تُسْلِم الحُرَّةُ ثَبَتَتْ (١)، ولو عَتَقْنَ قَبْلَ يُسْلِمْنَ كُنَّ كمَن ابْتُدِئ نِكاحُه وهنَّ حَرائرُ.
(٢٠٩٩) ولو كان عبدٌ عنده إماءٌ وحرائرُ مُسْلِماتٌ أو كِتابِيّاتٌ ولم يَخْتَرْنَ فِراقَه أمْسَكَ اثْنَتَيْن، ولو عَتَقْنَ قَبْلَ إسْلامِه واخْتَرْنَ فِراقَه كان ذلك لهن؛ لأنّه لهنّ بَعْدَ إسْلامِه، وعِدَدُهُنّ عِدَدُ حَرائِرَ، فيُحْصِينَ مِنْ حِينِ اخْتَرْنَ فِراقَه، فإن اجْتَمَعَ إسْلامُهُنّ وإسْلامُه في العِدَّةِ فعِدَدُهُنّ عِدَدُ حَرائِرَ مِنْ يومِ اخْتَرْنَ فِراقَه، وإلّا فعِدَدُهُنّ عِدَدُ حَرائِرَ مِنْ يَوْمِ أسْلَمَ مُتَقَدِّمُ الإسْلامِ منهما؛ لأنّ الفَسْخَ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وإن لم يَخْتَرْنَ فِراقَه ولا المُقامَ معه خُيِّرْنَ إذا اجْتَمَعَ إسْلامُه وإسْلامُهُنّ مَعًا.
(٢١٠٠) وإن لم يَتَقَدَّمْ إسْلامُهُنّ قَبْل إسْلامِه، فاخْتَرْنَ فِراقَه أو المُقامَ معه ثُمّ أسْلَمْنَ، خُيِّرْنَ حين يُسْلِمْنَ؛ لأنّهنّ اخْتَرْنَ ولا خِيارَ لهنَّ.
(٢١٠١) ولو اجْتَمَعَ إسْلامُهُنّ وإسْلامُه وهُنّ إماءٌ، ثُمّ أعْتِقْنَ مِنْ ساعَتِهِنّ، ثُمّ اخْتَرْنَ فِراقَه، لم يَكُنْ ذلك لهنّ إذا أتَى عليهِنّ أقَلُّ أوْقاتِ الدُّنْيا وإسْلامُهُنّ وإسْلامُه (٢) مُجْتَمِعٌ، وكذلك (٣) لو كان عِتْقُه وهُنَّ مَعًا (٤).
стр. 1159
قال المزني: قلت أنا (١): ليس هذا عندي بشيءٍ؛ قد قَطَعَ في كتابَيْن بأنّ لها الخيارَ لو أصابها فادَّعَتِ الجَهالَةَ، وقال في موضع آخر: «إنّ على السُّلْطانِ أن لا يُؤَجِّلَها أكْثَرَ مِنْ مَقامِها، فلم يَمُرَّ بها مِنْ أوْقاتِ الدنيا من حينِ أعْتِقَتْ إلى أنْ جاءَتْ إلى السلطانِ، وقد يَبْعُدُ ذلك ويَقْرُبُ، إلى أن يَفْهَمَ عنها ما تَقُولُ، ثُمّ إلى انْقِضاءِ أجَلِ مَقامِها ذلك على قَدْرِ ما يَرَى، فكيف يَبْطُلُ خِيارُ إماءٍ يُعْتَقْن إذا أتَى عليهنّ أقَلُّ أوْقاتِ الدُّنْيا وإسْلامُهن وإسْلامُ الزَّوْجِ مُجْتَمِعٌ؟»، قال المزني: قلت (٢): ولو كان كذلك لما قَدَرْنَ إذا أعْتِقْنَ تحْتَ عَبْدٍ أن يَخْتَرْنَ بحالٍ؛ لأنّهُنّ لا يَقْدِرْنَ يَخْتَرْنَ إلّا بحُرُوفٍ، وكُلُّ حَرْفٍ منها في وَقْتٍ غيرِ وَقْتِ الآخَرِ، وفي ذلك إبْطالُ الخِيارِ (٣).
(٢١٠٢) قال الشافعي: ولو اجْتَمَعَ إسْلامُه وإسْلامُ حُرَّتَيْن في العِدَّةِ، ثُمّ عَتَقَ، ثُمّ أسْلَمَتِ اثْنَتان في العِدَّة .. لم يَكُنْ له أن يُمْسِكَ إلّا اثْنَتَيْن مِنْ (٤) أيّ الأرْبَعِ شاءَ، لا يَثْبُتُ له بعَقْدِ العُبُودِيَّةِ إلّا اثْنَتان، ويَنْكِحُ تَمامَ أرْبَعٍ إنْ شاء.
стр. 1160
(٢١٠٣) ولو أسْلَمَ وأسْلَمَ معه أرْبَعٌ، فقال: قد فَسَخْتُ نِكاحَهُنّ .. سُئِلَ، فإنْ أراد طَلاقًا فهو ما أرادَ، وإنْ أرادَ حَلَّه بلا طَلاقٍ لم يَكُنْ طَلاقًا وأحْلِفَ.
(٢١٠٤) ولوْ كُنّ خَمْسًا، فأسْلَمَتْ واحِدَةٌ في العِدَّةِ، فقال: قد اخْتَرْتُ حَبْسَها، حتى قال ذلك لأربعٍ .. ثَبَتَ نِكاحُهُنّ باخْتِيارِه، وانْفَسَخَ نِكاحُ البَواقِي، ولو قال: كُلّما أسْلَمَتْ واحدةٌ مِنْكُنّ فقد اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها .. لم يَكُنْ هذا شَيْئًا، إلّا أن يُرِيدَ طَلاقًا، فإن اخْتار إمْساكَ أرْبَعٍ فقد انْفَسَخَ نِكاحُ مَنْ زادَ عليهنّ (١).
(٢١٠٥) ولو أسْلَمْنَ معه، فقال: لا أخْتارُ .. حُبِسَ حتّى يَخْتارَ، وأنْفِقَ عليهن مِنْ مالِه؛ لأنّه مانعٌ لهنّ بعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ، ولا يُطَلِّقُ عليه السلطانُ كما يُطَلِّقُ على المُولِي، فإن امْتَنَعَ مع الحَبْسِ عُزِّرَ وحُبِسَ حتّى يَخْتارَ، فإن مات أمَرْناهُنّ أن يَعْتَدِدْن الآخِرَ (٢) مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ أو مِنْ ثلاثِ حِيَضٍ، ويُوقَفُ لهنّ الميراثُ حتّى يَصْطَلِحْنَ فيه.
(٢١٠٦) ولو أسْلَمَ وعِنْدَه وَثَنِيَّةٌ، ثُمّ تَزَوَّجَ أخْتَها أو أرْبَعًا سِواها في عِدَّتِها .. فالنِّكاحُ مَفْسُوخٌ.
قال المزني: قلت أنا (٣): أشْبَهُ بقَوْلِه: إنّ النِّكاحَ مَوْقُوفٌ؛ كما جَعَلَ نِكاحَ مَنْ لم تُسْلِمْ مَوْقُوفًا، فإنْ أسْلَمَتْ في العِدَّةِ عُلِمَ أنّها لم تَزَل امْرَأتَه،
стр. 1161
وإن انْقَضَتْ قَبْلَ أنْ تُسْلِمَ عُلِمَ أنّه لا امْرَأةَ له، فيَصِحُّ نِكاحُ الأرْبَعِ؛ لأنّه عَقَدَهُنّ ولا امْرَأةَ له (١).
(٢١٠٧) قال الشافعي: ولو أسْلَمَتْ قَبْلَه، ثُمّ أسْلَمَ في العِدَّةِ، أو لم يُسْلِمْ حتّى انْقَضَتْ .. فلها نَفَقَةُ العِدَّةِ في الوجهين جميعًا؛ لأنّها محْبُوسَةٌ عليه، متى شاء أن يُسْلِم كانا على النكاحِ، ولو كان هو المسْلِمَ لم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ في أيّامِ كُفْرِها؛ لأنّها المانِعَةُ لنَفْسِها منه، ولو اخْتَلَفا فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
(٢١٠٨) قال: ولو أسْلَمَ قبل الدُّخُولِ فلَها نِصْفُ المهْرِ إن كان حَلالًا، ونِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها إن كان حَرامًا، ومُتْعَةٌ إن لم يَكُنْ فُرِضَ لها؛ لأنّ فَسْخَ النِّكاحِ مِنْ قِبَلِه، ولو كانتْ هي أسْلَمَتْ قَبْلَه فلا شيءَ لها مِنْ صَداقٍ ولا غَيْرِه؛ لأنّ الفَسْخَ مِنْ قِبَلِها، وإنْ أسْلَما مَعًا فهما على النكاح.
(٢١٠٩) وإن قال: أسْلَمَ أحَدُنا قَبْلَ صاحِبِه فالنِّكاحُ مَفْسُوخٌ، ولا نِصْفَ مَهْرٍ حتّى يُعْلَمَ، فإنْ تَداعَيا فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنّ العَقْدَ ثابِتٌ، فلا يَبْطُلُ نِصْفُ المهْرِ إلّا بأن تُسْلِمَ قَبْلَه.
(٢١١٠) ولو قالتْ: أسْلَمَ أحَدُنا قَبْلَ الآخَرِ، وقال هو: مَعًا .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا تُصَدَّقُ على فَسْخِ النِّكاحِ، وفيها قولٌ آخَرُ: أنّ النكاحَ مَفْسُوخٌ حتّى يَتَصادَقا.
قال المزني: قلت أنا (٢): أشْبَهُ بقَوْلِه أن لا يَنْفَسِخَ النِّكاحُ بقَوْلِها كما لم يَنْفَسِخْ نِصْفُ المهْرِ بقَوْلِه، قال المزني: وقد قال: «لو كان دَخَلَ بها
стр. 1162
فقالتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قبلَ إسْلامِك، وقال: لا، بل بَعْدُ .. فلا تُصَدَّقُ على فَسْخِ ما ثَبَتَ له مِنْ النكاحِ» (١).
(٢١١١) قال الشافعي: ولو كانتْ عنده امْرَأةٌ نَكَحَها في الشِّرْكِ بمُتْعَةٍ أو على خِيارٍ .. انْفَسَخَ نِكاحُها؛ لأنّه لم يَنْكِحْها على الأبَدِ.
стр. 1163
(٢٠٨)
باب الخلاف في إمساك الأواخر
(٢١١٢) قال الشافعي: فاحْتَجَجْتُ على مَنْ يُبْطِلُ الأواخِرَ بقَوْلِ النبيِّ ﷺ لابن الدَّيْلَمِيّ وعنده أخْتان: «اخْتَرْ أيَّتَهما شِئتَ، وفارِقِ الأخْرَى»، وبما قال لنَوْفَل بن معاويةَ، وتَخْيِيرِه غَيْلانَ، فلو كان الأواخِرُ حَرامًا ما خَيَّرَه النبيُّ ﷺ ، وقلت له: أحْسَنُ حالِهم أنْ يَعْقِدُوه بشَهادَةِ أهْلِ الأوْثانِ، قلت (١): ويُرْوَى أنّهُم يَنْكِحُون (٢) في العِدَّةِ وبغَيْرِ شُهُودٍ، قال: أجَلْ، قلت: وهذا كُلُّه فاسدٌ في الإسلام، قال: أجَلْ، قلت: فلمّا لم يَسْأل النَّبِيُّ ﷺ عن العَقْدِ (٣) كانَ عَفْوًا له لفَوْتِه؛ كما حَكَمَ اللهُ ورسولُه بعَفْوِ الرِّبا إذا فات بقَبْضِه ورَدِّ ما بَقِيَ لأنّ الإسلامَ أدْرَكَه؛ كما رَدَّ ما جاوَزَ أرْبَعًا لأنّ الإسلامَ أدْرَكَهُنّ معًا، والعُقَدُ كُلُّها لو ابتُدِئَت في الإسلامِ فاسدةٌ، فكيف نَظَرْتَ إلى فَسادِها مَرَّةً ولم تَنْظُرْ أخْرَى؟ فرَجَعَ بَعْضُ أصْحابِهم، وقال محمدُ بنُ الحسن: ما عَلِمْتُ (٤) أحَدًا احْتَجَّ بأحْسَنَ ممّا احْتَجَجْتَ به، ولقد (٥) خالَفْتُ أصْحابي فيه مُنْذُ زَمانٍ، وما يَنْبَغِي أن يَدْخُلَ على حديثِ النبيِّ ﷺ القِياسُ.
قال المزني: كان محمّدُ بنُ الحسن مِنْ أنْصَفِ النّاسِ في هذا الموْضِعِ (٦).
стр. 1164
(٢٠٩)
باب ارتداد أحد الزوجين، أو هما، ومن شِركٍ إلى شِركٍ (١)
من «كتاب جامع الخطبة» ومن «كتاب المرتد» ومن «كتاب ما يحرم الجمع بينه»
(٢١١٣) قال الشافعي: وإذا ارْتَدّا أو أحَدُهما مُنِعا الوَطْءَ، فإن انْقَضَتِ العِدَّةُ قَبْلَ اجْتِماعِ إسْلامِهِما انْفَسَخَ النكاحُ، ولها مَهْرُ مِثْلِها إنْ أصابَها في الرِّدَّة، وإن اجْتَمَع إسْلامُهُما قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ فهُما على النكاحِ.
(٢١١٤) ولو هَرَبَ مُرْتَدًّا، ثُمّ رَجَعَ بعد انْقِضاءِ العِدَّةِ مُسِلِمًا، وادَّعَى أنّه أسْلَم قَبْلَها، فأنْكَرَتْ .. فالقولُ قَوْلُها مع يَمِينِها.
(٢١١٥) قال: ولو لم يَدْخُل بها، فارْتَدَّتْ .. فلا مَهْرَ لها؛ لأنّ الفَسْخَ مِنْ قِبَلِها، وإن ارْتَدّ .. فلها نِصْفُ المهْرِ؛ لأنّ الفَسْخَ مِنْ قِبَلِه.
(٢١١٦) ولو كانتْ تَحْتَه نَصْرانِيَّةٌ فتَمَجَّسَتْ أو تَزَنْدَقَتْ .. فكالمسْلِمَة تَرْتَدُّ.
وقال في «كتاب المرتد»: «حتّى تَرْجِعَ إلى الذي حَلَّتْ به مِنْ يَهُودِيَّةٍ أو نَصْرَانِيَّةٍ» (٢).
стр. 1165
(٢١١٧) ومَن دان دِينَ اليهودِ والنَّصارَى مِنْ العَرَبِ والعَجَمِ غيرِ بَنِي إسرائيلَ في فَسْخِ النِّكاحِ وما يَحْرُمُ مِنه ويَحِلُّ، كأهْلِ الأوْثانِ.
وقال في «كتاب ما يحرم الجمع بينه»: «مَنْ ارْتَدَّ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلى نَصْرانِيَّةٍ، أو نَصْرَانِيَّةٍ إلى يَهُودِيَّةٍ .. حَلّ نِكاحُها؛ لأنّها لو كانَتْ مِنْ أهْلِ الدِّينِ الذِي خَرَجَتْ إليه (١) حَلَّ نِكاحُها».
وقال في «الجزية» [ف: ٣٤١٥]: «لا يَنْكِحُ مَنْ ارْتَدَّ عن أصْلِ دِينِ آبائِه؛ لأنّهم بَدَّلُوه بغَيْرِ الإسلامِ، فخالَفُوا حالَهم عمّا أذِنَ بأخْذِ الجِزْيَةِ مِنْهُم عليه، وأبيحَ مِنْ طَعامِهِم ونِسائِهم» (٢).
стр. 1166
(٢١٠)
باب طلاق المشرك (١)(٢١١٨) قال الشافعي: وإذْ أثْبَتَ رسولُ الله ﷺ نِكاحَ (المشْرِكِ)، وأقَرَّ أهْلَه عليه في الإسلامِ .. لم يَجُزْ - واللهُ أعلمُ - إلّا أن يَثْبُتَ طلاقُ (المشْرِكِ) (٢)؛ لأنّ الطلاقَ يَثْبُتُ بثُبُوتِ النكاحِ، ويَسْقُطُ بسُقُوطِهِ، فلو أسْلَما وقد طَلَّقَها في الشِّرْكِ ثَلاثًا لم تَحِلَّ له حتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه، ولو تَزَوَّجَها غَيْرُه في الشِّرْكِ حَلَّتْ له، ولمسْلِمٍ، لو طَلَّقَها ثلاثًا.
стр. 1167
(٢١١)
باب عقد نكاح أهل الذمة (١)
من الجامع من ثلاثة كتب
(٢١١٩) قال الشافعي: وعَقْدُ نِكاحِ أهْلِ الذِّمَّةِ ومُهُورِهِمْ كأهْلِ الحَرْبِ.
(٢١٢٠) فإن نَكَحَ نَصْرانِيٌّ وَثَنِيَّةً أو مَجُوسِيَّةً، أو نَكَحَ وَثَنِيٌّ نَصْرانِيَّةً أو مَجُوسِيَّةً (٢) .. لم أفْسَخْ منه شَيْئًا إذا أسْلَمُوا.
(٢١٢١) ولا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ مَنْ وُلِدَ مِنْ وَثَنِيٍّ ونَصْرانِيَّةٍ، ولا مِنْ نَصْرانِيٍّ ووَثَنِيَّةٍ، ولا يَحِلُّ نكاحُ ابْنَتِهما؛ لأنّها ليْسَتْ كِتابِيَّةً خالِصَةً.
وقال في كتاب آخر: «إنْ كان أبُوها نَصْرانِيًّا حَلَّتْ، وإنْ كان وَثَنِيًّا لم تَحِلَّ؛ لأنّها تَرْجِعُ إلى النَّسَبِ، وليستْ كالصغيرةِ يُسْلِمُ أحَدُ أبَوَيْها؛ لأنّ الإسلامَ لا يَشْرَكُه الشِّرْكُ، والشِّرْكَ يَشْرَكُه الشِّرْكُ» (٣).
стр. 1168
(٢١٢٢) قال: ولو تَحاكَمُوا إلينا وَجَبَ أن نحْكُمَ بينهم (١)، كان الزَّوْجُ الجانيَ أو الزوجةُ، فإن لم يَكُنْ مَضَى لم نُزَوِّجْهُم إلّا بوَلِيٍّ وشُهُودٍ مُسْلِمِين، فإن لم يَكُنْ لها قَرِيبٌ زَوَّجَها الحاكمُ؛ لأنّ تَزْوِيجَه حُكْمٌ عليها، فإن تَحاكَمُوا إلينا بعد النكاحِ .. فإنْ كان ما يَجُوزُ ابْتِداؤُه في الإسلامِ أجَزْناه؛ لأنّ عَقْدَه قد مَضَى في الشِّرْكِ.
(٢١٢٣) وكذلك ما قَبَضَتْ مِنْ مَهْرٍ حَرامٍ، ولو قَبَضَتْ نِصْفَه في الشِّرْكِ حَرامًا ثُمّ أسْلَما .. فعَلَيْه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها.
(٢١٢٤) والنَّصْرَانِيّ في إنكاحِ ابْنَتِه وابْنِه الصَّغِيرَيْن كالمسْلِمِ.
стр. 1169
(٢١٢)
باب إتيان الحائض، ووطء اثنتين قبل الغسل
من هذا، ومن «كتاب العشرة»
(٢١٢٥) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ ﵎ باعْتِزالِ الحُيَّضِ، فاسْتَدْلَلْتُ بالسُّنَّةِ على ما أراد، فقُلْنا: تَشُدُّ إزارَها على أسْفَلِها، ويُباشِرُها فَوْقَ إزارِها حتّى تَطْهُرَ، وحتّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وتَرَى الطُّهْرَ، «فإذا تَطَهَّرْنَ» يَعْنِي واللهُ أعلمُ: الطهارَةَ التِي تَحِلُّ بها الصلاةُ، الغُسْلَ أو التَّيَمُّمَ.
(٢١٢٦) قال: وفي تَحْرِيمِها لأذَى المحِيضِ (١) كالدَّلالَةِ على تَحْرِيمِ الدُّبُرِ؛ لأنّ أذاه لا يَنْقَطِعُ (٢).
(٢١٢٧) فإنْ وَطِئَ في الدَّمِ اسْتَغْفَرَ ولا يَعُودُ.
(٢١٢٨) قال: وإنْ كان له إماءٌ فلا بأسَ أن يَأتِيَهُنَّ معًا قَبْلَ أن يَغْتَسِلَ، ولو تَوَضَّأ كان أحَبَّ إليَّ، وأحِبُّ لو غَسَلَ فَرْجَه قبل إتْيانِ التِي بَعْدَها، ولو كُنَّ حَرائِرَ فحَلَّلْنه فكذلك.
стр. 1170
(٢١٣)
باب إتيان النساء في أدبارهن
من «أحكام القرآن» ومن «جماع عِشْرة النساء» (١)(٢١٢٩) قال الشافعي: ذَهَبَ بَعْضُ أصْحابِنا في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنّ إلى إحْلالِه، وآخَرُونَ إلى تَحْرِيمِهِ، ورُوِيَ عن جابر بن عبدالله مِنْ حديثٍ ثابتٍ أنّ اليهودَ كانتْ تَقُولُ: مَنْ أتَى امْرَأتَه في قُبُلِها مِنْ دُبُرِها جاء وَلَدُه أحْوَلَ؛ فأنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّ رَجُلًا سَألَه عن ذلك، فقال: «في أيّ الخُرْبَتَينِ أو: في أي الخُرْزَتَينِ، أو: في أي الخُصْفَتَينِ (٢)؟ أمِن دُبُرِها في قُبُلِها، فنَعَمْ، أمِنْ دُبُرِها في دُبُرِها، فَلا، إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنْ الحقِّ، لا تَأتُوا النِّساءَ في أدْبَارِهِنَّ»، قال: فلَسْتُ أرَخِّصُ فيه، بل أنْهَى عنه، فأمّا التَّلَذُّذُ بغيرِ إيلاجٍ بين الألْيَتَيْنِ فلا بأسَ (٣).
(٢١٣٠) وإن أصابَها في الدُّبُرِ لم يُحَصِّنْها، ويَنْهاه الإمامُ، فإنْ عاد عَزَّرَه، وإنْ كان في زِنًا حَدَّه، وإنْ كان غاصِبًا أغْرَمَه المهْرَ، وأفْسَدَ حَجَّه.
стр. 1171
(٢١٤)
باب مختصر الشِّغار وما دخل فيه
من «أحكام القرآن»
(٢١٣١) قال الشافعي: وإذا أنْكَحَ الرَّجُلُ ابْنَتَه أو المرْأةَ يَلِي أمْرَها الرَّجُلُ، على أن يُنْكِحَه الرَّجُلُ ابْنَتَه أو المرْأةَ يَلِي أمْرَها، على أنّ صَداقَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بُضْعُ الأخْرَى، ولم يُسَمِّ لكُلِّ واحِدَةٍ منهما صَداقًا .. فهذا الشِّغارُ الّذِي نَهَى عنه رسولُ الله ﷺ (١)، وهو مَفْسُوخٌ، ولو سُمِّي لهما أو لأحَدِهما صَداقٌ فليس بالشِّغارِ المنْهِيِّ عنه، والنكاحُ ثابِتٌ، والمهْرُ فاسدٌ، ولكُلِّ واحدةٍ منهما مَهْرُ مِثْلِها، ونِصْفُ مَهْرٍ إنْ طُلِّقَتْ قبل الدُّخُولِ.
(٢١٣٢) فإن قيل: فقد ثَبَتَ النكاحُ بلا مَهْرٍ .. قيل: لأنّ اللهَ أجازَه في كِتابِه فأجَزْناه، والنساءُ مُحَرَّماتٌ إلّا بما أحَلَّهُنّ اللهُ به، ولمّا نَهَى رسولُ الله ﷺ عن نِكاحِ الشِّغارِ لم أحِلَّ مُحَرَّمًا بمُحَرَّمٍ، وبهذا قُلْنَا في نِكاحِ المتْعَةِ والمحرمِ.
(٢١٣٣) وقُلْتُ لبَعْضِ الناسِ: أجَزْتَ نِكاحَ الشِّغارِ ولم يُخْتَلَفْ فيه عن رسولِ الله ﷺ ، ورَدَدْتَ نِكاحَ المتْعَةِ وقد اخْتُلِفَ فيها عن
стр. 1172
رسولِ الله ﷺ ، وهذا تَحَكُّمٌ، أرَأيْتَ إنْ عُورِضْتَ فقيل لك: نَهَى النبيُّ أن تُنْكَحَ المرأةُ على عمَّتِها أو على خالَتِها، وهذا اخْتِيارٌ، وأجِيزُه، قال: لا يَجُوزُ؛ لأنّه عَقْدٌ مَنْهِيٌّ عنه، قيل: وكذلك عَقْدُ الشِّغارِ مَنْهِيٌّ عنه.
قال المزني: معنى قولِ الشافعي في الشِّغار: أنّ النبيّ ﷺ إنّما نَهَى عن النّكاحِ (١)، لا عن الصَّداق، ولو كان عن الصّداقِ لكان النكاحُ ثابتًا، ولها مَهْرُ مِثْلِها.
стр. 1173
(٢١٥)
باب نكاح المتعة والمحلِّل (١)
من الجامع من كتاب النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك» ومن «كتاب اختلاف الحديث» (٢)(٢١٣٤) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبدالله والحسن ابْنَيْ محمد بن عليّ، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عامَ خَيْبَر عن نكاحِ المتْعَةِ وأكْلِ لحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ (٣).
(٢١٣٥) قال الشافعي: وإنْ كان حديثُ عبدالعزيز بن عمر، عن الربيع بن سَبْرَةَ (٤) ثابتًا، فهو يُبَيِّنُ أنّ رسولَ الله ﷺ أحَلَّ نِكاحَ المتْعَةِ، ثُمّ قال: «هِيَ حَرامٌ إلى يومِ القيامةِ».
(٢١٣٦) قال: وفي القرآن والسنة دليلٌ على تَحْرِيمِ المتْعَةِ، قال الله ﵎: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فلم يُحَرِّمْهُنّ على الأزْواجِ إلّا بالطلاقِ، وقال ﵎: ﴿فإمساك بمعروف
стр. 1174
أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال : ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٠]، فجعل إلى الأزْواجِ فُرْقَةَ مَنْ عَقَدُوا عليه النكاحَ مع أحْكامِ ما بَيْنَ الأزْواجِ، فكان بَيِّنًا والله أعلم أنّ نِكاحَ المتْعَةِ مَنْسُوخٌ (١) بالقرآن والسنة؛ لأنّه إلى مُدَّةٍ ثم يَنْفَسِخُ بلا إحْداثِ طَلاقٍ فيه، ولا فيه أحْكامُ الأزْواجِ.
стр. 1175
(٢١٦)
باب نكاح المحرم
(٢١٣٧) قال الشافعي: أخبرنا مالك (١)، عن نافع، عن نُبَيْهِ بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَنْكِحُ المحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ».
(٢١٣٨) وقال بعض الناس (٢): رُوِّينا أنّ رسولَ الله ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ؟ قلت: رواية عثمانَ ثابتةٌ، ويَزِيدُ بنُ الأصَمّ ابنُ أخْتِها، وسليمانُ بن يَسارٍ عَتِيقُها أو ابنُ عَتِيقِها، يَقُولان: نَكَحَها وهو حَلالٌ، وثالثٌ سعيدُ بن المسيب (٣)، ويَنْفَرِدُ عليك حديثُ عثمانَ الثابتُ، وقلت له: أليس أعْطَيْتَنِي أنّه إذا اخْتَلَفَت الروايةُ عن رسولِ الله ﷺ ، نَظَرْتَ فيما فَعَلَ أصْحابُه مِنْ بَعْدِه، فأخَذْتَ به، وتَرَكْتَ الذي يُخالِفُه؟ قال: بَلَى، قلت: فعُمَرُ بنُ الخطاب وزَيْدُ بنُ ثابتٍ يَرُدّان نكاحَ المحْرِمِ، وقال ابنُ عُمَرَ: «لا يَنْكِحُ المحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ»، ولا أعْلَمُ لهم (٤) مُخالِفًا، فلِمَ لا قُلْتَ به؟
(٢١٣٩) قال الشافعي: فإنْ كان المحْرِمُ حاجًّا فحتّى يَرْمِيَ ويَحْلِقَ ويَطُوفَ بالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ أو بَعْدَه (٥)، وإنْ كان مُعْتَمِرًا فحتّى يَطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى ويَحْلِقَ، فإنْ نَكَحَ قبل ذلك فمَفْسُوخٌ.
(٢١٤٠) والرَّجْعَةُ والشَّهادَةُ على النِّكاحِ لَيْسَتا بنِكاحٍ.
стр. 1176
(٢١٧)
باب العيب في المنكوحة
من كتاب النكاح الجديد، ومن القديم، ومن النكاح والطلاق إملاء على مسائل مالك، وغير ذلك (١)(٢١٤١) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب: «أيّما رجلٍ تَزَوَّج امرأةً وبها جُنُونٌ، أو جُذامٌ، أو بَرَصٌ، فمَسَّها .. فلها صَداقُها، وذلك لزَوْجِها غُرْمٌ على وَلِيِّها».
(٢١٤٢) وقال أبو الشَّعْثاء جابرُ بنُ زيد: «أرْبَعٌ لا يَجُزْنَ في النِّكاحِ إلا أن تُسَمَّى: الجُنونُ، والجُذامُ، والبَرَصُ، والقَرَنُ»، قال الشافعي: «القَرَنُ» المانعُ للجِماعِ (٢)؛ لأنّها في غيرِ مَعْنَى النساءِ.
(٢١٤٣) قال: فإن اخْتارَ فِراقَها قَبْلَ المسِيسِ .. فلا نِصَفَ مَهْرٍ (٣) ولا مُتْعَةَ، وإنِ اخْتارَ فِراقَها بعد المسِيسِ فصَدَّقَتْه أنّه لم يَعْلَمْ .. فله ذلك، ولها مَهْرُ مِثْلِها بالْمَسِيسِ (٤)، ولا نَفَقَةَ عليه في
стр. 1177
عِدَّتِها (١) ولا سُكْنَى، ولا يَرْجِعُ بالمهْرِ عليها ولا على وَلِيِّها (٢)؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال في التي نَكَحَتْ بغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّها: «فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ مَسَّها فلها المهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِها»، ولم يَرُدَّه به عليها وهي التي غَرَّتْه، فهو في النكاحِ الصَّحِيحِ الذي للزَّوْجِ فيه الخيارُ أوْلَى أن يَكُونَ للمرأةِ، وإذا كان لها لم يَجُزْ (٣) أن يُغَرِّمَه وَلِيُّها، وقَضَى عُمَرُ بنُ الخطابِ في التي نَكَحَتْ في عِدَّتِها أنّ لها المهْرَ.
(٢١٤٤) قال: وما جَعَلْتُ له فيه الخيارَ في عَقْدِ النِّكاحِ، ثُمّ حَدَثَ بها .. فله الخيارُ؛ لأنّ ذلك المعْنَى قائمٌ فيها لحَقِّه في ذلك، وحَقِّ الوَلَدِ.
قال المزني: قلت أنا (٤): كذلك ما فَسَخَ عَقْدَ نِكاحِ الأمَةِ مِنْ الطَّوْلِ إذا حَدَثَ بعد النكاحِ فَسَخَه؛ لأنّه المعْنَى الذي يَفْسَخُ النكاحَ.
(٢١٤٥) قال الشافعي: وكذلك هي فيه، فإن اخْتارَتْ فِراقَه قبل المسِيسِ .. فلا مَهْرَ ولا مُتْعَةَ، فإن لم تَعْلَمْ حتّى أصابَها فاخْتارَتْ فِراقَه .. فلها المهْرُ معَ الفِراقِ.
(٢١٤٦) والذي يَكُونُ به مِثْلُ الرَّتْقِ بِها أن يَكُونَ مَجْبُوبًا، فأخَيِّرُها مَكانَها، وأيُّهُما تَرَكَه أو وَطِئ فلا خِيارَ.
стр. 1178
وقال في القديم: «إنْ حَدَثَ بِه فلها الفَسْخُ، وليسَ له»، قال المزني: قلت أنا (١): أوْلَى بقَوْلِه: إنّهما سواءٌ في الحَدَثِ كما كانا فيه سَواءً قَبْلَ الحَدَثِ (٢).
(٢١٤٧) وقال الشافعي: والجُذامُ والبَرَصُ فيما زَعَمَ أهْلُ العِلْمِ بالطِّبِّ يُعْدِي، ولا تَكَادُ نَفْسُ أحَدٍ تَطِيبُ بأن يُجامِعَ مَنْ هو به، ولا نَفْسُ امْرَأةٍ بذلك منه، وأمّا الوَلَدُ فقَلَّما يَسْلَمُ، فإنْ سَلِمَ أدْرَكَ ذلك نَسْلَه، ونَسْألُ اللهَ العافِيَة، والجُنُونُ والخَبَلُ لا يَكُونُ مَعَهُما تأدِيَةٌ لحَقِّ زَوْجٍ ولا زَوْجَةٍ بعَقْلٍ (٣)، ولا امْتِناعٌ مِنْ مُحَرَّمٍ، وقد يَكُونُ مِنْ مِثْلِه القَتْلُ، ولِوَلِيِّها مَنْعُها مِنْ نِكاحِ المجْنُونِ كما يَمْنَعُها مِنْ غَيْرِ كَفِيءٍ، فإنْ قِيلَ: فهَلْ مِنْ حُكْمٍ بينهما فيه الخيارُ أو الفُرْقَةُ؟ .. قيل: نعم، المُولِي يَمْتَنِعُ مِنْ الجِماعِ بيَمِينٍ لو كانَتْ على غَيْرِ مَأثَمٍ كانتْ طاعةُ اللهِ أن لا يَحْنَثَ، فأرْخَصَ له في الحِنْثِ بكَفّارَةِ اليَمِينِ، فإن لم يَفْعَلْ وَجَبَ عليه الطَّلاقُ، والعِلْمُ يُحِيطُ بأنّ الضَّرَرَ بمُباشَرَةِ الأجْذَمِ والأبْرَصِ والمجْنُونِ والمخْبُولِ أكْثَرُ منها بتَرْكِ مُباشَرَةِ المُولِي ما لم يَحْنَثْ.
(٢١٤٨) قال الشافعي: ولو تَزَوَّجَها على أنّها مُسْلِمَةٌ فإذا هي كِتابِيَّةٌ .. كان له فَسْخُ النِّكاحِ بلا نِصْفِ مَهْرٍ (٤)، ولو تَزَوَّجَها على أنّها كِتابِيَّةٌ فإذا هي مُسْلِمَةٌ .. لم يَكُنْ له فَسْخُ النِّكاحِ؛ لأنّها خَيْرٌ مِنْ كِتابِيَّةٍ.
стр. 1179
قال المزني: هذا يَدُلُّ عِندي على أنّ الأمَةَ إذا اشْتَراها على أنّها نَصْرانِيَّةٌ فأصابها مُسْلِمَةً أنّه لا خِيارَ له، وإذا اشْتَرَى نَصْرانِيٌّ جارِيَةً على أنّها نَصْرانِيَّةٌ فأصابَها مُسْلِمَةً، فالشِّراءُ جائِزٌ في قِياسِ قَوْلِ الشّافِعِيّ، وتُباعُ عليه صاغِرًا صديًّا، [فإن اشْتَراها على أنّها مُسْلِمةٌ فإذا هي نَصْرانِيَّةٌ، فله أن يَرُدَّها في قِياسِ قَوْلِ الشافعيّ (١)(٢).
стр. 1180
(٢١٨)
باب الأمة تَغُرُّ من نفسها (١)
من الجامع من كتاب النكاح الجديد، ومن «التعريض بالخطبة»،
ومن نكاح قديم، ومن النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك» (٢)(٢١٤٩) قال الشافعي: وإذا وَكَّلَ بتَزْوِيجِ أمَتِه، فذَكَرَتْ والوَكِيلُ أو أحَدُهُما أنّها حُرّة، فزَوَّجَها، ثُمّ عَلِمَ .. فلَه الخِيارُ، فإن اخْتارَ فِراقَها قبل الدُّخُولِ فلا نِصْفَ مَهْرٍ ولا مُتْعَةَ، وإن أصابَها فلها مَهْرُ مِثْلِها، كان أكْثَرَ ممّا سُمِّيَ أو أقَلَّ؛ لأنّ فِراقَها فَسْخٌ، ولا يَرْجِعُ به، فإن كانتْ وَلَدَتْ فهُم أحْرارٌ، وعليه قِيمَتُهُم يَوْمَ سَقَطُوا، وذلك أوّل حُكم أنفسِهم، ولا يَرْجِعُ بها على الذي غَرَّه إلّا بعد أن يَغْرَمَها، وإنْ كان الزَّوْجُ عَبْدًا فوَلَدُه أحْرارٌ؛ لأنّه تَزَوَّجَ على أنّهم أحْرارٌ، ولا مَهْرَ لها عليه حتّى يَعْتِقَ.
قال المزني: وقِيمَةُ الوَلَدِ في معناه، قال المزني: وهذا يَدُلُّ على أن لا غُرْمَ على مَنْ شَهِدَ على رَجُلٍ بقَتْلٍ خَطَأٍ (٣) حتّى يَغْرَمَ للمَشْهُودِ له.
(٢١٥٠) قال الشافعي: وإنْ كانَتْ هي الغارَّةَ رَجَعَ عليها به إذا أُعْتِقَتْ، إلّا أنْ تَكُونَ مُكَاتَبَةً فيَرْجِعَ عليها في كِتابَتِها؛ لأنّها كالجِنايَةِ، فإنْ عَجَزَتْ فحتّى تَعْتِقَ، فإنْ ضَرَبَها أحَدٌ فألْقَتْ جَنِينًا ففيه ما في جَنِينِ الحُرَّةِ.
стр. 1181
قال المزني: قد جَعَلَ الشّافِعِيّ جَنِينَ المكاتَبَةِ كجَنِينِ الحُرَّةِ إذا تَزَوَّجَتْ على أنّها حُرَّةٌ في هذه المسألة.
стр. 1182
(٢١٩)
باب الأمة تُعتَقُ وزوجُها عبدٌ
من كتاب قديم، ومن «إملاء»، ومن كتاب نكاح وطلاق «إملاء على مسائل مالك» (١)(٢١٥١) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن بَرِيرَة أعْتِقَتْ فخَيَّرَها رسولُ الله ﷺ .
(٢١٥٢) قال الشافعي: وفي ذلك دَلِيلٌ أن ليس بَيْعُها طَلاقَها؛ إذْ خَيَّرَها بَعْدَ بَيْعِها مِنْ زَوْجِها، ورُوِيَ عن عائشةَ أنّها قالت: «كان عَبْدًا»، وعن ابن عباس: «أنّه عَبْدٌ يُقالُ له: «مُغِيثٌ»، كأنّي أنْظُرُ إليه يَطُوفُ خَلْفَها يَبْكِي ودُمُوعُه تَسِيلُ على لحْيَتِه، فقال النبيُّ ﷺ للعبّاس: يا عبّاسُ، ألا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، ومِن بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : لو راجَعْتِيه؛ فإنّه أبو وَلَدِك، فقالتْ: يا رسولَ الله، بأمْرِك؟ قال: إنّما أشْفَعُ، فقالت: لا حاجَةَ لي به»، وعن ابنِ عُمَرَ أنّه قال: «كان عَبْدًا».
(٢١٥٣) قال الشافعي: ولا يُشْبِهُ العَبْدُ الحُرَّ؛ لأنّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ نَفْسَه، وأنّ لسَيِّدِه إخْراجَه عنها ومَنْعَه منها، ولا نَفَقَةَ عليه لوَلَدِها، ولا وِلايَة ولا مِيراثَ بَيْنَهما، فلهذا والله أعلم كان لها الخيارُ إذا أُعْتِقَتْ ما لم يُصِبْها بعد العِتْقِ.
стр. 1183
(٢١٥٤) ولا أعْلَمُ في تأقِيتِ الخِيارِ شَيْئًا يُتَّبَعُ إلّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيّ ﷺ : «ما لم يَمَسَّها» (١).
(٢١٥٥) فإنْ أصابَها فادَّعَت الجَهالَةَ .. ففيها قولان: أحَدُهما - لا خِيارَ لها، والآخر - لها الخيارُ، وهذا أحَبُّ إلينا.
قال المزني: قلت أنا (٢): قد قَطَعَ بأنّ لها الخيارَ في كِتابَيْن، قلت: فلا مَعْنَى فيها لقَوْلَيْن (٣).
(٢١٥٦) قال الشافعي: فإن اخْتارَتْ فِراقَه ولم يَمَسَّها فلا صَداقَ لها، وإنْ أقامَتْ معه فالصَّداقُ للسَّيِّد؛ لأنّه وَجَبَ بالعَقْدِ.
(٢١٥٧) ولو كانتْ في عِدَّةِ طَلْقَةٍ فلها الفَسْخُ، فإنْ تَزَوَّجَها بعد ذلك فهي على واحدةٍ.
стр. 1184
(٢١٥٨) وعلى السُّلْطان أن لا يُؤجِّلَها أكْثَرَ مِنْ مَقامِها، وإنْ كانتْ صَبِيَّةً فحتّى تَبْلُغَ.
(٢١٥٩) ولا خيارَ لأمَةٍ حتّى تَكْمُلَ فيها الحريةُ (١).
(٢١٦٠) ولو أُعْتِقَ قبل الخيارِ فلا خِيارَ لها (٢).
стр. 1185
(٢٢٠)
باب أجل العِنِّين والخَصِيّ غير المجبوب والخنثى (١)
من الجامع، من كتاب قديم، ومن كتاب التعريض بالخطبة
(٢١٦١) قال الشافعي: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن عمر أنه أجّلَ العِنِّينَ سَنَةً.
(٢١٦٢) قال الشافعي: ولا أحْفَظُ عَنْ مُفْتٍ (٢) لَقِيتُه خِلافًا في ذلك، فإنْ جامَعَ، وإلّا فُرِّقَ بينهما.
(٢١٦٣) فإنْ قُطِعَ مِنْ ذَكَرِه فبَقِي منه ما يَقَعُ مَوْقِعَ الجماعِ، أو كان خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حيثُ يَبُولَ الرجلُ، أو كان يُصِيبُ غَيْرَها ولا يُصِيبُها، فسَألَتْ فُرْقَتَه .. أجَّلْتُه سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرافَعا إليه، فإنْ أصابَها مَرَّةً واحدةً فهي امْرأتُه، ولا تَكُونُ إصابَةٌ إلّا بأن تَغِيبَ الحَشَفَةُ أو ما بَقِيَ مِنْ الذَّكَرِ في الفَرْجِ، فإن لم يُصِبْها خَيَّرَها السلطانُ، فإن شاءَتْ فِراقَه فَسَخَ نِكاحَها بغَيْرِ طَلاقٍ؛ لأنّه إليها دُونَه، وإنْ أقامَتْ معه فهو تَرْكٌ لِحَقِّها، فإنْ فارَقَها بعد ذلك ثُمّ راجَعَها في العِدَّةِ ثُمّ سَألَتْ أن يُؤجَّلَ .. لم يَكُنْ ذلك لها.
стр. 1186
قال المزني: قلت أنا (١): وكيف يَكُونُ لها عِدَّةٌ ولم تَكُنْ إصابَةٌ، وأصْلُ قَوْلِه: لو اسْتَمْتَعَ رجلٌ بامرأتِه وقالتْ: لم يُصِبْنِي وطَلَّقَ .. فلها نِصْفُ المهْرِ ولا عِدَّةَ (٢).
(٢١٦٤) قال الشافعي: ولو قالتْ: لم يُصِبْنِي، وقال: قد أصَبْتُها .. فالقولُ قَوْلُه؛ لأنّها تُرِيدُ فَسْخَ نِكاحِه، وعليه اليَمِينُ، فإن نَكَلَ وحَلَفَتْ فُرِّقَ بينهما، وإنْ كانتْ بِكْرًا أرَيْتُها أرْبَعًا (٣) مِنْ النساءِ عُدُولٍ (٤)، وفي ذلك دليلٌ على صِدْقِها (٥)، فإنْ شاء أحْلَفْتُها ثُمّ أفَرِّقُ بينهما (٦)، فإن نكَلَتْ وحَلَفَ أقامَ مَعَها، وذلك أنّ العُذْرَةَ قد تَعُودُ فيما يَزْعُم أهْلُ الخِبْرَةِ بها إذا لم يُبالِغْ في الإصابةِ.
(٢١٦٥) قال الشافعي: وللمَرْأةِ الخِيارُ في المجْبُوبِ وغَيْرِ المجْبُوبِ مِنْ ساعَتِها؛ لأنّ المجْبُوبَ لا يُجامِعُ أبَدًا، وأنّ الخَصِيَّ ناقِصٌ عن الرجالِ وإن كان له ذَكَرٌ (٧)، إلّا أن تَكُونَ عَلِمَتْ، فلا خِيارَ لها.
(٢١٦٦) قال: وإن لم يُجامِعْها الصّبِيُّ أُجِّلَ.
стр. 1187
قال المزني: مَعْناه عِنْدِي: صَبِيٌّ قد بَلَغَ أن يُجامِعَ مِثْلُه (١).
(٢١٦٧) قال الشافعي: وإنْ كان خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرجلُ .. فهو رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ امرأةً، وإن كانتْ هي تَبُولُ مِنْ حيثُ تَبُولُ المرأةُ .. فهي امرأةٌ تَتَزَوَّجُ رَجُلًا، وإنْ كان مُشْكِلًا .. لم يُزَوَّجْ، وقيل له: أنْتَ أعْلَمُ بنَفْسِكَ، فبأيِّهِما شِئتَ أنْكَحْناك عليه، ثُمّ لا يَكُونُ لك غَيْرُه أبَدًا.
قال المزني: قلت أنا (٢): فبأيِّهما تَزَوَّجَ وهو مُشْكِلٌ كان لصاحِبِه الخيارُ لنَقْصِه، قِياسًا على قَوْلِه في الخَصِيّ له الذَّكَرُ: «إنّ لها فيه الخيارَ لنَقْصِه» (٣).
стр. 1188
(٢٢١)
باب الإحصان الذي يُرجَم به من زنى (١)
من «كتاب التعريض بالخطبة» وغير ذلك
(٢١٦٨) قال الشافعي: وإذا أصاب الحُرُّ البالغُ، أو أصِيبَت الحُرَّةُ البالِغَةُ .. فهو إحْصانٌ، في الشِّرْكِ وغَيْرِه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فلو كان المشْرِكُ لا يَكُونُ محْصَنًا - كما قال بعض الناس - لمّا رَجَمَ رسولُ الله ﷺ غَيْرَ مُحْصَنٍ.
стр. 1189
[٣٨]
كتاب الصَّدَاق
مختصر من «الجامع» من كتاب الصداق وكتاب النكاح، ومن «كتاب اختلاف مالك والشافعي» (١)
стр. 1190
(٢١٦٩) قال الشافعي: ذكر الله ﵎ الصَّداقَ والأجْرَ في كِتابِه، وهو المهْرُ، وقال الله : ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فدَلَّ أنّ عُقْدَةَ النكاحِ بالكَلامِ (١)، وأنّ تَرْكَ الصَّداقِ لا يُفْسِدُها، فلو عَقَدَ بمَجْهُولٍ أو بحَرامٍ ثَبَتَ النِّكاحُ، ولها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢١٧٠) وفي قول الله ﵎: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارًا﴾ [النساء: ٢٠] دليلٌ أن لا وَقْتَ للصَّداقِ يَحْرُمُ به (٢)؛ لتَرْكِه النَّهْيَ عن الكثيرِ (٣)، وتَرْكِه حَدَّ القَلِيلِ، وقال رسولُ الله ﷺ : «أدُّوا العَلائِقَ»، قيل: يا رسولَ الله، وما العَلائِقُ؟ قال: «ما تَراضَى به الأهْلُون (٤)»، قال: ولا يَقَعُ اسْمُ «عَلَقٍ (٥)» إلّا على ما له قِيمَةٌ وإن قَلَّتْ، مِثْلُ: الفَلْسِ وما أشْبَهَه، وقال ﷺ لرجلٍ: «الْتَمِسْ ولو خاتمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فالْتَمَسَ فلم يَجِدْ، فقال: «هَلْ مَعَك مِنْ القرآنِ شَيْءٌ؟»، قال: نَعَمْ، سُورَةُ كذا وسُورَةُ كذا، فقال: «قَدْ زَوَّجْتُكَها بما مَعَكَ مِنْ القُرآن»، وبَلَغَنا أنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ اسْتَحَلَّ بدِرْهِمَيْن، فقد اسْتَحَلّ»، وأنّ عُمَرَ قال: «فِي ثَلاثِ قَبَضاتِ زَبِيبٍ مَهْرٌ»، وقال ابنُ المسيب: «لو أصْدَقَها سَوْطًا جازَ»، وقال ربيعةُ: «درهمٌ»، قال: قلت له: فأقل؟ قال: «ونصفُ درهمٍ»، قال: قلت له: فأقل؟ قال: «وحبَّةُ حنطةٍ - أو: قَبْضَةُ حنطةٍ -»، قال الشافعي: فما جازَ أن يَكُونُ ثَمَنًا لشَيْءٍ، أو مَبِيعًا بشَيْءٍ، أو أجْرَةً لشَيْءٍ .. جاز، إذا كانت المرأةُ مالِكَةً لأمْرِها.
стр. 1191
(٢٢٢)
باب الجُعْل والإجارة
من «الجامع» من كتاب الصداق، وكتاب النكاح من «أحكام القرآن»، ومن النكاح القديم (١)(٢١٧١) قال الشافعي: وإذْ أنْكَحَ النبيُّ ﵇ بالقرآنِ، فلو نَكَحَها على أن يُعَلِّمَها قُرآنًا، أو يَأتِيَها بعَبْدِها الآبِقِ، فعَلَّمَها أو جاءها بالآبِقِ، ثُمّ طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ (٢) .. رَجَعَ عليها بنصفِ أجْرَةِ التعليمِ.
قال المزني: قلت أنا (٣): وبنصف أجر المجيء بالآبق (٤).
(٢١٧٢) قال الشافعي: فإن لم يُعَلِّمْها، ولم يَأتِها بالآبِقِ .. رَجَعَتْ عليه بنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنّه ليس له أن يَخْلُوَ بها يُعَلِّمُها.
قال المزني: وكذا قال: لو نَكَحَتْ على خِياطَةِ ثَوْبٍ بعَيْنِه فهَلَكَ الثَّوبُ (٥) .. فلها مَهْرُ مِثْلِها، وهذا أصَحُّ مِنْ قَوْلِه: «لو مات رَجَعَتْ في مالِه بأجْرِ مِثْلِه في تَعْلِيمِه» (٦).
стр. 1192
(٢٢٣)
باب صَداق ما يزيد ببَدَنِه وينقص
من «الجامع» وغير ذلك من كتاب الصداق وكتاب النكاح القديم،
ومن «اختلاف الأحاديث»، ومسائل شتى (١)(٢١٧٣) قال الشافعي: وكُلُّ ما أصْدَقَها فمَلَكَتْه بالعُقْدَةِ وضَمِنَتْه بالدَّفْعِ .. فلَها زِيادَتُه، وعليها نُقْصانُه.
(٢١٧٤) فإنْ أصْدَقَها أمَةً وعَبْدًا صَغِيرَيْن فكَبِرَا، أو أعْمَيَيْن فأبْصَرا، ثُمّ طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ (٢) .. فعليها نصفُ قِيمَتِهما يومَ قَبْضِهما، إلّا أن تَشاءَ دَفْعَهُما زائدَيْن، فلا يَكُونُ له إلّا ذلك، إلّا أن تَكُونَ الزِّيادَةُ غَيَّرَتْهُما، بأن يَكُونا كَبِرَا كِبَرًا بَعِيدًا، فالصغيرُ يَصْلُحُ لِما لا يَصْلُحُ له الكَبِيرُ، فيَكُونُ له نِصْفُ قِيمَتِهما، وإنْ كَانا ناقِصَيْنِ فلَه نِصْفُ قِيمَتِهِما، إلّا أن يَشاءَ أن يَأخُذَهُما ناقِصَيْن، فليس لها مَنْعُه، إلّا أن يَكُونا يَصْلُحانِ لِما لا يَصْلُحُ له الصغيرُ في نَحْوِ ذلك.
(٢١٧٥) وهذا كُلُّه ما لم يَقْضِ له القاضِي بنِصْفِه، فتَكُونُ هي حِينئذٍ ضامِنَةً لِما أصابَه في يَدَيْها (٣).
стр. 1193
(٢١٧٦) فإنْ طَلَّقَها والنّخْلُ مُطْلِعَةٌ، فأرادَ أخْذَ نِصْفِها بالطَّلْعِ .. لم يَكُنْ له ذلك، وكانتْ كالجاريةِ الحُبْلَى والشاةِ الماخِضِ، ومُخالِفَةً لهما في أنّ الإطْلاعَ لا يَكُونُ مَغَيِّرًا للنَّخْلِ عن حالها، فإنْ شاءَتْ أن تَدْفَعَ إليه نِصْفَها فليس له إلّا ذلك، وكذلك كُلُّ الشَّجَرِ، إلّا أن تُرْقِلَ الشَّجَرُ وتَصِيرَ قِحامًا (١)، فلا يَلْزَمُه، وليس لها تَرْكُ الثَّمَرَةِ على أن تَسْتَجْنِيَها ثُمّ تَدْفَعَ إليه نصفَ الشَّجَرِ، لا يَكُونُ حَقُّه مُعَجَّلًا فتُؤَخِّرُه إلّا أن يَشاء، ولو أراد هو أن يُؤخِّرَها إلى أن تُجِدَّ الثَّمَرَةُ لم يَكُنْ ذلك عليها، وذلك أنّ النَّخْلَ والشَّجَرَ يَزِيدان إلى الجِدادِ، وأنّه لمّا طَلَّقَها كان مَحُولًا دُونَها، وكانتْ هي المالكةَ دُونَه، وحَقُّه في قِيمَتِه.
قال المزني: قلت أنا (٢): ليس هذا عندي بشَيْءٍ؛ لأنّه يُجِيزُ بَيْعَ النَّخْلِ قد أُبِّرَتْ، فتَكُونُ ثَمَرَتُها للبائعِ حتّى يَسْتَجْنِيَها، والنَّخْلُ للمُشْتَرِي مُعَجَّلَةٌ،
стр. 1194
ولو كانتْ مُؤخَّرَةً ما جاز بَيْعُ عَيْنٍ مُؤَخَّرَةٍ، فلمّا جازَتْ مُعَجَّلَةً والثَّمَرُ فيها، جازَ رَدُّ نِصْفِها للزَّوْجِ مُعَجَّلًا والثَّمَرُ فيها، وكان رَدُّ النِّصْفِ في ذلك أحَقَّ بالجوازِ مِنْ الشراءِ، فإذا جاز ذلك في الشراءِ جاز في الرَّدِّ عندي (١).
(٢١٧٧) قال الشافعي: وكذلك الأرْضُ تَزْرَعُها، أو تَغْرِسُها، أو تَحْرُثُها.
قال المزني: قلت أنا (٢): الزَّرْعُ مُضِرٌّ بالأرضِ مُنْتَقِصٌ لها وإنْ كان لحَصادِه غايَةٌ، فله الخيارُ في قَبُولِ نِصْفِ الأرْضِ مُنْتَقَصَةً أو القِيمَةِ، والزَّرْعُ لها، وليس ثَمَرُ النَّخْلِ مُضِرًّا بها، فله نِصْفُ النَّخْلِ، والثَّمَرُ لها، وأمّا الغِراسُ فليس بشَبِيهٍ لهما؛ لأنّ لهما غايةً يُفارِقان فيها مَكانَهُما، جِدادًا وحَصادًا، وليس كذلك الغِراسُ؛ لأنّه ثابتٌ في الأرْضِ، فله نِصْفُ قِيمَتِها، وأمّا الحَرْثُ فزِيادَةٌ لها، فليس عليها أن تُعْطِيَه نِصْفَ ما زاد في مِلْكِها إلّا أن تَشاءَ، وهذا عندي أشْبَهُ بقَوْلِه، وبالله التوفيق (٣).
(٢١٧٨) قال الشافعي: ولو وَلَدَت الأمَةُ في يَدَيْه، أو نُتِجَت الماشيةُ (٤)، فنَقَصَتْ عن حالها .. كان الوَلَدُ لها دُونَه؛ لأنّه حَدَثَ في
стр. 1195
مِلْكِها، فإنْ شاءَتْ أخَذَتْ أنْصافَها ناقِصَةً، وإنْ شاءَتْ أخَذَتْ أنْصافَ قِيمَتِها يومَ أصْدَقَها.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا قياسُ قَوْلِه في أوَّلِ باب ما جاء في الصداق في «كتاب الأم» (٥/ ٥٦)، وهو قَوْلُه، وهذا خطأٌ على أصْلِه، [وقياسُ قَوْلِه: لها مَهْرُ مِثْلِها، وهو معنى قَوْلِه في موضعٍ آخَرَ، وهو أوْلَى بقَوْلِه، وأشْبَه بأصْلِه (٢)(٣).
(٢١٧٩) قال الشافعي: ولو أصْدَقَها عَرَضًا بعَيْنِه أو عَبْدًا، فهَلَكَ قبل أن يَدْفَعَه .. فلها قِيمَتُه يَومَ وَقَعَ النكاحُ، فإنْ طَلَبَتْه فمَنَعَها فهو غاصِبٌ، وعليه أكْثَرُ ما كان قِيمَةً.
قال المزني: قلت أنا (٤): قد قال في «كتاب الخُلْعِ»: «لو أصْدَقَها دارًا فاحْتَرَقَتْ قَبْلَ أن تَقْبِضَها .. كان لها الخيارُ في أن تَرْجِعَ بمَهْرِ مِثْلِها، أو تَكُونَ لها العَرْصَةُ بحِصَّتِها مِنْ المهْرِ»، وقال فيه أيضًا: «لو خَلَعَها على عَبْدٍ بعَيْنِه فماتَ قَبْلَ أن يَقْبِضَه .. رَجَعَ عليها بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما يَرْجِعُ لو اشْتَراه مِنْها، فماتَ، رَجَعَ بالثَّمَنِ الذي قَبَضَتْ».
قال المزني: قلت أنا (٥): هذا أشْبَهُ بأصْلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ بَدَلَ النِّكاحِ وبَدَلَ الخُلْعِ في مَعْنَى بَدَلِ البيعِ المسْتَهْلَكِ، فإذا بَطَلَ البيعُ قبل أن يَقْبِضَ وقد قُبِضَ البَدَلُ واسْتُهْلِكَ .. رَجَعَ بقِيمَة المسْتَهْلَكِ، فكذلك النكاحُ
стр. 1196
والخلعُ إذا بَطَلَ بَدَلُهما رَجَعَ بقِيمَتِهما - وهو مَهْرُ المثلِ - كالبيعِ المسْتَهْلَكِ (١).
(٢١٨٠) قال الشافعي: ولو جَعَلَ ثَمَرَ النخلِ في قَوارِيرَ، وجَعَلَ عَلَيْها صَقَرًا مِنْ صَقَر نَخْلِها (٢) .. كان لها أخْذُهُ ونَزْعُه مِنْ القَوارِيرِ، فإذا كان إذا نُزِعَ فَسَدَ أو لم يَبْقَ بشَيْءٍ يُعْمَلُ به .. كان لها الخيارُ في أن تَأخُذَه، أو تَأخُذَ منه مِثْلَه ومِثْلَ صَقَرِه إن كان له مِثْلٌ، أو قِيمَتَه إن لم يَكُنْ له مِثْلٌ.
(٢١٨١) ولو ربَّبَه برُبٍّ مِنْ عِنْدِه (٣) .. كان لها الخيارُ في أن تَأخُذَه وتَنْزِعَ ما عليه مِنْ الرُّبِّ، أو تَأخُذَ مِثْلَ التَّمْرِ إذا كان إذا أُخْرِجَ مِنْ الرُّبِّ لا يَبْقَى يابِسًا بَقاءَ التَّمْرِ الذي لم يُصِبْه الرُّبُّ، أو يَتَغَيَّرْ طَعْمُه.
(٢١٨٢) قال: وكُلُّ ما أصِيبَ في يَدَيْه بفِعْلِهِ أو فِعْلِ غَيْرِه فهو كالغاصِبِ فيه، إلّا أن تَكُونَ أمَةً فيَطأَها وتَلِدَ منه قبلَ الدُّخُولِ ويَقُولَ: كُنْتُ أراها لا تَمْلِكُ إلّا نِصْفَها حتّى أدْخُلَ، فيُقَوَّمُ الوَلَدُ عليه يَوْمَ سَقَطَ، ويُلْحَقُ به، ولها مَهْرُها عليه (٤)، وإنْ شاءَتْ أن تَسْتَرِقَّها فهي لها، وإنْ شاءَتْ أخَذَتْ قِيمَتَها مِنه في أكْثَرَ ما كانتْ قِيمَةً، ولا تَكُونُ أمَّ وَلَدٍ له، وإنّما جَعَلتُ لها الخيارَ؛ لأنّ الوِلادَةَ تُغَيِّرُها عن حالها يَوْمَ أصْدَقَها (٥).
стр. 1197
قال المزني: قلت أنا (١): وقد قال: «لو أصْدَقَها عَبْدًا فأصابَتْ به عَيْبًا فرَدَّتْه .. أنّ لها مَهْرَ مِثْلِها»، وهذا بقَوْلِه أوْلى، قال المزني: وإذا لم يَخْتَلِفْ قَوْلُه أنّ لها الرَّدَّ كالرَّدِّ في البيعِ بالعيبِ فلا يَجُوزُ أخْذُ قِيمَةِ ما رَدَّتْ، [كما لا يَجُوزُ أخْذُ قِيمَةِ ما رَدَّتْ (٢) في البيعِ، وإنّما تَرْجِعُ إلى ما دَفَعَتْ، فإنْ كان فائتًا فقِيمَتُه، فكذلك البُضْعُ عنده كالبيعِ الفائتِ، وممّا يُؤَكِّدُ ذلك أيضًا قولُه في «الخلع»: «لو خلَعَها بعَبْدٍ فأصاب به عَيْبًا، أنّه يَرُدُّه ويَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها»، فسَوَّى في ذلك بينه وبينها، وهذا بقَوْلِه أوْلى.
(٢١٨٣) قال الشافعي: ولو أصْدَقَها شِقْصًا مِنْ دارٍ ففيه الشُّفْعَةُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ لأنّ التَّزْوِيجَ في عامَّة حُكْمِه كالبيعِ.
(٢١٨٤) واخْتَلَفَ قَوْلُه في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُها بعَبْدٍ يَسْوَى ألْفًا (٣)، على أن زادَتْه ألفًا، ومَهْرُ مِثْلِها يَبْلُغُ ألْفًا، فأبْطَلَه في أحَدِ قَوْلَيْه، وأجازَه في الآخَرِ، وجَعَلَ ما أصابَ قَدْرَ المهْرِ مِنْ العَبْدِ مَهْرًا، وما أصابَ قَدْرَ الألْفِ مِنْ العَبْدِ بَيْعًا.
قال المزني: قلت أنا (٤): وأشْبَهُ عندي بقَوْلِه أن لا يُجِيزَه؛ لأنّه لا يُجِيزُ البيعَ إذا كان في عَقْدِه كِراءٌ، ولا الكتابةَ إذا كان في عَقْدِها بيعٌ (٥).