بني عبدِالدار، [ثُمّ دعا بني عبدِالدار يَلُونَهم، ثُمّ انْفَرَدَتْ له زُهْرَةُ فدَعا بها تَتْلُو عبدَالدار (١)، ثُمّ اسْتَوَتْ له بنو مَخْزُومٍ وتَيْمٍ، فقال في تَيْمٍ: إنّهم مِنْ حِلْفِ الفُضُولِ والمطَيَّبِينَ، وفيهما كان رسولُ الله ﷺ ، وقيل: ذَكَرَ سابقةً، وقيل: ذَكَرَ صِهْرًا، فقدَّمَهُم على مَخْزُومٍ، ثُمّ دعا مَخْزُومًا يَلُونَهم، ثُمّ اسْتَوَتْ له سَهْمٌ وجُمَحُ وعديُّ بنُ كعبٍ، فقيل (٢): ابْدَأ بعَدِيٍّ، فقال: بل أقِرُّ نَفْسِي حيثُ كُنْتُ؛ فإنّ الإسلامَ دَخَلَ وأمْرُنا وأمرُ بني سَهْمٍ واحدٌ، ولكن انْظُرُوا بين سَهْمٍ وجُمَحَ، فقيل: فقَدَّمَ بني جُمَحَ ثُمّ دَعا بني سَهْمٍ، وكان دِيوانُ عَدِيٍّ وسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كالدَّعْوةِ الواحدةِ، فلمّا خَلَصَتْ إليه دَعْوَتُه كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عاليةً، ثُمّ قال: الحمدُ لله الذي أوْصَلَ إليَّ حَظِّي مِنْ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ دعا عامرَ بنَ لُؤَيٍّ، قال الشافعي: فقال بعضهم: إنّ
стр. 1089
أبا عُبَيْدَةَ بنَ عبدِالله بنِ الجرّاحِ الفِهْرِيّ لمّا رَأى مَنْ تَقَدَّمَ عليه، قال: أكُلُّ هؤلاء يُدْعَى أمامي؟ فقال: يا أبا عُبَيْدَةَ، اصْبِرْ كما صَبَرْتُ، أو كَلِّمْ قَوْمَكَ، فمَن قَدَّمَكَ منهم على نَفْسِه لم أمْنَعْه، فأمّا أنا وبنو عَدِيٍّ فنُقَدِّمُك إنْ أحْبَبْتَ على أنْفُسِنا، قال: فقَدَّمَ معاويةُ بعد بني الحارثِ بنِ فِهْرٍ ففَصَلَ بهم بين بني عبدِ منافٍ وأسدِ بنِ عبدِالعُزَّى، وشَجَرَ بين بني سَهْمٍ وعَدِيٍّ شيءٌ في زَمانِ المهْدِيِّ فافْتَرَقُوا، فأمَرَ المهديُّ ﵀ ببني عَدِيٍّ فقُدِّمُوا على سَهْمٍ وجُمَحَ للسابقةِ فيهم، قال الشافعي: فإذا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ بُدِّيَت الأنصارُ على العربِ؛ لمكانِهم مِنْ الإسلامِ.
قال الشافعي: الناسُ عِبادُ الله، فأَوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ .
قال المزني: هذا واللهِ هو الكلامُ الصحيحُ (١).
(١٩٥٢) قال الشافعي: ومَن فَرَضَ له الوالي مِنْ قبائلِ العربِ رَأيْتُ أن يُقَدِّمَ الأقربَ فالأقربَ منهم برسولِ الله ﷺ ، فإذا اسْتَوَوْا قَدَّمَ أهلَ السابقةِ على غيرِ أهلِ السابقةِ ممّن هو مِثْلُهم في القرابةِ.
(١٩٥٣) قال الشافعي: فَرَضَ اللهُ على أهْلِ دِينِه المسلمين في أمْوالِهم حقًّا لغَيْرِهم مِنْ أهْلِ دِينِه المسلمين المحْتاجِين إليه، لا يَسَعُهم حَبْسُه عمّن أمِرُوا بدَفْعِه إليه أو وُلاتِه.
(١٩٥٤) ولا يَسَعُ الوُلاةَ تَرْكُه لأهْلِ الأمْوالِ؛ لأنّهم أمَناءُ على أخْذِه لأهلِه، ولم نَعْلَمْ رسولَ الله ﷺ أخَّرَها عامًا لا يأخُذُها فيه، وقال أبو بكر الصديق: «لو مَنَعُوني عَناقًا ممّا أعْطَوْا رسولَ الله ﷺ ، لقاتَلْتُهم عليها» (١).
(١٩٥٥) قال: وإذا أخِذَتْ صَدَقَةُ مسلمٍ دُعِيَ له بالأجرِ والبركةِ؛ كما قال الله: ﴿وصلِّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم.
(١٩٥٦) قال: والصدقةُ هي الزكاةُ، والأغْلَبُ على أفْواهِ العامّةِ أنّ الثَّمَرَ عُشْرٌ، والماشيةَ صدقةٌ، والوَرِقَ زكاةٌ، وقد سَمَّى رسول الله ﷺ هذا كُلَّه صدقةً.
(١٩٥٧) فما أُخِذَ مِنْ مُسْلمٍ، مِنْ زكاةِ مالٍ ناضٍّ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، أو زكاةِ فِطْرٍ، أو خُمُسِ رِكازٍ، أو صدقةِ مَعْدِنٍ، أو غيرِه ممّا وَجَبَ عليه في مالِه بكتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعِ عوامِّ المسلمِين .. فمعناه واحدٌ، وقَسْمُه واحدٌ، وقَسْمُ الفَيْءِ خلافُ هذا، و «الفَيْءُ»: ما أخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ تَقْوِيَةً لأهلِ دينِ الله، وهو موضوعٌ في غيرِ هذا الموْضِعِ، وقَسْمُ الصدقةِ كما قال الله ﵎: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم
стр. 1092
وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾، قال الشافعي: ثُمّ وَكَّدَها وشَدَّدَها، فقال: ﴿فريضة من الله﴾ الآية [التوبة: ٦٠] (١).
(١٩٥٨) وهي سُهْمانٌ ثمانيةٌ، لا يُصْرَفُ منها سَهْمٌ ولا شيءٌ منه عن أهلِه ما كان مِنْ أهلِه أحدٌ يَسْتَحِقُّه، ولا يُخْرَجُ عن بلدٍ وفيه أهلُه، وقال رسول الله ﷺ لمعاذِ بنِ جَبَلٍ حين بَعَثَه إلى اليمنِ: «فإنْ أجابُوك فأعْلِمْهُم أنّ عليهم صدقةً، تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيائِهم، فتُرَدُّ على فُقَرائِهم»، قال الشافعي: وتُرَدُّ حِصَّةُ مَنْ لم يُوجَدْ مِنْ أهلِ السُّهْمانِ على مَنْ وُجِدَ منهم.
(١٩٥٩) ويَجْمَعُ أهلَ السُّهْمانِ أنّهم أهلُ حاجةٍ إلى مالِهِم مِنْها، وأسبابُ حاجتِهم مخْتَلِفَةٌ، وكذلك أسبابٌ اسْتِحْقاقِهم معانٍ مخْتَلِفَةٌ.
(١٩٦٠) فإذا اجْتَمَعُوا .. فالفقراءُ: الزَّمْنَى الضِّعافُ الذين لا حِرْفَةَ لهم، وأهلُ الحِرْفَةِ الضعيفةِ الذين لا تَقَعُ حِرْفَتُهم مَوْقِعًا مِنْ حاجتِهم، لا (٢) يَسْألُون الناسَ، وقال في الجديد: زَمِنًا كان أو غيرَ زَمِنٍ، سائلًا أو مُتَعَفِّفًا، قال الشافعي: والمساكينُ: السُّؤَّالُ، أو مَنْ لا يَسْألُ ممّن له حِرْفَةٌ تَقَعُ (٣) منه مَوْقِعًا ولا تُغْنِيه ولا عِيالَه، وقال في الجديد: سائلًا كان أو غيرَ سائلٍ (٤).
стр. 1093
قال المزني: قلت أنا (١): أشْبَهُ بقولِه ما قال في الجديدِ؛ لأنّه قال:
стр. 1094
إنّ أهلَ هذَيْن السَّهْمَيْن يَسْتَحِقُّونَهما بمعنى العُدْمِ، وقد يَكُونُ السّائلُ بين مَنْ يَقِلُّ مُعْطِيهم، وصالحٌ مُتَعَفِّفٌ بين مَنْ (١) يَبْدَؤونه بعَطِيَّتِهم (٢).
(١٩٦١) قال الشافعي: فإنْ كان رجلٌ جَلْدٌ، يَعْلَمُ الوالي أنّه صحيحٌ مُكْتَسِبٌ يُغْنِي عِيالَه، أو لا عِيالَ له يُغْنِي نَفْسَه بكَسْبِه .. لم يُعْطِه، فإنْ قال الجَلْدُ: لسْتُ مُكْتَسِبًا لِما يُغْنِينِي، أو لا يُغْنِي عِيالي ولي عِيالٌ، وليس عند الوالي يَقِينُ ما قال .. فالقولُ قولُه؛ واحْتَجّ بأنّ رجلَيْن أتَيا رسولَ الله ﷺ فسَألاه مِنْ الصدقة، فقال: «إنْ شِئتُما، ولا حَظَّ فيها لغَنِيٍّ، ولا لذي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ»، قال الشافعي: رأى النبيُّ ﷺ صِحَّةً وجَلَدًا يُشْبِه الاكْتِسابَ، فأعْلَمَهُما أنّه لا يَصْلُحُ لهما مع الاكْتِسابِ، ولا يَعْلَمُ أمُكْتَسِبان أم لا (٣)، فقال: إنْ شِئتُما بعد أنْ أعْلَمْتُكُما أن لا حَظَّ فيها لغَنِيٍّ ولا لمكتسبٍ، فَعَلْتُ.
(١٩٦٢) قال: والعامِلُون عليها: مَنْ وَلّاهُ الوالي قَبْضَها، ومَن لا غِنَى للوالي عن مَعُونَتِه عليها.
(١٩٦٣) وأمّا الخليفةُ ووالي الإقليمِ العظيمِ الذي لا يَلِي قَبْضَ الصدقة، وإنْ كانا مِنْ القائمين بالأمْرِ بأخْذِها .. فلَيْسا عندنا ممّن له فيها حَقٌّ؛ لأنّهما لا يَلِيان أخْذَها، وشَرِبَ عمرُ لَبَنًا فأعْجَبَه، فأُخْبِرَ أنّه مِنْ نَعَمِ الصدقةِ، فأدْخَلَ إصْبَعَه فاسْتَقاءه.
стр. 1095
(١٩٦٤) قال: ويُعْطَى العاملُ بقَدْرِ غَنائِه مِنْ الصدقةِ، وإنْ كان مُوسِرًا؛ لأنّه يَأخُذُه على معنى الإجارةِ.
(١٩٦٥) والمؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم (١) في مُتَقَدِّمِ الأخبارِ ضربان:
ضَرْبٌ مسلمون، أشْرافٌ، مُطاعُونَ، يُجاهِدُون مع المسلمين، فيَقْوَى المسلمون بهم، ولا يَرَوْنَ مِنْ نيّاتِهم ما يَرَوْنَ مِنْ نيّاتِ غيرِهم، فإذا كانُوا هكذا فأرَى أن يُعْطَوْا مِنْ سهمِ النبيِّ ﷺ وهو خُمُسُ الخمسِ - ما يُتَألَّفُون به (٢)، سِوَى سُهْمانِهم مع المسلمين، وذلك أنّ اللهَ ﵎ جَعَلَ هذا السَّهْمَ خالِصًا لنَبِيِّه فرَدَّه في مَصْلَحَةِ المسلمين، واحْتَجّ بأنّ رسولَ الله ﷺ أعْطَى المؤَلَّفَة يومَ حُنَيْنٍ مِنْ الخمسِ، وهم مِثْلُ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ وأصحابِهما، ولم يُعْطِ عبّاسَ بنَ مِرْداسٍ وكان شَريفًا عظيمَ الغَناءِ، حتّى اسْتَعْتَبَ فأعطاه النبيُّ ﷺ ، قال الشافعي: لمّا أراد ما أراد القومُ، احْتَمَلَ أن يكون دَخَلَ رسولَ الله ﷺ منه شيءٌ حين رَغِبَ عمّا صَنَعَ بالمهاجرين والأنصارِ، فأعْطاه على معنى ما أعْطاهم، ويحْتَمِلُ أن يكون رَأى أن يُعْطِيَه مِنْ مالِه ما لَه (٣) أن يُعْطِيَه حيثُ رَأى - لأنّه له ﷺ خالصًا - للتَّقْوِيَةِ بالعَطِيَّةِ، ولا يَرَى أن قد وَضَعَ مِنْ شَرَفِه؛ فإنّه ﷺ قد أعْطَى مِنْ خُمُسِ الخمسِ النَّفْلَ وغيرَ النَّفْلِ؛ لأنّه له.
وأعْطَى صفوانَ بنَ أمَيَّةَ ولم يُسْلِمْ، ولكنّه أعارَه أداتَه، فقال فيه عند الهزيمة أحْسَنَ ممّا قال بعضُ مَنْ أسْلَمَ مِنْ أهل مكَّةَ عامَ الفتحِ، وذلك أنّ
стр. 1096
الهزيمةَ كانتْ في أصحابِ رسولِ الله ﷺ يومَ حُنَيْنٍ أوَّلَ النهارِ، فقال له رجلٌ: غُلِبَتْ هَوَازنُ، أو: قُتِلَ محمدٌ، فقال صفوانُ: «بفِيكَ الحجَرُ، فوالله لرَبٌّ مِنْ قريشٍ أحَبُّ إليَّ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازنَ»، وأسْلَمَ قومُه مِنْ قريشٍ، وكان كأنّه لا يَشُكُّ في إسلامِه، والله أعلم.
فإذا كان مثلُ هذا رَأيْتُ أن يُعْطَى مِنْ سهمِ النبي ﷺ ، وهو أحَبُّ إليَّ؛ للاقتداءِ بأمرِه ﷺ ، ولو قال قائلٌ: كان هذا السهمُ لرسولِ الله ﷺ ، فكان له أن يَضَعَ سهمَه حيثُ رَأى، فقد فَعَلَ هذا مرَّةً وأعْطَى مِنْ سهمِه بخيبرَ رجالًا مِنْ المهاجرين والأنصار؛ لأنّه مالُه يَضَعُه حيث رَأى، فلا يُعْطَى أحَدٌ اليومَ على هذا المعنى مِنْ الغنيمة، ولم يَبْلُغْنا أنّ أحَدًا مِنْ خلفائه أعْطَى أحَدًا بعده، وليس للمؤلَّفَةِ [في قَسْمِ الغنيمةِ سهمٌ مع أهلِ السُّهْمانِ .. كان مذهبًا، والله أعلم.
قال الشافعي: وللمؤلَّفَةِ (١) قلوبُهم في قَسْمِ الصّدقاتِ سهمٌ، والذي أحْفَظُ فيه مِنْ مُتَقَدِّمِ الخبرِ: أنّ عديَّ بنَ حاتمٍ جاء أبا بكر الصديق أحْسِبُه بثلاثمائةٍ مِنْ الإبِلِ مِنْ صدقاتِ قَوْمِه، فأعْطاه أبو بكرٍ منها ثلاثين بَعِيرًا، وأمَرَه أن يَلْحَقَ بخالدِ بنِ الوليدِ بمَن أطاعَه مِنْ قومِه، فجاءه بزُهاءِ ألفِ رجلٍ وأبْلَى بلاءً حسنًا، والذي يَكادُ يَعْرِفُ القلبُ بالاستدلالِ بالأخبارِ أنّه أعْطاه إيّاها مِنْ سَهْمِ المؤلَّفَةِ، فإمّا زاده ترغيبًا فيما صَنَعَ، وإمّا ليَتألَّفَ بها غيرَه مِنْ قومِه ممّن لا يَثِقُ منه بمثلِ ما يَثِقُ به مِنْ عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: فأرَى أن يُعْطَى مِنْ سهمِ المؤلَّفَةِ قلوبُهم في مثلِ هذا المعنى، إنْ نَزَلَتْ نازِلَةٌ
стр. 1097
بالمسلمين - ولن تَنْزِلَ إن شاء الله - وذلك أن يَكُونَ العدوُّ بمَوْضِعٍ مُنْتاطٍ (١)، لا تَنالُه الجيوشُ إلّا بمُؤنَةٍ، ويكونَ بإزاءِ قومٍ مِنْ أهلِ الصدقاتِ، فأعان عليهم أهلُ الصدقاتِ، إمّا بنِيَّةٍ فأرَى أن يُقَوَّوْا بسهمِ سبيلِ الله مِنْ الصدقاتِ، وإمّا لا يُقاتِلُون إلّا بأن يُعْطَوْا سهمَ المؤلَّفَةِ أو ما يَكْفِيهم منه، وكذلك إذا انْتاطَ العدوُّ فكانُوا أقْوَى عليه مِنْ قومٍ مِنْ أهلِ الفَيْءِ، يُوَجَّهُون إليه ببُعْدِ دِيارِهم، وثِقَلِ مُؤناتِهم، ويَضْعُفُون عنه، فإن لم يَكُنْ مِثْلُ ما وَصَفْتُ ممّا كان في زمنِ أبي بكرٍ مِنْ امتناعِ أكْثَرِ العربِ بالصدقة على الرِّدَّةِ وغيرِها .. لم أرَ أن يُعْطَى أحَدٌ مِنْ سهمِ المؤلَّفَةِ، ولم يَبْلُغْني أنّ عمرَ ولا عثمانَ ولا عليًّا أعْطَوْا أحَدًا تألُّفًا على الإسلامِ، وقد أغْنَى اللهُ - وله الحمدُ كثيرًا - الإسلامَ عن أن يُتَألَّفَ عليه رجالٌ.
وقال في الجديد: لا يُعْطَى مشركٌ يُتَألَّفُ على الإسلامِ؛ لأنّ اللهَ خَوَّلَ المسلمين أموالَ المشركين (٢)، لا المشركين أموالَ المسلمين، وجَعَلَ صدقاتِ المسلمين مَرْدُودَةً فيهم (٣).
стр. 1098
(١٩٦٦) قال: والرِّقابُ: المكاتَبون مِنْ جِيرانِ الصدقاتِ، والله أعلم، قال: ولا يُعْتَقُ عبدٌ يُبْتَدَأ عِتْقُه فيُشْتَرَى فيُعْتَقُ.
(١٩٦٧) والغارِمون صنفان:
صِنْفٌ دانُوا (١) في مَصْلَحَتِهم أو مَعْرُوفٍ وغيرِ مَعْصِيَةٍ، ثُمّ عَجَزُوا عن أداءِ ذلك في العَرَضِ والنَّقْدِ، فيُعْطَوْن في غُرْمِهم بعَجْزِهم، فإنْ كانتْ لهم
стр. 1099
عُرُوضٌ يَقْضُون منها دُيُونَهم .. فهم أغنياءُ، لا يُعْطَوْن حتّى يَبْرَؤوا مِنْ الدَّيْنِ، ثُمّ لا يَبْقَى لهم ما يَكُونون به أغنياءَ.
وصِنْفٌ دانُوا في صَلاحِ ذاتِ بينٍ ومعروفٍ (١)، ولهم عُرُوضٌ تَحْتَمِلُ حَمالاتِهم أو عامَّتَها، وإنْ بِيعَتْ أضَرَّ ذلك بهم وإن لم يَفْتَقِرُوا، فيُعْطَى هؤلاء وتُوَفَّرُ عُرُوضُهم؛ كما يُعْطَى أهْلُ الحاجَةِ مِنْ الغارِمِين حتّى يَقْضُوا سَهْمَهُم.
واحْتَجّ بأنّ قَبِيصَةَ بنَ الْمُخارِقِ قال: تَحَمَّلْتُ بحَمالَةٍ، فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فسَألْتُه، فقال: نُؤدِّيها عنك - أو: نخرجها عنك - إذا قَدِمَ نَعَمُ الصدقةِ، يا قَبِيصَة، المسألةُ حُرِّمَتْ إلّا في ثلاثٍ: رجلٍ تَحَمَّلَ بحَمالَةٍ فحَلَّتْ له المسألةُ حتّى يُؤدِّيَها ثُمّ يُمْسِكَ، ورَجُلٍ أصابَتْه فاقَةٌ وحاجةٌ حتّى شَهِدَ - أو تَكَلَّمَ - ثلاثةٌ مِنْ ذَوِي الحِجا مِنْ قومِه أنّ به حاجةً وفاقةً، فحَلَّتْ له المسألةُ حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ - أو قِوامًا مِنْ عَيْشٍ (٢) - ثُمّ يُمْسِكَ، ورجلٍ أصابَتْه جائحةٌ فاجْتاحَتْ مالَه، فحَلَّتْ له الصدقةُ حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ - أو قِوامًا مِنْ عَيْشٍ - ثُمّ يُمْسِكَ، فما سِوَى ذلك مِنْ المسألةِ فهو سُحْتٌ»، قال الشافعي: فبِهَذا قُلْتُ في الغارِمِين، وقولُ النبيِّ ﷺ : «تَحِلُّ له
стр. 1100
المسألةُ في الفاقةِ والحاجةِ» يعني والله أعلم: مِنْ سَهْمِ الفقراءِ والمساكين، لا الغارمين، وقولُه ﷺ : «حتّى يُصِيبَ سِدادًا مِنْ عَيْشٍ» يعني والله أعلم: أقَلَّ اسْمِ الغِنَى (١).
ولقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِيٍّ إلّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لعامِلٍ عليها، أو لغارِمٍ، أو لرجلٍ اشْتَراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتَصَدَّقَ على المسكينِ (٢)، فأهْدَى المسكينُ للغَنِيِّ»، فبهذا قُلْتُ: يُعْطَى الغازي والعاملُ وإنْ كانا غَنِيَّيْنِ، والغارِمُ في الحَمالَةِ على ما أبان ﷺ ، لا عامٌّ.
(١٩٦٨) ويُقْبَلُ قولُ ابنِ السّبِيلِ بأنّه عاجِزٌ عن البلَدِ؛ لأنّه غيرُ قَوِيٍّ حتّى نَعْلَمَ قُوَّتَه بالمالِ، ومَن طَلَبَ بأنّه يَغْزُو أعْطِيَ، ومَن طَلَبَ بأنّه غارِمٌ أو عبدٌ بأنّه مُكاتَبٌ .. لم يُعْطَ إلّا ببَيِّنَةٍ؛ لأنّ أصْلَ الناسِ أنّهم غيرُ غارمين حتّى يُعْلَمَ غُرْمُهم، والعَبِيدُ غيرُ مُكاتَبِين حتّى تُعْلَمَ كِتابَتُهم، ومَن طَلَبَ بأنّه مِنْ المؤلَّفَةِ .. لم يُعْطَ إلّا بأن يُعْلَم ذلك وما وَصَفْتُ أنّه يَسْتَحِقُّه به.
(١٩٦٩) وسَهْمُ سبيلِ الله كما وَصَفْتُ يُعْطَى منه مَنْ أراد الغَزْوَ مِنْ
стр. 1101
أهلِ الصدقةِ، فقيرًا كان أو غَنِيًّا، ولا يُعْطَى منه غيرُهم، إلّا أن يُحْتاجَ إلى الدَّفْعِ عنهم، فيُعْطاه مَنْ دَفَعَ عنهم المشركين؛ لأنّه يَدْفَعُ عن جماعةِ أهلِ الإسلام.
(١٩٧٠) وابنُ السبيلِ عندي (١) مِنْ أهلِ الصدقةِ: الذي يُريدُ البلدَ غيرَ بلَدِه لأمرٍ يَلْزَمُه (٢).
стр. 1102
(١٩١)
باب كيف تفريقُ قَسْم الصدقات؟
(١٩٧١) قال الشافعي: يَنْبَغِي للسّاعِي أن يَأمُرَ بإحْصاءِ أهلِ السُّهْمانِ في عَمَلِه، حتّى يَكُونَ فَراغُه مِنْ قَبْضِ الصدقاتِ بعد تَناهِي أسْمائِهم وأنْسابِهم وحالاتِهم وما يَحْتاجُون إليه، ويُحْصِي ما صار في يدَيْه مِنْ الصّدقاتِ، فيَعْزِلُ مِنْ سهمِ العاملين بقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّون بأعمالهم، فإذا جاوَزَ سهمَ العاملين رأيْتُ أن يُعْطِيَهم سهمَ العاملين (١) ويَزِيدَهم قدرَ أجُورِ أعْمالهم مِنْ سهمِ النبيِّ ﷺ مِنْ الفَيْءِ والغنيمةِ، ولو أعْطاهُم ذلك مِنْ السُّهمان ما رَأيْتُ ذلك ضَيِّقًا، ألا تَرَى أنّ مالَ اليتيمِ يَكُونُ بالموْضِعِ فيُسْتَأجَرُ عليه - إذا خِيفَ ضَيْعَتُه - مَنْ يَحُوطُه، وإنْ أتى ذلك على كثيرٍ منه.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أوْلى بقولِه؛ لِما احْتَجّ به في مالِ اليتيمِ (٣).
(١٩٧٢) قال الشافعي: وتُفَضُّ جميعُ السُّهْمانِ (٤) على أهْلِها كما أصِفُ إنْ شاء الله، كأنّ الفقراءَ عشرةٌ، والمساكينَ عشرون، والغارمِين
стр. 1103
خمسةٌ، وهؤلاء ثلاثةُ أصنافٍ، وكان سُهْمانُهم الثلاثةُ مِنْ جميعِ المالِ ثلاثةَ آلافٍ، فلِكُلِّ صنفٍ ألفٌ، فإنْ كان الفقراءُ يَغْتَرِقُون سَهْمَهُم كَفافًا (١) يَخْرُجُون به مِنْ حَدِّ الفَقْرِ إلى أدْنَى الغِنَى أعْطَوْه، وإنْ كان يُخْرِجُهُم مِنْ حَدِّ الفُقراءِ إلى أدْنَى الغِنَى أقَلَّ أوْقَفَ الوالي ما بَقِيَ منه، ثُمّ يَقْسِمُ على المساكين سَهْمَهُم هكذا، وعلى الغارمين سهمَهم هكذا، فإذا خَرَجُوا مِنْ اسْمِ الفَقْرِ والمسْكَنَةِ فصاروا إلى أدْنَى اسْمِ الغِنَى، ومِن الغُرْمِ فبَرِئَتْ ذِممُهم فصاروا غيرَ غارمِين .. فلَيْسُوا مِنْ أهلِه.
(١٩٧٣) ولا وَقْتَ فيما يُعْطَى الفقيرُ إلّا ما يُخْرِجُه مِنْ حَدِّ الفَقْرِ إلى الغِنَى، قَلَّ ذلك أو كَثُرَ، ممّا تَجِبُ فيه الزّكاةُ أو لا تَجِبُ؛ لأنّه يَوْمَ يُعْطاه لا زَكاةَ عليه فيه، وقد يَكُونُ غَنِيًّا ولا مالَ له تَجِبُ فيه الزكاةُ، وفَقِيرًا بكَثْرَةِ العيالِ وله مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، وإنّما الغِنَى والفقرُ ما يَعْرِفُ الناسُ بقَدْرِ حالٍ إلى حالٍ (٢).
(١٩٧٤) ويَأخُذُ العاملون عليها بقدرِ أجُورِهم في مثلِ كِفايَتِهم وقِيامِهم وأماناتِهم والمؤنةِ عليهم، فيَأخُذُ لنَفْسِه بهذا المعنى، ويُعْطِي العَرِيفَ ومَن يُجمِعُ الناسُ عليه بقدرِ كِفايَتِه وكُلْفَتِه، وذلك خَفِيفٌ (٣)؛ لأنّه في بلادِه.
(١٩٧٥) وكذلك المؤلَّفَةُ إن احْتِيجَ إليهم.
(١٩٧٦) والمكاتَبُ ما بَيْنَه وبَيْنَ أن يُعْتَقَ، وإنْ دُفِعَ إلى سَيِّدِه كان أحَبَّ إليَّ.
стр. 1104
(١٩٧٧) ويُعْطَى الغازِي الحَمُولَةَ (١) والسِّلاحَ والنَّفَقَةَ والكِسْوَةَ، وإن اتَّسَعَ المالُ زِيدَ الخيلُ (٢).
(١٩٧٨) ويُعْطَى ابنُ السّبيلِ قدرَ ما يُبَلِّغُه البلَدَ الذي يُرِيدُه مِنْ نَفَقَتِه وحَمُولَتِه إنْ كانَ البَلَدُ بعيدًا وكان ضعيفًا، وإنْ كان البلدُ قريبًا وكان جَلْدًا الأغلبُ في مثلِه لو كان غَنِيًّا المشْيُ إليها .. أعْطِيَ مؤنتَه في نَفَقَتِه بلا حَمُولَةٍ، فإنْ كان يُريدُ أن يَذْهَبَ ويَرْجِعَ .. أعْطِيَ ما يَكْفِيه في ذَهابِه ورُجُوعِه مِنْ النّفَقَةِ، فإنْ كان ذلك يَأتي على السّهْمِ كُلِّه .. أعْطِيَه كُلَّه إن لم يَكُنْ معه ابنُ السبيلِ غيرَه، وإنْ كان لا يَأتِي إلّا على سهمٍ مِنْ مائةِ سهمٍ مِنْ سهمِ ابنِ السبيلِ .. لم يُزَدْ عليه.
(١٩٧٩) قال: ويُقْسَمُ للعاملِ بمَعْنَى الكفايةِ، وابنُ السبيلِ بمَعْنَى البَلاغِ؛ لأنّي لو أعْطَيْتُ العاملَ وابنَ السبيلِ والغازِيَ بالاسْمِ .. لم يَسْقُط عن العاملِ اسْمُ العاملِ ما لم يُعْزَلْ، ولا عن ابنِ السبيلِ اسْمُ ابنِ السبيلِ ما دام مُجْتازًا أو يُريدُ الاجتيازَ، ولا عن الغازِي ما كان على الشُّخُوصِ للغَزْوِ.
(١٩٨٠) وأيُّ السُّهْمان فَضَلَ عن أهْلِه رُدَّ على عَدَدِ مَنْ بَقِيَ مِنْ عَدَدِ السُّهْمانِ؛ كأنّه في فقراءَ ومساكينَ لم يَسْتَغْنُوا وغارمِين لم تُقْضَ كُلُّ دُيونِهم، فيُقْسَمُ ما بَقِيَ على ثلاثةِ أسْهُمٍ، فإن اسْتَغْنَى الغارمون رُدَّ باقي سَهْمِهم على هذين السَّهْمَيْن نِصْفَيْن، حتّى تَنْفَدَ السُّهْمانُ، وإنّما رَدِّي ذلك؛ لأنّ الله لمّا جَعَلَ هذا المالَ لا مالكَ له مِنْ الآدَمِيِّين بعَيْنِه يُرَدُّ إليه؛ كما تُرَدُّ عَطايا
стр. 1105
الآدَمِيِّين ووَصاياهم لو أوْصَوْا بها لرَجُلٍ فمات الموصَى له قبل الموصِي كانتْ وَصِيَّتُه راجعةً إلى وَرَثَةِ الموصِي، فلمّا كان هذا المالُ مخالِفًا للمالِ يُورَثُ ههنا .. لم يَكُنْ أحَدٌ أوْلى به عندنا في قَسْمِ اللهِ وأقربَ ممَّن سَمّى اللهُ له هذا المالَ، وهؤلاء مِنْ جمْلَةِ مَنْ سَمَّى اللهُ له هذا المالَ، ولم (١) يَبْقَ مُسْلِمٌ محتاجٌ إلّا وله حَقٌّ سِواه، أمّا أهْلُ الفَيْءِ .. فلا يَدْخُلون على أهلِ الصدقةِ، وأمّا أهلُ الصدقةِ الأخْرَى فهم مَقْسُومٌ لهم صَدَقَتُهم، ولو كَثُرَتْ .. لم يَدْخُلْ عليهم غيرُهم وواحدٌ منهم يَسْتَحِقُّها، فكما كانوا لا يَدْخُلُ عليهم غيرُهم فكذلك لا يَدْخُلُون على غيرِهم ما كان مِنْ غيرِهم مَنْ يَسْتَحِقُّ منها شيئًا.
(١٩٨١) قال: وإن اسْتَغْنَى أهلُ عَمَلٍ ببعضِ ما قُسِمَ لهم ففَضَلَ عنهم فَضْلٌ .. رأيتُ أن يُنْقَلَ الفَضْلُ منهم إلى أقْرَبِ الناسِ بهم في الجوارِ.
(١٩٨٢) ولو ضاقت السُّهْمانُ قُسِمَتْ على الجِوارِ دون النَّسَبِ، وكذلك إنْ خالَطَهُم عَجَمٌ غيرُهم .. فهم معهم في القَسْمِ على الجِوارِ.
(١٩٨٣) فإنْ كانُوا أهلَ باديةٍ عند النُّجْعَةِ (٢) يَتَفَرَّقُون مَرَّةً ويخْتَلِطُون
стр. 1106
أخْرَى .. فأحَبُّ إليَّ لو قَسَمَها على النَّسَبِ إذا اسْتَوَت الحالان، وإن اخْتَلَفَت الحالان .. فالجِوارُ أوْلَى مِنْ النَّسَبِ، فإنْ قال مَنْ تَصَدَّقَ: إنّ لنا فُقَراءَ على غيرِ هذا الماءِ، وهم كما وَصَفْتُ يخْتَلِطُون في النُّجْعَةِ .. قُسِمَ بين الغائبِ والحاضرِ، ولو كانُوا بالطَّرَفِ مِنْ باديتِهم (١)، وكانُوا ألْزَمَ له .. قُسِمَ بينهم وكان كالدّارِ لهم، وهذا إذا كانُوا مَعًا أهلَ نُجْعَةٍ لا دارَ لهم يَقِرُّون بها، فأمّا إنْ كانتْ لهم دارٌ يَكُونون لها ألْزَمَ .. فإنّي أقْسِمُها على الجِوارِ بالدّارِ.
وقال في الجديد: إذا اسْتَوَى في القُرْبِ أهلُ نَسَبِهم وعِدًى (٢) .. قَسَمْتُ على أهلِ نَسَبِهم دُون العِدَى، وإنْ كان العِدَى أقْرَبَ بهم دارًا، وكان أهْلُ نَسَبِهم منهم على سَفَرٍ تُقْصَرُ فيه الصلاة .. قَسَمْتُ على العِدَى إذا كان دون ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ؛ لأنّهم أوْلى باسمِ حَضْرَتِهم، وإن كان أهْلُ نَسَبِهم دون ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ، والعِدَى أقْرَبُ منهم .. قَسَمْتُ على أهْلِ نَسَبِهم؛ لأنّهم بالباديةِ غيرُ خارجين مِنْ اسْمِ الجِوارِ، وكذلك هم في المتْعَةِ حاضِرُو المسجدِ الحرامِ.
(١٩٨٤) وإذا وَلِيَ الرجلُ إخْراجَ زكاةِ مالِه .. قَسَمَها على قَرابَتِه وجِيرانِه مَعًا، فإنْ ضاقَتْ فآثَرَ قَرابَتَه .. فحَسَنٌ.
(١٩٨٥) وأحَبُّ إليَّ أن لا يُوَلِّيَها غَيرَه؛ لأنّه المحاسَبُ بها والمسؤولُ عنها، وأنّه على يقينٍ مِنْ نَفْسِه وفي شَكٍّ مِنْ فِعْلِ غيرِه.
стр. 1107
(١٩٨٦) وأقَلُّ مَنْ يُعْطَى مِنْ أهلِ السَّهْمِ ثلاثةٌ؛ لأنّ اللهَ ذَكَرَ كُلَّ صنفٍ جماعةً، فإنْ أعْطَى اثْنَيْن وهو يَجِدُ الثالثَ .. ضَمِنَ ثُلُثَ سَهْمٍ.
(١٩٨٧) فإنْ أخْرَجَه إلى غيرِ بَلَدِه .. لم يَبِنْ أنّ عليه إعادةً؛ لأنّه أعْطَى أهْلَه بالاسمِ، وإنْ تَرَكَ الجوارَ (١).
(١٩٨٨) وإنْ أعْطَى قَرابَتَه مِنْ السُّهْمان ممَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه .. كان أحَقَّ بها مِنْ البعيدِ منه، وذلك أنّه يَعْلَمُ مِنْ قَرابَتِه أكْثَرَ ممّا يَعْلَمُ مِنْ غيرِهم، وكذلك خاصَّتُه، ومَن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِنْ قَرابَتِه: مَنْ عَدَا وَلَدِه ووالِدِه.
(١٩٨٩) ولا يُعْطِي وَلَدَ الوَلَدِ، صَغِيرًا، ولا كَبِيرًا زَمِنًا، ولا أبًا ولا أمًّا، ولا جَدًّا ولا جدَّةً زَمِنين، ويُعْطِيهم غيرَ زَمْنَى؛ لأنّه لا تَلْزَمُه نَفَقَتُهم إلّا زَمْنَى، ولا يُعْطِي زَوْجَتَه؛ لأنّ نَفَقَتَها تَلْزَمُه.
(١٩٩٠) فإن ادّانُوا أعْطاهم مِنْ سَهْمِ الغارِمِين، وكذلك مِنْ سَهْمِ ابْنِ السّبِيلِ؛ لأنّه لا يَلْزَمُه قَضاءُ الدَّيْنِ عنهم، ولا حَمْلُهُم إلى بَلَدٍ أرادُوه، فلا يَكُونُون أغْنِياءَ عن هذا به كما كانُوا به أغنياءَ عن الفَقْرِ والمسْكَنَةِ.
(١٩٩١) وأمّا آلُ محمَّدٍ ﷺ الذين جَعَلَ لهم الخُمُسَ عِوَضًا مِنْ الصدقةِ .. فلا يُعْطَوْن مِنْ الصدقاتِ المفروضاتِ، وإن كانُوا محْتاجِين
стр. 1108
غارِمِين، وهم أهْلُ الشِّعْبِ (١)، وهم صَلِيبَةُ بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، ولا تَحْرُمُ عليهم صدقةُ التَّطَوُّع، ورَوَى عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه أنّه كان يَشْرَبُ مِنْ سِقاياتٍ بين مكة والمدينة، فقلتُ له: أتَشْرَبُ مِنْ الصدقةِ؟ فقال: «إنّما حُرِّمَتْ علينا الصدقةُ المفروضةُ»، وقَبِلَ النبيُّ ﷺ الهديةَ مِنْ صدقةٍ تُصُدِّقَ بها على بَريرةَ، وذلك أنّها مِنْ بَريرةَ تَطَوُّعٌ لا صدقةٌ (٢).
(١٩٩٢) وإذا كان فيهم غارمون لا أموالَ لهم، فقالوا: أعْطِنا بالغُرْمِ والفَقْرِ .. قيل: لا، إنّما نُعْطِيكُم بأيّ المعنيَيْن شِئتُم، فإذا أعْطَيْناه باسْمِ الفَقْرِ فلِغُرَمائه أن يَأخُذُوا ممّا في يدَيْه حُقُوقَهم، وإذا أعْطَيْناه بمَعْنَى الغُرْمِ أحْبَبْتُ أن يَتَوَلّى دَفْعَه عنه، وإلّا فجائزٌ؛ كما يُعْطَى المكاتَبُ، فإن قيل: ولم لا يُعْطَى بمَعْنَيَيْن؟ .. قيل: الفقيرُ مِسْكينٌ، والمسكينُ فقيرٌ، يجْمَعُهُما اسمٌ، ويَتَفَرَّقُ بهما اسمٌ، فلا يجُوزُ أن يُعْطَى إلّا بأحَدِ المعنيَيْن، ولو جاز ذلك جاز أن يُعْطَى رجلٌ بفَقْرٍ وغُرْمٍ وبأنّه ابنُ سبيلٍ وغازٍ ومُؤلَّفٌ، فيُعْطَى بهذه المعاني كُلِّها، فالفقيرُ هو المسكينُ، ومعناه: أن لا يَكُونَ غَنِيًّا بحِرْفَةٍ ولا مالٍ، فإذا جُمِعا مَعًا فقُسِمَ لصِنْفَيْن بهما .. لم يَجُزْ إلّا أن يُفَرَّقَ بين حالَيْهِما بأن يَكُونَ الفقيرُ الذي بُدِئَ به أشَدَّهما فَقْرًا، وكذلك هو في اللسانِ (٣).
стр. 1109
(١٩٩٣) فإنْ كان فيهم رجلٌ مِنْ أهلِ الفَيْءِ ضُرِبَ عليه البَعْثُ في الغَزْوِ .. لم يُعْطَ، فإنْ قال: لا أغْزُو وأحْتاجُ .. أعْطِيَ.
(١٩٩٤) فإنْ هاجَرَ بَدَوِيٌّ واقْتَرَضَ وغَزا .. صار مِنْ أهلِ الفَيْءِ وأخَذَ فَيْئَه، ولو احْتاجَ وهو في الفَيْءِ .. لم يَكُنْ له أن يَأخُذَ مِنْ الصدقاتِ حتّى يَخْرُجَ مِنْ الفَيْءِ ويَعُودَ إلى الصدقاتِ، فيَكُونَ ذلك له.
(١٩٩٥) فإن لم تَكُنْ رِقابٌ، ولا مُؤلَّفَةٌ، ولا غارمون .. ابْتُدِئَ القَسْمُ على خمسةِ أسْهُمٍ أخماسًا، ثُمّ على ما وَصَفْتُ.
(١٩٩٦) فإنْ ضاقَت الصدقةُ قُسِمَتْ على عَدَدِ السُّهْمان، وقُسِمَ بين كُلِّ أهلِ صنفٍ على قَدْرِ اسْتِحْقاقِهم، ولا يُعْطَى أحَدٌ مِنْ أهلِ سَهْمٍ وإن اشْتَدَّتْ حاجَتُه وقَلَّ ما يُصِيبُه مِنْ سَهْمِ غيرِه حتّى يَسْتَغْنِيَ، ثُمّ يُرَدُّ فَضْلٌ إن كان عنه ويُقْسَمُ.
(١٩٩٧) فإن اجْتَمَعَ حَقُّ أهلِ السُّهْمان في بَعِيرٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ أو دينارٍ أو درهمٍ، أو اجْتَمَعَ فيه اثنان مِنْ أهلِ السُّهْمان أو أكْثَرُ .. أُعْطُوه وشُرِكَ بينهم فيه، ولم يُبَدَّلْ بغَيْرِه؛ كما يُعْطاه مَنْ أوصِيَ لهم به، وكذلك ما يُوزَنُ أو يُكالُ.
(١٩٩٨) وإذا أعْطَى الوالي مَنْ وَصَفْنا أنّ عليه أن يعْطِيَه، ثُمّ عَلِمَ أنّه غيرُ مُسْتَحِقٍّ .. نَزَعَ ذلك منه إلى أهلِه، فإنْ فاتَ .. فلا ضَمانَ عليه؛ لأنّه
стр. 1110
أمينٌ لمن يُعْطِيه ويَأخُذُه منه، لا لبعضِهم دون بعضٍ؛ لأنّه كُلِّفَ فيه الظاهرَ، وإنْ تَوَلّى ذلك رَبُّ المالِ .. ففيها قولان: أحدُهما - أنّه يَضْمَنُ، والآخَرُ - كالوالي لا يَضْمَنُ.
قال المزني: قلت أنا (١): ولم يخْتَلِفْ قولُه في «الزكاةِ» [ف: ٥٦٦] أنّ رَبَّ المالِ يَضْمَنُ (٢).
(١٩٩٩) قال الشافعي: ويُعْطَى الولاةُ زكاةَ الأموالِ الظاهرةِ: الثمرةِ والزرعِ والمعدنِ والماشيةِ (٣)، فإن لم يَأتِ الوُلاةُ .. لم يَسَعْ أهْلَها إلّا قَسْمُها، فإنْ جاء الوُلاةُ بعد ذلك .. لم يَأخُذُوهم بها، وإن ارْتابُوا بأحَدٍ .. فلا بأسَ أن يحَلِّفُوه باللهِ : لقد قَسَمَها في أهْلِها، وإنْ أعْطاهم زكاةَ التجاراتِ والفِطْرِ والرِّكازِ .. أجْزَأهم إن شاء الله.
(٢٠٠٠) وإنّما يَسْتَحِقُّ أهلُ السُّهْمان سِوى العاملين حَقَّهم يومَ يَكُونُ القَسْمُ.
стр. 1111
(١٩٢)
باب مِيسَمِ الصدقاتِ
(٢٠٠١) قال الشافعي: يَنْبَغِي لوالي الصدقاتِ أن يَسِمَ كُلَّ ما أخَذَ منها مِنْ إبلٍ أو بقرٍ في أفْخاذِها، ويَسِمَ الغنمَ [في أصُولِ آذانِها، وميسَمُ الغنمِ (١) ألْطَفُ مِنْ مِيسَمِ الإبلِ والبقرِ، ويجْعَلُ الميسَمَ مَكتوبًا: «لله»؛ لأنّ مالِكَها أدّاها لله تعالى فكُتِبَ: «لله» (٢)، ومِيسَمُ الجزيةِ مخالِفٌ لميسَمِ الصدقةِ؛ لأنّها أُدِّيَتْ صَغارًا، لا أجْرَ لصاحِبِها فيها، وكذلك بَلَغَنا عن عُمّالِ عمرَ أنّهم كانوا يَسِمُون، وقال أسْلَمُ لعمرَ: إنّ في الظَّهْرِ ناقةً عمياءَ؟ فقال عمرُ: نَدْفَعُها إلى أهلِ بيتٍ يَنْتَفِعُون بها يَقْطُرُونها بالإبلِ، قال: قلتُ: كيف تَأكُلُ مِنْ الأرضِ؟ قال عمرُ: أمِن نَعَمِ الجزيةِ أو مِنْ نَعَمِ الصدقةِ؟ فقلتُ: لا، بلْ مِنْ نَعَمِ الجزيةِ، فقال عمرُ: أرَدْتُم والله أكْلَها، قلتُ: إنّ عليها مِيسَمَ الجزيةِ، قال: فأمَرَ بها عمرُ فنُحِرَتْ، وكانتْ عنده صِحافٌ تِسْعٌ، فلا تَكُونُ فاكهةٌ ولا طَرِيفَةٌ إلّا جَعَلَ منها في تلك الصِّحافِ فيَبْعَثُ بها إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ ، فيَكُونُ الذي يَبْعَثُ به إلى حَفْصَةَ مِنْ آخِرِ ذلك، فإنْ كان فيه نُقْصانٌ كان في حَظِّها، فجَعَل في تلك الصِّحافِ مِنْ لحْمِ تلك الجَزُورِ،
стр. 1112
فبَعَثَ بها إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ ، وأمَرَ بما بَقِيَ مِنْ اللَّحْمِ فصُنِعَ، فدَعا عليه المهاجرين والأنصارَ، قال: ولا أعْلَمُ في الميسَمِ عِلَّةً إلّا أن يَكُون ما أخِذَ مِنْ الصدقةِ مَعْلُومًا فلا يَشْتَرِيه الذي أعْطاه؛ لأنّه خَرَجَ منه لله؛ كما أمَرَ رسولُ الله ﷺ عمرَ في فَرَسٍ حَمَلَ عليه في سبيلِ الله فرَآهُ يُباعُ أن لا يَشْتَرِيَه، وكما تَرَكَ المهاجرون نُزُولَ مَنازِلهم بمَكَّةَ؛ لأنّهم تَرَكُوها لله (١).
стр. 1113
(١٩٣)
باب الاختلاف (١)(٢٠٠٢) قال الشافعي: وقال بعض الناس: لا مُؤلَّفَةَ، فيَجْعَلُ سَهْمُهم وسَهْمُ سبيلِ الله في الكُراعِ والسلاحِ في ثَغْرِ المسلمين، وقال بعضهم: ابنُ السبيلِ مَنْ مَرَّ بقاسِمٍ في البلدِ الذي به الصدقاتُ، وقال أيضًا: حيث كانت الحاجةُ أكْثَرَ فهي به أسْعَدُ (٢)؛ كأنّه يَذْهَبُ إلى أنّه فَوْضَى (٣) بينهم، يَقْسِمُونه (٤) على العَدَدِ والحاجةِ، لا أنّ لكُلِّ أهلِ صنفٍ سهمًا (٥)، ومِن أصحابنا مَنْ قال: إذا تماسَك أهلُ الصدقةِ وأجْدَبَ آخَرُون نُقِلَتْ إلى المجْدِبِين إذا كانوا يُخافُ عليهم الموتُ؛ كأنّه يَذْهَبُ إلى أنّ هذا مالٌ مِنْ مالِ الله ، قَسَمَه لأهلِ السُّهْمانِ (٦) لمعنى صَلاحِ عبادِ الله على اجْتِهاد الإمامِ، وأحْسِبُه يَقُولُ: وتُنْقَلُ سُهْمانُ أهلِ الصدقاتِ إلى أهلِ الفَيْءِ إن جَهِدُوا وضاقَ الفَيْءُ، ويُنْقَلُ الفَيْءُ إلى أهلِ الصَّدقاتِ إن جَهِدُوا وضاقت الصدقاتُ، على معنى إرادَةِ صَلاحِ عبادِ الله (٧).
стр. 1114
قال: وإنّما قلتُ بخِلافِ هذا القولِ؛ لأنّ اللهَ جَعَلَ المالَ قِسمَيْن: أحدُهما: في قَسْمِ الصدقاتِ التي هي طُهُورٌ، فسَمّاها لثمانيةِ أصنافٍ ووَكَّدَها، وجاءَتْ سُنّةُ رسولِ الله ﷺ بأن تُؤخَذَ مِنْ أغنياءِ قومٍ وتُرَدَّ على فُقَرائِهم، لا فقراءِ غيرِهم، ولغيرِهم فقراءُ، فلم يَجُزْ عندي والله أعلم أن يكونَ فيها غيرُ ما قُلْتُ، مِنْ أن لا تُنْقَلَ عن قومٍ وفيهم مَنْ يَسْتَحِقُّها، ولا يُخْرَجَ سَهْمُ ذِي سَهْمٍ منهم إلى غيرِه وهو يَسْتَحِقُّه، وكيف يجوزُ أن يُسَمِّيَ اللهُ أصْنافًا فيَكُونُوا مَوْجُودِين معًا فيُعْطَى أحدُهم سَهْمَه وسَهْمَ غيرِه، لو جازَ هذا عندي لجازَ أن يُجْعَلَ في سَهْمٍ واحدٍ جميعُ سِهامِ سبعةٍ ما فُرِضَ لهم، ويُعْطَى واحدٌ ما لم يُفْرَضْ له.
والذي يخالِفُنا يَقولُ: لو أوْصَى بثُلُثِه لفقراءِ بني فُلانٍ، وغارمي بني فلانٍ، رجلٍ آخَرَ، وبني سبيلِ بني فلانٍ، رجلٍ آخَرَ، إنّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هؤلاء يُعْطَوْن مِنْ ثُلُثِه، وأن ليس لوَصِيٍّ ولا والٍ أن يُعْطِيَ الثُّلُثَ صِنْفًا دون صنفٍ، وإن كانوا فقراءَ وأحْوَجَ مِنْ صنفٍ؛ لأنّ كُلًّا ذو حَقٍّ ممّا سُمِّيَ له، قال: فإذا كان هذا عندنا وعند قائلِ هذا القولِ فيما أعْطَى الآدَمِيُّون أن لا يجوزَ أن يَمْضيَ إلّا على ما أعْطَوْا .. فعطاءُ اللهِ أحَقُّ أن لا يجوزَ أن يَمْضيَ إلّا على ما أعْطَى.
قال: وإذا قَسَمَ اللهُ جل ثناؤه الفَيْءَ، وسَنَّ رسولُ الله ﷺ أربعةَ أخْماسِه لمَنْ أوْجَفَ على الغنيمةِ، للفارسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ، وللراجلِ سَهْمٌ، فلم نَعْلَمْ رسولَ الله ﷺ فَضَّلَ ذا غَنَاءٍ على مَنْ دونه، ولم يُفَضِّل المسلمون الفارسَ أعْظَمَ الناسِ غَناءً على جَبانٍ في القَسْمِ، فكيف جاز أن يخالِفَنا في قَسْمِ الصدقاتِ - وقد قَسَمَها اللهُ أبْيَنَ القَسْمِ - فيُعْطِيَ بَعْضًا دون بعضٍ، ويَنْقُلَها مِنْ أهْلِها المحتاجِين إليها إلى غيرِهم؛ لأنْ كانُوا أحْوَجَ منهم، أو يُشْرِكَهُم معهم، أو يَنْقُلَها عن صِنْفٍ منهم إلى صنفٍ غيرِه؟ أرأيْتَ لو قال
стр. 1115
قائلٌ لقومٍ أهلِ عَدَدٍ كثيرٍ أوْجَفُوا على عَدُوٍّ: أنتم أغنياءُ، فآخُذُ ما أوْجَفْتُم عليه، فأقْسِمُه على أهلِ الصدقاتِ المحتاجِين، إذا كان عامُ سَنَةٍ؛ لأنّهم مِنْ عِيالِ الله، هل (١) الحجَّةُ عليه إلّا أنّ مَنْ قُسِمَ له بحَقٍّ فهو أوْلى به، وإنْ كان مَنْ لم يُقْسَمْ له أحْوَجَ منه؟ فهكذا يَنْبَغِي أن يُقالَ في أهلِ الصدقاتِ، وهكذا لأهلِ المواريثِ، لا يُعْطَى أحَدٌ منهم سَهْمَ غيرِه، ولا يُمْنَعُ مِنْ سَهْمِه لفَقْرٍ ولا لِغِنًى.
وقَضَى معاذُ بنُ جبلٍ: «أيُّما رجلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلافِ عَشِيرَتِه إلى غيرِ مِخْلافِ عَشِيرَتِه .. فعُشْرُه وصَدَقَتُه إلى مِخْلافِ عَشِيرَتِه» (٢) .. ففي هذا معنيان؛ أحدُهما: أنّه جَعَلَ صَدَقَتَه وعُشْرَه لأهلِ مِخْلافِ عَشِيرَتِه، لم يَقُلْ: لقَرابَتِه دون أهلِ المِخْلافِ، والآخَرُ: أنّه رَأى أنّ الصَّدَقَةَ إذا ثَبَتَتْ لأهلِ مِخْلافِ عَشِيرَتِه لم تُحَوَّلْ عنهم صَدَقَتُه وعُشْرُه بتَحَوُّلِه عنهم، وكانَتْ كما ثَبَتَتْ بَدْءًا.
فإن قيل: فقد جاء عَدِيُّ بنُ حاتمٍ أبا بكر بصدقاتٍ (٣) والزِّبْرِقانُ بنُ بَدْرٍ .. فهما وإنْ جاءا بها فقد تَكُونُ فَضْلًا عن أهْلِها، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ بالمدينةِ أقْرَبُ الناسِ بهم نَسَبًا ودارًا ممّن يَحْتاجُ إلى سَعْدٍ مِنْ مُضَرَ (٤)، وطَيِّئٍ مِنْ اليَمَنِ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَنْ حَوْلهم ارْتَدَّ فلم يَكُنْ لهم فيها حَقٌّ، ويَحْتَمِلُ أن يُؤتَى بها أبُو بكرٍ ثُمّ يَرُدَّها إلى غيرِ أهلِ المدينةِ، وليس في ذلك خَبَرٌ عن أبي بكر نَصِيرُ إليه.
стр. 1116
فإن قيل: فإنّه قد بَلَغَنا أنّ عمرَ كان يُؤتَى بنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصدقةِ .. فبالمدينةِ صدقاتُ النَّخْلِ والزَّرْعِ والناضِّ والماشيةِ، وللمدينةِ ساكنٌ مِنْ المهاجرين، والأنصارُ حُلفاءُ لهم، وأشْجَعُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بها وبأطْرافِها، وغيرُهم مِنْ قبائلِ العَرَبِ، فعِيالُ ساكنِ المدينةِ بالمدينةِ وعيالُ عشائرِهم وجِيرانِهم، وقد يَكُونُ عيالُ ساكِني أطرافِها بها وعيالُ جِيرانِهم وعشائرِهم، فيُؤتَوْن بها، ويَكُونُون مَجْمَعًا لأهلِ السُّهْمان؛ كما تَكُونُ المياهُ والقُرَى مَجْمَعًا لأهلِ السُّهْمان مِنْ العربِ، ولعلَّهم اسْتَغْنَوْا فنَقَلَها إلى أقْرَبِ الناسِ بهم، فكانُوا بالمدينة.
فإن قيل: فإنّ عمرَ كان يَحْمِلُ على إبلٍ كثيرةٍ إلى الشامِ والعراقِ .. فإنّما هي واللهُ أعلم مِنْ نَعَمِ الجزيةِ؛ لأنّه إنّما يَحْمِلُ على ما يَحْتَمِلُ مِنْ الإبلِ، وأكثرُ فرائضِ الإبلِ لا تَحْمِلُ أحَدًا، قد كان يُبْعَثُ إلى عُمَرَ بنَعَمِ الجزيةِ، فيَبْعَثُ فيَبْتاعُ بها إبلًا جِلَّةً فيَحْمِلُ عليها (١).
(٢٠٠٣) وقال بعضُ الناسِ (٢) مِثْلَ قَوْلِنا في أنّ ما أُخِذَ مِنْ مسلمٍ فسَبِيلُه سبيلُ الصدقاتِ، وقالوا: والركازُ سبيلُ الصدقاتِ، ورَوَوْا ما رَوَيْنا؛ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «في الركاز الخمس»، وقال: «المعادِنُ مِنْ الرِّكازِ، وما أصِيبَ مِنْ دِفْنِ الجاهليَّةِ مِنْ شَيْءٍ فهو رِكازٌ»، ثُمّ عاد لما شَدَّدَ فيه فأبْطَلَه، فزَعَمَ أنّه إذا وَجَدَ رِكازًا فواسِعٌ فيما بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ أن يَكْتُمَه، وللوالي أن يَرُدَّه عليه بعدما يَأخُذُه منه، أو يَدَعَه له، فقد أبْطَلَ بهذا القولِ السُّنَّةَ في
стр. 1117
أخْذِه، وحَقَّ اللهِ في قَسْمِه لمَنْ جَعَلَه له، ولو جازَ ذلك جازَ في جميعِ ما أوْجَبَه اللهُ لمَنْ جَعَلَه له.
قال: فإنّا رُوِّينا عن الشَّعْبِي؛ أنّ رَجُلًا وَجَدَ أربعةَ آلافِ أو خمسةَ آلافِ درهمٍ، فقال عليٌّ: «لأقْضِيَنَّ فيها قضاءً بَيِّنًا، أمّا أربعةُ أخماسٍ فلَكَ، وخمسٌ للمسلمِين»، ثُمّ قال: «والخمُسُ مَرْدُودٌ عليك».
قال الشافعي: وهذا الحديثُ بعضُه يَنْقُضُ بعضًا؛ إذْ زَعَمَ أنّ عليًّا قال: «والخمُسُ للمسلمين»، فكيف يجوزُ أن يَرَى للمسلمين في مالِ رجلٍ شيئًا ثُمّ يَرُدَّه عليه أو يَدَعَه له؟ وهذا عن عليٍّ مُسْتَنْكَرٌ، وقد رَوَوْا عن عليٍّ بإسنادٍ موصولٍ أنّه قال: «أربعةُ أخماسٍ لك، واقْسِم الخمسَ في فقراءِ أهْلِكَ»، وهذا الحديثُ أشْبَهُ بحديثِ عليٍّ، لعلَّ عليًّا عَلِمَه أمِينًا، وعَلِمَ أنّ في أهلِه فقراءَ مِنْ أهلِ السُّهْمان، فأمَرَه أن يَقْسِمَه فيهم.
قال الشافعي: وهم يُخالِفُون ما رَوَوْا عن الشَّعْبِي مِنْ وجهَيْن؛ أحدُهما: أنّهم يَزْعُمُون أنّ مَنْ كانتْ له مائتا درهمٍ فليس للوالي أن يُعْطِيَه، ولا له أن يَأخُذَ شيئًا مِنْ السُّهْمان المقْسُومَةِ بين مَنْ سَمَّى اللهُ ولا مِنْ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا، والذي (١) يَزْعُمُون أنّ عليًّا تَرَكَ له خُمُسَ رِكازِه رجلٌ له أربعةُ آلافِ درهمٍ، ولعلّه أن يَكُونَ له مالٌ سِواها، ويَزْعُمُون: إذا أخَذَ الوالي منه واجبًا في مالِه .. لم يَكُنْ له أن يَعُودَ به عليه ولا على أحَدٍ يَعُولُه، ويَزْعُمُون أنْ لو وَلِيَها هو لم يَكُنْ له حَبْسُها ولا دَفْعُها إلى أحَدٍ يَعُولُه، قال: فإذا كان له أن يَكْتُمَها، وللوالي أن يَرُدَّها إليه .. فليستْ بواجِبَةٍ عليه، وتَرْكُها وأخْذُها سَواءٌ، وقد أبْطَلُوا بهذا القولِ السُّنَّةَ في أنّ في الرِّكازِ الخمُسَ، وأبْطَلُوا حَقَّ مَنْ قَسَمَ اللهُ له مِنْ أهْلِ السُّهْمانِ الثمانيةِ.
стр. 1118
فإن قال: لا يَصْلُحُ هذا إلّا في الرِّكازِ .. قيل: فإنْ قيل لك: لا يَصْلُحُ في الرِّكازِ، ويَصْلُحُ فيما سِوَى ذلك مِنْ صَدَقَةِ ماشيةٍ وعُشْرِ زَرْعٍ ورِقَةٍ .. فما الحجَّةُ عليه إلّا كهِيَ عليك.
стр. 1119
كتاب النكاح
مختصر من الجامع من النكاح
стр. 1120
(١٩٤)
باب ما جاء في أمر رسول الله وأزواجِه في النكاح (١)(٢٠٠٤) قال الشافعي: إنّ الله ﵎ لِمَا خَصّ به رسولَه ﷺ مِنْ وَحْيِه، وأبانَ بَيْنَه وبَيْنَ خَلْقِه بما فَرَضَ عليهم مِنْ طاعتِه .. افْتَرَضَ عليه (٢) أشْياءَ خَفَّفَها عن خَلْقِه؛ ليَزِيدَه بها إن شاء الله قُرْبَةً إليه، وأباح له أشياءَ حَظَرَها على خَلْقِه؛ زِيادَتَه في كَرَامَتِه (٣)، وتَثْبِيتًا لفَضِيلتِه (٤).
стр. 1121
(٢٠٠٥) فمن ذلك: أنّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ زوجةً فليس عليه أن يُخَيِّرَها، وأمَرَ اللهُ جل ثناؤه رسولَه ﷺ أن يُخَيِّرَ نِساءَه فاخْتَرْنَه.
(٢٠٠٦) وقال: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ [الأحزاب: ٥٢]، قالت عائشة: «ما مات رسولُ الله ﷺ حتّى أحِلَّ له النساءُ»، قال: كأنّها تَعْنِي اللاتي حُظِرْنَ عليه (١).
(٢٠٠٧) وقال (٢): ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال الله : ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فأبانَهُنّ به ﷺ مِنْ نساءِ العالمين.
(٢٠٠٨) وخَصَّه بأن جَعَلَه أوْلى بالمؤمنين مِنْ أنْفُسِهم، وأزْواجَه أمّهاتِهم، قال: أمّهاتُهم (٣) في مَعْنًى دون معنًى، وذلك لا يَحِلُّ نِكاحُهُنّ بحالٍ (٤)، ولم تَحْرُم بناتٌ لو كُنّ لهُنَّ (٥)؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قد زَوَّجَ بَناتِه وهُنّ أخَواتُ المؤمنين (٦).
стр. 1122
(١٩٥)
باب ما جاء في الترغيب في النكاح وغيره (١)
من الجامع من «كتاب النكاح» الجديد والقديم، ومن «إملاء على مسائل مالك»
(٢٠٠٩) قال الشافعي: وأحِبُّ للرجلِ والمرأةِ أن يَتزوّجا إذا تاقَتْ أنْفُسُهما إليه (٢)؛ لأنّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أمَرَ به ورَضِيَه ونَدَبَ إليه، وبَلَغَنا أنّ النبيَّ ﷺ قال: «تَناكَحُوا تَكْثُرُوا؛ فإنّي أباهِي بكم الأُمَمَ، حتّى بالسِّقْط»، وأنّه قال: «مَنْ أحَبّ فِطْرَتي .. فليَسْتَنَّ بسُنَّتِي»، وهي: النكاحُ، قال: ويُقالُ: إنّ الرجلَ ليُرْفَعُ بدعاءِ وَلَدِه مِنْ بعدِه.
(٢٠١٠) قال: ومَن لم تَتُقْ نفسُه إلى ذلك فأحَبُّ إليَّ أن يَتَخَلّى لعبادةِ الله، وقد ذكر الله القَواعِدَ من النساءِ (٣)، وذَكَرَ عَبْدًا أكْرَمَه فقال: ﴿وسيدا وحصورا ونبيا﴾ [آل عمران: ٣٩]، و «الحَصُورُ»: الذي لا يَأتي النساءَ، ولم يَنْدُبْهُم إلى النِّكاحِ، فدَلّ أنّ المندوبَ إليه مَنْ يَحْتاجُ إليه.
стр. 1123
(٢٠١١) قال: وإذا أراد أن يَتزوَّجَ المرأةَ فليس له أن يَنْظُرَ إليها حاسِرًا، ويَنْظُرُ إلى وَجْهِها وكَفَّيْها وهي مُتَغَطِّيَةٌ، بإذْنِها وغيرِ إذْنِها، قال اللهُ ﵎: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]، قال: الوجهُ والكَفّان (١).
стр. 1124
(١٩٦)
باب ما على الأولياء، وإنكاحِ الأب البكرَ بغير إذنها، ووجه النكاح،
والرجل يتزوج أمتَه ويجعل عِتقَها صَداقَها
من «الجامع» من كتاب النكاح، ومن «أحكام القرآن»، ومن كتاب النكاح «إملاء على مسائل مالك»، ومن «اختلاف الحديث» و «الرسالة» (١)(٢٠١٢) قال الشافعي: فدَلّ كتابُ الله ، وسنةُ رسولِه، على أنّ حَتْمًا على الأولياءِ أن يُزَوِّجُوا الحرائرَ البوالغَ إذا أرَدْنَ النكاحَ ودَعَوْن إلى رِضًا، قال الله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢]، قال: هذه أبْيَنُ آيةٍ في كتابِ الله (٢) دَلالَةً على أن ليس للمرأةِ أن تَتَزَوَّجَ بغَيْرِ وَلِيٍّ (٣)، وقال بعضُ أهلِ العلمِ: نَزَلَتْ في مَعْقِل بن يَسارٍ، وذلك أنّه زَوَّج أخْتَه رجلًا فطَلَّقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمّ طَلَب نِكاحَها وطَلَبَتْه، فقال: زَوَّجْتُكَ أختي دون غيرِك فطَلَّقْتَها، لا أنْكَحْتُها أبدًا (٤)، فنَزَلَتْ هذه الآيةُ.
стр. 1125
(٢٠١٣) ورَوَتْ عائشةُ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّها فنِكاحُها باطلٌ - ثلاثا - فإن مسَّها فلها المهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِها، فإن اشْتَجَرُوا - أو قال: فإن اخْتَلَفُوا - فالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ له»، قال الشافعي: وفي ذلك دِلالاتٌ؛ منها: أنّ للوَلِيِّ شِرْكًا في بُضْعِها (١)، لا يَتِمُّ النكاحُ إلّا به، ما لم يَعْضُلْها (٢)، ولا نَجِدُ لشِرْكِه في بُضْعِها مَعْنًى إلّا فَضْلَ نَظَرِه لحِياطَةِ الموْضِعِ أن يَنالَها مَنْ لا يُكافِئُها نَسَبُه، وفي ذلك عارٌ عليه، وأنّ العَقْدَ بغيرِ وَلِيٍّ باطلٌ، لا يَجُوزُ بإجازةٍ، وأنّ الإصابَةَ إذا كانتْ بشُبْهَةٍ ففيها المهْرُ، ودُرِئَ الحَدُّ.
(٢٠١٤) قال: ولا وِلايَةَ لوَصِيٍّ؛ لأنّ عارَها لا يَلْحَقُه، وجَمَعَت الطريقُ رُفْقَةً فيها امرأةٌ ثَيِّبٌ، فوَلَّتْ رجلًا منهم أمْرَها، فزَوَّجَها، فجَلَدَ عُمَرُ بنُ الخطاب النّاكِحَ والمُنْكِحَ، ورَدَّ نِكاحَهُما.
(٢٠١٥) وفي قول النبي ﷺ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأذَنُ في نَفْسِها، وإذْنُها صُماتُها» (٣) .. دَلالَةٌ على الفَرْقِ بين الثَّيِّبِ والبِكْرِ
стр. 1126
في أمْرَيْن: أحدهما - أنّ إذْنَ البِكْرِ: الصَّمْتُ، والتي تُخالِفُها: الكَلامُ، والآخر - أنّ أمْرَهُما في وِلايَةِ أنْفُسِهِما مُخْتَلِفٌ، فوِلايَةُ الثَّيِّبِ أنَّها أحَقُّ مِنْ الوَلِيِّ، والوَلِيُّ ههنا: الأبُ - والله أعْلَمُ - دون الأوْلِياء.
(٢٠١٦) ومِثْلُ هذا: حَديثُ خَنْساءَ بنتِ خِدامٍ، زَوَّجَها أبوها وهي ثَيِّبٌ، فكَرِهَتْ ذلك، فرَدَّ رسولُ الله ﷺ إنْكاحَه، وفي تَرْكِه أن يَقُولَ لخَنْساءَ: إلا تَشائِي (١) أنْ تُجِيزِي ما فَعَلَ أبوكِ .. دَلالَةٌ أنّها لو أجازَتْه ما جازَ، والبِكْرُ مُخالِفَةٌ لها؛ لاخْتِلافِهما في لَفْظِ النبيِّ ﷺ ، ولو كانتا سواءً كان لَفْظُ النبيِّ ﷺ : أنّهما أحَقُّ بأنْفُسِهما، وقالت عائشة: «تَزَوَّجَنِي رسولُ الله ﷺ وأنا بِنْتُ سَبْعِ سنين، [ودَخَلَ بي وأنا بِنْتُ تِسْعِ سنين (٢)»، وهي لا أمْرَ لها، ولو كانتْ إذا بَلَغَتْ أحَقَّ بنَفْسِها .. أشْبَهَ أن لا يجوزَ ذلك عليها قَبْلَ بُلوغِها؛ كما قُلْنا في المولود يُقْتَلُ أبُوه: يُحْبَسُ قاتِلُه حتّى يَبْلُغَ، فيَقْتُلَ أو يَعْفُوَ.
(٢٠١٧) قال: والاسْتِئمارُ للبِكْرِ على اسْتِطابَة النَّفْسِ، قال اللهُ لنَبِيِّه ﷺ : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، لا على أنّ لأحَدٍ رَدَّ ما رأى رسولُ الله ﷺ ، ولكِنْ لاسْتِطابَةِ أنْفُسِهِم، وليُقْتَدَى بسُنَّتِه ﷺ فيهم، وقد أمَرَ نُعَيْمًا أن يُؤامِرَ أمَّ ابْنَتِه (٣).
(٢٠١٨) قال المزني: قلت أنا (٤): ورُوِيَ عن الحَسَنِ، عن النبيِّ ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلّا بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ» (٥)، قال المزني: ورَواه غيرُ
стр. 1127
الشافعيِّ عن الحسن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، عن النبيِّ ﷺ ، واحْتَجّ الشافعيُّ بابن عباسٍ أنّه قال: «لا نِكاحَ إلّا بوَلِيٍّ مُرْشِدٍ (١)، وشاهِدَيْ عَدْلٍ»، وأنَّ عُمَرَ رَدَّ نِكاحًا لم يَشْهَدْ عليه إلّا رجلٌ وامرأةٌ، فقال: «هذا نِكاحُ السِّرِّ، ولا أجِيزُهُ، ولو تَقَدَّمْتُ فيه لرَجَمْتُ»، وقال عُمَرُ: «لا تُنْكَحُ المرأةُ إلّا بإذْنِ وَلِيِّها، أو ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أهْلِها، أو السُّلْطانِ»، قال الشافعي: والنساءُ مُحَرَّماتُ الفُرُوجِ، فلا يَحْلِلْنَ إلّا بما بَيَّنَ رسولُ الله ﷺ ، فبَيَّنَ وَلِيًّا، وشُهُودًا، وإقْرَارَ المنْكُوحَةِ الثَّيِّبِ، وصَمْتَ البِكْرِ.
(٢٠١٩) قال: والشُّهُودُ على العَدْلِ حتّى يُعْلَمَ الجَرْحُ يَوْمَ وَقَعَ النِّكاحُ (٢).
(٢٠٢٠) قال: ولو كانتْ صغيرةً ثَيِّبًا أصِيبَتْ بنِكاحٍ أو غيرِه فلا تُزَوَّجُ إلّا بإذْنِها.
(٢٠٢١) ولا يُزَوِّجُ البِكْرَ بغيرِ إذْنِها ولا الصغيرةَ إلّا أبُوها، أو جَدُّها بعد مَوْتِ أبِيها.
(٢٠٢٢) قال: وإنْ كان المُوَلَّى عليه يَحْتاجُ إلى النِّكاحِ زَوَّجَه وَلِيُّه، فإنْ أذِنَ له فجاوَزَ مَهْرَ مِثْلِها رُدَّ الفَضْلُ، ولو أذِنَ لعَبْدِه فتَزَوَّجَ .. كان لها الفَضْلُ مَتَى عَتَقَ (٣).
(٢٠٢٣) وفي إذْنِه لعَبْدِه إذْنٌ باكْتِسابِ المهْرِ والنَّفَقَةِ إذا وَجَبَتْ عليه، وإنْ كان مأذونًا له في التجارةِ .. أعْطَى ممّا في يَدَيْه.