قال المزني: ليس يَنْظُرُ الشافعيُّ في ذلك إلّا إلى وقتِ الرَّضاعِ، فقد صارَتا أخْتَيْنِ في وقتٍ معًا برَضاعِ الآخِرَةِ منهما، قال المزني: ولا فَرْقَ بين امرأةٍ له كبيرةٍ أرْضَعَتِ امْرأةً له صغيرةً فصارتا أمًّا وبنتًا في وقتٍ معًا، وبين أجْنَبِيَّةٍ أرْضَعَتْ له امْرأتَيْن صَغِيرَتَيْن فصارتا أخْتَيْن في وقتٍ معًا، ولو جاز أن تكونَ إذا أرْضَعَتْ صغيرةً ثُمّ صغيرةً كامْرأةٍ نُكِحَتْ على أخْتِها، لَزِمَ إذا نكَحَ كبيرةً ثُمّ صغيرةً فأرْضَعَتْها أن تكونَ كامْرأةٍ نُكِحَتْ على أمِّها، وفي ذلك دليلٌ على ما قُلْتُ أنا، وقد قال في كتاب النكاح القديم: «لو تَزَوَّجَ صَبِيَّتَيْن فأرْضَعَتْهما امرأةٌ واحدةٌ بعد واحدةٍ انْفَسَخ نِكاحُهما»، قال المزني: وهذا إذْ ذاك سواءٌ (١)، وبقَوْلِه أوْلى (٢)، وبالله التوفيق (٣).
(٢٧٢٨) قال الشافعي: ولو كان للكبيرةِ بناتٌ مَراضِعُ أو مِنْ رَضاعٍ (٤)، فأرْضَعْن الصِّغارَ كُلَّهُنّ معًا .. انْفَسَخَ نكاحُهُنّ معًا، ويَرْجِعُ على كُلِّ واحدةٍ منهنَّ بنِصْفِ مَهْرِ التي أرْضَعَتْ.
قال المزني: ويَرْجِعُ عليهنّ بنِصْفِ مَهْرِ امْرأتِه الكبيرةِ إن لم يَكُنْ دَخَلَ بها؛ لأنّها صارَتْ جَدَّةً مع بناتِ بناتِها معًا، وتَحْرُمُ الكبيرةُ أبَدًا، ويَتَزَوَّجُ الصِّغارَ على الانْفِرادِ (٥).
стр. 1404
(٢٧٢٩) قال الشافعي: ولو كان دَخَلَ بالكبيرةِ حَرُمْنَ جميعًا أبَدًا، ولو لم يَكُنْ دَخَلَ بها فأرْضَعَتْهُنّ أمُّ امْرأتِه الكبيرةِ أو جَدَّتُها أو أخْتُها أو بِنْتُ أخْتِها (١)، كان القَوْلُ فيها كالقَوْلِ في بناتِها في المسألةِ قَبْلَها.
(٢٧٣٠) ولو أنّ امْرأةً أرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. فلا بأسَ أن تَتَزَوَّجَ المرْأةُ المرْضِعَةُ أباه، ويَتَزَوَّجَ الأبُ ابْنَتَها أو أمَّها على الانفرادِ؛ لأنّها لم تُرْضِعْه.
(٢٧٣١) ولو شَكَّ أرْضَعَتْه خمْسًا أو أقَلَّ .. لم يَكُنْ ابْنًا لها بالشَّكِّ.
стр. 1405
(٢٨٢)
باب لبن المرأة والرجل
(٢٧٣٢) قال الشافعي: واللَّبَنُ للرَّجُلِ والمرأةِ كما الوَلَدُ لهما، والمرْضَعُ بذلك اللَّبَنِ وَلَدُهما.
(٢٧٣٣) قال: ولو وَلَدَتْ من زِنًا، فأرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. فهو ابْنُها، ولا يَكُونُ ابْنَ الذي زَنَى بها.
(٢٧٣٤) قال: وأكْرَهُ له في الوَرَعِ أن يَنْكِحَ بناتِ الذي وَلَدَه مِنْ زِنًا، فإن نكَحَ لم أفْسَخْه؛ لأنّه ليْسَ ابْنَه في حُكْمِ رسولِ الله ﷺ ، قَضَى رسولُ الله ﷺ بابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ لزَمْعَةَ، وأمَرَ سَوْدَةَ أن تَحْتَجِبَ منه لِما رَأى مِنْ شَبَهِه بعُتْبَةَ، فلم يَرَهَا، وقد حَكَمَ رسولُ الله ﷺ أنّه أخُوها؛ لأنّ تَرْكَ رُؤيَتِها مُباحٌ وإنْ كان أخاها.
قال المزني: وقد كان أنْكَرَ على مَنْ قال: «يَتَزَوَّجُ ابْنَتَه مِنْ زِنًا»، ويَحْتَجُّ بهذا المعْنَى، وقد زَعَمَ أنّ رُؤيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُباحٌ وإنْ كَرِهَه، فكذلك في القياسِ لا يَفْسَخُ نِكاحَه وإنْ كَرِهَه، ولم يَفْسَخْ نِكاحَ ابْنِه مِنْ زِنًا بَناتَه مِنْ حَلالٍ؛ لقَطْعِ الأخُوَّةِ، فكَذلك في القياسِ لو تَزَوَّجَ ابْنَتَه مِنْ زِنًا لم يَفْسَخْه وإنْ كَرِهَه؛ لقَطْعِ الأبُوَّةِ، وتَحْرِيمُ الأخُوَّة كتَحْرِيمِ الأبُوَّةِ، ولا حُكْمَ عنده للزِّنَا؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فهو في مَعْنَى الأجْنَبِيّ في مَذْهَبِه هذا (١)، وبالله التوفيق.
стр. 1406
(٢٧٣٥) قال الشافعي: ولو تَزَوَّجَ امْرَأةً في عِدَّتِها، فأصابَها، فجاءَتْ بوَلَدٍ (١)، فأرْضَعَتْ مَوْلُودًا .. كان ابْنَها، وأُرِيَ الموْلُودُ القافَةَ، فبأيِّهما ألْحِقَ لَحِقَ، وكان المرْضَعُ ابْنَه، وسَقَطَتْ أبُوَّةُ الآخَرِ، ولو مات فالوَرَعُ أن لا يَنْكِحَ بِنْتَ واحِدٍ منهما، ولا يَكُونُ مَحْرَمًا لها (٢)، ولو قالوا: المولودُ هو ابْنُهما .. جُبِرَ إذا بَلَغَ على الانْتِسابِ إلى أحدِهما، وتَنْقَطِعُ أبُوَّةُ الآخَرِ، ولو كان مَعْتُوهًا لم يُلْحَقْ بواحِدٍ منهما حتّى يَمُوتَ وله وَلَدٌ فيَقُومُون مَقامَه في الانْتِسابِ إلى أحدِهما، أو لا يَكُونُ له وَلَدٌ فيَكُونُ مِيراثُه مَوْقُوفًا (٣).
(٢٧٣٦) ولو أرْضَعَتْ بلَبَنِ مَوْلُودٍ نَفاه أبُوه باللِّعانِ .. لم يَكُنْ أبا المرْضَعِ، فإن رَجَعَ لَحِقَه وصار أبا المرْضَعِ.
(٢٧٣٧) ولو انْقَضَتْ عِدَّتُها بثلاثِ حِيَضٍ وثَبَتَ لَبَنُها أو انْقَطَعَ، ثُمّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا فأصابها فثابَ لها لَبَنٌ ولم يَظْهَرْ بها حَمْلٌ .. فهو مِنْ الأوّلِ، ولو كان لَبَنُها ثَبَتَ فحَمَلَتْ مِنْ الثاني فنَزَلَ لها لَبَنٌ .. قال في كتاب النكاح القديم: هو منهما جميعًا، وقال في موضع آخر: فإذا ثاب لها لَبَنٌ في الوقتِ الذي يَكُونُ لها فيه لَبَنٌ مِنْ الحمْلِ الآخِرِ كان اللَّبَنُ مِنْ الأوَّلِ
стр. 1407
بكُلِّ حالٍ؛ لأنّي على عِلْمٍ مِنْ لَبَنِ الأوَّلِ، وفي شَكٍّ مِنْ أن يَكُونَ خَلَطَه لَبَنُ الآخِرِ، فلا أحَرِّمُ بالشَّكِّ، وأحِبُّ للمُرْضَعِ لو تَوَقَّى بناتِ الزَّوْجِ الآخِرِ.
قال المزني: هذا عندي أشْبَهُ (١).
(٢٧٣٨) قال الشافعي: ولو انْقَطَعَ فلم يَثُبْ حتّى كان الحمْلُ الآخِرُ في وَقْتٍ يُمْكِنُ مِنْ الأوَّلِ .. ففيها أقاويل: أحدها - أنّه مِنْ الأوَّلِ بكُلِّ حالٍ؛ كما يَثُوبُ بأن تَرْحَمَ الموْلُودَ أو تَشْرَبَ دواءً فتُدِرُّ عليه، والثاني - أنّه إذا انْقَطَعَ انْقِطاعًا بَيِّنًا فهو مِنْ الآخِرِ، وإن كان لا يَكُونُ مِنْ الآخِرِ لَبَنٌ تُرْضِعُ به حتّى تَلِدَ .. فهو مِنْ الأوَّلِ في جميعِ هذه الأقاويلِ، فإنْ كان يَثُوبُ شيءٌ تُرْضِعُ به وإن قَلَّ، فهو منهما معًا، ومَن لم يُفَرِّقْ بين الوَلَدِ واللَّبَنِ قال: هو للأوَّلِ، ومَن فَرَّق قال: هو منهما معًا (٢).
(٢٧٣٩) قال: ولو لم يَنْقَطِع اللَّبَنُ حتّى وَلَدَتْ مِنْ الآخِرِ .. فالوِلادُ قَطْعٌ لِلَبَنِ الأوَّلِ، فمَن أرْضَعَتْ فهو ابْنُها وابْنُ الزَّوْجِ الآخِرِ.
стр. 1408
(٢٨٣)
باب الشهادة في الرَّضَاع والإقرار
من كتاب الرَّضاع، ومن كتاب النكاح القديم (١)(٢٧٤٠) قال الشافعي: وشَهادَةُ النِّساءِ جائزةٌ فيما لا يَحِلُّ للرِّجالِ غَيْرِ ذَوِي المحارِمِ أن يَتَعَمَّدُوا النَّظَرَ إليه لغَيْرِ شَهادَةٍ، مِنْ وِلادِ المرأةِ وعُيُوبِها التي تَحْتَ ثِيابِها، والرَّضاعُ عندي مِثْلُه، لا يَحِلُّ لغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أو زَوْجٍ أن يَتَعَمَّدَ أن يَنْظُرَ إلى ثَدْيِها، ولا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ على رَضاعِها بغَيْرِ رُؤيَةِ ثَدْيَيْها.
(٢٧٤١) ولا يَجُوزُ مِنْ النِّساءِ على الرَّضاعِ أقَلُّ مِنْ أرْبَعِ حَرائِرَ بَوَالِغَ عُدُولٍ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ؛ لأنّ اللهَ جل ثناؤه لمّا أجاز شَهادَتَهُنّ في الدَّيْنِ جَعَلَ امْرَأتَيْن تَقُومان مَقامَ رَجُلٍ.
(٢٧٤٢) وإنْ كانَت المرْأةُ تُنْكِرُ الرَّضاعَ وكانَتْ فيهنّ أمُّها أو ابْنَتُها جُزْنَ عليها، وإنْ كانَت المرأةُ تَدَّعِي الرَّضاعَ لم يَجُزْ فيها أمُّها ولا أمَّهاتُها ولا ابْنَتُها ولا بَناتُها.
(٢٧٤٣) ويَجُوزُ في ذلك شَهادَةُ التي أرْضَعَتْ؛ لأنّه ليس لها في ذلك ولا عليها ما تُرَدُّ به شَهادَتُها.
قال المزني: وكيف تَجُوزُ شهادَتُها على فِعْلِها ولا تَجُوزُ شَهادَةُ أمِّها
стр. 1409
وأمَّهاتِها وبَناتِها؟! فهُنَّ في شهادَتِهِنّ على فِعْلِها أجْوَزُ في القياسِ مِنْ شَهادَتِها على فِعْلِ نَفْسِها (١).
(٢٧٤٤) قال الشافعي: ويُوقَفْنَ حتّى يَشْهَدْن أنْ قد رَضَعَ الموْلُودُ خَمْسَ رَضَعاتٍ تَخْلُصُ كُلُّهُنّ إلى جَوْفِه، ويَسَعُهُنّ الشّهادَةُ على هذا؛ لأنّه ظاهرُ عِلْمِهِنّ.
(٢٧٤٥) وذَكَرَت السَّوْداءُ أنّها أرْضَعَتْ رجلًا وامرأةً تَناكَحا، فسَألَ الرَّجلُ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأعْرَضَ وقال: «وكيف وقد زَعَمَت السوداءُ أنّها قد أرْضَعَتْكما؟»، قال الشافعي: إعْراضُه ﷺ يُشْبِه أن يَكُونَ لم يَرَ هذا شَهادَةً تَلْزَمُه، وقولُه: «وكيف وقد زَعَمَت السوداءُ أنّها قد أرْضَعَتْكما؟» يُشْبِهُ أن يَكْرَهَ له أن يُقِيمَ مَعَها وقد قيل: إنّها أخْتُه مِنْ الرَّضاعةِ، وهو مَعْنَى ما قُلْنا أنّه يَتْرُكُها وَرَعًا لا حُكْمًا.
(٢٧٤٦) قال: ولو قال رجلٌ: هذه أخْتِي مِنْ الرَّضاعَةِ، أو قالَتْ: هذا أخِي مِنْ الرَّضاعَةِ، كَذَّبَتْه أو كَذَّبَها .. فلا يَحِلُّ لواحِدٍ منهما أن يَنْكِحَ الآخَرَ، ولو أقَرَّ بذلك بعد عَقْدِ نِكاحِها فُرِّقَ بينهما، فإنْ كَذَّبَتْه أخَذَتْ نِصْفَ ما سَمَّى لها، وإن كانَتْ هي المدَّعِيَةَ أفْتَيْتُه أن يَتَّقِيَ اللهَ ويَدَعَ نِكاحَها بطَلْقَةٍ لتَحِلَّ بها لغَيْرِه وإنْ كانَتْ كاذِبَةً، وأحَلِّفُه لها، فإن نَكَلَ حَلَفَتْ وفُرِّقَ بينهما.
стр. 1410
(٢٨٤)
باب رَضاع الخنثى
(٢٧٤٧) قال الشافعي: إنْ كان الأغْلَبُ مِنْ الخُنْثَى أنّه رَجُلٌ نَكَحَ امْرَأةً، ولم يُتْرَكْ يَنْكِحُه رجلٌ، وإنْ كان الأغْلَبُ أنّه امْرَأةٌ فنَزَلَ له لَبَنٌ مِنْ نِكاحٍ أو غَيْرِه فأرْضَعَ صَبِيًّا حَرَّمَ، وإنْ كان مُشْكِلًا .. فله أن يَنْكِحَ بأيِّهما شاء، وبأيِّهما نكَحَ أوَّلًا (١) أجَزْتُه، ولم أجْعَلْ له أن يَنْكِحَ بالآخَرِ.
стр. 1411
[٤٨]
كتاب النفقة
стр. 1412
(٢٨٥)
مختصر وجوب النفقة للزوجة
من كتاب النفقة وعِشْرة النساء، ومن الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن كتاب النكاح إملاء على مسائل مالك
(٢٧٤٨) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء: ٣]؛ أي: لا يَكْثُرُ مَنْ تَعُولُون (١).
стр. 1413
(٢٧٤٩) قال: وفيه دليلٌ على أنّ على الرَّجُلِ نَفَقَةَ امْرَأتِه، فأحِبُّ أن يَقْتَصِرَ الرَّجُلُ على واحدةٍ، وإن أبِيحَ له أكْثَرُ.
(٢٧٥٠) وجاءَتْ هِنْدٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالَتْ: يا رسولَ الله، إنّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وإنّه لا يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي وَوَلَدِي (١)، إلّا ما أخَذْتُ منه سِرًّا وهو لا يَعْلَمُ، فهل عَلَيَّ في ذلك شَيْءٌ؟ (٢)، فقال النبيُّ ﷺ : «خُذِي ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالمعْرُوفِ»، وجاء رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، عندي دينارٌ؟ فقال: «أنْفِقْه على نَفْسِك»، فقال: عندي آخَرُ؟ قال: «أنْفِقْه على وَلَدِك»، قال: عندي آخَرُ؟ قال: «أنْفِقْه على أهْلِك»، قال: عندي آخَرُ؟ قال: «أنْفِقْه على خادِمِك»، قال: عندي آخَرُ؟ قال: «أنْتَ أعْلَمُ به»، قال سعيدٌ المقْبُرِيّ: ثُمّ يَقُولُ أبو هريرة إذا حَدَّثَ بهذا الحديث: «يَقُولُ وَلَدُك: أنْفِقْ عَلَيَّ، إلى مَنْ تَكِلُني؟ وتَقُولُ زَوْجَتُك: أنْفِقْ عَلَيَّ أو طَلِّقْنِي، ويَقُولُ خادِمُك: أنْفِقْ عَلَيَّ أو بِعْنِي».
(٢٧٥١) قال الشافعي: ففي القرآنِ والسُّنَّةِ بَيانُ أنَّ على الرَّجُلِ ما لا غِنَى لامْرأتِه (٣) عنه مِنْ نَفَقَةٍ وكِسْوَةٍ وخِدْمَةٍ في الحالِ التي لا تَقْدِرُ على ما لا صَلاحَ لبَدَنِها مِنْ زَمانَةٍ ومَرَضٍ إلّا به.
وقال في «كتاب عشرة النساء»: «ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ عليه لخادِمِها نَفَقَةٌ إذا كانَتْ ممَّن لا تَخْدُمُ نَفْسَها»، وقال فيه أيضًا: «إذا لم يَكُنْ لها خادِمٌ فلا يَبِينُ أن يُعْطِيَها خادِمًا، ولكن يُجْبَرُ على مَنْ يَصْنَعُ لها الطَّعامَ الذي لا تَصْنَعُه هي، ويُدْخِلُ عليها ما لا تَخْرُجُ لإدْخالِه مِنْ الماءِ وما يُصْلِحُها، ولا يُجاوَزُ به ذلك».
стр. 1414
قال المزني: قد أوْجَبَ لها في مَوْضِعٍ مِنْ هذا نَفَقَةَ خادِمٍ، وقالَه في «كتاب النكاح إملاء على مسائل مالك المجموعة»، وقاله في «كتاب النفقة»، وهو بقَوْلِه أوْلَى؛ لأنّه لم يَخْتَلِفْ قَوْلُه أنّ عليه أن يُزَكِّيَ عن خادِمِها، فكذلك يُنْفِقُ عليها، قال المزني: وممّا يُؤكِّدُ ذلك قَوْلُه: «لو أراد أن يُخْرِجَ عنها أكْثَرَ مِنْ واحدةٍ أخْرَجَهُم» (١).
(٢٧٥٢) قال الشافعي: ويُنْفِقُ المكاتَبُ على وَلَدِه مِنْ أمَتِه، وقال في «كتاب النكاح»: لو كانَت امْرَأتُه مُكاتَبَةً، وليس كِتابَتُهما واحدةً، ولا مَوْلاهُما واحِدًا، ووُلِدَ له في الكِتابَةِ أوْلادٌ .. فنَفَقَتُهُم على الأمِّ؛ لأنّها أحَقُّ بهم، ويُعْتَقُون بعِتْقِها.
стр. 1415
(٢٧٥٣) وليس على العَبْدِ أن يُنْفِقَ على وَلَدِه مِنْ امْرأةٍ حُرَّةٍ ولا أمَةٍ (١).
стр. 1416
(٢٨٦)
باب قدر النفقة
من ثلاثة كتب
(٢٧٥٤) قال الشافعي: النّفَقَةُ نَفَقَتان: نَفَقَةُ الموسِعِ، ونَفَقَةُ المقْتِرِ، قال اللهُ : ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه﴾ الآية [الطلاق: ٧] (١).
(٢٧٥٥) فأما ما يَلْزَمُ المقْتِرَ لامْرأتِه .. إنْ كان الأغْلَبُ ببَلَدِها أنّها لا تكونُ إلّا مَخْدُومَةً عالها وخادِمًا واحدًا بما لا يَقُومُ بَدَنٌ على أقَلَّ منه، وذلك مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ ﷺ في كُلّ يَوْمٍ مِنْ طَعامِ البَلَدِ الأغْلَبِ فيها مِنْ قُوتِ مِثْلِها، ولخادِمِها مِثْلُه.
(٢٧٥٦) ومَكِيلَةٌ مِنْ أُدْمِ بلادِها زَيْتًا كان أو سَمْنًا بقَدْرِ ما يَكْفِي ما وَصَفْتُ.
(٢٧٥٧) ويُفْرَضُ لها في دُهْنٍ ومُشْطٍ أقَلُّ ما يَكْفِيها، ولا يَكُونُ ذلك لخادِمِها؛ لأنّه ليس المعْرُوفَ لها (٢).
(٢٧٥٨) وقيل: في كُلِّ جُمُعَةٍ رِطْلُ لَحْمٍ، وذلك المعْرُوفُ لمثْلِها.
(٢٧٥٩) ويُفْرَضُ لها مِنْ الكُِسْوَةِ ما يُكْتَسَى مِثْلُها ببَلَدِها عند المقْتِرِ؛ مِنْ القُطْنِ الكُوفيّ والبَصْرِيّ وما أشْبَهَه، ولخادِمِها كِرْباسٌ وما أشْبَهَه (٣)،
стр. 1417
وفي البَلَدِ البارِدِ أقَلُّ ما يَكْفِي البَرْدَ، مِنْ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وقَطِيفَةٍ أو لِحافٍ يَكْفِي السِّنِينَ وقميصٍ وسَراوِيلَ وخمارٍ أو مِقْنَعَةٍ، ولجارِيَتِها جُبَّةُ صُوفٍ وكِساءٌ تَلْتَحِفُه يُدْفِئ مِثْلُها وقميصٌ ومِقْنَعَةٌ وخُفٌّ وما لا غِنَى بها عنه، ويُفْرَضُ لها في الصَّيْفِ قميصٌ ومِلْحَفَةٌ ومِقْنَعَةٌ (١).
(٢٧٦٠) وإنْ كانَتْ رَغِيبَةً لا يُجْزِيها هذا دُفِعَ ذلك إليها، وتَزَيَّدَتْ مِنْ ثَمَنِ أُدْمٍ ولَحْمٍ ما شاءَتْ في الحَبِّ، وإنْ كانَتْ زَهِيدَةً تَزَيَّدَتْ فيما لا يَقُوتُها مِنْ فَضْلِ المكِيلَةِ (٢).
(٢٧٦١) وإنْ كان زَوْجُها مُوسِعًا .. فُرِضَ لها مُدّانِ، ومِن الأُدْمِ واللَّحْمِ ضِعْفُ ما وَصَفْتُ لامْرأةِ المقْتِرِ، وكذلك في الدُّهْنِ والمشْطِ، ومِن الكُِسْوَةِ وَسَطُ البَغْدَادِيّ والنَّهْرِيّ ولَيِّنُ البَصْرِيّ وما أشْبَهَها، ويُحْشَى إنْ كانَتْ ببلادٍ يَحْتاجُ أهْلُها إليه، وقَطِيفَةٌ وَسَطٌ.
(٢٧٦٢) ولا أعْطِيها في القُوتِ دَراهِمَ، فإنْ شاءَتْ أن تَبِيعَه فتَصْرِفَه فيما شاءَتْ صَرَفَتْه.
(٢٧٦٣) وأجْعَلُ لخادِمِها مُدًّا وثُلُثًا؛ لأنّ ذلك سَعَةٌ لمثْلِها، وفي كُِسْوَتِها الكِرْباسُ وغَلِيظُ البَصْرِيّ والواسِطِيّ وما أشْبَهَه، لا أجاوِزُه لمُوسِعٍ مَنْ كان ومَن كانَت امْرَأتُه.
(٢٧٦٤) ولامْرأتِه فِراشٌ ووِسادَةٌ [مِنْ غَلِيظِ مَتاع البَصْرَةِ وما أشْبَهَه،
стр. 1418
ولخادِمِها فَرْوَةٌ ووِسادَةٌ (١) وما أشْبَهَه مِنْ عَباءَةٍ أو كِساءٍ غَلِيظٍ، فإذا بَلِيَ أخْلَفَه.
(٢٧٦٥) وإنّما جَعَلْتُ أقَلَّ الفَرْضِ في هذا .. بالدَّلالةِ عن رسولِ الله ﷺ في دَفْعِه إلى الذي أصابَ أهْلَه في شَهْرِ رمضانَ عَرَقًا فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا لسِتِّين مِسْكِينًا، وإنّما جَعَلْتُ أكْثَرَ ما فَرَضْتُ مُدَّيْنِ؛ لأنّ أكْثَرَ ما أمَرَ به النبيُّ ﷺ في فِدْيَةِ الأذَى مُدّان لكُلِّ مِسْكِينٍ، فلم أقَصِّرْ عن هذا، ولم أجاوِزْ هذا، مع أنّ مَعْلُومًا أنّ الأغْلَبَ أنّ أقَلَّ القُوتِ مُدٌّ، وأنّ مِنْ أوْسَعِه مُدَّيْن.
(٢٧٦٦) والفَرْضُ الذي على الوَسَطِ الذي ليس بالموسِعِ ولا المقْتِرِ .. بينهما، مُدٌّ ونِصْفٌ، وللخادِمِ مُدٌّ.
(٢٧٦٧) وإنْ كانَتْ بَدَوِيَّةً .. فما يَأكُلُ أهْلُ البادِيَةِ، ومِن الكُِسْوَةِ بقَدْرِ ما يَلْبَسُون، لا وَقْتَ في ذلك إلّا قَدْرُ ما يُرَى بالمعْرُوفِ.
(٢٧٦٨) وليس على رَجُلٍ أن يُضَحِّي لامْرأتِه، ولا يُؤدِّيَ عنها أجْرَ طَبِيبٍ ولا حَجّامٍ.
стр. 1419
(٢٨٧)
باب الحال التي تجب فيها النفقة وما لا تجب
من كتاب العشرة، ومن كتاب التعريض بالخطبة، ومن الإملاء على مسائل مالك (١)(٢٧٦٩) قال الشافعي: إذا كانَت المرْأةُ يُجامَعُ مِثْلُها، فخَلَّتْ أو أهْلُها بَيْنَه وبَيْنَ الدُّخُولِ بها .. وَجَبَتْ عليه نَفَقَتُها وإنْ كان صَغِيرًا؛ لأنّ الحبْسَ مِنْ قِبَلِه، وقال في كتابين: وقد قيل: إذا كان الحبْسُ مِنْ قِبَلِه فعَلَيْه، وإذا كان مِنْ قِبَلِها فلا نَفَقَةَ لها، ولو قال قائلٌ: يُنْفِقُ؛ لأنّها مَمْنُوعَةٌ به عن غَيْرِه (٢) كان مَذْهَبًا (٣).
قال المزني: قد قَطَعَ بأنّها إذا لم تُخَلِّ بينه وبينها فلا نَفَقَةَ لها، حتّى قال: «فإن ادَّعَتِ التَّخْلِيَةَ فهي غَيْرُ مُخَلِّيَةٍ حتّى يُعْلَمَ ذلك منها» (٤).
(٢٧٧٠) قال الشافعي: ولو كانَتْ مَرِيضَةً .. لَزِمَتْه نَفَقَتُها، وليْسَتْ كالصَّغِيرَةِ.
стр. 1420
(٢٧٧١) ولو كان في جِماعِها شِدَّةُ ضَرَرٍ .. مُنِعَ وأُخِذَ بنَفَقَتِها.
(٢٧٧٢) ولو ارْتَتَقَتْ ولم يُقْدَرْ على جِماعِها .. فهذا عارِضٌ لا مَنْعٌ منها، وقد جُومِعَتْ.
(٢٧٧٣) ولو أذِنَ لها فأحْرَمَتْ أو اعْتَكَفَتْ، أو لَزِمَها نَذْرٌ أو كَفّارَةٌ .. كان عليه نَفَقَتُها.
(٢٧٧٤) ولو هَرَبَتْ، أو امْتَنَعَتْ، أو كانَتْ أمَةً فمَنَعَها سَيِّدُها .. فلا نَفَقَةَ لها.
(٢٧٧٥) ولا يُبْرِئه ممّا وَجَبَ لها مِنْ نَفَقَتِها وإنْ كان حاضِرًا معها إلّا إقْرارُها أو بَيِّنَةٌ عليها.
(٢٧٧٦) ولو أسْلَمَتْ وَثَنِيَّةٌ وأسْلَمَ زَوْجُها في العِدَّةِ أو بَعْدَها .. فلها النَّفَقَةُ؛ لأنّها محْبُوسَةٌ عليه، متى شاء أسْلَمَ وكانَت امْرَأتَه، ولو كان هو المسْلِمَ .. لم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ في أيّام كُفْرِها، فإنْ دَفَعَها إليها فلم تُسْلِمْ حتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فلا حَقَّ له؛ لأنّه تَطَوَّعَ بها.
وقال في كتاب النكاح القديم: «فإنْ أسْلَمَ ثُمّ أسْلَمَتْ .. فهما على النكاحِ، ولها النَّفَقَةُ في حالِ الوَقْفِ؛ لأنّ العَقْدَ لم يَنْفَسِخْ، [وإن لم تُسْلِمْ .. فلا نَفَقَةَ لها؛ لأنّها مانِعَةٌ نَفْسَها في هذه الحالِ (١)»، قال المزني: الأوَّلُ بقَوْلِه أوْلَى؛ لأنّه يَمْنَعُ المسْلِمَةَ النَّفَقَةَ بامْتِناعِها، فكيف لا يَمْنَعُ الوَثَنِيَّةَ بامْتِناعِها.
(٢٧٧٧) قال الشافعي: وعلى العبدِ نَفَقَةُ امْرَأتِه الحرَّةِ والكِتابِيَّةِ والأمَةِ إذا بُوِّئَتْ معه بَيْتًا، وإذا احْتاجَ سَيِّدُها إلى خِدْمَتِها فذلك له، ولا نَفَقَةَ لها.
стр. 1421
(٢٧٧٨) قال: ونَفَقَتُه نَفَقَةُ المقْتِرِ؛ لأنّه ليْسَ مِنْ عَبْدٍ إلّا وهو مُقْتِرٌ (١)؛ لأنّ ما بِيَدِه - وإن اتَّسَعَ - لسَيِّدِه، ومَن لم تكْمُلْ فيه الحرِّيَّةُ كالممْلُوكِ.
قال المزني: إذا كانَتْ تِسْعَةُ أعْشارِه حُرًّا .. فهو يَجْعَلُ له تِسْعَةَ أعْشارِ ما يَمْلِكُ، ويَرِثُه مَوْلاه الذي أعْتَقَ تِسْعَةَ أعْشارِه، فكيْفَ لا يُنْفِقُ على قَدْرِ سَعَتِه، قال المزني: جَعَلَ الشافعيُّ مَنْ لم تكْمُلْ فيه الحرِّيَّةُ كالممْلُوكِ، وقال في «كتاب الأيمان» [ف: ٣٦١٧]: «إذا كان نِصْفُه حُرًّا ونِصْفُه عَبْدًا كَفَّرَ بالإطْعامِ»، فجَعَلَه كالحُرِّ ببَعْضِ الحرِّيَّةِ هناك، ولم يَجْعَلْه ببَعْضِ الحرِّيَّةِ ههنا كالحُرِّ، بل جَعَلَه كالعَبْدِ، فالقِياسُ على أصْلِه ما قُلْنا مِنْ أنّ الحُرَّ منه يُنْفِقُ بقَدْرِ سَعَتِه، والعَبْدَ منه بقَدْرِه، وكذلك قال في «كتاب زكاة الفطر» [ف: ٧١٣]: إنّ على الحُرِّ منه بقَدْرِه في زَكاةِ الفِطْرِ، وعلى سَيِّدِ العَبْدِ منه بقَدْرِ الرِّقِّ منه (٢)، والقياسُ ما قُلْنا، فتَفَهَّمُوه كذلك تَجِدُوه إن شاء الله (٣).
стр. 1422
(٢٨٨)
باب الرجل لا يجد نفقة
من كتابين
(٢٧٧٩) قال الشافعي: ولمّا دَلّ الكتابُ والسُّنَّةُ على أنّ حَقَّ المرْأةِ على الزَّوْجِ أن يَعُولَها .. احْتَمَلَ أن لا يَكُونَ له أن يَسْتَمْتِعَ بها ويَمْنَعَها حَقَّها، ولا يُخَلِّيَها تَتَزَوَّجُ مَنْ يُغْنِيها، وأنْ تُخَيَّرَ بيْنَ مُقامِها معه وفِراقِه، وكَتَبَ عُمَرُ بن الخطاب إلى أمَراءِ الأجْنادِ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم يَأمُرُهُم أن يَأخُذُوهم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ ما حَبَسُوا، وهذا يُشْبِهُ ما وَصَفْتُ، وسُئِلَ سعيدُ بنُ المسيب عن الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امْرأتِه؟ قال: يُفَرَّقُ بينهما، قيل له: فسُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، قال: والذي يُشْبِهُ قَوْلُ ابنِ المسيب: «سُنَّةٌ» أن تَكُون سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ (١).
(٢٧٨٠) وإذا وَجَدَ نَفَقَتَها يَوْمًا بيَوْمٍ .. لم يُفَرَّقْ بينهما، وإن لم يَجِدْ .. لم يُؤجَّلْ أكْثَرَ مِنْ ثلاثٍ، ولا تُمْنَعُ المرأةُ في ثلاثٍ مِنْ أن تَخْرُجَ فتَعْمَلَ أو تَسْأَلَ، فإن لم يَجِدْ نَفَقَتَها خُيِّرَتْ كما وَصَفْتُ في هذا القولِ.
(٢٧٨١) وإن وَجَدَ نَفَقَتَها ولم يَجِدْ نَفَقَةَ خادِمِها لم تُخَيَّرْ؛ لأنّها تَمَاسَكُ بنَفَقَتِها، فكانَتْ نَفَقَةُ خادِمِها دَيْنًا عليه متى أيْسَرَ أخَذَتْه به.
(٢٧٨٢) ومَن قال هذا لَزِمَه عندي إذا لم يَجِدْ صَداقَها أن يُخَيِّرَها؛ لأنّه شَبيهٌ بنَفَقَتِها.
стр. 1423
قال المزني: قد قال: «لو أعْسَرَ بالصَّداقِ ولم يُعْسِرْ بالنَّفَقَةِ، فاخْتارَتِ المُقامَ معه .. لم يَكُنْ لها فِراقُه؛ لأنّه لا ضَرَرَ على بَدَنِها إذا أنْفَقَ عليها في اسْتِئخارِ صَدَاقِها»، قال المزني: فهذا دليلٌ على أن لا خِيارَ لها فيه كالنَّفَقَةِ (١).
(٢٧٨٣) قال الشافعي: ولو اخْتارَت المُقامَ معه .. فمتى شاءَتْ أجِّلَ أيضًا؛ لأنّ ذلك عَفْوٌ عمّا مَضَى، ولو عَلِمَتْ عُسْرَتَه؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يُوسِرَ ويَتَطَوَّعَ عنه بالغُرْمِ.
(٢٧٨٤) ولها أن لا تَدْخُلَ عليه إذا أعْسَرَ بصَداقِها حتّى تَقْبِضَه.
(٢٧٨٥) واحْتَجَّ على مخالِفِه، فقال: إذا خَيَّرْتها في العِنِّينِ يُؤجَّلُ سَنَةً، ورَضِيتَ منه بجِماعٍ مَرَّةً، وإنّما هو فَقْدُ لَذَّةٍ، ولا صَبْرَ لها على فَقْدِ النَّفَقَةِ، فكيف أقْرَرْتَها معه في أعْظَمِ الضَّرَرَيْن، وفَرَّقْتَ بينهما في أصْغَرِ الضَّرَرَيْن؟
стр. 1424
(٢٨٩)
باب نفقة التي لا يَملِك زوجُها رَجْعتَها وغير ذلك
(٢٧٨٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، فلمّا أوْجَبَ اللهُ لها نَفَقَةً بالحمْلِ، دَلّ على أن لا نَفَقَةَ لها بخلافِ الحمْلِ، ولم أعْلَمْ مخالِفًا أنّ التي يَمْلِكُ رَجْعَتَها في معاني الأزْواجِ في أنّ عليه نَفَقَتَها وسُكْناها، وأنّ طَلاقَه وإيلاءَه وظِهارَه ولِعانَه يَقَعُ عليها، وأنّها تَرِثُه ويَرِثُها، فكانَت الآيَةُ على غَيْرِها مِنْ المطَلَّقاتِ، وهي التي لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها، وبذلك جاءَت سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في فاطمةَ بنتِ قيسٍ، بَتَّ زَوْجُها طَلاقَها، فذَكَرَتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: «لَيْسَ لكِ عليهم نَفَقَةٌ»، وعن جابر بن عبدالله أنّه قال: «نَفَقَةُ المطَلَّقَةِ ما لم تَحْرُمْ»، وعن عطاءٍ: «لَيْسَت المبْتُوتَةُ الحُبْلَى منه في شَيْءٍ، إلّا أنّه يُنْفِقُ عليها مِنْ أجْلِ الحَبَلِ، فإنْ كانَتْ غَيْرَ حُبْلَى فلا نَفَقَةَ لها» (١).
(٢٧٨٧) قال الشافعي: وكُلُّ ما وَصَفْنا مِنْ مُتْعَةٍ أو نَفَقَةٍ أو سُكْنَى، فلَيْسَتْ إلّا في نكاحٍ صحيحٍ، فأمّا كُلُّ نكاحٍ كان مَفْسُوخًا فلا نَفَقَةَ لها، حامِلًا أو غَيْرَ حامِلٍ (٢).
стр. 1425
(٢٧٨٨) فإن ادَّعَت الحَمْلَ ففيها قولان: أحدهما - أنّه لا يُعْلَمُ بيَقِينٍ حتّى تَلِدَ، فتُعْطَى نَفَقَةَ ما مَضَى لها، وهكذا لو أوْصَى لحَمْلٍ (١) أو كان الوارِثُ أو الموصَى له غائبًا، فلا يُعْطَى إلّا بيَقِينٍ، أرأيْتَ لو أعْطَيْناها بقَوْلِ النِّساءِ ثُمّ انْفَشَّ (٢)، ألَيْسَ قد أعْطَيْنا مِنْ … مالِه ما لم يَجِبْ عليه؟ والقول الثاني - أن يُحْصَى مِنْ يَوْمِ فارَقَها، فإذا قال النِّساءُ: «بها حَمْلٌ» أنْفَقَ عليها حتّى تَضَعَ ولِما مَضَى.
قال المزني: هذا عندي أوْلَى بقَوْلِه؛ لأنّ الله ﵎ أوْجَبَ بالحمْلِ النَّفَقَةَ، وحَمْلُها قَبْلَ أنْ تَضَعَ (٣).
(٢٧٨٩) قال الشافعي: ولو ظَهَرَ بها حملٌ فنَفاه وقَذَفَها .. لاعَنَها ولا نَفَقَةَ عليه، فإنْ أكْذَبَ نَفْسَه .. حُدَّ ولَحِقَ به الوَلَدُ، ثُمّ أخِذَتْ منه النَّفَقَةُ التي بَطَلَتْ عنه.
(٢٧٩٠) ولو أعْطاها بقَوْلِ القَوابِلِ أنّ بها حَمْلًا، ثُمّ عُلِمَ أن لم يَكُنْ بها حَمْلٌ، أو أنْفَقَ عليها فجاوَزَتْ أرْبَعَ سِنين .. رَجَعَ عليها بما أخَذَتْ.
(٢٧٩١) ولو كان يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فلم تُقِرَّ بثلاثِ حِيَضٍ، أو كان حَيْضُها يَخْتَلِفُ فيَطُولُ ويَقْصُرُ .. لم أجْعَلْ لها إلّا الأقْصَرَ؛ لأنّ ذلك اليَقِينُ، وأطْرَحُ الشَّكَّ.
قال المزني: إذا حَكَمَ بأنّ العِدَّةَ قائمةٌ فكذلك النَّفَقَةُ في القياسِ لها
стр. 1426
بالعِدَّةِ قائمةٌ، ولو جاز قَطْعُ النَّفَقَةِ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، لجازَ انْقِطاعُ الرَّجْعَةِ (١) بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلمّا لم تَزُل الرَّجْعَةُ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، لم يَجُزْ أن نُزِيلَ النَّفَقَةَ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ (٢).
(٢٧٩٢) قال الشافعي: ولا أعْلَمُ حُجَّةً بأن لا يُنْفِقَ على الأمَةِ الحامِلِ، ولو زَعَمْنا أنّ النَّفَقَةَ للحَمْلِ كانَتْ نَفَقَةُ الحمْلِ لا تَبْلُغُ بَعْضَ نَفَقَةِ أمِّه، ولكنَّه حُكْمُ الله جلَّ ثناؤُه.
وقال في «كتاب الإملاء»: «النَّفَقَةُ على السَّيِّدِ». قال المزني: الأوَّلُ أحَقُّ به؛ لأنّه شَهِدَ أنّه حُكْمُ اللهِ تبارك اسمه، وحُكْمُ اللهِ أوْلَى ممّا خالَفَه (٣).
(٢٧٩٣) قال الشافعي: فأمّا كُلُّ نكاحٍ كان مَفْسُوخًا فلا نَفَقَةَ لها ولا سُكْنَى، حاملًا أو غَيْرَ حامِلٍ (٤).
стр. 1427
وقال في موضع آخر: «إلّا أن يَتَطَوَّعَ المصِيبُ لها بذلِكَ ليُحَصِّنَها، فيَكُونَ ذلك لها بتَطَوُّعِه، وله تَحْصِينُها» (١).
стр. 1428
(٢٩٠)
باب النفقة على الأقارب
من كتاب النفقة، ومن ثلاثة كتب (١)(٢٧٩٤) قال الشافعي: في كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رَسُولِه بَيانُ أنّ على الأبِ أن يَقُومَ بالمؤُونَةِ في صَلاحِ صِغارِ وَلَدِه مِنْ رَضاعٍ ونَفَقَةٍ وكُِسْوَةٍ وخِدْمَةٍ، دُونَ أمِّهِ، وفيه دَلالَةٌ على أنّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ على الميراثِ، قال ابنُ عبّاسٍ في قَوْلِ الله : ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]: «مِنْ أن لا تُضارَّ والِدَةٌ بوَلَدِها، لا أنّ عليها النَّفَقَةَ (٢)».
(٢٧٩٥) قال الشافعي: فيُنْفِقُ الرَّجُلُ على وَلَدِه حتّى يَبْلُغُوا الحُلُمَ أو المحِيضَ (٣)، ثُمّ لا نَفَقَةَ إلّا أن يَكُونُوا زَمْنَى، فيُنْفِقُ عليهم إذا كانُوا لا يُغْنُون أنْفُسَهُم (٤)، وكذلك وَلَدُ وَلَدِه وإنْ سَفَلُوا، ما لم يَكُنْ لهم أبٌ دُونَه يَقْدِرُ على أن يُنْفِقَ عليهم، فإنْ كانَتْ لهم أمْوالٌ فنَفَقَتُهم في أمْوالِهِم، وإذا لم يَجُزْ أن يُضَيِّعَ شَيئًا منه .. فكذلك هو مِنْ أبِيه إذا كان الوالِدُ زَمِنًا لا يُغْنِي نَفْسَه ولا عِيالَه ولا حِرْفَةَ، فيُنْفِقُ عليه وَلَدُه ووَلَدُ وَلَدِه وإنْ سَفَلُوا؛ لأنّهم وَلَدٌ، وحَقُّ الوالِدِ على الوَلَدِ أعْظَمُ (٥).
стр. 1429
(٢٧٩٦) ومَن أجْبَرْناه على النَّفَقَةِ بِعْنا فيها العُقارَ (١).
(٢٧٩٧) ولا تُجْبَرُ امْرَأةٌ على رَضاعِ وَلَدِها، شَرِيفَةً كانَتْ أو دَنِيَّةً، مُوسِرَةً كانَتْ أو فَقِيرَةً، وأحْكامُ الله فيها واحدةٌ.
(٢٧٩٨) وإذا طَلَبَتْ رَضاعَ وَلَدِها وقد فارَقَها زَوْجُها فهي أحَقُّ بما وَجَدَ الأبُ أن يُرْضِعَ به، فإن وَجَدَ بغَيْرِ شَيْءٍ فلَيْسَ للأمِّ أجْرَةٌ، والقَوْلُ قَوْلُ الأبِ مع يَمِينِه.
وقال في موضع آخر: «إنْ أرْضَعَتْ أعْطاها أجْرَ مِثْلِها»، قال المزني: هذا أحَبُّ إليَّ؛ لقولِ الله ﵎: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] (٢).
стр. 1430
(٢٩١)
باب أي الوالدين أحق بالولد؟
من كتب عِدّة
(٢٧٩٩) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي ميمونة (١)، عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بين أبِيه وأمِّه (٢).
(٢٨٠٠) وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه خَيَّرَ غُلامًا بَيْنَ أبَوَيْه (٣).
(٢٨٠١) وعن عُمارَةَ الجَرْمِيّ قال: «خَيَّرَني عليٌّ بين أمّي وعَمِّي، ثُمّ قال لأخٍ لي أصْغَرَ منِّي: وهذا أيْضًا لو قد بَلَغَ خَيَّرْتُه»، وقال في الحديث: «وكُنْتُ ابْنَ سَبْعِ أو ثَمانِ سنين».
(٢٨٠٢) قال الشافعي: فإذا اسْتَكْمَلَ سَبْعَ سنين، ذَكَرًا كان أو أنْثَى، وهو يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِه .. خُيِّرَ.
وقال في كتاب النكاح القديم: «إذا بَلَغَ سَبْعَ أو ثَمانِ سنين .. خُيِّرَ إذا كانَتْ دارُهما واحدةً، وكانا جميعًا مأمُونَيْن على الوَلَدِ، فإنْ كان أحَدُهما غَيْرَ مأمُونٍ فهو عند المأمُونِ منهما حتّى يَبْلُغَ» (٤).
стр. 1431
(٢٨٠٣) وإذا افْتَرَقَ الأبَوان وهما في قَرْيَةٍ واحدةٍ .. فالأمُّ أحَقُّ بوَلَدِها ما لم تَتَزَوَّجْ، وعلى أبيه نَفَقَتُه، ولا يُمْنَعُ مِنْ تأدِيبِه، ويَخْرُجُ الغُلامُ إلى الكُتّابِ أو الصِّناعَةِ إن كان مِنْ أهْلِها، ويَأوِي إلى أمِّه.
(٢٨٠٤) وإن اخْتار أباه لم يَكُنْ له مَنْعُه مِنْ أن يأتيَ أمَّهُ، وتأتيَه في الأيّامِ (١).
(٢٨٠٥) وإذا كانَتْ جاريةً لم تُمْنَع أمُّها مِنْ أن تأتِيَها، ولا أعْلَمُ على أبِيها إخْراجُها إليها، إلّا أن تَمْرَضَ فيُؤْمَرَ بإخْراجِها عائدةً، فإن ماتَت البِنْتُ لم تُمْنَع الأمُّ مِنْ أن تَأتِيَها حتّى تُدْفَنَ (٢)، ولا تُمْنَعُ في مَرَضِها مِنْ أنْ تَلِي تَمْرِيضَها في مَنْزِلِ أبِيها.
(٢٨٠٦) وإنْ كان الوَلَدُ مَخْبُولًا .. فهو كالصَّغِيرِ، فالأمُّ أحَقُّ به، ولا يُخَيَّرُ أبَدًا.
(٢٨٠٧) وإذا خُيِّرَ فاخْتارَ أحَدَ الأبَوَيْن ثُمّ اخْتارَ الآخَرَ .. حُوِّلَ.
(٢٨٠٨) ولو مُنِعَتْ منه بالزَّوْجِ فطَلَّقَها طلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ أو لا يَمْلِكُها (٣) .. رَجَعَتْ إلى (٤) حَقِّها في وَلَدِها؛ لأنّها مُنِعَتْه بوَجْهٍ، فإذا
стр. 1432
ذَهَبَ فهي كما كانَتْ، فإن قيل: كيف تَعُودُ إلى ما بَطَلَ بالنِّكاحِ؟ .. قيل: لو كان بَطَلَ ما كان لأمِّها أنْ تَكُونَ أحَقَّ بوَلَدِها مِنْ أبِيهِم، وكان يَنْبَغِي إذا بَطَلَ عن الأمِّ أن يَبْطُلَ عن الجدَّةِ التي إنّما حَقُّها بحقِّ الأمِّ، وقد قَضَى أبو بكرٍ على عُمَرَ بأنّ جَدَّةَ ابْنِه أحَقُّ به منه، فإن قيل: فما حَقُّ الأمِّ فيهم؟ .. قيل: كحَقِّ الأبِ، هما والدان يَجِدان بالوَلَدِ، فلمّا كان الوَلَدُ لا يَعْقِلُ كانَت الأمُّ أوْلَى به، على أنّ ذلك حَقٌّ للوَلَدِ لا للأبَوَيْن؛ لأنّ الأمَّ أحْنَى عليه وأرَقُّ مِنْ الأبِ (١).
(٢٨٠٩) فإذا بَلَغَ الغلامُ .. وَلِيَ نَفْسَه إذا أُونِسَ رُشْدُه، ولم يُجْبَرْ على أن يَكُونَ عند أحَدِهما، وأخْتارُ له بِرَّهُما وتَرْكَ فِراقِهما.
(٢٨١٠) وإذا بَلَغَت الجاريةُ .. كانَتْ مع أحَدِهما حتّى تَزَوَّجَ فتكُونَ مع زَوْجِها، فإن آمَتْ وكانَتْ مأمُونَةً سَكَنَتْ حيثُ شاءَتْ ما لم تُرَ رِيبَةٌ، وأخْتارُ لها أن لا تُفارِقَ أبَوَيْها.
(٢٨١١) قال: وإذا اجْتَمَعَ القَرابَةُ مِنْ النّساءِ فتَنازَعْنَ الموْلُودَ .. فالأمُّ أوْلَى ثُمّ أمُّها ثُمّ أمّهاتُ أمِّها وإنْ بَعُدْن، ثُمّ الجَدَّةُ أمُّ الأبِ ثُمّ أمُّها وأمَّهاتُها، ثُمّ الجدَّةُ أمُّ الجدِّ للأبِ ثُمّ أمُّها ثُمّ أمّهاتُها، ثُمّ الأخْتُ للأبِ والأمِّ، ثُمّ الأخْتُ للأبِ، ثُمّ الأخْتُ للأمِّ، ثُمّ الخالَةُ، ثُمّ العَمَّةُ (٢).
(٢٨١٢) ولا وِلايَةَ لأمِّ أبِي الأمِّ؛ لأنّ قَرابَتَها بأبٍ، لا بأمٍّ، فقَرابَةُ الصَّبِيِّ مِنْ النساءِ أوْلَى.
стр. 1433
(٢٨١٣) ولا حَقَّ لأحَدٍ (١) مع الأبِ غيرِ الأمِّ وأمَّهاتِها، فأمّا أخَوَاتُه وغَيْرُهن .. فإنّما حُقُوقُهُنَّ بالأبِ، فلا يَكُونُ لهنّ حَقٌّ معه، وهُنّ يُدْلِين به.
(٢٨١٤) والجدُّ أبو الأبِ يَقُومُ مَقامَ الأبِ إذا لم يَكُنْ أبٌ، أو كان غائبًا، أو غَيْرَ رشيدٍ، وكذلك أبو أبِ الأبِ (٢)، وكذلك العَصَبَةُ يَقُومُون مَقامَ الأبِ إذا لم يَكُنْ أقْرَبُ منهم مع الأمِّ وغَيْرِها مِنْ أمّهاتِها (٣).
(٢٨١٥) وإذا أراد الأبُ أن يَنْتَقِلَ عن البَلْدَةِ التي نكَحَ بها المرأةَ، كانَتْ بَلَدَه أو بَلَدَها .. فسَواءٌ، والقَوْلُ قَوْلُه إذا قال: أرَدْتُ النُّقْلَةَ، وهو أحَقُّ بالوَلَدِ، مُرْضَعًا كان أو كبيرًا، وكذلك العَصَبَةُ، إلّا أن تَخْرُجَ الأمُّ إلى ذلك البَلَدِ فتكُونَ أوْلَى.
(٢٨١٦) ولا حَقَّ لمن لم تكْمُلْ فيه الحُرِّيَّةُ في وَلَدٍ حُرٍّ (٤)، وإذا كان ولد الحر مماليكَ فسيِّدُهم أحقُّ بهم، وإذا كانُوا مِنْ حُرَّةٍ وأبُوهُم ممْلُوكٌ فهي أحَقُّ بهم، ولا يُخَيَّرُون في وَقْتِ الخِيارِ (٥).
стр. 1434
(٢٩٢)
باب نفقة المماليك
(٢٨١٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن بكر أو بكير بن عبدالله - شك المزني (١) - عن عجلانَ أبي محمدٍ، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «للمملوكِ طَعامُه وكُِسْوَتُه بالمعروف، ولا يُكَلَّفُ مِنْ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ».
(٢٨١٨) قال الشافعي: فعَلَى مالِكِ الممْلُوكِ الذَّكَرِ والأنْثَى البالِغَيْن إذا شَغَلَهما في عَمَلٍ له أن يُنْفِقَ عليهما ويَكْسُوَهما بالمعروفِ، وذلك نَفَقَةُ رَقِيقِ بَلَدِهما، الشِّبَعُ لأوْساطِ النّاسِ الذي تَقُومُ به أبْدانُهُمْ، مِنْ أيِّ الطّعامِ كان، قَمْحًا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو تَمْرًا، وكُِسْوَتُهم كذلك ممّا يَعْرِفُ أهْلُ ذلك البَلَدِ أنّه معروفٌ، صُوفٌ، أو قُطْنٌ، أو كَتّانٌ، أيُّ ذلك كان الأغْلَبَ بذلك البَلَدِ وكان لا يُسَمَّى مِثْلُه ضِيقًا بمَوْضِعِه.
(٢٨١٩) قال: والجَوَارِي إذا كانَتْ لهنَّ فَراهَةٌ وجَمالٌ (٢) .. فالمعْرُوفُ أنَّهُنَّ يُكْسَيْن أحْسَنَ مِنْ كُِسْوَةِ اللّائِي دُونَهُنّ.
стр. 1435
(٢٨٢٠) وقال ابنُ عبّاسٍ في الممْلُوكِين: «أطْعِمُوهم ممّا تأكُلُون، واكْسُوهم ممّا تَلْبَسُون»، قال الشافعي: هذا كلامٌ مُجْمَلٌ، يَجُوزُ أن يَكُونَ على الجوازِ (١)، فيَسْألُ السّائلُ عن مَمَالِيكِه وإنّما يَأكُلُ تَمْرًا أو شَعِيرًا ويَلْبَسُ صُوفًا، فقال: أطْعِمُوهُم ممّا تأكُلُونَ، واكْسُوهُمْ ممّا تَلْبَسُون، والسّائلُونَ عَرَبٌ، ولَبُوسُ عامَّتِهِم وطَعامُهُم جَشِبٌ (٢)، ومَعاشُهم ومَعاشُ رَقِيقِهم مُتَقارِبٌ، فأمّا مَنْ خالَفَ مَعاشَ السَّلَفِ والعَرَبِ، فأكَلَ رَقِيقَ الطّعامِ، ولَبِسَ جَيِّدَ الثِّيابِ .. فلو آسَى رَقِيقَه كان أحْسَنَ، وإن لم يَفْعَلْ فَلَه ما قال رسولُ الله ﷺ : «نَفَقَتُه وكُِسْوَتُه بالمعروفِ»، فأمّا مَنْ لَبِسَ الوَشْيَ والخَزَّ والمرَوِيَّ وأكَلَ النَّقِيَّ (٣) وألْوَانَ لُحُومِ الدَّجاجِ .. فهذا لَيْسَ بالمعْرُوفِ للمَمالِيكِ.
(٢٨٢١) وقال رسول الله ﷺ : «إذا كَفَى أحَدَكُم خادِمُه طَعَامَه، حَرَّه ودُخانَه .. فَلْيَدْعُه فَلْيُجْلِسْه معه، فإنْ أبَى فلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ فيُناوِلْه إيّاها» (٤) أو كَلِمَةً هذا مَعْناها، قال الشافعي: فلمّا قال ﷺ : «فلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ» .. كان هذا عندنا واللهُ أعْلَمُ على وجهين؛ أَوْلاهما بمَعْناه: أنّ إجْلاسَه معه أفْضَلُ، فإن لم يَفْعَلْ فلَيْسَ بواجبٍ؛ إذْ قال ﵇: «وإلّا فلْيُرَوِّغْ له لُقْمَةً»؛
стр. 1436
لأنّ إجْلاسَه لو كان واجِبًا لم يُجْعَلْ له أن يُرَوِّغَ له لُقْمَةً دون أن يُجْلِسَه معه، أو يَكُونَ بالخيارِ بين أن يُناوِلَه أو يُجْلِسَه، وقد يَكُونُ أمْرَ اخْتِيارٍ غَيْرَ الحَتْمِ، وهذا يَدُلُّ على ما وَصَفْنا مِنْ بَيانِ طَعامِ الممْلُوكِ وطَعَامِ سَيِّدِه، والممْلُوكُ الذي يَلِي طَعامَ الرَّجُلِ مخالِفٌ عِنْدِي الممْلُوكَ الذي لا يَلِي طَعامَه، فيَنْبَغِي أن يُناوِلَه ممّا يَقْرُبُ إليه ولو لُقْمَةً، فإنّ المعْرُوفَ أن لا يَكُونَ يَرَى طَعامًا قد وَلِيَ العَمَلَ فيه ثُمّ لا يَنالُ منه شَيْئًا يَرُدُّ به شَهْوَتَه، وأقَلُّ ما يَرُدُّ به شَهْوَتَه لُقْمَةٌ، وغَيْرُه مِنْ الممالِيكِ لم يَلِهِ ولم يَرَه، والسُّنَّةُ خَصَّتْ هذا مِنْ المماليكِ دُون غَيْرِه، وفي القرآنِ ما يَدُلُّ على ما يُوافِقُ بَعْضَ معنى هذا، قال الله : ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]، ولم يَقُلْ: يَرْزُقُ مِثْلَهُم ممَّن لم يَحْضُرْ، وقيل ذلك في المواريثِ وغيرِها مِنْ الغنائمِ، وهذا أوْسَعُ وأحَبُّ إليَّ، ويُعْطَوْن ما طابَتْ به نَفْسُ المعْطِي بلا تَوْقِيتٍ، ولا يُحْرَمُون (١).
(٢٨٢٢) ومَعْنَى «لا يُكَلَّفُ مِنْ العَمَلِ إلّا ما يُطِيقُ» يَعْنِي والله أعلم: إلّا ما يُطِيقُ الدَّوامَ عليه، لا ما يُطِيقُ يَوْمًا أو يَوْمَيْن أو ثلاثةً ونحوَ ذلك ثُمّ يَعْجِزُ، وجملةُ ذلك: ما لا يَضُرُّ ببَدَنِه الضَّرَرَ البَيِّنَ.
(٢٨٢٣) فإنْ عَمِيَ أو زَمِنَ .. أنْفَقَ عليه مَوْلاه.
(٢٨٢٤) ولَيْسَ له أن يَسْتَرْضِعَ الأمَةَ غَيْرَ وَلَدِها فيَمْنَعَ منها وَلَدَها، إلّا أن يَكُونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه، أو يَكُونَ وَلَدُها يَغْتَذِي بالطّعامِ فيُقِيمُ بَدَنَه، فلا بأسَ به.
стр. 1437
(٢٨٢٥) ويُنْفِقُ على وَلَدِ أمِّ وَلَدِه مِنْ غَيْرِه.
(٢٨٢٦) ويَمْنَعُه الإمامُ أن يَجْعَلَ على أمَتِه خَراجًا، إلّا أن يَكُونَ في عَمَلٍ واصِبٍ (١)، وكذلك العَبْدُ إذا لم يُطِق الكَسْبَ، قال عثمانُ في خُطْبَتِه: «لا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ فيَسْرِقَ، ولا الأمَةَ غَيْرَ ذاتِ الصَّنْعَةِ فتَكْسِبَ بفَرْجِها».
стр. 1438
(٢٩٣)
باب صفة نفقة الدواب
(٢٨٢٧) قال الشافعي: ولو كانَتْ لرَجُلٍ دابَّةٌ في المصْرِ، أو شاةٌ، أو بَعِيرٌ .. عَلَفَه بما يُقِيمُه، فإن امْتَنَعَ أخَذَه السُّلْطانُ بعَلَفِه أو بَيْعِه.
(٢٨٢٨) فإن كان ببادِيَةٍ غَنَمٌ أو إبِلٌ أو بَقَرٌ اتُّخِذَتْ على المرْعَى خَلّاها والرَّعْيَ، فإن أجْدَبَت الأرْضُ عَلَفَها أو ذَبَحَها أو باعَها، ولا يَحْبِسُها فتَمُوتَ هُزْلًا، إن لم يَكُنْ في الأرْضِ مُتَعَلَّقٌ (١)، وجُبِرَ على ذلك، إلّا أن يَكُونَ فيها مُتَعَلَّقٌ؛ لأنَّها على ما في الأرْضِ تُتَّخَذُ، ولَيْسَتْ كالدَّوابِّ التي لا تَرْعَى والأرْضُ مُخْصِبَةٌ إلّا رَعْيًا ضَعِيفًا، ولا تَقُومُ للجَدْبِ قِيامَ الرَّواعِي.
(٢٨٢٩) قال: ولا تُحْلَبُ أمَّهاتُ النَّسْلِ إلّا فَضْلًا عمّا يُقِيمُ أوْلادَهُنّ، لا يُحْلَبْن فيَمُتْنَ هُزْلًا (٢).
(٢٩٤)
باب تحريم القتل، ومن يجب عليه القصاص، ومن لا قصاص عليه (١)
من كتاب قتل العمد (٢)(٢٨٣٠) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]، وقال الله : ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بإحْدَى ثلاثٍ: كُفْرٍ بعد إيمانٍ، أو زِنًا بعد إحْصانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ نَفْسٍ».
(٢٨٣١) قال الشافعي: فإذا تكَافأ الدَّمَانِ، مِنْ الأحْرار المسْلِمِين، أو العَبِيدِ المسْلِمِين، أو الأحْرارِ مِنْ المعاهِدِين (٣)، أو العَبِيدِ منهم .. قُتِلَ
стр. 1441
مِنْ كُلِّ صِنْفٍ تَكَافَأ دَمُه منهم، الذَّكَرُ إذا قَتَلَ بالذَّكَرِ وبالأنْثَى، والأنْثَى إذا قَتَلَتْ بالأنْثَى وبالذَّكَرِ.
(٢٨٣٢) ولا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»، وأنّه لا خِلافَ أنّه لا يُقْتَلُ بالمسْتأمِنِ، وهو في التَّحْرِيمِ مِثْلُ المعاهِدِ.
قال المزني: فإذا لم يُقْتَلْ بأحَدِ الكافِرَيْن المحَرَّمَيْن لم يُقْتَلْ بالآخَرِ.
(٢٨٣٣) قال الشافعي: قال قائلٌ: عَنَى النبي ﷺ : لا (١) يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ حَرْبِيٍّ، فهل مِنْ بَيانٍ في مِثْلِ هذا؟ قلت: نعم، قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ بأبي هو وأمِّي: «لا يَرِثُ المؤمِنُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المؤمِنَ»، فهل تَزْعُمُ أنّه أرادَ أهْلَ الحَرْبِ؛ لأنّ دِماءَهُم وأمْوالَهُم حَلالٌ؟ قال: لا، ولكنَّها على جَمِيعِ الكافِرين؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، قلنا: وكذلك «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، فما الفَرْقُ؟ قال قائل (٢): رَوَيْنا حَدِيثَ ابْنِ السّلْمانيِّ، قلنا: مُنْقَطِعٌ، وخَطأٌ، إنّما رُوِيَ فيما بَلَغَنا أنّ عَمْرَو بن أمَيَّةَ قَتَلَ كافِرًا كان له عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، وكان المقْتُولُ رَسُولًا، فقَتَلَه النبيُّ ﷺ به، ولو كان ثابتًا كُنْتُ قد خالَفْتُه، وكان مَنْسُوخًا؛ لأنّه قَبْلَ الفَتْحِ بزَمانٍ (٣)، وخُطْبَةُ
стр. 1442
رسولِ الله ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ» عامَ الفَتْحِ، وهو خَطأٌ؛ لأنّ عَمْرَو بنَ أمَيَّةَ عاشَ بعد النبيِّ ﷺ دَهْرًا (١)، وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا.
(٢٨٣٤) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ حُرٌّ بعَبْدٍ، وفيه قِيمَتُه وإنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ.
قال المزني: وفي إجْماعِهِم أنّ يَدَه لا تُقْطَعُ بيَدِ العَبْدِ قَضاءٌ على أنّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ، فإذا مُنِعَ مِنْ أن يُقَصَّ مِنْ يَدِهِ وهي أقَلُّ لفَضْلِ الحرِّيَّةِ على العُبُودِيَّةِ .. كانَت النَّفْسُ أعْظَمَ، ومِن أن تُقَصَّ بنَفْسِ العَبْدِ أبْعَدَ.
(٢٨٣٥) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ والِدٌ بوَلَدٍ؛ لأنّه إجماعٌ، ولا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ أمٍّ ولا أبٍ بوَلَدِ وَلَدٍ وإن بَعُدَ؛ لأنّه وَالِدٌ.
قال المزني: وهذا عندي (٢) يُؤكِّدُ مِيراثَ الجَدِّ؛ لأنّ الأخَ يُقْتَلُ بأخِيه، ولا يُقْتَلُ الجَدُّ (٣) بابْنِ ابْنِه، ويَمْلِكُ الأخُ أخاه في قَوْلِه، ولا يَمْلِكُ جَدَّه، وفي هذا دليلٌ على أنّ الجَدَّ كالأبِ في حَجْبِ الإخْوَةِ، وليس كالأخِ (٤).
(٢٨٣٦) قال الشافعي: ويُقْتَلُ العَبْدُ والكافِرُ بالحُرِّ المسْلِمِ، والوَلَدُ بالوالِدِ.
(٢٨٣٧) ومَن جَرَى عليه القصاصُ في النَّفْسِ .. جَرَى عليه القِصاصُ في الجِراحِ.