(٢٧٠)
باب لا عدة على التي لم يدخل بها زوجها
(٢٦٣٩) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قال: و «المسِيسُ»: الإصابةُ، وقال ابنُ عباس وشريحٌ وغيرُهما: «لا عِدَّةَ عليها إلّا بالإصابةِ نَفْسِها؛ لأنّ اللهَ ﵎ قال هكذا»، قال الشافعي: وهذا ظاهرُ القرآنِ.
(٢٦٤٠) قال: فإن وَلَدَت التي قال زَوْجُها: (لم أدْخُلْ بها) لسِتَّةِ أشْهُرٍ أو لأكْثَرِ ما يَلِدُ له النساءُ مِنْ يَوْمِ عَقَدَ نِكاحَها .. لَحِقَ نَسَبُه، وعليه المهْرُ، إذا ألْزَمْناه الوَلَدَ حَكَمْنا عليه بأنّه مُصِيبٌ ما لم تَنْكِحْ زَوْجًا غيرَه يُمْكِنُ أن يَكُونَ منه.
(٢٦٤١) قال: ولو خَلا بها فقال: لم أصِبْها، وقالَتْ: قد أصابَنِي (١)، ولا وَلَدَ .. فهي مُدَّعِيَةٌ، والقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، فإنْ جاءَتْ بشاهِدٍ بإقْرارِه أحْلَفْتُها مع شاهِدِها وأعْطَيْتُها الصَّداقَ.
стр. 1369
(٢٧١)
باب العدة من الموت والطلاق والزوج غائب
(٢٦٤٢) قال الشافعي: وإذا عَلِمَت المرأةُ يَقِينَ مَوْتِ زَوْجِها أو طَلاقِه ببَيِّنَةٍ أو أيِّ عِلْمٍ .. اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ كان فيه الوَفاةُ أو الطلاقُ، فإن لم تَعْتَدَّ حتّى تَمْضِيَ العِدَّةُ لم يَكُنْ عليها غيرُها؛ لأنّها مُدَّةٌ قد مَرَّتْ عليها، وقد رُوِيَ عن غيرِ واحدٍ مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنّها تَعْتَدُّ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ فيه الوَفاةُ أو الطلاقُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وابنِ المسيبِ والزُّهْريِّ.
стр. 1370
(٢٧٢)
باب عدة الأمة
(٢٦٤٣) قال الشافعي: فَرَّقَ اللهُ تعالى بَيْنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ في حَدِّ الزِّنا، فقال في الإماءِ: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تبارك اسمه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وذَكَرَ الموارِيثَ، فلم يَخْتَلِفْ أحَدٌ لَقِيتُه أنّ ذلك في الأحْرارِ دُونَ العَبِيدِ، وفَرَضَ الله تبارك اسمه العِدَّةَ ثلاثةَ أشْهُرٍ، وفي الموْتِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وسَنَّ رسولُ الله ﷺ أنْ تَسْتَبْرِئَ الأمَةُ بحَيْضَةٍ، وكانَت العِدَّةُ في الحرائرِ اسْتِبْراءً وتَعَبُّدًا، وكانَت الحيْضَةُ في الأمَةِ اسْتِبْراءً وتَعَبُّدًا، ولم أعْلَمْ مُخالِفًا ممّن حَفِظْتُ عنه من أهلِ العِلْمِ في أنّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحرَّةِ فيما له نِصْفٌ مَعْدُودٌ، فلم يَجُزْ إذْ وَجَدْنا ما وَصَفْنا مِنْ الدَّلائلِ على الفَرْقِ فيما ذَكَرْنا وغَيْرِه إلّا أن نَجْعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفَ عِدَّةِ الحُرَّةِ فيما له نِصْفٌ، فأمّا الحيْضَةُ فلا يُعْرَفُ لها نِصْفٌ، فتكُونُ عِدَّتُها فيه أقْرَبَ الأشياءِ مِنْ النِّصْفِ إذا لم يَسْقُطْ مِنْ النصفِ شَيْءٌ، وذلك حَيْضَتان، وأمّا الحمْلُ فلا نِصْفَ له كما لم يَكُنْ للقَطْعِ نِصْفٌ، فقَطْعُ العَبْدِ والحرِّ سواءٌ (١)، وقال عمرُ: «يُطَلِّقُ العَبْدُ تَطْلِيقَتَيْن، وتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْن، فإن لم تَحِضْ فشَهْرَيْن، أو شَهْرًا ونِصْفًا» (٢).
стр. 1371
(٢٦٤٤) قال الشافعي: ولو أُعْتِقَت الأمَةُ قبل مُضِيِّ العِدَّةِ .. أكْمَلَتْ عِدَّةَ الحرَّةِ (١)؛ لأنّ العِتْقَ وَقَعَ وهي في مَعاني الأزْواجِ في عامَّةِ أمْرِها، ويَتَوارَثان في عِدَّتِها بالحرِّيَّة، ولو كانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فاخْتارَتْ فِراقَه .. كان ذلك فَسْخًا بغَيْرِ طلاقٍ، وتُكْمِلُ فيه (٢) العِدَّةَ مِنْ الطلاقِ الأوَّلِ.
(٢٦٤٥) ولو أحْدَثَ لها رَجْعَةً ثُمّ طَلَّقَها ولم يُصِبْها .. بَنَتْ على العِدَّةِ الأُولَى؛ لأنّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمْسَسْ.
قال المزني: هذا عندي غَلَطٌ، بل عِدَّتُها مِنْ الطّلاقِ الثّاني؛ لأنّه لمّا راجَعَها بَطَلَتْ عِدَّتُها، وصارَتْ في معناها المتقَدِّمِ بالعَقْدِ الأوَّلِ، لا بنكاحٍ مُسْتَقْبَلٍ، فهي في مَعْنَى مَنْ ابْتَدَأ طَلاقَها مَدْخُولًا بها (٣).
(٢٦٤٦) قال الشافعي: ولو كان طلاقُها لا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ ثُمّ عُتِقَتْ .. ففيها قولان: أحدهما - أن تَبْنِيَ على العِدَّةِ الأُولَى، ولا خِيارَ لها، ولا تَسْتَأنِفُ عِدَّةً؛ لأنّها ليْسَتْ في مَعانِي الأزْواجِ، والثاني - أن تُكْمِلَ عِدَّةَ حُرَّةٍ.
قال المزني: هذا أوْلَى بقَوْلِه، وممّا يَدُلُّكَ على ذلك: قَوْلُه في المرأةِ تَعْتَدُّ بالشُّهورِ ثُمّ تَحِيضُ أنّها تَسْتَقْبِلُ الحيْضَ، ولا يَجُوزُ أن تَكُونَ في بَعْضِ عِدَّتِها ممّن تَحِيضُ وهي تَعْتَدُّ بالشُّهورِ [ف: ٢٦٢٧]، وكذا قال: «لا يَجُوزُ أن تكُونَ في بَعْضِ عِدَّتِها حُرَّةً وهي تَعْتَدُّ عِدَّةَ أمَةٍ»، وكذا قال [ف: ٣٢٥]:
стр. 1372
«لا يَجُوزُ أن يَكُونَ في بَعْضِ صَلاتِه مُقِيمًا ويُصَلِّي صلاةَ مُسافِرٍ»، وقال: «هذا أشْبَهُ القَوْلَيْن بالقياسِ» (١).
قال المزني: وما احْتَجَّ به مِنْ هذا يَقْضِي على أن لا يَجُوزَ لمَن دَخَلَ في صَوْمِ ظِهارٍ ثُمّ وَجَدَ رَقَبَةً أن يَصُومَ وهو ممّنْ يَجِدُ رَقَبَةً، ويُكَفِّرَ بالصِّيامِ [ف: ٢٤٩٩]، ولا لمَنْ دَخَلَ في الصلاةِ بالتَّيَمُّمِ أن يَكُونَ ممّن يَجِدُ الماءَ ويُصَلِّي بالتيممِ [ف: ٧٠]؛ كما قال: «لا يَجُوزُ أنْ تكُونَ في عِدَّتِها ممّن تَحِيضُ وتَعْتَدُّ بالشُّهورِ» في نَحْوِ ذلك مِنْ أقاوِيلِهِ، وقد سَوَّى الشافعيُّ في ذلك بَيْنَ ما دَخَلَ فيه المرْءُ وبَيْنَ ما لم يَدْخُلْ فيه، فجَعَلَ المسْتَقْبِلَ فيه كالمسْتَدْبِرِ.
(٢٦٤٧) قال الشافعي: والطلاقُ إلى الرجالِ، والعِدَّةُ بالنساءِ، وهذا أشْبَهُ بمَعْنَى القرآنِ مع ما ذكرنا مِنْ الأثَرِ وما عليه المسلمُون فيما سِوَى هذا مِنْ أنّ الأحْكامَ بفاعِلِيها، ألا تَرَى أنّ الحُرَّ المحْصَنَ يَزْنِي بالأمَةِ فيُرْجَمُ وتُجْلَدُ الأمَةُ خمسين، والزِّنا مَعْنًى واحدٌ، فاخْتَلَفَ حُكْمُه لاخْتِلافِ حالِ فاعِلِيه، وكذلك يُحْكَمُ للحُرِّ حُكْمُ نَفْسِه في الطلاقِ ثلاثًا وإنْ كانَتِ امْرَأتُه أمَةً، وعلى الأمَةِ بعِدَّةِ أمَةٍ وإنْ كان زَوْجُها حُرًّا.
стр. 1373
(٢٧٣)
باب عدة الوفاة
من كتابين
(٢٦٤٨) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فدَلَّ رسولُ الله ﷺ (١) أنّها على الحرَّةِ وغيرِ ذاتِ الحمْلِ؛ لقَوْلِه لسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ ووَضَعَتْ بعد وَفاةِ زَوْجِها بنِصْفِ شَهْرٍ: «قد حَلَلْتِ، فانْكِحِي مَنْ شِئتِ»، وقال عمرُ بنُ الخطاب: «لو وَضَعَتْ وزَوْجُها على السَّريرِ (٢) لم يُدْفَنْ لحَلَّتْ»، وقال ابنُ عمرَ: «إذا وَضَعَتْ حَلَّتْ».
(٢٦٤٩) قال الشافعي: فتَحِلُّ إذا وَضَعَتْ قَبْلَ تَطْهُرُ (٣)، مِنْ نِكاحٍ صَحيحٍ ومَفْسُوخٍ.
(٢٦٥٠) قال الشافعي: وليس للحاملِ المتَوَفَّى عنها نَفَقَةٌ، قال جابرُ بنُ عبدِالله: «لا نَفَقَةَ لها، حَسْبُها الميراثُ»، قال الشافعي: لأنّ مِلْكَه قد انْقَطَعَ بالموتِ (٤).
стр. 1374
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في البابِ الثاني، وهذا أصَحُّ، وهو في الباب الثالث مَشْرُوحٌ (١).
(٢٦٥١) قال الشافعي: وإن (٢) لم تكُنْ حامِلًا، فكأنَّه ماتَ نِصْفَ النَّهارِ وقد مَضَى مِنْ الهلالِ عَشْرُ ليالٍ .. أحْصَتْ ما بَقِيَ مِنْ الهلالِ، فإنْ كان عِشْرِين حَفِظَتْها، ثُمّ اعْتَدَّتْ ثلاثةَ أشْهُرٍ بالأهِلَّةِ، ثُمّ اسْتَقْبَلَت الشَّهْرَ الرّابِعِ فأحْصَتْ عِدَّةَ أيّامِه، فإذا كَمُلَ لها ثلاثون يَوْمًا بلَيالِيها فقَدْ أوْفَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واسْتَقْبَلَتْ عَشْرًا بلَيالِيها، فإذا أوْفَتْ لها عَشْرًا إلى السّاعةِ التي مات فيها فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وليس عليها أنْ تَأتِيَ فيها بحَيْضٍ؛ كما ليْسَ عليها أنْ تَأتِيَ في الحيْضِ بشُهُورٍ؛ لأنّ كُلَّ عِدَّةٍ حيْثُ جَعَلَها اللهُ، إلّا أنّها إن ارْتابَتِ اسْتَبْرَأتْ نَفْسَها مِنْ الرِّيبَةِ؛ كما لو حاضَتْ في الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ ثُمّ ارْتابَتِ اسْتَبْرَأتْ نَفْسَها مِنْ الرِّيبَةِ (٣).
(٢٦٥٢) ولو طَلَّقَها مَرِيضًا ثلاثًا فماتَ في مَرَضِه وهي في العِدَّةِ .. فقد قيل: لا تَرِثُ مَبْتُوتَةً، وهذا ممّا أسْتَخِيرُ اللهَ فيه.
قال المزني: وقد قال في موضعٍ آخَرَ: «وهذا قَوْلٌ يَصِحُّ لمَن قال به»، قال المزني: فالاسْتِخارَةُ شَكٌّ، وقولُه: «يَصِحُّ» إبْطالُ الشَّكِّ، وقال في «اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: «إنّ المبْتُوتَةَ لا تَرِثُ»، وهَذا أوْلَى بقَوْلِه وبمَعْنَى ظاهرِ القرآنِ؛ لأنّ اللهَ جل ثناؤه وَرَّثَ الزَّوْجَةَ مِنْ زَوْجٍ يَرِثُها لو ماتَتْ قَبْلَه، فلمّا كانَتْ إن ماتَتْ لم يَرِثْها، وإن مات لم تَعْتَدَّ منه عِدَّةً مِنْ
стр. 1375
وَفاتِه .. خَرَجَتْ مِنْ مَعْنَى حُكْمِ الزَّوْجَةِ مِنْ القُرآنِ، وقد احْتَجَّ الشّافِعِيُّ على مَنْ وَرَّثَ رَجُلَيْن كُلَّ واحدٍ منهما النِّصْفَ مِنْ ابنٍ ادَّعَيَاه ووَرَّثَ الابْنَ إن ماتا قَبْلَه الجميعَ، فقال الشافعيُّ: «إنّما يَرِثُ الناسُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُون»، يَقولُ الشافعيُّ: «فإنْ كانا يَرِثانِه نِصْفَيْن بالبُنُوَّةِ، فكذلك يَرِثُهما نِصْفَيْن بالأبُوَّةِ»، قال المزني: فكذلك إنّما تَرِثُ المرْأةُ الزَّوْجَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُ الزَّوْجُ المرأةَ بمَعْنَى النكاحِ، فإذا ارْتَفَعَ النكاحُ بإجماعٍ ارْتَفَعَ حُكْمُه والموارَثَةُ به، ولمّا أجْمَعُوا أنّه لا يَرِثُها لأنّه ليْسَ بزَوْجٍ كان كذلك أيْضًا لا تَرِثُه لأنّها ليْسَتْ بزَوْجَةٍ، وبالله التوفيق.
قال المزني (١): فإن قيل: فقد وَرَّثَها عثمانُ بنُ عفّان .. قيل: فقد أنكَرَ عبدُالرحمن بنُ عوفٍ في حياتِه على عثمانَ إن مات أن يُوَرِّثَها منه، وقال ابنُ الزُّبَيْر: «لو كُنْتُ أنا لم أرَ أن تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ»، وهذا اخْتِلافٌ، وسَبِيلُه القِياسُ، وهو ما قُلْنا (٢).
(٢٦٥٣) قال الشافعي: ولو طَلَّقَ إحْدَى امْرَأتَيْه ثلاثًا، فمات ولا تُعْرَفُ .. اعْتَدَّتَا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، تُكْمِلُ كُلُّ واحدةٍ منهما فيها ثلاثَ حِيَضٍ.
стр. 1376
(٢٧٤)
باب مَقام المطلقة في بيتها والمتوفى عنها
من كتاب العِدَد وغيره
(٢٦٥٥) قال الشافعي: قال الله ﵎ في المطلقات: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١]، وقال النبي ﷺ لفُرَيْعَةَ بنتِ مالكٍ حين أخْبَرَتْه أنّ زَوْجَها قُتِلَ، وأنّها (١) لم يَتْرُكْها في مَسْكَنٍ يَمْلِكُه: «امْكُثِي في بَيْتِكِ حتّى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَه»، وقال ابنُ عبّاس: «الفاحِشَةُ المبَيِّنَةُ: أنْ تَبْذُوَ على أهْلِ زَوْجِها، فإذا بَذَتْ (٢) فقد حَلّ إخْراجُها»، قال الشافعي: وهو مَعْنَى سُنَّةِ رسولِ الله فيما أمَرَ به فاطمةَ أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ، مع ما جاء عن عائشةَ أنّها أرْسَلَتْ إلى مَرْوَانَ في مُطَلَّقَةٍ انْتَقَلَها: اتَّقِ اللهَ وارْدُد المرأةَ إلى بَيْتِها، فقال مَرْوانُ: أوَمَا بَلَغَكَ شَأنُ فاطمةَ؟ فقالَتْ: لا عَلَيْكَ أنْ تَذْكُرَ فاطمةَ، فقال: إنْ كان بكِ الشَّرُّ فحَسْبُكِ ما بَيْنَ هَذَيْن مِنْ الشَّرِّ، وعن ابنِ المسيب: تَعْتَدُّ المبْتُوتَةُ في بَيْتِها، فقيل له: فأيْنَ حَدِيثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ؟ فقال: قد فَتَنَت الناسَ، كانَتْ في لِسانِها ذَرابَةٌ، فاسْتَطالَتْ على أحْمائِها، فأمَرَها رسولُ الله ﷺ أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ، قال الشافعي: فعائشةُ ومَرْوانُ وابنُ المسيب يَعْرِفُون حديثَ فاطمةَ أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ
стр. 1377
كما حَدَّثَتْ، ويَذْهَبُون إلى أنّ ذلك إنّما كان للشَّرِّ، وكَرِهَ لها ابنُ المسيب وغيرُه أنّها كَتَمَت السَّبَبَ الذي أمَرَها له النبيُّ ﷺ أن تَعْتَدَّ في غيرِ بيتِ زَوْجِها؛ خَوْفًا أن يَسْمَعَ ذلك سامِعٌ فيَرَى أنّ للمَبْتُوتَةِ أن تَعْتَدَّ حَيْثُ شاءَتْ، قال الشافعي: فلم يَقُلْ لها النبيُّ ﷺ : «اعْتَدِّي حيثُ شِئتِ»، بل حَصَّنَها إذْ كان زَوْجُها غائِبًا، فبهذا كُلِّه أقُولُ.
(٢٦٥٦) قال: فإذا طَلَّقَها .. فلها السُّكْنَى في مَنْزِلِه حتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أو لا يَمْلِكُها، فإنْ كان بِكِراءٍ فهو على المطَلِّقِ وفي مالِ الزَّوْجِ الميِّتِ.
(٢٦٥٧) ولزَوْجِها إذا تَرَكَها فيما يَسَعُها مِنْ المسْكَنِ، وسَتَرَ بَيْنَه وبَيْنَها أن يَسْكُنَ في سِوى ما يَسَعُها.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «باب عدة الوفاة»، وذلك به عندي أوْلى، وقد بَيَّنْتُ ذلك في هذا الباب (١)، قال المزني: وقال في كتاب النكاح والطلاق: «لا يُغْلِقُ عليه وعليها حُجْرَةً إلّا أن يَكُونَ معها ذُو مَحْرَمٍ بالغٌ مِنْ الرجالِ».
(٢٦٥٨) وإن كان على زَوْجِها دَيْنٌ .. لم يُبَعْ مَسْكَنُها حتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وذلك أنّها مَلَكَتْ عليه سُكْنَى ما يَكْفِيها حين طَلَّقَها كما يَمْلِكُ مَنْ يَكْتَرِي.
(٢٦٥٩) وإنْ كان في مَنْزِلٍ لا يَمْلِكُه ولم يَكْتَرِه .. فلأهْلِه إخْراجُها، وعليه غَيْرُه، إلّا أن يُفْلِسَ فتَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بأقَلِّ قِيمَةِ سُكْناها، وتَتْبَعُه بفَضْلِه متى أيْسَرَ.
стр. 1378
(٢٦٦٠) وإن كانَتْ هذه المسائلُ في مَوْتِه .. ففيها قَوْلان: أحدهما - ما وَصَفْتُ، ومَن قاله احْتَجَّ بقَوْلِ النبيِّ ﷺ لفُرَيْعَةَ: «امْكُثِي في بَيْتِكِ حتّى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَه»، والثاني - أنّ الاختيارَ للوَرَثَةِ أن يُسْكِنُوها، فإن لم يَفْعَلُوا فقد مَلَكُوا دُونَه، فلا سُكْنَى لها كما لا نَفَقَةَ لها، ومَن قاله [قال: إنّ قَوْلَ النبيِّ ﷺ للفُرَيْعَةِ: «امْكُثِي في بَيْتِكِ» (١) ما لم يُخْرِجْكِ منه أهْلُه؛ لأنّها وَصَفَتْ أنّ المنْزِلَ ليْسَ لزَوْجِها.
قال المزني: هذا أوْلى بقَوْلِه؛ لأنّه لا نَفَقَةَ لها حاملًا أو غيرَ حامِلٍ، وقد احْتَجَّ بأنّ المِلْكَ (٢) قد انْقَطَعَ عنه بالموْتِ، قال المزني: وكذلك قد انْقَطَعَ عنه السُّكْنَى بالموْتِ، وقد أجْمَعُوا أنّ مَنْ وَجَبَتْ له نَفَقَةٌ وسُكْنَى مِنْ وَلَدٍ ووالِدٍ على رَجُلٍ، فماتَ، انْقَطَعَت النَّفَقَةُ لهم والسُّكْنَى؛ لأنَّ مالَه صار مِيراثًا لهم، فكذلك امْرَأتُه ووَلَدُه وسائرُ وَرَثَتِه يَرِثُون جميعَ مالِه (٣).
(٢٦٦١) قال الشافعي: ولوَرَثَتِه أن يُسْكِنُوها حَيْثُ شاؤوا إذا كان مَوْضِعُها حَرِيزًا، وليس لها أن تَمْتَنِعَ، وللسُّلْطانِ أن يُحَصِّنَها حَيْثُ تَرْضَى؛ لئلّا تُلْحِقَ بالزَّوْجِ مَنْ ليْسَ منه.
(٢٦٦٢) قال: ولو أذِنَ لها أن تَنْتَقِلَ، فنَقَلَتْ مَتاعَها وخَدَمَها ولم تَنْتَقِلْ ببَدَنِها حتّى مات أو طَلَّقَ .. اعْتَدَّتْ في بَيْتِها الذي كانَتْ فيه.
(٢٦٦٣) ولو خَرَجَ بها مُسافِرًا، أو أذِنَ لها إلى الحجِّ، فزايَلَتْ مَنْزِلَه، فماتَ أو طَلَّقَها ثلاثًا (٤) .. فسَواءٌ، لها الخِيارُ في أن تَمْضِيَ لسَفَرِها ذاهِبَةً
стр. 1379
وجائيَةً، وليس عليها أن تَرْجِعَ إلى بَيْتِه قَبْلَ أن يَنْقَضِيَ سَفَرُها، ولا تُقِيمُ في المصْرِ الذي أذِنَ لها في السَّفَرِ إليه، إلّا أن يَكُونَ أذِنَ لها فيه أو النُّقْلَةِ إليه، فيَكُونُ ذلك عليها إذا بَلَغَتْ ذلك المصْرَ (١).
(٢٦٦٤) وإنْ كان أخْرَجَها مُسافِرَةً .. أقامَتْ ما يُقِيمُ المسافِرُ مِثْلَها، ثُمّ رَجَعَتْ فأكْمَلَتْ عِدَّتَها.
(٢٦٦٥) ولو أذِنَ لها في زيارةٍ أو نُزْهَةٍ .. فعليها أن تَرْجِعَ؛ لأنّ الزيارةَ ليْسَتْ مَقامًا.
(٢٦٦٦) ولا تَخْرُجُ إلى الحجِّ بعد انْقِضاءِ العِدَّةِ ولا إلى مَسِيرَةِ يومٍ إلّا مع ذِي مَحْرَمٍ، إلّا أن يَكُونَ حَجَّةَ الإسْلامِ وتكُونَ مع نساءٍ ثِقاتٍ.
(٢٦٦٧) ولو صارَتْ إلى بَلَدٍ أو مَنْزِلٍ بإذْنِه، ولم يَقُلْ لها: «أقِيمِي» ولا: «لا تُقِيمِي» (٢)، ثُمّ طَلَّقَها، فقال: لم أنْقُلْكِ، وقالَتْ: نَقَلْتَنِي .. فالقَوْلُ قَوْلُها، إلّا أنْ تُقِرَّ هي بأنّه كان لزِيارَةٍ أو مُدَّةٍ تُقِيمُها، فيَكُونُ القَوْلُ في مُقامِها قولان (٣): أحدهما - أن تُقِيمَ إلى تِلْكَ المدَّةِ، والثاني - أنّ هذه زيارةٌ أو نُقْلَةٌ إلى مُدَّةٍ فعَلَيْها الرُّجُوعُ.
стр. 1380
قال المزني: أشْبَهُ بقَوْلِه أنْ تُقِيمَ إلى المدَّةِ؛ كما جَعَلَ لها أنْ تُقِيمَ في سَفَرِها إلى غايَةٍ (١).
(٢٦٦٨) قال الشافعي: وتَنْتَوِي البَدَوِيَّةُ حَيْثُ يَنْتَوِي أهْلُها (٢)؛ لأنّ سُكْنَى أهْلِ البادِيَةِ إنّما هو سُكْنَى مُقامِ غِبْطَةٍ، وظَعْنِ غِبْطَةٍ.
(٢٦٦٩) وإذ دَلَّت السُّنَّةُ على أنّ المرأةَ تَخْرُجُ مِنْ البَذَاءِ على أهْلِ زَوْجِها، كان العُذْرُ في ذلك المعْنَى أو أكْثَرَ.
(٢٦٧٠) ويُخْرِجُها السُّلْطانُ فيما يَلْزَمُها، فإذا فَرَغَتْ رَدَّها، ويَكْتَرِي عليه إذا غابَ، ولا نَعْلَمْ أحَدًا بالمدينةِ فيما مَضَى اكْتَرَى مَنْزِلًا، إنّما كانُوا يَتَطَوَّعُون بإنْزالِ مَنازِلِهِمْ وبأمْوالِهِم مع مَنازِلِهم.
(٢٦٧١) ولو تكارَتْ .. فإن طَلَبَتِ الكِراءَ كان لها مِنْ يَوْمِ تَطْلُبُه، وما مَضَى حَقٌّ تَرَكَتْه.
(٢٦٧٢) فأمّا امْرأةُ صاحِبِ السَّفِينَةِ إذا كانَتْ مُسافِرَةً معه .. فكالمرأةِ المسافِرَةِ، إنْ شاءَتْ مَضَتْ، وإنْ شاءَتْ رَجَعَتْ إلى مَنْزِلِه فاعْتَدَّتْ فيه.
стр. 1381
(٢٧٥)
باب الإحداد (١)
من كتابَيِ العِدَد الجديد والقديم
(٢٦٧٣) قال الشافعي: ولمّا قال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوق ثلاثٍ، إلّا على زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا»، وكانَتْ والمطَلَّقَةُ لا يَمْلِكُ زَوْجُها رَجْعَتَها معًا في عِدَّةٍ، وكانَتا غَيْرَ ذَوَاتَيْ زَوْجَيْن .. أشْبَهَ أن يَكُونَ على المطَلَّقَةِ إحْدادٌ كهُوَ على المتَوَفَّى عنها زَوْجُها والله أعلم، فأحِبُّ ذلك لها، ولا يَبِينُ لي أن أُوجِبَه عليها؛ لأنّهما قد تَخْتَلِفان في حالٍ، وإن اجْتَمَعَتَا في غيرِه.
قال المزني: كُلُّ ما قِيسَ على أصْلٍ فهو مُشْبِهٌ له مِنْ وَجْهٍ وإن خالَفَه في غَيْرِه، ولو لم يَلْزَم القياسُ إلّا باجْتِماعِ كُلِّ الوُجُوهِ لبَطَلَ القياسُ (٢)، وقد جَعَلَهُما في الكتاب القديم في ذلك سواءً (٣).
(٢٦٧٤) وقال فيه: ولا تَجْتَنِبُ المعْتَدَّةُ في النكاحِ الفاسِدِ وأمُّ الوَلَدِ (٤) ما تَجْتَنِبُ المعْتَدَّةُ، ويَسْكُنَّ حيثُ شِئنَ.
стр. 1382
(٢٦٧٥) قال الشافعي: وإنّما الإحْدادُ في البَدَنِ، وتَرْكِ زِينَةِ البَدَنِ، وهو أن تُدْخِلَ على البَدَنِ شَيْئًا (١) مِنْ غَيْرِه بزينةٍ أو طِيبٍ، يَظْهَرُ عليها، فيَدْعُو إلى شَهْوَتِها.
(٢٦٧٦) فمِن ذلك الدُّهْنُ كُلُّه في الرّأسِ، وذلك أنّ كُلَّ الأدْهانِ في تَرْجِيلِ الشَّعْرِ وإذْهابِ الشَّعْثِ سَواءٌ، وهكذا المحْرِمُ يَفْتَدِي بأن يَدْهُنَ رأسَه ولحْيَتَه بزَيْتٍ لِما وَصَفْتُ، وأمّا بَدَنُها .. فلا بأسَ، إلّا الطِّيبَ؛ كما لا يَكُونُ بذلك بأسٌ للمُحْرِمِ، وإنْ خالَفَت المحْرِمَ في بَعْضِ أمْرِها.
(٢٦٧٧) وكُلُّ كُحْلٍ كان زِينَةً فلا خَيْرَ فيه لها، فأمّا الفارِسِيُّ وما أشْبَهَه إذا احْتاجَتْ إليه فلا بأسَ به؛ لأنّه ليس بزِينَةٍ، بل يَزِيدُ العَيْنَ مَرَهًا وقُبْحًا (٢).
(٢٦٧٨) وما اضْطُرَّتْ إليه ممّا فيه زينةٌ مِنْ الكُحْلِ اكْتَحَلَتْ به لَيْلًا وتَمْسَحُه نَهارًا، وكذلك الدِّمامُ (٣)، دَخَلَ النبيُّ ﷺ على أمِّ سَلمَةَ وهي حادٌّ على أبي سَلمَةَ، فقال: «ما هذا يا أمَّ سَلمَةَ؟»، فقالَتْ: إنّما هو صَبِرٌ، فقال النبي ﵇: «اجْعَلِيه باللَّيْلِ، وامْسَحِيه بالنَّهارِ»، قال الشافعي: الصَّبِرُ يُصَفِّرُ فيَكُونُ زينةً، وليس بطِيبٍ، فأذِنَ لها فيه بالليلِ حيثُ لا يُرَى، وتَمْسَحُه بالنهارِ حيثُ يُرَى، وكذلك ما أشْبَهَه.
(٢٦٧٩) قال: وفي الثِّيابِ زِينَتانِ: إحداهما جَمالُ الثِّيابِ على اللَّابِسِين، ولسَتْرِ العَوْرَةِ، قال اللهُ : ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، والثِّيابُ زِينَةٌ لمَن لَبِسَها، فإذا أفْرَدَت العَرَبُ التَّزَيُّنَ على
стр. 1383
بَعْضِ اللَّابِسِين دُونَ بَعْضٍ، فإنّما تَقُولُ: «تَزَيَّنَ» مِنْ تَزْيِينِ الثِّيابِ التي هي زِينَةٌ، بأن يُدْخِلَ عليها شَيْئًا مِنْ غَيْرِها مِنْ الصِّبْغِ خاصَّةً، ولا بأسَ أن تَلْبَسَ الحادُّ كُلَّ ثَوْبٍ مِنْ البَياضِ؛ لأنَّ البَياضَ لَيْسَ بمُزَيِّنٍ، وكذلك الصُّوفُ والوَبَرُ وكُلُّ ما نُسِجَ على وَجْهِه لم يَدْخُلْ عليه صِبْغٌ مِنْ خَزٍّ أو غَيْرِه، وكذلك كُلُّ صِبْغٍ لم يُرَدْ به تَزْيِينُ الثَّوْبِ، مثلُ: السَّوادِ، وما صُبِغَ ليُقَبَّحَ لحُزْنٍ، أو لنَفْيِ الوَسَخِ عنه، وصِباغُ الغَزْلِ بالخُضْرَةِ يُقارِبُ السَّوادَ لا الخُضْرَةَ الصّافِيَةَ وما في معناه، فأمّا ما كان مِنْ زِينَةٍ أو وَشْيٍ في ثَوْبٍ وغَيْرِه .. فلا تَلْبَسُه الحادُّ.
(٢٦٨٠) وكذلك كُلُّ حُرَّةٍ وأمَةٍ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ، مُسْلِمَةٍ أو ذِمِّيَّةٍ.
(٢٦٨١) ولو تَزَوَّجَتْ نَصْرانِيَّةٌ نَصْرانِيًّا فأصابَها، أحَلَّها لزَوْجِها المسْلِمِ ويُحَصِّنُها؛ لأنّه زَوْجٌ، ألا تَرَى أنّ النبيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْن زَنَيَا، ولا يَرْجُمُ إلّا مُحْصَنًا.
стр. 1384
(٢٧٦)
باب اجتماع العدتين والقافة
(٢٦٨٢) قال الشافعي: إذا تَزَوَّجَتْ في العِدَّةِ، ودَخَلَ بها الثّانِي .. فإنّها تَعْتَدُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِها مِنْ الأوَّلِ، ثُمّ تَعْتَدُّ مِنْ الثّانِي، واحْتَجَّ في ذلك بقَوْلِ عُمَرَ وعليٍّ وعُمَرَ بنِ عبدِالعزيز، قال الشافعي: لأنَّ عَلَيْها حَقَّيْن بسَبَبِ زَوْجَيْن، وكذلك كُلُّ حَقَّيْن لَزِماها مِنْ وَجْهَيْن.
(٢٦٨٣) قال: ولو اعْتَدَّتْ بحَيْضَةٍ، ثُمّ أصابَها الثّاني فحَمَلَتْ، وفُرِّقَ بَيْنَهما .. اعْتَدَّتْ بالحمْلِ، فإذا وَضَعَتْه لأقلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ نَكَحَها الآخِرُ فهو مِنْ الأوَّلِ، وإنْ جاءَتْ به لأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فارَقَها الأوَّلُ، وأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ نَكَحَها الثّاني .. فليْسَ للأوَّلِ ولا للثّانِي، وإنْ كانَتْ لسِتَّةِ أشْهُرٍ فأكْثَرَ إلى أقَلَّ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فارَقَها الأوَّلُ .. دُعِيَ له القافَةُ؛ لأنّه بَلَغَنا أنّ المرْأةَ تَلِدُ لأرْبَعِ سِنين، فإنْ كانَتْ وَضَعَتْه لأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فارَقَها الأوَّلُ وكان طَلاقُه لا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ .. فهو للآخِرِ، وإنْ كان يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ وتَداعَيَاه أو لم يَتَدَاعَيَاه ولم يُنْكِرَاه ولا واحدٌ منهما .. أرِيه القافَةَ، فإنْ ألْحَقُوه بالأوَّلِ فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها منه، وتَبْتَدِئ عِدَّةً مِنْ الثّاني، وله خِطْبَتُها، وإنْ ألْحَقُوه بالآخِرِ فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها منه، وتَبْتَدِئ فتُكْمِلُ على ما مَضَى مِنْ عِدَّةِ الأوَّلِ، وللأوَّلِ عليها الرَّجْعَةُ ما كانَتِ العِدَّةُ إن كان طَلاقُه يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ، وإن لم يُلْحِقُوه بواحدٍ منهما، أو ألحقُوه بهما، أو لم تكُنْ قافَةٌ، أو مات قَبْلَ يَراهُ القافَةُ، أو ألْقَتْه مَيِّتًا .. فلا يَكُون ابْنَ واحدٍ منهما، وإن كان أوْصِيَ له بشَيْءٍ وُقِفَ حتّى يَصْطَلِحا فيه، والنَّفَقَةُ على الزَّوْجِ الصَّحِيحِ
стр. 1385
النكاحِ، ولا آخُذُه بنَفَقَتِها حتَّى تَلِدَ، فإنْ ألْحِقَ به الوَلَدُ أعْطَيْتُها نَفَقَةَ الحمْلِ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَها، وإنْ أشْكَلَ أمْرُه لم آخُذْه بنَفَقَتِه حتّى يَنْتَسِبَ إليه، فإنْ أُلْحِقَ بصاحِبِه فلا نَفَقَةَ عليه؛ لأنّها حُبْلَى مِنْ غَيْرِه.
قال المزني: خالَفَ في إلْحاقِ الوَلَدِ بأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ بأن يَكُونَ له الرَّجْعَةُ (١).
стр. 1386
(٢٧٧)
باب عدة المطلقة يملك زوجها رجعتها ثم يموت أو يطلق
(٢٦٨٤) قال الشافعي: وإن طَلَّقَها طَلْقَةً يَمْلِكُ رَجْعَتَها ثُمّ ماتَ .. اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الوَفاةِ ووَرِثَتْ.
(٢٦٨٥) ولو راجَعَهَا ثُمّ طَلَّقَها قَبْلَ أن يَمَسَّها .. ففيها قولان: أحدهما - تَعْتَدُّ مِنْ الطّلاقِ الآخِرِ، وهو قولُ ابنِ جُرَيْجٍ وعبدِالكريم وطاوسٍ والحسنِ بنِ مسلمٍ، قال: ومَن قال بهذا انْبَغَى أن يَقُولَ: رَجْعَتُه مخالِفَةٌ لنِكاحِه إيّاها، ثُمّ يُطَلِّقُها قبل أن يَمَسَّها، ويُشْبِهُ أن يَلْزَمَه أن يَقُولَ: ارْتَجَعَ أو لم يَرْتَجِعْ سواءٌ، ويَحْتَجَّ بأنّ زَوْجَها لو مات اعْتَدَّتْ منه عِدَّةَ الوَفاةِ ووَرِثَتْه كمَن لم تُطَلَّقْ، والقول الثاني - تَعْتَدُّ مِنْ الطَّلاقِ الأوَّل، ارْتَجَعَ أو لم يَرْتَجِعْ؛ لأنّها حَرُمَتْ عليه كالتي لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها إلّا بالتَّزْوِيجِ، ولو تَزَوَّجَها ثُمّ طَلَّقَها قَبْلَ أن يَمَسَّها لم تَعْتَدَّ، فكذلك لا تَعْتَدُّ مِنْ طلاقٍ أحْدَثَه وإن كانَتْ رَجْعَةً إذا لم يَمَسَّها.
قال المزني: المعنى الأوَّلُ أوْلَى بالحقِّ عِندي؛ لأنّه إذا ارْتَجَعَها سَقَطَتْ عِدَّتُها، وصارَتْ في معناها المتَقَدِّم بالعقدِ الأوَّلِ، لا بنكاحٍ مُسْتَقْبَلٍ، فإنّما طَلَّقَ امْرَأةً مَدْخُولًا بها في غيرِ عِدَّةٍ فهي في معنى من ابْتَدَأ طَلاقَه، قال المزني: ولو لم يَرْتَجِعْها حتّى طَلَّقَها فإنّها تَبْنِي على عِدَّتِها مِنْ أوَّلِ طلاقِها؛ لأنَّ تِلْكَ العِدَّةَ لم تَبْطُلْ حتّى طَلَّقَ (١)، فإنّما زادَها طلاقًا، وهي مُعْتَدَّةٌ بإجماعٍ، فلا نُبْطِلُ ما أجْمِعَ عليه مِنْ عِدَّةٍ قائمةٍ إلّا بإجماعٍ مِثْلِه، أو قياسٍ على نَظِيرِه (٢).
стр. 1387
(٢٧٨)
باب امرأة المفقود وعِدَّتها إذا نكحت غيره، وغير ذلك (١)(٢٦٨٦) قال الشافعي في امْرأةِ الغائبِ أيَّ غَيْبَةٍ كانَتْ: لا تَعْتَدُّ ولا تَنْكِحُ أبَدًا حتّى يأتِيَها يقينُ وَفاتِه، ولا يَجُوزُ أن تَعْتَدَّ مِنْ وَفاتِه ومِثْلُها تَرِثُ إلّا وَرِثَتْ زَوْجَها الذي اعْتَدَّتْ مِنْ وَفاتِه، وقال عليٌّ في امْرأةِ المفْقُودِ: إنّها لا تَتَزَوَّجُ (٢).
(٢٦٨٧) قال: ولو طَلَّقَها وهو خَفِيُّ الغَيْبَةِ، أو آلَى منها، أو تَظاهَرَ، أو قَذَفَها .. لَزِمَه ما يَلْزَمُ الزَّوْجَ الحاضِرَ.
(٢٦٨٨) ولو اعْتَدَّتْ بأمْرِ حاكمٍ أرْبَعَ سِنينَ، ثُمّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ونكَحَتْ، ودَخَلَ بها الزَّوْجُ .. كان حُكْمُ الزَّوْجَيْن بينها وبين زَوْجِها الأوَّلِ بحالِه، غيرَ أنّه ممْنُوعٌ مِنْ فَرْجِها بوَطْءِ شُبْهَةٍ (٣)، ولا نَفَقَةَ لها مِنْ حينَ
стр. 1388
نكَحَتْ، ولا في حينِ عِدَّتِها مِنْ الوَطْءِ الفاسِدِ؛ لأنّها مُخْرِجَةٌ نَفْسَها مِنْ يَدَيْه، وغيرُ واقِفَةٍ عليه، ومُحَرَّمَةٌ عليه بالمعْنَى الذي دَخَلَتْ فيه (١)، ولم أُلْزِم الواطِئَ نَفَقَتَها؛ لأنّه ليس بينهما شيءٌ مِنْ أحْكامِ الزَّوْجَيْنِ إلّا لُحُوقُ الوَلَدِ؛ فإنّه فِراشٌ بالشُّبْهَةِ، وإذا وَضَعَتْ فلِزَوْجِها الأوَّلِ أن يَمْنَعَها مِنْ رَضاعِ وَلَدِها، إلّا اللِّبَأ وما إنْ تَرَكَتْه لم يُغْنِه غيرُها، ولا يُنْفِقُ عليها في رَضاعِها وَلَدَ غَيْرِه، ولو ادَّعاه الأوَّلُ أرَيْتُه القافَةَ (٢).
(٢٦٨٩) ولو ماتَ الزَّوْجُ (٣) الأوَّلُ والآخِرُ، ولم يُعْلَمْ أيُّهما ماتَ أوَّلًا .. بَدَأتْ فاعْتَدَّتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا؛ لأنّه النّكاحُ الصَّحِيحُ الأوَّلُ، ثُمّ اعْتَدَّتْ ثلاثةَ قُرُوءٍ.
قال المزني: ثَبَّتَ العِدَّتَيْن (٤).
(٢٦٩٠) [قال الشافعي: ولو ماتَتْ عند الآخِرِ، ثُمّ قَدِمَ الأوَّلُ .. أخَذَ مِيراثَها، وإن لم تَدَعْ شَيْئًا لم يَأخُذْ مِنْ المهْرِ شَيْئًا، إذا لم يَجِد امْرَأتَه بعَيْنِها فلا حَقَّ له في مِيراثِها.
стр. 1389
قال المزني: كيف لا يَرِثُ مِنْ مَهْرِها وهو مِنْ تَرِكَتِها؟] (١).
стр. 1390
(٢٧٩)
باب استبراء أم الولد (١)
من كتابين
(٢٦٩١) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّه قال في أمِّ الوَلَدِ يُتَوَفَّى عنها سَيِّدُها، قال: «تَعْتَدُّ بحَيْضَةٍ».
(٢٦٩٢) قال الشافعي: ولا تَحِلُّ أمُّ الوَلَدِ للأزْواجِ حتّى تَرَى الطُّهْرَ مِنْ الحيْضَةِ.
وقال في كتاب النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك»: «وإنْ كانَتْ ممّن لا تَحِيضُ فشَهْرٌ» (٢).
(٢٦٩٣) قال: وإن ماتَ سَيِّدُها أو أعْتَقَها وهي حائضٌ لم تَعْتَدَّ بتلك الحيْضَةِ.
(٢٦٩٤) وإن كانَتْ حاملًا فأنْ تَضَعَ حَمْلَها.
(٢٦٩٥) وإن اسْتَرابَتْ فهي كالحرَّةِ المسْتَرِيبَةِ.
(٢٦٩٦) فإن مات سَيِّدُها وهي تحْتَ زَوْجٍ أو في عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ .. فلا اسْتِبْراءَ عليها؛ لأنَّ فَرْجَها ممْنُوعٌ منه بشَيْءٍ أباحَه لزَوْجِها (٣).
стр. 1391
(٢٦٩٧) فإن ماتا، فعُلِمَ أنّ أحَدَهما مات قَبْلَ الآخَرِ بيَوْمٍ أو بشَهْرَيْن وخمسِ لَيالٍ أو أكْثَرَ، ولا نَعْلَمُ أيُّهُما ماتَ أوّلًا .. اعْتَدَّتْ مِنْ يومِ ماتَ الآخِرُ (١) منهما أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا فيها حَيْضَةٌ، وإنّما لَزِمَها إحْداهُما، فإذا جاءَتْ بهما فذلك أكْمَلُ ما عليها.
قال المزني: هذا عندي (٢) غَلَطٌ؛ لأنّه إذا لم يَكُنْ بين مَوْتَيْهما إلّا أقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وخمْسِ لَيالٍ فلا مَعْنى للحَيْضَةِ؛ لأنّ السَّيِّدَ إن كان ماتَ أوَّلًا فهي تَحْتَ زَوْجٍ مَشْغُولَةٌ به عن الحيْضَةِ، وإن كان مَوْتُ الزَّوْجِ أوَّلًا فلم يَنْقَضِ شَهْران وخمْسُ لَيالٍ [حتّى ماتَ السَّيِّدُ، فهي مَشْغُولَةٌ بعِدَّةِ الزَّوْجِ عن الحيْضَةِ، وإن كان بَيْنَهما أكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْن وخمْسِ ليالٍ (٣) فقد أمْكَنَت الحيْضَةُ، فكما قال الشافعيُّ (٤).
(٢٦٩٨) قال الشافعي: ولا تَرِثُ زَوْجَها حتّى تَسْتَيْقِنَ أنّ سَيِّدَها مات قَبْلَ زَوْجِها، فتَرِثُه، وتَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ كالحُرَّةِ.
(٢٦٩٩) قال: والأمةُ يَطَؤُها تَسْتَبْرِئُ بحَيْضَةٍ، فإن نكَحَتْ قَبْلَها فمَفْسُوخٌ.
(٢٧٠٠) ولو وَطِئَ المكاتَبُ أمَتَه فوَلَدَتْ ألْحَقْتُه به ومَنَعْتُه الوَطْءَ، وفيها قولان: أحدهما - لا يَبِيعُها بحالٍ؛ لأنّي حَكَمْتُ لوَلَدِها بحُكْمِ الحرِّيَّةِ إن عَتَقَ أبُوه (٥)، والثاني - أنّ له بَيْعَها، خافَ العَجْزَ أو لم يَخَفْه.
стр. 1392
قال المزني: القياسُ على قَوْلِه أن لا يَبِيعَها كما لا يَبِيعُ وَلَدَها (١).
стр. 1393
(٢٨٠)
باب الاستبراء
من كتابِ الاستبراء، ومن الإملاء
(٢٧٠١) قال الشافعي: نَهَى رسولُ الله ﷺ عامَ سَبْيِ أوطاسٍ أن تُوطَأ حاملٌ حتّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتّى تَحِيضَ، ولا نَشُكُّ أنّ فيهنَّ أبْكارًا وحَرائِرَ كُنَّ قَبْلَ يسْتَأْمَيْن وإماءً، ووَضِيعاتٍ وشَرِيفاتٍ، فكان الأمْرُ فيهنَّ واحدًا، قال الشافعي: فكُلُّ مِلْكٍ حَدَثَ لمالكٍ لم يَجُزْ فيه الوَطْءُ إلّا بعد الاسْتِبْراءِ؛ لأنّ الفَرْجَ كان ممنوعًا قَبْل أن يُمْلَكَ (١)، ثُمّ حَلَّ بالملْكِ.
(٢٧٠٢) ولو باع جارِيَةً مِنْ امْرأةٍ ثِقَةٍ وقَبَضَتْها وتَفَرَّقا بعد البَيْعِ، ثُمّ اسْتَقالَها فأقالَتْه .. لم يَكُنْ له أن يَطأَها حتّى يَسْتَبْرئَها، مِنْ قِبَلِ أنّ الفَرْجَ حَرُمَ عليه ثُمّ حَلَّ له بالملْكِ الثّاني.
(٢٧٠٣) قال: والاسْتِبْراءُ أن تَمْكُثَ عند المشْتَرِي طاهِرًا بعد مِلْكِها، ثُمّ تَحِيضَ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً، فإذا طَهُرَتْ منها فهو الاسْتِبْراءُ.
(٢٧٠٤) فإن اسْتَرَابتْ أمْسَكَ حتّى يَعْلَمَ أن تلك الرِّيبَةَ لم تكُنْ حملًا.
(٢٧٠٥) ولا أعْلَمُ مُخالِفًا في المطَلَّقَةِ لو حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ وهي تَرَى أنّها حاملٌ لم تَحِلَّ إلّا بوَضْعِ الحمْلِ أو البَراءَةِ مِنْ أن يَكُونَ ذلك حَمْلًا.
стр. 1394
(٢٧٠٦) ولا يَحِلُّ له قَبْلَ الاسْتِبْراءِ التَّلَذُّذُ بمُباشَرَتِها، ولا نَظَرُ شَهْوَةٍ إليها، وقد تكُونُ أمَّ وَلَدٍ لغَيْرِه (١).
(٢٧٠٧) قال: ولو لم يَفْتَرِقا حتّى وَضَعَتْ حَمْلًا .. لم تَحِلَّ له حتّى تَطْهُرَ مِنْ نِفاسِها، ثُمّ تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبِلَةً، مِنْ قِبَلِ أنّ البَيْعَ إنّما تَمَّ حين تَفَرَّقا عن مَكانِهما الذي تَبايَعا فيه.
(٢٧٠٨) ولو كانَتْ أمَةً مُكاتَبَةً فعَجَزَتْ .. لم يَطَأْها حتّى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنّها ممْنُوعَةُ الفَرْجِ منه (٢) ثُمّ أبِيحَ بالعَجْزِ، ولا يُشْبِهُ صَوْمَها الواجِبَ عليها وحَيْضَتَها ثُمّ تَخْرُجُ مِنْ ذلك؛ لأنّه يَحِلُّ في ذلك أن يَلْمَسَها ويُقَبِّلَها، ويَحْرُمُ ذلك في الكِتابَةِ كما يَحْرُمُ إذا زَوَّجَها.
(٢٧٠٩) وإنّما قُلْتُ: «طُهْرٌ ثُمّ حَيْضَةٌ حتّى تَغْتَسِلَ منها»؛ لأنّ النبيّ ﷺ دَلَّ أنّ الأقْراءَ الأطْهارُ؛ لقَوْلِه في ابن عمر: «يُطَلِّقُها طاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِماعٍ، فتِلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النِّساءُ»، وأمَرَ النبيُّ ﷺ في الإماءِ أن يُسْتَبْرَأْنَ بحَيْضَةٍ، فكانَت الحيْضَةُ الأُولَى أمامَها طُهْرٌ؛ كما كان الطُّهْرُ أمامه الحيْضُ، فكان قَصْدُ النبيِّ ﷺ في الاسْتِبْراءِ إلى الحيْضِ، وفي العِدَّةِ إلى الأطْهارِ (٣).
стр. 1395
[٤٧]
كتاب الرَّضاع
стр. 1396
(٢٨١)
مختصر ما يحرم من الرَّضاع
من كتاب الرضاع، ومن كتاب النكاح، ومن أحكام القرآن (١)(٢٧١٠) قال الشافعي: قال الله فيمن حُرِّمَ مِنْ القَرابةِ (٢): ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]، وقال رسولُ الله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنْ الوِلادَةِ» (٣)، قال الشافعي: نَفْسُ السُّنَّةِ: أنّ لَبَنَ الفَحْلِ يُحَرِّمُ كما تُحَرِّمُ وِلادَةُ الأبِ (٤)، وسُئِلَ ابنُ عبّاسٍ عن رَجُلٍ كانَتْ له امْرأتان، فأرْضَعَتْ إحْداهُما غُلامًا والأخْرَى جارِيَةً، فهَلْ يَتَزَوَّجُ الغُلامُ الجارِيَةَ؟ فقال: «لا، اللِّقاحُ واحدٌ» (٥)، وقال مِثْلَه
стр. 1397
عطاءٌ وطاوسٌ، قال الشافعي: فبهذا كُلِّه أقولُ، فكُلُّ ما حَرُمَ بالوِلادَةِ وبِسَبَبِها حَرُمَ بالرَّضاعِ وكان به مِنْ ذَوِي المحارِمِ.
(٢٧١١) والرَّضاعُ اسْمٌ جامعٌ، يَقَعُ على المصَّةِ وأكْثَرَ إلى كَمالِ الحَوْلَيْن (١)، وعلى كُلِّ رَضاعٍ بعد الحوْلَيْن، فوَجَبَ طَلَبُ الدَّلالَةِ في ذلك.
(٢٧١٢) وقالَتْ عائشةُ: «كان فيما أنْزَلَ اللهُ في القُرآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ تُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهُنَّ ممّا يُقْرَأ مِنْ القرآنِ»، فكان لا يَدْخُلُ عليها إلّا مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ رَضَعاتٍ، وعن ابْنِ الزبير قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا تُحَرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، ولا الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتان».
قال المزني: قُلْتُ للشّافعيِّ: أسَمِعَ ابنُ الزبير مِنْ النبيِّ؟ فقال: نعم، وحَفِظَ عنه، وكان يَوْمَ تُوُفِّيَ (٢) رسولُ الله ﷺ ابْنَ تِسْعِ سِنين.
وعن عُرْوَةَ أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ امْرَأةَ أبي حُذَيْفَةَ أن تُرْضِعَ سالمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ فيَحْرُمُ بهنّ، قال: فدَلَّ ما وَصَفْتُ أنّ الذي يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ خَمْسُ رَضَعاتٍ؛ كما جاء القرآنُ بقَطْعِ السّارِقِ (٣)، فدَلَّ
стр. 1398
رسولُ الله ﷺ أنّه أراد بَعْضَ السّارِقِين دُونَ بَعْضٍ، وكذلك أنَّ المرادَ بمائةِ جَلْدَةٍ بَعْضُ الزُّناةِ دُون بَعْضٍ، لا مَنْ لَزِمَه اسْمُ سَرِقَةٍ وزِنًا.
(٢٧١٣) كذلك (١) أبان أنّ المرادَ بتَحْرِيمِ الرَّضاعِ بَعْضُ المرْضِعِينَ دُونَ بَعْضٍ، واحْتَجَّ فيما قال النبيُّ ﷺ لسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ - لمّا قالَتْ: كُنّا نَرَى سالِمًا وَلَدًا، وكان يَدْخُلُ عَلَيَّ وأنا فُضُلٌ (٢)، وليس لنا إلّا بَيْتٌ واحدٌ، فماذا تأمُرُني؟ - فقال النبيُّ ﷺ فيما بَلَغَنا: «أرْضِعِيه خمْسَ رَضَعاتٍ»، فيَحْرُمُ بلَبَنِها، ففَعَلَتْ، فكانَتْ تَراه ابْنًا مِنْ الرَّضاعَةِ، فأخَذَتْ بذلك عائشةُ فيمَن أحَبَّتْ أن يَدْخُلَ عليها مِنْ الرِّجالِ، وأبَى سائرُ أزْواجِ النبيِّ ﷺ أن يَدْخُلَ علَيْهِنّ بتلك الرَّضاعَةِ أحَدٌ مِنْ الناسِ، وقُلْنَ: ما نَرَى الذي أمَرَ به رسولُ الله ﷺ إلّا رُخْصَةً في سالمٍ وَحْدَه، ورَوَى الشافعيُّ أنّ أمَّ سَلمَةَ قالَتْ في الحديث: «هو لسالمٍ خاصَّةً»، قال الشافعي: وإذا كان خاصًّا فالخاصُّ مُخْرَجٌ مِنْ العامِّ، والدَّليلُ على ذلك قولُ الله : ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجَعَلَ الحَوْلَيْن غايَةً، وما جُعِلَ له غايَةٌ فالحُكْمُ بعد مُضِيِّ الغايَةِ خِلافُ الحكْمِ قَبْلَ الغايَةِ؛ كقوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإذا مَضَت الأقْراءُ فحُكْمُهُنَّ بعد مُضِيِّها خلافُ حُكْمِهِنّ فيها (٣).
стр. 1399
قال المزني: وفي ذلك دَلالةٌ عندي على نَفْيِ الوَلَدِ لأكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ بتأقِيتِ حمْلِه وفِصالِه ثلاثين شَهْرًا؛ كما نَفَى تَوْقِيتُ الحوْلَيْن الرَّضاعَ لأكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْن (١).
قال الشافعي: وكان عمرُ لا يَرَى رَضاعَ الكبيرِ يُحَرِّمُ، وابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ، قال: وقال أبو هريرة: «لا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلّا ما فَتَقَ الأمْعاءَ».
(٢٧١٤) قال الشافعي: فلا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلّا خمْسُ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، كُلُّهُنَّ في الحوْلَيْن.
(٢٧١٥) قال: وتَفْرِيقُ الرَّضَعاتِ أن تُرْضِعَ الموْلُودَ، ثُمّ تَقْطَعَ الرَّضاعَ، ثُمّ تُرْضِعَ، ثُمّ تَقْطَعَ كذلك، فإذا رَضَعَ في مَرَّةٍ منهنّ ما يُعْلَمُ أنّه وَصَلَ إلى جَوْفِه ما قَلَّ منه أو كَثُرَ (٢) فهي رَضْعَةٌ.
(٢٧١٦) وإن الْتَقَمَ الثَّدْيَ فلَهَا قليلًا ثُمّ أرْسَلَه ثُمّ عادَ إليه كانَتْ رَضْعَةً واحدةً؛ كما يَكُونُ الحالِفُ لا يَأكُلُ بالنّهارِ إلّا مَرَّةً فيَكُونُ يَأكُلُ ويَتَنَفَّسُ بعد الازْدِرادِ ويَعُودُ يَأكُلُ، فذلك أكْلُ مَرَّةٍ وإن طالَ، وإن قَطَعَ ذلك قَطْعًا بَيِّنًا
стр. 1400
بعد قَليلٍ أو كَثيرٍ ثُمّ أكَلَ حَنِثَ، وكان هذا أكْلَتَيْن، ولو أنْفَدَ ما في إحْدَى الثَّدْيَيْن ثُمّ تَحَوَّلَ إلى الأخْرَى فأنْفَدَ ما فيها كانَتْ رَضْعَةً واحدةً.
(٢٧١٧) والوُجُورُ كالرَّضاعِ، وكذلك السُّعُوطُ؛ لأنّ الرّأسَ جَوْفٌ (١).
(٢٧١٨) ولو حَقَنَ به كان فيها قولان: أحدهما - أنّه جَوْفٌ، وذلك أنّه يُفَطِّرُ الصّائمَ، والآخر - أنّ ما وَصَلَ إلى الدِّماغِ كما وَصَلَ إلى المعِدَةِ؛ لأنّه يَغْتَذِي مِنْ المعِدَةِ، وليس كذلك الحُقْنَةُ.
قال المزني: قد جَعَلَه بالحُقْنَةِ في مَعْنَى مَنْ شَرِبَ فأفْطَرَ، فكذلك هو في القياسِ في مَعْنَى مَنْ شَرِبَ اللَّبَنَ، قال المزني: وإذْ جَعَلَ السَّعوطَ كالوَجُورِ لأنّ الرّأسَ عنده جَوْفٌ .. فالحُقْنَةُ إذا وَصَلَتْ إلى الجوْفِ عندي (٢) بذلك أوْلَى، وبالله التوفيق (٣).
(٢٧١٩) وأدْخَلَ الشّافِعيُّ على مَنْ قال: «إنْ كان ما خُلِطَ باللَّبَنِ أغْلَبَ لم يُحَرِّمْ، وإنْ كان اللَّبَنُ أغْلَبَ حَرَّمَ» فقال: أرَأيْتَ لو خَلَطَ حَرامًا بطَعامٍ فكان مُسْتَهْلَكًا في الطَّعامِ أما يَحْرُمُ؟ فكذلك اللَّبَنُ (٤).
стр. 1401
(٢٧٢٠) قال الشافعي: ولو جَبَنَ اللَّبَنَ فأطْعَمَه كان كالرَّضاعِ.
(٢٧٢١) ولا يُحَرِّمُ لَبَنُ بَهِيمَةٍ، إنّما يُحَرِّمُ لَبَنُ الآدَمِيّاتِ، قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، وقال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦].
(٢٧٢٢) ولو حَلَبَ منها رَضْعَةً خامِسَةً ثُمّ ماتَتْ فأُوْجِرَهُ صَبِيٌّ (١) .. كان ابْنَها، ولو رَضَعَ منها بعد مَوْتِها .. لم يَحْرُمْ؛ لأنّه لا يَحِلُّ لَبَنُ الميِّتَةِ.
(٢٧٢٣) ولو حُلِبَ مِنْ امْرَأةٍ لَبَنٌ كثيرٌ ففُرِّقَ ثُمّ أُوجِرَ منه صَبِيٌّ مرَّتَيْن أو ثلاثًا .. لم يَكُنْ إلّا رَضْعَةً واحدةً، وليس كاللَّبَنِ يَحْدُثُ في الثَّدْيِ، كُلَّما خَرَجَ منه شيءٌ حَدَثَ غيرُه (٢).
(٢٧٢٤) ولو تَزَوَّجَ صغيرةً، ثُمّ أرْضَعَتْها أمُّه أو ابْنَتُه، مِنْ نَسَبٍ أو رَضاعٍ، أو امْرأةُ أبِيه من نَسَبٍ أو رَضاعٍ بلَبَنِ أبِيه .. حَرُمَتْ عليه الصَّغيرةُ أبَدًا، وكان لها عليه نِصْفُ المهْرِ، ورَجَعَ على التي أرْضَعَتْها بنِصْفِ صَداقِ مِثْلِها؛ لأنّ كُلَّ مَنْ أفْسَدَ شَيْئًا ضَمِنَ قِيمَةَ ما أفْسَدَ خطأً أو عَمْدًا (٣).
стр. 1402
(٢٧٢٥) ولو أرْضَعَتْها امْرأةٌ له كَبِيرَةٌ لم يُصِبْها .. حَرُمَت الأمُّ؛ لأنّها مِنْ أمّهاتِ نِسائِه، ولا نِصْفَ مَهْرٍ لها ولا مُتْعَةَ؛ لأنّها المفْسِدَةُ، وفَسَدَ نِكاحُ المرْضَعَةِ بلا طَلاقٍ؛ لأنّها صارَتْ وأمُّها في مِلْكِه في حالٍ، ولها نِصْفُ المهْرِ، ويَرْجِعُ على التي أرْضَعَتْها بنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها.
(٢٧٢٦) ولو تَزَوَّجَ ثلاثًا صِغارًا، فأرْضَعَت امْرأتُه اثْنَتَيْن منهنَّ الرَّضْعَةَ الخامِسَةَ معًا .. فسَدَ نِكاحُ الأمِّ ونكاحُ الصَّبِيَّتَيْن معًا، ولكلِّ واحدةٍ منهما نِصْفُ المهْرِ المسَمَّى، ورَجَعَ (١) على امْرأتِه بمِثْلِ نِصْفِ مَهْرِ كُلِّ واحدةٍ منهما، وتَحِلُّ له كُلُّ واحدةٍ منهما على الانْفِرادِ؛ ولأنّهما ابْنَتَا امْرأةٍ لم يَدْخُلْ بها، فإنْ أرْضَعَت الثّالِثَةَ بعد ذلك لم تَحْرُمْ؛ لأنّها مُنْفَرِدَةٌ.
(٢٧٢٧) قال: ولو أرْضَعَتْ إحْداهُنّ الرَّضْعَةَ الخامِسَةَ، ثُمّ الأخْرَيَيْن الخامِسَةَ مَعًا .. حَرُمَتْ عليه والتي أرْضَعَتْها أوَّلًا؛ لأنّهما صارتا أمًّا وبِنْتًا في وقتٍ معًا، وحَرُمَت الأخْرَيانِ؛ لأنّهما صارتا أخْتَيْن في وقتٍ مَعًا، ولو أرْضَعَتْهما مُتَفَرِّقَتَيْن لم تَحْرُما معًا؛ لأنّها لم تُرْضِعْ واحدةً منهما إلّا بعدما بانَتْ منه هي والأُولَى، فيَثْبُتُ نكاحُ التي أرْضَعَتْها بعدما بانَتِ الأُولَى، ويَفْسُدُ نكاحُ التي أرْضَعَتْ بعدها؛ لأنّها أخْتُ امْرأتِه، فكانَتْ كامرأةٍ نُكِحَتْ على أخْتِها.
стр. 1403
قال المزني: ليس يَنْظُرُ الشافعيُّ في ذلك إلّا إلى وقتِ الرَّضاعِ، فقد صارَتا أخْتَيْنِ في وقتٍ معًا برَضاعِ الآخِرَةِ منهما، قال المزني: ولا فَرْقَ بين امرأةٍ له كبيرةٍ أرْضَعَتِ امْرأةً له صغيرةً فصارتا أمًّا وبنتًا في وقتٍ معًا، وبين أجْنَبِيَّةٍ أرْضَعَتْ له امْرأتَيْن صَغِيرَتَيْن فصارتا أخْتَيْن في وقتٍ معًا، ولو جاز أن تكونَ إذا أرْضَعَتْ صغيرةً ثُمّ صغيرةً كامْرأةٍ نُكِحَتْ على أخْتِها، لَزِمَ إذا نكَحَ كبيرةً ثُمّ صغيرةً فأرْضَعَتْها أن تكونَ كامْرأةٍ نُكِحَتْ على أمِّها، وفي ذلك دليلٌ على ما قُلْتُ أنا، وقد قال في كتاب النكاح القديم: «لو تَزَوَّجَ صَبِيَّتَيْن فأرْضَعَتْهما امرأةٌ واحدةٌ بعد واحدةٍ انْفَسَخ نِكاحُهما»، قال المزني: وهذا إذْ ذاك سواءٌ (١)، وبقَوْلِه أوْلى (٢)، وبالله التوفيق (٣).
(٢٧٢٨) قال الشافعي: ولو كان للكبيرةِ بناتٌ مَراضِعُ أو مِنْ رَضاعٍ (٤)، فأرْضَعْن الصِّغارَ كُلَّهُنّ معًا .. انْفَسَخَ نكاحُهُنّ معًا، ويَرْجِعُ على كُلِّ واحدةٍ منهنَّ بنِصْفِ مَهْرِ التي أرْضَعَتْ.
قال المزني: ويَرْجِعُ عليهنّ بنِصْفِ مَهْرِ امْرأتِه الكبيرةِ إن لم يَكُنْ دَخَلَ بها؛ لأنّها صارَتْ جَدَّةً مع بناتِ بناتِها معًا، وتَحْرُمُ الكبيرةُ أبَدًا، ويَتَزَوَّجُ الصِّغارَ على الانْفِرادِ (٥).
стр. 1404
(٢٧٢٩) قال الشافعي: ولو كان دَخَلَ بالكبيرةِ حَرُمْنَ جميعًا أبَدًا، ولو لم يَكُنْ دَخَلَ بها فأرْضَعَتْهُنّ أمُّ امْرأتِه الكبيرةِ أو جَدَّتُها أو أخْتُها أو بِنْتُ أخْتِها (١)، كان القَوْلُ فيها كالقَوْلِ في بناتِها في المسألةِ قَبْلَها.
(٢٧٣٠) ولو أنّ امْرأةً أرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. فلا بأسَ أن تَتَزَوَّجَ المرْأةُ المرْضِعَةُ أباه، ويَتَزَوَّجَ الأبُ ابْنَتَها أو أمَّها على الانفرادِ؛ لأنّها لم تُرْضِعْه.
(٢٧٣١) ولو شَكَّ أرْضَعَتْه خمْسًا أو أقَلَّ .. لم يَكُنْ ابْنًا لها بالشَّكِّ.
стр. 1405
(٢٨٢)
باب لبن المرأة والرجل
(٢٧٣٢) قال الشافعي: واللَّبَنُ للرَّجُلِ والمرأةِ كما الوَلَدُ لهما، والمرْضَعُ بذلك اللَّبَنِ وَلَدُهما.
(٢٧٣٣) قال: ولو وَلَدَتْ من زِنًا، فأرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. فهو ابْنُها، ولا يَكُونُ ابْنَ الذي زَنَى بها.
(٢٧٣٤) قال: وأكْرَهُ له في الوَرَعِ أن يَنْكِحَ بناتِ الذي وَلَدَه مِنْ زِنًا، فإن نكَحَ لم أفْسَخْه؛ لأنّه ليْسَ ابْنَه في حُكْمِ رسولِ الله ﷺ ، قَضَى رسولُ الله ﷺ بابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ لزَمْعَةَ، وأمَرَ سَوْدَةَ أن تَحْتَجِبَ منه لِما رَأى مِنْ شَبَهِه بعُتْبَةَ، فلم يَرَهَا، وقد حَكَمَ رسولُ الله ﷺ أنّه أخُوها؛ لأنّ تَرْكَ رُؤيَتِها مُباحٌ وإنْ كان أخاها.
قال المزني: وقد كان أنْكَرَ على مَنْ قال: «يَتَزَوَّجُ ابْنَتَه مِنْ زِنًا»، ويَحْتَجُّ بهذا المعْنَى، وقد زَعَمَ أنّ رُؤيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُباحٌ وإنْ كَرِهَه، فكذلك في القياسِ لا يَفْسَخُ نِكاحَه وإنْ كَرِهَه، ولم يَفْسَخْ نِكاحَ ابْنِه مِنْ زِنًا بَناتَه مِنْ حَلالٍ؛ لقَطْعِ الأخُوَّةِ، فكَذلك في القياسِ لو تَزَوَّجَ ابْنَتَه مِنْ زِنًا لم يَفْسَخْه وإنْ كَرِهَه؛ لقَطْعِ الأبُوَّةِ، وتَحْرِيمُ الأخُوَّة كتَحْرِيمِ الأبُوَّةِ، ولا حُكْمَ عنده للزِّنَا؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فهو في مَعْنَى الأجْنَبِيّ في مَذْهَبِه هذا (١)، وبالله التوفيق.
стр. 1406
(٢٧٣٥) قال الشافعي: ولو تَزَوَّجَ امْرَأةً في عِدَّتِها، فأصابَها، فجاءَتْ بوَلَدٍ (١)، فأرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. كان ابْنَها، وأُرِيَ الموْلُودُ القافَةَ، فبأيِّهما ألْحِقَ لَحِقَ، وكان المرْضَعُ ابْنَه، وسَقَطَتْ أبُوَّةُ الآخَرِ، ولو مات فالوَرَعُ أن لا يَنْكِحَ بِنْتَ واحِدٍ منهما، ولا يَكُونُ مَحْرَمًا لها (٢)، ولو قالوا: المولودُ هو ابْنُهما .. جُبِرَ إذا بَلَغَ على الانْتِسابِ إلى أحدِهما، وتَنْقَطِعُ أبُوَّةُ الآخَرِ، ولو كان مَعْتُوهًا لم يُلْحَقْ بواحِدٍ منهما حتّى يَمُوتَ وله وَلَدٌ فيَقُومُون مَقامَه في الانْتِسابِ إلى أحدِهما، أو لا يَكُونُ له وَلَدٌ فيَكُونُ مِيراثُه مَوْقُوفًا (٣).
(٢٧٣٦) ولو أرْضَعَتْ بلَبَنِ مَوْلُودٍ نَفاه أبُوه باللِّعانِ .. لم يَكُنْ أبا المرْضَعِ، فإن رَجَعَ لَحِقَه وصار أبا المرْضَعِ.
(٢٧٣٧) ولو انْقَضَتْ عِدَّتُها بثلاثِ حِيَضٍ وثَبَتَ لَبَنُها أو انْقَطَعَ، ثُمّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا فأصابها فثابَ لها لَبَنٌ ولم يَظْهَرْ بها حَمْلٌ .. فهو مِنْ الأوّلِ، ولو كان لَبَنُها ثَبَتَ فحَمَلَتْ مِنْ الثاني فنَزَلَ لها لَبَنٌ .. قال في كتاب النكاح القديم: هو منهما جميعًا، وقال في موضع آخر: فإذا ثاب لها لَبَنٌ في الوقتِ الذي يَكُونُ لها فيه لَبَنٌ مِنْ الحمْلِ الآخِرِ كان اللَّبَنُ مِنْ الأوَّلِ
стр. 1407
بكُلِّ حالٍ؛ لأنّي على عِلْمٍ مِنْ لَبَنِ الأوَّلِ، وفي شَكٍّ مِنْ أن يَكُونَ خَلَطَه لَبَنُ الآخِرِ، فلا أحَرِّمُ بالشَّكِّ، وأحِبُّ للمُرْضَعِ لو تَوَقَّى بناتِ الزَّوْجِ الآخِرِ.
قال المزني: هذا عندي أشْبَهُ (١).
(٢٧٣٨) قال الشافعي: ولو انْقَطَعَ فلم يَثُبْ حتّى كان الحمْلُ الآخِرُ في وَقْتٍ يُمْكِنُ مِنْ الأوَّلِ .. ففيها أقاويل: أحدها - أنّه مِنْ الأوَّلِ بكُلِّ حالٍ؛ كما يَثُوبُ بأن تَرْحَمَ الموْلُودَ أو تَشْرَبَ دواءً فتُدِرُّ عليه، والثاني - أنّه إذا انْقَطَعَ انْقِطاعًا بَيِّنًا فهو مِنْ الآخِرِ، وإن كان لا يَكُونُ مِنْ الآخِرِ لَبَنٌ تُرْضِعُ به حتّى تَلِدَ .. فهو مِنْ الأوَّلِ في جميعِ هذه الأقاويلِ، فإنْ كان يَثُوبُ شيءٌ تُرْضِعُ به وإن قَلَّ، فهو منهما معًا، ومَن لم يُفَرِّقْ بين الوَلَدِ واللَّبَنِ قال: هو للأوَّلِ، ومَن فَرَّق قال: هو منهما معًا (٢).
(٢٧٣٩) قال: ولو لم يَنْقَطِع اللَّبَنُ حتّى وَلَدَتْ مِنْ الآخِرِ .. فالوِلادُ قَطْعٌ لِلَبَنِ الأوَّلِ، فمَن أرْضَعَتْ فهو ابْنُها وابْنُ الزَّوْجِ الآخِرِ.