← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1333–1372 · переход к 1338.

стр. 1333

اللهِ»، فإن رآه يُرِيدُ أن يَمْضِيَ أمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَه على فِيه ويَقُول: «إنّ قَوْلَكَ: (وعَليَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين) مُوجِبَةٌ إنْ كُنْتَ كاذِبًا»، فإنْ أبَى تَرَكَه وقال: «قُلْ: وعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُ به فُلانَةَ مِنْ الزِّنا». (٢٥٤٩) فإن قَذَفَها بأحَدٍ يُسَمِّيه بعَيْنِه واحِدٍ أو اثْنَيْن أو أكْثَرَ .. قال مع كُلِّ شَهادَةٍ: «إنّي لمن الصادِقِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ»، وقال عند الالْتِعان: «عَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ». (٢٥٥٠) قال: فإنْ كان معها وَلَدٌ فنَفاه، أو بها حَمْلٌ فانْتَفَى منه .. قال (١): «وإنّ هذا الوَلَدَ لوَلَدُ زِنا، ما هو مِنِّي»، وإنْ كان حَمْلًا قال: «وإنّ هذا الحمْلَ إنْ كان بها حَمْلٌ (٢) لحمْلٌ مِنْ زِنا، ما هو مِنِّي». (٢٥٥١) قال: فإذا قال هذا فقد فَرَغَ مِنْ الالْتِعان، فإنْ أخْطأ الإمامُ فلم يَذْكُر نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ في اللِّعانِ قال للزَّوْجِ: إنْ أرَدْتَ نَفْيَه أعَدْتَ اللِّعانَ، ولا تُعِيدُ المرْأةُ بعد إعادَةِ الزَّوْجِ اللِّعانَ إنْ كانَتْ فَرَغَتْ منه بعد لِعانِ الزَّوْجِ الذي أغْفَلَ الإمامُ فيه نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ. (٢٥٥٢) ولو قَذَفَها برَجُلٍ فلم يَلْتَعِنْ لِقَذْفِه، فأراد الرَّجُلُ حَدَّه .. أعاد عليه اللِّعانَ، وإلّا حُدَّ له إن لم يَلْتَعِنْ.

стр. 1334

(٢٥٥٣) وقال في كتاب الطلاق من «أحكام القرآن»، وفي «الإملاء على مسائل مالك»: ولمّا حَكَم اللهُ على الزَّوْجِ يَرْمِي المرْأةَ بالقَذْفِ، ولم يَسْتَثْنِ أن يُسَمِّيَ مَنْ يَرْمِيهَا به أو لم يُسَمِّه، ورَمَى العَجْلانيُّ امْرأتَه بابْنِ عَمِّه أو ابْنِ عَمِّها شَرِيكِ ابن السَّحْماء، وذَكَرَ للنبيِّ ﷺ أنّه رآه عليها، وقال في الطلاق من «أحكام القرآن»: فالْتَعَنَ ولم يُحْضِرْ رسولُ الله ﷺ المرْمِيَّ بالمرأةِ .. اسْتَدْلَلْنا (١) على أنّ الزَّوْجَ إذا الْتَعَنَ لم يَكُنْ على الزَّوْجِ للذِي قَفَاه بامْرَأتِه حَدٌّ (٢)، ولو كان له لأخَذَه له رسولُ الله ﷺ ، ولبَعَثَ إلى المرْمِيِّ فسَألَه، فإنْ أقَرَّ حُدَّ، وإنْ أنكَرَ حُدَّ له الزَّوْجُ، وقال في «الإملاء على مسائل مالك»: فسَألَ النبيُّ ﷺ شَرِيكًا فأنْكَرَ، فلم يُحَلِّفْه ولم يَحُدَّه بالْتِعانِ غَيْرِه، ولم يَحُدَّ العَجْلانيَّ القاذِفَ له باسْمِه (٣).

стр. 1335

(٢٥٥٤) وقال في «اللعان»: وليس للإمامِ (١) إذا رُمِيَ رَجُلٌ بزنًا أن يَبْعَثَ إليه فيَسْألَه عن ذلك؛ لأنّ الله يَقُولُ: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، فإنْ شُبِّهَ على أحَدٍ بأنّ النبيَّ ﷺ بعث أُنَيْسًا إلى امْرَأةِ رَجُلٍ، فقال: «إن اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» .. فتلك امْرَأةٌ ذَكَرَ أبو الزّاني بها أنّها زَنَتْ، فكان يَلْزَمُه أن يَسْألَ، فإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وسَقَطَ الحدُّ عمَّن قَذَفَها، وإنْ أنْكَرَتْ حُدَّ قاذِفُها، وكذلك لو كان قاذِفُها زَوْجَها، قال: ولمّا كان القاذِفُ لامْرَأتِه إذا الْتَعَنَ لو جاء المقذوفُ يَطْلُبُ حَدَّه لم يَكُنْ وَجْهٌ مِنْ الحَدِّ في القَذْفِ الذي يَطْلُبُه المقذوفُ بعَيْنِه، لم يَكُنْ لمسْألَةِ المقذوفِ مَعْنًى إلّا أن يُسْألَ ليُحَدَّ، ولم يَسْألْه رسولُ الله ﷺ ، وإنّما سَألَ المقْذُوفَةَ - والله أعلم - للحَدِّ الذي وَقَعَ لها إن لم تُقِرَّ بالزِّنا ولم يَلْتَعِن الزَّوْجُ (٢). (٢٥٥٥) وأيُّ الزَّوْجَيْن كان أعْجَمِيًّا الْتَعَنَ بلِسانِه، بشَهادَةِ عَدْلَيْن

стр. 1336

يَعْرِفانِ لِسانَه، وأحَبُّ إليَّ لو كانوا أرْبَعَةً، وإنْ كان أخْرَسَ يَفْهَمُ الإشارَةَ الْتَعَنَ بالإشارَةِ، فإن انْطَلَقَ لِسانُه بعد الخَرَسِ لم يُعِدْ. (٢٥٥٦) ثُمّ تُقامُ المرْأةُ فتَقُولُ: «أشْهَدُ بالله أنّ زَوْجِي فُلانًا - وتُشِيرُ إليه إنْ كان حاضِرًا - لَمِن الكاذِبِين فيما رَمَانِي به مِنْ الزِّنا»، ثُمّ تَعُودُ حتّى تَقُولَ ذلك أرْبَعَ مرّاتٍ، فإذا فَرَغَتْ وَقَفَها الإمامُ وذَكَّرَها اللهَ ﵎، وقال: «احْذَرِي أن تَبُوئِي بغَضَبِ اللهِ إن لم تكُونِي صادقةً في أيْمانِكِ (١)»، فإن رآها تَمْضِي وحَضَرَتْها امْرَأةٌ أمَرَها أن تَضَعَ يَدَها على فِيها، وإن لم تَحْضُرْها فرآها تَمْضِي قال لها (٢): «قولي: وعَليَّ غَضَبُ الله إنْ كان مِنْ الصّادِقِين فيما رَمانِي به من الزِّنا»، فإذا قالَتْ ذلك فقَدْ فَرَغَتْ. (٢٥٥٧) قال: وإنّما أمَرْتُ بوَقْفِهِما وتَذْكِيرِهما اللهَ جل ثناؤه؛ لأنّ ابْنَ عبّاسٍ حَكَى أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ رَجُلًا حين لاعَنَ بين المتَلاعِنَيْن أن يَضَعَ يَدَه على فِيه عند الخامِسَةِ، وقال: «إنّها مُوجِبَةٌ»، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جل ذِكرُه الشّهاداتِ أرْبَعًا، ثُمّ فَصَلَ بَيْنَهُنّ باللَّعْنَةِ في الرّجُلِ، والغَضَبِ في المرْأةِ، دَلَّ على حالِ افْتِراقِ اللِّعانِ والشّهاداتِ، وأنّ اللَّعْنَةَ والغَضَبَ بعد الشّهادَةِ مُوجِبانِ على مَنْ أوجِبا عليه بأن يَجْتَرِئ على القَوْلِ والفِعْلِ، ثُمّ على الشّهادَةِ بالله باطِلًا، ثُمّ يَزِيدُ فيَجْتَرِئ على أن يَلْتَعِنَ وعلى أن يَدْعُوَ بلَعْنَةِ الله، فيَنْبَغِي للإمامِ إذا عَرَفَ مِنْ ذلِكَ ما جَهِلا أن يَقِفَهُما نَظَرًا لهما بدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

стр. 1337

(٢٦٥) باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة، ونفي الولد، وحد المرأة من كتابين جديد وقديم (١) (٢٥٥٨) قال الشافعي: وإذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشّهادَةَ والالْتِعانَ .. فقد زال فِراشُ امْرأتِه، ولا تَحِلُّ له أبَدًا بحَالٍ، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَه، الْتَعَنَتْ أو لم تَلْتَعِنْ، وإنّما قُلْتُ هذا؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا سَبيلَ لك عليها»، ولم يَقُلْ: «حتّى تُكَذِّبَ نَفْسَك»، وقال الله ﵎ في المطلقة ثلاثًا: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولمّا قال النبي ﷺ : «الوَلَدُ للفِراشِ»، وكانَتْ فِراشًا .. لم يَجُزْ أن يَنْفِيَ الوَلَدَ عن الفِراشِ إلّا بأن يَزُولَ الفِراشُ، وكان مَعْقُولًا في حُكْمِ رسولِ الله ﷺ إذْ ألْحَقَ الوَلَدَ بأمِّه أنّه نَفاه عن أبِيه، وأنّ نَفْيَه عنه بيَمِينِه والْتِعانِه، لا بيَمِينِ المرْأةِ على تَكْذِيبِه بنَفْيِه، ومَعْقُولٌ في إجْماعِ المسْلِمِين أنّ الزَّوْجَ إذا أكْذَبَ نَفْسَه لَحِقَ به الوَلَدُ وجُلِدَ الحَدَّ .. أن لا مَعْنَى للْمَرْأة في نَفْيِه، وأنّ المعْنَى للزَّوْجِ بما وَصَفْتُ مِنْ نَفْيِه، وكيف يَكُونُ لها مَعْنًى في يَمِينِ الزَّوْجِ ونَفْيِ الوَلَدِ وإلْحاقِه، والوَلَدُ بكُلِّ حالٍ وَلَدُها، لا يُنْفَى عنها، إنّما عنه يُنْفَى وإليه يُنْسَبُ، والدَّلِيلُ على ذلك ما لم يَخْتَلِفْ فيه أهْلُ العِلْمِ (٢) مِنْ أنّ الأمَّ لو قالَتْ: «لَيْسَ هو مِنك، إنّما اسْتَعَرْتُه» .. لم يَكُنْ قَوْلُها شَيئًا إذا عُرِفَ أنّها وَلَدَتْه على فِراشِه إلّا بلِعانٍ؛

стр. 1338

لأنّ ذلك حَقٌّ للوَلَدِ دُون الأمِّ، وكذلك لو قال: «هو ابْنِي»، وقالَتْ: «بل زَنَيْتُ، فهو مِنْ زِنًا» .. كان ابْنَه، أفلا تَرَى أنّ حُكْمَ الزَّوْجِ في النَّفْيِ والإثْباتِ إليه دُون أمِّه، فكذلك نَفْيُه بالْتِعانِه إليه دُون أمِّه (١). (٢٥٥٩) وقال بعض الناس: إذا الْتَعَنَ ثُمّ قالَتْ: «صَدَقَ؛ إنّي زَنَيْتُ» .. فالوَلَدُ لاحِقٌ، ولا حَدَّ عَلَيْها ولا لِعانَ، وكذلِكَ إنْ كانَتْ مَحْدُودَةً، فدَخَلَ عليه أن لو كان فاسِقًا قَذَفَ عَفِيفَةً مُسْلِمَةً والْتَعَنا نُفِيَ الوَلَدُ، وهي عند المسْلِمِين أصْدَقُ منه، وإنْ كانَتْ فاسِقَةً فصَدَّقَتْه لم يُنْفَ الوَلَدُ، فجَعَلَ وَلَدَ العَفِيفَةِ لا أبَ له، وألْزَمَها عارَهُ، ووَلَدَ الفاسِقَةِ له أبٌ لا يُنْفَى عنه. (٢٥٦٠) قال: وأيُّهما مات قبل أن يُكَمِّلَ الزَّوْجُ اللِّعانَ وَرِثَ صاحِبَه، والوَلَدُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ حتّى يُكَمِّلَ ذلك كُلَّه، فإن امْتَنَع أن يُكَمِّلَ اللِّعانَ حُدَّ لها، فإن طَلَبَتِ الحَدَّ الذي قَذَفَها به لم يُحَدَّ؛ لأنّه قَذْفٌ واحدٌ حُدَّ فيه مَرَّةً، والوَلَدُ للفِراشِ، فلا يُنْفَى إلّا على ما نَفَى به رسولُ الله ﷺ ، وذلك أنّ العَجْلانيَّ قَذَفَ امْرَأتَه ونَفَى حَمْلَها لمّا اسْتَبانَه، فنَفاهُ عنه باللِّعانِ. (٢٥٦١) قال: ولو أكْمَلَ اللِّعانَ، وامْتَنَعَتْ مِنْ اللِّعانِ، وهي مَرِيضَةٌ أو في بَرْدٍ أو حَرٍّ، فكانَتْ ثَيِّبًا .. رُجِمَتْ، وإنْ كانَتْ بِكْرًا .. لم تُحَدَّ حتّى تَصِحَّ ويَنْقَضِيَ الحَرُّ أو البَرْدُ، ثُمّ تُحَدُّ؛ لقول الله ﵎: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ الآية [النور: ٨]، و «العذابُ»: الحدُّ، فلا يُدْرَأ عنها إلّا باللِّعانِ (٢).

стр. 1339

(٢٥٦٢) وزعم بعض الناس (١): لا يُلاعِنُ بحَمْلٍ، لَعَلَّه رِيحٌ، فقيل له: أرَأيْتَ لو أحاطَ العِلْمُ بأن ليس حَمْلٌ أما يُلاعِنُ بالقَذْفِ؟ قال: بلى، قيل: فلِمَ لا يُلاعِنُ مَكانَه؟ (٢٥٦٣) وزعم لو جامَعَها وهو يَعْلَمُ بحَمْلِها، فلمّا وَضَعَتْ تَرَكَها تِسْعًا وثلاثين لَيْلَةً وهي في الدَّمِ معه في مَنْزِلِه، ثُمّ نَفَى الوَلَدَ، أنّ ذلك له، فيَتْرُكُ ما حَكَمَ به رسولُ الله ﷺ بين العَجْلانيِّ وامْرَأتِه وهي حامِلٌ مِنْ اللِّعانِ ونَفْيِ الوَلَدِ عنه كما قُلْنا، ولو لم يَكُنْ ما قُلْنا سُنَّةً كان قد يَجْعَلُ السُّكاتَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ في مَعْنَى الإقْرارِ، فزَعَمَ في الشُّفْعَةِ إذا عَلِمَ فسَكَتَ فهو إقْرارٌ بالتَّسْلِيمِ، وفي العَبْدِ يَشْتَرِيه إذا اسْتَخْدَمَه رِضًا بالعَيْبِ ولم يَتَكَلَّم (٢)، فحَيْثُ شاء جَعَلَه رِضًا، ثُمّ جاء إلى أشْبَهَ بالرِّضا والإقْرارِ فلم يَجْعَلْه رِضًا، وجَعَلَ صَمْتَه عن إنْكارِه أرْبَعِين لَيْلَةً كالإقرارِ، وأباه في تِسْعٍ وثَلاثِينَ، فما الفَرْقُ بين الصَّمْتَيْنِ؟ (٢٥٦٤) وزَعَمَ أنّه اسْتَدَلَّ بأنّ اللهَ جل ذكره لمّا أوْجَبَ على الزَّوْجِ الشَّهادَةَ فيَخْرُجَ بها مِنْ الحَدِّ، فإذا لم يَخْرُجْ مِنْ مَعْنَى القاذِفِ لَزِمَه الحَدُّ، قيل له: وكذلك كُلُّ مَنْ أحْلَفْتَه ليَخْرُجَ مِنْ شَيْءٍ، وكذلك قُلْتَ: إن نكَلَ عن مالٍ أو غَصْبٍ أو جُرْحِ عَمْدٍ حَكَمْتَ عليه بذلك كُلِّه؟ قال: نعم، قلت: فلِمَ

стр. 1340

لم تَقُلْ في المرْأةِ: إنّك تُحَلِّفُها لتَخْرُجَ مِنْ الحدِّ، وقد ذَكَرَ الله ﵎ أنّها تَدْرَأ بذلك عن نَفْسِها العَذابَ، فإذا لم تَخْرُجْ مِنْ ذلك فلِمَ لا تُوجِبُ عليها الحدَّ كما قُلْتَ في الزَّوْجِ وفيمَن نَكَلَ عن اليَمِينِ؟ وليس في التنزيلِ أنّ الزَّوْجَ يَدْرَأ بالشّهادَةِ حَدًّا، وفي التنزيلِ أنّ المرأةَ تَدْرَأ بالشّهادَةِ العَذابَ، وهو الحدُّ عِنْدَنا وعِنْدَك، وهو المعْقُولُ والقِياسُ؟ وقلت له: لو قالَتْ لك: لِمَ حَبَسْتَنِي وأنْتَ لا تَحْبِسُ إلّا بحَقٍّ؟ قال: أقول: حَبَسْتُكِ لتَحْلِفِي فتَخْرُجِي به مِنْ الحدِّ، قالت: فإذا لم أفْعَلْ فأقِم عليَّ الحدَّ؟ قال: لا، قالت: فالحبْسُ حَدٌّ؟ قال: لا، قالت: فالحبْسُ ظُلْمٌ، لا أنْتَ أقَمْتَ عليَّ الحدَّ (١)، ولا مَنَعْتَ عنّي حَبْسًا، ولن تَجِدَ حَبْسِي في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ على أحَدِها، فإن قلت: العَذابُ الحبْسُ .. فهذا خَطَأٌ، فكَمْ ذلك؟ يومٌ أم حتّى تَمُوتَ؟ وقد قال الله ﵎: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]، أفَتَراه عَنَى الحدَّ أم الحبْسَ؟ قال: بل الحدَّ، وما السِّجْنُ بحَدٍّ، والعذابُ في الزنا: الحدُودُ، ولكنّ السِّجْنَ قد يَلْزَمُه اسْمُ عَذابٍ، قلت: والسَّفَرُ والدَّهْقُ والتَّعْلِيقُ كُلُّ ذلك يَلْزَمُه اسمُ عَذابٍ (٢). (٢٥٦٥) قال الشافعي: والذين يُخالفُونا في أن لا يَجْتَمِعان أبَدًا، رَوَوْا فيه عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابنِ مَسْعُودٍ: «لا (٣) يَجْتَمِعُ المتلاعنان أبَدًا»، فرَجَعَ بَعْضُهم إلى ما قُلْنا، وأبَى بَعْضُهم.

стр. 1341

(٢٦٦) باب ما يكون قَذْفًا، وما لا يكون قَذْفًا ونفي الولد بلا قذف، وقذف ابن الملاعنة، وغير ذلك (٢٥٦٦) قال الشافعي: ولو وَلَدَتِ امْرَأتُه وَلَدًا، فقال: «ليْسَ بابْنِي» .. فلا حَدَّ ولا لِعانَ حتّى يَقِفَه، فإن قال: لم أقْذِفْها ولم تَلِدْه، أو: وَلَدَتْه مِنْ زَوْجٍ قَبْلي، وقد عُرِفَ نِكاحُها قَبْلَه .. فلا يَلْحَقُه إلّا بأرْبَعِ نِسْوَةٍ يَشْهَدْن أنّها وَلَدَتْه وهي زَوْجَةٌ له لوَقْتٍ يُمْكِنُ أنْ تَلِدَ منه فيه لأقَلِّ الحمْلِ (١)، وإن سَألَتْ يَمِينَه أحْلَفْناه وبَرِئَ، وإن نَكَلَ أحْلَفْناها ولَحِقَه، وإن لم تَحْلِفْ لم يَلْحَقْه. (٢٥٦٧) وقال في كتاب الطلاق من «أحكام القرآن»: ولو قال لها: «ما هذا الحمْلُ مِنِّي، ولَيْسَتْ بزانيةٍ، ولم أصِبْها» .. قيل: قد تُخْطِئُ فلا يَكُونُ حمْلًا، فتَكُونُ صادِقًا، وهي غَيْرُ زانيةٍ، فلا حَدَّ ولا لِعانَ، فمَتى اسْتَيْقَنّا أنّه حَمْلٌ .. قُلْنا: قد يَحْتَمِلُ أن تَأخُذَ نُطْفَتَك فتَسْتَدْخِلَها فتَحْمِلَ مِنْك فتَكُونَ صادِقًا بأنَّك لم تُصِبْها، وهي صادِقَةٌ أنّه وَلَدُك، وإن قَذَفْتَ لاعَنْتَ، ولو نَفَى وَلَدَها وقال: «لا ألاعِنُها ولا أقْذِفُها (٢)» .. لم يُلاعِنْها ولَزِمَه الوَلَدُ، وإن قَذَفَها لاعَنَها؛ لأنّه إذا لاعَنَها بغَيْرِ قَذْفٍ فإنّما يَدَّعِي أنّها لم تَلِدْه، وقد حَكَتْ أنّها وَلَدَتْه (٣)، وإنّما أوْجَبَ اللهُ اللِّعانَ بالقَذْفِ، فلا يَجِبُ بغَيْرِه.

стр. 1342

قال المزني: قد أثْبَتَ الحمْلَ ههنا، ولم يُثْبِتْه في المطلَّقةِ (١). (٢٥٦٨) ولو قال: «لم تَزْنِ به، ولكنّها غُصِبَتْ» .. لم يُنْفَ عنه إلّا بلِعانٍ، فإذا الْتَعَنَ وَقَعَت الفُرْقَةُ. (٢٥٦٩) ولو قال لابْنِ مُلاعَنَةٍ: «لسْتَ بابْنِ فُلانٍ» .. أُحْلِفَ ما أراد قَذْفَ أمِّه، ولا حَدَّ، وإنْ أراد قَذْفَ أمِّه حَدَدْناه، ولو قال ذلك بعد أن يُقِرَّ به الّذِي نَفَاهُ .. حُدَّ إن كانَتْ أمُّه حُرَّةً إن طَلَبَت الحَدَّ، والتَّعْزيرُ إن كانَتْ نَصْرانِيَّةً أو أمَةً. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قال في الرّجُلِ يَقُولُ لابْنِه: «لَسْتَ بابْنِي»: إنّه لَيْسَ بقاذِفٍ لأمِّه حتّى يُسْألَ (٣)؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَعْزِيَه إلى حَلالٍ (٤)، وهذا بقَوْلِه أشْبَهُ (٥). (٢٥٧٠) قال الشافعي: وإذا نَفَيْنا عنه وَلَدَه باللِّعانِ، ثُمّ جاءَتْ بَعْدَه بوَلَدٍ لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ أو أكْثَرَ ما يَلْزَمُه به نَسَبُ وَلَدِ المبْتُوتَةِ .. فهو وَلَدُه، إلّا أن يَنْفِيَه بلِعانٍ.

стр. 1343

(٢٥٧١) قال: وإذا وَلَدَتْ وَلَدَيْن في بَطْنٍ، فأقَرَّ بأحَدِهِما، ونَفَى الآخَرَ .. فهما ابْناهُ، لا (١) يَكُونُ حَمْلٌ واحِدٌ بوَلَدَيْن إلّا مِنْ واحِدٍ، وإنْ كان نَفْيُه بقَذْفٍ لأمِّه فعليه لها الحدُّ، ولو مات أحَدُهما ثُمّ الْتَعَنَ، نُفِي عنه الحيُّ والميِّتُ. (٢٥٧٢) ولو نَفَى وَلَدَها باللِّعانِ، ثُمّ وَلَدَتْ آخَرَ بَعْدَه بيَوْمٍ فأقَرَّ به .. لَزِماه جميعًا؛ لأنّه حمْلٌ واحدٌ، وحُدَّ لها إنْ كان قَذَفَها، ولو لم يَنْفِه وُقِفَ، فإن نَفاهُ وقال: الْتِعاني الأوَّلُ يَكْفِيني؛ لأنّه حمْلٌ واحدٌ، لم يَكُنْ ذلك له حتّى يَلْتَعِنَ مِنْ الآخَرِ. (٢٥٧٣) وقال بعض الناس: لو مات أحَدُهما قبل اللِّعانِ لاعَنَ ولَزِمَه الولدان، وهما عندنا وعنده حمْلٌ واحدٌ، فكَيْفَ يُلاعِنُ ويَلْزَمُه الوَلَدَان (٢)؟ قال: مِنْ قِبَلِ أنّه وَرِثَ الميِّتَ، قلت له: ومَن زَعَمَ أنّه يَرِثُه؟ (٢٥٧٤) وقال أيضًا: لو نَفاه باللِّعانِ وماتَ الوَلَدُ فادَّعاه الأبُ .. ضُرِبَ الحدَّ، ولم يَثْبُت النَّسَبُ، ولم يَرِثْه الأبُ، فإنْ كان الميِّتُ المنْفِيُّ تَرَكَ وَلَدًا .. حُدَّ أبُوه، وثَبَتَ نَسَبُه منه، ووَرِثَه، قال الشافعي: ولا فَرْقَ بَيْنَه، تَرَكَ وَلَدًا أو لم يَتْرُكْ؛ لأنّ هذا الوَلَدَ المنْفِيَّ إذا مات مَنْفِيَّ النَّسَبِ ثُمّ أقَرَّ به لم يَعُدْ إلى النَّسَبِ؛ لأنّه فارَقَ الحياةَ بحالٍ، فلا يَنْتَقِلُ عنها، فكذلك ابْنُ المنْفِيِّ (٣) في مَعْنَى المنْفِيِّ، وهو لا يَكُونُ ابْنًا بنَفْسِه، فكيف يَكُونُ ابْنَه بالوَلَدِ المنْفِيِّ الذي قد انْقَطَعَ نَسَبُ الحيِّ منه، والذي يَنْقَطِعُ به نَسَبُ الحيِّ يَنْقَطِعُ به نَسَبُ الميِّتِ (٤)؛ لأنَّ حُكْمَهُما واحدٌ، ولو قُتِلَ واقْتُسِمَتْ دِيَتُه ثُمّ

стр. 1344

أقَرَّ به لَحِقَه وأخَذَ حِصَّتَه مِنْ دِيَتِه ومالِه؛ لأنّ أصْلَ أمْرِه أنّ نَسَبَه ثابِتٌ، وإنّما هو مَنْفِيٌّ ما كان أبُوه مُلاعِنًا مُقِيمًا على نَفْيِه. قال المزني: ومِثْلُ قولِ الشّافِعِيِّ أنّ الوَلَدَ مَنْفِيٌّ ما دام [الوَالِدُ] مُقِيمًا على نَفْيِه: حَديثُ ماعِزِ بنِ مالكٍ أنّه أقَرَّ بالزِّنا، فأمَرَ النبيُّ ﷺ برَجْمِه، فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ أنّه هَرَبَ، فقال النبيُّ ﷺ : «هلا تَرَكْتُمُوه؟»، أي: لَعَلَّه كان يَرْجِعُ فيَزُولَ عنه الرَّجْمُ؛ لأنّ الحدَّ عليه ما دام مُقِيمًا على ذلك، ومِثْلُه المرْتَدُّ حَرامُ الدَّمِ قَبْل ارْتِدادِه، فحَلَّ دَمُه ما دام مُقِيمًا على ارْتِدادِه، فإذا رَجَعَ إلى الإسلامِ زال عنه حُكْمُ القَتْلِ ورَجَعَ إلى تحريمِ الدَّمِ، كذلك الوَلَدُ ثابِتُ النَّسَبِ، يُنْفَى عنه باللِّعانِ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا ما دام الرَّجُلُ مُقِيمًا على نَفْيِه، فإذا رَجَعَ فعليه الحدُّ، والنَّسَبُ راجِعٌ إلى الثُّبُوتِ كما كان ثابِتًا قَبْلَ النَّفْيِ واللِّعانِ، قال المزني: هذان الحديثانِ سُنَّتانِ على قَوْلِ الشافعيِّ (١). (٢٥٧٥) قال [الشافعي (٢): ولو قال لامْرأتِه: «يا زانيةُ»، فقالَتْ: «زَنَيْتُ بكَ»، وطَلَبا جميعًا ما لهما .. سألْناها، فإن قالَتْ: عَنَيْتُ أنّه أصابَنِي وهو زَوْجِي .. حَلَفَتْ ولا شَيْءَ عليها، ويَلْتَعِنُ أو يُحَدُّ، وإن قالَتْ: زَنَيْتُ به قبل يَنْكِحُنِي .. فهي قاذِفَةٌ له، وعليها الحَدُّ، ولا شَيْءَ عليه؛ لأنّها مُقِرَّةٌ له بالزِّنا، ولو كانَتْ قالَتْ له: «بل أنْتَ أزْنَى مِنِّي» .. فلا شَيْءَ عليها؛ لأنّه ليس بقَذْفٍ إذا لم تُرِدْ به قَذْفًا، وعليه الحدُّ أو اللِّعانُ. (٢٥٧٦) ولو قال لها: «أنْتِ أزْنَى مِنْ فلانَةَ»، أو: «أزْنَى النّاسِ» .. لم يَكُنْ هذا قَذْفًا إلّا أن يُرِيدَ به قَذْفًا.

стр. 1345

(٢٥٧٧) ولو قال لها: «يا زانِ (١)» .. كان قَذْفًا، وهذا تَرْخِيمٌ؛ كما يُقالُ لمالِكٍ: «يا مالِ»، ولحارِثٍ: «يا حارِ»، ولو قالَتْ: «يا زانية» .. أكْمَلَت القَذْفَ وزادَتْه حَرْفًا أو اثْنَيْن. (٢٥٧٨) وقال بعض الناس: إذا قال لها: «يا زانِ» .. لاعَنَ أو حُدَّ؛ لأن الله جلَّ ذِكرُه يقولُ: ﴿قال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠]، قال: ولو قالت له: «يا زانية» .. لم تُحَدَّ، قال الشافعي: وهذا جَهْلٌ بلِسانِ العَرَبِ، إذا تَقَدَّمَ فِعْلُ الجماعَةِ مِنْ النِّساءِ كان الفِعْلُ مُذَكَّرًا، مِثْلُ: «قال نِسْوَةٌ» و «خَرَجَ نِسْوَةٌ»، وإذا كانَتْ واحدةً فالفعلُ مُؤنَّثٌ، مثل: «قالَتْ» و «خرجَتْ» و «جلسَتْ». (٢٥٧٩) وقائل هذا القول يقول: لو قال لرجل: «زَنَأْتَ في الجبَلِ» .. حُدَّ له، وإنْ كان مَعْرُوفًا عند العَرَبِ أنّه: صَعِدْتُ في الجبلِ (٢)، قال الشافعي: يَحْلِفُ ما أراد إلّا التَّرَقِّيَ في الجبَلِ ولا حَدَّ، فإن لم يَحْلِفْ حُدَّ إذا حَلَفَ المقْذُوفُ: لقد أراد القَذْفَ.

стр. 1346

(٢٥٨٠) ولو قال لامْرأتِه: «زَنَيْتِ وأنْتِ صغيرةٌ»، أو قال: «وأنْتِ نَصْرانِيَّةٌ أو أمَةٌ»، وقد كانَتْ نَصْرانِيَّةً أو أمَةً، أو قال: «مُسْتكْرَهَة»، أو قال: «زَنَى بكِ صَبِيٌّ» لا يُجامِعُ مِثْلُه .. لم يَكُنْ عليه حَدٌّ، ويُعَزَّرُ للأذَى، إلّا أن يَلْتَعِنَ (١). (٢٥٨١) ولو قال: «زَنَيْتِ قبل أن أتَزَوَّجَكِ» .. حُدَّ ولا لِعانَ؛ لأنّي أنْظُرُ إلى يَوْمَ تَكَلَّم به ويَوْمَ يُوقِعُه. (٢٥٨٢) ولو قَذَفَها، ثُمّ تَزَوَّجَها، ثُمّ قَذَفَها، فلاعَنَها، وطَلَبَتْه بحَدِّ القَذْفِ قبل النِّكاحِ .. حُدَّ لها، ولو لم يَلْتَعِنْ حتّى حَدَّه الإمامُ بالقَذْفِ الأوَّلِ، ثُمّ طَلَبَتْه بالقَذْفِ بعد النكاحِ .. لاعَنَ أو حُدَّ، ولو كانَتْ طَلَبَتْه بهما مَعًا، حُدَّ بالأوَّلِ، وعُرِضَ عليه اللِّعانُ بالآخِرِ، فإنْ أبَى حُدَّ أيضًا؛ لأنّ حُكْمَه قاذِفًا غَيْرَ زَوْجِه الحَدُّ، وحُكْمَه قاذِفًا زَوْجَه الحدُّ أو اللِّعانُ. (٢٥٨٣) ولو قال لها: «يا زانية»، فقالَتْ: «بل أنْتَ زانٍ» .. لاعَنَها، وحُدَّتْ له، وقال بعض الناس: لا حَدَّ ولا لِعانَ، فأبْطَلَ الحُكْمَيْن جميعًا، وكانَتْ حُجَّتُه أن قال: أسْتَقْبِحُ أن ألاعِنَ بَيْنَهما ثُمّ أحُدَّها، وما قَبَّح منه فأقْبَحُ منه تَعْطِيلُ حُكْمِ الله عليهما. (٢٥٨٤) قال الشافعي: ولو قَذَفَها وأجْنَبِيَّةً بكَلِمَةٍ واحدةٍ .. لاعَنَ، وحُدَّ للأجْنَبِيَّةِ. (٢٥٨٥) ولو قَذَفَ أرْبَعَ نِسْوَةٍ له بكَلِمَةٍ واحدَةٍ .. لاعَنَ كُلَّ واحدةٍ، وإنْ تَشاحَحْنَ أيَّتُهُنّ تَبْدَأ .. أقْرِعَ بَيْنَهُنّ، وأيَّتُهُنّ بَدَأ الإمامُ بها رَجَوْتُ أن لا يَأثَمَ؛ لأنّه لا يُمْكِنُه إلّا واحِدًا واحِدًا.

стр. 1347

قال المزني: قد قال في «الحدود» [ف: ٣٢٣١]: «ولو قَذَفَ جماعةً كان لكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ»، فكذلك لو لم يَلْتَعِنْ كان لكُلِّ امْرأةٍ حَدٌّ في قِياسِ قَوْلِه (١). (٢٥٨٦) قال الشافعي: ولو أقَرَّ أنَّه أصابَها في الطُّهْرِ الذي رَماها فيه .. فله أن يُلاعِنَ، والوَلَدُ لها، وذَكَرَ أنّه قَوْلُ عطاءٍ، قال: وذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلى العلم أنّه إنّما يُنْفَى الوَلَدُ إذا قال: اسْتَبْرأها (٢)، كأنّه ذَهَبَ إلى أنّ نَفْيَ وَلَدِ العَجْلانيِّ إذْ قال: «لم أقْرَبْها منذ كذا وكذا»، قيل: فالعَجْلانيُّ سَمَّى الذي رَأى بعَيْنِه يَزْنِي، وذَكَرَ أنّه لم يُصِبْها مُنْذُ أشْهُرٍ، ورَأى النبيُّ ﷺ عَلامَةً تُثْبِتُ (٣) صِدْقَ الزَّوْجِ في الوَلَدِ، فلا يُلاعِنُ يَنْفي (٤) عنه الوَلَدَ إذًا إلّا باجْتِماعِ هذه الوُجُوه. (٢٥٨٧) فإن قيل: فما حُجَّتُكَ في أنّه يُلاعِنُ ويَنْفِي الوَلَدَ وإن لم يَدَّعِ الاسْتِبْراءَ؟ .. قلت: قال الله : ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية [النور: ٤]، فكانَت الآيَةُ على كُلِّ رامٍ لمحْصَنَةٍ، قال الرّامِي لها: «رأيْتُها تَزْنِي» أو لم يَقُلْ: «رَأيْتُها تَزْنِي»، فإنّه يَلْزَمُه اسْمُ الرَّمْيِ، وقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]، فكَانَ الزَّوْجُ رامِيًا، قال: «رأيْتُ» أو: «عَلِمْتُ» بغَيْرِ رُؤيَةٍ، وقد يَكُونُ الاسْتِبْراءُ وتَلِدُ منه، فلا مَعْنَى له ما كان الفِراشُ قائِمًا. (٢٥٨٨) قال: ولو زَنَتْ بعد القَذْفِ، أو (٥) وُطِئَتْ وَطْئًا حرامًا .. فلا حَدَّ عليه ولا لِعانَ إلّا أن يَنْفِيَ وَلَدًا فيَلْتَعِنَ؛ لأنّ زِناها دَليلٌ على صِدْقِه.

стр. 1348

قال المزني: كيف يَكُونُ دَليلًا على صِدْقِه والوَقْتُ الذي رَماها فيه كانَتْ في الحكْمِ غَيْرَ زانيةٍ؟ وأصْلُ قَوْلِه أنّه إنّما يُنْظَرُ إلى حال مَنْ تكَلَّم بالرَّمْيِ، وهي في ذلك في حُكْمِ مَنْ لم تَزْنِ قَطُّ (١). (٢٥٨٩) قال الشافعي: ولو لاعَنَها ثُمّ قَذَفَها .. فلا حَدَّ لها؛ كما لو حُدَّ لها ثُمّ قَذَفَها لم يُحَدَّ ثانيةً، ويُنْهَى، فإنْ عاد عُزِّرَ. (٢٥٩٠) ولو قَذَفَها برَجُلٍ بعَيْنِه، وطَلَبا الحَدَّ (٢) .. فإن الْتَعَنَ فلا حَدَّ له، إذا بَطَلَ الحَدُّ لها بَطَلَ الحَدُّ له (٣)، وإن لم يَلْتَعِنْ حُدَّ لهما أو لأيِّهما طَلَبَ؛ لأنّه قَذْفٌ واحدٌ، فحُكْمُه حُكْمُ الحَدِّ الواحدِ إذا كان لِعانٌ أو حَدٌّ واحدٌ، رَمَى العَجْلانيُّ امْرَأتَه برَجُلٍ سَمّاه، وهو ابنُ السَّحْماء رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فلاعَنَ بينهما ولم يَحُدَّ له، ولو قَذَفَها غيرُ الزَّوْجِ حُدَّ؛ لأنّها لو كانَتْ حين لَزِمَها الحكْمُ بالفُرْقَةِ ونَفْيِ الوَلَدِ زانيةً حُدَّتْ ولَزِمَها اسْمُ الزِّنا، ولكنَّ حُكْمَ الله ثُمّ حُكْمَ رَسُولِه فيهما هكذا. (٢٥٩١) ولو شَهِدَ عليه أنّه قَذَفَها .. حُبِسَ حتّى يُعَدَّلُوا (٤). (٢٥٩٢) ولا يُكْفَلُ رَجُلٌ في حَدٍّ ولا لِعانٍ، ولا يُحْبَسُ بواحدٍ. قال المزني: هذا دليلٌ على إثْباتِ كَفالةِ الوَجْهِ في غَيْرِ الحدِّ (٥).

стр. 1349

(٢٥٩٣) قال الشافعي: ولو قال: «زَنَى فَرْجُكِ»، أو: «يَدُكِ»، أو: «رِجْلُكِ» .. فهو قَذْفٌ، وكُلُّ ما قالَه فكان يُشْبِهُ القَذْفَ إذا احْتَمَل غَيْرَه لم يَكُنْ قَذْفًا، أتَى رَجُلٌ مِنْ فَزارَةَ النبيَّ ﷺ فقال: «إنّ امْرَأتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْودَ»، فلم يَجْعَلْه النبي ﷺ قَذْفًا، قال الله: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فكان خلافًا للتَّصْرِيحِ (١). (٢٥٩٤) ولا يَكُونُ اللِّعانُ إلّا عند سُلطانٍ، أو عُدُولٍ يَبْعَثُهم السلطانُ.

стр. 1350

(٢٦٧) باب الشهادة في اللعان (٢٥٩٥) قال الشافعي: إذا جاء زَوْجٌ وثلاثةٌ يَشْهَدُون على امْرأتِه معًا بالزِّنا .. لاعَنَ الزَّوْجُ، فإن لم يَلْتَعِنْ حُدَّ؛ لأنّ حُكْمَ الزَّوْجِ غيرُ حُكْمِ الشُّهودِ؛ لأنّ الشُّهودَ لا يُلاعِنُون، ويَكُونُون عند أكْثَرِ العُلَماءِ قَذَفَةً يُحَدُّون إذا لم يُتِمُّوا أرْبَعَةً، وإذا زَعَمَ الزَّوْجُ أنّه رآها تَزْنِي فبَيِّنٌ أنّها قد وَتَرَتْه في نَفْسِه (١) بأعْظَمَ مِنْ أن تَأخُذَ كَثِيرَ مالِه أو تَشْتُمَ عِرْضَه أو تَنالَه بشَدِيدٍ مِنْ الضَّرْبِ بما يَبْقَى عليه مِنْ العارِ في نَفْسِه بزِناها تَحْتَه وعلى وَلَدِه، فلا عَداوَةَ تَصِيرُ إليها فيما بينها وبينه تكادُ تَبْلُغُ هذا، ونحنُ لا نُجِيزُ شَهادَةَ عَدُوٍّ على عَدُوِّه. (٢٥٩٦) ولو قَذَفَها وانْتَفَى مِنْ حَمْلِها، فجاء بأرْبَعَةٍ فشَهِدُوا أنّها زَنَتْ .. لم يُلاعِنْ حتّى تَلِدَ، فيَلْتَعِنُ إنْ أراد نَفْيَ الوَلَدِ، فإن لم يَلْتَعِنْ لَحِقَه الوَلَدُ، ولم تُحَدَّ حتّى تَضَعَ، ثُمّ تُحَدُّ. (٢٥٩٧) ولو جاء بشاهِدَيْن على إقْرارِها بالزِّنا .. لم يُلاعِنْ ولم يُحَدَّ، ولا حَدَّ عليها. (٢٥٩٨) ولو قَذَفَها وقال: أنْتِ أمَةٌ أو مُشْرِكَةٌ .. فعليها البَيِّنَةُ أنّها يَوْمَ قَذَفَها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ؛ لأنّها مُدَّعِيَةٌ الحدَّ، وعليه اليَمِينُ، ويُعَزَّرُ إن لم يَلْتَعِنْ، ولو كانَتْ مُسْلِمَةً حُرَّةً فادَّعَى أنّها مُرْتَدَّةٌ .. فعليه البَيِّنَةُ (٢).

стр. 1351

(٢٥٩٩) ولو ادَّعَى أنّ له البَيِّنَةَ على إقْرارِها بالزِّنا، وسَأل الأجَلَ .. لم أؤجِّلْه إلّا يَوْمًا أو يَوْمَيْن، فإنْ جاء بها، وإلّا حُدَّ أو لاعَنَ. (٢٦٠٠) ولو أقامَت البَيِّنَةَ أنّه قَذَفَها كَبِيرَةً، وأقام البَيِّنَةَ أنّه قَذَفَها صَغِيرَةً .. فهذان قَذْفانِ مُفْتَرِقانِ، ولو اجْتَمَعَ شُهُودُهما على وَقْتٍ واحدٍ .. فهي مُتَضادَّةٌ، ولا حَدَّ ولا لِعانَ. (٢٦٠١) ولو شَهِدَ عليه شاهدان أنّه قَذَفَهما وقَذَفَ امْرَأتَه .. لم تَجُزْ شهادتُهما، إلّا أن يَعْفُوَا (١) قَبْلَ أن يَشْهَدَا ويُرَى ما بينهما وبينه حَسَنًا فيَجُوزَا. (٢٦٠٢) ولو شَهِدَ أحدُهما أنّه قَذَفَها بالعَرَبِيَّةِ، والآخَرُ أنّه قَذَفَها بالفارِسِيَّةِ .. لم يَجُوزَا؛ لأنّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ الكلامَيْنِ غيرُ الآخَرِ. (٢٦٠٣) ويُقْبَلُ كِتابُ القاضِي بقَذْفِها. (٢٦٠٤) وتُقْبَلُ الوَكالَةُ في تَثْبِيتِ البَيِّنَةِ على الحدُودِ، فإذا أراد أن يُقِيمَ الحدَّ أو يَأخُذَ اللِّعانَ أحْضِرَ المأخُوذُ له (٢) الحدُّ أو اللِّعانُ، وأمّا حُدُودُ الله فتُدْرَأ بالشُّبُهات.

стр. 1352

(٢٦٨) باب الوقت في نفي الولد، ومن ليس له أن يَنفيَه، ونفي ولد الأمة من كتابَيْ لعانٍ جديدٍ وقديمٍ (٢٦٠٥) قال الشافعي: وإذا عَلِمَ الزَّوْجُ بالوَلَدِ، فأمْكَنَه الحاكِمُ أو مَنْ يَلْقاه له إمْكانًا بَيِّنًا، فتَرَكَ اللِّعانَ .. لم يَكُنْ له أن يَنْفِيَه؛ كما يَكُونُ بَيْعُ الشِّقْصِ فيه الشُّفْعَةُ، فإن تَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ في تلك المدَّةِ لم تكُن له الشُّفْعَة (١)، ولو جاز أن يَعْلَمَ بالوَلَدِ فيَكُونَ له نَفْيُه حتّى يُقِرَّ به جاز بعد أن يَكُونَ الوَلَدُ شَيْخًا وهو يَخْتَلِفُ معه اخْتِلافَ وَلَدِه، ولو قال قائل: يَكُونُ له نَفْيُه ثَلاثًا إنْ كان حاضِرًا كان مَذْهَبًا، وقد مَنَعَ اللهُ مَنْ قَضَى بعَذابِه ثلاثًا، وأنّ رسول الله ﷺ أذِنَ للمهاجِرِين بعد قَضاءِ نُسُكِه في مُقامِ ثلاثٍ بمَكَّة، وقال في القديم: إن لم يَشْهَدْ حَضْرَة ذلك في يَوْمٍ أو يَوْمَيْن لم يَكُنْ له نَفْيُه. قال المزني: لو جاز في يَوْمَيْن جاز في ثلاثةٍ، وأربعةٌ في معنى ثلاثةٍ، وقد قال لمن جَعَلَ له نَفْيَه في تِسْعٍ وثلاثِين وأباه في الأربعين: ما الفَرْقُ بين الصَّمْتَيْن؟ فقَوْلُه في أوَّل البابِ (٢) أشْبَه بمَعْناه عِندي، وبالله التوفيق (٣).

стр. 1353

(٢٦٠٦) قال الشافعي: وأيُّ مُدَّةٍ قُلْتُ له نَفْيُه فيها، فأشْهَدَ على نَفْيِه وهو مَشْغُولٌ بما يَخافُ فَوْتَه أو بمَرَضٍ لم يَقْطَع نَفْيَه. (٢٦٠٧) وإنْ كان غائبًا فبَلَغَه فأقام والمسيرُ يُمْكِنُه لم يَكُنْ له نَفْيُه، إلّا أن يُشْهِدَ أنّه على نَفْيِه ثُمّ يَقْدَمُ. (٢٦٠٨) وإن قال: لم أصَدِّقْ فالقَوْلُ قَوْلُه، وإنْ كان حاضِرًا فقال: لم أعْلَمْ فالقَوْلُ قَوْلُه. (٢٦٠٩) وإن رَآها حُبْلَى فلمّا وَلَدَتْ نَفاه .. فإن قال: لم أدْرِ لَعَلَّه ليس بحَمْلٍ .. لاعَنَ، وإن قال: قُلْتُ لَعَلَّه يَمُوتُ فأسْتُرَ عليها وعليَّ .. لَزِمَه، ولم يَكُنْ له نَفْيُه. (٢٦١٠) ولو هُنِّئَ به، فَرَدَّ خَيْرًا ولم يُقِرَّ به .. لم يَكُنْ هذا إقرارًا؛ لأنّه يُكافِئ الدعاءَ بالدعاءِ. (٢٦١١) وأمّا وَلَدُ الأمَةِ .. فإنّ سَعْدًا قال: يا رسولَ الله، ابْنُ أخِي عُتْبَةَ، قد كان عَهِدَ إليّ فيه، وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فقال رسولُ الله ﷺ : «هو لك يا عبدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفِراشِ،

стр. 1354

وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فأعْلَمَ أنّ الأمَةَ تكُونُ فِراشًا، مع الأثَرِ عن عُمَرَ (١) أنّه قال: «لا تأتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُها أن قد ألَمَّ بها إلّا ألْحَقْتُ به وَلَدَها، فأرْسِلُوهُنّ بعدُ أو أمْسِكُوهُنّ»، وإنّما أنْكَرَ عُمَرُ حمْلَ جارِيَةٍ له، فسَألَها، فأخْبَرَتْه أنّه مِنْ غَيْرِه، وأنْكَرَ زَيْدٌ حَمْلَ جاريةٍ له، وهذا إنْ حَمَلَتْ فكانَ على إحاطةٍ مِنْ أنّها لم تَحْمِلْ منه فواسِعٌ فيما بَيْنَه وبين اللهِ في امْرَأتِه الحُرَّةِ أو الأمَةِ أن يَنْفِيَ وَلَدَها (٢). (٢٦١٢) ولو قال: كُنْتُ أعْزِلُ عنها .. ألْحَقْتُ الوَلَدَ به، إلّا أن يَدَّعِيَ الاستبراءَ بعد الوَطْءِ، فيَكُونَ ذلك له، وقال بعض الناس: لو وَلَدَتْ جاريةٌ يَطَؤُها فلَيْسُوا وَلَدَه إلّا أن يُقِرَّ، وإنْ أقَرَّ بواحِدٍ ثُمّ جاءَتْ بعده بآخَرَ فله نَفْيُه؛ لأنّ إقْرارَه بالأوَّلِ لَيْسَ بإقرارٍ بالثاني، وله عنده أن يُقِرَّ بواحدٍ ويَنْفِيَ ثانيًا، وبثالثٍ ويَنْفِيَ رابعًا، ثُمّ قالوا: لو أقَرَّ بواحِدٍ ثُمّ جاءتْ بعده بوَلَدٍ فلم يَنْفِه حتّى ماتَ فهو ابْنُه، ولم يَدَّعِه قَطُّ، ثم قالوا: لو أنّ قاضِيًا زَوَّجَ امْرأةً رجلًا في مَجْلِسِ القضاءِ، ففارَقَهَا ساعَةَ مَلَكَ عُقْدَةَ نِكاحِها

стр. 1355

ثلاثًا، ثُمّ جاءَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، لَزِمَ الزَّوْجَ، قالوا (١): هذا فِراشٌ، قيل: وهل كان فِراشًا قَطُّ يُمْكِنُ فيه جماعٌ، قال الشافعي: إذا أحاط العلمُ أنّ الوَلَدَ ليس مِنْ الزَّوْجِ .. فالوَلَدُ مَنْفِيٌّ عنه بلا لِعانٍ.

стр. 1356

[٤٦] كتاب العِدَد

стр. 1357

(٢٦٩) باب عِدّة المدخول بها (١) من الجامع من كتاب العِدَد، ومن كتاب الرَّجْعة، ومن كتاب الرسالة (٢) (٢٦١٣) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال الشافعي: فالأقْراءُ عِنْدنا: الأطْهارُ - والله أعلم - بدَلالَتَيْن: أولاهما - الكتابُ الذي دَلَّتْ عليه السُّنَّةُ، والأخرى - اللِّسانُ، قال الله ﵎: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقال النبيُّ ﷺ في غَيْرِ حديثِ مالِكٍ لَمّا طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَه وهي حائضٌ: «ليَرْتَجِعْها، فإذا طَهُرَتْ فليُطَلِّقْ أو ليُمْسِكْ»، وتلا رسولُ الله ﷺ : (إذا طَلَّقْتُم النساءَ فطَلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، أو: (في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، الشافعيُّ شَكَّ، فأخْبَرَ رسولُ الله ﷺ عن الله أنَّ العِدَّةَ الأطْهارُ دُون الحِيَضِ، وقَرَأ: (فطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، وهو أن يُطَلِّقَها طاهِرًا؛ لأنّها حينئذٍ تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَها، ولو طُلِّقَتْ حائضًا لم تكُنْ مُسْتَقْبِلَةً عِدَّتَها إلّا بعد الحيْضِ، و «القُرْء»: اسْمٌ وُضِعَ لمعْنًى، فلمّا كان الحيْضُ دَمًا يُرْخِيه الرَّحِمُ فيَخْرُجُ، والطُّهْرُ دَمًا يُحْتَبَسُ فلا يَخْرُجُ .. كان مَعْرُوفًا مِنْ لِسانِ العَرَبِ أنّ القُرْءَ الحبْسُ، تَقُولُ العَرَبُ: «هو يَقْرِي الماءَ في حَوْضِه وفي سِقائِه»، وتَقُولُ: «يَقْرِي الطَّعامَ في شِدْقِه»، وقالَتْ عائشةُ: «هل تَدْرُون ما الأقْراءُ؟

стр. 1358

الأقْراءُ: الأطْهارُ»، وقالَتْ: «إذا طَعَنَت المطلَّقَةُ في الدَّمِ من الحيْضَةِ الثّالِثَةِ فقد بَرِئَتْ منه»، قال: والنِّساءُ بهذا أعلمُ، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عمر: «إذا دَخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحيْضَةِ الثالثةِ فقد بَرِئَتْ وبَرِئَ منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها»، قال الشافعي: فالأقْراءُ الأطْهارُ والله أعلم، ولا يُمْكِنُ يُطَلِّقُها (١) طاهرًا إلّا وقد مَضَى بَعْضُ الطُّهْرِ، وقد قال الله : ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]، فكان شوّالٌ وذو القعدة كامِلَيْن وبعضُ ذي الحجة، كذلك الأقراءُ طُهران كاملان وبعضُ طُهْرٍ (٢).

стр. 1359

(٢٦١٤) وليس في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ للغُسْلِ بعد الحيْضَةِ الثّالثةِ مَعْنًى تَنْقَضِي به العِدَّةُ. (٢٦١٥) قال الشافعي: ولو طَلَّقَها طاهِرًا قبل جماعٍ أو بَعْدَه، ثُمّ حاضَتْ بعده بطَرْفَةِ عَيْنٍ .. فذلك قُرْءٌ (١).

стр. 1360

(٢٦١٦) وتُصَدَّقُ على ثلاثةِ قُرُوءٍ في أقَلِّ ما يُمْكِنُ. (٢٦١٧) وأقَلُّ ما عَلِمْناه مِنْ الحيْضِ: يَوْمٌ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ [ف: ١٣٧]: «يومٌ وليلةٌ»، قال المزني: وهذا أوْلَى به؛ لأنّه زيادَةٌ في الخبَرِ والعِلْمِ، قال المزني: وقد يَحْتَمِلُ قَوْلُه يَوْمًا بلَيْلَتِه، فيكُونُ المفَسَّرُ مِنْ قَوْلِه يَقْضِي على المجْمَلِ، وهكذا أصْلُه في العِلْم (١). (٢٦١٨) قال الشافعي: وإنْ عَلِمْنا أنّ طُهْرَ امْرَأةٍ أقَلُّ مِنْ خمْسَةَ عَشَرَ، جَعَلْنا القَوْلَ فيه قَوْلَها، وكذلك تُصَدَّقُ على السِّقْطِ. (٢٦١٩) قال: ولو رَأت الدَّمَ في الثّالثةِ دُفْعَةً، ثُمّ ارْتَفَعَ يَوْمَيْن أو ثلاثةً أو أكْثَرَ .. فإن كان الوَقْتُ الذي رَأتْ فيه الدُّفْعَةَ في أيّامِ حَيْضِها ورَأتْ صُفْرَةً أو كُدْرَةً ولم تَرَ طُهْرًا حتّى تُكَمِّلَ يَوْمًا وليلةً فهو حَيْضٌ، وإنْ كان في غيرِ أيّامِ الحيْضِ فكذلك إذا أمْكَنَ أن يَكُونَ بين رُؤيَتِها والحيْضِ قَبْلَه قَدْرُ طُهْرٍ، وإن رَأت الدَّمَ أقَلَّ مِنْ يومٍ وليلةٍ لم يَكُنْ حَيْضًا. (٢٦٢٠) ولو طَبَّقَ عليها الدَّمُ .. فإن كان دَمًا يَنْفَصِلُ، فيَكُونُ في أيّامٍ أحْمَرَ قانِيًا مُحْتَدِمًا كثيرًا، وفي أيّامٍ بعده رَقيقًا قليلًا إلى الصُّفْرَةِ .. فحيْضُها

стр. 1361

أيّامُ المحْتَدِمِ الكثيرِ، وطُهْرُها أيّامُ الرَّقيقِ القَليلِ إلى الصُّفْرَةِ، وإنْ كان مُشْتَبِهًا .. كان حيْضُها بقَدْرِ أيّامِ حيْضِها فيما مَضَى قبل الاسْتِحاضَةِ، وإن ابْتُدِئَتْ مُسْتَحاضَةً أو نَسِيَتْ أيّامَ حيْضِها .. تَرَكَت الصلاةَ يَوْمًا وليلةً، واسْتَقْبَلْنا بها الحيْضَ مِنْ أوَّلِ هلالٍ يَأتِي عليها بعد وُقُوعِ الطّلاقِ (١)، فإذا أهَلَّ هلالُ الرابعِ انْقَضَتْ عِدَّتُها (٢). (٢٦٢١) ولو كانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وتَطْهُرُ يومًا ونحوَ ذلك .. جَعَلْتُ عِدَّتَها تَنْقَضِي بثلاثةِ أشْهُرٍ، وذلك المعروفُ مِنْ أمْرِ النِّساءِ أنَّهنّ يَحِضْنَ في كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فلا نَجِدُ مَعْنًى أوْلَى بعِدَّتِها مِنْ الشُّهُورِ. (٢٦٢٢) قال: ولو تَباعَدَ حَيْضُها .. فهي مِنْ أهْلِ الحيْضِ حتّى تَبْلُغَ السِّنَّ التي مَنْ بَلَغَها لم تَحِضْ بَعْدَها، فتَكُونَ مِنْ الآيِساتِ اللّاتي جَعَلَ اللهُ ﵎ عِدَّتَهُنّ ثلاثةَ أشْهُرٍ، فاسْتَقْبَلَتْ ثلاثةَ أشْهُرٍ، وقد رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ وغيرِه مثلُ هذا، وهو يُشْبِهُ ظاهرَ القرآنِ، وقال عثمانُ لعليٍّ وزيدٍ

стр. 1362

في امرأةِ حِبّانَ بنِ مُنْقِذٍ، طَلَّقَها وهو صحيحٌ وهي تُرْضِعُ، فأقامَتْ تسعةَ عَشَرَ شَهْرًا لا تَحِيضُ، ثُمّ مَرِضَ: ما تَرَيان؟ قالا: «نَرَى أنّها تَرِثُه إن ماتَ، ويَرِثُها إن ماتَتْ؛ فإنّها ليْسَتْ مِنْ القَواعِدِ اللّائي يَئِسْنَ مِنْ المحِيضِ، وليْسَتْ مِنْ الأبْكارِ اللّاتي لم يَبْلُغْنَ المحِيضَ، ثُمّ هي على عِدَّةِ حَيْضِها ما كان مِنْ قليلٍ أو كَثيرٍ»، فرَجَعَ حِبّانُ إلى أهْلِه فأخَذَ ابْنَتَه، فلمّا فَقَدَت الرَّضاعَ حاضَتْ حَيْضَتَيْن، ثُمّ تُوُفِّيَ حِبّانُ قبل الثّالثةِ، فاعْتَدَّتْ عِدَّةَ المتوفَّى عنها زَوْجُها ووَرِثَتْه، وقال عطاءٌ: «كما قال اللهُ ﵎ إذا يَئِسَتِ اعْتَدَّتْ ثلاثةَ أشْهُرٍ»، وقال الشافعي في قولِ عُمَرَ في التي رَفَعَتْها حَيْضَتُها: «تَنْتَظِرُ تسعةَ أشْهُرٍ، فإن بان بها حَمْلٌ فذلك، وإلّا اعْتَدَّتْ بعد التِّسْعَةِ ثلاثةَ أشْهُرٍ، ثُمّ حَلَّتْ»: يَحْتَمِلُ قولُه في امْرَأةٍ قد بَلَغَت السِّنَّ التي مَنْ بَلَغَها مِنْ نِسائِها يَئِسَ، فلا يَكُونُ مُخالِفًا لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ، وذلك وَجْهُه عندنا (١). (٢٦٢٣) قال الشافعي: ولو ماتَ صَبِيٌّ لا يُجامِعُ مِثْلُه، ووَضَعَت امْرَأتُه قَبْل أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ .. أكْمَلَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا؛ لأنّ الوَلَدَ ليْسَ منه، فإن مَضَتْ قَبْل أنْ تَضَعْ حَلَّتْ منه. (٢٦٢٤) وإنْ كان خَصِيًّا بَقِيَ له شَيْءٌ يَغِيبُ في الفَرْجِ، أو لم يَبْقَ له

стр. 1363

وكان والخَصِيُّ يُنْزِلان .. لَحِقَهُما الوَلَدُ واعْتَدَّتْ زَوْجَتاهما كما تَعْتَدُّ زَوْجَةُ الفَحْلِ. (٢٦٢٥) وإنْ أرادَت الخُرُوجَ كان له مَنْعُها حَيًّا ولوَرَثَتِه مَيِّتًا حتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها (١). (٢٦٢٦) وإنْ طَلَّقَ مَنْ لا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ في أوَّلِ الشَّهْرِ أو آخِرِه .. اعْتَدَّتْ شَهْرَيْن بالأهِلَّةِ، وإنْ كانا تِسْعًا وعشرين تِسْعًا وعشرين، وشَهْرًا ثلاثين ليلةً حتّى يَأتِيَ عليها تلك السّاعَةُ التي طَلَّقَها فيها مِنْ الشَّهْرِ. (٢٦٢٧) ولو حاضَت الصغيرةُ بعد انْقِضاءِ الثلاثةِ الأشهرِ .. فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، ولو حاضَتْ قَبْلَ انْقِضائِها بطَرْفَةِ عَيْنٍ .. خَرَجَتْ مِنْ اللّائي لم يَحِضْنَ، واسْتَقْبَلَت الأقْراءَ. (٢٦٢٨) قال: وأعْجَلُ مَنْ سَمِعْتُ به مِنْ النساءِ يَحِضْنَ: نساءُ تِهامَةَ، يَحِضْنَ لتِسْعِ سنين، فتَعْتَدُّ إذا حاضَتْ في هذه السِّنِّ بالأقْراءِ. (٢٦٢٩) فإن بَلَغَتْ عشرين سنةً أو أكْثَرَ لم تَحِضْ قَطُّ .. اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ. (٢٦٣٠) ولو طَرَحَتْ ما تَعْلَمُ أنّه وَلَدٌ مُضْغَةً أو غَيْرَها .. حَلَّتْ. قال المزني: وقال في كتابين: «لا تكُونُ به أمَّ وَلَدٍ حتّى يَتَبَيَّنَ فيه (٢) مِنْ خَلْقِ الإنسانِ شيءٌ»، قال المزني: وهذا أقْيَسُ عندي (٣).

стр. 1364

(٢٦٣١) قال الشافعي: ولو كانَتْ تَحِيضُ على الحمْلِ .. تَرَكَت الصَّلاةَ، واجْتَنَبَها زَوْجُها، ولم تَنْقَضِ بالحيضِ عِدَّتُها؛ لأنّها ليْسَتْ مُعْتَدَّةً به، وعِدَّتُها أن تَضَعَ حَمْلَها. (٢٦٣٢) ولا تَنْكِحُ المرْتابَةُ وإنْ أوْفَتْ عِدَّتَها (١)؛ لأنّها لا تَدْرِي ما عِدَّتُها، وإن نَكَحَتْ لم يُفْسَخْ، ووَقَفْناها (٢)، فإنْ بَرِئَتْ مِنْ الحمْلِ فهو ثابِتٌ

стр. 1365

وقد أساءَتْ، وإن وَضَعَتْ بَطَلَ النكاحُ (١). قال المزني: جَعَلَ الحامِلَ تَحِيضُ ولم يَجْعَلْ لحيْضَتِها مَعْنًى يُعْتَدُّ به (٢)؛ كما تكُونُ التي لم تَحِضْ تَعْتَدُّ بالشُّهورِ، فإنْ (٣) حَدَثَ الحيْضُ كانَت العِدَّةُ بالحيْضِ، والشُّهورُ كما كانَتْ تَمُرُّ عليها وليْسَتْ بعِدَّةٍ، فكذلك الحيْضُ يَمُرُّ عليها وليْسَتْ بعِدَّةٍ، وليْسَ كُلُّ حَيْضٍ عِدَّةً؛ كما ليْسَ كُلُّ شُهورٍ عِدَّةً. (٢٦٣٣) قال الشافعي: ولو كانَتْ حامِلًا بوَلَدَيْن، فوَضَعَت الأوَّلَ .. فله الرَّجْعَةُ، ولو ارْتَجَعَها وقد خَرَجَ بَعْضُ وَلَدِها وبَقِيَ بَعْضُه .. كانَتْ رَجْعَةً، ولا تَخْلُو حتّى يُفارِقَها كُلُّه. (٢٦٣٤) ولو أوْقَعَ الطّلاقَ، فلم يَدْرِ أقَبْلَ وِلادِها أم بَعْدَه؟ فقال: وَقَعَ بَعْدَما وَلَدَتْ فلي الرَّجْعَةُ، وكَذَّبَتْه .. فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ له،

стр. 1366

والخُلُوُّ مِنْ العِدَّةِ حَقٌّ لها، ولو لم يَدْرِ واحِدٌ منهما .. كانَت العِدَّةُ عليها؛ لأنّها وَجَبَتْ، فلا نُزِيلُها إلّا بيَقِينٍ، والوَرَعُ أن لا يَرْتَجِعَها. (٢٦٣٥) ولو طَلَّقَها فلم يُحْدِثْ لها رَجْعَةً ولا نِكاحًا حتّى وَلَدَتْ لأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سنين، فأنْكَرَه الزَّوْجُ .. فهو مَنْفِيٌّ باللِّعانِ؛ لأنّها وَلَدَتْه بعد الطَّلاقِ لِما لا تَلِدُ له النِّساءُ. قال المزني: فإذا كان الوَلَدُ عنده لا يُمْكِنُ أن تَلِدَه (١) منه، فلا مَعْنَى للِّعانِ به، ويُشْبِه أن يَكُونَ هذا غَلَطًا مِنْ غَيْرِ الشافعيِّ. وقد قال في موضع آخر [ف: ٢٣٥٤]: «لو قال لامْرَأتِه: (كُلَّما وَلَدْتِ وَلَدًا فأنْتِ طالقٌ)، فوَلَدَتْ وَلَدَيْن بينهما سَنَةٌ .. طَلَقَتْ بالأوَّلِ، وحَلَّتْ للأزْواجِ بالآخِرِ، ولم نُلْحِق به الآخِرَ؛ لأنَّ طَلاقَها وَقَعَ بوِلادِها (٢)، ثُمّ لم يُحْدِثْ لها نِكاحًا ولا رَجْعَةً، ولم يُقِرَّ به فيَلْزَمَه بإقْرارِه (٣)، وكان الوَلَدُ مُنْتَفِيًا (٤) عنه بلا لِعانٍ، وغَيْرُ ممكِنٍ أن يَكُونَ في الظّاهِرِ منه»، قال المزني: فوَضْعُها لِما لا تَلِدُ له النساءُ مِنْ ذلك أبْعَدُ، وبأن لا يَحْتاجَ إلى لِعانٍ به أحَقُّ (٥). (٢٦٣٦) قال الشافعي: ولو ادَّعَت المرْأةُ أنّه راجَعَها في العِدَّةِ، أو نكَحَها إن كانَتْ بائنًا، أو أصابَها وهي تَرَى أنّ له عليها الرَّجْعَةَ .. لم يَلْزَمْه الوَلَدُ، وكانَت اليَمِينُ عليه إنْ كان حَيًّا، وعلى وَرَثَتِه على عِلْمِهم إنْ كان مَيِّتًا.

стр. 1367

(٢٦٣٧) ولو نكَحَتْ في العِدَّةِ، فأصِيبَتْ، فوَضَعَتْ لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِنْ نِكاحِ الآخِرِ، وتَمامِ أرْبَعِ سنين مِنْ الأوَّلِ .. فهو للأوَّلِ، ولو كان لأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سنين مِنْ فِراقِ الأوَّلِ .. لم يَكُنْ ابْنَ واحِدٍ منهما؛ لأنّه لم يُمْكِنْ مِنْ واحِدٍ منهما. قال المزني: وهذا قد نَفاه بلا لِعانٍ، وهذا والذي قَبْلَه سواءٌ. (٢٦٣٨) قال الشافعي: فإن قيل: فكَيْفَ لم يَنْفِ الوَلَدَ إذا أقَرَّتْ أمُّه بانْقِضاءِ العِدَّةِ ثُمّ وَلَدَتْه لأكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ بعد إقْرارِها؟ .. قيل: لمّا أمْكَنَ أنْ تَحِيضَ وهي حامِلٌ فتُقِرَّ بانْقِضاءِ العِدَّةِ [على الظّاهِرِ والحمْلُ قائمٌ، لم تَقْطَعْ حَقَّ الوَلَدِ بإقْرارِها بانْقِضاءِ العِدَّةِ (١)، فألْزَمَناه الأبَ ما أمْكَنَ أن يَكُونَ حمْلًا منه، وكان الذي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ولا يَمْلِكُها في ذلك سواءٌ؛ لأنّ كِلْتَيْهما تَحِلّانِ بانْقِضاءِ العِدَّةِ للأزْواجِ. وقال في «باب اجتماع العدتين والقافة» [ف: ٢٦٨٣]: «إنْ جاءَتْ بوَلَدٍ لأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنين مِنْ يَوْمِ طَلَّقَها الأوَّلُ .. فإنْ كان يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ دُعِيَ له القافَةُ، وإنْ كان لا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فهو للثاني»، قال المزني: فجَمَعَ بين مَنْ لا رَجْعَةَ له عليها في «بابِ المدْخُولِ بها»، وفرَّق بينهما بأنْ تَحِلَّ في «باب اجتماع العدتين» (٢).

стр. 1368

(٢٧٠) باب لا عدة على التي لم يدخل بها زوجها (٢٦٣٩) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قال: و «المسِيسُ»: الإصابةُ، وقال ابنُ عباس وشريحٌ وغيرُهما: «لا عِدَّةَ عليها إلّا بالإصابةِ نَفْسِها؛ لأنّ اللهَ ﵎ قال هكذا»، قال الشافعي: وهذا ظاهرُ القرآنِ. (٢٦٤٠) قال: فإن وَلَدَت التي قال زَوْجُها: (لم أدْخُلْ بها) لسِتَّةِ أشْهُرٍ أو لأكْثَرِ ما يَلِدُ له النساءُ مِنْ يَوْمِ عَقَدَ نِكاحَها .. لَحِقَ نَسَبُه، وعليه المهْرُ، إذا ألْزَمْناه الوَلَدَ حَكَمْنا عليه بأنّه مُصِيبٌ ما لم تَنْكِحْ زَوْجًا غيرَه يُمْكِنُ أن يَكُونَ منه. (٢٦٤١) قال: ولو خَلا بها فقال: لم أصِبْها، وقالَتْ: قد أصابَنِي (١)، ولا وَلَدَ .. فهي مُدَّعِيَةٌ، والقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، فإنْ جاءَتْ بشاهِدٍ بإقْرارِه أحْلَفْتُها مع شاهِدِها وأعْطَيْتُها الصَّداقَ.

стр. 1369

(٢٧١) باب العدة من الموت والطلاق والزوج غائب (٢٦٤٢) قال الشافعي: وإذا عَلِمَت المرأةُ يَقِينَ مَوْتِ زَوْجِها أو طَلاقِه ببَيِّنَةٍ أو أيِّ عِلْمٍ .. اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ كان فيه الوَفاةُ أو الطلاقُ، فإن لم تَعْتَدَّ حتّى تَمْضِيَ العِدَّةُ لم يَكُنْ عليها غيرُها؛ لأنّها مُدَّةٌ قد مَرَّتْ عليها، وقد رُوِيَ عن غيرِ واحدٍ مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنّها تَعْتَدُّ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ فيه الوَفاةُ أو الطلاقُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وابنِ المسيبِ والزُّهْريِّ.

стр. 1370

(٢٧٢) باب عدة الأمة (٢٦٤٣) قال الشافعي: فَرَّقَ اللهُ تعالى بَيْنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ في حَدِّ الزِّنا، فقال في الإماءِ: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تبارك اسمه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وذَكَرَ الموارِيثَ، فلم يَخْتَلِفْ أحَدٌ لَقِيتُه أنّ ذلك في الأحْرارِ دُونَ العَبِيدِ، وفَرَضَ الله تبارك اسمه العِدَّةَ ثلاثةَ أشْهُرٍ، وفي الموْتِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وسَنَّ رسولُ الله ﷺ أنْ تَسْتَبْرِئَ الأمَةُ بحَيْضَةٍ، وكانَت العِدَّةُ في الحرائرِ اسْتِبْراءً وتَعَبُّدًا، وكانَت الحيْضَةُ في الأمَةِ اسْتِبْراءً وتَعَبُّدًا، ولم أعْلَمْ مُخالِفًا ممّن حَفِظْتُ عنه من أهلِ العِلْمِ في أنّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحرَّةِ فيما له نِصْفٌ مَعْدُودٌ، فلم يَجُزْ إذْ وَجَدْنا ما وَصَفْنا مِنْ الدَّلائلِ على الفَرْقِ فيما ذَكَرْنا وغَيْرِه إلّا أن نَجْعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفَ عِدَّةِ الحُرَّةِ فيما له نِصْفٌ، فأمّا الحيْضَةُ فلا يُعْرَفُ لها نِصْفٌ، فتكُونُ عِدَّتُها فيه أقْرَبَ الأشياءِ مِنْ النِّصْفِ إذا لم يَسْقُطْ مِنْ النصفِ شَيْءٌ، وذلك حَيْضَتان، وأمّا الحمْلُ فلا نِصْفَ له كما لم يَكُنْ للقَطْعِ نِصْفٌ، فقَطْعُ العَبْدِ والحرِّ سواءٌ (١)، وقال عمرُ: «يُطَلِّقُ العَبْدُ تَطْلِيقَتَيْن، وتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْن، فإن لم تَحِضْ فشَهْرَيْن، أو شَهْرًا ونِصْفًا» (٢).

стр. 1371

(٢٦٤٤) قال الشافعي: ولو أُعْتِقَت الأمَةُ قبل مُضِيِّ العِدَّةِ .. أكْمَلَتْ عِدَّةَ الحرَّةِ (١)؛ لأنّ العِتْقَ وَقَعَ وهي في مَعاني الأزْواجِ في عامَّةِ أمْرِها، ويَتَوارَثان في عِدَّتِها بالحرِّيَّة، ولو كانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فاخْتارَتْ فِراقَه .. كان ذلك فَسْخًا بغَيْرِ طلاقٍ، وتُكْمِلُ فيه (٢) العِدَّةَ مِنْ الطلاقِ الأوَّلِ. (٢٦٤٥) ولو أحْدَثَ لها رَجْعَةً ثُمّ طَلَّقَها ولم يُصِبْها .. بَنَتْ على العِدَّةِ الأُولَى؛ لأنّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمْسَسْ. قال المزني: هذا عندي غَلَطٌ، بل عِدَّتُها مِنْ الطّلاقِ الثّاني؛ لأنّه لمّا راجَعَها بَطَلَتْ عِدَّتُها، وصارَتْ في معناها المتقَدِّمِ بالعَقْدِ الأوَّلِ، لا بنكاحٍ مُسْتَقْبَلٍ، فهي في مَعْنَى مَنْ ابْتَدَأ طَلاقَها مَدْخُولًا بها (٣). (٢٦٤٦) قال الشافعي: ولو كان طلاقُها لا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ ثُمّ عُتِقَتْ .. ففيها قولان: أحدهما - أن تَبْنِيَ على العِدَّةِ الأُولَى، ولا خِيارَ لها، ولا تَسْتَأنِفُ عِدَّةً؛ لأنّها ليْسَتْ في مَعانِي الأزْواجِ، والثاني - أن تُكْمِلَ عِدَّةَ حُرَّةٍ. قال المزني: هذا أوْلَى بقَوْلِه، وممّا يَدُلُّكَ على ذلك: قَوْلُه في المرأةِ تَعْتَدُّ بالشُّهورِ ثُمّ تَحِيضُ أنّها تَسْتَقْبِلُ الحيْضَ، ولا يَجُوزُ أن تَكُونَ في بَعْضِ عِدَّتِها ممّن تَحِيضُ وهي تَعْتَدُّ بالشُّهورِ [ف: ٢٦٢٧]، وكذا قال: «لا يَجُوزُ أن تكُونَ في بَعْضِ عِدَّتِها حُرَّةً وهي تَعْتَدُّ عِدَّةَ أمَةٍ»، وكذا قال [ف: ٣٢٥]:

стр. 1372

«لا يَجُوزُ أن يَكُونَ في بَعْضِ صَلاتِه مُقِيمًا ويُصَلِّي صلاةَ مُسافِرٍ»، وقال: «هذا أشْبَهُ القَوْلَيْن بالقياسِ» (١). قال المزني: وما احْتَجَّ به مِنْ هذا يَقْضِي على أن لا يَجُوزَ لمَن دَخَلَ في صَوْمِ ظِهارٍ ثُمّ وَجَدَ رَقَبَةً أن يَصُومَ وهو ممّنْ يَجِدُ رَقَبَةً، ويُكَفِّرَ بالصِّيامِ [ف: ٢٤٩٩]، ولا لمَنْ دَخَلَ في الصلاةِ بالتَّيَمُّمِ أن يَكُونَ ممّن يَجِدُ الماءَ ويُصَلِّي بالتيممِ [ف: ٧٠]؛ كما قال: «لا يَجُوزُ أنْ تكُونَ في عِدَّتِها ممّن تَحِيضُ وتَعْتَدُّ بالشُّهورِ» في نَحْوِ ذلك مِنْ أقاوِيلِهِ، وقد سَوَّى الشافعيُّ في ذلك بَيْنَ ما دَخَلَ فيه المرْءُ وبَيْنَ ما لم يَدْخُلْ فيه، فجَعَلَ المسْتَقْبِلَ فيه كالمسْتَدْبِرِ. (٢٦٤٧) قال الشافعي: والطلاقُ إلى الرجالِ، والعِدَّةُ بالنساءِ، وهذا أشْبَهُ بمَعْنَى القرآنِ مع ما ذكرنا مِنْ الأثَرِ وما عليه المسلمُون فيما سِوَى هذا مِنْ أنّ الأحْكامَ بفاعِلِيها، ألا تَرَى أنّ الحُرَّ المحْصَنَ يَزْنِي بالأمَةِ فيُرْجَمُ وتُجْلَدُ الأمَةُ خمسين، والزِّنا مَعْنًى واحدٌ، فاخْتَلَفَ حُكْمُه لاخْتِلافِ حالِ فاعِلِيه، وكذلك يُحْكَمُ للحُرِّ حُكْمُ نَفْسِه في الطلاقِ ثلاثًا وإنْ كانَتِ امْرَأتُه أمَةً، وعلى الأمَةِ بعِدَّةِ أمَةٍ وإنْ كان زَوْجُها حُرًّا.
следующие страницы →