Полный текст (1 788 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المصاحف، كتاب خطأ الطبيب، كتاب جناية معلم الكتاب، كتاب جناية البيطار والحجام، كتاب اصطدام الفارسين والنفسين، كتاب بلوغ الرشيد، كتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، كتاب صفة البغي، كتاب فضائل قريش وبني هاشم والأنصار، كتاب الوليمة، كتاب صول الفحل، كتاب الضحايا، كتاب البحيرة والسائبة، كتاب قسم الصدقات، كتاب الاعتكاف، كتاب الشفعة، كتاب السبق والرمي، كتاب الرجعة، كتاب اللقيط والمنبوذ، كتاب الحوالة والكفالة، كتاب كراء الأرض، كتاب التفليس، كتاب اللقطة».
قال الجعبري: «فهذه الكتب التي يرويها محمد بن صالح عن الربيع: كتاب فرض الصدقة، كتاب قسم الفيء، كتاب القرعة، كتاب صلاة الخوف، كتاب الديات، كتاب الجهاد، كتاب جراح العمد، كتاب الخرص، كتاب العتق، كتاب الأولياء، كتاب إبطال الاستحسان، كتاب العقول، كتاب الردّ على محمد بن الحسن، كتاب سير الواقدي، كتاب اختلاف مالك والشافعي، كتاب حبل الحبلة، كتاب قطاع الطريق.
قال محمد بن صالح: والتي لم يَروِها الربيع عنه: كتاب الوصايا الكبير، كتاب جماع العلم، كتاب خلاف أهل العراق علي وعبدالله.
وزاد عبدالملك البغوي عليهما: كتاب ديات الخطايا، كتاب قتال المشركين، كتاب الإقرار بالحكم الظاهر، كتاب مسألة الجنين، كتاب الأحباس، كتاب فرض اتباع النبي ﷺ ، كتاب ذبح بني إسرائيل، كتاب غسل الميت، كتاب ما ينجس الماء مما يخالطه، كتاب الأمالي في الطلاق، كتاب مختصَر البُوَيْطي، كتاب وصية الشافعي ﵁.
وأعمها في القديم: كتاب الحجة، وفي الجديد: كتاب الأم».
стр. 142
قال عبدالله: يلاحَظ أن النص تضمَّن ذكر ثبت الربيع بن سليمان أولًا، ثم زيادة تلميذه محمد بن صالح عليه، ثم زيادة البغوي، وهذه أثبات قيمة قديمة يصحُّ الاعتماد عليها.
الثبت الثاني لابن غانم (توفي قبل سنة: ٤١٣ هـ):
فذكر أبو القاسم عبدالمحسن بن عثمان بن غانم في مناقبه للشافعي، حيث عقد بابًا في ذكر ما صنَّفه من كتبه الدالة على علمه ومذهبه (١)، وقال ﵀ فيه: «فمن ذلك [يعني: مما هو الآن موجود غير معدوم ولا مفقود]: الكتاب المبسوط، وكتاب الأم، وكتاب الزعفراني، كتاب اختلاف الصحابة، وكتاب تفسير البحيرة والسائبة، وكتاب الرسالة في أحكام القرآن، وكتاب الرسالة في أحكام السنة، وكتاب اختلاف القرآن، وكتاب نهي النبي ﷺ ، وكتاب إجماع العلماء [كذا]، وكتاب بيان فرض الله تعالى، وكتاب اختلاف الحديث، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب السنن، وكتاب فضائل قريش وبني هاشم.
وصنَّف الكتب المصرية في كل باب من الأبواب الفقهية، روي عن بحر بن نصر الخولاني أنه صنف بمصر في مدة أربع سنين في كل باب كتابًا مجردًا بنفسه، منها: كتاب الطهارة، وكتاب التيمم، وكتاب الحيض، وكتاب المسح على الخفين، وكتاب الأذان، وكتاب في النية، وكتاب استقبال القبلة، وكتاب الأوقات، وكتاب صفة الإمام، وكتاب الجمعة، وكتاب العيدين، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب الكسوف، وكتاب الاستسقاء، وكتاب الجنائز، وكتاب صلاة التطوع، وكتاب الزكاة، وكتاب
_________
(١) اعتمدت فيه على مخطوطته يسَّر الله إخراجها ونشرها، ولا أعلم الكتاب طبع بعد.
стр. 143
الصيام، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الجهاد، وكتاب الحج: المناسك الكبير والأوسط والمختصَر، وكتاب البيوع، وكتاب الصرف والتجارة، وكتاب الرهن الكبير والصغير، وكتاب القراض، وكتاب الشهادات، وكتاب الهبات، وكتاب الإقرار، وكتاب الصدقات، وكتاب العمرى، وكتاب الولاء، وكتاب العتق، وكتاب المدبر، وكتاب المكاتب، وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق، وكتاب الظهار، وكتاب الإيلاء، وكتاب عشرة النساء، وكتاب النشوز، وكتاب العدد، وكتاب النفقات، وكتاب الرضاع، وكتاب الفرائض، وكتاب الدعاوى والبينات، وكتاب اليمين مع الشاهد، وكتاب الشروط، وكتاب الأقضية، وكتاب العارية، وكتاب الوديعة، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب قسم الفيء، وكتاب الصلح، وكتاب حكم الساحر والساحرة، وكتاب كراء الإبل والرواحل، وكتاب المزارعة، وكتاب المساقاة، وكتاب الوصايا، وكتاب صدقة الحي عن الميت، وكتاب أم الولد، وكتاب الجنايات، وكتاب الحلف، وكتاب الشغار، وكتاب الاستبراء، وكتاب المني، وكتاب الأسر، وكتاب أدب القاضي، وكتاب الضحايا، وكتاب العقيقة، وكتاب التفليس، وكتاب اللقطة، وكتاب اللقيط، وكتاب المنبوذ، وكتاب القسامة، وكتاب الحدود، وكتاب القطع والسرقة، وكتاب الأسارى والغلول، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب الجزية، وكتاب الغصب، وكتاب اللعان، وكتاب المرتد الكبير والصغير، وكتاب إقرار أحد الورثة، وكتاب بيع المصاحف، وكتاب خطأ الطبيب، وكتاب البيطار والحجام، وكتاب جناية معلم الكتاب، وكتاب اصطدام المركبين والفارسين، وكتاب البلوغ والرشد، وكتاب الحجر، وكتاب الاستحقاق، وكتاب الوليمة، وكتاب صول الفحل، وكتاب الحوالة، وكتاب الضمان والكفالة، وكتاب الإقالة، وكتاب الشركة، وكتاب الشفعة، وكتاب السبق
стр. 144
والرمي، وكتاب الرجعة، وكتاب الديات، وكتاب القرعة، وكتاب جراح العمد، وكتاب كراء الأرض، وكتاب القسمة، وكتاب المحاربين، وكتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، وكتاب الحبس، وكتاب العطايا، وكتاب إحياء الموات، وكتاب المواريث، وكتاب الأنفال، وكتاب تفريق الخمس، وكتاب الكفارات، وكتاب القصاص، وكتاب العفو».
قال عبدالله: ويلاحَظ أنه ذكر ثبتًا لنفسه، ونقل ثبت بحر بن نصر الخولاني صاحب الشافعي، فهو ثبت عالٍ ينبغي أن يكون أصلًا معتمدًا.
الثبت الثالث للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ):
فذكر أبو بكر البَيْهَقي في مناقبه، حيث عقد بابًا مطولًا في «ذكر عدد ما وصل إلينا من مصنفات الشافعي ﵀» (١)، وقال ﵀ فيه:
«له كتب مصنفة في أصول الفقه ثم في فروعه.
فمن الكتب التي تجمع الأصول وتدل على الفروع: كتاب الرسالة القديمة، كتاب الرسالة الجديدة، كتاب اختلاف الأحاديث، كتاب جماع العلم، كتاب إبطال الاستحسان، كتاب أحكام القرآن، كتاب بيان فرض الله ، كتاب صفة الأمر والنهي، كتاب اختلاف مالك والشافعي، كتاب اختلاف العراقيِّين، كتاب الردّ على محمد بن الحسن، كتاب عليّ وعبدالله، كتاب فضائل قريش.
ومن الكتب التي هي مصنَّفة في الفروع وهي التي تعرف بـ (الأم):
في الطهارات: كتاب الوضوء، والتيمم، والطهارة، ومسألة المني، وكتاب الحيض.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (١/ ٢٤٦ - ٢٥٩).
стр. 145
وفي الصلوات: كتاب استقبال القبلة، كتاب الإمامة، كتاب الجمعة، كتاب صلاة الخوف، كتاب صلاة العيدين، كتاب الخسوف، كتاب الاستسقاء، كتاب صلاة التطوع، الحكم في تارك الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب غسل الميت.
في الزكوات: كتاب الزكاة، كتاب زكاة مال اليتيم، كتاب زكاة الفطر، كتاب فرض الزكاة، كتاب قسم الصدقات.
وفي الصيام: كتاب الصيام الكبير، كتاب صوم التطوع، كتاب الاعتكاف.
وفي الحج: كتاب المناسك الكبير، مختصَر الحج الأوسط، مختصَر الحج الصغير.
وفي المعاملات: كتاب البيوع، كتاب الصَّرْف، كتاب السَّلَم، كتاب الرهن الكبير، كتاب الرهن الصغير، كتاب التَّفْلِيس، كتاب الحجر وبلوغ الرشد، كتاب الصلح، كتاب الاستحقاق، كتاب الحمالة والكفالة والحوالة والوكالة والشركة، كتاب الإقرار والمواهب، كتاب الإقرار بالحكم الظاهر، كتاب إقرار الأخ بأخيه، كتاب العارية، كتاب الغصب، كتاب الشفعة.
وفي الإجارات: كتاب الإجارة، الأوسط في الإجارة، كتاب الكراء والإجارات، اختلاف الأجير والمستأجر، كتاب كراء الأرض، كراء الدواب، كتاب المزارعة، كتاب المساقاة، كتاب القراض، كتاب عمارة الأرضين وإحياء الموات.
وفي العطايا: كتاب المواهب، كتاب الأحباس، كتاب العُمْرَى والرُّقْبَى.
стр. 146
وفي الوصايا: كتاب الوصية للوارث، والوصايا في العتق، كتاب تغيير الوصية، صدقة الحي عن الميت، وصية الحامل.
وفي الفرائض وغيرها: كتاب المواريث، كتاب الوديعة، كتاب اللقطة، كتاب اللقيط، كتاب التعريض بالخطبة، كتاب تحريم الجمع، كتاب الشغار، كتاب الصداق، كتاب الوليمة، كتاب القسم، كتاب إباحة الطلاق، كتاب الرَّجْعَة، كتاب الخلع والنُّشُوز، كتاب الإيلاء، كتاب الظِّهار، كتاب اللعان، كتاب العدد، كتاب الاسْتِبْرَاء، كتاب الرضاع، كتاب النفقات.
وفي الجراح: كتاب جراح العمد، كتاب جراح الخطأ والديات، اصطدام السفينتين، الجناية على أم الولد، الجناية على الجنين، خطأ الطبيب، جناية المعلم، جناية البَيْطَار والحجَّام، كتاب القَسَامَة، صَوْل الفحل.
وفي الحدود: كتاب الحدود، كتاب القطع في السرقة، قطَّاع الطريق، صفة النفي، كتاب المرتد الكبير، كتاب المرتد الصغير، الحكم في السَّاحر، كتاب قتال أهل البغي.
وفي السير والجهاد: كتاب الجزية، كتاب على سِيَر الأوزاعي، كتاب على سِيَر الواقدي، كتاب قتال المشركين، كتاب الأُسَارَى والغُلُول، كتاب السَّبْق والرَّمي، كتاب قسم الفيء والغنيمة.
وفي الأطعمة: كتاب الطعام والشراب، كتاب الضحايا الكبير، كتاب الضحايا الصغير، كتاب الصيد والذبائح، كتاب ذبائح بني إسرائيل، كتاب الأشربة.
وفي القضايا: كتاب آداب القاضي، كتاب الشهادات، كتاب القضاء باليمين مع الشاهد، كتاب الدَّعوى والبينات، كتاب الأقضية، كتاب الأيمان والنذور.
стр. 147
وفي العتق وغيره: كتاب العتق، كتاب القُرْعَة، كتاب البَحِيرَة والسَّائبَة، كتاب الولاء والحلف، كتاب الولاء الصغير، كتال المُدَبَّر، كتاب المُكاتَب، كتاب عتق أمهات الأولاد، كتاب الشروط».
قال البَيْهَقي: «فذلك مائة ونيِّف وأربعون كتابًا».
قال عبدالله: ثم ذكر البَيْهَقي كتبًا له قديمة، وأخرى أمالي سأشير إليها في مواضعها إن شاء الله، ويلاحظ على هذا الثبت أنه من إنشاء البيهقي لنفسه، لم ينقله عن أحد - وإن كان ظاهرًا استفادته من ثبت الربيع - فهو مبني إن شاء الله على استقرائه، ثم هو الوحيد بين الثلاثة الذي عُني بتقسيم كتبه إلى أصولية وفروعية، ثم جمع الفروعية منها تحت موضوعات فقهية كلية، وهذا حسن جميل لتقريب الضبط.
стр. 148
الفصل الثاني في ذكر المحرَّر من ثبت مؤلفات الشافعي
وأعتمد فيه على الأثبات الثلاثة سابقة الذكر أقارن بينها وبين كتب الشافعي في مختصَري المُزَني والبُوَيْطي وكتاب «الأم»، وسأسلك في تصنيف كتب الشافعي طريقة غير طريقة البَيْهَقي، فأجعل الكتب التي تتضمَّن نصوص الشافعي على أقسام أربعة: أولها - المصنفات، وثانيها - الأمالي، وثالثها - تعليقات الأصحاب عن الشافعي، ورابعها - الكتب الجامعة، ويلاحظ أني لم أتطرَّق لذكر الكتب المستخرجة من كتب الشافعي، فأقول:
القسم الأول في ذكر مصنفات الشافعي
والمراد بالمصنفات هي الكتب التي ألفها بنفسه، فكان لها مزية التحرير والتدقيق، ومنها المسموع عنه، وبعضها أخذت عنه وجادة، وهي على أصناف أربعة:
الصنف الأول: كتبه الأصولية
فمن أشهرها: «كتاب الرسالة»، وهما رسالتان: «الرسالة القديمة» و «الرسالة الجديدة» كما ذكر البَيْهَقي، ويلاحظ أن ابن غانم سماه: «كتاب
стр. 149
الرسالة في أحكام القرآن» (١) و «كتاب الرسالة في أحكام السنة».
ومنها: «كتاب جماع العلم»، وقد تكرَّر اسمه على لسان الشافعي في كتبه، وذكره في بعض المواضع من «الأم» باسم: «كتاب جماع العلم من الكتاب والسنة» (٢).
ومنها: «كتاب إبطال الاستحسان».
ومنها: «كتاب بيان فرض الله ».
ومنها: «كتاب صفة الأمر والنهي».
ومنها: «كتاب فضائل قريش وبني هاشم والأنصار»، هكذا ورد اسمه في ثبت الربيع، وهو عند ابن غانم بدون ذكر الأنصار، وعند البَيْهَقي بدون ذكر بني هاشم والأنصار، ولعل ذلك اختصار منهما، قال البَيْهَقي: «أملى الشافعي ﵀ في الجديد أحاديث في فضائل قريش والأنصار وسائر قبائل العرب، وقصده من ذلك ترجيح معرفتهم بالسنن على معرفة غيرهم» (٣).
وذكر الزركشي من كتبه الأصولية: «كتاب القياس»، قال: «الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة ورجوعه عن قبول شهادتهم» (٤).
الصنف الثاني: كتبه في أحكام القرآن والحديث
فمنها: «كتاب أحكام القرآن»، يسر الله إتمام تصحيحه ودراسته ونشره.
_________
(١) وقد شاركه في هذه التسمية ابن فورك في كتابه «مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري» (ص: ١٩٣) حيث ذكره باسم «كتاب الرسالة في أحكام القرآن».
(٢) أظن أنه هو نفس الكتاب الذي ورد عند ابن غانم باسم: «إجماع العلماء».
(٣) انظر «معرفة السنن» للبَيْهَقي (١/ ١٥٤).
(٤) انظر «البحر المحيط» للزَّرْكَشِي (١/ ١٠).
стр. 150
ومنها: «كتاب اختلاف الأحاديث»، وقد يقال: «اختلاف الحديث».
ومنها: «كتاب السنن»، ذكره البَيْهَقي وقال بأنه يشتمل على كتب الشافعي في الفروع، قال البَيْهَقي: «وفيه زيادات كثيرة من الأخبار والآثار والمسائل، رواه عنه حَرْمَلةُ بن يحيى المصري، وأبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المُزَني، ﵏» (١)، قلت: المطبوع من «كتاب السنن» برواية الطحاوي عن المُزَني يتضمن أحاديث الشافعي في كتبه، ونصوصًا قلائل جدًّا من فقهه، ولا يقال في مثله ما قاله البَيْهَقي، فلعله كتاب آخر لم يبلغنا.
وتفرَّد ابن غانم بذكر «اختلاف القرآن»، و «الناسخ والمنسوخ».
الصنف الثالث: كتبه في الاختلاف والرد على مذاهب علماء الأمصار
فمنها: «كتاب خلاف أهل العراق علي وعبدالله»، هكذا ذكر اسمه في ثبت الربيع، وهو عند البَيْهَقي: «كتاب علي وعبدالله».
ومنها: «كتاب اختلاف العراقيَّيْن»، وهو «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»، وقد يقال: «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي»، ونحوه في بعض نسخ «مختصَر البُوَيْطي» (ص: ٧٤٢)، قال الفيومي: «تصنيف لطيف، نصب الخلاف فيه مع أبي حنيفة ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، واختار ما رجح عنده دليله، ويُسمَّى: (اختلاف العراقيَّيْن)؛ لأن كل واحد منهما منسوب إلى العراق فهما عراقيان» (٢)، قلت: وقد يختصر اسم الكتاب فيقال: «كتاب ابن أبي ليلى»، وذكر في
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «المصباح المنير» للفيومي (مادة: عرق).
стр. 151
موضع واحد من «المختصَر» (ف: ٦٨٥) باسم: «كتاب اختلافه وابن أبي ليلى»، وهو صريح على أن بيان مذهب الشافعي مقصود في الكتاب، وليس عرضًا خلال ذكر الخلاف بين أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واسمه في «مختصَر البُوَيْطي» (ص: ٧٤٢): «اختلاف العراقيين وجواب الشافعي فيه».
ومنها: «كتاب الرد على محمد بن الحسن»، ويظهر أنه مقصود المُزَني بـ «كتاب اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة»، وقد يكون هو بعينه كتاب «إملاء على محمد بن الحسن» الآتي ذكره في الأمالي.
ومنها: «كتاب اختلاف مالك والشافعي».
ومنها: «كتاب سير الأوزاعي»، هكذا ورد اسمه في ثبت الربيع، وعند البَيْهَقي: «كتاب على سير الأوزاعي»، ويظهر أنه مقصود المُزَني بـ «كتاب اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي»، وقد يقول: «الإملاء على كتاب الأوزاعي وأبي حنيفة»، أو «اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة في السير»، وهو كتاب ردَّ به على أبي يوسف فيما رده على الأوزاعي.
ومنها: «كتاب سير الواقدي»، هكذا ذكر اسمه الربيع في ثبته، وهو عند البَيْهَقي: «كتاب على سير الواقدي»، ويظهر أنه مقصود المُزَني بـ «الإملاء على كتاب الواقدي في السير».
ويلاحظ ما ورد عند ابن غانم من «كتاب إجماع العلماء»، ولا أراه إلا وهمًا في المخطوط، وهو كثير الأوهام والتصحيف.
стр. 152
الصنف الرابع: كتب الشافعي في مختلف الأبواب الفقهية
وهي كتب كثيرة صنفها في كل باب من أبواب الفقه، وقد أوردناها في الأثبات فلا حاجة إلى إفرادها بالذكر، ولكنني سأورد هنا تنبيهات:
التنبيه الأول: الاختلاف الظاهر بين الأثبات الثلاثة نوعان باعتبار سببه:
النوع الأول - الاختلاف في أسماء الكتب، وسببه: أن السلف، ومنهم الشافعي، لا يعرفون المنهج المتَّبع عند المتأخِّرين في تدقيق الأسامي، وإنما يطلقون على الكتاب ما يناسب موضوعه مناسبة جزئية أو كلية ثم لا يعيرون الاسم كبير أهمية، وتسمية الكل باسم الجزء هو المنهج الغالب على أسامي الكتب عند السلف، ولهذا الأصوب أن تؤخذ هذه الأسامي الواردة في الأثبات من جهة المعنى، ثم ينظر في مطابقتها ما عليه الكتب المتداوَلة.
والثاني - الاختلاف بزيادة الكتب ونقصها، وسببه: النظر إلى الجزء المقصود بالتسمية على أنه جزء مستقل له اسم خاص، أو أنه جزء من كتاب ذكر معه.
والسبيل إلى تحقيق القول في هذه الكتب هو المقارنة بما ورد عن الشافعي في كافة كتبه، ثم المقارنة بينها وبين أبواب ما اختصر من علمه على أساس نصوصه.
التنبيه الثاني - أغلب هذه الكتب تُروَى عن الشافعي بالسماع المتصل، ووصلتنا برواية الربيع عنه، قال البَيْهَقي: «غير أنه لم يَسْمَع منه من الكتب التي صَنَّفَها عِدَّةَ كُتُبٍ فيقول فيها: (قال الشافعي ﵀، منها: كتاب الوصايا الكبير، وكتاب علي وعبدالله ﵄، وكتاب
стр. 153
إحياء الموات، وكتاب الطعام والشراب، وكتاب ذبائح بني إسرائيل، وكتاب غسل الميت» (١)، قال البَيْهَقي: «وروى أيضًا حَرْمَلَة بن يحيى من الكتب المصنفة التي رواها الربيع عدة كتب، وفي روايته زيادات» (٢).
قال عبدالله: من المهم ضبط سماعات كتب الشافعي وتمييز المسموع منها من المتلقى وجادة، وقد ذكر البَيْهَقي من فوات الربيع: «كتاب الوصايا»، ولم يسمعه عن الشافعي أحد من أصحابه، قال المُزَني في أوله (ك ٣٣): «من كتاب وضعه بخطه، لا أعلمه سمع منه»، وقال في آخره (ف: ١٨٧٨): «هذا آخر ما وصفت في هذا الكتاب أنه وضعه بخطه، لا أعلم أحدًا سمعه منه»، وكذلك «كتاب إحياء الموات» قال المُزَني (ك ٢٩): «من كتاب وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه»، وأما «كتاب الطعام والشراب» .. فيشبه أن يكون هو مقصود المُزَني بقوله في «كتاب الأطعمة» (ف: ٣٥٠٦): «وقال فيما وَضَعَ بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه»، ولم يُشر المُزَني في كتاب الجنائز والذبائح إلى نقله عن كتاب لم يسمعه، فلعل ذلك من فوات الربيع في بعض مجالس الشافعي، وذكر المُزَني «باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء» وقال (ب ١٧١): «مما وضع بخطه لا أعلمه سمع منه»، وسبق ذكر «كتاب جماع العلم» أيضًا مما فات الربيع سماعه على الشافعي، وليس له ولا لـ «كتاب علي وعبدالله» ذكر في «المختصَر».
التنبيه الثالث - أغلب هذه الكتب سبق للشافعي تأليفها في القديم، ثم أعاد تأليفها في الجديد، سوى كتب معدودة لم يعد تمحيصها في مصر، فاعتمد الناس فيها على ما ألفه في القديم، قال البَيْهَقي: «وقد صنف
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٤).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
стр. 154
الشافعي ﵀ في القديم أكثر هذه الكتب التي رواها عنه الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ﵀، منها: كتاب السنن، وكتاب الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاعتكاف، والبيوع، والرهن، والإجارة، والنكاح، والطلاق، والصداق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والجراحات، والحدود، والسِّيَر، والقضايا، وقتال أهل البغي، والعتق، وغير ذلك، ثم أعاد تصنيف هذه الكتب في الجديد، غير كتب معدودة، منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز، فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغيَّر اجتهاده فيه، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر»، قال البَيْهَقي: «وله كتب صنَّفها في القديم وحملها عنه الحسين بن علي الكَرَابِيسي، وأبو عبدالرحمن: أحمد بن يحيى بن عبدالعزيز البغدادي، الذي يُعرف بالشافعي، غير أن روايتهما سقطت، وتلك الكتب عدمت في زماننا هذا، إلا القليل منها، وقد وقع بيدي منها (كتاب السير) رواية أبي عبدالرحمن، وفيه زيادات كثيرة» (١).
القسم الثاني في أمالي الشافعي
قد يظن بعض من لا اطلاع له أن الأمالي عبارة عن كتاب واحد للشافعي اسمه: «الإملاء»، لكن تتبع مختصَر المُزَني يقدِّم لنا تصورًا أوسع لما كان عليه أمالي الشافعي، فهي عبارة عن تعليقات الشافعي على كتب من سبقه أو مذاهبهم وأقوالهم، والذي يظهر من تتبع مواردها في «المختصَر» أنها لم تتَّسِم بمنهج تأليفي موحَّد، كما أنها لم تنضبط بموضوع
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
стр. 155
محدَّد، وهي في جملتها من الجديد، حيث لا يعرف عن الشافعي أنه سلك هذا النهج في التأليف قبل مصر، لكنها لم تشتهر بين الأصحاب اشتهار كتبه المصنفة، يؤيِّد ذلك ما ذكر النووي في ترجمة الشيخ أبي حامد من «تهذيب الأسماء» أنه أرسل إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار حتى كان يُخَرِّج منها.
والذي يظهر من تتبُّع ذكر الأمالي في «المختصَر» أنها أنواع:
فمنها: «كتاب الإملاء» دون تقييد بشيء آخر، أو مقيدًا بباب أو كتاب فقهي، مثل: «إملاء من كتاب الرضاع»، و «مختصَر القراض إملاء»، و «إملاء في الحدود»، و «الشهادات في العتق والحدود إملاء»، وبعض هذا يمكن أن يكون هو «كتاب الحدود» أو «مختصَر القراض»، وتكون كلمة «الإملاء» وصفًا لطريقة تأليفه، كما ألف «كتاب السبق والرمي» أملاه إملاءً، لكن لا ينكر أن له أمالي كتبها عنه تلاميذه في الأبواب الفقهية غير كتبه المصنفة، وقد قال البَيْهَقي بعد أن ذكر كتب الشافعي المصنفة: «وله كتاب في الطهارة، وكتاب في الصلاة، وكتاب في الزكاة، وكتاب في الحج، وكتاب في النكاح وما في معناه، وكتاب في الطلاق وما في معناه، وفي الإيلاء، والظهار، واللعان، والنفقات، أملاها على أصحابه، ورواها عنه الربيع بن سليمان المرادي ﵀، مع ما تقدَّم ذكرنا له من الكتب المصنفة» (١).
ومنها: الأمالي مقيدة بكتاب أو كتب لأحد الفقهاء في عصره.
فمن أماليه على أبي حنيفة: «الإملاء على كتاب أبي حنيفة».
ومن أماليه على أبي يوسف: «الإملاء على كتاب أبي يوسف»،
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (١/ ٢٥٤).
стр. 156
ويحتمل أن يكون كتاب «سير الأوزاعي»، حيث رد فيه على أبي يوسف رده على الأوزاعي.
ومن أماليه على محمد بن الحسن: «الإملاء على محمد بن الحسن»، ويحتمل أن يكون كتاب «اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة»، وهو بعينه «كتاب الرد على محمد بن الحسن».
ومن أماليه على مالك: «الإملاء على كتاب مالك»، و «الإملاء على موطأ مالك»، و «الإملاء على مسائل مالك المجموعة»، وقد يحذف كلمة: «المجموعة».
ومن أماليه على ابن القاسم: «الإملاء على كتاب ابن القاسم»، وقد يقال: «الإملاء على مسائل ابن القاسم»، وهو غير «الإملاء على مسائل مالك»، حيث ذكرا في بعض المواضع من «المختصَر» (ك ٤٣) مقترنين.
ومن أماليه على أشهب: «الإملاء على كتاب أشهب»، وقد يقال: «الإملاء على مسائل أشهب»، وهو أيضًا غير «الإملاء على مسائل مالك»، حيث ذُكرا في بعض المواضع من «المختصَر» (ك ٥٩) مقترنين.
القسم الثالث تعليقات الأصحاب عن الشافعي
وهي قسمان:
الصنف الأول - التعاليق، وهي نصوص الشافعي التي كتبها أصحابه عنه.
فمنها للمُزَني: «باب ما جمعت له من كتاب الصيام والسنن والآثار» و «مسائل في الاعتكاف»، ذكرهما المُزَني في «باب الاعتكاف وليلة القدر» (ف: ٨٠٣).
стр. 157
ومنها لحَرْمَلة: قال البَيْهَقي: «وفيما حكى أبو الحسن العاصمي بإسناده عن حرملة أنه قال: عندي قِمَطْرٌ من مسائل الشافعي مَنْثورَة» (١).
قال البَيْهَقي: «ولأبي ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي أيضًا روايات، وفيها زيادات، ولأبي عبدالله: أحمد بن حنبل الإمام أيضًا روايات في المسائل المَنثُورَة، ثم في أنساب قريش، وغيرها، مما أخذه عن الشافعي، سوى ما روى عنه من الأخبار المسندة»، قال: «ثم لسائر أصحابه: كعبدالله بن الزبير الحُمَيْدِي، ويونس بن عبدالأعلى ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم، وعبد العزيز بن عِمْرَان بن مِقْلَاص، والربيع بن سليمان الجِيزِي - وهو غير المرادي - والحارث بن سُرَيج النَّقَّال، والحسين القَلَّاس، وبحر بن نصر الخولاني؛ وغيرهم .. روايات في مسائل معدودة، ينفرد كل واحد منهم بما لا يشاركه فيه غيره»، قال البَيْهَقي: «وذلك يدل على كتب أملاها أو قرأها عليهم غير ما سمينا» (٢).
الصنف الثاني - المختصَرات، وتتضمَّن زيادات من تعاليق أصحابها وسماعاتهم.
فمنها: مختصَرات المُزَني، قال البَيْهَقي: «لأبي إبراهيم المُزَني ﵀ رواية بزيادات أورد بعضها في (المختصَر الكبير)، ثم في (المختصَر الصغير)، ثم في (المنثورات)» (٣).
ومنها: «مختصَر البُوَيْطي والربيع»، قال البَيْهَقي: «ولأبي يعقوب: يوسف بن يحيى البُوَيْطي، والربيع بن سليمان المرادي، عن الشافعي
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٦).
стр. 158
مختصَرات تشتمل على هذه الكتب [يقصد: كتبه في الفروع]، وفيها زيادات كثيرة» (١).
ومنها: «مختصَر ابن أبي الجارود»، قال البَيْهَقي: «ولأبي الوليد: موسى بن أبي الجَارُود مختصَر كمختصَر البُوَيْطي، يرويه عن الشافعي، وفي روايته زيادات» (٢).
القسم الرابع الكتب الجامعة
وأعني بها: كتب جمع فيها أصحاب الشافعي متفرق نصوصه وكتبه.
فمن أشهرها لكتبه الجديدة: «كتاب الأم» برواية الربيع بن سليمان المرادي، ويظهر أنه هو الناظم له، فقد صرح المُزَني في موضع من مختصَره (ف: ٢١٧٨) بالنقل عن «كتاب الأم»، ويدل ذلك على أنه كان معروفًا في عصره، لكن يبقى أمر الكتب المضمنة في الأم وبيان طبيعتها، ولم أجد لها ضابطًا محددًا، إلا ما ذكره البَيْهَقي في ثبته أن «الأم» تعرف به كتبه المصنَّفة في الفروع، وينبغي أن يكون العمل على هذا، ولا يصح إدراج كتب مستقلة الأسماء والبناء ضمن «الأم»، اللهم إلا إذا تعاملنا مع هذه الكلمة باعتبارها وصفًا لكتب الشافعي أنها أصل المذهب.
ومن أجمعها لكتبه القديمة: «كتاب الحجة» الذي يرويه الزعفراني عن الشافعي، و «كتاب القديم» الذي يرويه الحسين الكرابيسي عن الشافعي، قال الإسنوي: «وهو مجلد ضخم، ظفرت بنسخة عتيقة منه، وعليها خط ابن الصلاح بغرابته والثناء عليه» (٣).
ومن أجمعها للقديم والجديد: «كتاب المبسوط» للبَيْهَقي.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر مقدمة «المهمات» للإسنوي (١/ ١١٤).
стр. 159
المقدمة الرابعة في
وجوه اختلاف القولين والوجهين والطريقين
стр. 160
ذكرنا عناية المُزَني بجمع مختلف أقوال الشافعي والترجيح بينها، وكذلك عنايته بتخريج قوله في المسكوت عنه قياسًا على منصوصه، وكل ذلك مثار اجتهاد واختلاف الأصحاب الشافعية، فرأيت تخصيص هذا القسم من الدراسات لبيان أصول القول في اختلاف القولين للشافعي، والوجهين لتخريجات الأصحاب، والطريقين في حكاية المذهب، ليكون دارس الكتاب على بينة عن الموقف الجملي في تلك المسائل ويمتلك البنية والقاعدة التي يبني عليها اجتهاده الخاص به.
وجماع القول في هذا القسم في أبواب ثلاثة وخاتمة: باب اختلاف القولين، وباب التخريج واختلاف الوجهين، وباب حكاية المذهب واختلاف الطريقين، والخاتمة في مصطلحات المعتمد من القولين والوجهين والطرق.
стр. 161
باب اختلاف القولين
وفيه: ذكر التشنيع على الشافعي باختلاف أقواله، والدفاع عن الشافعي في اختلاف أقواله، ووجوه اختلاف أقوال الشافعي.
ذكر التشنيع على الشافعي باختلاف أقواله
اختلاف أقوال الشافعي في المسألة الواحدة من الأمور التي شنع بها بعض الحنفية على الشافعي، قالوا: إن ترديد الأقوال في المسألة توقف، وذلك يدل على ضعف الرأي وقلة الفقه (١).
بل إن أبا عبدالله الحسين بن علي بن طاهر البصري المعروف بـ «جُعَل» (ت ٣٦٩ هـ) منهم ألف في رد القولين على الشافعي كتابًا مفردًا مستقلًّا أهداه للصاحب إسماعيل بن عباد (ت ٣٨٥ هـ) (٢)، ونقل أبو العباس ابن القاص عن الكوفيين تعييرهم وثلبهم أصحابه الشافعية وزعمهم «أن كثرة الأقوال على تباينها لا يكون إلا من مبتغي التلبيس»، قال ابن القاص: «وهكذا من قلَّ علمه ضاق بكثرة الأقاويل ذرعه، إلا من تبحَّر في العلوم فلاحت له حكمة تغاير الوجوه» (٣).
وذكر إمام الحرمين من تشنيعهم أنهم قالوا: «إذا جمع الجامع بين قولين: أحدهما التحليل، والآخر التحريم، وذكرهما جميعًا، ولم يرجح
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٦).
(٢) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٢)، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٤)، وأبو عبدالله البصري معتزلي داعية في الأصول، وفقيه حنفي في الفروع، أخذ عن أبي الحسن عبيدالله الكرخي عن البردعي عن نصير بن يحيى عن محمد، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» للذهبي، و «الطبقات السنية في تراجم الحنفية» للغزي، و «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» للكنوي.
(٣) انظر «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ٥٤).
стр. 162
أحدهما على الثاني، وأضافهما إلى نفسه في مثل الصيغة التي يضيف بها جملة المذهب إلى نفسه .. فلا يخلو حاله في ذلك إما أن يريد تصحيح القولين جميعًا في حق المجتهد الواحد، فيكون ذلك تناقضًا وتنافيًا ومباهتة للضروريات والبدائة، وإن كان لا يعتقد ذلك .. فإطلاقه الكلام على وجه يُنبئ عما قلناه يزريه؛ إذ ليس لأحد العلماء أن يطلق من القول ما ظاهره الغلط، وهو يريد به خلاف ظاهره» (١).
هذا وما شابه ذلك في كتب الأصول والفروع كان السبب الأول في مباحث ومؤلفات عظيمة النفع للأصحاب حول قضية اختلاف القولين للمجتهد الواحد.
الدفاع عن الشافعي في اختلاف أقواله
ومن الجواب الجملي في ذلك أن الشافعي أراد بفقهه ضبط أصول الاستنباط وقواعد الاجتهاد، ولم يكن من مقاصده حجر أحكام الفروع بما ترجح لديه هو وإن كان يرى الحق في رأيه، بل إنه نهى عن التقليد له أو لغيره، ودعا إلى الدوران مع السنة والدليل، فكان من منهجه في بعض المسائل ترديد الأقوال وعدم البت فيها، إما لعدم قطعه بحكمه، أو لكي يعلم الاجتهاد، ولهذا نجد المُزَني وهو ناصر مذهبه على ذات الطريقة متشوِّفًا إلى ترديد الأقوال، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١٥/ ٧٤): «المُزَني يتشوَّف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوع من التردد»، قال: «وهذه عادته»، ولا أُراهُ - والله أعلم - يفعل ذلك من جهة نسبة القولين إلى الشافعي كما قد يتوهَّم، وإنما فعل ذلك لتوسيع مجال
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٢).
стр. 163
النظر والاجتهاد؛ لأن غرضه ليس تخريج قول واحد يقلد فيه، كيف وأول حكم في «مختصَره» النهي عن التقليد، وإنما المقصود النظر في محتملات النصوص، ثم التوصل إلى ما يهدي إليه الدليل.
وهذه نكتة أطبق على الإذعان بها عامة من تكلم في اختلاف أقوال الشافعي ﵁، ثم سلكوا في تقسيم وجوهه مسالك مختلفة أورد هنا مختصَرها (١)، حتى أنتقل إلى ما هداني النظر والاستقراء في كتاب المُزَني.
أبو العباس ابن القاص (ت ٣٣٥ هـ):
فكان من أوائل من كتب دفاعًا عن الشافعي من أصحابه أبو العباس ابن القاص، ألف في ذلك كتابه الماتع «نصرة القولين للإمام الشافعي» (٢)، بدأه ببيان متشابه القرآن والسنة الذي يوهم ظاهره التعارض، ممهدًا بذلك لما ذهب إليه أن ما رمي به الشافعي من اختلاف القولين ليس به في حقيقة الأمر، ثم ختمه ببيان اختلاف أقوال أبي حنيفة وأصحابه، مستدلًّا بذلك على أنه ليس الوحيد الذي اختلفت أقواله، وفيما بين البدء والختام جعل معاني القولين ووجوههما على عشرة أقسام:
_________
(١) يلاحظ أن الشيخ أبا زهرة نعى على الشافعية محاولتهم تخريج اختلاف أقوال الشافعي على الأوجه المعروفة عندهم، قال: «يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنها»، والظاهر أن الشيخ غلبت عليه ثقافة عصره حيث اعتبر سعة الخلاف بمثابة كثرة الحلول واتساع الخناق، لكن الشافعية إذ يوجهون هذا الاختلاف لا ينطلقون على أساس الرياضة النفسية والاحتمالات العقلية، وإنما هي صور من ترديد الأقوال توجد في واقع نصوص الشافعي، فلا وجه لكلام الشيخ أبي زهرة، وإن كنت معه في قوله: «إن كثرة آراء الشافعي أمر مُتَّفِقٌ مع منهجه في الاجتهاد ومُتَّفِقٌ مع حياته الفكرية». انظر كتاب «الشافعي .. حياته وعصره .. آراؤه وفقهه» (ط: دار الفكر العربي، ص: ١٨٢ - ١٨٤).
(٢) الكتاب طبع في دار البيروتي بتحقيق مازن سعد الزبيبي، وله طبعة أخرى في مشروع (أسفار) مع «حقيقة القولين» للغزالي لم أتمكن من مراجعتها.
стр. 164
أحدها: ما قاله محاجَّة ليتبين به فساد الباطل وتحقيق القول الآخر.
القسم الثاني: ما قاله على طريق الحكاية واختلاف الماضين قبله.
القسم الثالث: ما قال فيه من القولين المتفاوتين ليمتحن المتعلمين باستخراجهما ثم ينص على يفتي به.
القسم الرابع: أن يكون أحد القولين من طريق خبر سبق والقول الآخر من طريق القياس.
القسم الخامس: ما قال فيه القولين والمرء فيهما مخيَّر.
القسم السادس: ما قاله على الترتيب (١).
القسم السابع: قال فيه القولين ولم يبح بأحجِّهما نصًّا على جوابه من فساد الناس، ولكن بيَّن الأحج منهما بالحجج.
القسم الثامن: ما قال فيه القولين فيكون أحدهما على الإيجاب والآخر على الاحتياط.
القسم التاسع: ما كان على طريق المبهم والمفسر (٢).
القسم العاشر: ما قاله ليقرب المطلب على المتعلمين دون النصوص تورعًا عن التقليد، وكلفهم التخليص ليتبيَّن به فضل المجتهد على البليد.
ويلاحظ على هذا التقسيم أن القسمين الثاني والعاشر لا قول للشافعي فيهما على حسبه، ويكون الشافعي تركهما لاجتهاد الأصحاب، كما يلاحظ عليه غياب ذكر الجديد والقديم، وكأنه لم يعتبر ذلك من اختلاف القولين.
_________
(١) يريد حمل القولين على اختلاف الحالين.
(٢) يريد أن أحد قوليه تفسير للآخر.
стр. 165
أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ):
وممن كتب في ذلك الماوردي، فذكر في «الحاوي» (١٦/ ١٦٨ - ١٧١) عشرة أقسام من اختلاف أقوال الشافعي، ثم وقع في كلامه إشارات إلى أقسام أخرى جمعها عنه السمعاني في «القواطع» (٥/ ٦٤ - ٨٥) فأوردها أربعة عشر قسمًا (١):
أحدها: أن يقيد جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر.
القسم الثاني: ما اختلف فيه ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه، فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف، ولم يغلب حكمها في الاتفاق، فخرج حكم المسألة على قولين.
القسم الثالث: ما اختلف قوله فيه لاختلاف حاله، فينزل به بعض أصحابه عن اختلاف الحالين إلى اختلاف القولين.
القسم الرابع: ما اختلف قوله فيه لاختلاف القراءة أو لاختلاف الرواية.
القسم الخامس: ما اختلف قوله فيه لأنه عمل على أحد القولين بظاهر من كتاب الله تعالى ثم بلغته سنة ثابتة نقلته عن الظاهر إلى قول آخر.
القسم السادس: ما اختلف فيه قوله لأنه عمل بالقياس ثم بلغته سنة لم تثبت عنده تخالف موجب القياس فجعل مذهبه من بعد ذكر السنة موقوفًا على ثبوتها.
القسم السابع: أن يذكر القولين لإبطال ما عداهما من أقاويل كثيرة قد ذهب إليها المجتهدون، ويكون مذهبه موقوفًا على ما يؤدِّي إليه اجتهاده من صحة أحدهما، وإن لم يكن قائلًا بهما في الحال.
_________
(١) وقد ذكرها نحو ذكر السمعاني المناوي في «فرائد الفوائد» (ص: ١٩ - ٣٥).
стр. 166
القسم الثامن: أن يقصد بالقولين إبطال ما توسَّط منهما، ويكون مذهبه منهما ما حكم به وفرع عليه.
القسم التاسع: أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين متفقتين، فيذكر أحد القولين في إحدى المسألتين، ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية، فيخرجها أصحابه على قوله.
القسم العاشر: ما اختلف قوله فيه لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما فقال به، ثم أداه اجتهاده إلى القول الآخر فعدل إليه.
القسم الحادي عشر: أن يكون قال في المسألة بقول في موضع، وقال فيها بقول آخر في موضع آخر، فيخرجها أصحابه على قولين، ثم جعل هذا القسم على ضربين: أحدهما - أن يتقدم أحدهما على الآخر، فيكون كأنه قال بأحدهما ثم رجع عنه إلى الآخر، والثاني - أن يشكل المتقدم منهما من المتأخر.
القسم الثاني عشر: أن يذكر القولين حكاية عن مذهب غيره، ولا يوجب حكايته لهما أن يكون قولين.
القسم الثالث عشر: أن يذكر القولين معتقدًا لأحدهما وزاجرًا بالآخر.
القسم الرابع عشر: أن يقول في المسألة الواحدة في الحالة الواحدة بقولين مختلفين يجمع فيهما بين قولين متضادين، فيحكم بحلية الشيء في أحدهما وتحريمه في الآخر، ويوجب الشيء في أحدهما ويسقطه في الآخر، وهذا على ضربين: أحدهما - أن يميز أحد القولين بما ينبه على اختياره، والثاني - أن يطلق ولا يميز.
وهذا التقسيم سلك مسلك الاستقراء لواقع كتب الشافعي، وجعله الأصل لاستخراج وجوه اختلاف الشافعي في الجملة، لكن يلاحظ عليه
стр. 167
بعض الثغرات من جهة اختلاط أوجه أخرى للتقسيم، فمنها: التقسيم بناءً على تفسيرات الأصحاب لكلام الشافعي، فالأقسام الأول والثاني والثالث تشترك في أنها جميعًا أوجه من اختلاف العبارات تحتمل أن تحمل على الاتفاق والاختلاف، والأصحاب يختلفون في وجوه تفسيرها ما بين جامع يحمل على الاتفاق وتارك للجمع حامل على القولين، ومنها: أنه في القسم الرابع انطلق من سبب الاختلاف، وهذا خلاف الأصل الذي بَنَى عليه التقسيم من اعتبار واقع الاختلاف.
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ):
وألف الغزالي كتابه في «حقيقة القولين» (١)، ولخص فيه حالات اختلاف أقوال الشافعي في خمسة أقسام:
القسم الأول: أن يكون القولان أحدهما قديم والآخر جديد.
القسم الثاني: أن تكون المسألة على اختلاف حالين، ويروى فيها أن للشافعي قولين وليس كما روي.
القسم الثالث: أن يقول الشافعي: «في المسألة قولان» ويعني به قولين للعلماء، لا قولين له.
القسم الرابع: أن يقول الشافعي القولين على سبيل التردد، ثم قد يذكر الترجيح وقد لا يذكر.
القسم الخامس: أن يقول الشافعي القولين على سبيل التخيير، على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع.
_________
(١) الكتاب طبع بأكثر من طبعة، رجعت منها إلى طبعة مجلة الجمعية الفقهية السعودية (العدد الثالث/ ص: ٢١١ - ٣٧٤).
стр. 168
وهذا التقسيم لا يخفى أنه على أساس استقراء واقع كتب الشافعي لا يخرج عنه، لكنه تقسيم جملي لم يشر إلى تفصيلات ما تحت التقسيمات التي ذكرها؛ لأن ذلك لم يكن هم الغزالي في هذا الكتاب، وإنما أراد بيان أن ذلك لم يكن من الشافعي تعارضًا مع نفسه أو ضعفًا في فقهه.
فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ):
وممن تكلَّم على قضية اختلاف أقوال الشافعي بكلام مفيد فخر الدين الرازي في كتابيه «المحصول» (٥/ ٣٩٢ - ٣٩٦) و «مناقب الشافعي» (ص: ١٨٦ - ١٨٨) فجعل الأقوال المختلفة عن الشافعي على وجوه: أحدها - أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئًا وفي كتبه الجديدة شيئًا آخر، وثانيها - أن يكون قد ذكر القولين في موضع واحد ونصّ على الترجيح، وثالثها - أن يقول في هذه المسألة قولان ولا ينبه على الترجيح ألبتة، ورابعها في «المناقب» - المسائل التي يذكرون فيها قولين بالنقل والتخريج، وهذا القسم الأخير أغفله جميع من سبق على أهميته وكثرة فروعه.
أبو المحاسن الروياني (ت ٤٠٢ هـ):
وذكر في كتب الطبقات والتراجم أن لأبي المحاسن عبدالواحد بن أحمد الروياني صاحب «بحر المذهب» كتاب «حقيقة القولين» (١)، ويشبه أن يكون ذلك في ذكر أقسام اختلاف الأقوال وبيان أمثلتها، والروياني في غالب كتابه «البحر» متابِع للماوردي وناقل عنه، لكنه ترك كلامه في أقسام اختلاف أقوال الشافعي، فيشبه - والله أعلم - أنه أفرد هذا التقسيم بكتاب مستقل.
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٧/ ١٩٥).
стр. 169
فذلكة أقسام اختلاف أقوال الشافعي كما يظهر من تتبع المختصَر
ونظرًا لأهمية هذا البحث وعظم قدره عنيت بتتبُّع ما ورد من مسائل القولين في «المختصَر» وتعامل الأصحاب الشافعية معها، وبناءً عليه أقول: ما قد ينسب إلى الشافعي من اختلاف قوله إما أن يكون على التخيير بينهما، أو لاختلاف الأصحاب في تفسير نصِّه، فهذان فصلان:
الفصل الأول: اختلاف قوله على التخيير.
الفصل الثاني: اختلاف قول الشافعي بسبب اختلاف الأصحاب في قراءة نصه وتفسيره.
وكلاهما ليس من باب اختلاف قول الشافعي حقيقة، والاختلاف الحقيقي إما أن يكون قولًا قاله في وقت ثم رجع عنه، معلوم القديم منهما من الجديد، وإمَّا أن يكون ترديدًا للقول في وقت واحد، وإما أن يختلف قوله في أزمان مختلفة دون أن يعلم الأول من الآخر من أقواله، ويكون ذلك لاختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير، أو اختلاف الرواة عنه، أو اختلاف قوله في المسائل المتشابهة، وهذه بقية الفصول:
الفصل الثالث: القديم والجديد.
الفصل الرابع: الترديد بين الأقوال في موضع واحد.
الفصل الخامس: اختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير.
الفصل السادس: اختلاف قوله باختلاف الرواة عنه.
الفصل السابع: اختلاف قوله في النظائر.
فهذه سبعة فصول:
стр. 170
الفصل الأول: اختلاف قوله على التخيير (١)
هذه الصورة في حقيقتها ليست من باب اختلاف القولين؛ لأن قوله واحد بجواز الوجهين، وإنما الخلاف في هذه الصورة إن وجد في الأولى من القولين أو الأحوط، وأصل التخيير بين حكمين في كتاب الله في كفارة الأيمان في قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩].
ومن أمثلته قول الشافعي (ف: ٤٢٠): «ويُكَبِّرُ خلف الفرائضِ والنوافل»، وعنه: يكبِّر خلف الفرائض، لم يذكر النوافل، فحمله المُزَني على تعارض القولين وقال: «لا يُكَبِّر إلَّا خلف الفرائض أولى به عندي»، وليس ذلك عند الأصحاب بتعارض، وإنما هو على التخيير، والتكبير خلف الفرائض والنوافل زيادة خير.
_________
(١) وهو القسم الخامس والثامن في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٥، و ١٢٣).
стр. 171
الفصل الثاني:
اختلاف قول الشافعي بسبب اختلاف الأصحاب في قراءة نصه وتفسيره
فهو في حقيقته من اختلاف الأصحاب لا الإمام.
ومن أمثلته: اختلافهم في قراءة عبارتي: «أحببت، كرهت» في كلام الشافعي، وذلك كثير، منها قول الشافعي (ف: ٣٣٩) في اشتراط العدد في الجمعة: «إنْ خَطَب بهم وهم أربعون، ثم انْفَضُّوا عنْه، ثم رَجَعُوا مكانَهُم .. صَلَّوا الجمعةَ، وإن لم يَعُودوا حتَّى يتباعد .. أحْبَبْتُ أن يبْتَدِئ خُطْبَتَه»، فقوله: «أحببتُ» أثار خلافًا بين الأصحاب، فقال ابن سريج: يجب عليه الإعادة، وهذا هو الأصح واختيار القفال والأكثرين، قالوا: ولفظ الشافعي ﵁: أوجبت، وأما «أحببت» فهو تصحيف من الناقل أو وهم، قالوا: وربما حملوا «أحببت» على «أوجبت»، فكل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يُطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم (١)، ومن
_________
(١) انظر «العزيز» (٣/ ٢٧١).
стр. 172
أمثلته قوله (ف: ١٠): «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة»، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٣٨): «ذكر الشافعي الكراهية وأراد به التحريم، وهو يعتاد ذلك كثيرًا».
ومن أمثلته كذلك: أن يقيد الشافعي جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر (١)، مثل قوله (ف: ٢٦١٧): «وأقَلُّ ما عَلِمْناه مِنْ الحيْضِ: يَوْمٌ»، وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «يومٌ وليلةٌ»، فحمله بعض الأصحاب على اختلاف القولين، والمذهب حمل المطلق على المبين والقطع بأنه يوم وليلة، قال المُزَني: «يَحْتَمِلُ قَوْلُه يَوْمًا بلَيْلَتِه، فيكُونُ المفَسَّرُ مِنْ قَوْلِه يَقْضِي على المجْمَلِ، وهكذا أصْلُه في العِلْم».
ومن أمثلته كذلك: أن تختلف ألفاظه في حكم مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه (٢)، مثل قوله في المظاهر (ف: ٢٤٦٣): «فإذا مُنِعَ الجماعَ أحْبَبْتُ أن يُمْنَعَ القُبَلَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا حتَّى يُكَفِّرَ»، وقال في رواية الزعفراني: «رأيت أن يُمنع القبلةَ والتلذذَ»، وهى لفظة محتملة، فيحتمل أن تُحمل على الاستحباب والإيجاب، فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف ولم يغلب حكمها في الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين، وحَمْلها على ما صرح به من الاستحباب أولى من حَمْلها على ما يجوز أن يحتمله من الإيجاب.
ومن أمثلته كذلك: أن يختلف منطوقه ومفهومه، مثل قول الشافعي (ف: ٢٧٥١): «يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ على الرَّجُلِ لخادِمِ امْرأتِه نَفَقَةٌ إذا كانَتْ
_________
(١) انظر القسم التاسع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٢٤)، والقسم الأول في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٤).
(٢) انظر القسم الثاني في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٥).
стр. 173
ممَّن لا تَخْدُمُ نَفْسَها»، وقال: «إذا لم يَكُنْ لها خادِمٌ فلا يَبِينُ أن يُعْطِيَها خادِمًا»، فتوهم المُزَني هذا قولين للشافعي في وجوب نفقة الخادمة، وذلك أنه قيَّد إيجاب الخدمة بالحال التي لا تقدر على ما لا صلاح لبدنها من زمانة ومرض، فأوهم عدم الوجوب في غير هذه الحالة، كما أنه ذكر لفظ «الاحتمال» موهمًا التردد، والمذهب الذي عليه الجمهور القطع بالوجوب، قال الروياني: «وكثيرًا ما ينصّ الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين»، وقال: «وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول، وكذلك قال في مسائل كثيرة: (ولا يبين لي كذا وكذا) ولم يقصد به القولين في المسألة» (١).
_________
(١) انظر «البحر» (١١/ ٤٤٤)، وانظر مثالًا آخر نحوه في الفقرة: (٧٠٨) من «المختصَر».
стр. 174
الفصل الثالث:
القديم والجديد (١)
ونتكلَّم فيه حول تحديد المقصود بالقديم والجديد وتعريفه أولًا، ونبين قصة ظهورهما ثانيًا، ونشرح موقف الأصحاب الشافعية من القديم ثالثًا، ونعرِّج أخيرًا على اصطلاح آخر في القديم والجديد.
تحديد المقصود بالقديم والجديد
اختلف أصحابنا الشافعية في تحديد المقصود بالقديم والجديد على قولين مشهورين عند الأئمة المتأخِّرين من أصحابنا من شُرَّاح «المنهاج» للنووي ومحشي شروحه: القول الأول - «القديمُ: ما قاله الشافعي ببغدادَ تصنيفًا أو إفتاءً، والجديدُ: ما قالَه بمصرَ تصنيفًا أو إفتاءً»، هذا هو المشهور، غير أن بعض المتأخِّرين توهَّم أن هذا القول مرتبط بالمكان، وأنه يردُّ عليه ما قاله الشافعي بعد خروجه من العراق وقبل دخوله إلى مصر هل هو من القديم أو الجديد، ومن هنا كان القول الثاني: «القديمُ: ما قاله
_________
(١) انظر القسم العاشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٥) والقسم الأول في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٧٩)، والقسم الثاني في «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٧).
стр. 175
الشافعي قبل دخوله مصر، والجديدُ: ما قالَه الشافعي بعد دخوله مصر إحداثًا أو استقرارًا» (١).
وهذا كله محاولة للضبط والتسوير على نظام الحدود، والأولى بنا أن نشرح قصة ظهور القديم والجديد تمهيدًا لفهم حقيقتهما، ثم إذا فهمنا القصة والواقع لا يهمنا كثيرًا الاختلافات البسيطة بين الحدود التي يركز عليها المتأخِّرون، فأقول:
قصة ظهور القديم والجديد
أول ظهور شخصية الشافعي الاجتهادية كان عقب أَسْره من قبل والي العباسيين على اليمن وإرساله مقيَّدًا إلى العراق بتهمة الانحياز للدعوة العلوية، ففي هذه الفترة تعرَّف على محمد بن الحسن الشيباني وفقه أهل الرأي في العراق بصفة مباشرة، وحدث بينهما مناظرات انتصر فيها الشافعي بالحجة البالغة، فكان ذلك سببًا في ظهور ذكره وانتشار أخبار عبقريته، ومن ثم رجاه أهل الحديث أن يؤلِّف في الردِّ على أهل الرأي، فاستكتب كتب الشيباني ليأخذها معه إلى الحجاز ومن ثم يتفرَّغ للردِّ عليها، وهذا ما كان، فألَّف في مكة بعد عودته من العراق رسالته القديمة التي انتقد فيها أصول أهل الرأي في الاجتهاد والمناظرة، وألف كتاب «الحجة»، والذي هو عبارة عن الردِّ على محمد بن الحسن الشيباني على طريقة المحدثين، أو كما قال الشافعي: «وضع تحت كل مسألة حديثًا»، يعني: يردُّ عليه.
وبعد أن تمَّ للشافعي ما أراده واستوى من فقهه بنيانه قصد العراق لينشر ما وصل إليه من نظره في فقه العراقيين، وعقد مجلسه الذي كان محلَّ
_________
(١) انظر «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي مع حواشيه (١/ ٥٣)، وغيره من شروح «المنهاج» للنووي.
стр. 176
إعجاب أهل الحديث والرأي معًا، فكان من أصحابه من المحدِّثين: الإمام أحمد بن حنبل والزعفراني، ومن أهل الرأي: أبو ثور والحسين الكرابيسي، فعرض عليهم كتابه «الحجة» بقراءة الزعفراني عليه، وهكذا نشأ ما عرف بعد بالمذهب القديم وهكذا تحدَّدت مصادره.
لا شكَّ أن المذهب في أول أمره لم يكن قديمًا، ولكن جرت حوادث وصراعات سياسية وعقدية في العراق ربما كانت هي السبب في اختيار الإمام السفر والابتعاد عن بغداد، إلى أن استقرَّ به المقام في مصر، حيث عقد في مسجد عمرو بن العاص حلقته، واجتمع فيها على الأخذ عنه ثلة من أصحابه المصريين: البُوَيْطي والمُزَني والربيع المرادي وحرملة والربيع الجيزي وغيرهم، فكتب العديد من الكتب الجديدة التي لا تعرف له من قبل، وأعاد قراءة أغلب كتبه القديمة بزيادة بحث وتمحيص، وتخلَّل ذلك الاطلاع على مدارك كانت خفيت عليه من ذي قبل، وكذا زيادة قوة في الشخصية الاجتهادية، وتغيّر رأي في بعض القضايا الأصولية، وكل ذلك حمله إلى تغيير الكثير من آرائه السابقة في الحجاز والعراق، وعرف عنه رأي جديد هو الناسخ الذي لا يصح أن يُنسَب إليه غيره مما رجع عنه، ولذلك حظر لأصحابه العراقيين أن يرووا عنه الكتاب القديم لكثرة ما رجع عنه فيه من المسائل، قال الآبري (١) في: «قرأت على أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت البُوَيْطي يقول: سمعت الشافعي يقول: لا أجعل في حِلٍّ مَنْ روى عني الكتاب البغدادي» (٢).
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للآبري (رقم: ٥٠).
(٢) ونقله الفخر الرازي في «مناقب الشافعي» (ص: ١٨٧) من طريق البَيْهَقي عن زكريا الساجي في كتابه عن البُوَيْطي.
стр. 177
هذه خلاصة قصة ظهور القديم والجديد، فنجد أنفسنا أمام عدة تساؤلات نذكرها ونحاول أن نُجيب عنها بما قدَّر الله لنا.
السؤال الأول: ما هي الأسباب التي حملت الشافعي على تغيير رأيه في المذهب الجديد؟
هذا السؤال حاول الإجابة عنه بعض من عُنِي بالكتابة في ما بات يُسمى بـ «تاريخ التشريع الإسلامي»، وهي في غالبها إجابات استرواحية لا تحظى بالمصداقية من جهة الدليل واستقراء مسائل القديم والجديد في كتب الإمام، ومن أهم تلك الفرضيات ما انتشر على ألسنة الناس من أن اختلاف البيئة بين مصر والعراق هي التي حملت الإمام على تغيير الكثير من آرائه السابقة، وذلك لما فيه من دعم بعض الأفكار الهدامة التي يُعنى بها الحداثيون أو من يمهِّدون لهم دون علم من توصلهم به إلى تطوير الشريعة الإسلامية بما يناسب في ظنهم احتياجات العصر، ولك أن تسأل نفسك: أيّ أثر للبيئة في امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق كما قال في القديم وأنه ليس له إلا وقت واحد بعد الغروب كما قال في الجديد؟ وإن عَنَّ لبعضهم الهرطقة بما ليس من فنه فأعود لأسأله عن أثر البيئة في استحباب السورة من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية.
فالدعوى فوق كونها مجرد فرضية خالية عن أيّ دليل مثبت، وأريد أن أطرح عدة أسباب أراها حقيقية في تحول الإمام الشافعي وتغيُّر رأيه في الجديد، وهي أسباب ثلاثة:
السبب الأول: تكامل شخصية الإمام الشافعي الاجتهادية، فقد ذكرنا أن الذي حدا بالإمام إلى تأليف الكتاب القديم هو الردّ على محمد بن
стр. 178
الحسن الشيباني نزولًا عند رغبة أصحاب الحديث، فكان في هذا الكتاب في موقف الذابِّ عن فقه أصحاب الحديث عامة وأهل الحجاز خاصة، وكان كذلك في موقف الرادِّ على محمد بن الحسن الشيباني رده على أهل المدينة.
ولا ينكر أن الشافعي في هذه الفترة كان له شخصيته المستقلة في الاجتهاد أصولًا وفروعًا، ومما يؤكِّد ذلك كتاب الرسالة القديمة التي هي أصل علم الأصول، وكذلك ما عُرف عن الشافعي من عدم إقراره بعمل أهل المدينة الذي تميَّز به الفقه المالكي، ومخالفته مالكًا في بعض الفروع الفقهية في الديات وغيرها، ولكن هذه الاستقلالية لم تكتمل عند الشافعي قبل سفره إلى مصر واحتكاكه بأصحاب مالك على نحو ما حدث قبل مع أصحاب أبي حنيفة.
ففي مصر ألَّف كتابه في اختلافه وشيخه مالك، وأملى الكثير على كتب مالك وابن القاسم وأشهب يردُّ عليهم بعض آرائهم، وفي مصر تعرَّف على فقه الليث بن سعد وخلافه مع مالك، فكان كل هذا له أثر نفسي كبير على استقلال شخصية الإمام الاجتهادية، ومن ثم زيادة تجرُّده في الاجتهاد والنظر في المسائل، ومما يؤكِّد هذه الفكرة اتفاق الكثير من آراء الشافعي القديمة مع مذهب مالك ومخالفته في الجديد، بل إن قضية الردِّ على مالك لا يكاد يظهر في المذهب القديم إلا عرضًا خلال مناقشة محمد بن الحسن.
السبب الثاني: سبب منهجي في الاستنباط، وهو أن الشافعي في القديم كان يقدم آثار الصحابة على القياس الجليّ، ورأيه الجديد تقديم القياس على أقوال الصحابة ما لم تكن إجماعًا، وهذا معنى منهجي أصولي يرجع إليه فروع كثيرة من مسائل القديم والجديد، قال إمام الحرمين في
стр. 179
«النهاية» (١٥/ ٢٨٣): «معظم أقوال [الشافعي] القديمة تخالف الأقيسةَ الجلية وتستند إلى أقضيةٍ وآثارٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتُمسك بطرفٍ من المعنى الكلي»، وقال (١٥/ ٢٨٨): «إن [الشافعي] بنى أقواله القديمة على اتباع الأثر وتَرْكِ القياس الجليّ، وتحقق عنده في الجديد أن ذلك باطل».
السبب الثالث: زيادة تمحيص الاجتهاد الجزئي في المسائل، سواء كان ذلك بسبب اطلاع على دليل جزئي جديد غير اجتهاده، أو تنبه إلى نكتة استنباطية خفيت عليه في القديم، وهذا نتيجة طبيعية في مراجعة العلماء لجهودهم السابقة، وليس للشافعي خصوصية في ذلك، فقد أبى الله الكمال إلا لنفسه، وكل العلماء عُرف عنهم القول ثم إعادة النظر فيه والرجوع عن بعضه.
هذه هي جملة الأسباب التي ظهرت لي، والله أعلم بحقيقة الحال.
السؤال الثاني: ما هي طبيعة رجوع الشافعي عن القديم؛ هل هو رجوع كلي أو جزئي؟
سبق أن ذكرنا قول الشافعي: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رَوَى عني الكتاب البغدادي»، وظاهره أن كل القديم ليس مذهبًا للشافعي، لكن ذلك غير مراد للشافعي بالمرة، ويُكذِّبه حقيقة ما عليه كتب المذهب، ومن أبرز الأمثلة «المختصَر» للمُزَني فهو كما اعتمد في اختصاره علم الشافعي على كتبه الجديدة اعتمد كذلك على الكتب القديمة، ولو كانت مردودة عند الشافعي مطلقًا لما صحَّ له ذلك، ومن هنا ينبغي ألا يقطع القول في المذهب القديم جملة، وإنما يفصل فيه على حسب المسائل وموقف الأصحاب منها، فأقول:
стр. 180
الشافعي لما نشر في العراق ما بات يعرف بكتاب «الحجة» أو «القديم» ثم سافر إلى مصر أعاد قراءة هذه الكتب بعينها مع تغيير ما تغيَّر رأيه فيه من مسائلها، ومن هنا صار مضمون هذه الكتب القديمة على أنواع:
النوع الأول: مسائل نصّ عليها في القديم وأقرّ بها في الجديد، فهذا مقبول اتفاقًا، بل إنه من الجديد إقرارًا كما أشير إليه في تعريف الجديد الذي ذكرناه أولًا، وليس هذا محلّ نظر أو بحث.
النوع الثاني: مسائل من القديم لم يتعرَّض لها الشافعي في الجديد إقرارًا أو إنكارًا، وهذا له صورتان:
أولاهما: كتب قديمة في بعض أبواب الفقه لم يتسنَّ للشافعي إعادة تحريرها في مصر، وقد ذكر البَيْهَقي منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز، قال البَيْهَقي: «فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغيَّر اجتهاده فيه، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر» (١)، كذا قال البَيْهَقي وهو أعرف الناس بكتب الشافعي، ويشكل عليه قول الماوردي: «الشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية، إلا الصداق، فإنه لم يغيِّره في الجديد ولا أعاد تصنيفه، وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع» (٢).
الصورة الثانية: مسائل نصّ على حكمها في كتبه القديمة ولم يتعرَّض لها في الجديد، مثل مسألة استحباب الغسل للحجامة وللخروج من الحمام، فنسبة هذا إلى القديم لا يصحّ إلا باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وإلا فهو
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «الحاوي» (٩/ ٤٥٢).
следующие страницы →