

(١٩٣٦) قال الشافعي: فإنْ أكْمَلَها أعْمَى لا يُطِيقُ القتالَ أبدًا، أو مَنْقُوصُ الخلقِ لا يَقْدِرُ على القتالِ أبدًا .. لم يُفْرَضْ له فَرْضُ المقاتِلَةِ، وأعْطِيَ على كِفايَةِ المُقامِ، وهو شَبيهٌ بالذُّرِّيَّةِ. (١٩٣٧) فإنْ فُرِضَ لصحيحٍ ثُمّ زَمِنَ .. خَرَجَ مِنْ المقاتِلَةِ، وإنْ مَرِضَ طَوِيلًا يُرْجَى .. أعْطِيَ كالمقاتِلَةِ. (١٩٣٨) قال: ويُخْرَجُ العطاءُ للمقاتِلَةِ كُلَّ عامٍ في وقتٍ مِنْ الأوقات، والذُّرِّيَّةِ على ذلك الوقتِ. (١٩٣٩) وإذا صارَ مالُ الفَيْءِ إلى الوالي ثُمّ مات مَيِّتٌ قبل أن يَأخُذَ عَطاءَه .. أعْطِيَه وَرَثَتُه، وإنْ مات قبل أن يَصِيرَ إليه المالُ لذلك العامِ .. لم يُعْطَهُ وَرَثَتُه. (١٩٤٠) قال الشافعي: وإنْ فَضَلَ مِنْ الفَيْءِ شَيْءٌ بَعْدَما وَصَفْتُ مِنْ إعطاءِ العَطاءِ .. وَضَعَه الإمامُ في إصْلاحِ الحُصُونِ، والازْدِيادِ في السِّلاحِ والكُراعِ، وكُلِّ ما قَوِيَ به المسلمون، فإن اسْتَغْنَوْا عنه وكَمُلَتْ كُلُّ مَصْلَحَةٍ لهم .. فُرِّقَ ما يَبْقَى منه بينهم على قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّون في ذلك المالِ. (١٩٤١) قال: وإنْ ضاقَ عن مَبْلَغِ العطاءِ .. فَرَّقَه بينهم بالِغًا ما بَلَغَ، لم يَحْبِسْ عنهم منه شيئًا. (١٩٤٢) قال: ويُعْطِي من الفَيْءِ رِزْقَ الحُكّامِ ووُلاةِ الأحْدَاثِ والصَّلاةِ لأهلِ الفَيْءِ (١).

стр. 1082

(١٩٤٣) وكُلُّ مَنْ قام بأمرِ أهلِ الفَيْءِ مِنْ والٍ وكاتبٍ وجُنْدِيٍّ، ممّن لا غِنَى لأهلِ الفَيْءِ عنه رُزِقَ مِثْلَه، فإنْ وُجِدَ مَنْ يُغْنِي غَناءَه وكان أمينًا بأقَلَّ لم يَزِدْ أحَدًا على أقَلَّ ما يَجِدُ؛ لأنّ مَنْزِلَةَ الوالي مِنْ رَعِيَّتِه مَنْزِلَةُ والي اليتيمِ مِنْ مالِه، لا يُعْطِي منه عن الغَناءِ لليتيمِ إلّا أقَلَّ ما يَقْدِرُ عليه، قال: ومَنْ وَلِيَ على أهلِ الصّدقاتِ كان رِزْقُه ممّا يَأخُذُ منها، لا يُعْطَى مِنْ الفَيْءِ عليها؛ كما لا يُعْطَى مِنْ الصدقاتِ على الفَيْءِ. (١٩٤٤) قال: واخْتَلَفَ أصْحابُنا وغيرُهم في قَسْمِ الفَيْءِ (١)، فذَهَبُوا مَذاهِبَ لا أحْفَظُ عنهم تَفْسِيرَها، ولا أحْفَظُ أيُّهُم قال ما أحْكِي مِنْ القَوْلِ دون مَنْ خالفَه، وسأحْكِي ما حَضَرَني مِنْ معاني كُلِّ مَنْ قال في الفَيْءِ شيئًا، فمنهم مَنْ قال: هذا المالُ لله ، دَلَّ على مَنْ يُعْطاه، فإذا اجْتَهَدَ الوالي ففَرَّقَه في جميعِ مَنْ سَمّى اللهُ (٢)، على قَدْرِ ما يَرَى مِنْ اسْتِحْقاقِهم بالحاجةِ إليه، وإنْ فَضَّلَ بعضَهم على بعضٍ في العطاءِ .. فذلك تَسْوِيَةٌ، إذا كان ما يُعْطَى كُلُّ واحدٍ منهم سَدَّ خَلَّتَه، ولا يَجُوزُ أن يُعْطِيَه صِنْفًا منهم ويَحْرِمَ صِنْفًا، ومنهم مَنْ قال: إذا اجْتَمَع المالُ نَظَرَ في مَصْلَحَةِ المسلمين، فرَأَى أن يَصْرِفَ المالَ إلى بَعْضِ الأصْنافِ دُون بَعْضٍ، وإن كان الصِّنْفُ الذي يَصْرِفُه إليه لا يَسْتَغْنِي عن شيءٍ ممّا يَصْرِفُه إليه، وكان أرْفَقَ بجماعةِ المسلمين .. صَرَفَه وحَرَمَ غيرَه (٣)، ويُشْبِه قَوْلَ الذي يَقُولُ هذا أنّه إنْ طَلَبَ

стр. 1083

المالَ صنفان، فكان إذا حَرَمَه أحَدَ الصِّنْفَيْن تَماسَكَ ولم يَدْخُلْ عليه خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ، وإن آسَى بيْنَه وبيْنَ الصِّنْفِ الآخَرِ كانتْ على الصنف الآخر خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ .. أعْطاه الذين فيهم الخَلَّةُ المضِرَّةُ كُلَّه، قال: ثُمّ قال بعضُ مَنْ قال: إذا صَرَفَ مالَ الفيءِ إلى ناحيةٍ فسَدَّها وحَرَمَ الأخْرَى، ثُمّ جاء مالٌ آخَرُ .. أعْطاها إيّاه دون الناحيةِ التي سَدَّها؛ فكأنّه ذَهَبَ إلى أنّه إنّما عَجَّلَ أهْلَ الخَلَّةِ وأخَّرَ غيرَهم حتّى أوْفَاهُم بعدُ. (١٩٤٥) قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا منهم قال: يُعْطَى مَنْ يُعْطَى مِنْ الصدقاتِ ولا مجاهدٌ مِنْ الفيءِ (١)، وقال بعضُ مَنْ أحْفَظُ عنه: فإنْ أصابَتْ أهلَ الصدقاتِ سَنَةٌ تُهْلِكُ أموالَهم أنْفِقَ عليهم مِنْ الفَيْءِ، فإذا اسْتَغْنَوْا عنه مُنِعُوا الفيْءَ، ومنهم مَنْ قال في مالِ الصدقاتِ هذا القولَ، يُرَدُّ بعضُ مالِ أهلِ الصَّدَقاتِ إلى أهلِ الفَيْءِ. (١٩٤٦) قال الشافعي: والذي أقولُ به وأحْفَظُ عمّن أرْضَى ممّن سمعتُ منه: أن لا يُؤَخَّرَ المالُ إذا اجْتَمَعَ، ولكن يُقْسَمُ، فإنْ كانتْ نازلةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَجَبَ على المسلمين القيامُ بها، وإنْ غَشِيَهُمْ عَدُوٌّ في دارِهم وَجَبَ النَّفِيرُ على جميعِ مَنْ غَشِيَه، أهلِ الفَيْءِ وغيرِهم. (١٩٤٧) قال الشافعي: أخبرنا غيرُ واحدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، أنّه لمّا قُدِمَ على عمرَ بمالٍ أصِيبَ بالعراقِ، قال له صاحبُ بَيْتِ المالِ: ألا تُدْخِلُه بيتَ المالِ؟ قال: لا ورَبِّ الكعبة، لا يَأوِي تحت سَقْفِ بيتٍ حتّى أقْسِمَه، فأمَرَ به فوُضِعَ في المسجدِ، ووُضِعَتْ عليه الأنْطاعُ، وحَرَسَتْه رجالٌ مِنْ المهاجرين والأنصار، فلمّا أصْبَحَ غَدَا معه العباسُ بنُ عبدِالمطلب وعبدُالرحمن بنُ عوفٍ آخِذًا بيَدِ أحدِهما - أو: أحدُهما آخذٌ بيَدِه - فلمّا

стр. 1084

رَأوْه كَشَفُوا الأنْطاعَ عن الأموالِ، فرَأى مَنْظَرًا لم يَرَ مِثْلَه، والذهبُ فيه والياقوتُ والزَّبَرْجَدُ واللُّؤلُؤُ يَتَلألأ، فبَكَى، فقال له أحدُهما: إنّه والله ما هو بيَوْمِ بُكاءٍ، لكنّه يومُ شُكْرٍ وسُرُورٍ، فقال: إنّي والله ما ذَهَبْتُ حيثُ ذَهَبْتَ، ولكنْ والله ما كَثُرَ هذا في قومٍ قَطُّ إلّا وَقَعَ بأسُهُم بَيْنَهُم، ثُمّ أقْبَلَ على القِبْلَةِ ورفعَ يدَيْه إلى السماءِ وقال: اللهمّ إنّي أعوذُ بك أن أكونَ مُسْتَدْرَجًا؛ فإنّي أسْمَعُك تَقُولُ: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢] (١)، ثُمّ قال: أيْنَ سُراقَةُ بنُ جُعْشُمٍ؟ فأُتِيَ به أشْعَرَ الذِّراعَيْن دَقِيقَهما، فأعْطاه سِوارَيْ كِسْرَى وقال: الْبَسْهُما، ففَعَلَ، فقال: قُلْ: اللهُ أكبرُ، قال: اللهُ أكبرُ، قال: قل: الحمدُ لله الذي سَلَبَهُما كِسْرَى بنَ هُرْمُزَ وألْبَسَهُما سُراقَةَ بنَ جُعْشُمٍ، أعْرابِيًّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وإنّما ألْبَسَهُما إيّاه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال لسُراقَةَ ونَظَرَ إلى ذِراعَيْه: «كأنّي بك قد لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرَى»، ولم يَجْعَلْ له إلّا سِوارَيْه، وجَعَلَ يُقَلِّبُ بعضَ ذلك بَعْضًا ثُمّ قال: إنّ الذي أدَّى هذا لأمينٌ، فقال قائلٌ: أنا أخْبِرُك، أنت أمينُ الله، وهم مُؤَدُّونَ إليك ما أدَّيْتَ إلى الله، فإذا رَتَعْتَ رَتَعُوا، قال: صَدَقْتَ، ثُمّ فَرَّقَه. (١٩٤٨) قال الشافعي: وأخبرني الثقةُ مِنْ أهل المدينة، قال: أنْفَقَ

стр. 1085

عمرُ على أهلِ الرَّمادَةِ (١) حتّى وَقَعَ مَطَرٌ فتَرَحَّلُوا، فخَرَجَ إليهم عمرُ راكبًا فَرَسًا يَنْظُرُ إليهم كيف يَتَرَحَّلُون، فدَمَعَتْ عيناه، فقال رجلٌ مِنْ مُحارِبِ خَصَفَة: أشْهَدُ أنّها انْحَسَرَتْ عنك ولسْتَ بابن أميّةَ (٢)، فقال عمر: ويْلك، ذلك لو كنتُ أنْفِقُ عليهم مِنْ مالي أو مِنْ مالِ الخطابِ، إنّما أنْفِقُ عليهم مِنْ مالِ الله ﵎.

стр. 1086

(١٩٠) باب ما لم يوجَف عليه من الأَرَضين بخيل ولا رِكاب (١٩٤٩) قال الشافعي: كُلُّ ما صُولِحَ عليه المشركون بغير قتالِ خيلٍ ولا رِكابٍ .. فسَبيلُه سبيلُ الفَيْءِ على قَسْمِه، وما كان مِنْ ذلك مِنْ أرَضِينَ ودُورٍ .. فهي وَقْفٌ للمسلمين، تُسْتَغَلُّ وتُقْسَمُ غَلَّتُها في كُلِّ عامٍ كذلك أبدًا، قال: وأحْسَبُ ما تَرَكَ عمرُ مِنْ بلادِ أهلِ الشركِ هكذا، أو شيئًا اسْتَطاب أنْفُسَ مَنْ ظَهَرَ عليه بخيلٍ وركابٍ فتَرَكُوه؛ كما اسْتَطابَ رسولُ الله ﷺ أنْفُسَ أهلِ سَبْيِ هَوازِنَ فتَرَكُوا حُقُوقَهم، وفي حديث جرير بن عبدالله عن عمر أنّه عَوَّضَه مِنْ حَقِّه، وعَوَّضَ امرأةً مِنْ حَقِّها بمِيراثِها .. كالدليلِ على ما قُلْتُ. (١٩٥٠) قال: وقال الله ﵎: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات: ١٣] (١)، قال: ورَوَى الزهريُّ أنّ النبيَّ ﷺ عَرَّفَ عامَ حُنَيْنٍ على كُلِّ عشَرةٍ عَرِيفًا، قال: وجَعَلَ رسولُ الله ﷺ للمهاجرين شِعارًا، وللأوْسِ شِعارًا، وللخَزْرَجِ شِعارًا، قال: وعَقَدَ رسولُ الله ﷺ الألْوِيَةَ، فعَقَدَ للقَبائلِ قَبِيلَةً فقَبِيلَةً، حتّى جَعَلَ في القبيلةِ

стр. 1087

ألْوِيَةً؛ كُلَّ لِواءٍ لأهْلِه، وكُلُّ هذا ليَتَعارَفَ الناسُ في الحرْبِ وغيرِها، فتَخِفَّ المؤنةُ عليهم باجْتِماعِهم (١)، وعلى الوالي بذلك (٢)؛ لأنّ في تَفْرِيقِهِم إذا أرِيدُوا مَؤُونَةً عليهم وعلى وَالِيهِم، فهكذا أحِبُّ للوالي أن يَضَعَ دِيوانَه على القبائلِ، ويَسْتَظْهِرَ على مَنْ غاب عنه ومَن جَهِلَ ممّن حَضَرَه أهلَ الفَضْلِ مِنْ قَبائلِهم (٣). (١٩٥١) قال: وأخبرني غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلم والصدق مِنْ أهل مَكّةَ والمدينةِ مِنْ قبائلِ قريشٍ، وكان بعضُهم أحْسَنَ اقْتِصَاصًا للحديثِ مِنْ بَعْضٍ، وقد زاد بعضُهم على بعضٍ، أنّ عُمَرَ لمّا دَوَّنَ الدِّيوانَ قال: أبْدَأُ ببني هاشمٍ، ثُمّ قال: حَضَرْتُ رسولَ الله ﷺ يُعْطِيهم وبني المطَّلِبِ (٤)، فإذا كانت السِّنُّ في الهاشميِّ قَدَّمَه على المطَّلِبِيِّ، وإذا كانتْ في المطَّلِبِيِّ قَدَّمَه على الهاشميِّ، فوَضَعَ الدِّيوانَ على ذلك، وأعْطاهُم عطاءَ القبيلةِ الواحدةِ، ثُمّ اسْتَوَتْ له عبدُشمسٍ ونَوْفَلٌ (٥) في جِذْمِ النَّسَبِ، فقال: عبدُشمسٍ إخْوَةُ النبيِّ ﷺ لأبيه وأمّه دون نَوْفَلٍ، فقَدَّمهم، ثُمّ دعا بني نَوْفَلٍ يَلُونَهم، ثُمّ اسْتَوَتْ له عبدُالعُزَّى وعبدُالدّارِ، فقال في بني أسَدِ بنِ عبدِالعُزَّى: أصْهارُ النبيِّ ﷺ ، وفيهم أنَّهم مِنْ المطَيَّبِين، وقال بعضُهم: هم حِلْفٌ مِنْ الفُضُول (٦)، وفيهم كان رسولُ الله ﷺ ، وقيل: ذَكَرَ سابقةً، فقَدَّمَهم على

стр. 1088

بني عبدِالدار، [ثُمّ دعا بني عبدِالدار يَلُونَهم، ثُمّ انْفَرَدَتْ له زُهْرَةُ فدَعا بها تَتْلُو عبدَالدار (١)، ثُمّ اسْتَوَتْ له بنو مَخْزُومٍ وتَيْمٍ، فقال في تَيْمٍ: إنّهم مِنْ حِلْفِ الفُضُولِ والمطَيَّبِينَ، وفيهما كان رسولُ الله ﷺ ، وقيل: ذَكَرَ سابقةً، وقيل: ذَكَرَ صِهْرًا، فقدَّمَهُم على مَخْزُومٍ، ثُمّ دعا مَخْزُومًا يَلُونَهم، ثُمّ اسْتَوَتْ له سَهْمٌ وجُمَحُ وعديُّ بنُ كعبٍ، فقيل (٢): ابْدَأ بعَدِيٍّ، فقال: بل أقِرُّ نَفْسِي حيثُ كُنْتُ؛ فإنّ الإسلامَ دَخَلَ وأمْرُنا وأمرُ بني سَهْمٍ واحدٌ، ولكن انْظُرُوا بين سَهْمٍ وجُمَحَ، فقيل: فقَدَّمَ بني جُمَحَ ثُمّ دَعا بني سَهْمٍ، وكان دِيوانُ عَدِيٍّ وسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كالدَّعْوةِ الواحدةِ، فلمّا خَلَصَتْ إليه دَعْوَتُه كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عاليةً، ثُمّ قال: الحمدُ لله الذي أوْصَلَ إليَّ حَظِّي مِنْ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ دعا عامرَ بنَ لُؤَيٍّ، قال الشافعي: فقال بعضهم: إنّ

стр. 1089

أبا عُبَيْدَةَ بنَ عبدِالله بنِ الجرّاحِ الفِهْرِيّ لمّا رَأى مَنْ تَقَدَّمَ عليه، قال: أكُلُّ هؤلاء يُدْعَى أمامي؟ فقال: يا أبا عُبَيْدَةَ، اصْبِرْ كما صَبَرْتُ، أو كَلِّمْ قَوْمَكَ، فمَن قَدَّمَكَ منهم على نَفْسِه لم أمْنَعْه، فأمّا أنا وبنو عَدِيٍّ فنُقَدِّمُك إنْ أحْبَبْتَ على أنْفُسِنا، قال: فقَدَّمَ معاويةُ بعد بني الحارثِ بنِ فِهْرٍ ففَصَلَ بهم بين بني عبدِ منافٍ وأسدِ بنِ عبدِالعُزَّى، وشَجَرَ بين بني سَهْمٍ وعَدِيٍّ شيءٌ في زَمانِ المهْدِيِّ فافْتَرَقُوا، فأمَرَ المهديُّ ﵀ ببني عَدِيٍّ فقُدِّمُوا على سَهْمٍ وجُمَحَ للسابقةِ فيهم، قال الشافعي: فإذا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ بُدِّيَت الأنصارُ على العربِ؛ لمكانِهم مِنْ الإسلامِ. قال الشافعي: الناسُ عِبادُ الله، فأَوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ . قال المزني: هذا واللهِ هو الكلامُ الصحيحُ (١). (١٩٥٢) قال الشافعي: ومَن فَرَضَ له الوالي مِنْ قبائلِ العربِ رَأيْتُ أن يُقَدِّمَ الأقربَ فالأقربَ منهم برسولِ الله ﷺ ، فإذا اسْتَوَوْا قَدَّمَ أهلَ السابقةِ على غيرِ أهلِ السابقةِ ممّن هو مِثْلُهم في القرابةِ.

стр. 1090

[٣٦] مختصر قسم الصدقات من كتابين جديد وقديم (١)

стр. 1091

(١٩٥٣) قال الشافعي: فَرَضَ اللهُ على أهْلِ دِينِه المسلمين في أمْوالِهم حقًّا لغَيْرِهم مِنْ أهْلِ دِينِه المسلمين المحْتاجِين إليه، لا يَسَعُهم حَبْسُه عمّن أمِرُوا بدَفْعِه إليه أو وُلاتِه. (١٩٥٤) ولا يَسَعُ الوُلاةَ تَرْكُه لأهْلِ الأمْوالِ؛ لأنّهم أمَناءُ على أخْذِه لأهلِه، ولم نَعْلَمْ رسولَ الله ﷺ أخَّرَها عامًا لا يأخُذُها فيه، وقال أبو بكر الصديق: «لو مَنَعُوني عَناقًا ممّا أعْطَوْا رسولَ الله ﷺ ، لقاتَلْتُهم عليها» (١). (١٩٥٥) قال: وإذا أخِذَتْ صَدَقَةُ مسلمٍ دُعِيَ له بالأجرِ والبركةِ؛ كما قال الله: ﴿وصلِّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم. (١٩٥٦) قال: والصدقةُ هي الزكاةُ، والأغْلَبُ على أفْواهِ العامّةِ أنّ الثَّمَرَ عُشْرٌ، والماشيةَ صدقةٌ، والوَرِقَ زكاةٌ، وقد سَمَّى رسول الله ﷺ هذا كُلَّه صدقةً. (١٩٥٧) فما أُخِذَ مِنْ مُسْلمٍ، مِنْ زكاةِ مالٍ ناضٍّ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، أو زكاةِ فِطْرٍ، أو خُمُسِ رِكازٍ، أو صدقةِ مَعْدِنٍ، أو غيرِه ممّا وَجَبَ عليه في مالِه بكتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعِ عوامِّ المسلمِين .. فمعناه واحدٌ، وقَسْمُه واحدٌ، وقَسْمُ الفَيْءِ خلافُ هذا، و «الفَيْءُ»: ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ تَقْوِيَةً لأهلِ دينِ الله، وهو موضوعٌ في غيرِ هذا الموْضِعِ، وقَسْمُ الصدقةِ كما قال الله ﵎: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم

стр. 1092

وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾، قال الشافعي: ثُمّ وَكَّدَها وشَدَّدَها، فقال: ﴿فريضة من الله﴾ الآية [التوبة: ٦٠] (١). (١٩٥٨) وهي سُهْمانٌ ثمانيةٌ، لا يُصْرَفُ منها سَهْمٌ ولا شيءٌ منه عن أهلِه ما كان مِنْ أهلِه أحدٌ يَسْتَحِقُّه، ولا يُخْرَجُ عن بلدٍ وفيه أهلُه، وقال رسول الله ﷺ لمعاذِ بنِ جَبَلٍ حين بَعَثَه إلى اليمنِ: «فإنْ أجابُوك فأعْلِمْهُم أنّ عليهم صدقةً، تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيائِهم، فتُرَدُّ على فُقَرائِهم»، قال الشافعي: وتُرَدُّ حِصَّةُ مَنْ لم يُوجَدْ مِنْ أهلِ السُّهْمانِ على مَنْ وُجِدَ منهم. (١٩٥٩) ويَجْمَعُ أهلَ السُّهْمانِ أنّهم أهلُ حاجةٍ إلى مالِهِم مِنْها، وأسبابُ حاجتِهم مخْتَلِفَةٌ، وكذلك أسبابٌ اسْتِحْقاقِهم معانٍ مخْتَلِفَةٌ. (١٩٦٠) فإذا اجْتَمَعُوا .. فالفقراءُ: الزَّمْنَى الضِّعافُ الذين لا حِرْفَةَ لهم، وأهلُ الحِرْفَةِ الضعيفةِ الذين لا تَقَعُ حِرْفَتُهم مَوْقِعًا مِنْ حاجتِهم، لا (٢) يَسْألُون الناسَ، وقال في الجديد: زَمِنًا كان أو غيرَ زَمِنٍ، سائلًا أو مُتَعَفِّفًا، قال الشافعي: والمساكينُ: السُّؤَّالُ، أو مَنْ لا يَسْألُ ممّن له حِرْفَةٌ تَقَعُ (٣) منه مَوْقِعًا ولا تُغْنِيه ولا عِيالَه، وقال في الجديد: سائلًا كان أو غيرَ سائلٍ (٤).
следующие страницы →