(٢١٧٦) فإنْ طَلَّقَها والنّخْلُ مُطْلِعَةٌ، فأرادَ أخْذَ نِصْفِها بالطَّلْعِ .. لم يَكُنْ له ذلك، وكانتْ كالجاريةِ الحُبْلَى والشاةِ الماخِضِ، ومُخالِفَةً لهما في أنّ الإطْلاعَ لا يَكُونُ مَغَيِّرًا للنَّخْلِ عن حالها، فإنْ شاءَتْ أن تَدْفَعَ إليه نِصْفَها فليس له إلّا ذلك، وكذلك كُلُّ الشَّجَرِ، إلّا أن تُرْقِلَ الشَّجَرُ وتَصِيرَ قِحامًا (١)، فلا يَلْزَمُه، وليس لها تَرْكُ الثَّمَرَةِ على أن تَسْتَجْنِيَها ثُمّ تَدْفَعَ إليه نصفَ الشَّجَرِ، لا يَكُونُ حَقُّه مُعَجَّلًا فتُؤَخِّرُه إلّا أن يَشاء، ولو أراد هو أن يُؤخِّرَها إلى أن تُجِدَّ الثَّمَرَةُ لم يَكُنْ ذلك عليها، وذلك أنّ النَّخْلَ والشَّجَرَ يَزِيدان إلى الجِدادِ، وأنّه لمّا طَلَّقَها كان مَحُولًا دُونَها، وكانتْ هي المالكةَ دُونَه، وحَقُّه في قِيمَتِه.
قال المزني: قلت أنا (٢): ليس هذا عندي بشَيْءٍ؛ لأنّه يُجِيزُ بَيْعَ النَّخْلِ قد أُبِّرَتْ، فتَكُونُ ثَمَرَتُها للبائعِ حتّى يَسْتَجْنِيَها، والنَّخْلُ للمُشْتَرِي مُعَجَّلَةٌ،
стр. 1194
ولو كانتْ مُؤخَّرَةً ما جاز بَيْعُ عَيْنٍ مُؤَخَّرَةٍ، فلمّا جازَتْ مُعَجَّلَةً والثَّمَرُ فيها، جازَ رَدُّ نِصْفِها للزَّوْجِ مُعَجَّلًا والثَّمَرُ فيها، وكان رَدُّ النِّصْفِ في ذلك أحَقَّ بالجوازِ مِنْ الشراءِ، فإذا جاز ذلك في الشراءِ جاز في الرَّدِّ عندي (١).
(٢١٧٧) قال الشافعي: وكذلك الأرْضُ تَزْرَعُها، أو تَغْرِسُها، أو تَحْرُثُها.
قال المزني: قلت أنا (٢): الزَّرْعُ مُضِرٌّ بالأرضِ مُنْتَقِصٌ لها وإنْ كان لحَصادِه غايَةٌ، فله الخيارُ في قَبُولِ نِصْفِ الأرْضِ مُنْتَقَصَةً أو القِيمَةِ، والزَّرْعُ لها، وليس ثَمَرُ النَّخْلِ مُضِرًّا بها، فله نِصْفُ النَّخْلِ، والثَّمَرُ لها، وأمّا الغِراسُ فليس بشَبِيهٍ لهما؛ لأنّ لهما غايةً يُفارِقان فيها مَكانَهُما، جِدادًا وحَصادًا، وليس كذلك الغِراسُ؛ لأنّه ثابتٌ في الأرْضِ، فله نِصْفُ قِيمَتِها، وأمّا الحَرْثُ فزِيادَةٌ لها، فليس عليها أن تُعْطِيَه نِصْفَ ما زاد في مِلْكِها إلّا أن تَشاءَ، وهذا عندي أشْبَهُ بقَوْلِه، وبالله التوفيق (٣).
(٢١٧٨) قال الشافعي: ولو وَلَدَت الأمَةُ في يَدَيْه، أو نُتِجَت الماشيةُ (٤)، فنَقَصَتْ عن حالها .. كان الوَلَدُ لها دُونَه؛ لأنّه حَدَثَ في
стр. 1195
مِلْكِها، فإنْ شاءَتْ أخَذَتْ أنْصافَها ناقِصَةً، وإنْ شاءَتْ أخَذَتْ أنْصافَ قِيمَتِها يومَ أصْدَقَها.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا قياسُ قَوْلِه في أوَّلِ باب ما جاء في الصداق في «كتاب الأم» (٥/ ٥٦)، وهو قَوْلُه، وهذا خطأٌ على أصْلِه، [وقياسُ قَوْلِه: لها مَهْرُ مِثْلِها، وهو معنى قَوْلِه في موضعٍ آخَرَ، وهو أوْلَى بقَوْلِه، وأشْبَه بأصْلِه (٢)(٣).
(٢١٧٩) قال الشافعي: ولو أصْدَقَها عَرَضًا بعَيْنِه أو عَبْدًا، فهَلَكَ قبل أن يَدْفَعَه .. فلها قِيمَتُه يَومَ وَقَعَ النكاحُ، فإنْ طَلَبَتْه فمَنَعَها فهو غاصِبٌ، وعليه أكْثَرُ ما كان قِيمَةً.
قال المزني: قلت أنا (٤): قد قال في «كتاب الخُلْعِ»: «لو أصْدَقَها دارًا فاحْتَرَقَتْ قَبْلَ أن تَقْبِضَها .. كان لها الخيارُ في أن تَرْجِعَ بمَهْرِ مِثْلِها، أو تَكُونَ لها العَرْصَةُ بحِصَّتِها مِنْ المهْرِ»، وقال فيه أيضًا: «لو خَلَعَها على عَبْدٍ بعَيْنِه فماتَ قَبْلَ أن يَقْبِضَه .. رَجَعَ عليها بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما يَرْجِعُ لو اشْتَراه مِنْها، فماتَ، رَجَعَ بالثَّمَنِ الذي قَبَضَتْ».
قال المزني: قلت أنا (٥): هذا أشْبَهُ بأصْلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ بَدَلَ النِّكاحِ وبَدَلَ الخُلْعِ في مَعْنَى بَدَلِ البيعِ المسْتَهْلَكِ، فإذا بَطَلَ البيعُ قبل أن يَقْبِضَ وقد قُبِضَ البَدَلُ واسْتُهْلِكَ .. رَجَعَ بقِيمَة المسْتَهْلَكِ، فكذلك النكاحُ
стр. 1196
والخلعُ إذا بَطَلَ بَدَلُهما رَجَعَ بقِيمَتِهما - وهو مَهْرُ المثلِ - كالبيعِ المسْتَهْلَكِ (١).
(٢١٨٠) قال الشافعي: ولو جَعَلَ ثَمَرَ النخلِ في قَوارِيرَ، وجَعَلَ عَلَيْها صَقَرًا مِنْ صَقَر نَخْلِها (٢) .. كان لها أخْذُهُ ونَزْعُه مِنْ القَوارِيرِ، فإذا كان إذا نُزِعَ فَسَدَ أو لم يَبْقَ بشَيْءٍ يُعْمَلُ به .. كان لها الخيارُ في أن تَأخُذَه، أو تَأخُذَ منه مِثْلَه ومِثْلَ صَقَرِه إن كان له مِثْلٌ، أو قِيمَتَه إن لم يَكُنْ له مِثْلٌ.
(٢١٨١) ولو ربَّبَه برُبٍّ مِنْ عِنْدِه (٣) .. كان لها الخيارُ في أن تَأخُذَه وتَنْزِعَ ما عليه مِنْ الرُّبِّ، أو تَأخُذَ مِثْلَ التَّمْرِ إذا كان إذا أُخْرِجَ مِنْ الرُّبِّ لا يَبْقَى يابِسًا بَقاءَ التَّمْرِ الذي لم يُصِبْه الرُّبُّ، أو يَتَغَيَّرْ طَعْمُه.
(٢١٨٢) قال: وكُلُّ ما أصِيبَ في يَدَيْه بفِعْلِهِ أو فِعْلِ غَيْرِه فهو كالغاصِبِ فيه، إلّا أن تَكُونَ أمَةً فيَطأَها وتَلِدَ منه قبلَ الدُّخُولِ ويَقُولَ: كُنْتُ أراها لا تَمْلِكُ إلّا نِصْفَها حتّى أدْخُلَ، فيُقَوَّمُ الوَلَدُ عليه يَوْمَ سَقَطَ، ويُلْحَقُ به، ولها مَهْرُها عليه (٤)، وإنْ شاءَتْ أن تَسْتَرِقَّها فهي لها، وإنْ شاءَتْ أخَذَتْ قِيمَتَها مِنه في أكْثَرَ ما كانتْ قِيمَةً، ولا تَكُونُ أمَّ وَلَدٍ له، وإنّما جَعَلتُ لها الخيارَ؛ لأنّ الوِلادَةَ تُغَيِّرُها عن حالها يَوْمَ أصْدَقَها (٥).
стр. 1197
قال المزني: قلت أنا (١): وقد قال: «لو أصْدَقَها عَبْدًا فأصابَتْ به عَيْبًا فرَدَّتْه .. أنّ لها مَهْرَ مِثْلِها»، وهذا بقَوْلِه أوْلى، قال المزني: وإذا لم يَخْتَلِفْ قَوْلُه أنّ لها الرَّدَّ كالرَّدِّ في البيعِ بالعيبِ فلا يَجُوزُ أخْذُ قِيمَةِ ما رَدَّتْ، [كما لا يَجُوزُ أخْذُ قِيمَةِ ما رَدَّتْ (٢) في البيعِ، وإنّما تَرْجِعُ إلى ما دَفَعَتْ، فإنْ كان فائتًا فقِيمَتُه، فكذلك البُضْعُ عنده كالبيعِ الفائتِ، وممّا يُؤَكِّدُ ذلك أيضًا قولُه في «الخلع»: «لو خلَعَها بعَبْدٍ فأصاب به عَيْبًا، أنّه يَرُدُّه ويَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها»، فسَوَّى في ذلك بينه وبينها، وهذا بقَوْلِه أوْلى.
(٢١٨٣) قال الشافعي: ولو أصْدَقَها شِقْصًا مِنْ دارٍ ففيه الشُّفْعَةُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ لأنّ التَّزْوِيجَ في عامَّة حُكْمِه كالبيعِ.
(٢١٨٤) واخْتَلَفَ قَوْلُه في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُها بعَبْدٍ يَسْوَى ألْفًا (٣)، على أن زادَتْه ألفًا، ومَهْرُ مِثْلِها يَبْلُغُ ألْفًا، فأبْطَلَه في أحَدِ قَوْلَيْه، وأجازَه في الآخَرِ، وجَعَلَ ما أصابَ قَدْرَ المهْرِ مِنْ العَبْدِ مَهْرًا، وما أصابَ قَدْرَ الألْفِ مِنْ العَبْدِ بَيْعًا.
قال المزني: قلت أنا (٤): وأشْبَهُ عندي بقَوْلِه أن لا يُجِيزَه؛ لأنّه لا يُجِيزُ البيعَ إذا كان في عَقْدِه كِراءٌ، ولا الكتابةَ إذا كان في عَقْدِها بيعٌ (٥).
стр. 1198
(٢١٨٥) قال الشافعي: ولو أصْدَقَها عَبْدًا فدَبَّرَتْه، ثُمّ طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ .. لم يَرْجِعْ في نِصْفِه؛ لأنّ الرُّجُوعَ لا يَكُونُ إلّا بإخْراجِها إيّاه مِنْ مِلْكِها.
قال المزني: قلت أنا (١): قد أجاز الرُّجُوعَ في «كتاب المدبَّر» [ف: ٢٩١٣] بغيرِ إخْراجٍ له مِنْ مِلْكِه، وهذا بقَوْلِه أوْلَى، قال المزني: قلت أنا (٢): إذا كان التَّدْبِيرُ وَصِيَّةً له برَقَبَتِه فهو كما أوْصَى لغَيْرْه برَقَبَتِه، مع أنّ رَدَّ نِصْفِه إليه إخْراجٌ مِنْ المِلْكِ (٣).
(٢١٨٧) قال الشافعي: ولو تَزَوَّجَها على عَبْدٍ فوُجِدَ (٤) حُرًّا .. فعليه قِيمَتُه.
قال المزني: قلت أنا (٥): هذا غلطٌ، هو يَقُولُ: «لو تَزَوَّجَها بشَيْءٍ فاسْتُحِقَّ .. رَجَعَتْ إلى مَهْرِ مِثْلِها، ولم تَكُنْ لها قِيمَتُه؛ لأنّها لم تَمْلِكْه»، فهي مِنْ مِلْكِ قِيمَةِ الحُرِّ أبْعَدُ (٦).
(٢١٨٨) قال الشافعي: وإذا شاهَدَ الزَّوْجُ الوَلِيَّ والمرْأةَ أنّ المهْرَ كذا، ويُعْلِنُ بأكْثَرَ منه .. قال المزني: اخْتَلَفَ قَوْلُه في ذلك، قال في موضعٍ: السِّرُّ، وقال في غيرِه: العلانيةُ، وهذا أوْلَى عندي؛ لأنّه إنّما يَنْظُرُ إلى العُقُودِ، وما قَبْلَها وَعْدٌ (٧).
стр. 1199
(٢١٨٩) قال الشافعي: وإنْ عُقِدَ عليه النكاحُ بعشرين يومَ الخميس، ثُمّ عُقِدَ عليه يومَ الجمعة بثلاثين، وطَلَبَتْهُما مَعًا .. فهما لها؛ لأنّهما نِكاحان.
قال المزني: للزَّوْجِ أن يَقُولَ: كان الفِراقُ قبل النكاحِ الثاني (١) قبل الدخولِ، فلا يَلْزَمُه إلّا مَهْرٌ ونِصْفٌ في قياسِ قَوْلِه (٢).
(٢١٩٠) قال الشافعي: ولو أصْدَقَ أرْبَعَ نِسْوَةٍ ألْفًا .. قُسِمَتْ على قَدْرِ مُهُورِهِنَّ؛ كما يَشْتَرِي (٣) أرْبَعَةَ أعْبُدٍ في صَفْقَةٍ، فيَكُونُ الثَّمَنُ مَقْسُومًا على قَدْرِ قِيمَتهم.
قال المزني: قلت أنا (٤): نَظِيرُهُنَّ أن يَشْتَرِيَ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ كُلِّ واحدةٍ [عَبْدًا بثَمَنٍ واحدٍ، فتَجْهَلُ كُلُّ واحدةٍ (٥) مِنْهُنّ ثَمَنَ عَبْدِها؛ كما جَهِلَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُنّ مَهْرَ نَفْسِها، وفسادُ المهْرِ بقَوْلِه أوْلى (٦).
стр. 1200
(٢١٩١) قال الشافعي: ولو أصْدَقَ عن ابْنِه، ودَفَعَ الصَّداقَ مِنْ مالِه، ثُمّ طَلَّقَ .. فللابنِ النِّصْفُ كما لو وَهَبَه له فقَبَضَه.
(٢١٩٢) قال: ولو تَزَوَّجَ الموَلَّى عليه بغَيْرِ أمْرِ وَلِيِّه لم يَكُنْ له أن يُجِيزَ النِّكاحَ، فإن أصابَها فلا صَداقَ لها ولا شَيْءَ تَسْتَحِلُّ به، إذا كُنْتُ لا أجْعَلُ عليه في سِلْعَةٍ يَشْتَرِيها فيُتْلِفُها شَيْئًا لم أجْعَلْ عليه بالإصابةِ شَيْئًا.
стр. 1201
(٢٢٤)
باب التفويض (١)
من «الجامع» من كتاب الصداق، ومن النكاح القديم، ومن «إملاء على مسائل مالك»
(٢١٩٣) قال الشافعي: التَّفْوِيضُ الذي مَنْ زَوَّجَ به عُرِفَ أنّه تَفْوِيضٌ: أن يَتَزَوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ الثَّيِّبَ المالِكَةَ لأمْرِها برِضاها، ويَقُولَ لها: أتَزَوَّجُكِ بغيرِ مَهْرٍ. فالنِّكاحُ في هذا ثابتٌ.
(٢١٩٤) فإنْ أصابَها فلها مَهْرُ مِثْلِها، وإن لم يُصِبْها حتّى طَلَّقَها فلها المتْعَةُ، وقال في القديم: «بَدَلًا مِنْ العُقْدَةِ.
(٢١٩٥) ولا وَقْتَ فيها، وأسْتَحْسِنُ بقَدْرِ ثلاثين دِرْهَمًا، وما رَأى الوالي بقَدْرِ الزَّوْجَيْن».
(٢١٩٦) فإنْ ماتَ قَبْلَ أن يُسَمِّيَ مَهْرًا أو ماتَتْ فسواءٌ، وقد رُوِيَ عن النبيّ ﷺ بأبي هو وأمي أنّه قَضَى في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ - ونَكَحَتْ بغير مَهْرٍ، فمات زَوْجُها - بمَهْرِ نِسائها وبالميراثِ، فإن كان يَثْبُتُ .. فلا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ دون النبيِّ ﷺ ، فقال مَرَّةً: عن مَعْقِل بن يَسارٍ، [ومَرَّةً: عن مَعْقِل بنِ
стр. 1202
سِنان (١)، ومَرَّةً: عن بَعْضِ أشْجَعَ، وإن لم يَثْبُتْ فلا مَهْرَ، ولها الميراثُ، وهو قَوْلُ عليّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ وابنِ عُمَر (٢).
(٢١٩٧) قال الشافعي: ومتى طَلَبَت المهْرَ فلا يَلْزَمُه إلّا أن يَفْرِضَه السُّلْطانُ لها، أو يَفْرِضَه لها بعد عِلْمِها بصَداقِ مِثْلِها (٣)، فإنْ فَرَضَه فلم تَرْضَه حتّى فارَقَها لم يَكُنْ لها إلّا ما اجْتَمَعا عليه، فيَكُونُ كما لو كان في العُقْدَة.
(٢١٩٨) وقد يَدْخُلُ في اسْمِ التَّفْوِيض، وليس بالتَّفْوِيض المعْرُوفِ، وهو مخالِفٌ لِما قَبْلَه، وهو أن يُقالَ له (٤): أتَزَوَّجُك على أن تَفْرِضَ لي ما شِئتَ أنْتَ أو شِئتُ أنا، فهذا كالصَّداقِ الفاسِدِ، فلها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٥)
باب تفسير مهر مثلها
من «الجامع» من كتاب الصداق، وكتاب «إملاء على مسائل مالك» وغيره (١)(٢١٩٩) قال الشافعي: ومتى قلتُ: لها مَهْرُ نِسائها .. فإنّما أعْنِي: نِساءَ عَصَبَتِها، وليس أمُّها مِنْ نِسائها، وأعْنِي: نِساءَ بَلَدِها، ومَهْرَ مَنْ هو في مِثل سِنِّها، وعَقْلِها وحُمْقِها، وجَمالِها وقُبْحِها، ويُسْرِها وعُسْرِها، وأدَبِها وصَراحَتِها (٢)، وبِكْرًا كانتْ أو ثَيِّبًا؛ لأنّ المهُورَ بذلك تَخْتَلِفُ، وأجْعَلُه نَقْدًا كُلَّه؛ لأنّ الحكْمَ بالقِيمَةِ لا يَكُونُ بدَيْنٍ.
(٢٢٠٠) فإن لم يَكُنْ لها نَسَبٌ .. فمَهْرُ أقْرَبِ الناسِ بها شَبَهًا فيما وَصَفْتُ (٣).
(٢٢٠١) وإنْ كان نِساؤُها إذا نَكَحْنَ في عَشائِرِهِنّ خَفَّفْنَ .. خُفِّفَ في عَشِيرَتِها.
стр. 1205
(٢٢٦)
باب الاختلاف في المهر
من كتاب الصداق
(٢٢٠٢) قال الشافعي: وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في المهْرِ قبل الدُّخُولِ أو بَعْدَه تحالَفا، ولها مَهْرُ مِثْلِها، وبَدَأتُ بالرَّجُلِ، وهكذا الزَّوْجُ، وأبو الصَّبِيَّةِ البِكْرِ، أو وَرَثَةُ الزَّوْجَيْن أو أحَدِهما.
(٢٢٠٣) والقولُ قَوْلُ المرأةِ ما قَبَضَتْ مَهْرَها؛ لأنّه حَقٌّ مِنْ الحقُوقِ لا (١) يَزُولُ إلّا بإقْرارِ الذي له الحَقُّ ومَن إليه الحَقُّ.
(٢٢٠٤) فإنْ قالت المرأةُ: الذي قَبَضْتُ هَدِيَّةٌ، وقال: بل مَهْرٌ (٢) .. فقد أقَرَّتْ بمالٍ، وادَّعَتْ مِلْكَه، فالقولُ قولُه.
(٢٢٠٥) قال: ويَبْرَأ بدَفْعِ المهْرِ إلى أبي البِكْرِ، صَغِيرَةً كانَتْ أو كَبِيرَةً، اللّتَيْن يَلي أبوهما بُضْعَهُما ومالَهما (٣).
стр. 1206
(٢٢٧)
باب الشرط في المهر
من كتاب الصداق والطلاق وضمان النفقة
(٢٢٠٦) قال الشافعي: وإذا عَقَدَ النِّكاحَ بألْفٍ على أنّ لأبِيها ألْفًا .. فالمهْرُ فاسِدٌ؛ لأنّ الألْفَ ليس بمَهْرٍ لها، ولا يَحِقُّ له باشْتِراطِه إيّاه، ولو نَكَحَ امْرَأةً على ألْفٍ، وعلى أن يُعْطِيَ أباها ألْفًا .. كان جائزًا، ولها مَنْعُه وأخْذُها منه؛ لأنّها هِبَةٌ لم تُقْبَضْ، أو وَكالَةٌ (١).
стр. 1207
(٢٢٠٧) ولو أصْدَقَها ألْفًا على أنّ لها أن تَخْرُج، أو على أن لا يُخْرِجَها مِنْ بَلَدِها، ولا يَنْكِحَ عليها، ولا يَتَسَرَّى، أو شَرَطَتْ (١) عليه مَنْعَ ما لَه أن يَفْعَلَه .. فلها مَهْرُ مِثْلِها في ذلك كُلِّه، وإنْ كان قد زادَها على مَهْرِ مِثْلِها وزادَها الشَّرْطَ .. أبْطَلْتُ الشَّرْطَ ولم أجْعَل لها الزِّيادَةَ؛ لفَسادِ عَقْدِ المهْرِ بالشَّرْطِ، ألا ترى لو اشْتَرَى عَبْدًا بمائةِ دِينارٍ وزِقِّ خمرٍ، فمات العبدُ في يَدَي المشْتَرِي، ورَضِيَ البائعُ أن يَأخُذَ المائةَ ويُبْطِلَ الزِّقَّ الخمرِ .. لم يَكُنْ ذلك له؛ لأنّ الثَّمَنَ انْعَقَد بما لا يَجُوزُ، فبَطَلَ وكانت له قيمةُ العبدِ.
(٢٢٠٨) ولو أصْدَقَها دارًا واشْتَرَطَ له أو لها (٢) أو لهما الخيارَ فيها .. كان المهْرُ فاسدًا (٣).
(٢٢٠٩) قال: ولو ضَمِنَ أبو الزوجِ نَفَقَتَها عَشْرَ سِنِينَ، في كُلِّ سنةٍ كذا .. لم يَجُزْ ضَمانُ ما لم يَجِبْ، وأنّه مَرَّةً أقَلُّ ومَرَّةً أكْثَرُ، وكذلك لو
стр. 1208
قال: ضَمِنْتُ لك ما دايَنْتَ به فلانًا، وما وَجَبَ عليه لك؛ لأنّه ضَمِنَ ما لم يَكُنْ وما جَهِلَ.
стр. 1209
(٢٢٨)
باب عفو المهر وغير ذلك
من الجامع من كتاب الصداق، ومن إملاء على مسائل مالك
(٢٢١٠) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] (١)، قال: والذي بيَدِه عُقْدَةُ النكاحِ: الزوجُ، وذلك أنّه إنّما يَعْفُو مَنْ مَلَكَ، فجَعَلَ لها ممّا وَجَبَ لها مِنْ نِصفِ المهْرِ أن تَعْفُوَه، وجَعَلَ له أن يَعْفُوَ بأن يُتِمَّ لها الصَّداقَ، وبَلَغَنا عن عليِّ بنِ أبي طالب أنّ الذي بيَدِه عُقْدَةُ النكاحِ: الزوجُ (٢)، وهو قَوْلُ شُرَيحٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عن ابنِ المسيب، وهو قولُ مجاهدٍ (٣)، قال الشافعي: فأما أبو البِكْرِ وأبو المحْجُورِ عليه .. فلا يَجُوزُ عَفْوُهُما كما لا يَجُوزُ لهما هِبةُ أمْوالهما.
стр. 1210
(٢٢١١) وأيّ الزَّوْجَيْن عفا عمّا في يَدَيْه .. فله الرُّجُوعُ قبل الدَّفْعِ أو الرَّدِّ، والتَّمامُ أفْضَلُ.
(٢٢١٢) ولو وَهَبَتْ له صَداقَها ثُمّ طَلَّقَها قبل أن يَمَسَّها .. ففيها قولان: أحدهما - يَرْجِعُ عليها بنِصْفِه، والآخر - لا يَرْجِعُ عليها بشيءٍ مَلَكَه.
قال المزني: قلت أنا (١): وقال في الكتاب القديم: لا يَرْجِعُ (٢)، قَبَضَتْه فوَهَبَتْه له أو لم تَقْبِضْه؛ لأنّ هِبَتَها له إبْراءٌ، ليس كاسْتِهْلاكِها إيّاه لو وَهَبَتْه لغَيْرِه، فبأيّ شيءٍ يَرْجِعُ عليها فيما صار إليه؟ (٣).
(٢٢١٣) قال الشافعي: وكذلك إن أعْطاها نِصْفَه، ثُمّ وَهَبَتْ له النِّصْفَ الآخَرَ وطَلَّقَها .. لم يَرْجِعْ بشَيْءٍ، ولا أعْلَمُ قَوْلًا غير هذا، إلّا أن يَقُولَ قائلٌ: هِبَتُها له كهِبَتِها لغَيْرِه، والأوَّلُ عندنا أحْسَنُ، واللهُ أعلم، ولكُلٍّ وَجْهٌ.
قال المزني: قلت أنا (٤): الأحْسَنُ أوْلَى به مِنْ الذي لَيْسَ بأحْسَنَ، والقياسُ عندي (٥) على قولِه ما قال في «كتاب الإملاء»: «إذا وَهَبَتْ له النِّصْفَ أنّه يَرْجِعُ عليها بنِصْفِ ما بَقِيَ» (٦).
стр. 1211
(٢٢١٤) قال الشافعي: وإنْ خالَعَتْه بشَيْءٍ ممّا عليه مِنْ المهْرِ فما بَقِيَ فعليه نِصْفُه.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقَوْلِه؛ لأنّ النِّصْفَ مُشاعٌ فيما قَبَضَتْ وبَقِيَ (٢).
(٢٢١٥) قال الشافعي: فأمّا في الصَّداقِ غيرِ المسَمَّى أو الفاسِدِ .. فالبراءةُ في ذلك باطلٌ؛ لأنّها أبْرَأتْه ممّا لا تَعْلَمُ (٣)، ولو قَبَضَت الفاسِدَ ثُمّ رَدَّتْه عليه .. كانت البراءةُ باطِلًا، ولها مَهْرُ مِثْلِها، إلّا أن يَكُونَ بعد مَعْرِفَةِ المهْرِ، أو يُعْطِيَها ما يَسْتَيْقِنُ أنّه أقَلُّ وتُحَلِّلُه ما بين كذا إلى كذا، أو يُعْطِيَها أكْثَرَ ويُحَلِّلَها ما بين كذا إلى كذا.
стр. 1212
(٢٢٩)
باب الحكم في الدخول، وإغلاق الباب، وإرخاء الستر
من الجامع من كتاب جماع عِشْرة النساء، ومن كتاب الطلاق القديم (١)(٢٢١٦) قال الشافعي: وليس له الدُّخُولُ بها حتّى يُعْطِيَها المالَ، فإنْ كان كُلُّه دَيْنًا فله الدُّخُولُ بها.
(٢٢١٧) وتُؤخَّرُ يَوْمًا ونَحْوَه لتُصْلِحَ أمْرَها (٢)، ولا يُجاوَزُ بها ثَلاثًا، إلّا أنْ تَكُونَ صَغِيرَةً لا تَحْتَمِلُ الجِماعَ، فيَمْنَعُه أهْلُها حتّى تَحْتَمِلَ، والصَّداقُ كالدَّيْنِ سَواءً، ولَيْسَ عليه دَفْعُ صَداقِها ولا نَفَقَتِها حتّى تَكُونَ في الحالِ التي يُجامَعُ مِثْلُها، ويُخَلَّى بَيْنَه وبَيْنَها.
(٢٢١٨) وإنْ كانَتْ بالِغًا، فقال: لا أدْفَعُ حتّى تُدْخِلُوها، وقالوا: لا نُدْخِلُها حتّى تَدْفَعَ .. فأيُّهما تَطَوَّعَ (جَبَرْتُ) الآخَرَ، فإن امْتَنَعُوا مَعًا .. (جَبَرْتُ) (٣) أهْلَها عَلى وَقْتٍ يُدْخِلُونَها فيه، وأخَذْتُ الصَّداقَ مِنْ زَوْجِها،
стр. 1213
فإذا دَخَلَتْ دَفَعْتُه إلَيْها، وجَعَلْتُ لها النَّفَقَةَ إذا قالُوا: نَدْفَعُها إليه إذا دَفَعَ الصَّداقَ إلينا.
(٢٢١٩) وإنْ كانَتْ نِضْوًا (١) أجْبِرَتْ على الدُّخُولِ، إلّا أن يَكُونَ مِنْ مَرَضٍ لا يُجامَعُ فيه مِثْلُها، فتُمْهَلُ (٢).
(٢٢٢٠) ولو أفْضاها فلم تَلْتَئِم (٣) فعليه دِيَتُها لها ومَهْرُها كامِلًا (٤)، ولها مَنْعُه أن يُصِيبَها حتّى تَبْرَأ البُرْءَ الذي إنْ عاد لم يَنْكَأْها ولم يَزِدْ في جُرْحِها (٥)، والقولُ في ذلك قَوْلُها.
(٢٢٢١) وإنْ دَخَلَتْ عليه فلم يَمَسَّها حتّى طَلَّقَها .. فلها نِصْفُ المهْرِ؛ لقول الله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإنِ احْتَجَّ بالأثَرِ عن عُمَرَ في إغْلاقِ البابِ وإرْخاء السِّتْرِ أنّه يُوجِبُ المهْرَ، فمِنْ قَوْلِ عُمَرَ: «ما ذَنْبُهُنَّ إنْ جاء العَجْزُ مِنْ قِبَلِكُم؟» .. فأخْبَر أنّه يَجِبُ إذا خَلَّتْ بَيْنَه وبَيْنَ نَفْسِها كوُجُوبِ الثَّمَنِ بالقَبْضِ، وإن لم يُغْلِقْ بابًا ولم يُرْخِ سِتْرًا، قال: وسواءٌ طالَ مُقامُه معها أو قَصُرَ، لا يَجِبُ المهْرُ والعِدَّةُ إلّا بالمسِيسِ نَفْسِه.
стр. 1214
قال المزني: قلت أنا (١): قد جاء عن ابن مسعود وابن عباس معنى ما قال الشافعيُّ، وهو ظاهرُ القرآنِ (٢).
стр. 1215
(٢٣٠)
باب المتعة
من كتاب الطلاق من قديم وجديد (١)(٢٢٢٢) قال الشافعي: جَعَلَ اللهُ المتْعَةَ للمُطَلَّقاتِ، وقال ابنُ عُمَرَ: «لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، إلّا التي فَرَضَ لها ولم يَدْخُلْ بها، فحَسْبُها نِصْفُ المهْرِ» (٢).
(٢٢٢٣) قال الشافعي: فالمتْعَةُ على كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ ولِكُلِّ زَوْجَةٍ إذا كان الفِراقُ مِنْ قِبَلِه، أو يَتِمُّ به، مِثْلُ: أن يُطَلِّقَ أو يُخالِعَ أو يَمْلِكَ، وإذا كان الفِراقُ مِنْ قِبَلِها فلا مُتْعَةَ لها ولا مَهْرَ أيضًا؛ لأنّها لَيْسَتْ بمُطَلَّقَةٍ، وكذلك إذا كانَتْ أمَةً فباعَها سَيِّدُها مِنْ زَوْجِها فهو أفْسَدَ النكاحَ ببَيْعِه إيّاها (٣)، فأمّا الملاعَنَةُ .. فإنّ ذلك منه ومنها، ولأنّه إن شاء أمْسَكَها، فهي كالمطَلَّقَةِ، وأما امْرأةُ العِنِّينِ .. فلو شاءَتْ أقامَتْ معه، ولها عِنْدِي مُتْعَةٌ، والله أعلم.
قال المزني: قلت أنا: هذا عندي غَلَطٌ عليه، وقياسُ قَوْلِه: لا حَقَّ لها؛ لأنّ الفِراقَ مِنْ قِبَلِها دُونَه (٤).
стр. 1216
(٢٣١)
باب الوليمة والنَّثْر
من كتاب الطلاق وإملاء على مسائل مالك
(٢٢٢٤) قال الشافعي: والوَلِيمَةُ التي تُعْرَفُ: وَلِيمَةُ العُرْسِ، وكُلُّ دَعْوَةٍ على إمْلاكٍ أو نِفاسٍ أو خِتانٍ أو حادِثِ سُرُورٍ، فدَعا إليها رجلٌ، فاسْمُ الوَلِيمَةِ يَقَعُ عليها (١)، ولا أرَخِّصُ في تَرْكِها، ومَن تَرَكَها لم يَبِنْ لي أنّه عاصٍ كما يَبِينُ في وَلِيمَةِ العُرْسِ؛ لأنّي لا أعْلَمُ أنّ النبيَّ ﷺ تَرَكَ الوَلِيمَةَ على عُرْسٍ، ولا أعْلَمُه أوْلَمَ على غَيْرِه، وأوْلَمَ على صَفِيَّةَ في سَفَرٍ بسَوِيقٍ وتَمْرٍ، وقال لعبدِالرحمنِ بنِ عوفٍ: «أوْلِمْ ولو بشاةٍ» (٢).
(٢٢٢٥) قال: وإنْ كان المدْعُوُّ صائِمًا .. أجابَ الدَّعْوَةَ وبَرَّكَ وانْصَرَفَ، وليس بحَتْمٍ أن يَأكُلَ، وأحِبُّ لو فَعَلَ (٣)، وقد دُعِيَ ابنُ عمر فجَلَس، ووُضِعَ الطعامُ فمَدَّ يدَه، وقال: خُذُوا بسم الله، ثُمّ قَبَضَ يَدَه فقال: إنّي صائمٌ (٤).
стр. 1217
(٢٢٢٦) قال: وإذا كان فيها المعْصِيَةُ مِنْ المسْكِرِ والخَمْرِ أو ما أشْبَهَه مِنْ المعاصِي الظّاهِرَةِ .. نَهاهُم، فإن نَحَّوْا ذلك عنه (١)، وإلّا لم أحِبَّ له أن يَجْلِسَ، وإنْ عَلِمَ ذلك عِنْدَهُم لم أحِبَّ له أن يُجِيبَ.
(٢٢٢٧) وإنْ رَأى صُوَرَ ذَواتِ أرْواحٍ لم يَدْخُلْ إنْ كانَتْ مَنْصُوبَةً، وإنْ كانَتْ تُوطَأ فلا بأسَ، وإنْ كانَ [كذا] صُوَرَ الشَّجَرِ فلا بأسَ.
(٢٢٢٨) وأحِبُّ أن يُجِيبَ أخاه، بَلَغَنا أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لو أهْدِيَ إليَّ ذراعٌ لقَبِلْتُ، ولو دُعِيتُ إلى كُراعٍ لأجَبْتُ».
(٢٢٢٩) وقال في نَثْرِ السُّكَّرِ واللَّوْزِ والجَوْزِ في العُرْسِ: لو تُرِكَ كان أحَبَّ إليَّ؛ لأنّه يُؤخَذُ بخِلْسَةٍ ونُهْبَةٍ، ولا يَبِينُ أنّه حرامٌ، إلّا أنّه قد يَغْلِبُ بَعْضُهُم بعضًا فيَأخُذُ مَنْ غَيْرُه أحَبُّ إلى صاحِبِه (٢).
стр. 1218
[٣٩]
كتاب النُّشوز (١)
مختصر القَسْمِ ونشوزِ الرجل على المرأة، من الجامع من كتاب جماع عشرة النساء، ومن كتاب نشوز الرجل على المرأة، ومن كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن إملاء على مسائل مالك (٢)
стр. 1219
(٢٢٣٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال الشافعي: وجِماعُ المعروفِ بين الزَّوْجَيْن كَفُّ المكْرُوهِ، وإعْفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المؤُونَةِ في طَلَبِه، لا بإظْهارِ الكَراهِيَةِ في تأدِيَتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخِيرِه فمَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ.
(٢٢٣١) وتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ عن تِسْعٍ، وكان يَقْسِمُ لثَمانٍ، ووَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَها لعائشةَ، قال: فبهذا نَقُولُ.
(٢٢٣٢) ويُجْبَرُ على القَسْمِ، فأمّا الجِماعُ فمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ، ولا يُجْبَرُ أحَدٌ عليه (١)، قال الله ﵎: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩]، قال بعضُ أهل التفسير (٢): «لنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بما في القُلُوبِ؛ لأنّ اللهَ تَجاوَزَه، ﴿فلا تميلوا﴾ لا (٣) تُتْبِعُوا أهْواءَكُمْ أفْعالَكُم، فإذا كان الفِعْلُ والقولُ مع الهوى فذلك كُلُّ الميْلِ»، وبَلَغَنا أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْسِمُ فيَقُولُ: «اللهم هذا قَسْمِي فيما أمْلِكُ، وأنت أعْلَمُ بما لا أمْلِكُ»، يعني والله أعلم: قَلْبَه. وبَلَغَنا أنّه كان يُطافُ به محْمُولًا ﷺ في مَرَضِه على نِسائه حتّى حَلَّلْنَه.
(٢٢٣٣) قال: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ؛ لأنّه سَكَنٌ، وقال: ﴿أزواجا لتسكنوا إليها﴾ [الروم: ٢١].
(٢٢٣٤) قال: فإذا كان عند الرجلِ حَرائِرُ مُسْلِماتٌ وذِمِّيَّاتٌ فهُنّ في القَسْمِ سواءٌ، ويَقْسِمُ للحُرَّةِ لَيْلَتَيْن، وللأمَةِ لَيْلَةً، إذا خَلّى الموْلَى بَيْنَه وبَيْنَها في لَيْلَتِها ويَوْمِها، وللأمَةِ أنْ تُحَلِّلَه مِنْ قَسْمِها دون الموْلى.
стр. 1220
(٢٢٣٥) ولا يُجامِعُ المرْأةَ في غَيْرِ نَوْبَتِها (١)، ولا يَدْخُلُ في اللَّيْلِ على التي لم يَقْسِمْ لها، ولا بأسَ أن يَدْخُلَ عليها بالنَّهارِ في حاجَةٍ (٢).
(٢٢٣٦) ويَعُودُها في مَرَضِها في لَيْلَةِ غَيْرِها، فإنْ ثَقُلَتْ فلا بأسَ أن يُقِيمَ عِنْدَها حتّى تَخِفَّ أو تَمُوتَ، ثُمّ يُوَفِّي مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسائه مِثْلَ ما أقام عِنْدَها.
(٢٢٣٧) وإنْ أراد أن يُقِيمَ لَيْلَتَيْن لَيْلَتَيْن (٣)، أو ثلاثًا ثلاثًا .. كان ذلك له (٤)، وأكْرَهُ مُجاوَزَةَ الثَّلاثِ (٥).
(٢٢٣٨) ويَقْسِمُ للمَرِيضَةِ، والرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، والتي آلَى أو تَظاهَرَ منها، ولا يَقْرَبُها حتّى يُكَفِّرَ؛ لأنّ في مَبِيتِه سَكَنَ إلْفٍ.
(٢٢٣٩) قال الشافعي: وإنْ أحَبَّ أن يَلْزَمَ مَنْزِلًا يأتِينَه فيه .. كان ذلك عَلَيْهِنّ، فأيَّتُهُنّ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّها، وكذلك الممْتَنِعَةُ بالجُنُونِ.
(٢٢٤٠) وإنْ سافَرَتْ بإذْنِه فلا قَسْمَ لها، ولا نَفَقَةَ، إلّا أن يَكُونَ هو الذي أشْخَصَها (٦)، فيَلْزَمُه كُلُّ ذلك لها (٧).
стр. 1221
(٢٢٤١) وعلى وَلِيِّ المجْنُونِ أن يَطُوفَ به على نِسائِه أو يأتِيَه بهنَّ (١)، وإنْ عَمَدَ أن يَجُورَ به أثِمَ.
(٢٢٤٢) وإنْ خَرَجَ مِنْ عند واحدةٍ في اللَّيْلِ، أو أخْرَجَه السُّلْطانُ .. كان عليه أن يُوَفِّيَها ما بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِها.
(٢٢٤٣) وليس للإماءِ قَسْمٌ، ولا يُعَطَّلْنَ (٢).
(٢٢٤٤) وإذا ظَهَرَ منه الإضْرارُ بامْرأتِه .. أسْكَنّاها إلى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ به.
(٢٢٤٥) وليس له أن يُسْكِنَ امْرأتَيْن في بَيْتٍ، إلّا أنْ تَشاءا.
(٢٢٤٦) وله مَنْعُها (٣) مِنْ شُهُودِ جِنازَةِ أمِّها وأبِيها ووَلَدِها، وما أحِبُّ ذلك له (٤).
стр. 1222
(٢٣٢)
باب الحال التي تختلف فيها حال النساء
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٤٧) قال الشافعي: في قولِ رسولِ الله ﷺ لأمِّ سَلِمَةَ: «إنْ شِئتِ سَبَّعْتُ عندك وسَبَّعْتُ عِنْدَهُنّ، وإنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ عندكِ ودُرْتُ» .. دليلٌ على أنّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ البِكْرَ أنّ عليه أن يُقِيمَ عِندها سَبْعًا، والثَّيِّبِ ثلاثًا، ولا يَحْتَسِبُ بها عليه نِساؤُه اللاتي عنده قَبْلَها، وقال أنس بن مالك: «للبِكْرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثَلاثٌ».
(٢٢٤٨) قال: ولا أحِبُّ أن يَتَخَلَّفَ عن صلاةِ جماعَةٍ (١)، ولا شُهودِ جِنازَةٍ، ولا بِرٍّ كان يَفْعَلُه (٢)، ولا إجابةِ دَعْوَةٍ.
стр. 1223
(٢٣٣)
باب القَسْم للنساء إذا حضر سفر
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٤٩) قال الشافعي: أخبرنا عَمِّي محمد بن علي بن شافع، قال المزني: أحسِبُه: عن الزُّهْرِيّ (١)، عن عُبَيْدِالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشةَ، قالتْ: «كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بين نِسائه، فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها».
(٢٢٥٠) قال الشافعي: وكذلك إذا أراد (٢) أن يَخْرُجَ باثْنَتَيْن أو أكْثَرَ أقْرَعَ (٣).
(٢٢٥١) وإنْ خَرَجَ بواحِدَةٍ بغَيْرِ قُرْعَةٍ .. كان عليه أن يَقْسِمَ لمن بَقِيَ بقَدْرِ مَغِيبِه مع التي خَرَجَ بها.
(٢٢٥٢) ولو أراد السَّفَرَ لنُقْلَةٍ، لم يَكُنْ له أن يَنْتَقِلَ بواحِدَةٍ إلّا أوْفَى البَواقِيَ مِثْلَ مُقامِه معها، ولو خَرَجَ بها مُسافِرًا بقُرْعَةٍ، ثُمّ أزْمَع المقامَ لنُقْلَةٍ .. احْتُسِبَ عليها مُقامُه بعد الإزْماعِ.
стр. 1224
(٢٣٤)
باب نشوز المرأة على الرجل
من الجامع من كتاب نشوز الرجل على المرأة، ومن كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن
(٢٢٥٣) قال الشافعي: قال الله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ الآية [النساء: ٣٤] (١)، وفي ذلك دَلالَةٌ على اخْتِلافِ حالِ المرأةِ فيما تُعاتَبُ فيه وتُعاقَبُ عليه، فإذا رَأى منها دَلالَةً على الخوْفِ مِنْ فِعْلٍ أو قَوْلٍ وَعَظَها، فإنْ أبْدَتْ نُشُوزًا هَجَرَها، فإنْ أقامَتْ عليه ضَرَبَها، وقد يَحْتَمِلُ ﴿تخافون نشوزهن﴾ إذا نَشَزْنَ فخِفْتُم لَجاجَتَهُنّ في النُّشُوزِ أن (٢) يَكُونَ لهم جمعُ العِظَةِ والهَجْرِ والضَرْبِ.
(٢٢٥٤) وقال رسول الله ﷺ : «لا تَضْرِبُوا إماءَ الله»، فأتاه عُمَرُ فقال: يا رسولَ الله، ذَئِرَ النساءُ على أزْواجِهِنّ (٣)، فأذِنَ في ضَرْبِهِنّ (٤)، فأطافَ بآلِ محمّد نساءٌ كثيرٌ كُلُّهُنّ يَشْتَكِينَ أزْواجَهُنّ، فقال رسولُ الله ﷺ : «لقد أطافَ بآلِ محمّد سَبْعُون امْرأةً كُلُّهُنّ يَشْتَكِين أزْواجَهُنّ، ولا تَجِدُونَ أولئك خِيارَكُمْ»، ويحْتَمِلُ قولُه ﷺ أن يَكُونَ قبل نُزُولِ الآيةِ بضَرْبِهِنّ، ثُمّ أذِنَ فجَعَلَ لهم الضَّرْبَ، وأخْبَرَ أنّ الاخْتِيارَ تَرْكُ الضربِ.
стр. 1225
(٢٣٥)
باب الحَكَمَين في الشِّقاق بين الزوجين (١)
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن نشوز الرجل على المرأة (٢)(٢٢٥٥) قال الشافعي: ولمّا أمَرَ اللهُ جل ثناؤه فيما خِفْنا الشِّقاقَ بَيْنَهما بالحَكَمَيْن، دَلّ ذلك على أنّ حُكْمَهُما غيرُ حُكْمِ الأزْواجِ غَيْرِهما، فإذا اشْتَبَه حالاهُما، فلم يَفْعَل الرَّجُلُ الصَّفْحَ ولا الفُرْقَةَ، ولا المرأةُ تأدِيَةَ الحَقِّ ولا الفِدْيَةَ، وصارا مِنْ القَوْلِ والفِعْلِ إلى ما لا يَحِلُّ لهما ولا يَحْسُنُ، وتمادَيا .. بَعَثَ الإمامُ حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا مِنْ أهْلِها، مأمُونَيْنِ، برِضا الزَّوْجَيْن وتَوْكِيلِهما إيّاهُما بأن يَجْمَعا ويُفَرِّقا (٣) إنْ رَأيا ذلك، واحْتَجَّ بقَوْلِ عليّ بن أبي طالب: «ابْعَثُوا (٤) حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا مِنْ أهْلِها»، ثم قال للحَكَمَيْن: «هل تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟ عَلَيْكُما إن رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تجْمَعا، وإن رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا»، فقالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ الله فيما عَلَيَّ
стр. 1226
فيه وَلِي، فقال الرجلُ: أمّا الفُرْقَةُ فلا، فقال عليٌّ: «كَذَبْتَ والله، حتّى تُقِرَّ بمِثْلِ الذي أقَرَّتْ به»، فدَلَّ أنّ ذلك ليس للحاكِمِ إلّا برِضا الزَّوْجَين (١)، ولو كان ذلك لبَعَثَ بغَيْرِ رِضاهما.
(٢٢٥٦) قال: ولو فَوَّضا مع الخُلْعِ والفُرْقَةِ إلى الحَكَمَيْن الأخْذَ لكُلِّ واحدٍ منهما مِنْ صاحِبِه .. كان على الحَكَمَيْن الاجتهادُ فيما يَرَيانِه صَلاحًا لهما بعد مَعْرِفَة اخْتِلافِهما.
(٢٢٥٧) ولو غاب أحَدُ الزَّوْجَيْن ولم يَفْسَخ الوكالةَ .. أمْضَى الحكَمان رَأيَهُما.
(٢٢٥٨) وأيُّهما غُلِبَ على عَقْلِه .. لم يُمْضِ الحَكَمان بَيْنَهُما شَيْئًا حتّى يُفِيقَ ثُمّ يُحْدِثَ الوَكالَةَ.
(٢٢٥٩) وعلى السُّلْطانِ إن لم يَرْضَيا حَكَمَيْن، أن يَأخُذَ لِكُلِّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحِبِه ما يَلْزَمُه، ويُؤدِّبَ أيّهُما رَأى إن امْتَنَعَ بقَدْرِ ما يَجِبُ عليه.
وقال في «كتاب الطلاق» من «أحكام القرآن»: «ولو قال قائلٌ: يُجْبِرُهما على الحَكَمَيْن كان مَذْهَبًا»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا ظاهرُ الآيةِ، والقياسُ ما قال عليٌّ؛ لأنّ اللهَ تعالى جَعَلَ الطلاقّ للأزْواجِ، فلا يَكُونُ إلّا بهم (٣).
(٢٢٦٠) قال الشافعي: ولو اسْتَكْرَهَها على شيءٍ أخَذَه منها على أن
стр. 1227
طَلَّقَها (١)، وأقامَتْ على ذلك بَيِّنَةً .. رَدَّ ما أخَذَ، ولَزِمَه ما طَلَّقَ، وكانتْ له الرَّجْعَةُ (٢).
(٢٣٦)
باب الوجه الذي تحل به الفدية
من الجامع من الكتاب والسنة وغير ذلك
(٢٢٦١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١).
(٢٢٦٢) وخَرَجَ النبيُّ ﷺ إلى صلاةِ الصُّبْحِ، فوَجَدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عند بابِه، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ هذه؟»، فقالتْ: أنا حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ، لا أنا ولا ثابتٌ لزَوْجِها، فلمّا جاء ثابتٌ قال له ﷺ : «هذه حبيبةُ تَذْكُرُ ما شاء الله أنْ تَذْكُرَ»، فقالت حبيبةُ: يا رسولَ الله، كُلُّ ما أعْطاني عندي، فقال رسولُ الله ﷺ : «خُذْ منها»، فأخَذَ منها، وجَلَسَتْ في أهْلِها.
(٢٢٦٣) قال الشافعي: وجُمْلَةُ ذلك أنْ تَكُونَ المرْأةُ المانِعَةُ ما يَجِبُ عليها له المفْتَدِيَةُ تَخْرُجُ مِنْ أن لا تُؤدِّيَ حَقَّه، أو كَراهِيَةً له، فتَحِلُّ الفِدْيَةُ للزَّوْجِ، وهذه مخالِفَةٌ للحالِ التي تَشْتَبِهُ فيها حال الزَّوْجَيْن خَوْفَ الشِّقاقِ (٢).
стр. 1230
(٢٢٦٤) قال: ولو خَرَجَ في بعضِ ما تَمْنَعُه مِنْ الحقِّ إلى أدَبِها بالضَّرْبِ أجَزْتُ ذلك له؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قد أذِنَ لثابتٍ بأخْذِ الفِدْيَةِ مِنْ حبيبةَ وقد نالها بضَرْبٍ، ولم يَقُل: لا تأخُذْ منها إلّا في قُبُلِ عِدَّتِها كما أمَرَ المطَلِّقَ غيرَه.
(٢٢٦٥) ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّ الخُلْعَ ليس بطَلاقٍ، وعن عثمان ﵁ قال: «هي تَطْلِيقَةٌ إلَّا أن تَكُونَ سَمَّيْتَ شيئًا».
قال المزني: قلت أنا (١): وقد قَطَعَ في «باب الكلام الذي يَقَعُ به الطَّلاقُ» أنّ الخلْعَ طَلاقٌ، فلا يَقَعُ إلّا بما يَقَعُ به الطَّلاقُ أو ما يُشْبِهُه مع إرادَة الطَّلاقِ، فإنْ سَمَّى عَدَدًا أو نَوَى عَدَدًا فهو ما نَوَى.
قال المزني: قلت أنا (٢): وإذا كان الفِراقُ عن تَراضٍ فلا يَكُونُ إلّا بالزَّوْجِ، والعَقْدُ صحيحٌ ليس في أصْلِه عِلَّةٌ، فالقياسُ عندي أنّه طَلاقٌ، وممّا يُؤكِّدُ ذلك قولُ الشافعيّ: «فإنْ قِيلَ: فإذا كان طَلاقًا فاجْعَلْ له الرَّجْعَةَ .. قيل: لمّا أخَذَ مِنْ المطَلَّقَةِ عِوَضًا، وكان مَنْ مَلَكَ عِوَضَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ مِلْكِه، لم يَكُنْ له رَجْعَةٌ فيما مَلَكَ عليه، فكذلك المخْتَلِعَةُ» (٣).
(٢٢٦٦) قال الشافعي: وإذا حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا على غَيْرِ فِراقٍ، حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا ويَأخُذَ ما الفِراقُ به.
(٢٢٦٧) وقال في «كتاب الإملاء على مسائل مالك»: ولو خَلَعَها تَطْلِيقَةً بدِينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ، فالطلاقُ لازمٌ، وله الرَّجْعَةُ، والدِّينارُ مَرْدُودٌ، ولا يَمْلِكُه والرَّجْعَةَ معًا، ولا أجِيزُ عليه مِنْ الطّلاقِ إلّا ما أوْقَعَه.
стр. 1231
قال المزني: ليس هذا قياسَ أصْلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ النِّكاحَ والخُلْعَ بالبَدَلِ المجْهُولِ والشَّرْطِ الفاسِدِ سواءً، ويَجْعَلُ لها في النِّكاحِ مَهْرَ مِثْلِها، وله عليها في الخُلْعِ مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَها بمائةٍ على أنّها متى طَلَبَتْها فهي لها وله الرَّجْعَةُ عليها .. أنّ الخلعَ ثابِتٌ، والشَّرْطَ والمالَ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، كان أقَلَّ أو أكْثَرَ، فكذلك في القياسِ الخلعُ ثابتٌ، والدينارُ والشَّرْطُ في الرَّجْعَةِ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَ محْجُورًا عليها بمالٍ .. أنّ المالَ يَبْطُلُ، وله الرَّجْعَةُ، وإنْ أراد أن تَكُونَ بائنًا؛ كما لو طَلَّقَها طَلْقَةً بائنًا لم تَكُنْ بائنًا، وكانتْ له الرَّجْعَةُ (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): فكذلك إذا طَلَّقَها بدينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ لم تَكُنْ له رَجْعَةٌ؛ لأنّ حُكْمَ الطّلاقِ بالبَدَلِ بائنٌ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ؛ كما أنّ حُكْمَ طَلْقَةٍ بغَيْرِ بَدَلٍ أنّ له الرَّجْعَةَ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ (٣).
(٢٢٦٨) قال الشافعي: ولا يَلْحَقُ المخْتَلِعَةَ طَلاقٌ وإنْ كانَتْ في العِدَّةِ، وهو قَوْلُ ابنِ عبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقال بعضُ الناسِ: يَلْحَقُها الطلاقُ في العِدَّةِ، واحْتَجَّ ببَعْضِ التّابِعِين، واحْتَجَّ الشافعيُّ عليه مِنْ القرآنِ والإجماعِ بما يَدُلُّ على أنّ الطّلاقَ لا يَلْحَقُها بما ذَكَرَ اللهُ ﵎ بيْنَ
стр. 1232
الزَّوْجَيْن مِنْ اللِّعانِ والظِّهارِ والإيلاءِ والميراثِ والعِدَّةِ بوَفاةِ الزَّوْجِ (١)، فدَلَّتْ خَمْسُ آياتٍ مِنْ كتابِ الله على أنّها ليْسَتْ بزَوْجَةٍ، وإنّما جَعَلَ اللهُ الطّلاقَ يَقَعُ على الزَّوْجَةِ، فخالفَ القرآنَ والأثَرَ والقياسَ، ثُمّ قَوْلُه في ذلك مُتَناقِضٌ، فزَعَمَ إنْ قال لها: «أنتِ خَلِيَّةٌ» أو «بَرِيَّةٌ» أو «بَتَّةٌ» يَنْوِي الطلاقَ، أنّه لا يَلْحَقُها طلاقٌ، وإنْ قال: «كُلُّ امْرأةٍ لي طالقٌ» لا يَنْويها ولا غَيْرَها طَلَقَ نِساؤُه دُونَها، ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ» طَلَقَتْ، فكيف يُطَلِّقُ غيرَ امْرَأتِه؟