و (لا يَلْزَمُه) أشْبَهُ بالحَقِّ عندي إذا كان لا يُمَيِّزُ (١)، قال المزني: وعِلَّةُ جَوازِ الطلاقِ عنده: إرادَةُ المطَلِّقِ، ولا طلاقَ عِنْدَه على مُكْرَهٍ، لارْتِفاعِ إرادَتِه (٢)، والسَّكْرانُ الذي لا يَعْقِلُ مَعْنَى ما يَقُولُ لا إرادَةَ له؛ كالنّائِمِ لا إرادَةَ له.
فإنْ قِيل: لأنّه أدْخَلَ ذلك على نَفْسِه .. قيل: أوَلَيْسَ وإنْ أدْخَلَه على نَفْسِه فهو في مَعْنَى ما أدْخَلَه عليه غَيْرُه مِنْ ذَهابِ عَقْلِه وارْتِفاعِ إرادَتِه، ولو افْتَرَقَ حُكْمُهُما في المعْنَى الواحِدِ لاخْتِلافِ سَبَبِه مِنْ نَفْسِه ومِن غَيْرِه، لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ نَفْسِه وحُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ غَيْرِه، فيَجُوزُ بذلك طَلاقُ بعض المجانين.
فإن قيل: ففَرْضُ الصلاةِ يَلْزَمُ السَّكْرانَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ .. قيل: وكذلك فَرْضُ الصّلاةِ يَلْزَمُ النائمَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ، فهَلْ تُجِيزُ طَلاقَ النُّوّامِ لوُجُوبِ فَرْضِ الصّلاةِ عليهم؟ فإن قيل: لا يَجُوزُ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٣) .. قيل: فكذلك طَلاقُ السَّكْرانِ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٤)، قال الله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]، فلم تكُنْ له صَلاةٌ حتّى يَعْلَمَها ويُرِيدَها، كذلك لا طلاقَ له ولا ظِهارَ حتّى يَعْلَمَه ويُرِيدَه، وهو قولُ عُثْمانَ بنِ عَفّان وابنِ عبّاس وعمر بن عبدالعزيز ويحيى بن سعيد والليث بن سعد وغيرهم، وقد قال الشافعي [ف: ٣٢١٠]: «إذا ارْتَدَّ سَكْرانًا (٥) لم نَسْتَتِبْه في سُكْرِه ولم نَقْتُلْه فيه»، قال المزني: وفي ذلك دليلٌ أن لا حُكْمَ لقَوْلِه: «لا أتُوبُ»؛ لأنّه لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، فكذلك هو في
стр. 1299
الطّلاقِ والظِّهارِ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، وهو أحَدُ قَوْلَيْه في القديمِ في الظِّهارِ (١).
(٢٤٤٥) قال الشافعي: ولو تظاهر منها، ثُمّ تَرَكَها أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ .. فهو مُتَظاهِرٌ، ولا إيلاءَ عليه يُوقَفُ له، لا يَكُونُ المتظاهِرُ به
стр. 1300
مُولِيًا، ولا المولي بالإيلاءِ مُتَظاهِرًا، وهو مُطِيعٌ لله ﵎ بتَرْكِ الجماعِ في الظِّهارِ، عاصٍ له لو جامَعَ قَبْلَ أن يُكَفِّرَ، وعاصٍ بالإيلاءِ، وسواءٌ كان مُضارًّا بتَرْكِ الكفّارَةِ أو غَيْرَ مُضارٍّ، إلّا أنّه يأثَمُ بالضِّرارِ (١)؛ كما يَأثَمُ لَوْ آلى أقَلَّ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يُرِيدُ ضِرارًا، ولا يُحْكَمُ عليه بحُكْمِ الإيلاءِ، ولا يُحالُ حُكْمُ اللهِ ﵎ عمّا أنْزَلَه فيه، ولو تَظاهَرَ يُرِيدُ طَلاقًا كان ظِهارًا، أو طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهارًا كان طَلاقًا، وهَذِه أصُولٌ (٢).
(٢٤٤٦) قال: ولا ظِهارَ مِنْ أمَةٍ ولا أمِّ وَلَدٍ؛ لأنّ الله يقول: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٣]؛ كما قال: ﴿يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]، فعَقَلْنَا عن اللهِ جل وعز أنّها ليْسَتْ مِنْ نِسائِنا، وإنّما نِساؤُنا أزْواجُنا، ولو لَزِمَها واحِدٌ مِنْ هذه الأحكامِ لَزِمَتْها كُلُّها.
стр. 1301
(٢٥٥)
باب ما يكون ظهارًا وما لا يكون ظهارًا
(٢٤٤٧) قال الشافعي: الظِّهارُ أن يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرأتِه: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي».
(٢٤٤٨) فإن قال: «أنْتِ مِنِّي»، أو: «أنْتِ معي كظَهْرِ أمِّي»، وما أشْبَهَه .. فهو ظِهارٌ.
(٢٤٤٩) ولو قال: «فَرْجُكِ» أو: «رأسُكِ»، أو: «ظَهْرُكِ»، أو: «جِلْدُكِ»، أو: «يَدُكِ»، أو: «رِجْلُكِ عليّ كظَهْرِ أمِّي» (١) .. كان هذا ظِهارًا.
(٢٤٥٠) ولو قال: «كبَدَنِ أمِّي»، أو: «كرَأسِ أمِّي»، أو: «كيَدِها» .. كان هذا ظِهارًا؛ لأنّ التّلَذُّذَ بكُلِّ أمِّه محَرَّمٌ (٢).
(٢٤٥١) ولو قال: «كأمِّي»، أو قال: «مِثْلُ أمِّي»، وأراد في الكَرامَةِ .. فلا ظِهارَ، وإنْ أرادَ ظِهارًا .. فهو ظِهارٌ، وإن قال: لا نِيَّةَ لي .. فليس بظِهارٍ.
(٢٤٥٢) ولو قال: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ … » امْرَأةٍ محَرَّمَةٍ عليه مِنْ نَسَبٍ أو رَضاعٍ .. قامَتْ في ذلك مَقامَ الأمِّ؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».
стр. 1302
قال المزني: قلت أنا (١): وحِفْظِي وغَيْرِي (٢) عنه أنّه قال: لا يَكُونُ مُتَظاهِرًا ممّن كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ، والأخْتُ مِنْ الرَّضاعِ قد كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ بسَبَبٍ؛ كما تَحْرُمُ (٣) نِساءُ الآباءِ وحَلائلُ الأبْناءِ بسَبَبٍ، وهو لا يَجْعَلُ هذا ظِهارًا، ولا في قَوْلِه: «كظَهْرِ أبي» (٤).
(٢٤٥٣) قال الشافعي: ويَلْزَمُ الحِنْثُ بالظِّهارِ كما يَلْزَمُ بالطلاقِ.
(٢٤٥٤) ولو قال: «إذا نَكَحْتُكِ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي»، فنَكَحَها .. لم يَكُنْ مُتظاهِرًا؛ لأنّ التَّحْرِيمَ إنّما يَقَعُ مِنْ النساءِ على مَنْ حَلَّ له، ولا معنى للتّحْرِيمِ في المحَرَّمِ، ويُرْوَى مِثْلُ ما قُلْتُ عن النبيّ ﷺ ثُمّ عليٍّ وابنِ عبّاسٍ وغيرِهم، وهو القياسُ.
(٢٤٥٥) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ كظَهْرِ أمّي»، يُرِيدُ الظِّهارَ .. فهي طالِقٌ؛ لأنّه صَرَّح به، ولا مَعْنَى لقَوْلِه: «كظَهْرِ أمّي» (٥) إلّا أنّكِ حَرام بالطّلاقِ كظَهْرِ أمّي، أو مُحالٌ لا مَعْنَى له (٦).
стр. 1303
(٢٤٥٦) ولو قال: «أنْتِ عليّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»، يُرِيدُ الطّلاقَ .. فهو ظِهارٌ (١).
(٢٤٥٧) ولو قال لأخْرَى: «قد أشْرَكْتُكِ معها»، أو: «أنْتِ شَريكَتُها»، أو: «أنْتِ كهي»، ولم يَنْوِ ظِهارًا .. لم يَلْزَمْه؛ لأنّها تكُونُ شَرِيكَتَها في أنّها زَوْجَةٌ له أو عاصِيَةٌ أو مُطِيعَةٌ له كهي.
(٢٤٥٨) ولو تَظاهَرَ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ له بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ .. فقال في «كتاب الظهار» الجديد وفي «الإملاء على مسائل مالك»: أنّ عليه في كُلِّ واحِدَةٍ كفّارَةً؛ كما تَطْلُقْن معًا بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقال في الكتاب القديم: ليس عليه إلّا كفّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنّها يَمِينٌ، ثُمّ رَجَعَ عنه إلى الكفّارات.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي (٣) بقَوْلِه أوْلى.
стр. 1304
(٢٤٥٩) قال الشافعي: ولو تَظاهَرَ منها مِرارًا، يُرِيدُ بكُلِّ واحِدَةٍ ظِهارًا غَيْرَ الآخَرِ قَبْلَ يُكَفِّرُ .. فعليه بكُلِّ تَظَهُّرَةٍ كفّارةٌ؛ كما يَكُونُ عليه في كُلِّ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَةٌ، ولو قالها مُتَتابِعاتٍ، فقال: أرَدْتُ ظِهارًا واحدًا .. فهو واحدٌ (١)؛ كما لو تابع بالطّلاقِ كان كطَلْقَةٍ واحدةٍ.
(٢٤٦٠) ولو قال: «إذا تَظاهَرْتُ مِنْ فُلانَةَ - أجْنَبِيَّةٍ - فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمّي»، فتَظاهَرَ مِنْ الأجْنَبِيَّةِ .. لم يَكُنْ عليه ظِهارٌ؛ كما لو طَلَّقَ أجْنَبِيَّةً لم يَكُنْ عليه طَلاقٌ.
стр. 1305
(٢٥٦)
باب ما يُوجِبُ على المتظاهر كفارةً
من كتابي الظهار جديد وقديم، وما دخله من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي
(٢٤٦١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ الآية [المجادلة: ٣]، قال: فالذي عَقَلْتُ ممّا (١) سَمِعْتُ في ﴿يعودون لما قالوا﴾: أنّه إذا أتَتْ على المتظاهِرِ مُدَّةٌ بعد القَوْلِ بالظِّهارِ لم يُحَرِّمْها بالطلاقِ الذي تَحْرُمُ به، وَجَبَتْ عليه الكفّارَةُ؛ كأنّهم (٢) يَذْهَبُون إلى أنّه إذا أمْسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه فقَدْ عاد لِما قال فخالَفَه فأحَلَّ ما حَرَّمَ، لا أعْلَمُ مَعْنًى أوْلَى به مِنْ هذا.
(٢٤٦٢) قال: ولو أمْكَنَه أن يُطَلِّقَ فلم يَفْعَلْ لَزِمَتْه الكفّارَةُ، وكذلك لو ماتَ أو ماتَتْ.
(٢٤٦٣) ومعنى قولِ الله : ﴿من قبل أن يتماسا﴾: وَقْتٌ لأن يُؤدِّيَ ما وَجَبَ عليه قَبْل المُمَاسَّةِ حتّى يُكَفِّرَ، وكان هذا - والله أعلم - عُقُوبَةً مُكَفِّرَةً لقَوْلِ الزُّورِ، فإذا مُنِعَ الجماعَ أحْبَبْتُ أن يُمْنَعَ القُبَلَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا حتّى يُكَفِّرَ (٣).
стр. 1306
(٢٤٦٤) فإن مَسَّ لم تَبْطُل الكفّارَةُ؛ كما يُقالُ له: (أدِّ الصّلاةَ في وَقْتِ كذا)، فيَذْهَبُ الوَقْتُ فيُؤدِّيها بعد الوَقْتِ لأنّها فَرْضٌ.
(٢٤٦٥) ولو أصابَها وقد كَفَّر بالصَّوْمِ في لَيْلِ الصَّوْمِ .. لم يَنْتَقِضْ صَوْمُه ومَضَى على الكفّارَةِ، ولو كان صَوْمُه يَنْتَقِضُ بالجماعِ لم تُجْزِئه الكفّارَةُ بعد الجماعِ.
(٢٤٦٦) ولو تَظَهَّرَ فأتْبَع الظهارَ طلاقًا تَحِلُّ قَبْلَ زَوْجٍ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أو لا يَمْلِكُها، ثُمّ راجَعَها .. فعليه الكفّارةُ، ولو طَلَّقَها ساعَةَ نَكَحَها؛ لأنّ مُراجَعَتَه إيّاها بعد الطلاقِ أكْثَرُ مِنْ حَبْسِها بعد الظهارِ.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا خِلافُ أصْلِه: «كُلُّ نِكاحٍ جَديدٍ لم يَعْمَلْ فيه طَلاقٌ ولا ظِهارٌ إلّا جَدِيدٌ»، وقد قال في هذا الكتاب: «لو تظاهَر منها، ثُمّ أتْبَعَها طلاقًا لا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، ثُمّ نكَحَها، لم يَكُنْ عليه كفّارةٌ؛ لأنّ هذا مِلْكٌ غَيْرُ الأوَّلِ الذي كان فيه الظهارُ»، قال الشافعي: «ولو جاز أن يَظَّهَّر منها فَيَعُودَ عليه الظهارُ إذا نكَحَها، جاز ذلك بعد ثلاثٍ وزَوْجٍ غَيْرِه، وهكذا الإيلاءُ»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشْبَهُ بأصْلِه، وأوْلى بقَوْلِه، والقياسُ: أنّ كُلَّ حُكْمٍ كان في مِلْكٍ، فإذا زال ذلك الملْكُ زال ما فيه مِنْ الحُكْمِ، فلمّا زال ذلك النكاحُ زال ما فيه مِنْ الظِّهارِ والإيلاءِ (٣).
стр. 1307
(٢٤٦٧) قال الشافعي: ولو تظاهَرَ مِنْها ثُمّ لاعَنَها مَكانَه بلا فَصْلٍ .. سَقَطَ الظهارُ، ولو كان حَبَسَها قَدْرَ ما يُمْكِنُ اللِّعانُ فلم يُلاعِنْ .. كانَتْ عليه الكفّارةُ.
(٢٤٦٨) وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: لو تظاهَرَ منها يَوْمًا، فلم يُصِبْها حتّى انْقَضَى .. لم يَكُنْ عليه كفّارَةٌ؛ كما لو آلى فسَقَطَت اليَمِينُ، سَقَطَ عنه حُكْمُ اليَمِين.
قال المزني: قلت أنا (١): أصْلُ قَوْلِه: إنّ المتَظاهِرَ إذا حَبَسَ امْرأتَه مُدَّةً يُمْكِنُه الطّلاقُ فلم يُطَلِّقْها فيها، فقد عاد ووَجَبَتْ عليه الكفّارَةُ، وقد حَبَسَها هذا بَعْدَ التَّظاهُرِ يَوْمًا يُمْكِنُه فيه الطّلاقُ فتَرَكَه، فعادَ إلى اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ، فالكفّارَةُ لازِمَةٌ له في مَعْنَى قَوْلِه، وكذا قال: «لو مات أو ماتَتْ بعد الظِّهارِ وأمْكَنَ الطّلاقُ فلم يُطَلِّقْ، فعليه الكفَّارَةُ» (٢).
(٢٤٦٩) قال الشافعي: ولو تظاهَرَ وآلى .. قيل: إن وَطِئْتَ قبل الكفّارَةِ خَرَجْتَ مِنْ الإيلاءِ وأثِمْتَ، وإن انْقَضَت الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ .. وُقِفْتَ، فإن قُلْتَ: أنا أعْتِقُ أو أطْعِمُ .. لم نُمْهِلْكَ أكْثَرَ ممّا يُمْكِنُكَ، اليَوْمَ وما أشْبَهَه، وإن قُلْتَ: أصُومُ .. قيل: إنّما أمِرْتَ بعد الأرْبَعَةِ بأن تَفِيءَ أو تُطَلِّقَ، فلا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ لك سَنَةٌ.
стр. 1308
(٢٥٧)
باب عتق المؤمنة في الظِّهار
من كتابي جديد وقديم
(٢٤٧٠) قال الشافعي: قال الله تعالى في التظاهر: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣]، قال: فإذا كان واجِدًا لها أو لثَمَنِها .. لم يُجْزِه غَيْرُها.
(٢٤٧١) وشَرَطَ الله ﵎ في رَقَبَةِ القَتْلِ مُؤمِنَةً؛ كما شَرَطَ العَدْلَ في الشَّهادَةِ وأطْلَقَ الشُّهُودَ في مواضِعَ، فاسْتَدْلَلْنا على أنّ ما أطْلَقَ على مَعْنَى ما شَرَطَ، وإنّما رَدَّ الله أمْوالَ المسْلِمِين على المسْلِمِين، لا على المشْرِكِين، وفَرَضَ الله جل ذكره الصَّدَقاتِ فلم (١) تَجُزْ إلّا للمُؤمِنِين، فكذلك ما فَرَضَ اللهُ مِنْ الرِّقابِ لا تَجُوزُ إلّا مِنْ المؤمِنِين.
(٢٤٧٢) وإن كانَتْ أعْجَمِيَّةً وَصَفَت الإسلامَ (٢).
(٢٤٧٣) وإنْ أعْتَقَ صَبِيَّةً أحَدُ أبَوَيْها مُؤمِنٌ، أو خَرْساءَ جُلِبَتْ تَعْقِلُ الإشارَةَ بالإيمانِ (٣) .. أجْزَأتْه، وأحَبُّ إليَّ أن لا يُعْتِقَها إلّا أنْ تَتَكَلَّمَ بالإيمانِ.
(٢٤٧٤) ولو سُبِيَتْ صَبِيَّةٌ مع أبَوَيْها كافِرَيْن، فعَقَلَتْ ووَصَفَت الإسلامَ وصَلَّتْ، إلّا أنّها لم تَبْلُغْ .. لم تُجْزِئْه حتّى تَصِفَ الإسلامَ بعد البُلُوغِ.
стр. 1309
(٢٤٧٥) قال: ووَصْفُها الإسلامَ: أنْ تَشْهَدَ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وتَبْرَأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خالفَ الإسلامَ (١)، وأحَبُّ إليّ أن لو امْتَحَنَها بالإقْرارِ بالبَعْثِ بعد الموْتِ وما أشْبَهَه (٢).
стр. 1310
(٢٥٨)
باب ما يُجزِئ من الرقاب وما لا يُجزِئ
وما يُجزِئ من الصوم وما لا يُجزِئ
(٢٤٧٦) قال الشافعي: لا يُجْزِئ (١) في رَقَبَةٍ واجِبَةٍ تُشْتَرَى بشَرْطِ أنْ تُعْتَقَ؛ لأنّ ذلك يَضَعُ مِنْ ثَمَنِها، ولا يُجْزِئ فيها مُكاتَبٌ، أدَّى مِنْ نُجُومِه شَيْئًا أو لم يُؤَدِّه؛ لأنّه ممْنُوعٌ مِنْ بَيْعِه، ولا يُجْزِئ أمُّ وَلَدٍ في قَوْلِ مَنْ لا يَبِيعُها.
قال المزني: قلت أنا (٢): هو لا يُجِيزُ بَيْعَها، وله بذلك كِتابٌ (٣).
(٢٤٧٧) قال الشافعي: وإنْ أعْتَقَ مَرْهُونًا أو جانيًا جِنايَةً، فأدَّى الرَّهْنَ والجنايةَ .. أجْزَأ.
(٢٤٧٨) وإنْ أعْتَقَ عَبْدًا له غائبًا .. فهو على غَيْرِ يَقِينٍ أنّه أعْتَقَ.
(٢٤٧٩) ولو اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عليه .. لم يُجْزِئه؛ لأنَّه عَتَقَ بمِلْكِه.
(٢٤٨٠) ولو أعْتَقَ عَبْدًا بينه وبين آخَرَ عن ظِهارِه وهو مُوسِرٌ .. أجْزَأ عنه مِنْ قِبَلِ أنّه لم يَكُنْ لشَرِيكِه أن يُعْتِقَ ولا يَرُدَّ عِتْقَه، وإنْ كان مُعْسِرًا عَتَقَ نِصْفُه، فإنْ أفاد واشْتَرَى النِّصْفَ الباقيَ فأعْتَقَه أجْزَأ عنه (٤).
стр. 1311
(٢٤٨١) ولو أعْتَقَه على أن يَجْعَلَ له رَجُلٌ عَشَرَةَ دنانيرَ .. لم يُجْزِئه.
(٢٤٨٢) ولو أعْتَقَ عنه رَجُلٌ عبدًا بغَيْرِ أمْرِه .. لم يُجْزِئه، والوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ، ولو أعْتَقَه بأمْرِه بجُعْلٍ أو غَيْرِه .. أجْزَأه، والوَلاءُ له، وهذا منه شِراءٌ مَقْبُوضٌ، أو هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ.
قال المزني: مَعْناه عندي: أن يُعْتِقَه عنه بجُعْلٍ (١).
(٢٤٨٣) قال الشافعي: ولو أعْتَقَ عَبْدَيْن عن ظِهارَيْن أو ظِهارٍ وقَتْلٍ، كُلُّ واحدٍ منهما عن الكفّارَتَيْن .. أجْزَياه (٢)؛ لأنّه أعْتَقَ عن كُلّ واحدةٍ عَبْدًا تامًّا؛ نِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، فكَمُلَ فيهما العِتْقُ، ولو كان ممّن عليه الصَّوْمُ (٣)، فصام شَهْرَيْن عن إحْداهما .. كان له أن يَجْعَلَه عن أيِّهما شاء، وكذلك لو صام أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عنهما أجْزأه.
(٢٤٨٤) ولو كان عليه ثلاثُ كفّاراتٍ، فأعْتَقَ رَقَبَةً ليس له غَيْرُها، وصام شَهْرَيْن، ثُمّ مَرِضَ فأطْعَمَ سِتِّين مِسْكينًا، يَنْوِي بجَمِيعِ هذا كفّاراتِ الظِّهارِ، وإن لم يَنْوِ واحدةً بعَيْنِها .. أجْزَأه؛ لأنّ نِيَّتَه في كُلِّ كفّارَةٍ بأنّها لَزِمَتْه (٤).
стр. 1312
(٢٤٨٥) ولو وَجَبَتْ عليه كفّارةٌ، فشَكَّ أن تَكُونَ مِنْ ظِهارٍ أو قَتْلٍ أو نَذْرٍ قبل أن يُكَفِّرَ، فأعْتَقَ رَقَبَةً عن أيِّها كان .. أجْزَأه، ولو أعْتَقَها لا يَنْوِي واحدةً منها .. لم يُجْزِئه.
(٢٤٨٦) ولو ارْتَدَّ قَبْلَ أن يُكَفِّرَ، فأعْتَقَ عَبْدًا عن ظِهارِه، فإن رَجَعَ .. أجْزَأه؛ لأنّه في مَعْنَى دَيْنٍ أدّاه، أو قِصاصٍ أُخِذَ منه، أو عُقُوبَةٍ على بَدَنِه لمن وَجَبَتْ له، ولو صام في رِدَّتِه .. لم يُجْزِئه؛ لأنّ الصَّوْمَ عَمَلٌ على البَدَنِ، وعَمَلُ البَدَنِ لا يُجْزِئ إلّا ممّن يُكْتَبُ له.
стр. 1313
(٢٥٩)
باب ما يُجزِئ من العيوب في الرقاب الواجبة
من كتابَيْ ظِهارٍ جديدٍ وقديمٍ
(٢٤٨٧) قال الشافعي: لم أعْلَمْ أحَدًا ممّن مَضَى مِنْ أهْلِ العلمِ، ولا ذُكِرَ لي عنه، ولا بَقِيَ خالَفَ .. في أنّ مِنْ ذَواتِ النَّقْصِ مِنْ الرِّقابِ ما لا يُجْزِئ، ومنها ما يُجْزِئ، فدَلَّ ذلك على أنّ المرادَ بعِتْقِها: بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، ولم أجِدْ في معاني ما ذَهَبُوا إليه إلّا ما أقُولُ والله أعْلمُ، وجِماعُه: أنّ الأغْلَبَ فيما يُتَّخَذُ له الرَّقِيقُ العَمَلُ، ولا يَكُونُ العَمَلُ تامًّا حتّى تكُونَ يَدَا الممْلُوكِ باطِشَتَيْن، ورِجْلاه ماشِيَتَيْن، وله بَصَرٌ وإن كان عَيْنًا واحدةً، ويَكُونَ يَعْقِلُ، وإن كان أبْكَمَ أو أصَمَّ يَعْقِلُ، أو أحْمَقَ، أو ضَعِيفَ البَطْشِ.
وقال في القديم: «إن الأخْرَسَ لا يُجْزِئ». قال المزني: أوْلى بقَوْلِه أن يُجْزِئ؛ لأنّ أصْلَه أنّ ما أضَرَّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا لم يجْزِ، وما لم يَضُرَّ كذلك أجْزَأ (١).
(٢٤٨٨) قال الشافعي: والذي يُجَنُّ ويُفِيقُ يُجْزِئ، وإن كان مُطْبِقًا لم يُجْزِئ.
(٢٤٨٩) ويُجْزِئ المريضُ (٢)؛ لأنّه يُرْجَى، والصَّغِيرُ كذلك.
стр. 1314
(٢٦٠)
باب من له الكفارة بالصيام
من كتابين
(٢٤٩٠) قال الشافعي: مَنْ كان له مَسْكَنٌ وخادِمٌ لا يَمْلِكُ غَيْرَه، ولا ما يَشْتَرِي به ممْلُوكًا .. كان له أن يَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْنِ.
(٢٤٩١) فإنْ أفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ أو غَيْرِه، أو صام يَوْمًا تَطَوُّعًا، أو مِنْ الأيّام التي نَهَى رسولُ الله ﷺ عن صِيامِها .. اسْتَأنَفَهما مُتَتابِعَيْنِ.
وقال في كتاب القديم: «إنْ أفْطَرَ المريضُ بَنَى، واحْتَجَّ في القاتِلَةِ التي عليها صَوْمُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن إذا حاضَتْ أفْطَرَتْ، فإذا ذَهَبَ الحيْضُ عنها بَنَتْ، فكذلك المريضُ إذا ذَهَبَ المرضُ بَنَى». قال المزني: وسَمِعْتُه منذ دَهْرٍ يَقُولُ: إنْ أفْطَرَ بَنَى (١)، قال المزني: وإنّ هذا لشَبِيهٌ؛ لأنّ المرَضَ عُذْرٌ وضَرُورَةٌ، والحيضُ عُذْرٌ وضَرُورَةٌ مِنْ قِبَلِ الله، يُفْطِرُ بهما في شهر رمضانَ، وبالله التوفيق (٢).
(٢٤٩٢) قال الشافعي: وإذا صام بالأهِلَّةِ صام هِلالَيْن، وإن كان تِسْعَةً أو ثمانِيَةً وخمْسِين.
(٢٤٩٣) ولا يُجْزِئه حتّى يُقَدِّمَ نِيَّةَ الصَّوْمِ قبل الدُّخُولِ.
(٢٤٩٤) ولو نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ، فأُغْمِيَ عليه فيه ثُمّ أفاقَ قَبْلَ اللَّيْلِ
стр. 1315
أو بَعْدَه، ولم يَطْعَمْ .. أجْزَأه إذا دَخَلَ فيه بَعْدَ الفَجْرِ وهو يَعْقِلُ، فإنْ أُغْمِيَ عليه قَبْلَ الفَجْرِ .. لم يُجْزِئه؛ لأنّه لم يَدْخُلْ في الصَّوْمِ وهو يَعْقِلُه.
قال المزني: كُلُّ مَنْ أصْبَحَ نائمًا في شَهْرِ رمضانَ صائِمٌ وإن لم يَعْقِلْه إذا تَقَدَّمَتْ نِيَّتُه (١).
(٢٤٩٥) قال الشافعي: ولو أغْمِيَ عليه فيه وفي يَوْمٍ بَعْدَه ولم يَطْعَم .. اسْتأنَفَ الصَّوْمَ؛ لأنّه في اليَوْمِ الذي أغْمِيَ عليه فيه كُلِّه غَيْرُ صائمٌ، ولا يُجْزِئه إلّا أن يَنْوِيَ كُلَّ يَوْمٍ على حِدَتِه قَبْلَ الفَجْرِ؛ لأنّ كُلَّ يَوْمٍ فيه غَيْرُ صاحِبِه.
(٢٤٩٦) ولو صام شَهْرَ رمضانَ في الشَّهْرَيْن، أعاد شَهْرَ رمضانَ واسْتَأنَفَ شَهْرَيْن (٢).
(٢٤٩٧) قال: وأقَلُّ ما يَلْزَمُ مَنْ قال: إنّ الجماعَ بَيْنَ ظَهْرَانَي الصَّوْمِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ؛ لقَوْلِه: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣] .. أن يَزْعُمَ أنَّ الكفّارَةَ بالصَّوْمِ والعِتْقِ لا يُجْزِئان بعد أن يَتَماسَّا، قال: والذي صام شَهْرًا قَبْل التَّماسِّ وشَهْرًا بَعْدَه، أطاع اللهَ جل ذكره في شَهْرٍ وعَصاه بالجماعِ قَبْل شَهْرٍ يَصُومُه، وإنْ جامَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ الآخِرِ منهما أوْلى أن يَجُوزَ مِنْ الذي عَصَى بالجماعِ قَبْلَ الشَّهْرَيْن مَعًا.
(٢٤٩٨) قال الشافعي: وإنّما حُكْمُه في الكفّاراتِ حين يُكَفِّرُ؛ كما حُكْمُه في الصَّلاةِ حين يُصَلِّي (٣).
стр. 1316
(٢٤٩٩) قال: ولو دَخَلَ في الصَّوْمِ ثُمّ أيْسَرَ .. كان له أن يَمْضِيَ على الصِّيامِ، والاخْتِيارُ له أن يَدَعَ الصَّوْمَ ويُعْتِقَ.
قال المزني: قلت أنا (١): لو كان الصَّوْمُ فَرْضَه ما جاز اخْتِيارُ (٢) إبْطالِ الفَرْضِ، والرَّقَبَةُ فَرْضٌ إن وَجَدَها لا غَيْرُها؛ كما أنّ الوُضُوءَ بالماءِ فَرْضٌ إذا وَجَدَه لا غَيْرَه، ولا خِيارَ في ذلك بَيْنَ أمْرَيْن، فلا يَخْلُو الدّاخِلُ في الصَّوْمِ إذا وَجَدَ الرَّقَبَةَ مِنْ أن يَكُونَ مَعْناه المقَدَّمَ فلا فَرْضَ عليه إلّا الصَّوْمُ، فكيفَ يُجْزِئه العِتْقُ وهو غَيْرُ فَرْضِه؟ أو يَكُونَ صَوْمُه قد (٣) بَطَلَ لوُجُودِ الرَّقَبَةِ، فلا فَرْضَ عليه إلّا العِتْقُ، فكَيْفَ يُتِمُّ الصَّوْمَ فيُجْزِئه وهو غَيْرُ فَرْضِه؟ فلمّا لم يَخْتَلِفُوا أنّه إذا أعْتَقَ أدَّى فَرْضَه، ثَبَتَ أن لا فَرْضَ عليه غَيْرُه، وفي ذلك إبْطالُ صَوْمِه، كمُعْتَدَّةٍ بالشُّهُورِ، فإذا حَدَثَ الحيضُ بَطَلَت الشُّهُورُ وثَبَتَ حُكْمُ الحيْضِ عليها، ولمّا كان وُجُودُ الرَّقَبَةِ يُبْطِلُ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ كان وُجُودُها بعد الدُّخُولِ يُبْطِلُ ما بَقِيَ مِنْ الشَّهْرَيْن؛ كما كان وُجُودُ الحيْضِ بعد الدُّخُولِ في الشُّهُورِ يُبْطِلُ ما بَقِيَ مِنْ الشُّهُورِ، وفي ذلك دليلٌ أنّه إذا وَجَدَ الرَّقَبَةَ بعد الدُّخُولِ بَطَلَ ما بَقِيَ مِنْ الشَّهْرَيْن، وقد قال الشافعي بهذا المعنى، زَعَمَ في الأمَةِ تُعْتَقُ وقد دَخَلَتْ في العِدَّةِ أنّها لا تكُونُ في عِدَّتِها حُرَّةً، وتَعْتَدُّ عِدَّةَ أمَةٍ [ف: ٢٦٤٦]، وفي المسافِرِ يَدْخُلُ في الصَّلاةِ ثُمّ يُقِيمُ، لا يَكُونُ في بَعْضِ صَلاتِهِ مُقِيمًا ويَقْصُرَ، ثُمّ قال: «وهذا أشْبَهُ
стр. 1317
بالقياسِ» [ف: ٣٢٥]، قال المزني: قلت أنا (١): فهذا معنى ما قُلْتُ، وبالله التوفيق (٢).
(٢٥٠٠) قال الشافعي: ولو قال لعبده: «أنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عن ظِهارٍ إنْ تَظَهَّرْتُه (٣)» .. كان حُرًّا السّاعَةَ، ولم يُجْزِئه إنْ تظاهَرَ؛ لأنّه لم يَكُنْ ظِهارٌ، ولم يَكُنْ سَبَبٌ منه.
стр. 1318
(٢٦١)
باب الكفارة بالطعام
من كتابَيْ ظِهارٍ جديدٍ وقديمٍ
(٢٥٠١) قال الشافعي فيمَن تظاهَرَ فلم يَجِدْ رَقَبَةً، ولم يَسْتَطِعْ حين يُرِيدُ الكفّارَةَ صَوْمَ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن بمَرَضٍ أو عِلَّةٍ ما كانَتْ: أجْزَأه أن يُطْعِمَ.
(٢٥٠٢) ولا يُجْزِئه أقَلَّ مِنْ سِتِّين مِسْكِينًا، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعامِ بَلَدِه الذي يُقْتاتُ، حِنْطَةً، أو شَعِيرًا، أو أُرْزًا، أو سُلْتًا، أو تمْرًا، أو زَبِيبًا، أو أَقِطًا.
(٢٥٠٣) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم جُمْلَةً سِتِّينَ مُدًّا أو أكْثَرَ؛ لأنّ أخْذَهُم الطّعامَ يَخْتَلِفُ، فلا أدْرِي لعلَّ أحَدَهُم يأخُذُ أقَلَّ، وغَيْرَه أكْثَرَ، مع أنّ النبيَّ ﷺ إنّما بَيَّنَ مَكِيلَةَ طَعامٍ في كُلِّ ما أمَرَ به مِنْ كفّارَةٍ.
(٢٥٠٤) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم دَقِيقًا ولا سَوِيقًا ولا خُبْزًا، حتّى يُعْطِيَهُم حَبًّا.
(٢٥٠٥) وسَواءٌ الصَّغِيرُ منهم والكَبِيرُ.
(٢٥٠٦) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَه مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه، ولا عَبْدًا، ولا مُكاتَبًا، ولا أحَدًا على غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ.
(٢٥٠٧) وقال في القديم: لو عَلِمَ بعد أنْ أعْطاه أنّه غَنِيٌّ أجْزَأه، ثُمّ رَجَعَ إلى أنّه لا يُجْزِئه.
قال المزني: قلت أنا (١): وهذا أقْيَسُ؛ لأنّه أعْطَى مَنْ لم يَفْرِضْه اللهُ
стр. 1319
له، بل حَرَّمَه عليه، والخَطَأُ في الأمْوالِ عنده في حُكْمِ العَمْدِ، إلّا في المأثَمِ (١).
(٢٥٠٨) قال الشافعي: ويُكَفِّرُ بالطّعامِ قَبْلَ المسِيسِ؛ لأنّها في مَعْنَى الكفّارَةِ قَبْلَها.
(٢٥٠٩) ولو أعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْن: مُدًّا عن ظِهارٍ، ومُدًّا عن يَمِينٍ .. أجْزَأه؛ لأنّهما كفّارَتان مخْتَلِفَتَان.
(٢٥١٠) ولا يَجُوزُ أن يُكَفِّرَ إلّا كفّارَةً كامِلَةً، مِنْ أيّ الكفَاراتِ كَفَّرَ.
(٢٥١١) وكُلُّ الكفّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ؟ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇ أو مدٍّ أحْدِثَ من بعده؟!
(٢٥١٢) وإنّما قُلْتُ: مُدًّا لكُلِّ مِسْكِينٍ؛ لحديثِ رَسولِ الله ﷺ في المكَفِّرِ في رمضانَ؛ فإنّه أتَى بعَرَقٍ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقال للمكَفِّر: «كَفِّرْ به»، وقد أعْلَمَه أنّ عليه إطْعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فهذا مُدٌّ مُدٌّ، فكانَت الكفّارَةُ بالكفّارَةِ أشْبَهَ في القياسِ مِنْ أن نقِيسَها على فِدْيَةٍ في الحجِّ (٢)، وقال بعضُ الناس: المدُّ رِطْلانِ بالحَجّاجِيِّ، وقد احْتَجَجْنا فيه مع أنّ الآثارَ على ما قُلْنا وأمْرُ النّاسِ بدارِ الهجْرَةِ، وما يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَكُونَ أعْلَمَ بهذا مِنْ أهْلِ المدينة.
(٢٥١٣) وقالوا أيضًا: لو أعْطَى مِسْكِينًا واحِدًا طَعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا في سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأه، قال الشافعي: لَئِنْ أجْزَأه في كُلِّ يَوْمٍ وهو واحِدٌ ليُجْزِئَنَّه في مَقامٍ واحدٍ، وقيلَ له: أرَأيْتَ لو قال قائلٌ: قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي
стр. 1320
عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، ففي هذا شَرْطان: عَدَدٌ وشَهادةٌ، فأنا أجِيزُ الشهادَةَ دُونَ العَدَدِ، فإنْ شَهِدَ اليَوْمَ شاهِدٌ ثُمّ عادَ بشَهادَتِه فهي شَهادَتان، فإن قال: لا، حتّى يَكُونا شاهِدَيْن .. فكذلك: لا، حتّى يَكُونُوا سِتِّينَ مسْكينًا.
(٢٥١٤) وقال أيضًا: لو أطْعَمَه أهْلَ الحَرْبِ لم يُجْزِئه، وإنْ أطْعَمَه أهْلَ الذِّمَّةِ أجْزَأه .. فإنْ أجْزَأ غَيْرَ المسْلِمِين، وقد أوْصَى اللهُ جل ذِكرُه بالأسِيرِ .. فلِمَ لا يُجْزِئ أسِيرُ المسْلِمِين الحرْبِيُّ والمسْتأمَنِين إلَيْهِم؟
(٢٥١٥) وقالوا: لو غَدّاهُم وعَشّاهُم - وإنْ تَفاوَتَ أكْلُهُم - فأشْبَعَهُم أجْزَأ، وإنْ أعْطاهُم قِيمَةَ الطّعامِ عَرْضًا أجْزَأه .. فإذا تَرَكَ ما نَصَّت السُّنَّةُ مِنْ المكِيلَةِ، فأطْعَمَ سِتِّين صَبِيًّا، أو رِجالًا مَرْضَى، أو مَنْ لا يُشْبِعُهُم إلّا أضْعافُ الكفّارَةِ، فما يَقُولُ إذا أعْطَى عَرْضًا مَكانَ المكِيلَةِ وكان مُوسِرًا يُعْتِقُ رَقَبَةً فتَصَدَّقَ بِقِيمَتِها؟ فإنْ أجازَ هذا .. فقَدْ أجازَ الإطْعامَ وهو قادِرٌ على الرَّقَبَةِ، وإنْ زَعَمَ أنّه لا يَجُوزُ إلّا رَقَبَةٌ .. فلم جَوَّزَ العَرْضَ؟ وإنّما السُّنَّةُ مَكِيلَةُ طَعامٍ مَعْرُوفَةٌ، وإنّه يَلْزَمُه في قِياسِ قَوْلِه هذا أن يُحِيلَ الصَّوْمَ وهو مُطِيقٌ له إلى الصَّدَقَةِ، والله أعلم.
стр. 1321
[٤٥]
كتاب اللِّعان
مختصر من الجامع من كتابَيْ لعانٍ جديدٍ وقديمٍ، وما دخل فيهما من الطلاق، ومن أحكام القرآن ومن اختلاف الحديث (١)
стр. 1322
(٢٥١٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - إلى قوله: - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٦ - ٩] (١)، قال: فكان بَيِّنًا في كِتابِ اللهِ أنّه أخْرَجَ الزَّوْجَ مِنْ قَذْفِ المرأةِ بالْتِعانِه؛ كما أخْرَجَ قاذِفَ المحْصَنَةِ غَيْرَ الزَّوْجَةِ بأرْبَعَةِ شُهُودٍ ممّا قَذَفَها به، وفي ذلك دَلالَةٌ أنْ ليس على الزَّوْجِ أن يَلْتَعِنَ حتّى تَطْلُبَ المقْذُوفَةُ حَدَّها؛ كما ليس على قاذِفِ الأجْنَبِيَّةِ حَدٌّ حتّى تَطْلُبَ حَدَّها.
(٢٥١٧) قال: ولمّا لم يَخُصَّ اللهُ جل ذِكرُه أحَدًا مِنْ الأزْواجِ دُونَ غَيْرِه، ولم يَدُلَّ على ذلك سُنَّةٌ ولا إجماعٌ .. كان على كُلِّ زَوْجٍ جاز طَلاقُه ولَزِمَه الفَرْضُ، وكذلك على كُلِّ زوجةٍ لَزِمَها الفَرْضُ، ولعانُهم كُلِّهِم سواءٌ، لا يَخْتَلِفُ القَوْلُ به والفُرْقَةُ ونَفْيُ الوَلَدِ، وتخْتَلِفُ الحدُودُ لمَن وَقَعَتْ له وعليه، وسواءٌ قال: «زَنَتْ»، أو: «رأيْتُها تَزْني»، أو: «يا زانية»؛ كما يَكونُ ذلك سواءً إذا قَذَفَ أجْنَبِيَّةً.
(٢٥١٨) وقال في كتاب النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك»: ولو جاءتْ بحَمْلٍ وزَوْجُها صَبِيٌّ دون العَشْرِ .. لم يَلْزَمْه؛ لأنّ العِلْمَ يُحِيطُ
стр. 1323
أنّه لا يُولَدُ لمثْلِه، وإنْ كان ابْنَ عَشْرِ سِنينَ فأكْثَرَ، وكان يُمْكِنُ أن يُولَدَ له .. كان له حتّى يَبْلُغَ، فيَنْفِيَه بلِعانٍ، أو يَمُوتَ قبل البُلُوغِ، فيَكُونَ وَلَدَه.
(٢٥١٩) ولو كان بالغًا مجْبُوبًا .. كان له، إلّا أن يَنْفِيَه بلِعانٍ؛ لأنّ العِلْمَ لا يُحِيطُ أنَّه لا يُحْمَلُ له.
(٢٥٢٠) ولو قال: «قَذَفْتُكِ وعَقْلِي ذاهبٌ» .. فهو قاذِفٌ، إلّا أن يُعْلَمَ أنّ ذلك يُصِيبُه، فيُصَدَّقُ.
(٢٥٢١) ويُلاعِنُ الأخْرَسُ إذا كان يَعْقِلُ الإشارَةَ، وقال بعض الناس: لا يُلاعِنُ، قال الشافعي (١): وإنْ طَلَّقَ أو باعَ بإيماءٍ أو بكِتابٍ يُفْهَمُ جازَ، وأَصْمَتَتْ أُمامَةُ بنتُ أبي العاص (٢)، فقيل لها: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا؟ فأشارَتْ: أيْ نعم (٣)، فرُفِعَ ذلك، فرُئيَتْ أنّها وَصِيَّةٌ.
(٢٥٢٢) ولو كانَتْ مَغْلُوبَةً على عَقْلِها فالْتَعَنَ .. وَقَعَت الفُرْقَةُ، ونُفِيَ الوَلَدُ إن انْتَفَى منه، ولا تُحَدُّ؛ لأنّها ليْسَتْ ممّن عليه الحُدُودُ، ولو طَلَبَه وَلِيُّها، أو كانَت امْرَأتُه أمَةً فطَلَبَه سَيِّدُها .. لم يَكُنْ لواحِدٍ منهما، فإن ماتَتْ قبل أن تَعْفُوَ عنه فطَلَبَه وَلِيُّها، كان عليه أن يَلْتَعِنَ أو يُحَدَّ للحُرَّةِ البالِغِ، ويُعَزَّرَ لغَيْرِها (٤).
стр. 1324
(٢٥٢٣) ولو الْتَعَنَ وأبَيْنَ اللِّعانَ .. فعلى الحُرَّةِ البالِغَةِ الحَدُّ، والممْلُوكَةِ نِصْفُ الحَدِّ ونَفْيُ نِصْفِ سَنَةٍ.
(٢٥٢٤) ولا لِعانَ على الصَّبِيَّةِ؛ لأنّه لا حَدَّ عليها (١).
(٢٥٢٥) ولا أُجْبِرُ الذِّمِّيَّةَ على اللِّعانِ، إلّا أن تَرْغَبَ في حُكْمِنا، فتَلْتَعِنُ، فإن لم تَفْعَلْ حَدَدْناها إنْ ثَبَتَتْ على الرِّضا بحُكْمِنا.
قال المزني: قلت أنا (٢): أوْلى بقَوْلِه أن تُحَدَّ؛ لأنّها رَضِيَتْ ولَزِمَها حُكْمُنا (٣)، ولو كان الحكْمُ إذا ثَبَتَ عليها وأبَت الرِّضا به سَقَطَ عنها لم يَجُزْ عليها حُكْمٌ أبَدًا؛ لأنّها تَقْدِرُ إذا لَزِمَها بالحُكْمِ ما تَكْرَهُ أن لا تُقِيمَ على الرِّضا، ولو قَدَرَ اللَّذان حَكَمَ عليهما النبيُّ ﷺ بالرَّجْمِ مِنْ اليَهُودِ على أن لا يَرْجُمَهما بتَرْكِ الرِّضا لفَعَلا إن شاء الله، وقال في «الإملاء - في كتاب النكاح والطلاق - على مسائل مالك»: «إنْ أبَتْ أن تَلْتَعِنَ حَدَدْناها» (٤).
стр. 1325
(٢٥٢٦) قال الشافعي: ولو كانَت امْرَأتُه محْدُودَةً في زِنًا، فقَذَفَها بذلك الزِّنا أو بزِنًا كان في غَيْرِ مِلْكِه .. عُزِّرَ إن طَلَبَتْ ذلك، ولم يَلْتَعِنْ.
(٢٥٢٧) قال: وإنْ أنكَرَ أن يَكُونَ قَذَفَها، فجاءتْ بشاهِدَيْن .. لاعَنَ، وليس جُحُودُه القَذْفَ إكْذابًا لنَفْسِه.
(٢٥٢٨) ولو قَذَفَها وهو صَبيٌّ ثُمّ بَلَغَ (١) .. لم يَكُنْ عليه حَدٌّ ولا لِعانٌ.
(٢٥٢٩) ولو قَذَفَها في عِدَّةٍ يَمْلِكُ فيها الرَّجْعَةَ .. فعليه اللِّعانُ.
(٢٥٣٠) ولو بانَتْ فقَذَفَها بزِنًا نَسَبَه إلى أنّه كان وهي زَوْجُه .. حُدَّ، ولا لِعانَ، إلّا أن يَنْفِيَ به وَلَدًا أو حَمْلًا، فيَلْتَعِنُ، فإن قيل: فلِمَ لاعَنْتَ بينهما وهي بائنٌ إذا ظَهَرَ بها حَمْلٌ؟ .. قيل: كما ألحقْتُ الوَلَدَ لأنّها كانَتْ زَوْجَه، فكذلك لاعَنْتُ بَيْنَهُما بالوَلَدِ لأنّها كانَتْ زَوْجَه، ألا تَرَى إن وَلَدَتْ بعد بَيْنُونَتِهَا منه كهو وهي تحْتَه؟ وإذْ نَفَى رسولُ الله ﷺ الوَلَدَ وهي زَوْجَةٌ فأزالَ الفِراشَ، كان الوَلَدُ بعدما تَبِينُ أوْلى أن يُنْفَى، أو في مِثْلِ حالِه قَبْلَ تَبِينُ.
(٢٥٣١) ولو قال: «أصابَكِ رَجُلٌ في دُبُرِكِ» .. حُدَّ أو لاعَنَ (٢).
стр. 1326
(٢٥٣٢) ولو قال لها: «يا زانيةُ ابنةَ الزانيةِ»، وأمُّها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، فطَلَبَتْ حَدَّ أمِّها .. لم يَكُنْ ذلك لها، وحُدَّ لأمِّها إذا طَلَبَتْه أو وَكِيلُها، والْتَعَنَ لامْرأتِه، فإن لم يَفْعَلْ حُبِسَ حتّى يَبْرَأَ جِلْدُه، فإذا بَرَأ حُدَّ، إلّا أن يَلْتَعِنَ.
(٢٥٣٣) ومتى أبَى اللِّعانَ فحَدَدْتُه إلّا سَوْطًا، ثُمّ قال: أنا ألْتَعِنُ .. قَبِلْتُ رُجُوعَه، ولا شَيْءَ له فيما مَضَى مِنْ الضَّرْبِ؛ كما يَقْذِفُ الأجْنَبِيَّةَ ويَقُولُ: لا آتي بالشُّهُودِ، فيُضْرَبُ بَعْضَ الحدِّ، ثُمّ يَقُولُ: أنا آتي بهم، فيَكُونُ ذلك له، وكذلك المرْأةُ إذا لم تَلْتَعِنْ فضُرِبَتْ بَعْضَ الحَدِّ، ثُمّ تَقُولُ: أنا ألْتَعِنُ .. قَبِلْتُ (١).
(٢٥٣٤) وقال قائل: كيف لاعَنْتَ بَيْنَه وبَيْنَ مَنْكُوحَةٍ نِكاحًا فاسِدًا بوَلَدٍ واللهُ ﵎ يَقُولُ: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]؟ فقلت له: قال رسولُ الله ﷺ : «الوَلَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فلم يَخْتَلِف المسلمُون أنّه مالِكُ الإصابَةِ بالنِّكاحِ الصَّحيحِ أو مِلْكِ اليَمِينِ، قال: نعم، هذا الفِراشُ، قيل: والزِّنا لا يَلْحَقُ به نَسَبٌ، ولا يَكُونُ به مَهْرٌ (٢)، ولا يُدْرَأ فيه حَدٌّ؟ قال: نعم، قلت: فإذا حَدَثَتْ نازِلَةٌ لَيْسَتْ بالفِراشِ الصَّحِيحِ، ولا الزِّنا الصَّرِيحِ، وهو النِّكاحُ الفاسِدُ، ألَيْسَ سَبِيلُها أن نَقِيسَها بأقْرَبِ الأشْياءِ بها شَبَهًا؟ قال: نعم، قلت: فقد أشْبَهَ الوَلَدُ عن وَطْءٍ بشُبْهَةٍ الوَلَدَ عن نِكاحٍ صَحِيحٍ في إثْباتِ الوَلَدِ وإلْزامِ المهْرِ وإيجابِ العِدَّةِ، فكذلك يَشْتَبِهان في النَّفْيِ باللِّعانِ (٣).
стр. 1327
(٢٥٣٥) وقال بعض الناس: لا يُلاعِنُ إلّا حُرّانِ مُسْلِمانِ، ليْسَ واحِدٌ منهما مَحْدُودًا في قَذْفٍ، وتَرَكَ ظاهِرَ القرآنِ، واعْتَلَّ بأنّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، وإنّما هي يَمِينٌ (١)، ولو كانَتْ شَهادَةً ما جاز أن يَشْهَدَ أحَدٌ لنَفْسِه، ولكانَت المرْأةُ على النِّصْفِ مِنْ شَهادَةِ الرَّجُلِ، ولا كان على شاهِدٍ يَمِينٌ، ولما جاز الْتِعانُ الفاسِقَيْن؛ لأنّ شَهادَتَهما لا تَجُوزُ، فإن قيل (٢): فقد يَتُوبانِ فيَجُوزانِ .. قيل: وكذلك العَبْدانِ الصّالِحان قد يُعْتَقان فيَجُوزان مَكانَهما، والفاسِقان لو تابا لم يُقْبَلا إلّا بعد طُولِ مُدَّةٍ يُخْتَبَران فيها، ولَزِمَهُم أن يُجِيزُوا لِعانَ الذِّمِّيَّيْن الحُرَّيْن؛ لأنّ شَهادَتَهما عندهم تَجُوزُ، ولَزِمَهُم أن لا يُجِيزُوا لِعانَ الأعْمَيَيْن البَخِيقَيْن (٣)؛ لأنّ شَهادَتَهما عندهم لا تَجُوزُ أبَدًا؛ كما لا تَجُوزُ شَهادَةُ المحْدُودَينِ.
стр. 1328
(٢٦٢)
باب أين يكون اللعان؟
من كتابي اللعان
(٢٥٣٦) قال الشافعي: ورُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه لاعَنَ بَيْن الزَّوْجَيْن على المنْبَرِ.
(٢٥٣٧) قال: فإذا لاعَنَ الحاكِمُ بينهما بمَكَّةَ .. فبَيْن المقام والبَيْتِ، أو بالمدينة .. فعلى المنْبَرِ، أو بيت المقْدِسْ .. ففي مَسْجِدِها، وكَذا كُلُّ بَلَدٍ، قال: ويَبْدَأ فيُقِيمُ الرَّجُلَ قائِمًا والمرْأةُ جالِسَةٌ فيَلْتَعِنُ، ثُمّ يُقِيمُ المرْأةَ قائمَةً فتَلْتَعِنُ، إلّا أنْ تَكُونَ حائضًا فعَلى باب المسْجِدِ.
(٢٥٣٨) وإنْ كانَتْ مُشْرِكَةً الْتَعَنَتْ في الكَنِيسَةِ وحَيْثُ تُعَظِّمُ.
(٢٥٣٩) وإنْ شاءَت المشْرِكَةُ أنْ تَحْضُرَه في المساجِدِ كُلِّها حَضَرَتْه، إلّا أنّها لا تَدْخُلُ المسْجِدَ الحرام؛ لقول الله : ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال المزني: قلت أنا (١): إذا جَعَلَ للمُشْرِكَةِ أنْ تَحْضُرَه في المسْجِدِ وعَسَى بها مع شِرْكِها أنْ تكُونَ حائضًا .. كانَت المسْلِمَةُ بذلك أوْلَى (٢).
стр. 1329
(٢٥٤٠) قال الشافعي: وإنْ كانا مُشْرِكَيْنِ لا دِينَ لهما تَحاكَما إلَيْنَا .. لاعَنَ بَيْنَهما في مَجْلِسِ الحُكْمِ.
стр. 1330
(٢٦٣)
باب سنة اللعان ونفي الولد وإلحاقه بالأم وغير ذلك
من كتابَيْ لعانٍ قديمٍ وجديدٍ، ومن اختلاف الحديث
(٢٥٤١) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَه في زَمَنِ النَّبيّ ﷺ وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، ففَرَّقَ رسولُ الله ﷺ بينهما، وألحَقَ الوَلَدَ بالمرْأةِ.
(٢٥٤٢) وقال سَهْلٌ وابنُ شِهابٍ: «فكانَتْ سُنَّةَ المتَلاعِنَيْن»، قال الشافعي: ومَعْنَى قَوْلِهما: فُرْقَةٌ لا بطَلاقِ الزَّوْجِ، قال: وتَفْرِيقُ النبيّ ﷺ غَيْرُ فُرْقَةِ الزَّوْجِ، إنّما هو تَفْرِيقُ حُكْمٍ.
(٢٥٤٣) قال: وإذْ قال رسولُ الله ﷺ : «اللهُ يَعْلَمُ أنّ أحَدَكُما كاذِبٌ فهَلْ مِنْكُما تائبٌ؟»، فحَكَمَ على الصّادِقِ والكَاذِبِ حُكْمًا واحِدًا، وأخْرَجَهُما مِنْ الحدِّ.
(٢٥٤٤) وقال ﷺ : «إنْ جاءَتْ به أُدَيْعِجَ فلا أُراهُ إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها (١)»، فجاءَتْ به على النَّعْتِ المكْرُوهِ، فقال النبيُّ ﷺ : «إنّ أمْرَهَا (٢) بَيِّنٌ لَوْلا ما حَكَمَ اللهُ»، فأخْبَرَ أنّه لم يَسْتَعْمِلْ دَلالَةَ صِدْقِه عليها، وحَكَمَ بالظّاهِرِ بَيْنَه وبَيْنَها، فمَن بَعْدَه مِنْ الوُلاةِ أوْلَى أن لا يَسْتَعْمِلَ دَلالَةً في مِثْلِ هذا المعْنَى ولا يَقْضِيَ إلّا بالظّاهِرِ أبَدًا.
стр. 1331
(٢٥٤٥) قال الشافعي في حَدِيثٍ ذَكَرَه: إنّه لمّا نَزَلَتْ آيَةُ الملاعَنَةِ قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما امْرَأةٍ أدْخَلَتْ على قَوْمٍ مَنْ ليس مِنْهُم، فلَيْسَتْ مِنْ اللهِ في شَيْءٍ، ولَنْ يُدْخِلَها الله جَنَّتَه، وأيُّما رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَه وهو يَنْظُرُ إلَيْه، احْتَجَبَ اللهُ مِنْه وفَضَحَه على رُؤوسِ الأوَّلِين والآخِرِين».
стр. 1332
(٢٦٤)
باب كيف اللعان؟
من كتابي اللعان، ومن الطلاق، ومن أحكام القرآن (١)(٢٥٤٦) قال الشافعي: ولمّا حَكَى سَهْلُ بنُ سعدٍ شُهُودَ المتَلاعِنَيْن مع حَدَاثَتِه، وحَكاهُ ابْنُ عُمَرَ .. اسْتَدْلَلْنا على أنّ اللِّعانَ لا يَكُونُ إلّا بمَحْضَرٍ مِنْ طائفةٍ مِنْ المؤمِنِين؛ لأنّه لا يَحْضُرُ أمْرًا يُرِيدُ رسولُ الله ﷺ سَتْرَه، ولا يَحْضُرُه إلّا وغَيْرُه حاضِرٌ له، وكذلك جميعُ حُدُودِ الزِّنا يَشْهَدُها طائفةٌ مِنْ المؤمنين، أقَلُّهُم أرْبَعَةٌ؛ لأنّه لا يَجُوزُ في شَهادَةِ الزِّنا أقَلُّ منهم، وهذا يُشْبِه قَوْلَ اللهِ جل ذكره في الزّانِيَيْنِ: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢].
(٢٥٤٧) وفي حِكايَةِ مَنْ حَكَى اللِّعانَ عن رسولِ الله ﷺ جُمْلَةً (٢) بلا تَفْسِيرٍ، دَلالَةٌ على أنّ اللهَ جل ثناؤه لمّا نَصَبَ اللِّعانَ حِكايَةً في كِتابِه، فإنّما لاعَنَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ المتَلاعِنَيْن بما حَكَى اللهُ في القُرآنِ.
(٢٥٤٨) و «اللِّعانُ»: أن يَقُولَ الإمامُ للزَّوْجِ: «قل: أشْهَدُ بالله إنّي لَمِنَ الصّادِقِين فيما رَمَيْتُ به زَوْجَتِي فُلانةَ بِنْتَ فُلانٍ مِنْ الزِّنا»، ويُشِيرُ إلَيْها إن كانَتْ حاضِرَةً، ثُمّ يَعُودُ فيَقُولها حتّى يُكْمِلَ ذلك أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمّ يَقِفُه الإمامُ ويُذَكِّرُه اللهَ، ويَقُولُ: «إنّي أخافُ إن لم تَكُنْ صَدَقْتَ أن تَبُوء بلَعْنَةِ
стр. 1333
اللهِ»، فإن رآه يُرِيدُ أن يَمْضِيَ أمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَه على فِيه ويَقُول: «إنّ قَوْلَكَ: (وعَليَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين) مُوجِبَةٌ إنْ كُنْتَ كاذِبًا»، فإنْ أبَى تَرَكَه وقال: «قُلْ: وعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُ به فُلانَةَ مِنْ الزِّنا».
(٢٥٤٩) فإن قَذَفَها بأحَدٍ يُسَمِّيه بعَيْنِه واحِدٍ أو اثْنَيْن أو أكْثَرَ .. قال مع كُلِّ شَهادَةٍ: «إنّي لمن الصادِقِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ»، وقال عند الالْتِعان: «عَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ».
(٢٥٥٠) قال: فإنْ كان معها وَلَدٌ فنَفاه، أو بها حَمْلٌ فانْتَفَى منه .. قال (١): «وإنّ هذا الوَلَدَ لوَلَدُ زِنا، ما هو مِنِّي»، وإنْ كان حَمْلًا قال: «وإنّ هذا الحمْلَ إنْ كان بها حَمْلٌ (٢) لحمْلٌ مِنْ زِنا، ما هو مِنِّي».
(٢٥٥١) قال: فإذا قال هذا فقد فَرَغَ مِنْ الالْتِعان، فإنْ أخْطأ الإمامُ فلم يَذْكُر نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ في اللِّعانِ قال للزَّوْجِ: إنْ أرَدْتَ نَفْيَه أعَدْتَ اللِّعانَ، ولا تُعِيدُ المرْأةُ بعد إعادَةِ الزَّوْجِ اللِّعانَ إنْ كانَتْ فَرَغَتْ منه بعد لِعانِ الزَّوْجِ الذي أغْفَلَ الإمامُ فيه نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ.
(٢٥٥٢) ولو قَذَفَها برَجُلٍ فلم يَلْتَعِنْ لِقَذْفِه، فأراد الرَّجُلُ حَدَّه .. أعاد عليه اللِّعانَ، وإلّا حُدَّ له إن لم يَلْتَعِنْ.
стр. 1334
(٢٥٥٣) وقال في كتاب الطلاق من «أحكام القرآن»، وفي «الإملاء على مسائل مالك»: ولمّا حَكَم اللهُ على الزَّوْجِ يَرْمِي المرْأةَ بالقَذْفِ، ولم يَسْتَثْنِ أن يُسَمِّيَ مَنْ يَرْمِيهَا به أو لم يُسَمِّه، ورَمَى العَجْلانيُّ امْرأتَه بابْنِ عَمِّه أو ابْنِ عَمِّها شَرِيكِ ابن السَّحْماء، وذَكَرَ للنبيِّ ﷺ أنّه رآه عليها، وقال في الطلاق من «أحكام القرآن»: فالْتَعَنَ ولم يُحْضِرْ رسولُ الله ﷺ المرْمِيَّ بالمرأةِ .. اسْتَدْلَلْنا (١) على أنّ الزَّوْجَ إذا الْتَعَنَ لم يَكُنْ على الزَّوْجِ للذِي قَفَاه بامْرَأتِه حَدٌّ (٢)، ولو كان له لأخَذَه له رسولُ الله ﷺ ، ولبَعَثَ إلى المرْمِيِّ فسَألَه، فإنْ أقَرَّ حُدَّ، وإنْ أنكَرَ حُدَّ له الزَّوْجُ، وقال في «الإملاء على مسائل مالك»: فسَألَ النبيُّ ﷺ شَرِيكًا فأنْكَرَ، فلم يُحَلِّفْه ولم يَحُدَّه بالْتِعانِ غَيْرِه، ولم يَحُدَّ العَجْلانيَّ القاذِفَ له باسْمِه (٣).
стр. 1335
(٢٥٥٤) وقال في «اللعان»: وليس للإمامِ (١) إذا رُمِيَ رَجُلٌ بزنًا أن يَبْعَثَ إليه فيَسْألَه عن ذلك؛ لأنّ الله يَقُولُ: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، فإنْ شُبِّهَ على أحَدٍ بأنّ النبيَّ ﷺ بعث أُنَيْسًا إلى امْرَأةِ رَجُلٍ، فقال: «إن اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» .. فتلك امْرَأةٌ ذَكَرَ أبو الزّاني بها أنّها زَنَتْ، فكان يَلْزَمُه أن يَسْألَ، فإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وسَقَطَ الحدُّ عمَّن قَذَفَها، وإنْ أنْكَرَتْ حُدَّ قاذِفُها، وكذلك لو كان قاذِفُها زَوْجَها، قال: ولمّا كان القاذِفُ لامْرَأتِه إذا الْتَعَنَ لو جاء المقذوفُ يَطْلُبُ حَدَّه لم يَكُنْ وَجْهٌ مِنْ الحَدِّ في القَذْفِ الذي يَطْلُبُه المقذوفُ بعَيْنِه، لم يَكُنْ لمسْألَةِ المقذوفِ مَعْنًى إلّا أن يُسْألَ ليُحَدَّ، ولم يَسْألْه رسولُ الله ﷺ ، وإنّما سَألَ المقْذُوفَةَ - والله أعلم - للحَدِّ الذي وَقَعَ لها إن لم تُقِرَّ بالزِّنا ولم يَلْتَعِن الزَّوْجُ (٢).
(٢٥٥٥) وأيُّ الزَّوْجَيْن كان أعْجَمِيًّا الْتَعَنَ بلِسانِه، بشَهادَةِ عَدْلَيْن
стр. 1336
يَعْرِفانِ لِسانَه، وأحَبُّ إليَّ لو كانوا أرْبَعَةً، وإنْ كان أخْرَسَ يَفْهَمُ الإشارَةَ الْتَعَنَ بالإشارَةِ، فإن انْطَلَقَ لِسانُه بعد الخَرَسِ لم يُعِدْ.
(٢٥٥٦) ثُمّ تُقامُ المرْأةُ فتَقُولُ: «أشْهَدُ بالله أنّ زَوْجِي فُلانًا - وتُشِيرُ إليه إنْ كان حاضِرًا - لَمِن الكاذِبِين فيما رَمَانِي به مِنْ الزِّنا»، ثُمّ تَعُودُ حتّى تَقُولَ ذلك أرْبَعَ مرّاتٍ، فإذا فَرَغَتْ وَقَفَها الإمامُ وذَكَّرَها اللهَ ﵎، وقال: «احْذَرِي أن تَبُوئِي بغَضَبِ اللهِ إن لم تكُونِي صادقةً في أيْمانِكِ (١)»، فإن رآها تَمْضِي وحَضَرَتْها امْرَأةٌ أمَرَها أن تَضَعَ يَدَها على فِيها، وإن لم تَحْضُرْها فرآها تَمْضِي قال لها (٢): «قولي: وعَليَّ غَضَبُ الله إنْ كان مِنْ الصّادِقِين فيما رَمانِي به من الزِّنا»، فإذا قالَتْ ذلك فقَدْ فَرَغَتْ.
(٢٥٥٧) قال: وإنّما أمَرْتُ بوَقْفِهِما وتَذْكِيرِهما اللهَ جل ثناؤه؛ لأنّ ابْنَ عبّاسٍ حَكَى أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ رَجُلًا حين لاعَنَ بين المتَلاعِنَيْن أن يَضَعَ يَدَه على فِيه عند الخامِسَةِ، وقال: «إنّها مُوجِبَةٌ»، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جل ذِكرُه الشّهاداتِ أرْبَعًا، ثُمّ فَصَلَ بَيْنَهُنّ باللَّعْنَةِ في الرّجُلِ، والغَضَبِ في المرْأةِ، دَلَّ على حالِ افْتِراقِ اللِّعانِ والشّهاداتِ، وأنّ اللَّعْنَةَ والغَضَبَ بعد الشّهادَةِ مُوجِبانِ على مَنْ أوجِبا عليه بأن يَجْتَرِئ على القَوْلِ والفِعْلِ، ثُمّ على الشّهادَةِ بالله باطِلًا، ثُمّ يَزِيدُ فيَجْتَرِئ على أن يَلْتَعِنَ وعلى أن يَدْعُوَ بلَعْنَةِ الله، فيَنْبَغِي للإمامِ إذا عَرَفَ مِنْ ذلِكَ ما جَهِلا أن يَقِفَهُما نَظَرًا لهما بدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
стр. 1337
(٢٦٥)
باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة، ونفي الولد، وحد المرأة
من كتابين جديد وقديم (١)(٢٥٥٨) قال الشافعي: وإذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشّهادَةَ والالْتِعانَ .. فقد زال فِراشُ امْرأتِه، ولا تَحِلُّ له أبَدًا بحَالٍ، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَه، الْتَعَنَتْ أو لم تَلْتَعِنْ، وإنّما قُلْتُ هذا؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا سَبيلَ لك عليها»، ولم يَقُلْ: «حتّى تُكَذِّبَ نَفْسَك»، وقال الله ﵎ في المطلقة ثلاثًا: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولمّا قال النبي ﷺ : «الوَلَدُ للفِراشِ»، وكانَتْ فِراشًا .. لم يَجُزْ أن يَنْفِيَ الوَلَدَ عن الفِراشِ إلّا بأن يَزُولَ الفِراشُ، وكان مَعْقُولًا في حُكْمِ رسولِ الله ﷺ إذْ ألْحَقَ الوَلَدَ بأمِّه أنّه نَفاه عن أبِيه، وأنّ نَفْيَه عنه بيَمِينِه والْتِعانِه، لا بيَمِينِ المرْأةِ على تَكْذِيبِه بنَفْيِه، ومَعْقُولٌ في إجْماعِ المسْلِمِين أنّ الزَّوْجَ إذا أكْذَبَ نَفْسَه لَحِقَ به الوَلَدُ وجُلِدَ الحَدَّ .. أن لا مَعْنَى للْمَرْأة في نَفْيِه، وأنّ المعْنَى للزَّوْجِ بما وَصَفْتُ مِنْ نَفْيِه، وكيف يَكُونُ لها مَعْنًى في يَمِينِ الزَّوْجِ ونَفْيِ الوَلَدِ وإلْحاقِه، والوَلَدُ بكُلِّ حالٍ وَلَدُها، لا يُنْفَى عنها، إنّما عنه يُنْفَى وإليه يُنْسَبُ، والدَّلِيلُ على ذلك ما لم يَخْتَلِفْ فيه أهْلُ العِلْمِ (٢) مِنْ أنّ الأمَّ لو قالَتْ: «لَيْسَ هو مِنك، إنّما اسْتَعَرْتُه» .. لم يَكُنْ قَوْلُها شَيئًا إذا عُرِفَ أنّها وَلَدَتْه على فِراشِه إلّا بلِعانٍ؛