Полный текст (1 788 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عبدان ليلة عرفة أيضًا في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين»، وقال أبو سعد بن السمعاني: «اسم عبدان: عبيدالله، وإن عبدان لقب»، قال: «وعبدان هو الذي أظهر مذهب الشافعي بمرو بعد أحمد بن سيار، فإن أحمد بن سيار حمل كتب الشافعي إلى مرو وأعجب بها الناس، فنظر في بعضها عبدان وأراد أن ينسخها، فمنعها أحمد بن سيار عنه، فباع ضيعة له بجُنُوجِرْد، وخرج إلى مصر، وأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعي ونسخ كتبه، وأدرك من المشايخ والفقهاء ما لم يدرك غيره وحمل عنهم، ورحل إلى الشام والعراق، وكتب عن أهل مصر، ورجع إلى مرو، وكان أحمد بن سيار في الأحياء، فدخل عليه مسلِّما ومهنِّئًا بالقدوم، فاعتذر أحمد بن سيار من منع الكتب عنه، فقال عبدان: لا تعتذر؛ فإن لك مِنَّة عليَّ في ذلك، وذلك أنك لو دفعت إليَّ الكتب كنت اقتصرت على ذلك، وما كنت أخرج إلى مصر، ولا كنت أدرك أصحاب الشافعي، ففرح بذلك أحمد بن سيار»، قال أبو بكر بن السمعاني والد أبي سعد: «وهو أول من حمل مختصر المُزَني إلى مرو، وقرأ علم الشافعي على المُزَني والربيع، وكان فقيهًا حافظًا للحديث»، وممن تخرَّج على عبدان في الفقه من المراوزة: أبو إسحاق المروزي صاحب الشرح، وكان من عظيم قدره أنه لمَّا خرج إلى الحج وبلغ نيسابور أخذ محمد بن إسحاق بن خزيمة ينفذ إليه برقاع الفتاوى ويقول: «أنا لا أُفتي ببلدة أستاذي فيها»، قال عبدالله: الظاهر أن نسخة عبدان من «المختصر» هي النسخة المعتمدة في «البحر» للروياني، وله فيها زيادة انفرد بها عن سائر الروايات، وهي ترجمة: «باب عدد سجود القرآن وسجدة الشكر» في «كتاب الصلاة»، وانظر «البحر» (٢/ ١٣٤)، كما أن الروياني انتقد روايته في موضع آخر من «البحر» (٣/ ٤٩ - ٥٠) ورجح عليه رواية ابن خزيمة، إلا أن اسمه تحرَّف في مطبوعة
стр. 107
«البحر» إلى «ابن عيدان»، وما هو به، وكم لهذه الطبعة من هَنَات لا تدع مجالًا للشك أن "محقِّقه" لم يقرأ الكتاب أصلًا، بله يحققه.
علي بن سليمان بن أبي الربيع، مع محمد بن عبدالله بن عبد السلام البيروتي، يُعرف بمكحول، وكان من الثقات العالمين بالحديث، مات في أول جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (١)، ورواه عنه: عبد الوهاب الكلابي.
محمد بن سفيان بن سعيد بن عثمان، أبو بكر، المؤذن بمصر، روى عن الربيع والمُزَني والبُوَيْطي، مات سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، قال مسلمة بن قاسم: «سمعت أهل الحديث يقولون: هو ضعيف، وذهبوا إلى أنه كان يكذب، فتركته» (٢).
محمد بن أحمد بن راشد، أبو بكر، الأصبهاني، الحافظ، المصنف، من موالي ثقيف، تُوفِّي بكرمان سنة تسع وثلاثمائة (٣).
(ز) محمد بن إسحاق بن خزيمة، السلمي، أبو بكر الحافظ (ت ٣١١ هـ)، وهو آخر من روى عن المُزَني بنيسابور على ما ذكره الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠)، وقد أخرج الحاكم أبو عبدالله في «معرفة علوم الحديث» (ص: ٤٣٦، ر ٣٨٠) عن أبي أحمد محمد بن علي الزُّراري يقول: «حضرت مجلس الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو النضر يقرأ عليه كتاب «المختصَر» للمُزَني، فقال: (وتوضَّأ عمر من ماء في حِرِ نصرانية … )، فضحك الناس، فقال أبو بكر: لا تخجل يا بنيَّ،
_________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٥/ ٣٣).
(٢) انظر «لسان الميزان» للحافظ (٧/ ١٦٢).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
стр. 108
فإني سمعت المُزَني يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه»، وقال الحاكم: «سمعت محمد بن إسماعيل البكري يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلس المُزَني يومًا، وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد، فقال السائل: إن الله وصف القتل في كتابه صنفين؛ عمدًا وخطأً، فلمَ قلتم إنه على ثلاثة أصناف وزدتم شبه العمد؟ فذكر الحديث، فقال له: أتحتجُّ بعلي بن زيد بن جدعان، فسكت المُزَني، فقلت لمناظره: قد روى هذا الخبر غير علي بن زيد، فقال: ومن رواه غير علي؟ قلت: أيوب السختياني، وخالد الحذاء، قال لي: فمن عقبة بن أوس، قلت: عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، قد رواه عنه أيضًا محمد بن سيرين مع جلالته، فقال للمُزَني: أنت تناظر أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا» (١).
(ز) محمد بن عاصم، أبو عبدالله الأصبهاني، كاتب القاضي، أخذ عن أصحاب الشافعي، وتُوفِّي سنة تسع وتسعين ومائتين، ورواه عنه الحسن بن محمد بن يزيد بن يحيى، وله في روايته زيادات أقوال للشافعي يرويها عن الربيع بن سليمان.
محمد بن عبدالله بن دليل، الإسكندراني.
محمد بن محمد، أبو بكر، الأزدي، الواسطي، الباغندي، كان كثير الحديث رحل فيه إلى الأمصار البعيدة، وعُنِي به العناية العظيمة، وأخذ عن الحفَّاظ والأئمة، مات في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة لأيام بَقِين من السنة (٢).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١١٢).
(٢) انظر «تاريخ بغداد» للخطيب (٤/ ٣٤٣).
стр. 109
هزوذ بن عقيل بن عمير.
(ز) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو عوانة الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)، صاحب «المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم»، أخذ من أصحاب الشافعي المُزَني والربيع ويونس بن عبدالحكم، ويقال: إنه أول من أدخل مذهب الشافعي إلى إسفرايين، ورواه عنه ابن أخته: أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني (ت ٤٠٠ هـ)، وعنه إجازة البَيْهَقي (١).
أبو العباس البلدي، ولعله إبراهيم بن محمد البلدي، نقل الغزالي في «الوسيط» أنه روى عن المُزَني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي، قال ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٢/ ٢٥٥): «وقد سبق الغزالي إلى هذا النقل أبو عاصم العبادي والقاضي الماوردي وجماعات، والرجل معروف الاسم بين المتقدِّمين، لا ينبغي إنكاره، غير أن ترجمته عزيزة، لم أجدها إلى الآن كما في النفس».
أبو يحيى الهمداني، روى عنه: ابن القاص أبو العباس.
قال عبدالله: لا شكَّ أن رواة «المختصَر» عن المُزَني أكثر ممن ذكرت أو ذكرهم ابن الأكفاني، وإنما الغرض من هذا الفصل إظهار جانب من عناية أهل العلم بالكتاب، وفيما أوردت دليل على ذلك إن شاء الله، فنأتي إلى ذكر جهود العلماء حول الكتاب.
_________
(١) انظر إسناد البَيْهَقي في أول كتابه «الردُّ على الانتقاد على الشافعي في اللغة» (ص: ٣١).
стр. 110
الفصل التاسع في ذكر جهود العلماء حول الكتاب
جُلُّ ما كتب الشافعية من الكتب الفقهية إنما كتبوها بناءً على هذا «المختصَر»، إمَّا بصفة مباشرة أو غير مباشرة، قال ابن خلّكان: «وهو أصل الكتب المصنَّفة في مذهب الشافعي ﵁، وعلى مثاله رتَّبوا، ولكلامه فسَّروا وشرحوا» (١).
وليس من غرضي هنا ذكر ما كتب على أساسه واستفاد منه، فذلك بحر لا ساحل له ومقصد واسع لا ينضبط، وإنما أذكر ما كتب على الكتاب بصفة مباشرة، مما هو وثيق الصلة بالكتاب.
وقد وجدت هذه الكتابات على سبعة أصناف:
الصنف الأول والأهم: الشروح والتعاليق
وهي على ثلاثة أقسام: شروح أُلِّفت على طريقة أصحابنا العراقيين، وأخرى على طريقة الخراسانيين، وشروح متأخِّرة ليست العمدة في الباب،
_________
(١) انظر «وفيات الأعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٢١٧).
стр. 111
وإنما ذكرتها لغرض إبراز بعض الجهود التي قامت حول الكتاب أيام قلَّ الاهتمام به.
ويُلاحَظ أنِّي لم أميِّز الشروح التي تجمع بين طريقة العراقيين والخراسانيين، وذلك لأنها وإن جمعت فلا بد أنها تتبع في الأصل إحدى الطريقتين وتكون هي الغالبة عليها، والحكم للغالب، وليس من هدفنا ولا بمقدورنا بيان تفصيل مناهج المؤلفين.
فأقول:
من شروح «المختصَر» على طريقة العراقيين:
شرح ابن سريج، أبي العباس أحمد بن عمر (ت ٣٠٦ هـ)، الباز الأشهب، شيخ المذهب، والشافعي الثاني، ليس من الأصحاب إلا من هو حائم على معينه، هائم من جوهر بحره بثمينه، تفقَّه على أبي القاسم الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ) تلميذ المُزَني، وكان له عناية فائقة بـ «المختصَر»، وقد عُنِي كثيرًا بتصحيح المذهب فيما اعترض به المُزَني على الشافعي أو أخطأ في نقله، وعنه أنه قال: «يُؤْتَى يوم القيامة بالشافعي وقد تعلَّق بالمُزَني يقول: ربِّ، هذا أفسد علومي، فأقول أنا: مهلًا بأبي إبراهيم، فإني لم أزل في إصلاح ما أفسده» (١)، وقد أشار إلى شرحه على «المختصر» ابن عبدالبَرِّ (٢)، وله كذلك كتاب «الفروق»، قال الإسنوي: «وهو مختصَر مشتمِل على أجوبة عن أسئلة متعلقة بمختصر المُزَني سئل عنها» (٣).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٤٤٥، و ٢٣).
(٢) انظر «الانتقاء» (ص: ١٦٩).
(٣) انظر «المهمات» للإسنوي (١/ ١١٥).
стр. 112
ومنها: شرح أبي إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد (ت ٣٤٠ هـ)، أخذ الفقه عن عبدان المروزي، ثم عن ابن سريج والإصطخري، وانتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وشرحه في نحو ثمانية أجزاء، وعلقه عنه أحمد بن علي بن طاهر الجَوْبَقِيُّ (ت ٣٤٠ هـ) (١).
ومنها: شرح القاضي أبو علي بن أبي هريرة، الحسن بن الحسين (ت ٣٤٥ هـ)، تفقَّه على ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، وعلق عنه تعليقته الشيخ أبو علي الطبري الآتي ذكره قريبًا، ووقف عليه ابن السُّبْكي ونقل عنه، وذكر ابن خلِّكان أن له على «المختصَر» شرحان: مبسوط، ومختصَر في جزء واحد (٢).
ومنها: شرح أبي علي الطبري، الحسن بن القاسم (ت ٣٥٠ هـ)، تفقَّه على أبي علي ابن أبي هريرة، قال الذهبي: «علق (التعليقة) عن أبي علي بن أبي هريرة، وصنَّف الإفصاح في المذهب»، وقال الإسنوي: «وهو شرح على المختصَر، متوسِّط، عزيز الوجود، وقفت عليه» (٣).
ومنها: شرح أبي الحسين الطَّبْسِي، أحمد بن محمد بن سهل (ت ٣٥٨ هـ)، من طَبْسِ بفتح الطاء والباء الموحَّدة وكسر السين المهملة مدينة بين نيسابور وأصفهان وكرمان، من أصحاب أبي إسحاق المروزي، وشرح مختصَر المُزَني في ألف جزء، قال الحاكم: «كنت أقدر أنها أجزاء خفاف،
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٢١)، و «المهمات» للإسنوي (١/ ١١٦)، وانظر النقل عنه في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٣٠٨).
(٢) انظر «المهمات» للإسنوي (١/ ٣٢٥)، «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٢٥٦)، وانظر نقله المشار إليه في ترجمة أبي ثور (٢/ ٧٨).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٦/ ٦٢)، و «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٢٨٠)، و «المهمات» للإسنوي (١/ ٢٥٩).
стр. 113
حتى قصدته وسألته أن يخرج لي منها شيئًا، فأخرج، فإذا هي بخط أدق ما يكون، وفي كل جزء دَسْتَجَةٌ أو قريب منها» (١).
ومنها: شرح القاضي أبي حامد المرْوَرُّوزي، أحمد بن بشر بن عامر العامري (ت ٣٦٢ هـ)، تفقَّه على أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن خيران، وهو من أنجب أصحابهما (٢).
ومنها: شرح القاضي أبي الحسن الجُورِيِّ، علي بن الحسين، أحد الأئمة أصحاب الوجوه، لقي أبا بكر النيسابوري وحدَّث عنه، قال ابن السُّبْكي: «و (الجُور) بضم الجيم ثم الواو الساكنة ثم الراء: بلدة من بلاد فارس»، قال: «ومن تصانيفه كتاب (المرشد في شرح مختصَر المُزَني)، أكثر عنه ابن الرفعة والوالد رحمهما الله النقل، ولم يطلع عليه الرافعي ولا النووي رحمهما الله، وقد أكثر فيه من ذكر أبي علي بن أبي هريرة وأضرابه» (٣).
ومنها: شرح أبي بكر الدقاق، محمد بن محمد بن جعفر البغدادي (ت ٣٩٢) (٤).
ومنها: تعليقة الشيخ أبي حامد، أحمد بن محمد بن أحمد (ت ٤٠٦ هـ)، المشهور بـ «شيخ الطريقة العراقية»، قال النووي: «واعلم أن مدار كُتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد، وهو في نحو خمسين مجلدًا، جمع فيه من
_________
(١) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن قاضي شهبة، و «الدَّسْتَجَة» معرب «الدَّسْتَة»: الحزمة أو الرزمة.
(٢) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٣) وابن قاضي شهبة.
(٣) انظر «الطبقات» لابن الصلاح (٢/ ٦١٤)، وابن السُّبْكي (٣/ ٤٥٧).
(٤) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن قاضي شهبة.
стр. 114
النفائس ما لم يشارك في مجموعه، من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء، وبسط أدلتها، والجواب عنها»، قال: «وأرسل أبو حامد إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار، حتى كان يُخَرِّج منها» (١).
وقد كثر من علق هذه التعليقة عن الشيخ أبي حامد من تلاميذه:
فمنهم: أبو علي البندنيجي، الحسن بن عبيدالله القاضي (ت ٣٢٥ هـ)، أكبر أصحاب الشيخ أبي حامد، وصاحب التعليقة المشهورة عنه المسماة بـ «الجامع»، قال الإسنوي: «وهي جليلة المقدار، قليلة الوجود، وعندي منها نسخة»، وذكر ابن السُّبْكي أنه وقف منها على نسخة بخط سليم الرازي، قال: «وهي الموقوفة بخزانة المدرسة الناصرية» (٢).
ومنهم: أبو الحسن ابن المحاملي، أحمد بن محمد بن أحمد (ت ٤١٥ هـ)، ومن تعليقته أخذ جميع تصانيفه «المجموع» و «التجريد» و «المقنع»، ولمَّا بلغ ذلك الشيخ أبا حامد قال: «بَتَرَ كُتُبي بَتَرَ الله عُمره»، فما عاش بعد ذلك إلا قليلًا (٣).
ومنهم: أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي (ت ٤٤٧ هـ)، اشتغل قبل الفقه بالتفسير والحديث واللغة، ثم سافر إلى بغداد فتفقَّه بها على الشيخ أبي حامد قال: «علقت عن شيخنا أبي حامد جميع التعليقة»، ومن خبره أنه كان في صغره بالرَّيِّ وله نحو من عشر سنين، فحضر بعض الشيوخ وهو يلقن، قال: فقال لي: تقدَّم فاقرأ، فجهدت أن أقرأ الفاتحة فلم أقدر على
_________
(١) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي في ترجمة أبي حامد، وانظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٤٨).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٦٨)، و «المهمات» للإسنوي (١/ ١٦٧).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٤٨)، و «المهمات» للإسنوي (١/ ١١٩).
стр. 115
ذلك لانغلاق لساني، فقال: لك والدة؟ قلت: نعم، قال: قل لها تدعو لك أن يرزقك الله قراءة القرآن والعلم، قلت: نعم، فرجعت فسألتها الدعاء، فدعت لي، ثم إني كبرت ودخلت بغداد، قرأت بها العربية والفقه، ثم عدت إلى الرَّيِّ، فبينا أنا في الجامع أقابل «مختصَر المُزَني»، وإذا الشيخ قد حضر وسلَّم علينا، وهو لا يعرفني، فسمع مقابلتنا وهو لا يعلم ماذا نقول، ثم قال: متى يتعلم مثل هذا؟ فأردت أن أقول: إن كانت لك والدة فقل لها تدعو لك، فاستحييت (١).
ومنهم: أبو نصر أحمد بن عبدالله بن أحمد بن ثابت البخاري (ت ٤٤٧ هـ) (٢).
ومنهم: أبو القاسم منصور بن عمر بن علي البغدادي الكرخي (ت ٤٤٧ هـ) (٣).
ومنهم: القاضي محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمرو، أبو علي بن أبي عمرو الطوسي (ت ٤٥٩ هـ)، لقب بـ «العراقي» لظرافته وطول مقامه ببغداد، وعنه أنه قال: «اختلفت عشر سنين إلى أبي حامد وعلقت عنه جميع المختصر» (٤).
ومن شروح «المختصر» على طريقة العراقيين: «التقريب»، ومصنفه القاسم بن القفال الكبير الشاشي محمد بن علي على الأصحّ، ولا يعرف تاريخ وفاته، و «التقريب» من أجلِّ كتب المذهب في قريب من حجم
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٣٨٨).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٢٥).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٥/ ٣٣٤).
(٤) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ١٢٠).
стр. 116
«العزيز» للرافعي، وبه ازدادت طريقة أهل العراق حسنًا كما قال ابن السُّبْكي (١)، وذكره الإمام أبو بكر البَيْهَقي في «رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني» (ص: ٧١) بعد ما حث على حكاية ألفاظ الشافعي وألفاظ المُزَني وقال: «لم أرَ أحدًا منهم - يعني: المصنفين في نصوص الشافعي ﵁ فيما حكاه أوثق من صاحب التقريب رحمنا الله وإياه، وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكايةً لألفاظ الشافعي ﵀ منه في النصف الآخر، وقد غفل في النصفين جميعًا - مع اجتماع الكتب له أو أكثرها، وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها؛ لئلَّا نجترئ على تخطئة المُزَني في بعض ما نخطِّئه فيه وهو عنه بريء، ولنتخلَّص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا»، وقال الإسنوي: «وهو شرح على المختصَر جليل، استكثر فيه من الأحاديث ومن نصوص الشافعي، بحيث إنه يحافظ في كل مسألة على نقل ما نصَّ عليه الشافعي فيها في جميع كتبه، ناقلًا له باللفظ لا بالمعنى، بحيث يستغني من هو عنده غالبًا عن كتب الشافعي كلها، ولم أرَ في كتب الأصحاب أجلَّ منه، وقد نسبه بعض المتقدِّمين إلى القفال نفسه» (٢).
ومنها: شرح أبي الفتح اليمني، يحيى بن عيسى بن ملامس (ت ٤٢٠ هـ)، جاور في مكة، وشرح «المختصَر» للمُزَني في أربع سنين مقابلًا للكعبة الشريفة، اعتمد فيه على كتب القاضي أبي علي بن أبي هريرة وأبي إسحاق المروزي وأبي علي الطبري، وشرحُه هو المشهور باليمن (٣).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٤٧٢).
(٢) انظر «المهمات» (١/ ١٧٩).
(٣) انظر «طبقات فقهاء اليمن» للجعدي (٩١).
стр. 117
ومنها: تعليقة القاضي أبي الطيب الطبري، طاهر بن عبدالله بن طاهر بن عمر، وُلِد بآمل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة عن مائة وسنتين، لم يختلَّ عقله ولا يتغيَّر فهمه (١).
ومنها: شرحا أبي الحسن الماوردي، علي بن محمد بن حبيب (ت ٤٥٠ هـ)، له: «الكافي» و «الحاوي» (٢).
ومنها: شرح أبي نصر بن الصباغ، عبدالسيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر (ت ٤٧٧ هـ)، تفقَّه على القاضي أبي الطيب، وشرح «المختصَر» في كتاب «الشامل» (٣).
ومنها: شرح أبي المحاسن الروياني، عبدالواحد بن أحمد بن عمر بن الوليد الداراني (ت ٥٠٢ هـ)، صاحب «بحر المذهب»، قال السُّبْكي: «وهو وإن كان من أوسع كتب المذهب إلا أنه عبارة عن حاوي الماوردي مع فروع تلقَّاها الروياني عن أبيه وجده ومسائل أخرى، فهو أكثر من الحاوي فروعًا، وإن كان الحاوي أحسن ترتيبًا، وأوضح تهذيبًا» (٤).
ومنها: شرح فخر الإسلام أبي بكر الشاشي، محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر (ت ٥٠٧ هـ)، تفقه على محمد بن بيان الكازروني وعلى القاضي أبي منصور الطوسي صاحب الشيخ أبي محمد الجويني إلى أن عُزل أبو منصور عن قضاء ميافارقين ورجع إلى طوس، فرحل فخر الإسلام إلى
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٥/ ١٢).
(٢) كتاب «الحاوي» أشهر من أن يُعرَّف به، وانظر النقل عن «الكافي» في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٥/ ٩).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٥/ ١٢٢).
(٤) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٧/ ١٩٣).
стр. 118
العراق قبل وفاة شيخه الكازروني، ودخل بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وعرف به وصار معيد درسه، وتفقَّه بها أيضًا على أبي نصر بن الصباغ، وجدَّ واجتهد حتى صار الإمام المشار إليه، وصنَّف كتاب «الشافي في شرح مختصَر المُزَني» (١).
ومن شروح «المختصَر» على طريقة الخراسانيين:
شرح القفال الصغير، عبدالله بن أحمد بن عبدالله المروزي (ت ٤١٧ هـ)، توجَّه إلى العراق، وتخرَّج على أبي زيد المروزي تلميذ أبي إسحاق، ثم عاد إلى خراسان وأظهر الطريقة الخراسانية في الفقه الشافعي.
ومنها: شرح المسعودي، أبي عبدالله محمد بن عبدالله بن مسعود بن أحمد بن محمد بن مسعود المروزي، أحد أئمة أصحاب القفال المروزي، وتُوُفِّي سنة نيِّف وعشرين وأربعمائة بمرو (٢).
ومنها: شرح أبي بكر المروزي، محمد بن داود بن محمد، المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، وبالداودي أيضًا نسبةً إلى أبيه داود، صاحب أبي بكر القفال، ولا يعرف تاريخ وفاته، وذكره ابن قاضي شهبة في الذين كانوا في العشرين الثانية من المائة الخامسة من طبقاته، وشرحه على المختصَر في جزأين ضخمين يُسَمَّى عند الخراسانيين بـ «طريقة الصيدلاني»، وقد عُني بها إمام الحرمين أيَّما عناية، واطَّلع كل من السُّبْكي والإسنوي على نسخة منه كتبه كاتبه سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وظفر به ابن الرفعة حال شرحه للوسيط فأكثر النقل عنه، قال الإسنوي: «نقل فيه غالب ما
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٦/ ٧٠).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ١٧١).
стр. 119
يتضمَّنه، غير أنه اعتقد أن الداودي شارح المختصَر غير الصيدلاني، وهو شرح جليل عزيز الوجود»، قال: «وحيث نقل الرافعي عن بعض شروح المختصَر وأبهمه فالمراد به شرحه المتقدِّم، فاعلمه فإني قد استقريت ذلك وحرَّرته» (١).
ومنها: شرح السنجي، الحسين بن شعيب بن محمد (ت ٤٣٠ هـ)، من قرية سِنْجْ بكسر السين المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، تفقَّه على شيخ العراقيين الشيخ أبي حامد ببغداد، وعلى شيخ الخراسانيين أبي بكر القفال بمرو، وهو أخص به، وهو والقاضي الحسين أنجب تلامذة القفال، وشرحه على المختصَر هو الذي يسمِّيه إمام الحرمين بـ «المذهب الكبير»، جمع فيه بين طريقتي العراق وخراسان، وهو أول من فعل ذلك (٢).
ومنها: تعليقة القاضي الحسين، أبي علي بن محمد بن أحمد القاضي المروروذي (ت ٤٦٢ هـ)، تفقَّه على القفال المروزي، وذكرنا أنه من أنجب تلامذته (٣)، وللقاضي حسين كتاب «أسرار المعاني» في أسرار الفقه بناه على نصوص الشافعي في كتاب المزني.
ومنها: تعليقة الأستاذ أبي الفرج الزاز، عبدالرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن أحمد بن زاز السرخسي النُّوَيْزي - بالزاي - (ت ٤٩٤ هـ)، إمام أصحابنا بمرو، تفقَّه على القاضي حسين (٤).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ١٤٨)، و «المهمات» للإسنوي (١/ ٢٥٤).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٣٤٤).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٣٥٦).
(٤) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٤/ ٢٥).
стр. 120
ومنها: شرح محيي السنة أبي محمد البغوي، الحسين بن مسعود بن محمد (ت ٥١٦ هـ)، تفقَّه على القاضي الحسين، ومن تعليقته لخص «التهذيب»، وشرحه على «المختصَر» قال فيه ابن قاضي شهبة: «كتاب نفيس أكثر الأذرعي من النقل عنه، ولم يقف عليه الإسنوي» (١).
ومنها: شرح إمام الحرمين أبي المعالي، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله بن حيويه الجويني النيسابوري (ت ٤٧٨ هـ)، صاحب «نهاية المطلب في دراية المذهب» (٢)، ولأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين كتاب «الفروق» رتب فروعه على ترتيب المزني وبناه على نصوصه (٣).
هذه بعض الشروح المشهورة على «المختصَر»، وكلها تعود إلى القرنين الرابع والخامس كما يظهر من وفيات مؤلفيها، وفيه إشارة إلى قلة العناية بالكتاب بعد ذلك، فلم يتسنَّ لي أن أجد من الشروح المتأخرة إلا يسيرًا.
منها: شرح شمس الدين الكناني المعروف بابن عَدْلان، محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم المصري (ت ٧٤٨ هـ)، شرح مختصَر المُزَني شرحًا مطوَّلًا لم يكمله (٤).
ومنها: شرح شمس الدين أبي عبدالله الصرخدي، محمد بن سليمان (ت ٧٩٢ هـ)، صنَّف شرح المختصَر ثلاثة أجزاء، قال ابن قاضي شهبة: «واحترق غالب مصنفاته في الفتنة قبل تبييضها» (٥).
_________
(١) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن قاضي شهبة.
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٥/ ١٦٥).
(٣) انظر «الفروق» للجويني (١/ ٤٥).
(٤) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن قاضي شهبة.
(٥) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن قاضي شهبة.
стр. 121
ومنها: شرح قاضي القضاة شرف الدين المناوي، يحيى بن محمد بن محمد بن محمد، وُلِد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ولازم الشيخ ولي الدين العراقي وتخرَّج به في الفقه والأصول، وتُوفِّي ليلة الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وذكره تلميذه السيوطي في «حسن المحاضرة»، وقال: «وله تصانيف، منها: شرح مختصَر المُزَني»، قال: «وهو آخر علماء الشافعية ومحقِّقيهم».
الصنف الثاني من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: التعقبات على المُزَني
مما يجب أن يلاحظ على كتاب المُزَني أن سبب اهتمام العلماء به هو تقريبه علم الشافعي وفقهه، ومن هنا لم يكن تعقب المُزَني له موضع قبولهم واستحسانهم أبدًا، بل إنهم تتبعوا تعقباته بالردِّ والاعتراض، بل أكثروا عليه أحيانًا فردوا عليه الصواب بالخطأ، والشروح في عامتها تشتمل على هذه التعقبات، ومن أحسنها كتاب «الحاوي» للماوردي، حيث لا يكاد يمرُّ عليه كلام للمُزَني إلا ويعلق عليه بردود الأصحاب الشافعية عليه، وهناك من خصَّ هذا المقصد بالتأليف، أذكر منها:
كتاب «التوسط بين الشافعي والمُزَني»، نقل عنه النووي في «المجموع» (١/ ٥١٥)، وظاهر كلام النووي أن الكتاب لابن سريج، لكن الإسنوي جعله من كتب أبي إسحاق وقال بأنه فيما اعترض به المُزَني في «المختصَر»، قال: «وهو مجلد ضخم يرجح فيه الاعتراض تارة ويدفعه أخرى» (١)، قلت: قد يكون الكتاب لابن سريج تأليفًا، ولأبي إسحاق المروزي تعليقًا، وقد ذكرنا عناية ابن سريج بالانتصاف للشافعي.
_________
(١) ذكره الإسنوي في «المهمات» (١/ ١١٦)، وتبعه في ذلك ابن قاضي شهبة في ترجمة أبي إسحاق المروزي من «الطبقات».
стр. 122
ومنها: كتابا أبي بكر الفارسي، أحمد بن الحسين بن سهل، تفقَّه على ابن سريج، ومات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة، وله: كتاب الانتقاد على المُزَني، وكتاب الخلاف معه (١).
الصنف الثالث من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: شرح الغريب
وهو في الحقيقة شرح غريب لغة الشافعي، لكن أصحابه جعلوا كتاب المُزَني عمدتهم في تتبع الغريب.
وأجلُّ من كتب فيه: أبو منصور الأزهري، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الهروي (ت ٣٧٠ هـ)، صاحب «تهذيب اللغة»، كان إمامًا في اللغة، بصيرًا بالفقه، عارفًا بالمذهب، شديد الانتصار لألفاظ الشافعي، صنَّف كتاب «تفسير حروف المختصَر»، وقال في مقدمته: «أما بعد: فإني لما كثر تصفحي لجوامع آيات التنزيل وما أودعها الله تعالى من البيان الذي لا يستغني عنه عباده، ثم ما درسته من سنن المصطفى ﷺ المبينة جمل تلك الجوامع، ومن آثار صحابته ﵃ وأخبار التابعين لهم بإحسان ما ازددت به بصيرة فيما علمناه من الكتاب .. عطفت على النظر في المؤلفات التي صنَّفها فقهاء أمصار المسلمين من الحجازيين والعراقيين وغيرهم، من الأئمة المتقِنين، وذوي البصائر المميزين، فدرستها، وأخذت حظي من فوائدها، وألفيت أبا عبدالله محمد بن إدريس الشافعي أنار الله برهانه ولقاه رضوانه أثقبهم بصيرة، وأبرعهم بيانًا، وأغزرهم علمًا، وأفصحهم لسًانا، وأجزلهم ألفاظًا، وأوسعهم خاطرًا، فسمعت مبسوط كتبه وأمهات أصوله من بعض مشايخنا، وأقبلت على دراستها دهرًا، واستعنت بما استكثرته من علم اللغة
_________
(١) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٨٤) وابن قاضي شهبة، و «المهمات» (١/ ٢٨١).
стр. 123
على تفهمها، إذ كانت ألفاظه ﵀ عربية محضة، ومن عجمة المولدين مصونة، وقدرت تفسير ما استغرب منها، فعلمت أني إن استقصيت تخريجها كثر حتى يملَّ قارئه، فأعملت رأيي في تفسير ما استغرب منها في الجامع الذي اختصره أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى ﵀ من جميعها، وزادني رغبة فيما أردته حرص طائفة من المتفقِّهة على استفادتها، غير أني لم أقصد بالذي تحرَّيته المبتدئ الريض، دون المرتاض الذي خرجت جوارحه، وأعانه ذكاؤه على معارضة المناظرين، ومحاورة المميزين، بل جعلت لكل منهم فيما كشفته وبيَّنته حظًّا وافيًا، وبيانًا شافيًا، والله المعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه أتوكَّل وإليه أنيب» (١).
وممن كتب في غريب «المختصَر»: أبو سليمان الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي (ت ٣٨٨ هـ)، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي وأبي علي بن أبي هريرة، ونقل ابن السُّبْكي عنه أنه قال في كتابه «تفسير اللغة التي في مختصَر المُزَني» في «باب الشفعة»: «بلغني عن إبراهيم بن السَّرِيّ الزجاج النحوي أنه كان يذهب إلى أن الصاد تُبدل سينًا مع الحروف كلها لقرب مخرجهما، فحضر يومًا عند علي بن عيسى فتذاكرا هذه المسألة واختلفا فيها، وثبت الزجاج على مقالته، فلم يأتِ على ذلك إلا قليل من المدة فاحتاج الزجاج إلى كتاب إلى بعض العمال في العناية، فجاء إلى علي بن عيسى الوزير ينتجز الكتاب، فلما كتب علي بن عيسى صدر الكتاب، وانتهى إلى ذكره كتب: وإبراهيم بن السَّرِيِّ من أخسِّ إخواني، فقال الرجل: أيها الوزير، الله الله في أمري، فقال له علي بن
_________
(١) انظر «الزاهر» (٩٣)، وانظر في تحقيق اسم الكتاب مقدمة المحقق (٥٧)، وانظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٩٣).
стр. 124
عيسى: إنما أردت (أخص)، وهذه لغتك، فأنت أبصر، فإن رجعت، وإلا أنفذت الكتاب بما فيه، فقال: قد رجعت أيها الوزير، فأصلح الحرف، وطوى الكتاب» (١).
وممن كتب في غريب «المختصَر»: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (ت ٣٩٥ هـ)، له كتاب «حلية الفقهاء»، وهو لطيف مختصَر، وعامته يتفق مع كتاب الأزهري، ويظهر أنه أخذه منه.
وممن كتب في الألفاظ المنتقدة على الشافعي في اللغة: الحافظ أبو بكر البَيْهَقي (ت ٤٥٨ هـ)، له كتاب «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة».
وكتاب «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي يتضمن غريب لغة «المختصَر» مع كتب أخرى.
الصنف الرابع من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: كتب تخريج الأحاديث
والكتب المعنية بجمع سنن الشافعي في الجملة يمكن اعتبارها بمثابة تخريج لكتاب المُزَني، ومن أهمها كتاب «معرفة السنن والآثار» للبَيْهَقي (ت ٤٥٨ هـ)، وهو مرتَّب على ترتيب «المختصَر»، شامل لجميع الأحاديث التي فيه والآثار.
وممن كتب في تخريج أحاديث المختصَر: الحافظ أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)، تلميذ المُزَني وصاحب المسند الصحيح الذي خرجه على صحيح مسلم، قال
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٢٩٠).
стр. 125
ابن السُّبْكي: «وقد وقع لنا جزء أخرجه الإمام الجليل أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، فيه ما في مختصَر أبي إبراهيم المُزَني من الأحاديث بالأسانيد، أخبرنا به شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزِّي، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، بدار الحديث الأشرفية، بدمشق، قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن يحيى الكرخي بقراءتي عليه، أخبرنا الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح (ح) قال شيخنا: وأخبرنا أيضًا أبو عبدالله محمد بن عبدالسلام بن أبي عصرون التميمي، وست الأمناء أمينة بنت أبي نصر عبدالرحيم بن محمد بن الحسن بن عساكر، وأبو الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وأبو محمد عبدالواسع بن عبدالكافي الأبهري، بقراءتي عليهم، قالوا: أخبرنا أبو بكر القاسم بن أبي سعد عبدالله بن عمر بن أحمد الصفار، قال ابن الصلاح: سماعًا عليه، وقال الباقون: كتابةً، أخبرنا الإمام أبو منصور عبدالخالق بن زاهر الشحامي، أخبرنا الرئيس أبو عمرو عثمان بن محمد المحمي، أخبرنا أبو نعيم عبدالملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري الإسفراييني قراءة عليه في رجب سنة تسع وتسعين وثلثمائة، أخبرنا خال أمي أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ سنة ست عشرة وثلاثمائة، حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدرى أين باتت يده»، قال ابن السُّبْكي: «هذا أول أحاديث الجزء، وكله سماعًا بهذا السند، وأكثره بمثل هذا الإسناد العظيم، فمن أبي نعيم إلى أبي هريرة كلهم أئمة
стр. 126
أجلاء، ثمانية من السادات علمًا وديًنا وإتقانًا» (١).
وممن كتب فيه: الحافظ أبو بكر النيسابوري، عبدالله بن محمد بن زياد (ت ٣٢٤ هـ)، تلميذ المُزَني، له كتاب «الزيادات على كتاب المُزَني»، وأتى فيه بثلاثة وأربعين وستمائة حديث على حسب ترقيم المحقق، ورتبه على ترتيب «المختصَر» وأبوابه.
وممن كتب فيه: الحافظ الكبير أبو أحمد، عبدالله بن محمد بن عدي بن عبدالله بن محمد بن مبارك الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ)، صاحب كتاب «الكامل»، ألف على مختصَر المُزَني كتابًا سماه «الانتصار»، قال ابن السُّبْكي: «وددت لو وقفت عليه» (٢).
وممن كتب فيه: الحاكم الكبير أبو أحمد، محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي (ت ٣٧٨ هـ)، صنف كتاب «المخرج على كتاب المُزَني» (٣).
الصنف الخامس من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: الاختصار والتهذيب
وذلك بغية التفادي لبعض الأخطاء التي وقع فيها المُزَني، وكذلك محاولة التوصل إلى ترتيب أحسن مما هو عليه، وهذه مقاصد طالما كتب الأئمة في تحقيقها، وإن كنت أرى أن ظهور المختصَرات كان العامل الأكبر في أفول نجم «المختصَر».
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ٩٦).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٣١٦).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٦/ ٣٧٠).
стр. 127
وأول من اختصر المختصَر - حتى بات يعرف به - هو: أبو محمد الجويني، عبدالله بن يوسف بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن حيويه (ت ٤٣٨ هـ)، والد إمام الحرمين، نقَّحه بحذف التطويل والإطناب، وسبيله في الاختصار كما قال في المقدمة: «أن يجمع بين ما فرق المزني من الأبواب والمسائل، ويحذف اعتراضات المزني والمناظرات والمكرَّرات، ويختصر بعض ما بسط من الأدلة، ويجري على ترتيبه في الكتب، ويجيب على الأصح»، وقد شرح هذا المختصر جماعة من الأئمة، منهم: الموفق بن طاهر (ت ٤٩٤ هـ) الذي نقل عنه الرافعي في «العزيز» فأكثر، ومنهم شهاب الدين أبو خلف العِوَضُ بن أحمد الشَّرْواني، ألف كتاب «المعتبر في تعليل المختصر»، ليكون كما قال في مقدمته شرحا لكلمات مختصر الجويني المشكلة، وعللا لمسائله المرسلة، يستعين بها على جودة الضبط، وسهولة الفهم، من غير أن يتصرف فيها بتغيير ترتيب، أو تطويل بزيادة فرع أو قول آخر أو وجه» (١).
واختصر مختصَره: حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي (ت ٥٠٥ هـ)، صنف «خلاصة المختصَر ونقاوة المعتصر»، لخص فيه مختصَر المُزَني على ما فعل أبو محمد الجويني، لكنه زاد عليه الترتيب على طريقة الحصر، ليكون أسهل للحفظ (٢)، وقد ذكر الشرواني شارح مختصر الجويني أن شرحه يكشف ما في كتاب «الخلاصة» للغزالي أيضا، فيمكن اعتبار كتاب «المعتبر» بمثابة الشرح للخلاصة، لكن
_________
(١) بتصرف يسير من مقدمة «مختصر المختصر» للجويني ومقدمة شرحه «المعتبر في تعليل المختصر» للشَّرْواني يسر الله تصحيحهما ونشرهما، وانظر مقدمة كتاب «الخلاصة» للغزالي (ص: ٥٥).
(٢) انظر مقدمة كتاب «الخلاصة» للغزالي (٥٥).
стр. 128
الغزالي في «الخلاصة» تصرف في ترتيب الجويني، فألف أبو الفضائل أحمد بن محمد بن يونس الموصلي كتاب «المُصاصَة في تعليل الخلاصة» ليكون الشرح على ترتيب «الخلاصة» (١).
الصنف السادس من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: النظم، فنظمه أبو رجاء الأسواني، محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان بن أبي مريم (ت ٣٣٥ هـ) (٢).
الصنف السابع من الجهود التي قامت حول «المختصَر»: الترجمة، فذكر القزويني في «آثار البلاد وأخبار العباد» (ص: ٦٠٢) عن مدينة ظاخور قصبة بلاد لكزان الواقعة في داغستان والمدرسة النظامية التي بها، وأنهم نقلوا مختصَر المُزَني إلى لغة اللَّكْزِيَّة، وكذلك كتاب «الأم» للشافعي.
وأخيرًا حاولت في هذا الفصل أن ألقي نظرة عجلى على جهود العلماء حول كتاب المُزَني، وفي كتاب المُزَني مُتَّسَع لأكثر مما ذكرنا، وقد قال الخليلي: «سمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشروطي يقول: سمعت الطحاوي يقول: لا يقوم أحد بكتاب المُزَني، فقد صار بِكرًا لا يفتضّ» (٣)، وقال أبو الوليد: «بلغني عن أبي العباس بن سريج أنه قال: يخرج مختصَر المُزَني من الدنيا عذراء لم تُفتضّ» (٤).
_________
(١) انظر مقدمة «المصاصة» يسر الله تصحيحه وإخراجه.
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٧٠).
(٣) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٣١).
(٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥).
стр. 129
الفصل العاشر في ذكر وجوه النقد الموجَّه للكتاب
أبى الله الكمال إلا لنفسه، وأيّ جهد بشري مهما جلَّ قدره يحمل دليلًا على إنسانية القائم به، فيه النسيان وفيه الخطأ، وفيه الدليل على حدود علمه، والمُزَني وغيره سواء تحت حكم هذه القاعدة، ومن ثم كان من المهم الإلمام بوجوه النقد الموجَّه على المُزَني في كتابه.
ومما ينبغي معرفته قبل الخوض في تفصيل وجوه النقد الموجَّه للمُزَني أن الناقدين له قسمان: فمنهم المتعنِّت الذي يبتغي الشناعة على الكتاب، وقد ذكر الماوردي ممن سلك هذا المسلك من المعترضين: النهرماني والمغربي والقهي وأبا طالب الكاتب وأبا بكر بن داود، قال الماوردي: «اعترض عليه فيها من حساد الفضل من أغراهم التقدم بالمنازعة، وبعثهم الاشتهار على المذمة»، ومنهم المبتغي إكمال مراده بإصلاح أخطائه، وهؤلاء هم جمهور أصحابنا الشافعية ﵃، وجماع القول في تلك الانتقادات أنها على أوجه سبعة:
الوجه الأول: خُلُوّ الكتاب عن خطبته، فقد ثبت في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع»، أو:
стр. 130
«أبتر» (١)، قالوا: إذا كان كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع فلِمَ لم يفتتح المُزَني مختصَره بالحمد؟ بل افتتحه بقوله: «اختصرت هذا من علم الشافعي … » إلى آخر ما ذكره.
والجواب عنه من أوجه أهمّها ثلاثة: أحدها - أن حمد الله تارة يكون خطًّا، وتارة يكون لفظًا، وهو أشبه الأمرين بظاهر الحديث، والمُزَني ترك حمد الله خطًّا، وقد ذكره لفظًا، حتى رُوِي أنه كان يصلي ركعتين عند تصنيف كل باب، والجواب الثاني - أن المراد بحمد الله إنما هو ذكر الله، وقد بدأ بذكر الله في قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، والجواب الثالث - إن دعواكم على أبي إبراهيم أنه لم يبتدئ المختصَر بتسطير الحمد لله ممنوع، بل للمختصَر خطبة موجودة في كثير من الأصول القديمة حكاها الشيخ أبو حامد والماوردي، وهي: «الحمد لله الذي لا شريك له ولا مثل، الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١]».
ويقضي على هذا الاعتراض من أساسه أن خبر رسول الله ﷺ لا يجوز أن يكون بخلاف مخبره، وقد قال: «فهو أبتر»، وكتاب المُزَني أشهر كتاب صُنِّف، وأبدع مختصَر أُلِّف، وأكثرها فائدة وبركة (٢).
الوجه الثاني: إسناده الآيات القرآنية عن الشافعي، ثم تقديمه ذكر الأدلة على مدلولاتها أول الباب، كما قال في أول كتاب الطهارة (ف: ٢): «قال الشافعي: قال الله ﵎: (وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا)
_________
(١) انظر الكلام على الحديث سَنَدًا ومتنًا في أول «الطبقات» لابن السُّبْكي.
(٢) انظر تفصيل القول حول هذا الاعتراض في كتاب «الحاوي» للماوردي (١/ ٨)، و «الطبقات» لابن السُّبْكي (١/ ٢١).
стр. 131
[الفرقان: ٤٨]»، قالوا: أسند المُزَني القرآن عن الشافعي، والقرآن مقطوع به، يستوي فيه الكل، وقالوا: قدم الدليل على المدلول، وهذا خطأ في الموضوع.
أجاب الماوردي عن الأول: بأن المُزَني ﵀ لم يقصد به إسناد القرآن، وإنما أراد إضافة الاستدلال به إلى الشافعي؛ ليعلم الناظر فيه أن المستدل بالآية هو الشافعي، دون المُزَني، وعن الثاني: بأن الدلائل ضربان: ضرب يكون دليلًا على مسألة، فالأولى تأخيره عن المسألة، وضرب يكون دلالة على أصل الباب، فالأولى تقديمه على الباب (١).
وهذا تأصيل لما عُرف بعد في كتب الفقه الشافعي من التمييز بين الآيات والأحاديث الأصول في الباب وسائر أدلة الأحكام، وهي نكتة دقيقة ينبغي العناية بإظهارها والكتابة فيها في المذاهب كلها.
الوجه الثالث: الوهم والخطأ على الشافعي في نقل كلامه، وجعل البَيْهَقي سببه بعض ضعف في سماع المُزَني عن الشافعي فقال: «بلغني أن البُوَيْطي سُئل عن سماع المُزَني من الشافعي فقال: كان صبيًّا ضعيفًا»، قال البَيْهَقي: «فربما وَجَد في كتابِه مسألةً قد سقط منها بعض شرائطها، وهي في رواية حرملة والربيع صحيحة، فنقلها على ما في كتابه ثم أخذ في الطعن عليه»، قال البَيْهَقي: «وكان من سبيله أن ينظر في كتب أصحابه حتى يتبيَّن له خطؤه في الكتابة أو خطأ من كتب كتابه، فيستغني عن الاعتراض» (٢).
وقد كثُر رمي الأصحاب على المُزَني بأوهامه على الشافعي، وأشرت إلى أرقام ما اطلعت عليه منها في قسم الفهارس، لكن يجب الإقرار بأن
_________
(١) انظر «الحاوي» للماوردي (١/ ٣٥).
(٢) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٧).
стр. 132
غالب ذلك غير وارد على المُزَني، وأن الأصحاب قلما يتفقون على توهيمه، ولم أجد في الكتاب كله من ذلك إلا ثلاثة مواضع، هذه أرقام فقراتها: (٢٢٢٣، و ٢٤٢٥، و ٣٦٤١).
ثم لا يتوهّم أن ما ذكر من أوهام المُزَني تحطُّ من منزلته بين رواة علم الشافعي ونَقَلة مذهبه، كيف وقد قال الغزالي بأنه «في غمار نقلة المذهب عين القلادة، بل سيِّد السادة، تميز من بين سائر نقلة المذهب والحفاظ بالجمع بين سبك المعاني ونقل الألفاظ» (١).
الوجه الرابع: عدم استقراء جميع ما تفرق من كلام الشافعي، والشافعي واسع العلم كثير الكتب، وجمع جميع ذلك قلما يتفق لأحد، فقد يكون الشافعي كما قال البَيْهَقي «ذكر مسألة في موضعين، اختصرها في أحدهما، وذكرها مستوفاة شرائطها في الموضع الآخر، فنقلها المُزَني مختصَرة، ثم اشتغل بالاعتراض عليه»، قال البَيْهَقي: «ولو نقلها من الموضع الآخر مقيَّدة بشرائطها استغنى عن الاعتراض» (٢).
وقد ذكر الماوردي قولًا للشافعي نقله عن «كتاب الإقرار بالحكم الظاهر» ثم قال: «وهذا كتاب لم يَنقل المُزَني منه شيئًا» (٣)، ونقل المُزَني (ف: ٨٢٩) عن «مختصَر الحج» للشافعي، فنبَّه الروياني أنه المختصَر الأوسط، وليس المختصَر الصغير (٤).
الوجه الخامس: اختلال ترتيب الشافعي، قال البَيْهَقي: «كل كتاب صنَّفه الشافعي ورتب له ترتيبًا حسنًا ترك المُزَني ترتيبه وقدم وأخَّر، كالجمعة
_________
(١) انظر «الخلاصة» للغزالي (٥٥).
(٢) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٧).
(٣) انظر «الحاوي» (٧/ ٣٤)، وانظر «المختصَر» (الفقرة: ١٤٨٤).
(٤) انظر «البحر» للروياني (٣/ ٣٩٢).
стр. 133
والجنائز وغيرهما» (١)، وقد قال الروياني في بعض ذلك: «ومن أصحابنا من يغيِّر نسخة (المختصَر)، فيقدم ما أخَّر المُزَني ويؤخِّر ما قدَّمه لتكون المسائل على الترتيب، والصواب أن يترك تصنيف المُزَني على ما أملاه وصنَّفه» (٢).
ومن أمثلته باب دخول مكة (ب ١٠٣)، قال إمام الحرمين: «لم يرعَ ترتيب مسائل الحج كما ينبغي، بل أتى بها إتيانًا يُشعر بقصد التشويش» (٣).
الوجه السادس: الاختصار المخلّ والإلغاز، ومن أمثلته قول المُزَني (ف: ٢٢٧٣): «ولو قالتْ له: «اخْلَعْنِي على ألْفٍ» .. كانتْ له الألْفُ ما لم يَتَناكَرا»، فعلَّق عليه إمام الحرمين فقال: «هذه لفظة مبهمةٌ يُلغَز بأمثالها، وما كان من حق المُزَني أن يودعها كذلك في السواد؛ فإن التصانيف إن بُنيت على البسط، اتسع فيها الكلام تكريرًا وتقريرًا وتحريرًا، وإن بُنيت على الإيجاز اعتمد الموجِز أقصر لفظةٍ عن المعنى المطلوب، وجعلها ناصَّةً عليه من غير قصور ولا ازدياد، وهو الكلام البليغ، فأمَّا التعبير عن المعاني المشكلة بالمجملات فغير ذلك أجمل بالمُزَني» (٤).
وقال المُزَني (ف: ١٢٩٠): «وجملةُ قولِه في اخْتِلافِ الراهِنِ والمرتهنِ أنَّ القولَ قولُ الراهنِ في الحقِّ، والقولُ قولُ المرتهنِ في الرهنِ، فيما يُشْبِهُ ولا يُشْبِهُ، ويُحَلَّفُ كلُّ واحدٍ منهما على دَعْوَى صاحبِه»، فقال إمام الحرمين: «أراد المُزَني أن يضبط الصور التي يُصَدَّقُ فيها الراهن، والمسائل التي يُصَدَّقُ فيها المرتهن، فأتى بقول مبهمٍ لا يفهم، وأجرى كلامًا ظاهره
_________
(١) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٢) انظر «البحر» (٥/ ٢٢٥)، وانظر أمثلة هذا النوع من الانتقاد «المختصَر» (الفقرتين: ٥٣٩ و ١٢٣٦).
(٣) انظر «النهاية» (٤/ ٣٠٦).
(٤) انظر «النهاية» (١٣/ ٣٤٩).
стр. 134
الفساد، ولا يجوز أن يشكل عليه وجه الحق فيه، فاجتمع أمران: أحدهما - أنه لم يُنتفَعْ بضبطه، والآخر- أنا نحتاج إلى تأويل اللفظ» (١).
وقد يكون سبب الإلغاز جمعه بين سياقين مختلفين للشافعي، قال البَيْهَقي: «قد يذكر الشافعي مسألة في موضعين بعبارتين، فينقل المُزَني تلك المسألة بعضها بعبارته في أحد الموضعين، والباقي بعبارته في الموضع الآخر، كيلا يهتدى إلى كيفية نقله»، قال: «ولو نقلها على ترتيبه فيما رتبه وعلى عبارته في أحد الموضعين كان أحسن وأبين» (٢).
الوجه السابع: تعقُّباته على الشافعي في اختياراته، فكون المُزَني ردَّ على الشافعي وهو الإمام المقلَّد صاحب المذهب الذي يتبعه الأصحاب جعلهم يردون على المُزَني ويتعقَّبونه، وقد أخرج البَيْهَقي بسنده عن أبي عبدالله الهروي قال: «سمعت أبا زُرعة الدمشقي وقلت له: ما أكثر حمل المُزَني على الشافعي، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: ما أكثر ظلمه للشافعي»، قال البَيْهَقي: «وما أحسن ما قال» (٣)، وعن سعيد بن عمرو البردعي الحافظ قال: «لما رجعت إلى مصر وأردت الخروج إلى خراسان أقمت ثانيًا عند أبي زرعة الحافظ، فعرضت عليه كتاب المُزَني، فكلما قرأت عليه مما خالف الشافعي جعل أبو زرعة يبتسم ويقول: لم يعمل صاحبك شيئًا في اختياره لنفسه، لا يمكنه الانفصال فيما ادعى» (٤).
وإذا نظرنا في حقيقة تعقبات الأصحاب الموجهة للمُزَني في تعقباته على الشافعي سنجدها على نوعين: أحدهما - واردة على فهم المُزَني
_________
(١) انظر «النهاية» (٦/ ٢٣٢).
(٢) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٣) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٧).
(٤) أخرجه الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠).
стр. 135
لكلام الشافعي، والثاني - على اختياره ما يخالف قول الشافعي، وكلاهما محل نظر واجتهاد، لا ينقض بعض ذلك ببعض، وتعقبات المُزَني على الشافعي لم تكن أبدًا نكرانًا لجميله ولا كفرانًا بفضله، وإنما تحيزًا للحق حيث رآه، والحق أحق أن يُتَّبع، ولا شك أن المُزَني أعرف الناس بالشافعي فقهه ولغته ومراده، وقد يقول في كتابه (ف: ١١٣٦): «يُشْبِهُ أن يَكُونَ أراد الشافعيُّ لمعْرِفَتِي بلُطْفِه … »، وحكى التاج السُّبْكي عن والده الشيخ الإمام التقي أنه قال: «لا يَعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته، وخالطه مع ذلك، قال: وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو»، قال التاج: «وكان يقول لنا أيضًا: لا يقدِّر أحد النبي ﷺ حقَّ قدره إلا الله تعالى، وإنما يعرف كل واحد من مقداره بقدر ما عنده هو، قال: فأعرف الأمة بقدره أبو بكر الصديق ﵁؛ لأنه أفضل الأمة، قال: وإنما يعرف أبو بكر من مقدار المصطفى ﷺ ما تصل إليه قوى أبي بكر، وثَمَّ أمور تقصر عنها قواه لم يحطّ بها علمه، ومحيط بها علم الله»، قال التاج: «وكان يقول لنا: لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المُزَني، قال: وإنما يعرف المُزَني من قدر الشافعي بمقدار قوى المُزَني، والزائد عليها من قوى الشافعي لم يدركه المُزَني» (١).
فهذه جماع الانتقادات الموجهة إلى المُزَني في كتابه، وليس أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، والمُزَني واحد من أهل العلم، وفوق كل ذي علم عليم، قال البَيْهَقي: «والذي راعى المُزَني من حق الشافعي في جمع ما تفرق من كلامه، واختصار ما بسط من قوله، وتقريبه على من أراده، وتسهيله على من قصده، من أهل الشرق والغرب .. أكثر، وفائدته أعم وأظهر،
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٦/ ٢٠٢).
стр. 136
فلا أعلم كتابًا صنِّف في الإسلام أعظم نفعًا وأعم بركة وأكثر ثمرة من كتابه، وكيف لا يكون كذلك واعتقاده في دين الله تعالى، ثم اجتهاده في عبادة الله تعالى، ثم في جمع هذا الكتاب، ثم اعتقاد الشافعي في تصنيفه للكتب؟!» (١)، يشير باعتقاد الشافعي إلى قوله: «بِوُدِّي أنَّ جَميع الخَلْق تعلَّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليَّ شيءٌ منه».
قلت: مجموع ما وُجِّه إلى المُزَني من الانتقادات قليل قليل بالمقارنة مع ما ألف وأحسن، وقد ذكروا عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه انصرف يومًا من الصلاة، فمرَّ بدار إسحاق الموصلي، فقالوا له: يا أبا عبيد، صاحب هذه الدار يقول: إن في كتابك «غريب المصنف» ألف حرف خطأ، فقال: كتاب فيه أكثر من مائة ألف يقع فيه ألف ليس بكثير، ولعل إسحاق عنده رواية وعندنا رواية، فلم يعلم، فخطأنا، والروايتان صواب، ولعله أخطأ في حروف وأخطأنا في حروف، فيبقى الخطأ يسيرًا (٢).
_________
(١) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٢) انظر «تاريخ بغداد» للخطيب (١٢/ ٤١٣).
стр. 137
ا لمقدمة الثالثة في
ثبت مؤلفات الشافعي وكتب نصوصه
стр. 138
ذكرنا أن عمدة المُزَني الأكبر في مختصَره استقراء كتب الشافعي ونصوصه، فكان لا بد من الإلمام بمعرفة مؤلفات الشافعي، وهي كثيرة ومتشعِّبة الفروع، وتحقيق القول الجازم فيها متعسِّر بل متعذِّر، لكني رأيت ألا أخلي هذه الدراسات من تقييد القول القريب فيها، مع الإقرار بالنقص والعجز عن إعطاء البحث حقه، وقد يقدر الله ما يشاء من فضله فيكون لي عودة إلى هذا البحث بالتمحيص والتدقيق مع المقارنة بحقيقة ما عليه كتبه في مخطوطاتها المتوفرة إن شاء الله.
والكلام في هذا القسم في فصلين:
الفصل الأول - في ذكر المنقول من أثبات كتب الشافعي.
والفصل الثاني - في ذكر المحرّر من ثبت كتب الشافعي.
стр. 139
الفصل الأول في ذكر المنقول من أثبات كتب الشافعي
وهي أثبات ثلاثةٍ عنوا بذكر مؤلفات الشافعي أوردها على ما هي عليه في كتبهم في مناقب الشافعي:
الثبت الأول للجَعْبَري (ت ٧٣٢ هـ):
فذكر إبراهيم بن عمر الربعي الجَعْبَري في كتابه «مواهب الوافي بمناقب الشافعي»، حيث عقد «الباب الثامن في عدد ما ظهر واشتهر من تصانيفه المدونة في الأحكام»، وقال ﵀ فيه (١):
«روينا عن الربيع بن سليمان قال: هذا أسماء ما اشتهر من كتب الشافعي ﵁: كتاب الطهارة، كتاب المني، كتاب استقبال القبلة، كتاب الإمامة، كتاب إيجاب الجمعة، كتاب صلاة العيدين، كتاب صلاة الكسوف، كتاب صلاة الاستسقاء، كتاب صلاة الجنائز، كتاب الحكم في تارك الصلاة، كتاب الصلاة الواجبة، والتطوع، والصيام، كتاب الزكاة
_________
(١) انظر الكتاب (ص: ١٣٩ - ١٤٢) في طبعته الباكستانية بتحقيق حافظ حامد محمود الخضري، وفيها بعض أخطاء صححتها بمراجعة مخطوطته (١٠ - ١٢).
стр. 140
الكبير، كتاب زكاة الفطر، كتاب زكاة مال اليتيم، كتاب الصيام الكبير، كتاب المناسك الكبير، كتاب المناسك الأوسط، كتاب مختصَر المناسك، كتاب الصيد والذبائح، كتاب البيوع الكبير، كتاب الصرف والتجارة، كتاب الرهن الكبير، كتاب الرهن الصغير، كتاب الرسالة، كتاب أحكام القرآن، كتاب اختلاف الحديث، كتاب جماع العلم، كتاب اليمين مع الشاهد، كتاب الشهادات، كتاب الإجارات الكبير، كتاب ذكر الإبل والرواحل، كتاب الإجارات إملاء، كتاب اختلاف الأجير والمستأجر، كتاب الدعوى والبينات، كتاب الإقرار والمواهب، كتاب ردّ المواريث، كتاب فرض الله تعالى، كتاب صفة نهي النبي ﷺ ، كتاب المزارعة، كتاب المساقاة، كتاب الوصايا بالعتق، كتاب الوصية للوارث، كتاب صدقة الحي عن الميت، كتاب المكاتب، كتاب وصية الحامل، كتاب عتق أمهات الأولاد، كتاب المدبر، كتاب الولاء والحلف، كتاب التعريض بالخطبة، كتاب الجناية على أم الولد، كتاب عشرة النساء، كتاب تحريم ما يجمع من النساء، كتاب الشغار، كتاب إباحة الطلاق، كتاب العدة، كتاب الإيلاء، كتاب الخلع والنشوز والرضاع، كتاب الاستبراء، كتاب الظهار، كتاب اللعان، كتاب أدب القاضي، كتاب الشروط، كتاب اختلاف العراقيين، كتاب خلاف أهل العراق علي وعبدالله، كتاب سير الأوزاعي، كتاب الغصب، كتاب الاستحقاق، كتاب الأقضية، كتاب إقرار أحد الابنين بأخ، كتاب الصلح، كتاب قتال أهل البغي، كتاب الأسارى والغلول، كتاب القسامة، كتاب الجزية، كتاب السرقة والقطع، كتاب الحدود، كتاب المرتد الكبير، كتاب المرتد الصغير، كتاب الساحر والساحرة، كتاب القراض، كتاب الأيمان والنذور، كتاب الأشربة، كتاب الوديعة، كتاب العمرى، كتاب بيع
стр. 141
المصاحف، كتاب خطأ الطبيب، كتاب جناية معلم الكتاب، كتاب جناية البيطار والحجام، كتاب اصطدام الفارسين والنفسين، كتاب بلوغ الرشيد، كتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، كتاب صفة البغي، كتاب فضائل قريش وبني هاشم والأنصار، كتاب الوليمة، كتاب صول الفحل، كتاب الضحايا، كتاب البحيرة والسائبة، كتاب قسم الصدقات، كتاب الاعتكاف، كتاب الشفعة، كتاب السبق والرمي، كتاب الرجعة، كتاب اللقيط والمنبوذ، كتاب الحوالة والكفالة، كتاب كراء الأرض، كتاب التفليس، كتاب اللقطة».
قال الجعبري: «فهذه الكتب التي يرويها محمد بن صالح عن الربيع: كتاب فرض الصدقة، كتاب قسم الفيء، كتاب القرعة، كتاب صلاة الخوف، كتاب الديات، كتاب الجهاد، كتاب جراح العمد، كتاب الخرص، كتاب العتق، كتاب الأولياء، كتاب إبطال الاستحسان، كتاب العقول، كتاب الردّ على محمد بن الحسن، كتاب سير الواقدي، كتاب اختلاف مالك والشافعي، كتاب حبل الحبلة، كتاب قطاع الطريق.
قال محمد بن صالح: والتي لم يَروِها الربيع عنه: كتاب الوصايا الكبير، كتاب جماع العلم، كتاب خلاف أهل العراق علي وعبدالله.
وزاد عبدالملك البغوي عليهما: كتاب ديات الخطايا، كتاب قتال المشركين، كتاب الإقرار بالحكم الظاهر، كتاب مسألة الجنين، كتاب الأحباس، كتاب فرض اتباع النبي ﷺ ، كتاب ذبح بني إسرائيل، كتاب غسل الميت، كتاب ما ينجس الماء مما يخالطه، كتاب الأمالي في الطلاق، كتاب مختصَر البُوَيْطي، كتاب وصية الشافعي ﵁.
وأعمها في القديم: كتاب الحجة، وفي الجديد: كتاب الأم».
стр. 142
قال عبدالله: يلاحَظ أن النص تضمَّن ذكر ثبت الربيع بن سليمان أولًا، ثم زيادة تلميذه محمد بن صالح عليه، ثم زيادة البغوي، وهذه أثبات قيمة قديمة يصحُّ الاعتماد عليها.
الثبت الثاني لابن غانم (توفي قبل سنة: ٤١٣ هـ):
فذكر أبو القاسم عبدالمحسن بن عثمان بن غانم في مناقبه للشافعي، حيث عقد بابًا في ذكر ما صنَّفه من كتبه الدالة على علمه ومذهبه (١)، وقال ﵀ فيه: «فمن ذلك [يعني: مما هو الآن موجود غير معدوم ولا مفقود]: الكتاب المبسوط، وكتاب الأم، وكتاب الزعفراني، كتاب اختلاف الصحابة، وكتاب تفسير البحيرة والسائبة، وكتاب الرسالة في أحكام القرآن، وكتاب الرسالة في أحكام السنة، وكتاب اختلاف القرآن، وكتاب نهي النبي ﷺ ، وكتاب إجماع العلماء [كذا]، وكتاب بيان فرض الله تعالى، وكتاب اختلاف الحديث، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب السنن، وكتاب فضائل قريش وبني هاشم.
وصنَّف الكتب المصرية في كل باب من الأبواب الفقهية، روي عن بحر بن نصر الخولاني أنه صنف بمصر في مدة أربع سنين في كل باب كتابًا مجردًا بنفسه، منها: كتاب الطهارة، وكتاب التيمم، وكتاب الحيض، وكتاب المسح على الخفين، وكتاب الأذان، وكتاب في النية، وكتاب استقبال القبلة، وكتاب الأوقات، وكتاب صفة الإمام، وكتاب الجمعة، وكتاب العيدين، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب الكسوف، وكتاب الاستسقاء، وكتاب الجنائز، وكتاب صلاة التطوع، وكتاب الزكاة، وكتاب
_________
(١) اعتمدت فيه على مخطوطته يسَّر الله إخراجها ونشرها، ولا أعلم الكتاب طبع بعد.
стр. 143
الصيام، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الجهاد، وكتاب الحج: المناسك الكبير والأوسط والمختصَر، وكتاب البيوع، وكتاب الصرف والتجارة، وكتاب الرهن الكبير والصغير، وكتاب القراض، وكتاب الشهادات، وكتاب الهبات، وكتاب الإقرار، وكتاب الصدقات، وكتاب العمرى، وكتاب الولاء، وكتاب العتق، وكتاب المدبر، وكتاب المكاتب، وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق، وكتاب الظهار، وكتاب الإيلاء، وكتاب عشرة النساء، وكتاب النشوز، وكتاب العدد، وكتاب النفقات، وكتاب الرضاع، وكتاب الفرائض، وكتاب الدعاوى والبينات، وكتاب اليمين مع الشاهد، وكتاب الشروط، وكتاب الأقضية، وكتاب العارية، وكتاب الوديعة، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب قسم الفيء، وكتاب الصلح، وكتاب حكم الساحر والساحرة، وكتاب كراء الإبل والرواحل، وكتاب المزارعة، وكتاب المساقاة، وكتاب الوصايا، وكتاب صدقة الحي عن الميت، وكتاب أم الولد، وكتاب الجنايات، وكتاب الحلف، وكتاب الشغار، وكتاب الاستبراء، وكتاب المني، وكتاب الأسر، وكتاب أدب القاضي، وكتاب الضحايا، وكتاب العقيقة، وكتاب التفليس، وكتاب اللقطة، وكتاب اللقيط، وكتاب المنبوذ، وكتاب القسامة، وكتاب الحدود، وكتاب القطع والسرقة، وكتاب الأسارى والغلول، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب الجزية، وكتاب الغصب، وكتاب اللعان، وكتاب المرتد الكبير والصغير، وكتاب إقرار أحد الورثة، وكتاب بيع المصاحف، وكتاب خطأ الطبيب، وكتاب البيطار والحجام، وكتاب جناية معلم الكتاب، وكتاب اصطدام المركبين والفارسين، وكتاب البلوغ والرشد، وكتاب الحجر، وكتاب الاستحقاق، وكتاب الوليمة، وكتاب صول الفحل، وكتاب الحوالة، وكتاب الضمان والكفالة، وكتاب الإقالة، وكتاب الشركة، وكتاب الشفعة، وكتاب السبق
стр. 144
والرمي، وكتاب الرجعة، وكتاب الديات، وكتاب القرعة، وكتاب جراح العمد، وكتاب كراء الأرض، وكتاب القسمة، وكتاب المحاربين، وكتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، وكتاب الحبس، وكتاب العطايا، وكتاب إحياء الموات، وكتاب المواريث، وكتاب الأنفال، وكتاب تفريق الخمس، وكتاب الكفارات، وكتاب القصاص، وكتاب العفو».
قال عبدالله: ويلاحَظ أنه ذكر ثبتًا لنفسه، ونقل ثبت بحر بن نصر الخولاني صاحب الشافعي، فهو ثبت عالٍ ينبغي أن يكون أصلًا معتمدًا.
الثبت الثالث للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ):
فذكر أبو بكر البَيْهَقي في مناقبه، حيث عقد بابًا مطولًا في «ذكر عدد ما وصل إلينا من مصنفات الشافعي ﵀» (١)، وقال ﵀ فيه:
«له كتب مصنفة في أصول الفقه ثم في فروعه.
فمن الكتب التي تجمع الأصول وتدل على الفروع: كتاب الرسالة القديمة، كتاب الرسالة الجديدة، كتاب اختلاف الأحاديث، كتاب جماع العلم، كتاب إبطال الاستحسان، كتاب أحكام القرآن، كتاب بيان فرض الله ، كتاب صفة الأمر والنهي، كتاب اختلاف مالك والشافعي، كتاب اختلاف العراقيِّين، كتاب الردّ على محمد بن الحسن، كتاب عليّ وعبدالله، كتاب فضائل قريش.
ومن الكتب التي هي مصنَّفة في الفروع وهي التي تعرف بـ (الأم):
في الطهارات: كتاب الوضوء، والتيمم، والطهارة، ومسألة المني، وكتاب الحيض.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (١/ ٢٤٦ - ٢٥٩).
стр. 145
وفي الصلوات: كتاب استقبال القبلة، كتاب الإمامة، كتاب الجمعة، كتاب صلاة الخوف، كتاب صلاة العيدين، كتاب الخسوف، كتاب الاستسقاء، كتاب صلاة التطوع، الحكم في تارك الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب غسل الميت.
في الزكوات: كتاب الزكاة، كتاب زكاة مال اليتيم، كتاب زكاة الفطر، كتاب فرض الزكاة، كتاب قسم الصدقات.
وفي الصيام: كتاب الصيام الكبير، كتاب صوم التطوع، كتاب الاعتكاف.
وفي الحج: كتاب المناسك الكبير، مختصَر الحج الأوسط، مختصَر الحج الصغير.
وفي المعاملات: كتاب البيوع، كتاب الصَّرْف، كتاب السَّلَم، كتاب الرهن الكبير، كتاب الرهن الصغير، كتاب التَّفْلِيس، كتاب الحجر وبلوغ الرشد، كتاب الصلح، كتاب الاستحقاق، كتاب الحمالة والكفالة والحوالة والوكالة والشركة، كتاب الإقرار والمواهب، كتاب الإقرار بالحكم الظاهر، كتاب إقرار الأخ بأخيه، كتاب العارية، كتاب الغصب، كتاب الشفعة.
وفي الإجارات: كتاب الإجارة، الأوسط في الإجارة، كتاب الكراء والإجارات، اختلاف الأجير والمستأجر، كتاب كراء الأرض، كراء الدواب، كتاب المزارعة، كتاب المساقاة، كتاب القراض، كتاب عمارة الأرضين وإحياء الموات.
وفي العطايا: كتاب المواهب، كتاب الأحباس، كتاب العُمْرَى والرُّقْبَى.
следующие страницы →