(٢٣٦)
باب الوجه الذي تحل به الفدية
من الجامع من الكتاب والسنة وغير ذلك
(٢٢٦١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١).
(٢٢٦٢) وخَرَجَ النبيُّ ﷺ إلى صلاةِ الصُّبْحِ، فوَجَدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عند بابِه، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ هذه؟»، فقالتْ: أنا حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ، لا أنا ولا ثابتٌ لزَوْجِها، فلمّا جاء ثابتٌ قال له ﷺ : «هذه حبيبةُ تَذْكُرُ ما شاء الله أنْ تَذْكُرَ»، فقالت حبيبةُ: يا رسولَ الله، كُلُّ ما أعْطاني عندي، فقال رسولُ الله ﷺ : «خُذْ منها»، فأخَذَ منها، وجَلَسَتْ في أهْلِها.
(٢٢٦٣) قال الشافعي: وجُمْلَةُ ذلك أنْ تَكُونَ المرْأةُ المانِعَةُ ما يَجِبُ عليها له المفْتَدِيَةُ تَخْرُجُ مِنْ أن لا تُؤدِّيَ حَقَّه، أو كَراهِيَةً له، فتَحِلُّ الفِدْيَةُ للزَّوْجِ، وهذه مخالِفَةٌ للحالِ التي تَشْتَبِهُ فيها حال الزَّوْجَيْن خَوْفَ الشِّقاقِ (٢).
стр. 1230
(٢٢٦٤) قال: ولو خَرَجَ في بعضِ ما تَمْنَعُه مِنْ الحقِّ إلى أدَبِها بالضَّرْبِ أجَزْتُ ذلك له؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قد أذِنَ لثابتٍ بأخْذِ الفِدْيَةِ مِنْ حبيبةَ وقد نالها بضَرْبٍ، ولم يَقُل: لا تأخُذْ منها إلّا في قُبُلِ عِدَّتِها كما أمَرَ المطَلِّقَ غيرَه.
(٢٢٦٥) ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّ الخُلْعَ ليس بطَلاقٍ، وعن عثمان ﵁ قال: «هي تَطْلِيقَةٌ إلَّا أن تَكُونَ سَمَّيْتَ شيئًا».
قال المزني: قلت أنا (١): وقد قَطَعَ في «باب الكلام الذي يَقَعُ به الطَّلاقُ» أنّ الخلْعَ طَلاقٌ، فلا يَقَعُ إلّا بما يَقَعُ به الطَّلاقُ أو ما يُشْبِهُه مع إرادَة الطَّلاقِ، فإنْ سَمَّى عَدَدًا أو نَوَى عَدَدًا فهو ما نَوَى.
قال المزني: قلت أنا (٢): وإذا كان الفِراقُ عن تَراضٍ فلا يَكُونُ إلّا بالزَّوْجِ، والعَقْدُ صحيحٌ ليس في أصْلِه عِلَّةٌ، فالقياسُ عندي أنّه طَلاقٌ، وممّا يُؤكِّدُ ذلك قولُ الشافعيّ: «فإنْ قِيلَ: فإذا كان طَلاقًا فاجْعَلْ له الرَّجْعَةَ .. قيل: لمّا أخَذَ مِنْ المطَلَّقَةِ عِوَضًا، وكان مَنْ مَلَكَ عِوَضَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ مِلْكِه، لم يَكُنْ له رَجْعَةٌ فيما مَلَكَ عليه، فكذلك المخْتَلِعَةُ» (٣).
(٢٢٦٦) قال الشافعي: وإذا حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا على غَيْرِ فِراقٍ، حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا ويَأخُذَ ما الفِراقُ به.
(٢٢٦٧) وقال في «كتاب الإملاء على مسائل مالك»: ولو خَلَعَها تَطْلِيقَةً بدِينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ، فالطلاقُ لازمٌ، وله الرَّجْعَةُ، والدِّينارُ مَرْدُودٌ، ولا يَمْلِكُه والرَّجْعَةَ معًا، ولا أجِيزُ عليه مِنْ الطّلاقِ إلّا ما أوْقَعَه.
стр. 1231
قال المزني: ليس هذا قياسَ أصْلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ النِّكاحَ والخُلْعَ بالبَدَلِ المجْهُولِ والشَّرْطِ الفاسِدِ سواءً، ويَجْعَلُ لها في النِّكاحِ مَهْرَ مِثْلِها، وله عليها في الخُلْعِ مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَها بمائةٍ على أنّها متى طَلَبَتْها فهي لها وله الرَّجْعَةُ عليها .. أنّ الخلعَ ثابِتٌ، والشَّرْطَ والمالَ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، كان أقَلَّ أو أكْثَرَ، فكذلك في القياسِ الخلعُ ثابتٌ، والدينارُ والشَّرْطُ في الرَّجْعَةِ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَ محْجُورًا عليها بمالٍ .. أنّ المالَ يَبْطُلُ، وله الرَّجْعَةُ، وإنْ أراد أن تَكُونَ بائنًا؛ كما لو طَلَّقَها طَلْقَةً بائنًا لم تَكُنْ بائنًا، وكانتْ له الرَّجْعَةُ (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): فكذلك إذا طَلَّقَها بدينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ لم تَكُنْ له رَجْعَةٌ؛ لأنّ حُكْمَ الطّلاقِ بالبَدَلِ بائنٌ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ؛ كما أنّ حُكْمَ طَلْقَةٍ بغَيْرِ بَدَلٍ أنّ له الرَّجْعَةَ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ (٣).
(٢٢٦٨) قال الشافعي: ولا يَلْحَقُ المخْتَلِعَةَ طَلاقٌ وإنْ كانَتْ في العِدَّةِ، وهو قَوْلُ ابنِ عبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقال بعضُ الناسِ: يَلْحَقُها الطلاقُ في العِدَّةِ، واحْتَجَّ ببَعْضِ التّابِعِين، واحْتَجَّ الشافعيُّ عليه مِنْ القرآنِ والإجماعِ بما يَدُلُّ على أنّ الطّلاقَ لا يَلْحَقُها بما ذَكَرَ اللهُ ﵎ بيْنَ
стр. 1232
الزَّوْجَيْن مِنْ اللِّعانِ والظِّهارِ والإيلاءِ والميراثِ والعِدَّةِ بوَفاةِ الزَّوْجِ (١)، فدَلَّتْ خَمْسُ آياتٍ مِنْ كتابِ الله على أنّها ليْسَتْ بزَوْجَةٍ، وإنّما جَعَلَ اللهُ الطّلاقَ يَقَعُ على الزَّوْجَةِ، فخالفَ القرآنَ والأثَرَ والقياسَ، ثُمّ قَوْلُه في ذلك مُتَناقِضٌ، فزَعَمَ إنْ قال لها: «أنتِ خَلِيَّةٌ» أو «بَرِيَّةٌ» أو «بَتَّةٌ» يَنْوِي الطلاقَ، أنّه لا يَلْحَقُها طلاقٌ، وإنْ قال: «كُلُّ امْرأةٍ لي طالقٌ» لا يَنْويها ولا غَيْرَها طَلَقَ نِساؤُه دُونَها، ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ» طَلَقَتْ، فكيف يُطَلِّقُ غيرَ امْرَأتِه؟
стр. 1233
(٢٣٧)
باب ما يقع وما لا يقع على امرأته من طلاق (١)
من إباحة الطلاق وما سَمِعتُ منه لفظًا
(٢٢٦٩) قال الشافعي: ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا في كُلِّ سنةٍ واحدةً»، فوَقَعَتْ عليها تَطْلِيقَةٌ، ثُمّ نَكَحَها بعد انْقِضاءِ العِدَّةِ، فجاءَتْ سَنَةٌ وهي تحْتَه .. لم يَقَعْ بها طَلاقٌ؛ لأنّها قد حَلَّتْ منه (٢) وصارَتْ في حالٍ لو أوْقَعَ عليها الطَّلاقَ لم يَقَعْ، وإنّما صارَتْ عِنْدَه بنِكاحٍ جَدِيدٍ، فلا يَقَعُ فيه طَلاقُ نِكاحٍ غَيْرِه.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أشْبَهُ بأصْلِه مِنْ قولِه: «تَطْلُق كُلَّما جاءتْ سَنَةٌ وهي تحْتَه حتّى يَنْقَضِيَ طلاقُ ذلك المِلْكِ» (٤)، قال المزني: قلت أنا (٥): ولا يَخْلُو قَوْلُه: «أنْتِ طالِقٌ في كُلِّ سَنَةٍ» مِنْ أحَدِ ثلاثةِ مَعانٍ، إمّا أن يُرْيدَ في هَذا النّكاحِ الذي عَقَدتُ فيه الطلاقَ، فقد بَطَلَ وحَدَثَ غيرُه، فكيف يَلْزَمُه؟ وإمّا أن يُرِيدَ في غَيْرِ مِلْكِي، فهذا لا يَذْهَبُ إليه أحَدٌ يَعْقِلُ، وليس بشَيْءٍ، وإمّا أن يُرِيدَ في كُلِّ نِكاحٍ يحْدُثُ، فقَوْلُه: «لا طلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ»، وهذا طلاقٌ قبل نكاحٍ، فتَفَهَّم يرْحَمُك اللهُ.
стр. 1234
(٢٣٨)
باب الطلاق قبل النكاح (١)
من كتاب إملاء على مسائل ابن القاسم، ومن مسائل شتى سَمعتُها لفظًا
(٢٢٧٠) قال الشافعي: ولو قال: «كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها طالقٌ»، أو لامْرأةٍ بعَيْنِها أو لعَبْدٍ: «إنْ مَلَكْتُكَ فأنْتَ حُرٌّ»، فتَزَوَّجَ أو مَلَكَ .. لم يَلْزَمْه شَيْءٌ؛ لأنّ الكلامَ الذي له الحكْمُ كان وهو غيرُ مالِكٍ (٢)، فبَطَلَ، ولو قال لامْرأةٍ لا يَمْلِكُها (٣): «أنتِ طالقٌ السّاعةَ» لم تَطْلُقْ، فهي بعد مُدَّةٍ أبْعَدُ، فإذا لم يَعْمَل القَوِيُّ كان الضَّعِيفُ أوْلى أن لا يَعْمَلَ.
قال المزني: قلت أنا (٤): وأجْمَعُوا أنّه لا سَبِيلَ إلى طَلاقِ مَنْ لم أمْلِكْ؛ للسُّنَّة المجْتَمَعِ عليها، فهي مِنْ أنْ تَطْلُقَ ببِدْعَةٍ أو على صِفَةٍ أبْعَدُ (٥).
стр. 1235
(٢٣٩)
باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع وما لا يلزمها
من كتاب النكاح والطلاق إملاء على مسائل ابن القاسم (١)(٢٢٧١) قال الشافعي: ولو قالتْ له امرأتُه (٢): «إنْ طَلَّقْتَنِي ثلاثًا فلك عليّ مائةُ درهمٍ» .. فهو كقَوْلِ الرَّجُلِ: «بِعْنِي ثَوْبَك هذا بمائةِ درهمٍ»، فإنْ طلَّقَها ثلاثًا فله المائةُ.
(٢٢٧٢) ولو قالتْ له: «اخْلَعْنِي أو بِتَّنِي أو أبِنِّي أو أبْرِئْنِي أو ابْرَأ منِّي أو بارِئْنِي ولك عليَّ ألْفُ درهمٍ (٣)»، وهي تُرِيدُ الطلاقَ، فطَلَّقَها .. فله ما سَمَّتْ له.
(٢٢٧٣) ولو قالتْ له: «اخْلَعْنِي على ألْفٍ» .. كانتْ له الألْفُ ما لم يَتَناكَرا (٤)، فإنْ قالتْ: «على ألْفٍ ضَمِنَها لك غَيْرِي»، أو «على ألفِ
стр. 1236
فلس»، فأنْكَرَ .. تَحَالَفا، وكان له عليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٧٤) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي ولك عليَّ ألْفُ درهمٍ»، فقال: «أنتِ طالقٌ على ألْفٍ إنْ شِئتِ» .. فلها المشِيئَةُ وَقْتَ الخِيارِ، فإنْ أعْطَتْه إيّاها في وَقْتِ الخِيارِ لَزِمَه الطلاقُ، وسواءٌ هَرَبَ الزَّوْجُ أو غابَ حتّى مَضَى وَقْتُ الخيارِ، أو أبْطَأتْ هي بالألْفِ (١).
(٢٢٧٥) ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ إنْ أعْطَيْتِنِي ألفَ درهمٍ»، فأعْطَتْه إيّاها زائدةً .. فعليه طَلْقَةٌ؛ لأنّها أعْطَتْه ألْفَ دِرْهَمٍ وزيادَةً، ولو أعْطَتْه إيّاها
стр. 1237
رَدِيَّةً .. فإنْ كانَتْ فِضَّةً يَقَعُ عليها اسْمُ «دَراهِمُ» طَلَقَتْ وكان عليها بَدَلُها، وإن لم يَقَعْ عليها اسْمُ «دَراهِمُ» لم تَطْلُقْ.
(٢٢٧٦) ولو قال: «متى - أو: متى ما - أعْطَيْتِنِي ألْفًا فأنتِ طالقٌ» .. فذلك لها، وليس له أن يَمْتَنِعَ مِنْ أخْذِها، ولا لها إذا أعْطَتْه أن تَرْجِعَ فيها.
(٢٢٧٧) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي ثلاثًا ولك ألفُ درهمٍ»، فطَلَّقَها واحدةً .. فله ثُلُثُ الألْفِ، وإنْ طَلَّقَها ثلاثًا فله الألْفُ، ولو لم يَكُنْ بَقِيَ عليها إلّا طَلْقَةٌ، فطَلَّقَها واحدةً .. كانتْ له الألْفُ؛ لأنّها قامَتْ مَقامَ الثَّلاثِ في أنّها تُحَرِّمُها حتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه.
قال المزني: قلت أنا (١): قياسُ قولِه ما حَرَّمَها إلّا الأُولَيان مع الثّالِثَةِ؛ كما لم يُسْكِرْه في قولِه إلّا القَدَحانِ مع الثالثِ، وكما لم يُعْمِ الأعْوَرَ المفْقُوءَةَ عَيْنُه الباقِيَةُ عنده إلّا الفَقْءُ الأوَّلُ مع الفَقْءِ الآخِرِ، وأنّه ليس على الفاقِئ الآخِر عِنْدَه إلّا نِصْفُ الدِّيَةِ، فكذلك يَلْزَمُه أن يَقُولَ: لم يُحَرِّمْها عليه حتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه إلّا الأُولَيان مع الثالثةِ، فليس عليها إلّا ثُلُثُ الألْفِ بالطَّلْقَةِ الثالثةِ في مَعْنَى قولِه (٢).
стр. 1238
(٢٢٧٨) قال الشافعي: ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي واحدةً بألْفٍ»، فطَلَّقَها ثلاثًا .. كانتْ له الألْفُ، وكان مُتَطَوِّعًا بالاثْنَتَيْن.
(٢٢٧٩) ولو بَقِيَتْ له عليها طَلْقَةٌ، فقالتْ: «طَلِّقْنِي ثلاثًا بألْفٍ، واحدةً أحْرُم بها عليك، واثْنَتَيْن إن نكَحْتَنِي بعد زَوْجٍ» .. فله مَهْرُ مِثْلِها إذا طَلَّقَها كما قالتْ.
(٢٢٨٠) ولو طَلَّقَها (١) على أنْ تَكْفُلَ وَلَدَه عَشْرَ سِنِينَ .. فجائزٌ إن اشْتَرَطَ إذا مَضَى الحوْلان نَفَقَتَه بَعْدَهما في كُلّ شَهْرٍ كذا قَمْحٌ وكذا زَيْتٌ (٢)، فإنْ كَفَى، وإلّا رَجَعَتْ عليه بما يَكْفِيه، وإن مات رَجَعَ عليها بما بَقِيَ.
(٢٢٨١) ولو قال: «أمْرُكِ بيَدِكِ، فطَلِّقِي (٣) نَفْسَكِ إنْ ضَمِنْتِ لي ألْفَ درهمٍ»، فضَمِنَتْها في وَقْتِ الخِيارِ لَزِمَها، ولا يَلْزَمُها في غيرِ وَقْتِ الخِيارِ؛ كما لو جَعَلَ أمْرَها إلَيْها، لم يَجُزْ إلّا في وَقْتِ الخِيارِ.
(٢٢٨٢) ولو قال: «إنْ أعْطَيْتِنِي عَبْدًا فأنْتِ طالقٌ»، فأعْطَتْه أيَّ عَبْدٍ ما كان .. فهي طالقٌ، ولا يَمْلِكُ العَبْدَ، وإنّما يَقَعُ في هذا الموْضِعِ بما يَقَعُ به الحِنْثُ.
قال المزني: قلت أنا (٤): ليس هذا قياسَ قولِه؛ لأنّ هذا في مَعْنَى العِوَضِ، قال المزني: وقد قال في هذا الباب [ف: ٢٢٧٦]: «متى -
стр. 1239
أو: متى ما - أعْطَيْتِني ألَفَ دِرْهَمٍ فأنتِ طالقٌ، فذلك لها، وليس له أن يَمْتَنِع مِنْ أخْذِها، ولا لها إذا أعْطَتْه أن تَرْجِعَ فيها»، والدراهمُ والعبدُ سواءٌ، غيرَ أنّ العبدَ مجهولٌ، فيَكُونُ له عليها مَهْرُ مِثْلِها، وقد قال: «لو قال لها: (إنْ أعْطَيْتِينِي شاةً مَيِّتَةً، أو خنزيرًا، أو زِقَّ خَمْرٍ، فأنتِ طالقٌ)، ففَعَلَتْ .. طَلَقَتْ، ويَرْجِعُ عليها بمَهْرِ مِثْلِها» (١).
(٢٢٨٣) قال الشافعي: ولو طلَّقَها بعَبْدٍ بعَيْنِه، ثُمّ أصابَ به عَيْبًا .. رَدَّه، وكان له عليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٨٤) ولو قال: «أنتِ طالقٌ وعليكِ ألْفُ درهمٍ» .. فهي طالقٌ، ولا شيءَ عليها، وهذا مثلُ قولِه: «أنتِ طالقٌ وعليكِ حَجٌّ»، ولو تَصادَقا أنّها سَألَتْه الطلاقَ، فطَلَّقَها على ذلك .. كان الطَّلاقُ بائنًا.
(٢٢٨٥) ولو خَلَعَها على ثَوْبٍ على أنّه مَرْوِيٌّ، فإذا هو هَرَوِيٌّ، فرَدَّه .. كان له عليها مَهْرُ مِثْلِها، والخُلعُ فيما وَصَفْتُ كالبيعِ المسْتَهْلَكِ.
(٢٢٨٦) ولو خالَعَها على أن تُرْضِعَ وَلَدَه وَقْتًا مَعْلومًا، فماتَ الموْلُودُ .. فإنّه يَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ لأنّ المرأةَ تُدِرُّ على الموْلُودِ ولا تُدِرُّ على غَيْرِه، ويَقْبَلُ ثَدْيَها ولا يَقْبَلُ غَيْرَه، ويَتَرَأَّمُها فيَسْتَمْرِيه ولا يَسْتَمْرِيه مِنْ غَيْرِها ولا يَتَرَأَّمُه ولا يَطِيبُ نَفْسًا (٢).
قال المزني: (يترأمه): يستلذ رضاعه، و (يترأمها): يستلذ الرضاع منها (٣).
стр. 1240
(٢٢٨٧) ولو قال له أبو امْرَأتِه: «طَلِّقْها وأنتَ بَرِيءٌ مِنْ صَداقِها»، فطَلَّقَها .. طَلَقَتْ، ومَهْرُها عليه، ولا يَرْجِعُ على الأبِ بشَيْءٍ؛ لأنّه لم يَضْمَنْ له شَيْئًا، وله عليها الرَّجْعَةُ.
(٢٢٨٨) ولو أخَذَ منها ألْفًا على أن يُطَلِّقَها إلى شَهْرٍ .. فالطلاقُ ثابِتٌ، ولها الألْفُ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٨٩) ولو قالتا له: «طَلِّقْنا بألْفٍ»، ثُمّ ارْتَدَّتا، فطَلَّقَهُما بعد الرِّدَّة .. وَقَفَ الطلاقُ، فإن رجَعَتا في العِدَّةِ لَزِمَهُما، والعِدَّةُ مِنْ يومِ الطّلاقِ، وإن لم تَرْجِعا حتّى انْقَضَت العِدَّةُ لم يَلْزَمْهما شَيْءٌ.
(٢٢٩٠) ولو قال لهما: «أنْتُما طالقان إنْ شِئتُما بألْفٍ» .. لم تَطْلُقا ولا واحدةٌ منهما حتّى تَشاءا معًا في وَقْتِ الخِيارِ.
(٢٢٩١) ولو كانتْ إحْداهُما محْجُورًا عليها وَقَعَ الطّلاقُ عليهما، وطَلاقُ غيرِ المحْجُورِ عليها بائِنٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، ولا شَيْءَ على الأخْرَى، ويَمْلِكُ رَجْعَتَها.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا عندي (٢) يَقْضِي على فَسادِ تجْوِيزِه مَهْرَ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ؛ لأنّه لا فَرْقَ بيْنَ مَهْرِ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ، وخَلْعِ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ، فإذا أفْسَدَه في إحْداهُما للجَهْلِ بما يُصِيبُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنّ .. فَسَدَ في الأخْرَى، ولكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنّ وعَلَيْها مَهْرُ مِثْلِها (٣).
(٢٢٩٢) قال الشافعي: ولو قال له أجْنَبِيٌّ: «طَلِّقْ فُلانَةَ على أنّ لك عليَّ ألفَ درهمٍ»، ففَعَلَ .. فالألْفُ له لازمةٌ.
стр. 1241
(٢٢٩٣) ولا يَجُوزُ ما اخْتَلَعَتْ به الأمَةُ إلّا بإذْنِ سَيِّدِها، ولا المكاتَبَةُ ولو أذِنَ لها سَيِّدُها؛ لأنّه ليس بمالٍ لسَيِّدٍ فيَجُوزَ إذْنُه فيه، ولا لها فيَجُوزَ ما صَنَعَتْ في مالها، وطَلاقُهُما بذلك بائنٌ، فإذا أعْتِقَتا اتَّبَعَ كُلَّ واحدةٍ منهما بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما لا أحْكُمُ (١) على المفْلِسِ حتّى يُوسِرَ.
(٢٢٩٤) وإذا أجَزْتُ طَلاقَ السَّفِيهِ بلا شَيْءٍ كان ما أخَذَ عليه جُعْلًا أوْلَى، ولوَلِيِّه أن يَلِيَ عليه ما أخَذَ بالخُلْعِ؛ لأنّه مالٌ له، وما أخَذَ العَبْدُ بالخلعِ فهو للسَّيِّدِ، فإن اسْتَهْلَكَا ما أخَذَا رَجَعَ الوَلِيّ والسَّيِّدُ على المخْتَلِعَةِ مِنْ قِبَلِ أنّه حَقٌّ لَزِمَها فدَفَعَتْه إلى مَنْ لا يَجُوزُ لها دَفْعُه إليه.
(٢٢٩٥) ولو اخْتَلَفا فهو كاخْتِلافِ المتَبايِعَيْن، فإنْ قالتْ: «خَلَعْتَنِي بألْفٍ»، وقال: «بل بألْفَيْن»، أو قالت: «على أن تُطَلِّقَنِي ثلاثًا، فطَلَّقْتَنِي واحدةً» .. تحالَفا، وله صَداقُ مِثْلِها، ولا يُرَدُّ الطلاقُ، ولا يَلْزَمُه منه إلّا ما أقَرَّ به، ولو قال: «طَلَّقْتُكِ بألفٍ»، وقالت: «بل على غيرِ شَيْءٍ» .. فهو مُقِرٌّ بطَلاقٍ لا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ، فيَلْزَمُه، ومُدَّعٍ ما لا يَمْلِكُه بدَعْواه.
(٢٢٩٦) ويَجُوزُ الوَكيلُ في الخلعِ، حُرًّا كان، أو عَبْدًا، أو مَحْجُورًا عليه، أو ذِمِّيًّا.
(٢٢٩٧) فإنْ خَلَعَ عنها بما لا يَجُوزُ .. فالطّلاقُ لا يُرَدُّ، وهو كشيءٍ اشْتَراه لها فقَبَضَتْه فاسْتَهْلَكَتْه، فعَلَيْها قِيمَتُه، ولا شيءَ على الوكيلِ إلّا أن يَكُونَ ضَمِنَ ذلك له.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي ليس بشيءٍ، الخلعُ عنده كالبيعِ في أكْثَرِ مَعانِيه، وإذا باع الوكيلُ ما وَكَّلَه به صاحِبُه بما لا يَجُوزُ مِنْ الثَّمَنِ
стр. 1242
بَطَلَ البَيْعُ عنده عنه (١)، فكذلك لمّا طَلَّقَها عليه بما لا يَجُوزُ مِنْ البَدَلِ، بَطَلَ الطلاقُ عنه كما بَطَلَ البَيْعُ عنه (٢).
(٢٢٩٨) قال الشافعي: ولو وَكَّلَ مَنْ يُخالِعُها بمائةٍ، فخالَعَها عنه بخَمْسِين .. فلا طَلاقَ عليه؛ كما لو قال: «أنتِ طالقٌ بمائةٍ»، فأعْطَتْه خَمْسِينَ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا بيانٌ لما قُلْتُ في المسألة قَبْلَها.
стр. 1243
(٢٤٠)
باب الخلع في المرض
من كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٩٩) قال الشافعي: ويَجُوزُ الخلعُ في المرَضِ كما يَجُوزُ البيعُ، فإنْ كان الزَّوْجُ هو المريضَ، فخالَعَها بأقَلَّ مِنْ مَهْرِها، ثُمّ ماتَ .. فجائزٌ؛ لأنّ له أن يُطَلِّقَ بغَيْرِ شَيْءٍ، وإنْ كانتْ هي المريضةَ، فخالَعَتْه بأكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِها، ثُمّ ماتَتْ مِنْ مَرَضِها .. جاز له مَهْرُ مِثْلِها، وكان الفَضْلُ وَصِيَّةً يُحاصُّ أهْلُ الوَصايا بها في ثُلُثِها.
(٢٣٠٠) ولو كان خَلَعَها بعَبْدٍ يَسْوَى مائةً (١)، ومَهْرُ مِثْلِها خمسُونَ .. فهو بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ نِصْفَ العَبْدِ ونِصْفَ مَهْرِ مِثْلِها، أو يَرُدُّ ويَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما لو اشْتَراه فاسْتَحَقَّ نِصْفَه.
قال المزني: قلت أنا (٢): ليس هذا عندي بشيءٍ، ولكن له مِنْ العبدِ مَهْرُ مِثْلِها، وما بَقِيَ مِنْ العَبْدِ بعد مَهْرِ مِثلِها وَصِيَّةٌ له إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، فإن لم يَخْرُجْ ما بَقِيَ مِنْ العَبْدِ مِنْ الثُّلُثِ ولم يَكُنْ لها غَيْرُه فهو بالخيارِ، إنْ شاء قَبِلَ وَصِيَّتَه، وهو الثُّلُثُ مِنْ نِصْفِ العَبْدِ، وكان ما بَقِيَ للوَرَثَةِ، وإنْ شاء رَدَّ العَبْدَ وأخَذَ مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنّه إذا صار في العَبْدِ شِرْكٌ لغَيْرِه، فهو عَيْبٌ يَكُونُ فيه الخيارُ (٣).
стр. 1244
(٢٤١)
باب خُلْع المشركين
من كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٣٠١) قال الشافعي: وإن اخْتَلَعَت الذِّمِّيَّةُ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ فدَفَعَتْه، ثُمّ تَرافَعا إلينا .. أجَزْنا الخلْعَ والقَبْضَ، ولو لم تَكُنْ دَفَعَتْه .. جَعَلْنا له عليها مَهْرَ مِثْلِها، وهكذا أهْلُ الحرْبِ، إلّا أنَّا لا نَحْكُمُ عليهم حتّى يَجْتَمِعُوا على الرِّضا، ونَحْكُمُ على الذِّمِّيَّينِ إذا جاءنا أحَدُهما (١).
стр. 1245
[٤١]
كتاب الطلاق
стр. 1246
(٢٤٢)
باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه
من الجامع من كتاب أحكام القرآن، ومن كتاب إباحة الطلاق
ومن جماع عشرة النساء وغير ذلك (١)(٢٣٠٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقُرِئتْ: ﴿لقُبُلِ عِدَّتِهنّ﴾، قال (٢): والمعنى واحدٌ.
(٢٣٠٣) وطَلَّقَ ابنُ عمرَ امْرَأتَه وهي حائضٌ في زمان النبي ﷺ ، قال عمرُ: فسَألْتُ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمّ ليُمْسِكْها حتّى تَطْهُرَ ثُمّ تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إن شاء أمْسَكَ بَعْدُ، وإنْ شاء طَلَّقَ، فتِلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ»، قال: وقد رَوَى هذا الحديثَ سالمٌ وابنُ سِيرينَ ويُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ (٣) يخالِفُون نافِعًا في شيءٍ منه، قالوا كُلُّهُم عن ابنِ عُمرَ: إنّ (٤) النبيَّ ﷺ قال: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمّ ليُمْسِكْها حتّى تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاء بَعْدُ طَلَّقَ (٥)، وإنْ شاء أمْسَكَ»، ولم يقولوا: «ثم تحيض ثم تطهر».
стр. 1247
[قال المزني: يَنْبَغِي عندي أن يكون: «حتّى تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاء طَلَّقَ بَعْدُ، وإنْ شاء أمْسَكَ» (١).
(٢٣٠٤) قال [الشافعي]: وفي ذلك دليلٌ أنّ الطلاقَ يَقَعُ على الحائضِ (٢)؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يَأمُرْ بالمراجَعَةِ إلّا مَنْ لَزِمَه الطلاقُ.
(٢٣٠٥) قال: فأحِبُّ أن يُطَلِّقَ واحدةً؛ لتكُونَ له الرَّجْعَةُ للمدْخُولِ بها، وخاطِبًا لغيرِ المدْخُولِ بها، ولا يَحْرُمُ عليه أن يُطَلِّقَها ثلاثًا؛ لأنّ اللهَ ﵎ أباحَ الطلاقَ، فليس بمَحْظُورٍ، وعَلَّمَ النبيُّ ﷺ ابنَ عمرَ مَوْضِعَ الطلاقِ، فلو كان في عَدَدِه محْظُورٌ ومباحٌ لعَلَّمَه إيّاه إن شاء الله، وطَلَّقَ العَجْلانيُّ بين يَدَيْ رسول الله ﷺ ثلاثًا فلم يُنْكِرْه عليه، وسَألَ النبيُّ ﵇ رُكانَةَ لمّا طَلَّقَ امْرَأتَه ألْبَتَّةَ: ما أراد؟ ولم يَنْهَه أن يُرِيدَ أكْثَرَ مِنْ واحدةٍ.
(٢٣٠٦) قال الشافعي: ولو طَلَّقَها طاهرًا بعد جِماعٍ (٣) .. أحْبَبْتُ أن يرْتَجِعَها، ثُمّ يُمْهِلَ ليُطَلِّقَ كما أمِرَ، وإنْ كانَتْ في طُهْرٍ بعد جِماعٍ .. فإنّها تَعْتَدُّ به.
(٢٣٠٧) قال: ولو لم يَدْخُلْ بها، أو دَخَلَ بها وكانَتْ حامِلًا أو لا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ، فقال لها: «أنتِ طالقٌ للسُّنَّة أو للبِدْعَةِ (٤)» .. طَلَقَتْ مَكانَها؛ لأنّه لا سُنَّةَ في طَلاقِها ولا بِدْعَةَ (٥).
قال المزني: لا طَلاقَ سُنَّةٍ في الحامِلِ وغَيْرِها (٦).
стр. 1248
(٢٣٠٨) [قال الشافعي:] وإنْ كانَتْ تَحِيضُ، فقال: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» .. فإنْ كانَتْ طاهِرًا مِنْ غيرِ جِماعٍ طَلَقَتْ ثلاثًا مَعًا، وإنْ كانَتْ مُجامَعَةً أو حائضًا أو نُفَساءَ وَقَعَ عليها الطلاقُ حين تَطْهُرُ مِنْ الحيضِ أو النِّفاسِ، وحين تَطْهُرُ المجامَعَةُ مِنْ أوَّلِ حَيْضٍ بعد قَوْلِه وقَبْلَ الغُسْلِ.
(٢٣٠٩) وإنْ قال: نَوَيْتُ أن تَقَعْنَ في كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةٌ .. وَقَعْنَ مَعًا في الحُكْمِ، وعلى ما نَوَى فيما بَيْنَه وبَيْنَ الله، ولو كان قال: «في كُلِّ قُرْءٍ واحدةٌ» .. فإنْ كانَتْ طاهرًا حُبْلَى وَقَعَت الأُولَى ولم تَقَع الثِّنْتانِ، كانَتْ تَحِيضُ على الحَبَلِ أو لا تَحِيضُ حتّى تَلِدَ ثُمّ تَطْهُرَ، فإن لم يُحْدِثْ لها رَجْعَةً حتّى تَلِدَ بانَتْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ، ولم تَقَعْ عليها غيرُ الأُولَى.
(٢٣١٠) ولو قال لامْرَأتِه: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا، بَعْضُهُنّ للسُّنَّةِ، وبَعْضُهُنّ للبدعةِ» .. وَقَعَت اثْنَتانِ في أيّ الحالَيْنِ كانَتْ، والأخْرَى إذا صارَتْ في الحالِ الأُخْرَى.
قال المزني: قلت أنا (١): أشْبَهُ بمَذْهَبِه عندي أنّ قَوْلَه: «بَعْضُهُنّ» يَحْتَمِلُ واحدةً، فلا يَقَعُ غَيْرُها، أو اثْنَتَيْن، فلا يَقَعُ غَيْرُهما، أو مِنْ كُلِّ واحدةٍ بَعْضُها (٢)، فيَقَعُ عليها بذلك ثلاثٌ (٣)، فلمّا أنْ كان الشَّكُّ كان القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه ما أراد بـ «بَعْضُهُنّ» في الحالِ الأُولَى إلّا واحدةً، و (بَعْضُهُنّ) الباقي في الحال الثّانيةِ، فالأقَلُّ يَقِينٌ، وما زاد شَكٌّ، وهو لا يَسْتَعْمِلُ الحُكْمَ بالشَّكِّ في الطلاقِ (٤).
стр. 1249
(٢٣١١) قال الشافعي: ولو قال: «أنتِ طالقٌ أعْدَلَ أو أحْسَنَ أو أكْمَلَ» أو ما أشْبَهَه .. سألْتُه عن نِيَّتِه، فإن لم يَنْوِ شيئًا وَقَعَ الطلاقُ للسُّنَّةِ، ولو قال: «أقْبَحَ أو أسْمَجَ أو أفْحَشَ» أو ما أشْبَهه .. سألْتُه عن نِيَّتِه، فإن لم يَنْوِ شيئًا وَقَعَ الطلاقُ للبدعةِ، ولو قال: «أنتِ طالقٌ واحدةً حَسَنَةً قَبِيحَةً أو جَمِيلَةً فاحِشَةً» .. طَلَقَتْ حين تَكَلَّم.
(٢٣١٢) ولو قال: «أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ فلانٌ للسّنَّةِ»، فقَدِمَ .. فهي طالقٌ للسُّنَّةِ.
(٢٣١٣) ولو قال: «أنتِ طالقٌ لفلانٍ أو لِرِضا فلانٍ» .. طَلَقَتْ مَكانَه.
(٢٣١٤) ولو قال: «إن لم تَكُونِي حاملًا فأنتِ طالقٌ» .. وُقِفَ عنها حتّى تَمُرَّ بها (١) دَلالَةٌ على البراءةِ مِنْ الحَمْلِ (٢).
стр. 1250
(٢٣١٥) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي»، فقال: «كُلُّ امْرأةٍ لي طالقٌ» .. طَلَقَت امْرأتُه التي سألَتْه، إلّا أن يَكُونَ عَزَلها بنِيَّتِه (١).
стр. 1251
(٢٤٣)
باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع إلا بالنية (١)
من الجامع من كتاب الرجعة، ومن كتاب الطلاق
ومن إملاء على مسائل مالك وغير ذلك (٢)(٢٣١٦) قال الشافعي: ذَكَر اللهُ ﵎ الطلاقَ في كتابِه بثلاثةِ أسْماءٍ: «الطلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ» (٣).
(٢٣١٧) فإنْ قال: «أنتِ طالقٌ، أو طَلَّقْتُكِ، أو فارَقْتُكِ، أو سَرَّحْتُكِ» .. لَزِمَه الطلاقُ، ولم يَنْوِ في الحُكْمِ، ويَنْوِي فيما بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ؛ لأنّه قد يُرِيدُ طَلاقًا مِنْ وَثاقٍ؛ كما لو قال لعَبْدِه: «أنْتَ حُرٌّ» يُرِيدُ: حُرَّ النفسِ، ولا يَسَعُ امْرَأتَه وعَبْدَه أن يَقْبَلا منه، وسواءٌ كان ذلك عند غَضَبٍ أو مَسْألَةِ طلاقٍ أو رِضا، وقد يَكُونُ السَّبَبُ ويَحْدُثُ كلامٌ على غيرِ السَّبَبِ.
(٢٣١٨) فإنْ قال: «قد فارَقْتُكِ مسافِرًا إلى المسجدِ»، أو: «سَرَّحْتُكِ إلى أهْلِكِ»، أو: «قد طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثاقٍ (٤)»، أو ما أشْبَهَ هذا .. لم يَكُنْ
стр. 1252
طلاقًا، فإنْ قيل: فقد يَكُونُ هذا طلاقًا فنَدِمَ فأتْبَعَها كلامًا يَخْرُجُ به منه .. قيل: فقد يَقُولُ: «لا إلهَ إلّا اللهُ»، فيَكُونُ مُؤمِنًا، يُبِينُ آخِرُ الكَلامِ عن أوَّلِه، ولو أفْرَدَ «لا إلهَ» كان كافرًا.
(٢٣١٩) قال: ولو قال: «أنْتِ خَلِيَّةٌ، أو بَرِيَّةٌ، أو بائنٌ، أو بَتَّةٌ، أو حَرامٌ (١)»، أو ما أشْبَهَه .. فإنْ قال: (قُلْتُه ولا أنْوِي طلاقًا، وأنا أنْوِي به السّاعَةَ طلاقًا) لم يَكُنْ طلاقًا حتّى يَبْتَدِئه ونِيَّتُه الطلاقُ وما أرادَ مِنْ عَدَدِه.
(٢٣٢٠) ولو قال: «أنْتِ حُرَّةٌ» يُرِيدُ الطلاقَ، ولأمَتِه: «أنْتِ طالقٌ» يُرِيدُ العِتْقَ .. لَزِمَه ذلك.
(٢٣٢١) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ واحدةً بائنًا» كانَتْ واحدةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؛ لأنّ اللهَ حَكَمَ في الواحدةِ والثِّنْتَيْن بالرَّجْعَةِ؛ كما لو قال لعَبْدِه: «أنْتَ حُرٌّ، ولا وَلاءَ لي عليك (٢)» كان حُرًّا وله الوَلاءُ، جَعَلَ رسولُ الله ﷺ الوَلاءَ لمَنْ أعْتَقَ؛ كما جَعَل اللهُ ﵎ الرَّجْعَةَ لمَنْ طَلَّقَ واحدةً واثْنَتَيْن، وطَلَّقَ رُكانَةُ امْرَأتَه الْبَتَّةَ، فأحْلَفَه النبيُّ ﷺ : ما أراد إلّا واحدةً، ورَدَّها عليه، وطَلَّقَ المطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ امْرأتَه الْبَتَّةَ، فقال له عمرُ: «أمْسِكْ عليك امْرَأتَك؛ فإنّ الواحدَةَ تَبُتُّ (٣)»، وقال عليٌّ لرَجُلٍ قال لامْرأتِه: «حَبْلُكِ على غارِبِكِ (٤)»: «ما أرَدْتَ؟»، وقال شريح: «أمّا الطّلاقُ فسُنَّةٌ،
стр. 1253
فأمْضُوه، وأما البَتَّة فبدعةٌ، فدَيِّنُوه (١)»، قال الشافعي: ويَحْتَمِلُ طلاقُ البَتَّةِ يَقِينًا، ويَحْتَمِلُ الانْبِتاتَ الذي ليس بَعْدَه شَيْءٌ، ويَحْتَمِلُ واحدةً مُنبَتَّةً منه حتّى يَرْتَجِعَها، فلمّا احْتَمَلَتْ مَعانِيَ جُعِلَتْ إلى قائلِها.
(٢٣٢٢) قال: ولو كَتَبَ بطلاقِها .. فلا يَكُونُ طلاقًا إلّا بأن يَنْوِيَهُ؛ كما لا يَكُونُ ما خالَفَ الصَّرِيحَ طلاقًا إلّا بأن يَنْوِيَه (٢)، فإنْ كَتَبَ: «إذا جاءك كتابي» .. فحتّى يأتِيَها (٣)، وإن كَتَبَ: «أمّا بَعْدُ، فأنْتِ طالقٌ» .. طَلَقَتْ حين كَتَبَ، وإنْ شُهِدَ عليه أنّ هذا خَطُّه لم يَلْزَمْه حتّى يُقِرَّ به (٤).
(٢٣٢٣) ولو قال لامْرأتِه: «اخْتارِي»، أو: «أمْرُكِ بيَدِكِ»، فطَلَّقَتْ نَفْسَها، فقال: (ما أرَدْتُ طلاقًا) .. لم يَكُنْ طَلاقًا إلّا أن يُرِيدَه، ولو أراد طلاقًا، فقالتْ: «قد اخْتَرْتُ نَفْسِي» .. سُئِلَتْ، فإنْ أرادَتْ طلاقًا فهو طلاقٌ، وإن لم تُرِدْه فليس بطلاقٍ، ولا أعْلَمُ خلافًا أنّها إن طَلَّقَتْ نَفْسَها
стр. 1254
قبل أن يَتَفَرَّقا مِنْ المجْلِسِ أو يُحْدِثَ قَطْعًا لذلك، أنّ الطلاقَ يَقَعُ عليها، فيَجُوزُ أن يُقالَ لهذا الموْضِعِ إجْماعٌ.
وقال في «الإملاء على مسائل مالك»: «وإنْ مَلَّكَ أمْرَها غَيْرَها .. فهذه وَكالَةٌ، متى أوْقَع الطلاقَ وَقَعَ، ومتى شاء الزَّوْجُ رَجَعَ» (١)، وقال فيه: «وسواءٌ قالتْ: «طَلَّقْتُكَ» أو «طَلَّقْتُ نَفْسِي» إذا أرادَتْ طلاقًا».
(٢٣٢٤) ولو جَعَل (٢) لها أن تُطَلِّقَ نَفْسَها ثلاثًا، فطَلَّقَتْ واحدةً .. كان ذلك لها.
(٢٣٢٥) ولو طَلَّق بلسانِه واسْتَثْنَى بقَلْبِه .. لَزِمَه الطلاقُ، ولم يَكُنْ الاسْتِثْناءُ إلّا بلِسانِه.
(٢٣٢٦) ولو قال: «أنْتِ عليَّ حَرامٌ» يُرِيدُ تَحْرِيمَها بلا طَلاقٍ .. فعليه كفّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ حَرَّمَ جارِيَتَه فأُمِرَ بكفّارةِ يَمِينٍ؛ قال الشافعي: لأنّهما تحْرِيمُ فَرْجَيْن حِلَّيْنِ بما لم يُحَرَّما به (٣).
(٢٣٢٧) ولو قال: «كُلُّ ما أمْلِكُ عليّ حَرامٌ»؛ يعني: امْرأتَه وجَوارِيَه ومالَه .. كَفَّرَ عن المرأةِ والجوارِي كفّارةً واحدةً، ولم يُكَفِّرْ عن مالِه.
стр. 1255
(٢٣٢٨) وقال في «الإملاء»: وإن نوَى إصابَةً .. قُلْنا: أصِبْ وكَفِّرْ (١).
(٢٣٢٩) ولو قال: «كالميتةِ والدَّمِ» .. فهو كالحرامِ.
(٢٣٣٠) وأمّا ما لا يُشْبِهُ الطلاقَ، مثلُ قولِه: «بارك الله فيكِ»، أو «اسْقِينِي»، أو «أطْعِمِيني»، أو «زَوِّدِيني»، أو ما أشْبَهَ ذلك .. فليس بطلاقٍ وإن نَواه (٢)، ولو أجَزْتُ النِّيَّةَ بما لا يُشْبِهُ الطلاقَ أجَزْتُ أن يُطَلِّقَ في نَفْسِه.
(٢٣٣١) ولو قال للتي لم يَدْخُلْ بها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسنة» .. وَقَعْنَ مَعًا، ولو قال لها: «أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ» .. وَقَعَت الأُولَى، وبانَتْ بلا عِدَّةٍ.
стр. 1256
(٢٤٤)
باب الطلاق بالوقت، وطلاق المكره وغيره
من كتاب إباحة الطلاق وإملاء وغيرهما
(٢٣٣٢) قال الشافعي: وأيّ أجَلٍ طَلَّقَ إليه لم يَلْزَمْه قَبْلَ وَقْتِه.
(٢٣٣٣) ولو قال: «في شَهْرِ كذا»، أو: «في غُرَّةِ هِلالِ كذا» .. طَلَقَتْ في المغِيبِ مِنْ اللَّيْلَةِ التي يَرَى فيها هِلالَ ذلك الشَّهْرِ.
(٢٣٣٤) ولو قال: «إذا رَأيْتَ هِلالَ شَهْرِ كذا» .. حَنِثَ إذا رَآه غَيْرُه، إلّا أن يَكُونَ أرادَ رُؤيَةَ نَفْسِه.
(٢٣٣٥) ولَوْ قال: «إذا مَضَتْ سَنَةٌ» وقد مَضَى مِنْ الهِلالِ خَمْسٌ .. لم تَطْلُقْ حتّى تَمْضِيَ خمسٌ وعشرون ليلةً مِنْ يومِ تَكَلَّمَ، وأحدَ عَشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ، وخمسٌ بعدها.
(٢٣٣٦) ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ الشَّهْرَ الماضِيَ» .. طَلَقَتْ مَكانَه (١)، وإيقاعُه الطلاقَ الآن في وَقْتٍ مَضَى محالٌ (٢)، ولو قال: (عَنَيْتُ أنّها مُطَلَّقَةٌ مِنْ غَيْرِي) .. لم يُقْبَلْ منه، إلّا أن يُعْلَمَ أنّها كانَتْ في ذلك الوَقْتِ مُطَلَّقَةً مِنْ غَيْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه في نحو ذلك (٣).
(٢٣٣٧) ولو قال لها: «أنْتِ طالقٌ إذا طَلَّقْتُكِ» .. فإذا طَلَّقَها وَقَعَتْ عليها واحدةٌ بابْتِدائِه الطلاقَ، والأخْرَى بالحِنْثِ.
стр. 1257
(٢٣٣٨) ولو قال (١): «أنْتِ طالقٌ كُلَّما وَقَعَ عليكِ طلاقي»، فطَلَّقَها واحدةً .. طَلَقَتْ ثلاثًا، وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بها طَلَقَتْ بالأُولَى وَحْدَها.
قال المزني: قلت أنا (٢): ألْطَفَ الشّافعيُّ في وَقْتِ إيقاعِ الطلاقِ، فلم يُوقِعْ إلّا واحدةً (٣).
(٢٣٣٩) قال الشافعي: وكذلك لو خالَعَها بطَلْقَةٍ مَدْخُولًا بها.
(٢٣٤٠) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ إذا لم أطَلِّقْكِ»، أو: «متى ما لم أطَلِّقْكِ»، فسَكَتَ مُدَّةً يُمْكِنُه فيها الطلاقُ .. طَلَقَتْ، ولو كان قال: «إن لم أطَلِّقْكِ» .. لم يَحْنَثْ حتّى يُعْلَمَ أنّه لا يُطَلِّقُها بمَوْتِه أو مَوْتِها.
قال المزني: قلت أنا (٤): فَرَّقَ الشافعيُّ بين «إنْ» و «إذا»، فألْزَمَ في «إذا» إذا لم يَفْعَلْه مِنْ ساعَتِه، ولم يُلْزِمْه في «إنْ» إلّا بمَوْتِه أو مَوْتِها (٥).
стр. 1258
(٢٣٤١) قال الشافعي: ولو قال لامْرأتِه: «أنْتِ طالقٌ إذا قَدِمَ فلانٌ»، فقُدِمَ به مَيِّتًا أو مُكْرَهًا .. لم تَطْلُقْ، وإن قال (١): «إذا رَأيْتُه»، فرَآه في تلك الحالِ .. حَنِثَ.
(٢٣٤٢) ولو حَلَفَ لا تَأخُذُ مالَكَ عَلَيَّ، فأجْبَرَه السلطانُ، فأخَذَ منه المالَ .. حَنِثَ، وإنْ كان قال: «لا أعْطِيكَ» .. لم يَحْنَثْ.
(٢٣٤٣) ولو قال: «إنْ كَلَّمْتِيه فأنْتِ طالقٌ (٢)»، فكَلَّمَتْه حيثُ يَسْمَعُ .. حَنِثَ وإن لم يَسْمَعْ (٣)، فإنْ كَلَّمَتْه مَيِّتًا (٤) أو حَيْثُ لا يَسْمَعُ لم يَحْنَثْ، وإنْ كَلَّمَتْه مُكْرَهَةً لم يَحْنَثْ، ولوْ كَلَّمَتْه سَكْرانَةً حَنِثَ.
стр. 1259
(٢٣٤٤) ولو قال لمدخولٍ بها: «أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ» .. وَقَعَت الأُولَى، وسُئِلَ عمّا نَوَى في الثِّنْتَيْن بَعْدَها؟ فإنْ أراد تَبْيِينَ الأُولَى فهي واحدةٌ وما أراد، وإنْ قال: لم أرِدْ طلاقًا .. لم يُدَيَّنْ في الأُولَى ودُيِّنَ في الاثْنَيْن.
(٢٣٤٥) ولو قال لها: «أنْتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ» .. وَقَعَت الأُولَى والثانيةُ بالواو؛ لأنّها اسْتِئنافُ كلامٍ في الظاهرِ، ودُيِّنَ في الثالثةِ، فإنْ أراد بها طلاقًا فهو طلاقٌ، وإنْ أراد بها تَكْرِيرًا فليس بطلاقٍ، وكذلك: «أنْتِ طالقٌ ثُمّ طالقٌ ثُمّ طالقٌ»، وكذلك: «أنْتِ طالقٌ بل طالقٌ بل طالقٌ».
قال المزني: قلت أنا (١): وقال في «كتاب الإملاء»: فإن أدْخَلَ «ثُمّ» أو واوًا في كَلِمَتَيْن، فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ فظاهرُها الاسْتِئنافُ، وهي ثلاثٌ، قال المزني: قلت أنا (٢): فالظاهرُ في الحُكْمِ أوْلَى، والباطنُ فيما بَيْنَه وبين الله (٣).
(٢٣٤٦) قال الشافعي: ولو قال: «أنْتِ طالقٌ طلاقًا» .. فهي واحدةٌ؛ كقولِه: «طلاقًا حَسَنًا».
стр. 1260
(٢٣٤٧) وكُلُّ مُكْرَهٍ ومَغْلُوبٍ على عَقْلِه فلا يَلْحَقُه الطلاقُ، خَلا السَّكْرَانَ مِنْ خَمْرٍ أو نَبِيذٍ، فإنّ المعْصِيَةَ بشُرْبِ المحَرَّمِ لا تُسْقِطُ عنه فَرْضًا ولا طلاقًا، والمغلوبُ على عَقْلِه مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ مُثابٌ، فكيف يُقاسُ مَنْ عليه العقابُ على مَنْ له الثَّوابُ، قال: وقد قال بعضُ أهل الحجاز: لا يَلْزَمُه طلاقٌ، فيَلْزَمُه إذا لم يُجِزْ عليه تَحْرِيمَ الطلاقِ أن يَقُولَ: ولا عليه قَضاءُ صلاةٍ؛ كما لا يَكُونُ على المغلوبِ على عَقْلِه صلاةٌ (١).
стр. 1261
(٢٤٥)
باب الطلاق بالحساب والاستثناء وغيره
من الجامع من كتابين قديم وجديد (١)(٢٣٤٨) قال الشافعي: ولو قال لها: «أنْتِ طالقٌ واحدةً في اثْنَتَيْن» .. فإن نَوَى مَقْرُونَةً باثْنَتَيْن فهي ثلاثٌ، وإن نَوَى الحِسابَ فهي اثْنَتان، وإن لم يَنْوِ شَيْئًا فهي واحدةٌ (٢).
(٢٣٤٩) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ واحدةً لا تَقَعُ عليكِ» .. فهي واحدةٌ.
(٢٣٥٠) وإنْ قال: «واحدةً قَبْلَها واحدةً» .. كانَتَا تَطْلِيقَتَيْن.
(٢٣٥١) وإنْ قال: «رَأسُكِ أو شَعْرُكِ أو يَدُكِ أو رِجْلُكِ أو جُزْءٌ مِنْ أجْزائِكِ طالقٌ» .. فهي طالقٌ، لا يَقَعُ على بَعْضِها دُون بعضٍ.
(٢٣٥٢) ولو قال لها: «أنْتِ طالقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ» .. كانَتْ تَطْلِيقَةً، والطلاقُ لا يَتَبَعَّضُ، ولو قال: «نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ» .. فهي واحدةٌ، ولو قال لأرْبَعٍ (٣): «قد أوْقَعْتُ بَيْنَكُنّ تَطْلِيقَةً» .. كانَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُنّ طالقًا واحدةً، وكذلك طَلْقَتَيْنِ وثلاثًا وأربعًا، إلّا أن يُرِيدَ قَسْمَ كُلِّ واحدةٍ، فيَطْلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا (٤).
(٢٣٥٣) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا إلّا اثْنَتَيْن» .. فهي واحدةٌ، ولو
стр. 1262
قال: «ثلاثًا إلّا ثلاثًا» .. فهُنَّ ثلاثٌ (١)، إنّما يَجُوزُ الاسْتِثْناءُ إذا بَقَّى شَيْئًا، فإذا لم يُبَقِّ شَيْئًا فمُحالٌ.
(٢٣٥٤) ولو قال: «كُلَّما وَلَدْتِ وَلَدًا فأنْتِ طالقٌ واحدةً»، فوَلَدَتْ ثلاثًا في بَطْنٍ .. طَلَقَتْ بالأوَّلِ واحدةً، وبالثاني أخْرَى، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بالثالثِ (٢).
(٢٣٥٥) ولو قال: «إن شاء اللهُ» .. لم يَقَعْ (٣).
(٢٣٥٦) والاسْتِثْناءُ في الطلاقِ والعِتاقِ والنُّذُورِ كهُو في الأيْمانِ.
стр. 1263
(٢٤٦)
باب طلاق المريض
من الجامع من كتاب الرجعة، ومن كتاب العدة
ومن كتاب إملاء على مسائل مالك واختلاف الأحاديث (١)(٢٣٥٧) قال الشافعي: وطلاقُ الصحيحِ والمريضِ سواءٌ.
(٢٣٥٨) فإنْ طَلَّقَ مريضٌ ثلاثًا فلم يَصِحَّ حتّى مات .. فاخْتَلَفَ أصْحابُنا، قال المزني (٢): فذَكَرَ حُكْمَ عُثْمانَ بتَوْرِيثِها مِنْ عبدِالرحمنِ في مَرَضِه، وقَوْلَ ابنِ الزُّبَيْر: «لو كُنْتُ أنا لم أرَ أن تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ».
قال المزني: قلت أنا (٣): قد قال الشافعيُّ في «كتاب العدد» بأن القَوْلَ بأن لا تَرِثَ المبْتُوتَةُ قَوْلٌ يَصِحُّ، وقد ذَهَبَ إليه بعضُ أهْلِ الآثارِ، وقال: «كيف تَرِثُه امْرأةٌ لا يَرِثُها وليْسَتْ له بزَوْجَةٍ؟»، قال المزني: قلت أنا (٤): هذا أصَحُّ وأقْيَسُ لقَوْلِه.
قال المزني: وقد قال في «كتاب النكاح والطلاق إملاء على مسائل مالك»: «إنّ مَذْهَبَ ابنِ الزُّبَيْر أصَحُّها»، وقال فيه: «لو
стр. 1264
أقَرَّ في مَرَضِه أنّه طَلَّقَها في صِحَّتِه ثلاثًا لم تَرِثْه»، وحُكْمُ الطلاقِ في الإقرارِ والإيقاعِ سواءٌ (١)، وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: «لا تَرِثُ المبْتُوتَةُ».
قال المزني: قلت أنا (٢): وقد احْتَجَّ الشافعيُّ على مَنْ قال: (إذا ادَّعَيا وَلَدًا فماتَ، وَرِثَه كُلُّ واحدٍ منهما نِصْفَ ابْنٍ، وإنْ ماتا وَرِثَهُما كَمالَ أبٍ (٣)، فقال الشافعيُّ: «الناسُ إنّما يَرِثُون مِنْ حيثُ يُورَثُون»، فألْزَمَهُم تَناقُضَ قَوْلِهم إذْ لم يَجْعَلُوا الابْنَ منهما كَهُما منه في الميراثِ، فكذلك إنّما تَرِثُ الزوجةُ الزوجَ مِنْ حيثُ يَرِثُها، فإذا ارْتَفَعَ المعنى الذي يَرِثُها به لم تَرِثْه، وهذا أصَحُّ في القياسِ، وكذلك قال عبدُالرحمن بنُ عوفٍ: «ما فَرَرْتُ مِنْ كتابِ الله ولا مِنْ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ »، ومعه ابنُ الزبيرِ (٤).
стр. 1265
(٢٤٧)
باب الشك في الطلاق
(٢٣٥٩) قال الشافعي: لمّا قال رسولُ الله ﷺ : «إنّ الشيطانَ يأتِي أحَدَكُم فيَنْفُخُ بين ألْيَتَيْه، فلا يَنْصَرِفْ حتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَشَمَّ رِيحًا (١)» .. عَلِمْنا أنّه لم يَزُلْ يَقِينُ طَهارَةٍ إلّا بيَقِينِ حَدَثٍ، فكذلك مَنْ اسْتَيْقَنَ نكاحًا ثُمّ شَكَّ في الطلاقِ، لم يَزُلِ اليقينُ إلّا بيقينٍ (٢).
(٢٣٦٠) قال: ولو قال: «حَنِثْتُ بالطلاقِ أو العِتْقِ» .. وُقِفَ عن نِسائِه ورَقِيقِه حتّى يُبَيِّنَ، ويُحَلَّفُ للذي يَدَّعِي، فإنْ مات قبلَ ذلك أقْرِعَ بينهم، فإنْ خَرَجَ السَّهْمُ على الرَّقِيقِ عَتَقُوا مِنْ رأسِ المالِ، وإن وَقَعَتْ على النساءِ لم يَطْلُقْنَ ولم يَعْتِق الرَّقِيقُ، والوَرَعُ أن يَدَعْنَ مِيراثَه.
(٢٣٦١) ولو قال: «إحْداكُما طالقٌ ثلاثًا» .. مُنِعَ منهما، وأخِذَ بنَفَقَتِهما حتّى يُبَيِّنَ، فإنْ قال: (لم أرِدْ هذه بالطّلاقِ) .. كان إقْرارًا منه للأخْرَى، ولو قال: (أخْطَأتُ بل هي هذه) .. طَلَقَتا جميعًا بإقرارِه (٣).
(٢٣٦٢) فإنْ ماتَتا أو إحْداهُما قَبْلَ أن يُقِرَّ .. وَقَفْنا له مِنْ كُلِّ واحدةٍ منهما مِيراثَ زَوْجٍ، فإذا قال لإحْداهُما: (هي التي طَلَّقْتُ) .. رَدَدْنا على أهْلِها ما وَقَفْنا له، وأحْلَفْناه لوَرَثَةِ الأخْرَى.
стр. 1266
(٢٣٦٣) ولو كان هو الميِّتَ .. وَقَفْنا لهما مِيراثَ امْرأةٍ حتّى تَصْطَلِحا.
(٢٣٦٤) فإنْ ماتَتْ واحدةٌ قَبْلَه، ثُمّ ماتَ بعدَها، فقال وارِثُه: طَلَّقَ الأُولَى .. وَرِثَت الأخْرَى بلا يَمِينٍ، وإن قال: طَلَّقَ الحيَّةَ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّه يَقُومُ مَقامَ الميِّتِ، فيَحْلِفُ أنّ الحيَّةَ التي طَلَّقَ ثلاثًا (١)، ويأخُذُ ميراثَه مِنْ الميِّتَةِ قَبْلَه، وقد يَعْلَمُ ذلك بخَبَرِه وخَبَرِ غَيْرِه ممَّن يُصَدِّقُه، والقول الثاني - أن يُوقَفَ له مِيراثُ زَوْجٍ مِنْ الميِّتَةِ قَبْلَه، وللحَيَّةِ ميراثُ امْرأةٍ منه، حتّى يَصْطَلِحُوا (٢).
стр. 1267
(٢٤٨)
باب ما يَهْدِمُ الزوجُ من الطلاق
من كتابين (١)(٢٣٦٥) قال الشافعي: لمّا كانَت الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ، كانَتْ إصابَةُ زَوْجٍ غَيْرِه تُوجِبُ التَّحْلِيلَ، ولمّا لم يَكُنْ في الطَّلْقَةِ ولا في الطَّلْقَتَيْنِ ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، لم يَكُنْ لإصابَةِ زَوْجٍ غَيْرِه معنًى يُوجِبُ التَّحْلِيلَ، فنِكاحُه وتَرْكُه سَواءٌ، ورَجَعَ محمدُ بنُ الحسَنِ إلى هذا، واحْتَجَّ الشافعيُّ بعُمَرَ بنِ الخطّابِ: أنّ رجلًا سَألَه عمَّنْ طَلَّقَ امْرأتَه اثْنَتَيْن، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، فتَزَوَّجَتْ غَيْرَه، فطَلَّقَها أو مات عنها، ثُمّ تَزَوَّجَها الأوَّلُ، قال عُمَرُ: «هي عنده على ما بَقِيَ مِنْ الطلاقِ».