← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1263–1302 · переход к 1268.

стр. 1263

(٢٤٦) باب طلاق المريض من الجامع من كتاب الرجعة، ومن كتاب العدة ومن كتاب إملاء على مسائل مالك واختلاف الأحاديث (١) (٢٣٥٧) قال الشافعي: وطلاقُ الصحيحِ والمريضِ سواءٌ. (٢٣٥٨) فإنْ طَلَّقَ مريضٌ ثلاثًا فلم يَصِحَّ حتّى مات .. فاخْتَلَفَ أصْحابُنا، قال المزني (٢): فذَكَرَ حُكْمَ عُثْمانَ بتَوْرِيثِها مِنْ عبدِالرحمنِ في مَرَضِه، وقَوْلَ ابنِ الزُّبَيْر: «لو كُنْتُ أنا لم أرَ أن تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ». قال المزني: قلت أنا (٣): قد قال الشافعيُّ في «كتاب العدد» بأن القَوْلَ بأن لا تَرِثَ المبْتُوتَةُ قَوْلٌ يَصِحُّ، وقد ذَهَبَ إليه بعضُ أهْلِ الآثارِ، وقال: «كيف تَرِثُه امْرأةٌ لا يَرِثُها وليْسَتْ له بزَوْجَةٍ؟»، قال المزني: قلت أنا (٤): هذا أصَحُّ وأقْيَسُ لقَوْلِه. قال المزني: وقد قال في «كتاب النكاح والطلاق إملاء على مسائل مالك»: «إنّ مَذْهَبَ ابنِ الزُّبَيْر أصَحُّها»، وقال فيه: «لو

стр. 1264

أقَرَّ في مَرَضِه أنّه طَلَّقَها في صِحَّتِه ثلاثًا لم تَرِثْه»، وحُكْمُ الطلاقِ في الإقرارِ والإيقاعِ سواءٌ (١)، وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: «لا تَرِثُ المبْتُوتَةُ». قال المزني: قلت أنا (٢): وقد احْتَجَّ الشافعيُّ على مَنْ قال: (إذا ادَّعَيا وَلَدًا فماتَ، وَرِثَه كُلُّ واحدٍ منهما نِصْفَ ابْنٍ، وإنْ ماتا وَرِثَهُما كَمالَ أبٍ (٣)، فقال الشافعيُّ: «الناسُ إنّما يَرِثُون مِنْ حيثُ يُورَثُون»، فألْزَمَهُم تَناقُضَ قَوْلِهم إذْ لم يَجْعَلُوا الابْنَ منهما كَهُما منه في الميراثِ، فكذلك إنّما تَرِثُ الزوجةُ الزوجَ مِنْ حيثُ يَرِثُها، فإذا ارْتَفَعَ المعنى الذي يَرِثُها به لم تَرِثْه، وهذا أصَحُّ في القياسِ، وكذلك قال عبدُالرحمن بنُ عوفٍ: «ما فَرَرْتُ مِنْ كتابِ الله ولا مِنْ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ »، ومعه ابنُ الزبيرِ (٤).

стр. 1265

(٢٤٧) باب الشك في الطلاق (٢٣٥٩) قال الشافعي: لمّا قال رسولُ الله ﷺ : «إنّ الشيطانَ يأتِي أحَدَكُم فيَنْفُخُ بين ألْيَتَيْه، فلا يَنْصَرِفْ حتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَشَمَّ رِيحًا (١)» .. عَلِمْنا أنّه لم يَزُلْ يَقِينُ طَهارَةٍ إلّا بيَقِينِ حَدَثٍ، فكذلك مَنْ اسْتَيْقَنَ نكاحًا ثُمّ شَكَّ في الطلاقِ، لم يَزُلِ اليقينُ إلّا بيقينٍ (٢). (٢٣٦٠) قال: ولو قال: «حَنِثْتُ بالطلاقِ أو العِتْقِ» .. وُقِفَ عن نِسائِه ورَقِيقِه حتّى يُبَيِّنَ، ويُحَلَّفُ للذي يَدَّعِي، فإنْ مات قبلَ ذلك أقْرِعَ بينهم، فإنْ خَرَجَ السَّهْمُ على الرَّقِيقِ عَتَقُوا مِنْ رأسِ المالِ، وإن وَقَعَتْ على النساءِ لم يَطْلُقْنَ ولم يَعْتِق الرَّقِيقُ، والوَرَعُ أن يَدَعْنَ مِيراثَه. (٢٣٦١) ولو قال: «إحْداكُما طالقٌ ثلاثًا» .. مُنِعَ منهما، وأخِذَ بنَفَقَتِهما حتّى يُبَيِّنَ، فإنْ قال: (لم أرِدْ هذه بالطّلاقِ) .. كان إقْرارًا منه للأخْرَى، ولو قال: (أخْطَأتُ بل هي هذه) .. طَلَقَتا جميعًا بإقرارِه (٣). (٢٣٦٢) فإنْ ماتَتا أو إحْداهُما قَبْلَ أن يُقِرَّ .. وَقَفْنا له مِنْ كُلِّ واحدةٍ منهما مِيراثَ زَوْجٍ، فإذا قال لإحْداهُما: (هي التي طَلَّقْتُ) .. رَدَدْنا على أهْلِها ما وَقَفْنا له، وأحْلَفْناه لوَرَثَةِ الأخْرَى.

стр. 1266

(٢٣٦٣) ولو كان هو الميِّتَ .. وَقَفْنا لهما مِيراثَ امْرأةٍ حتّى تَصْطَلِحا. (٢٣٦٤) فإنْ ماتَتْ واحدةٌ قَبْلَه، ثُمّ ماتَ بعدَها، فقال وارِثُه: طَلَّقَ الأُولَى .. وَرِثَت الأخْرَى بلا يَمِينٍ، وإن قال: طَلَّقَ الحيَّةَ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّه يَقُومُ مَقامَ الميِّتِ، فيَحْلِفُ أنّ الحيَّةَ التي طَلَّقَ ثلاثًا (١)، ويأخُذُ ميراثَه مِنْ الميِّتَةِ قَبْلَه، وقد يَعْلَمُ ذلك بخَبَرِه وخَبَرِ غَيْرِه ممَّن يُصَدِّقُه، والقول الثاني - أن يُوقَفَ له مِيراثُ زَوْجٍ مِنْ الميِّتَةِ قَبْلَه، وللحَيَّةِ ميراثُ امْرأةٍ منه، حتّى يَصْطَلِحُوا (٢).

стр. 1267

(٢٤٨) باب ما يَهْدِمُ الزوجُ من الطلاق من كتابين (١) (٢٣٦٥) قال الشافعي: لمّا كانَت الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ، كانَتْ إصابَةُ زَوْجٍ غَيْرِه تُوجِبُ التَّحْلِيلَ، ولمّا لم يَكُنْ في الطَّلْقَةِ ولا في الطَّلْقَتَيْنِ ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، لم يَكُنْ لإصابَةِ زَوْجٍ غَيْرِه معنًى يُوجِبُ التَّحْلِيلَ، فنِكاحُه وتَرْكُه سَواءٌ، ورَجَعَ محمدُ بنُ الحسَنِ إلى هذا، واحْتَجَّ الشافعيُّ بعُمَرَ بنِ الخطّابِ: أنّ رجلًا سَألَه عمَّنْ طَلَّقَ امْرأتَه اثْنَتَيْن، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، فتَزَوَّجَتْ غَيْرَه، فطَلَّقَها أو مات عنها، ثُمّ تَزَوَّجَها الأوَّلُ، قال عُمَرُ: «هي عنده على ما بَقِيَ مِنْ الطلاقِ».

стр. 1268

[٤٢] مختصر الرَّجْعة (١) من الجامع من كتاب الرجعة، ومن الطلاق (٢)، ومن أحكام القرآن (٣)، ومن العدد (٤)، ومن طلاق قديم (٥)

стр. 1269

(٢٣٦٦) قال الشافعي: قال الله ﵎ في المطَلَّقاتِ: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال جلّ ثناؤه: ﴿فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] (١)، فدَلَّ سِياقُ الكلامَيْن على افْتِراقِ البُلُوغَيْن، فأحدُهما: مُقارَبَةُ بُلُوغِ الأجَلِ، فله إمْساكُها أو تَرْكُها فتَتَسَرَّحُ بالطلاقِ المتَقَدِّمِ، والعَرَبُ تَقُولُ إذا قارَبَت البَلَدَ تُرِيدُه: «قد بَلَغْتُ»؛ كما تَقُولُ إذا بَلَغَتْه، والبُلُوغُ الآخَرُ: انْقِضاءُ الأجَلِ (٢). (٢٣٦٧) قال الشافعي: وللعبدِ مِنْ الرَّجْعَةِ بعد الواحدةِ ما للحُرِّ بعد الثِّنْتَيْنِ، كانَتْ تحْتَه حُرَّةٌ أو أمَةٌ. (٢٣٦٨) والقَوْلُ فيما يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ العِدَّةِ قَوْلُها. (٢٣٦٩) وهي محَرَّمَةٌ عليه تحْرِيمَ المبْتُوتَةِ حتَّى يُراجِعَ، وطَلَّقَ ابنُ عمرَ امْرَأتَه وكانَت طَرِيقُه إلى المسْجِدِ على مَسْكَنِها، فَكَان يَسْلُكُ الطريقَ الأخْرَى؛ كَراهِيَةَ أن يَسْتَأذِنَ عليها حتّى يُراجِعَها، وقال عطاءٌ: «لا يَحِلُّ له

стр. 1270

منها شيءٌ، أرادَ ارْتِجاعَها أو لم يُرِدْه، ما لم يُراجِعْها»، وقال عطاءٌ وعبدُالكريم: «لا يَراهَا فضلًا». (٢٣٧٠) قال: ولمّا لم يَكُنْ نكاحٌ ولا طلاقٌ إلّا بكلامٍ، فلا تَكُونُ الرَّجْعَةُ إلّا بكلامٍ، والكلامُ بها أن يَقُولَ: «قد راجَعْتُها»، أو: «ارْتَجَعْتُها»، أو: «رَدَدْتُها إليَّ». (٢٣٧١) فإن جامَعَها يَنْوِي الرَّجْعَةَ أو لا يَنْوِيها فهو جِماعُ شُبْهَةٍ، ويُعَزَّران إنْ كانا عالِمَيْنِ، ولها صَداقُ مِثْلِها، وعليها العِدَّةُ، ولو كانَتِ اعْتَدَّتْ بحَيْضَتَيْن، ثُمّ أصابَها، ثُمّ تَكَلَّم بالرَّجْعَةِ قبل أن تَحِيضَ الثّالِثَةَ .. فهي رَجْعَةٌ، وإنْ كانَتْ بَعْدَها فلَيْسَتْ برَجْعَةٍ، وقد انْقَضَتْ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَها العِدَّةُ، ولا تَحِلُّ لغَيْرِه حتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِنْ يَوْمِ مَسَّها. (٢٣٧٢) ولو أشْهَدَ على رَجْعَتِها، ولا تَعْلَمُ بذلك، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتَزَوَّجَتْ .. فنِكاحُها مَفْسُوخٌ، ولها مَهْرُ مِثْلِها إنْ كان مَسَّها الآخِرُ، وهي زوجةُ الأوَّلِ، قال رسولُ الله ﷺ : «إذا أنْكَحَ الوَلِيّان فالأوَّلُ أحَقُّ»، وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ في هذه المسألة: «هي امْرَأةُ الأوَّلِ، دَخَلَ بها الآخِرُ أو لم يَدْخُل»، قال الشافعي: وإن لم يُقِمْ بَيِّنَةً لم يُفْسَخْ نِكاحُ الآخِرِ. (٢٣٧٣) ولو ارْتَجَعَ بغَيْرِ بَيِّنَةٍ وأقَرَّتْ بذلك فهي رَجْعَةٌ، وكان يَنْبَغِي أن يُشْهِدَ (١). (٢٣٧٤) ولو قال (٢): «قد راجَعْتُكِ قبل انْقِضاءِ عِدَّتِكِ»، وقالت: «بعد» .. فالقولُ قَوْلُها، وعليه البَيِّنَةُ (٣).

стр. 1271

(٢٣٧٥) ولو دَخَلَ بها ثُمّ طَلَّق، فقال: «قد أصَبْتُكِ»، وقالت: «لم تُصِبْنِي» .. فلا رَجْعَةَ، ولو قالتْ: «أصابني»، وأنكر .. فعليها العِدَّةُ بإقْرارِها، ولا رَجْعَةَ له عليها بإقْرارِه، وسَواءٌ طال مُقامُه معها أو لم يَطُلْ، لا تَجِبُ العِدَّةُ وكَمالُ المهْرِ إلّا بالمسِيسِ نَفْسِه. (٢٣٧٦) ولو قال: «ارْتَجَعْتُكِ اليومَ»، وقالت: «انْقَضَتْ عِدَّتِي قبل رَجْعَتِكَ» .. صَدَّقَها، إلّا أن تُقِرَّ بعد ذلك، فتَكُونَ كمَن جَحَدَ حَقًّا ثُمّ أقَرّ به. قال المزني: قلت أنا (١): لم يُقِرَّا جميعًا ولا أحَدُهما بانْقِضاءِ العِدَّةِ حتّى ارْتَجَعَ الزَّوْجُ وصارَت امْرأتَه، فليس لها عندي (٢) نَقْضُ ما ثَبَتَ عليها له (٣). (٢٣٧٧) قال الشافعي: ولو ارْتَدَّتْ بعد طلاقِه، فارْتَجَعَها مُرْتَدَّةً في العِدَّةِ .. لم تَكُنْ رَجْعَةً؛ لأنّها تحْلِيلٌ في حال التّحْرِيمِ.

стр. 1272

قال المزني: قلت أنا (١): أشْبَهُ بقَوْلِه عندي أن تَكُونَ رَجْعَتُه مَوْقُوفَةً، فإنْ جَمَعَهما الإسلامُ قبل انْقِضاءِ العِدَّةِ مِنْ حين وَقَعَ الطّلاقُ كانتْ رَجْعَةً، وإن لم يجْمَعْهما الإسلامُ عَلِمْنا أنّه لا رَجْعَةَ؛ لأنّ الفَسْخَ مِنْ حين ارْتَدَّتْ؛ كما يَقُولُ في الطلاق: «إذا طَلَّقَها مُرْتَدَّةً أو وَثَنِيَّةً، فجَمَعَهما الإسلامُ قبل انْقِضاءِ العِدَّةِ عَلِمْنا أنّ الطلاقَ كان واقعًا، وكانت العِدَّةُ مِنْ حين وَقَعَ الطلاقُ، وإنْ لم يجْمَعْهُما الإسلامُ (٢) بَطَلَ الطلاقُ، وكانت العِدَّةُ مِنْ حين أسْلَم مُتَقَدِّمُ الإسلامِ منهما» (٣).

стр. 1273

(٢٤٩) باب المطلقة ثلاثًا (٢٣٧٨) قال الشافعي: قال الله ﵎ في المطَلَّقَةِ الطَّلْقَةَ الثالثةَ: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وشَكَت المرْأةُ التي طَلَّقَها رِفاعَةُ ثلاثًا زَوْجَها بعده إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالتْ: إنّما معه مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فقال: «أتُرِيدِين أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟ لا حتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (١)، قال الشافعي: فإذا أصابَها بنكاحٍ صَحِيحٍ، فغَيَّبَ الحشَفَةَ في فَرْجِها .. فقد ذاقا العُسَيْلَةَ. (٢٣٧٩) وسَواءٌ قَوِيُّ الجماعِ وضَعِيفُه، لا يُدْخِلُه إلّا بيَدِه أو بيَدِها، أو كان ذلك مِنْ صَبِيٍّ مُراهِقٍ أو مجْبُوبٍ، بَقِيَ له ما يُغَيِّبُه تَغْيِيبَ غَيْرِ الخَصِيِّ، وسواءٌ كُلُّ زَوْجٍ وزَوْجَةٍ. (٢٣٨٠) ولو أصابَها صائِمَةً أو مُحْرِمَةً أساءَ وقد أحَلَّها (٢). (٢٣٨١) ولو أصاب الذِّمِّيَّةَ زوجٌ ذِمِّيٌّ بنكاحٍ صحيحٍ أحَلَّها لمسْلِمٍ؛ لأنّه زَوْجٌ، ورَجَم رسولُ الله ﷺ يَهُودِيَّيْن زَنَيا، ولا يَرْجُمُ إلّا مُحْصَنًا. (٢٣٨٢) قال: ولو كانت الإصابَةُ بعد رِدَّةِ أحَدِهما، ثُمّ رَجَعَ المرْتَدُّ منهما .. لم تُحِلَّها الإصابةُ؛ لأنّها مُحَرَّمَةٌ في تلك الحالِ.

стр. 1274

قال المزني: قلت أنا (١): لا مَعْنَى لرُجُوعِ المرْتَدِّ منهما عنده فيَصِحَّ النكاحُ بينهما، إلّا في التي قد أحَلَّها إصابَتُه إيّاها للزَّوْجِ قَبْلَه، فإنْ كانَتْ غيرَ مَدْخُولٍ بها فقد انْفَسَخَ النكاحُ في قولِه، ولها مَهْرُ مِثْلِها بالإصابةِ، وإنْ كانَتْ مَدْخُولًا بها فقد أحَلَّها إصابَتُه إيّاها قبل الرِّدَّةِ، فكَيْفَ لا يُحِلُّها؟ فتَفَهَّمْ (٢). (٢٣٨٣) قال الشافعي: ولو ذَكَرَتْ أنّها نُكِحَتْ نكاحًا صَحِيحًا وأصِيبَتْ (٣)، ولا يَعْلَمُ .. حَلَّتْ له، فإنْ وَقَعَ في قَلْبِه أنّها كاذبَةٌ فالوَرَعُ أن لا يَفْعَلَ.

стр. 1275

[٤٣] كتاب الإيلاء باب مختصر من الجامع من كتابي الإيلاء جديد وقديم، وما دخل فيه من الإملاء على مسائل مالك وابن القاسم، ومن إباحة الطلاق وغير ذلك (١)

стр. 1276

(٢٣٨٤) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] (١)، ففي ذلك دَلالَةٌ - والله أعلم - على أن لا سبيلَ على الْمُولِي لامْرأتِه حتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ كما لو ابْتاعَ بَيْعًا أو ضَمِنَ شَيْئًا إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لم يَكُنْ عليه سَبِيلٌ حتّى يَمْضِيَ الأجلُ، وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: «أدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أصحابِ رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يُوقِفُون المُولِي»، وكان عليٌّ وعثمانُ وعائشةُ وابنُ عمر وسليمانُ بنُ يَسارٍ يُوقِفُون المُولِي. (٢٣٨٥) قال: والمُولِي مَنْ حَلَفَ بيَمِينٍ يَلْزَمُه بها كَفّارَةٌ (٢). (٢٣٨٦) ومَن أوْجَبَ على نَفْسِه شَيْئًا يَجِبُ عليه إذا أوْجَبَه إنْ جامع امْرَأتَه، فهو في مَعْنَى الْمُولِي (٣).

стр. 1277

(٢٣٨٧) ولا يَلْزَمُه الإيلاءُ حتّى يُصَرِّحَ بأحَدِ أسْماءِ الجماعِ التي هي صريحةٌ، وذلك قوله: «والله لا أنِيكُكِ»، و: «لا أُغَيِّبُ ذَكَرِي في فَرْجِكِ»، أو: «لا أدْخِلُه في فَرْجِكِ»، أو: «لا أجامِعُكِ»، أو يَقُولَ إن كانَتْ عَذْراءَ: «والله لا أفْتَضُّكِ»، أو ما في مِثْلِ هذا المعنى، فهو مُولٍ في الحكمِ. وقال في القديم: «لو قال: «والله لا أطَؤُكِ»، أو: «لا أمَسُّكِ»، أو: «لا أجامِعُكِ» .. فهذا كُلُّه بابٌ واحدٌ، كُلُّ ما كان للجماعِ اسْمًا كُنِّيَ به عن نَفْسِ الجماعِ فهو واحدٌ (١)، وهو مُولٍ في الحكمِ»، قال المزني: قلت أنا (٢): لم يُنَوِّهِ في «لا أمَسُّكِ» في الحُكْمِ في القديم، ونَوَّاه في الجديد، واجْتَمَع قَوْلُه فيهما بحَلِفِه: «لا أجامِعُكِ» أنّه مُولٍ، وإن احْتَمَلَ: (أجامِعُكِ ببَدَنِي (٣)، وهذا أشْبَهُ بمعاني العلماءِ عندي (٤). قال الشافعي: ولو قال: «والله لا أباشِرُكِ»، أو: «لا أباضِعُكِ»، أو: «لا ألمسُكِ»، أو: «لا أمَسُّكِ»، أو ما أشْبَه هذا .. فإنْ أراد جماعًا فهو مُولٍ، وإن لم يُرِدْه فغَيْرُ مُولٍ في الحكمِ (٥). (٢٣٨٨) ولو قال: «والله لا أجامِعُكِ في دُبُرِكِ» .. فهو محْسِنٌ. (٢٣٨٩) ولو قال: «والله لا يَجْمَعُ رأسِي ورَأسَكِ شيءٌ»، أو: «لأسُوأنَّكِ»، أو: «لتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عنكِ»، وما أشْبَه هذا .. فلا يَكُونُ

стр. 1278

بذلك مُولِيًا، إلّا أن يُرِيدَ جِماعًا (١). (٢٣٩٠) ولو قال: «والله ليَطُولَنَّ تَرْكِي لجِماعِكِ» .. فإنْ عَنَى أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فهو مُولٍ. (٢٣٩١) ولو قال: «والله لا أقْرَبُكٍ خمسة أشْهُرٍ»، ثُمّ قال: «إذا مَضَتْ خمسَةُ أشْهُرٍ فوالله لا أقْرَبُكِ سنةً»، فوُقِفَ في الأولى، فطَلَّقَ ثُمّ ارْتَجَعَ .. فإذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بعد رَجْعَتِه وبعد خمسَةِ أشْهُرٍ وُقِفَ، فإنْ كانَتْ رَجْعَتُه في وَقْتٍ لم يَبْقَ عليه فيه مِنْ السَّنَةِ إلّا أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أو أقلُّ لم يُوقَفْ؛ لأنّي أجْعَلُ له أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ يَحِلُّ له الفَرْجُ. (٢٣٩٢) ولو قال: «إنْ قَربْتُكِ فعليَّ صَوْمُ هذا الشّهْرِ كُلِّه» .. لم يَكُنْ مُولِيًا؛ كما لو قال: «عليَّ صَوْمُ أمْسِ»، ولو أصابها وقد بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ شيءٌ كانت عليه كفّارةٌ أو صَوْمُ ما بَقِيَ. (٢٣٩٣) ولو قال: «إنْ قَرَبْتُكِ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا» .. وُقِفَ، فإن فاء فإذا غابت الحشَفَةُ طَلَقَتْ ثلاثًا، فإنْ أخْرَجَه ثُمّ أدْخَلَه بعدُ فعليه مَهْرُ مِثْلِها (٢).

стр. 1279

(٢٣٩٤) وإنْ أبَى أن يَفِيءَ طُلِّقَ عليه واحدةٌ، فإن راجَعَ فله أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِنْ يومِ راجَعَ، ثُمّ هكذا حتّى يَنْقَضِيَ طلاقُ ذلك المِلْكِ ثلاثًا. (٢٣٩٥) ولو قال: «أنْتِ عليَّ حرامٌ» يُرِيدُ تحْرِيمَها بلا طلاقٍ، أو اليمينَ بتَحْرِيمِها .. فليس بمُولٍ؛ لأنّ التّحْرِيمَ شَيْءٌ حُكِمَ فيه بكَفّارَةٍ إذا لم يَقَعْ طلاقٌ؛ كما لا يَكُونُ الظِّهارُ والإيلاءُ طلاقًا وإنْ أرِيدَ بهما طلاقٌ؛ لأنّه حُكِم فيهما بكفّارَةٍ. (٢٣٩٦) ولو قال: «إنْ قَرَبْتُكِ فغُلامِي حُرٌّ عن ظِهارِي إنْ تَظاهَرْتُ (١)» .. لم يَكُنْ مُولِيًا حتّى يُظاهِرَ. (٢٣٩٧) ولو قال: «إنْ قَرَبْتُكِ فلله عليَّ أنْ أُعْتِقَ فُلانًا عن ظِهارِي» وهو مُتَظاهِرٌ .. لم يَكُنْ مُولِيًا، وليس عليه أن يُعْتِقَ فلانًا عن ظِهارِه، وعليه فيه كفّارةُ يَمِينٍ (٢). قال المزني: قلت أنا (٣): أشْبَهُ بقَوْلِه أن لا تَكُونَ عليه كفّارَةُ يَمِينٍ، ألا تَرَى أنّه يَقُولُ: «لو قال: (لله عليّ أن أصُومَ يَوْمَ الخميسِ عن اليَوْمِ

стр. 1280

الذي عليَّ) لم يَكُنْ عليه صَوْمُ يومِ الخميسِ؛ لأنّه لم يُبَيِّنْ وَقْتَه بشيءٍ يَلْزَمُه، وإنَّ صَوْمَ يَوْمٍ لازِمٌ له، فأيُّ يَوْمٍ صامَه أجْزَأ عنه»، فلم يَجْعَلْ للنَّذْرِ في ذلك معنًى يَلْزَمُه به كفّارَةٌ، فتَفَهَّمْه (١). (٢٣٩٨) قال الشافعي: ولو آلى ثُمّ قال لأخْرَى: «قد أشْرَكْتُكِ معها في الإيلاءِ» .. لم تَكُنْ شَرِيكَتَها؛ لأنّ اليَمِينَ لَزِمَتْه للأُولَى، واليَمِينُ لا يُشْرَكُ فيها. (٢٣٩٩) ولو قال: «إنْ قَرَبْتُكِ فأنت زانيةٌ» .. فليس بمُولٍ، وإنْ قَرَبها فليس بقاذِفٍ، إلّا بقَذْفٍ صَرِيحٍ. (٢٤٠٠) ولو قال: «والله لا أصَبْتُكِ سَنَةً إلّا مَرَّةً» .. لم يَكُنْ مُولِيًا، فإنْ وَطِئَ وقد بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أكْثَرُ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فهو مُولٍ، وإن كان أقَلَّ مِنْ ذلك فليس بمُولٍ (٢). (٢٤٠١) ولو قال: «إنْ أصَبْتُكِ فوالله لا أصَبْتُكِ (٣)» .. لم يَكُنْ مُولِيًا حتّى يُصِيبَها، فيَكُونُ مُولِيًا. (٢٤٠٢) ولو قال: «والله لا أقْرَبُكِ إلى يومِ القيامةِ»، أو: «حتّى يَخْرُجَ الدَّجّالُ»، أو: «حتّى يَنْزِلَ عيسى بنُ مريم»، أو: «حتّى يَقْدَمَ فلانٌ»، أو: «يَمُوتَ»، أو: «تموتي»، أو: «تَفْطِمي ابْنَكِ» .. فإن مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ قبلَ يَكُونُ شيءٌ مما حَلَفَ عليه .. كان مُولِيًا.

стр. 1281

وقال في موضع آخر: «(حتّى تَفْطِمي وَلَدَكِ) لا يَكُونُ مُولِيًا؛ لأنّها قد تَفْطِمُه قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، إلّا أن يُرِيدَ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ»، قال المزني: قلت أنا (١): هذا أوْلَى بقَوْلِه؛ لأنّ أصْلَه أنّ كُلَّ يَمِينٍ مَنَعَت الجماعَ بكُلِّ حالٍ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إلّا بأن يَحْنَثَ فهو مُولٍ (٢)، وقَوْلُه: «(حتّى يَشَاءَ فلانٌ) فلَيْسَ بمُولٍ حتَّى (٣) يَمُوتَ فلانٌ»، قال المزني: و «حتّى يَقْدَمَ فلانٌ» أو «يَمُوتَ» سَواءٌ في القياسِ (٤)، وكذلك «حتّى تَفْطِمي وَلَدَكِ» إذا أمْكَنَ الفِطامُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وقد قال: «(حتّى تَحْبَلِي) ليس بمُولٍ (٥)»، قال المزني: قلت أنا (٦): وهذا مِثْلُ قَوْلِه: «حتّى يَقْدَمَ فلانٌ» أو: «يَشاءَ فلانٌ»؛ لأنّه قد يَقْدَمُ أو يَشاءُ قبل أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فلا يَكُونُ مُولِيًا، قال المزني:

стр. 1282

قلت (١): وأمّا قَوْلُه: «حتّى تمُوتِي» فهذا مُولٍ بكُلِّ حالٍ؛ كقَوْلِه: «حتّى أمُوتَ أنا»، وهو كقَوْلِه: «والله لا أطؤكِ أبدًا»، فهو مُولٍ مِنْ حينَ حَلَفَ. (٢٤٠٣) قال الشافعي: ولو قال: «والله لا أقْرَبُكِ إن شِئتِ»، فشاءَتْ في المجْلِسِ .. فهو مُولٍ. (٢٤٠٤) قال: والإيلاءُ في الغَضَبِ والرِّضا سواءٌ؛ كما يَكُونُ اليَمِينُ في الغَضَبِ والرِّضَا سواءً، وقد أنْزَلَ اللهُ ﵎ الإيلاءَ مُطلقًا. (٢٤٠٥) ولو قال: «والله لا أقْرَبُكِ حتّى أخْرِجَكِ مِنْ هذا البَلَدِ» .. لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنّه يَقْدِرُ على أن يخْرِجَها قَبْلَ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، ولا يُجْبَرُ على إخْراجِها.

стр. 1283

(٢٥٠) باب الإيلاء من نسوة (٢٤٠٦) قال الشافعي: وإذا قال لأرْبَعِ نِسْوَةٍ له: «والله لا أقْرَبُكُنَّ» .. فهو مُولٍ منهنَّ كُلِّهِنَّ، يُوقَفُ لكُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ، فإذا أصاب واحدةً أو اثْنَتَيْن خَرَجَتا مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ، ويُوقَفُ للباقِيَتَيْن حتّى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ، ولا حِنْثَ عليه حتّى يُصِيبَ الأرْبَعَ اللائي حَلَفَ عليهنَّ كُلَّهُنَّ، ولو طَلَّقَ منهنَّ ثلاثًا كان مُولِيًا في الباقيةِ؛ لأنّه لو جامَعَها واللائي طَلَّقَ حَنِثَ، ولو ماتَتْ إحْداهُنّ سَقَطَ عنه الإيلاءُ؛ لأنّه يجامِعُ البَوَاقِيَ ولا يحْنَثُ. قال المزني: قلت أنا (١): أصْلُ قَوْلِه أنَّ كُلَّ يَمِينٍ مَنَعَت الجماعَ بكُلِّ حالٍ فهو بها مُولٍ، وقد زَعَمَ أنّه مُولٍ مِنْ الرّابِعَةِ الباقيةِ، ولو وَطِئَها وَحْدَها ما حَنِثَ، فكَيْفَ يَكُونُ منها مُولِيًا؟ ثُمّ بَيَّنَ ذلك بقولِه: «لو ماتَتْ إحْداهُنّ سَقَطَ عنه الإيلاءُ»، فالقياسُ أنّه لا إيلاءَ عليه حتّى يَطَأَ ثلاثًا، فيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الرابعةِ؛ لأنّه لا يَقْدِرُ أن يَطأَها إلّا حَنِثَ، وهذا بقَوْلِه أوْلَى (٢).

стр. 1284

(٢٤٠٨) قال الشافعي: ولو كان قال: «والله لا أقْرَبُ واحدةً مِنْكُنَّ» وهو يُرِيدُهُنَّ كُلَّهُنَّ .. فهو مُولٍ، يُوقَفُ لهنَّ، وأيَّ (١) واحدةٍ أصاب منهُنَّ خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ في البَواقِي؛ لأنّه حَنِثَ بإصابةِ الواحدةِ، فإذا حَنِثَ مَرَّةً لم يَعُد الحِنْثُ عليه إلّا بالإيلاءِ ثانيةً.

стр. 1285

(٢٥١) باب على من يجب التوقيت في الإيلاء، وعمَّن يسقط (٢٤٠٩) قال الشافعي: لا تَعَرَّضُ للمُولِي ولا لامْرَأتِه حتّى تَطْلُبَ الوَقْفَ بعد أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فإمّا أن يَفِيءَ، وإمّا أن يُطَلِّقَ. (٢٤١٠) ولو عَفَتْ ذلك ثُمّ طَلَبَتْه كان ذلك لها؛ لأنّها تَرَكَتْ ما لم يَجِبْ لها في حالٍ دُون حالٍ. (٢٤١١) وليس ذلك لسَيِّدِ الأمَةِ ولا لوَلِيِّ مَعْتُوهَةٍ. (٢٤١٢) ومَن حَلَفَ على أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فلا إيلاءَ؛ لأنّها تَنْقَضِي وهو خارجٌ مِنْ اليَمِينِ. (٢٤١٣) قال: ولو حَلَفَ بطلاقِ امْرَأتِه لا يَقْرَبُ امْرَأةً له أخْرَى، ثُمّ بانَتْ منه، ثُمّ نَكَحَها .. فهو مُولٍ. قال المزني: وقلت أنا (١): وقال في موضع آخر (٢): «لو آلى منها، ثُمّ طَلَّقَها فانْقَضَتْ عِدَّتُها (٣)، ثُمّ نَكَحَها نِكاحًا جَدِيدًا .. سَقَطَ عنه حُكْمُ الإيلاءِ»، [وإنّما سَقَطَ عنه حُكْمُ الإيلاءِ (٤) لأنّها صارَتْ في حالٍ لو طَلَّقَها لم يَقَعْ طَلاقُه عليها، ولو جاز أن تَبِينَ امْرَأة المولي حتّى تَصِيرَ أمْلَكَ بنَفْسِها منه ثُمّ يَنْكِحَها فيَعُودَ حُكْمُ الإيلاءِ، جاز هذا بعد ثَلاثٍ وزَوْجٍ غيرِه؛ لأنّ اليَمِينَ قائمةٌ بعَيْنِها في امْرَأةٍ بعَيْنِها، يُكَفِّرُ إنْ أصابَها، كما كانَتْ قائِمَةً قَبْل التَّزْوِيجِ، وهكذا الظهارُ مِثْلُ الإيلاءِ.

стр. 1286

قال الشافعي: «ولو آلى مِنْ امْرَأتِه الأمَةِ ثُمّ اشْتَرَاها فخَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه ثُمّ تَزَوَّجَها، أو العَبْدُ مِنْ حُرَّةٍ ثُمّ اشْتَرَتْه فعَتَقَ فتَزَوَّجَتْه .. لم يَعُد الإيلاءُ؛ لانْفِساخِ النّكاحِ». قال المزني: قلت أنا (١): هذا كُلُّه أشْبَه بأصْلِه؛ لأنّ كُلَّ نِكاحٍ أو مِلْكٍ حَدَثَ لم يَعْمَل فيه إلّا قَوْلٌ وإيلاءٌ وظهارٌ يَحْدُثُ، قال المزني: قلت أنا (٢): والقياسُ أنّ كُلَّ حُكْمٍ يَكُونُ في مِلْكٍ إذا زال ذلك المِلْكُ زالَ ما فيه مِنْ الحُكْمِ، قال المزني: فإذا زالَ نِكاحُه فبانَتْ منه امْرَأتُه زال حُكْمُ الإيلاءِ عنه في معناه (٣). (٢٤١٤) قال الشافعي: والإيلاءُ يَمِينٌ لوَقْتٍ، فالحُرُّ والعَبْدُ فيه سواءٌ، ألا تَرَى أنّ أجَلَ العَبْدِ وأجَلَ الحُرِّ العِنِّينِ سنةٌ. (٢٤١٥) ولو قالت: قد انْقَضَت الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، وقال: لم تَنْقَضِ .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، وعليها البَيِّنَةُ. (٢٤١٦) ولو آلى مِنْ مُطَلَّقَةٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَها .. كان مُولِيًا مِنْ حينِ يَرْتَجِعُها، ولو لم يَكُنْ يَمْلِكُ رَجْعَتَها .. لم يَكُنْ مُولِيًا. (٢٤١٧) والإيلاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، حُرَّةٍ وأمَةٍ، ومُسْلِمَةٍ وذِمِّيَّةٍ .. سواءٌ.

стр. 1287

(٢٥٢) باب الوقف (١) من كتاب الإيلاء، ومن إملاء على مسائل مالك، وإملاء على مسائل ابن القاسم (٢) (٢٤١٨) قال الشافعي: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرِ المولي .. وُقِفَ وقيلَ له: إن فِئتَ وإلّا فطَلِّقْ، و «الفَيْئَةُ»: الجماعُ، إلّا مِنْ عُذْرٍ، فيَفِيءُ باللِّسانِ ما كان العُذْرُ قائمًا، فيَخْرُجُ (٣) بذلك مِنْ الضِّرارِ. (٢٠١٩) ولو جامَعَ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ وكَفَّرَ عن يَمِينِه. (٢٤٢٠) وإن قال: أجِّلْنِي في الجماعِ .. لم أؤجِّلْه أكْثَرَ مِنْ يَوْمِه، فإنْ جامَعَ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ، وعليه الحِنْثُ في يَمِينِه، ولا يَبِينُ أن أؤجِّلَه ثلاثًا، ولو قالَه قائلٌ كان مَذْهَبًا، فإنْ طَلَّقَ، وإلّا طَلَّقَ عليه السلطانُ واحدةً. قال المزني: قلت أنا (٤): قد قَطَعَ أنّه يُخَيَّرُ مَكانَه، فإمّا أن يَفِيءَ وإمّا أن يُطَلِّقَ (٥)، وهذا بالقياس أوْلى، والتأقِيتُ لا يَجِبُ إلّا بخَبَرٍ لازِمٍ، وكذلك

стр. 1288

قال في اسْتِتابَةِ المرْتَدِّ مَكانَه (١)، فإنْ تابَ (٢)، وإلّا قُتِلَ، فكان أحَجَّ مِنْ قَوْلِه: ثلاثًا (٣). (٢٤٢١) وقال الشافعي: إنّما قُلْتُ (للسُّلْطانِ أن يُطَلِّقَ عليه واحدةً)؛ لأنّه كان على المولي أن يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ؛ إذْ كان الحاكِمُ لا يَقْدِرُ على الفَيْئَةِ إلّا به، فإذا امْتَنَع قَدَرَ على الطَّلاقِ عنه ولَزِمَه حُكْمُ الطلاقِ؛ كما يَأخُذُ كُلَّ شَيْءٍ وَجَبَ عليه إذا امْتَنَع مِنْ أن يُعْطِيَه. وقال في القديم: فيها قولان، هذا أحَدُهما، وهو أحَبُّهُما إليه، والثاني: يُضَيَّقُ عليه بالحَبْسِ حتّى يُطَلِّقَ أو يَفِيءَ؛ لأنّ الطلاقَ لا يَكُونُ إلّا منه. قال المزني: قلت أنا (٤): ليس الثاني بشيءٍ، وما عَلِمْتُ أحَدًا قاله (٥). (٢٤٢٢) قال الشافعي: ويُقالُ للّذِي فاء بلِسانِه مِنْ عُذْرٍ: إذا أمْكَنَكَ أن تُصِيبَها وَقَفْناك، فإنْ أصَبْتَها، وإلّا فَرَّقْنا بَيْنَك وبَيْنَها. (٢٤٢٣) قال: ولو كانَتْ حائِضًا، أو أحْرَمَتْ مَكانَها بإذْنِه، أو بغَيْرِ إذْنِه فلم يَأمُرْها بإحْلالٍ .. لم يَكُنْ عليه سَبِيلٌ حتّى يُمْكِنَ جِماعُها ويَحِلَّ إصابَتُها. (٢٤٢٤) قال: وإذا كان المنْعُ ليْسَ مِنْ قِبَلِه، مِثْلَ أنْ تَكُونَ صَبِيَّةً، أو مُضْناةً لا يُقْدَرُ على جِماعِها .. فإذا صارَتْ في حَدِّ مَنْ تُجامَعُ اسْتُؤنِفَتْ به أرْبَعَةُ أشْهُرٍ.

стр. 1289

(٢٤٢٥) وإذا كان المنْعُ مِنْ قِبَلِه .. كان عليه أن يَفِيءَ فيْءَ جماعٍ أو فيْءَ مَعْذُورٍ وفيْءَ الحبْسِ باللسانِ. وقال في موضِعٍ آخَرَ: «إذا آلى فحُبِسَ، اسْتُؤنِفَتْ له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مُتَتابِعَةٍ»، قال المزني: قلت أنا (١): الحبْسُ والمرَضُ عندي سواءٌ؛ لأنّه ممنوعٌ بهما، فإذا حُسِبَ عليه في المرَضِ وكان يَعْجِزُ فيه عن الجماعِ بكُلِّ حالٍ أُجِّلَ الْمُولِي كان المحْبُوسُ الذي يُمْكِنُ أن تأتِيَه في حَبْسِه فيُصِيبَها بذلك أوْلى (٢). (٢٤٢٦) وقال في موضعين: ولو كان بَيْنَها وبَيْنَه مَسِيرَةُ أشْهُرٍ وطَلَبَه وَكِيلُها بما يَلْزَمُه لها .. أمَرْناه أن يَفِيءَ بلِسانِه والمسِيرِ إليها كما يُمْكِنُه، فإنْ فَعَلَ، وإلّا طُلِّقَ عليه. (٢٤٢٧) قال الشافعي: ولو غُلِبَ على عَقْلِه لم يُوقَفْ حتّى يَرْجِعَ إليه عَقْلُه، فإنْ عَقَلَ بعدَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وُقِفَ مَكانَه، فإمّا أن يَفِيءَ، وإمّا أن يُطَلِّقَ. قال المزني: قلت أنا (٣): هذا يُؤكِّدُ أن يُحْسَبَ مُدَّةُ حَبْسِه، ومَنْعُ تأخِيرِه يَوْمَيْن أو ثلاثةً.

стр. 1290

(٢٤٢٨) قال الشافعي: ولو أحْرَمَ .. قيلَ له: إن وَطِئتَ فَسَدَ إحْرامُك، وإن لم تَفِئْ طُلِّقَ عليك. (٢٤٢٩) ولو آلى ثُمّ تَظاهَر، أو تَظاهَر ثُمّ آلى، وهو يَجِدُ الكفّارَةَ .. قيلَ له: أنْتَ أدْخَلْتَ المنعَ على نَفْسِكَ، فإن فِئتَ فأنْتَ عاصٍ، وإن لم تَفِئْ طُلِّقَ عليك. (٢٤٣٠) ولو قالتْ: لم يُصِبْنِي، وقال: أصَبْتُها .. فإن كانَتْ ثَيِّبًا فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنّها تَدَّعِي ما به الفُرْقَةُ التي هي إليه، وإن كانَتْ بِكْرًا أرِيها النساءَ، فإنْ قُلْنَ: هي بِكْرٌ .. فالقَوْلُ قَوْلُها مع يَمِينِها. قال المزني: قلت أنا (١): إنّما أحْلَفَها؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَكُونَ لم يُبالِغْ فرَجَعَت العُذْرَةُ بحالها (٢). (٢٤٣١) قال الشافعي: ولو ارْتَدّا أو أحَدُهما في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، أو طَلَّقَها (٣) أو خالَعَها ثُمّ راجَعَها، أو رَجَعَ مَنْ ارْتَدَّ منهما في العِدَّة .. اسْتأنَفَ في هذه الحالاتِ كُلِّها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَلَّ له الفَرْجُ، ولا يُشْبِه هذا البابُ الأوَّلَ؛ لأنّها في هذا البابِ كانَتْ مُحَرَّمَةً كالأجْنَبِيَّةِ، الشَّعْرُ والنَّظَرُ والجَسُّ، وفي تلك الأحْوالِ لم تَكُنْ مُحَرَّمَةَ شيءٍ غيرِ الجماعِ. قال المزني (٤): القياسُ عندي أنّ ما حَلَّ له بالعَقْدِ الأوَّلِ فحُكْمُه حُكْمُ امْرأتِه، والإيلاءُ يَلْزَمُه بمَعْناهُ، وأمّا مَنْ لم تَحِلَّ له بعَقْدِه الأوَّلِ حتّى يُحْدِثَ نِكاحًا جَدِيدًا، فحُكْمُه حُكْمُ مَنْ آلى ثُمّ تَزَوَّجَ، فلا حُكْمَ للإيلاءِ في معناه المشْبِهِ لأصْلِه.

стр. 1291

(٢٤٣٢) قال الشافعي: وأقَلُّ ما يَكُونُ به المولي فايِئًا في الثَّيِّبِ أن يُغَيِّبَ الحشَفَةَ، وفي البِكْرِ ذَهابُ العُذْرَةِ، فإن قال: لا أقْدِرُ على افْتِضاضِها .. أجِّلَ أجَلَ العِنِّينِ. (٢٤٣٣) ولو جامَعَها مُحْرِمَةً أو حائِضًا، أو هو مُحْرِمٌ أو صائمٌ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ. (٢٤٣٤) ولو آلى ثُمّ جُنَّ فأصابَها في جُنُونِه أو جُنُونِها .. خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ، وكَفَّرَ إذا أصابَها وهو صَحِيحٌ، ولم يُكَفِّرْ إذا أصابَها وهو مجنونٌ؛ لأنّ القَلَمَ عنه مرفوعٌ في تلك الحالِ. قال المزني: قلت أنا (١): جَعَلَ فِعْلَ المجنونِ في جُنونِه كالصَّحِيحِ في خُرُوجِه مِنْ الإيلاءِ بلا كفّارَةٍ (٢)، وأثْبَتَها على الصَّحِيحِ (٣)، قال المزني: قلت أنا (٤): إذا خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ في جُنُونِه بالإصابةِ فكيف لا يَلْزَمُه الكفّارَةُ؟ ولو لم تَلْزَمْه الكفّارةُ ما كان حانِثًا، وإذا لم يَكُنْ حانِثًا لم يَخْرُجْ مِنْ الإيلاءِ (٥). (٢٤٣٥) قال الشافعي: والذِّمِّيُّ كالمسْلِمِ فيما يَلْزَمُه مِنْ الإيلاءِ إذا تحاكَموا إلينا (٦)، وحُكْمُ الله على العِبادِ واحِدٌ.

стр. 1292

وقال في «كتاب الجزية» [ف: ٣٤١٨]: «ولو جاءَت امْرَأةٌ منهم تَسْتَعْدِي بأنّ زَوْجَها طَلَّقَها أو آلى أو تَظاهَرَ منها، حَكَمْتُ عليه في ذلك حُكْمِي على المسلمِين، ولو جاء رَجُلٌ منهم يَطْلُبُ حَقًّا، كان على الإمامِ أن يَحْكُمَ على المطلوبِ وإن لم يَرْضَ بحُكْمِه». قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ القَوْلَيْن به؛ لأنّ تأوِيلَ قول الله عنده: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]: أن تَجْرِيَ عليهم أحْكامُ الإسلامِ (٢). (٢٤٣٦) قال الشافعي: وإذا كان العَرَبِيُّ يَتَكَلَّمُ بألْسِنَةِ العَجَمِ فآلى بأيّ لِسانٍ منها .. فهو مُولٍ في الحُكْمِ، وإن كان لا يَتَكَلَّمُ بأعْجَمِيَّةٍ، فقال: (ما عَرَفْتُ ما قُلْتُ، وما أرَدْتُ إيلاءً) .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه. (٢٤٣٧) ولو آلى ثُمّ آلى .. فإنْ حَنِثَ في الأُولَى والثانيةِ لم يَعُدْ عليه الإيلاءُ، وإنْ أرادَ باليَمِينِ الثانيةِ الأُولَى فكفّارَةٌ واحدةٌ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فأحِبُّ كفّارَتَيْن. (٢٤٣٨) قال: وقد زَعَمَ مَنْ خالَفَنا في الوَقْفِ أنّ الفَيْئَة فِعْلٌ يُحْدِثُه بعد اليَمِينِ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، إمّا بجماعٍ، وإمّا في مَعْذُورٍ بلسانٍ، وزَعَمَ أنّ عَزِيمَةَ الطلاقِ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ بغَيْرِ فِعْلٍ يُحْدِثُه، وقد ذَكَرَهما اللهُ بلا فَصْلٍ بينهما، فقُلْتُ له (٣): أرأيْتَ لو عَزَمَ أن لا يَفِيءَ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، أيَكُونُ طَلاقًا؟ قال: لا، حتّى يُطَلِّقَ، قيل (٤): فكَيْفَ يَكُونُ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ طَلاقًا بغير عَزْمٍ ولا إحْدَاثِ شَيْءٍ لم يَكُنْ؟

стр. 1293

(٢٥٣) باب إيلاء الخصي المجبوب وغير المجبوب من كتابي الإيلاء، ومن الطلاق والنكاح، وإملاء على مسائل مالك (١) (٢٤٣٩) قال الشافعي: وإذا آلى الخَصِيُّ مِنْ امْرأتِه .. فهو كغَيْرِ الخَصِيِّ إذا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِه ما يَنالُ به مِنْ المرأةِ ما يَبْلُغُ الرَّجُلُ حتّى يُغَيِّبَ الحشَفَةَ. (٢٤٤٠) ولو كان مجْبُوبًا .. قيلَ له: فِئْ بلِسانِكَ، لا شَيْءَ عليك غَيْرُه؛ لأنّه ممّن لا يُجامِعُ مِثْلُه. وفي «الإملاء»: «ولا إيلاءَ على المجْبُوبِ؛ لأنّه لا يُطِيقُ الجماعَ أبَدًا». قال المزني: قلت أنا (٢): إذا لم يَجْعَلْ ليَمِينِه مَعْنًى يُمْكِنُ أن يَحْنَثَ به سَقَط الإيلاءُ، فهذا بقَوْلِه عندي أوْلَى (٣).

стр. 1294

(٢٤٤١) قال الشافعي: ولو آلى صَحِيحًا ثُمّ جُبَّ ذَكَرُه .. كان لها الخيارُ مَكانَها في المقامِ معه أو فِراقِه.

стр. 1295

[٤٤] كتاب الظهار

стр. 1296

(٢٥٤) باب من يجب عليه الظِّهار ومن لا يجب من كتابي ظهار جديد وقديم (٢٤٤٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ الآية [المجادلة: ٣] (١)، قال الشافعي: فكُلُّ زَوْجٍ جاز طَلاقُه وجَرَى

стр. 1297

عليه الحُكْمُ مِنْ بالغٍ .. جَرَى عليه الظِّهارُ، حُرًّا كان أو عَبْدًا أو ذِمِّيًّا، وفي امْرأتِه، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُل، يُقْدَرُ على جماعِها أو لا يُقْدَرُ، بأن تكُونَ حائضًا، أو مُحْرِمَةً، أو رَتْقاءَ، أو صغيرةً، أو في عِدَّةٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَها، فذلك كُلُّه سواءٌ. قال المزني: قلت أنا (١): يَنْبَغِي أن يَكُونَ معنى قَوْلِه في التي يَمْلِكُ رَجْعَتَها أنّ ذلك يَلْزَمُه إن راجَعَها؛ لأنّه يَقُولُ: «لو تَظاهَر منها ثُمّ أتْبَعَ التّظاهُرَ طَلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ .. لم تَكُنْ عليه كفّارَةٌ»، وكذا قال: «إذا طَلَّقَها بإيلاءٍ وكانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ .. فلا حُكْمَ للإيلاءِ حتّى يَرْتَجِعَ، فإذا ارْتَجَعَ رَجَعَ عليه حُكْمُ الإيلاءِ»، وقد جَمَعَ الشّافعيُّ بَيْنَهما حيثُ يَلْزَمان وحَيْثُ يَسْقُطان، وفي هذا لِمَا وَصَفْتُ بيانٌ (٢). (٢٤٤٣) قال الشافعي: ولو تَظاهَر مِنْ امْرَأتِه وهي أمَةٌ، ثُمّ اشْتَراها .. فَسَدَ النِّكَاحُ، والظِّهارُ بحالِه، لا يَقْرَبُها حتّى يُكَفِّرَ؛ لأنّها لَزِمَتْه وهي زوجةٌ (٣). (٢٤٤٤) ولا يَلْزَمُ المغْلُوبَ على عَقْلِه، إلّا مِنْ سُكْرٍ. وقال في القديم: «في ظِهارِ السَّكْرانِ قَوْلان: أحَدُهما - يَلْزَمُه، والآخَرُ - لا يَلْزَمُه»، قال المزني: قلت أنا (٤): (يَلْزَمُه) أشْبَهُ بأقاوِيلِه،

стр. 1298

و (لا يَلْزَمُه) أشْبَهُ بالحَقِّ عندي إذا كان لا يُمَيِّزُ (١)، قال المزني: وعِلَّةُ جَوازِ الطلاقِ عنده: إرادَةُ المطَلِّقِ، ولا طلاقَ عِنْدَه على مُكْرَهٍ، لارْتِفاعِ إرادَتِه (٢)، والسَّكْرانُ الذي لا يَعْقِلُ مَعْنَى ما يَقُولُ لا إرادَةَ له؛ كالنّائِمِ لا إرادَةَ له. فإنْ قِيل: لأنّه أدْخَلَ ذلك على نَفْسِه .. قيل: أوَلَيْسَ وإنْ أدْخَلَه على نَفْسِه فهو في مَعْنَى ما أدْخَلَه عليه غَيْرُه مِنْ ذَهابِ عَقْلِه وارْتِفاعِ إرادَتِه، ولو افْتَرَقَ حُكْمُهُما في المعْنَى الواحِدِ لاخْتِلافِ سَبَبِه مِنْ نَفْسِه ومِن غَيْرِه، لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ نَفْسِه وحُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ غَيْرِه، فيَجُوزُ بذلك طَلاقُ بعض المجانين. فإن قيل: ففَرْضُ الصلاةِ يَلْزَمُ السَّكْرانَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ .. قيل: وكذلك فَرْضُ الصّلاةِ يَلْزَمُ النائمَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ، فهَلْ تُجِيزُ طَلاقَ النُّوّامِ لوُجُوبِ فَرْضِ الصّلاةِ عليهم؟ فإن قيل: لا يَجُوزُ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٣) .. قيل: فكذلك طَلاقُ السَّكْرانِ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٤)، قال الله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]، فلم تكُنْ له صَلاةٌ حتّى يَعْلَمَها ويُرِيدَها، كذلك لا طلاقَ له ولا ظِهارَ حتّى يَعْلَمَه ويُرِيدَه، وهو قولُ عُثْمانَ بنِ عَفّان وابنِ عبّاس وعمر بن عبدالعزيز ويحيى بن سعيد والليث بن سعد وغيرهم، وقد قال الشافعي [ف: ٣٢١٠]: «إذا ارْتَدَّ سَكْرانًا (٥) لم نَسْتَتِبْه في سُكْرِه ولم نَقْتُلْه فيه»، قال المزني: وفي ذلك دليلٌ أن لا حُكْمَ لقَوْلِه: «لا أتُوبُ»؛ لأنّه لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، فكذلك هو في

стр. 1299

الطّلاقِ والظِّهارِ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، وهو أحَدُ قَوْلَيْه في القديمِ في الظِّهارِ (١). (٢٤٤٥) قال الشافعي: ولو تظاهر منها، ثُمّ تَرَكَها أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ .. فهو مُتَظاهِرٌ، ولا إيلاءَ عليه يُوقَفُ له، لا يَكُونُ المتظاهِرُ به

стр. 1300

مُولِيًا، ولا المولي بالإيلاءِ مُتَظاهِرًا، وهو مُطِيعٌ لله ﵎ بتَرْكِ الجماعِ في الظِّهارِ، عاصٍ له لو جامَعَ قَبْلَ أن يُكَفِّرَ، وعاصٍ بالإيلاءِ، وسواءٌ كان مُضارًّا بتَرْكِ الكفّارَةِ أو غَيْرَ مُضارٍّ، إلّا أنّه يأثَمُ بالضِّرارِ (١)؛ كما يَأثَمُ لَوْ آلى أقَلَّ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يُرِيدُ ضِرارًا، ولا يُحْكَمُ عليه بحُكْمِ الإيلاءِ، ولا يُحالُ حُكْمُ اللهِ ﵎ عمّا أنْزَلَه فيه، ولو تَظاهَرَ يُرِيدُ طَلاقًا كان ظِهارًا، أو طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهارًا كان طَلاقًا، وهَذِه أصُولٌ (٢). (٢٤٤٦) قال: ولا ظِهارَ مِنْ أمَةٍ ولا أمِّ وَلَدٍ؛ لأنّ الله يقول: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٣]؛ كما قال: ﴿يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]، فعَقَلْنَا عن اللهِ جل وعز أنّها ليْسَتْ مِنْ نِسائِنا، وإنّما نِساؤُنا أزْواجُنا، ولو لَزِمَها واحِدٌ مِنْ هذه الأحكامِ لَزِمَتْها كُلُّها.

стр. 1301

(٢٥٥) باب ما يكون ظهارًا وما لا يكون ظهارًا (٢٤٤٧) قال الشافعي: الظِّهارُ أن يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرأتِه: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي». (٢٤٤٨) فإن قال: «أنْتِ مِنِّي»، أو: «أنْتِ معي كظَهْرِ أمِّي»، وما أشْبَهَه .. فهو ظِهارٌ. (٢٤٤٩) ولو قال: «فَرْجُكِ» أو: «رأسُكِ»، أو: «ظَهْرُكِ»، أو: «جِلْدُكِ»، أو: «يَدُكِ»، أو: «رِجْلُكِ عليّ كظَهْرِ أمِّي» (١) .. كان هذا ظِهارًا. (٢٤٥٠) ولو قال: «كبَدَنِ أمِّي»، أو: «كرَأسِ أمِّي»، أو: «كيَدِها» .. كان هذا ظِهارًا؛ لأنّ التّلَذُّذَ بكُلِّ أمِّه محَرَّمٌ (٢). (٢٤٥١) ولو قال: «كأمِّي»، أو قال: «مِثْلُ أمِّي»، وأراد في الكَرامَةِ .. فلا ظِهارَ، وإنْ أرادَ ظِهارًا .. فهو ظِهارٌ، وإن قال: لا نِيَّةَ لي .. فليس بظِهارٍ. (٢٤٥٢) ولو قال: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ … » امْرَأةٍ محَرَّمَةٍ عليه مِنْ نَسَبٍ أو رَضاعٍ .. قامَتْ في ذلك مَقامَ الأمِّ؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».

стр. 1302

قال المزني: قلت أنا (١): وحِفْظِي وغَيْرِي (٢) عنه أنّه قال: لا يَكُونُ مُتَظاهِرًا ممّن كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ، والأخْتُ مِنْ الرَّضاعِ قد كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ بسَبَبٍ؛ كما تَحْرُمُ (٣) نِساءُ الآباءِ وحَلائلُ الأبْناءِ بسَبَبٍ، وهو لا يَجْعَلُ هذا ظِهارًا، ولا في قَوْلِه: «كظَهْرِ أبي» (٤). (٢٤٥٣) قال الشافعي: ويَلْزَمُ الحِنْثُ بالظِّهارِ كما يَلْزَمُ بالطلاقِ. (٢٤٥٤) ولو قال: «إذا نَكَحْتُكِ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي»، فنَكَحَها .. لم يَكُنْ مُتظاهِرًا؛ لأنّ التَّحْرِيمَ إنّما يَقَعُ مِنْ النساءِ على مَنْ حَلَّ له، ولا معنى للتّحْرِيمِ في المحَرَّمِ، ويُرْوَى مِثْلُ ما قُلْتُ عن النبيّ ﷺ ثُمّ عليٍّ وابنِ عبّاسٍ وغيرِهم، وهو القياسُ. (٢٤٥٥) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ كظَهْرِ أمّي»، يُرِيدُ الظِّهارَ .. فهي طالِقٌ؛ لأنّه صَرَّح به، ولا مَعْنَى لقَوْلِه: «كظَهْرِ أمّي» (٥) إلّا أنّكِ حَرام بالطّلاقِ كظَهْرِ أمّي، أو مُحالٌ لا مَعْنَى له (٦).
следующие страницы →