(٢٩٣)
باب صفة نفقة الدواب
(٢٨٢٧) قال الشافعي: ولو كانَتْ لرَجُلٍ دابَّةٌ في المصْرِ، أو شاةٌ، أو بَعِيرٌ .. عَلَفَه بما يُقِيمُه، فإن امْتَنَعَ أخَذَه السُّلْطانُ بعَلَفِه أو بَيْعِه.
(٢٨٢٨) فإن كان ببادِيَةٍ غَنَمٌ أو إبِلٌ أو بَقَرٌ اتُّخِذَتْ على المرْعَى خَلّاها والرَّعْيَ، فإن أجْدَبَت الأرْضُ عَلَفَها أو ذَبَحَها أو باعَها، ولا يَحْبِسُها فتَمُوتَ هُزْلًا، إن لم يَكُنْ في الأرْضِ مُتَعَلَّقٌ (١)، وجُبِرَ على ذلك، إلّا أن يَكُونَ فيها مُتَعَلَّقٌ؛ لأنَّها على ما في الأرْضِ تُتَّخَذُ، ولَيْسَتْ كالدَّوابِّ التي لا تَرْعَى والأرْضُ مُخْصِبَةٌ إلّا رَعْيًا ضَعِيفًا، ولا تَقُومُ للجَدْبِ قِيامَ الرَّواعِي.
(٢٨٢٩) قال: ولا تُحْلَبُ أمَّهاتُ النَّسْلِ إلّا فَضْلًا عمّا يُقِيمُ أوْلادَهُنّ، لا يُحْلَبْن فيَمُتْنَ هُزْلًا (٢).
(٢٩٤)
باب تحريم القتل، ومن يجب عليه القصاص، ومن لا قصاص عليه (١)
من كتاب قتل العمد (٢)(٢٨٣٠) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]، وقال الله : ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بإحْدَى ثلاثٍ: كُفْرٍ بعد إيمانٍ، أو زِنًا بعد إحْصانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ نَفْسٍ».
(٢٨٣١) قال الشافعي: فإذا تكَافأ الدَّمَانِ، مِنْ الأحْرار المسْلِمِين، أو العَبِيدِ المسْلِمِين، أو الأحْرارِ مِنْ المعاهِدِين (٣)، أو العَبِيدِ منهم .. قُتِلَ
стр. 1441
مِنْ كُلِّ صِنْفٍ تَكَافَأ دَمُه منهم، الذَّكَرُ إذا قَتَلَ بالذَّكَرِ وبالأنْثَى، والأنْثَى إذا قَتَلَتْ بالأنْثَى وبالذَّكَرِ.
(٢٨٣٢) ولا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»، وأنّه لا خِلافَ أنّه لا يُقْتَلُ بالمسْتأمِنِ، وهو في التَّحْرِيمِ مِثْلُ المعاهِدِ.
قال المزني: فإذا لم يُقْتَلْ بأحَدِ الكافِرَيْن المحَرَّمَيْن لم يُقْتَلْ بالآخَرِ.
(٢٨٣٣) قال الشافعي: قال قائلٌ: عَنَى النبي ﷺ : لا (١) يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ حَرْبِيٍّ، فهل مِنْ بَيانٍ في مِثْلِ هذا؟ قلت: نعم، قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ بأبي هو وأمِّي: «لا يَرِثُ المؤمِنُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المؤمِنَ»، فهل تَزْعُمُ أنّه أرادَ أهْلَ الحَرْبِ؛ لأنّ دِماءَهُم وأمْوالَهُم حَلالٌ؟ قال: لا، ولكنَّها على جَمِيعِ الكافِرين؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، قلنا: وكذلك «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، فما الفَرْقُ؟ قال قائل (٢): رَوَيْنا حَدِيثَ ابْنِ السّلْمانيِّ، قلنا: مُنْقَطِعٌ، وخَطأٌ، إنّما رُوِيَ فيما بَلَغَنا أنّ عَمْرَو بن أمَيَّةَ قَتَلَ كافِرًا كان له عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، وكان المقْتُولُ رَسُولًا، فقَتَلَه النبيُّ ﷺ به، ولو كان ثابتًا كُنْتُ قد خالَفْتُه، وكان مَنْسُوخًا؛ لأنّه قَبْلَ الفَتْحِ بزَمانٍ (٣)، وخُطْبَةُ
стр. 1442
رسولِ الله ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ» عامَ الفَتْحِ، وهو خَطأٌ؛ لأنّ عَمْرَو بنَ أمَيَّةَ عاشَ بعد النبيِّ ﷺ دَهْرًا (١)، وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا.
(٢٨٣٤) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ حُرٌّ بعَبْدٍ، وفيه قِيمَتُه وإنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ.
قال المزني: وفي إجْماعِهِم أنّ يَدَه لا تُقْطَعُ بيَدِ العَبْدِ قَضاءٌ على أنّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ، فإذا مُنِعَ مِنْ أن يُقَصَّ مِنْ يَدِهِ وهي أقَلُّ لفَضْلِ الحرِّيَّةِ على العُبُودِيَّةِ .. كانَت النَّفْسُ أعْظَمَ، ومِن أن تُقَصَّ بنَفْسِ العَبْدِ أبْعَدَ.
(٢٨٣٥) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ والِدٌ بوَلَدٍ؛ لأنّه إجماعٌ، ولا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ أمٍّ ولا أبٍ بوَلَدِ وَلَدٍ وإن بَعُدَ؛ لأنّه وَالِدٌ.
قال المزني: وهذا عندي (٢) يُؤكِّدُ مِيراثَ الجَدِّ؛ لأنّ الأخَ يُقْتَلُ بأخِيه، ولا يُقْتَلُ الجَدُّ (٣) بابْنِ ابْنِه، ويَمْلِكُ الأخُ أخاه في قَوْلِه، ولا يَمْلِكُ جَدَّه، وفي هذا دليلٌ على أنّ الجَدَّ كالأبِ في حَجْبِ الإخْوَةِ، وليس كالأخِ (٤).
(٢٨٣٦) قال الشافعي: ويُقْتَلُ العَبْدُ والكافِرُ بالحُرِّ المسْلِمِ، والوَلَدُ بالوالِدِ.
(٢٨٣٧) ومَن جَرَى عليه القصاصُ في النَّفْسِ .. جَرَى عليه القِصاصُ في الجِراحِ.
стр. 1443
(٢٨٣٨) قال: ويُقْتَلُ العَدَدُ بالواحِدِ، واحْتَجّ بأنّ عمرَ بنَ الخطاب قَتَلَ خَمْسَةً أو سَبْعَةً برَجُلٍ قَتَلُوه غِيلَةً (١)، وقال: «لو تَمالَأ عليه أهْلُ صَنْعاءَ لقَتَلْتُهم جميعًا» (٢).
(٢٨٣٩) قال: ولو جَرَحَه أحَدُهما مائةَ جُرْحٍ، والآخَرُ جُرْحًا واحدًا، فمات .. كانا في القَوَدِ سَواءً (٣)، ويُجْرَحُون بالجُرْحِ الواحِدِ إذا كان جَرْحُهم إيّاه معًا لا يَتَجَزّأ.
(٢٨٤٠) ولا يُقْتَصُّ إلّا مِنْ بالِغٍ، وهو مَنْ احْتَلَمَ مِنْ الذُّكُورِ، أو حاضَ مِنْ النساءِ، أو بَلَغَ أيُّهما كان خمسَ عَشْرَةَ سنةً.
стр. 1444
(٢٩٥)
باب صفة قتل العمد وجراح العمد اللَّذَيْن فيهما القصاص، وغير ذلك
(٢٨٤١) قال الشافعي: إذا عَمَدَ رَجُلٌ بسَيْفٍ، أو خِنْجَرٍ، أو سِنانِ رُمْحٍ، أو ما يَشُقُّ بحَدِّه إذا ضُرِبَ أو رُمِي به الجِلْدُ واللَّحْمُ، دون الثِّقَلِ (١)، فجَرَحَه جُرْحًا كبيرًا أو صغيرًا، فمات منه .. فعليه القَوَدُ.
(٢٨٤٢) وإنْ شَدَخَه بحَجَرٍ، أو تابَعَ عليه الخَنْقَ، أو وَالَى عليه بالسَّوْطِ حتّى يَمُوتَ، أو طَيَّنَ عليه بَيْتًا بغَيْرِ طَعامٍ ولا شَرابٍ مُدَّةً الأغْلَبُ أنّه يَمُوتُ مِنْ مِثْلِه، أو ضَرَبَه بسَوْطٍ في شِدَّةِ بَرْدٍ أو حَرٍّ ونحو ذلك ممّا الأغْلَبُ أنّه يَمُوتُ منه، فماتَ .. فعليه القَوَدُ.
(٢٨٤٣) ولو قَطَعَ مَرِيَّهُ أو حُلْقُومَه (٢)، أو قَطَعَ حُِشْوَتَه فأبانَها مِنْ جَوْفِه (٣)، أو صَيَّرَه في حالِ المذْبُوحِ، ثُمّ ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ .. فالأوَّلُ قاتِلٌ (٤)، دُون الآخَرِ، ولو أجافَه أو خَرَقَ مِعَاهُ ما لم يَقْطَعْ حُِشْوَتَه فيُبِينَها منه، ثُمّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَه .. فالأوَّلُ جارِحٌ، والآخَرُ قاتِلٌ، قد جُرِحَ مِعَى
стр. 1445
عُمَرَ بنِ الخطاب في مَوْضِعَيْن (١)، وعاشَ ثلاثًا، فلو قَتَلَه أحَدٌ في تلك الحالِ كان قاتِلًا، وبَرِئَ الذي جَرَحَه مِنْ القَتْلِ.
(٢٨٤٤) ولو جَرَحَه جِراحاتٍ فلم يَمُتْ حتّى عاد إليه فذَبَحَه .. صارَ والجِراحُ نَفْسًا (٢)، ولو بَرَأَت الجِراحاتُ ثُمّ عاد فقَتَلَه .. كان عليه ما على الجارِحِ مُنْفَرِدًا، وما على القاتِلِ مُنْفَرِدًا.
(٢٨٤٥) ولو تَدَاوَى المجْرُوحُ بِسُمٍّ فماتَ، أو خاطَ الجُرْحَ في لَحْمٍ حَيٍّ فماتَ .. فعلى الجاني نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنّه ماتَ مِنْ فِعْلَيْن، وإنْ كانَت الخِياطَةُ في لَحْمٍ مَيِّتٍ .. فالدِّيَةُ على الجاني.
(٢٨٤٦) ولو قَطَعَ يَدَ نَصْرانِيٍّ فأسْلَمَ ثُمّ ماتَ .. لم يَكُنْ فيه قَوَدٌ؛ لأنّ الجِنايَةَ كانَتْ وهو ممّن لا قَوَدَ عليه فيه، وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ، ولا يُشْبِهُ المرْتَدَّ؛ لأنّ قَطْعَه مُباحٌ كالحَدِّ، والنَّصْرانِيُّ يَدُهُ ممْنُوعَةٌ.
(٢٨٤٧) ولو أرْسَلَ سَهْمًا، فلم يَقَعْ على نَصْرانِيٍّ حتّى أسْلَمَ، أو على عَبْدٍ فلم يَقَعْ حتّى أعْتِقَ .. لم يَكُنْ عليه قِصاصٌ؛ لأنّ تَخْلِيَةَ السَّهْمِ كانَتْ ولا قِصاصَ، وفيه دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ والكفّارَةُ، وكذلك المرْتَدُّ يُسْلِمُ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ؛ لتَحَوُّلِ الحالِ قبل وُقُوعِ الرَّمْيَةِ (٣).
стр. 1446
(٢٨٤٨) ولو جَرَحَه مُسْلِمًا، فارْتَدَّ، ثُمّ أسْلَمَ، ثُمّ ماتَ .. فالدِّيَةُ والكفّارَةُ، ولا قَوَدَ للحالِ الحادِثَةِ (١)، ولو ماتَ مُرْتَدًّا كان لِوَلِيِّه المسْلِمِ أن يَقْتَصَّ بالجُرْحِ.
قال المزني: القياسُ (٢) عندي على أصْلِ قَوْلِه أن لا وِلايَةَ لمسْلِمٍ مِنْ مُرْتَدٍّ كما لا وِراثَةَ له منه، وكما أنّ مالَه للمُسْلِمِين فكذلك الوَلِيُّ في القِصاصِ مِنْ جُرْحِه وَلِيُّ المسْلِمِين (٣).
(٢٨٤٩) قال الشافعي: ولو فَقَأ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُه مائتان مِنْ الإبِلِ، فأعْتِقَ، فماتَ .. لم يَكُنْ فيه إلّا دِيَةٌ؛ لأنّ الجنايَةَ تَنْقُصُ بمَوْتِه حُرًّا، وكانَت الدِّيَةُ لسَيِّدِه دُون وَرَثَتِه.
стр. 1447
قال المزني: القياسُ عندي: أنّه قد مَلَكَ السَّيِّدُ قِيمَةَ العَبْدِ وهو عَبْدٌ (١)، فلا يَنْقُصُ ما وَجَبَ له بالعِتْقِ (٢).
(٢٨٥٠) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فأعْتِقَ، ثُمّ ماتَ .. فلا قَوَدَ إذا كان الجاني حُرًّا مُسْلِمًا، أو نَصْرَانِيًّا حُرًّا، أو مُسْتَأمِنًا حُرًّا، وعلى الحُرِّ الدِّيَةُ كامِلَةً في مالِه، للسَّيِّدِ منها نِصْفُ قِيمَتِه يَوْمَ قَطَعَه، والباقي لوَرَثَتِه.
(٢٨٥١) ولو قَطَعَ ثانٍ بعد الحُرِّيَّةِ رِجْلَه، وثالِثٌ بَعْدَهما يَدَه (٣)، فماتَ .. فعَلَيْهِم دِيَةُ حُرٍّ، وفيما للسَّيِّدِ مِنْ الدِّيَةِ قولان: أحدهما - أنّ له الأقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أو نِصْفِ قِيمَتِه عَبْدًا، لا يُجْعَلُ له أكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِه عَبْدًا ولو كان لا يَبْلُغُ بَعِيرًا (٤)؛ لأنّه لم يَكُنْ في مِلْكِه جِنايَةٌ غَيْرُها، ولا يُجاوَزُ به ثُلُثَ دِيَتِه حُرًّا (٥)، ولو كان نِصْفُ قِيمَتِه مائةَ بَعِيرٍ، مِنْ أجْلِ أنّها تَنْقُصُ بالموْتِ، والقول الثاني - أنّ لسَيِّدِه الأقَلَّ مِنْ ثُلُثِ قِيمَتِه عَبْدًا، أو ثُلُثِ دِيَتِه حُرًّا؛ لأنّه مات مِنْ جِنايَةِ ثلاثَةٍ.
قال المزني: وقد قَطَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بأنّه لو جَرَحَه ما الحُكُومَةُ فيه بَعِيرٌ، ولَزِمَه بالحُرِّيَّةِ والموتِ ومَن شَرِكَه عَشْرٌ مِنْ الإبِلِ .. لم يَأخُذِ السَّيِّدُ
стр. 1448
إلّا البَعِيرَ الذي وَجَبَ بالجُرْحِ (١)، قال المزني: فهذا أقْيَسُ لقَوْلِه، وأوْلَى عندي (٢) بأصْلِه، وإذْ (٣) لم يَزِدْه على بَعِيرٍ؛ لأنّه وَجَبَ بالجُرْحِ وهو عَبْدُه .. ففي القِياسِ أن لا يَنْقُصَه وإن جاوَزَ عَقْلَ حُرٍّ؛ لأنّه وَجَبَ له وهو عَبْدُه (٤).
(٢٨٥٢) قال الشافعي: وعلى المتَغَلِّبِ باللُّصُوصِيَّةِ والمأمُورِ القَوَدُ إذا كان قاهِرًا للمأمُورِ.
(٢٨٥٣) وعلى السَّيِّدِ القَوَدُ إذا أمَرَ عَبْدَه صَبِيًّا أو أعْجَمِيًّا لا يَعْقِلُ بقَتْلِ رَجُلٍ فقَتَلَه، وإنْ كان العَبْدُ يَعْقِلُ .. فعَلَى العَبْدِ القَوَدُ، ولو كانا لغَيْرِه وكانا يُمَيِّزان بَيْنَه وبَيْنَ سَيِّدِهما .. فهما قاتلان، وإنْ كانا لا يُمَيِّزان .. فالآمِرُ القاتِلُ، وعليه القَوَدُ.
(٢٨٥٤) ولو قَتَلَ مُرْتَدٌّ نَصْرانِيًّا، ثُمّ رَجَعَ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّ عليه القَوَدَ، وهو أوْلَاهُما؛ لأنّه قَتَلَ ولَيْسَ بمُسْلِمٍ، والثاني - أن لا قَوَدَ عليه؛ لأنّه لا يُقَرُّ على دِينِه.
قال المزني: قد أبان أنّ الأوَّلَ أوْلَاهما، والأَوْلَى أحَقُّ بالصَّوابِ، وقد دَلَّ قَوْلُه في رَفْعِ القَوَدِ عنه: «لأنّه لا يُقَرُّ على دِينِه» على أنّه لو كان القاتِلُ نَصْرَانِيًّا يُقَرُّ على دِينِه لكان القَوَدُ عليه وإنْ أسْلَمَ، قال المزني: فإذا
стр. 1449
كان النَّصْرانِيُّ الذي يُقَرُّ على دِينِه الحرامُ الدَّمِ إذا أسْلَمَ يُقْتَلُ بالنَّصْرانِيِّ (١) .. فالمباحُ الدَّمِ بالرِّدَّةِ أحَقُّ أن يُقادَ بالنَّصْرانِيِّ وإنْ أسْلَمَ في قِياسِ قَوْلِه (٢).
(٢٨٥٥) قال الشافعي: ويُقْتَلُ الذّابِحُ دُون الماسِكِ؛ كما يُحَدُّ الزّانِي دُون الماسِكِ (٣).
(٢٨٥٦) ولو ضَرَبَه بما الأغْلَبُ أنّه يَقْطَعُ عُضْوًا، أو يُوضِحُ رَأسًا .. فعليه القَوَدُ.
(٢٨٥٧) ولو عَمَدَ عَيْنَه بإصْبَعِه ففَقَأها .. أُقِصَّ منه؛ لأنّ الإصْبَعَ يَأتِي منها على ما يَأتِي به السِّلاحُ مِنْ النَّفْسِ، وإن لم تَنْفَقِئْ واعْتَلَّتْ حتّى ذَهَبَ بَصَرُها، أو انْبَخَقَتْ (٤) .. ففيها القصاصُ.
(٢٨٥٨) وإن كان الجاني مَغْلوبًا على عَقْلِه .. فلا قِصاصَ عليه، إلّا السَّكْرانُ؛ فإنّه كالصَّحِيحِ.
(٢٨٥٩) ولو قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وأنْثَيَيْه وشُفْرَيْه عَمْدًا .. قيل: إنْ شِئتَ وَقَفْناك، فإن بِنْتَ ذَكَرًا .. أقَدْناك في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن، وجَعَلْنا لك حُكُومَةً في الشُّفْرَيْن، وإن بِنْتَ أنْثَى .. فلا قَوَدَ لك، وجَعَلْنا لك دِيَةَ امْرَأةٍ في الشُّفْرَيْن، وحُكُومَةً في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن.
قال المزني: بَقِيَّةُ هذه المسْألَةِ في مَعْناه أن يُقالَ له: وإن لم تَشَأْ أن تَقِفَ حتّى يَبِينَ أمْرُكَ وعَفَوْتَ عن القِصاصِ وبَرَأتْ .. فلك دِيَةُ شُفْرَيِ
стр. 1450
امْرَأةٍ، وحُكُومَةٌ في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن؛ لأنّه الأقَلُّ، وإن قُلْتَ: لا أعْفُو ولا أقِفُ .. قيل: ولا (١) يَجُوزُ أن يُقَصَّ ممّا لا يُدْرَى أيُّ القِصاصِ لك، فلا بُدّ لك مِنْ أحَدِ الأمْرَيْن على ما وَصَفْنا (٢).
стр. 1451
(٢٩٦)
باب الخيار في القصاص
(٢٨٦٠) قال الشافعي: أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيد المقْبُرِيّ، عن أبي شُرَيْح الكَعْبِيّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ثُمّ أنْتُمْ يا خُزاعَةُ قد قَتَلْتُم هذا القَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وأنا والله عاقِلُه، فمَن قَتَلَ قَتِيلًا بعده فأهْلُه بَيْنَ خِيرَتَيْن، إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ».
(٢٨٦١) قال الشافعي: ولم يختلفوا في أنّ العَقْلَ مَوْرُوثٌ كالمالِ، وإذا كان هكذا فكُلُّ وارِثٍ وَلِيٌّ، زَوْجَةً أو ابْنَةً، لا يَخْرُجُ أحَدٌ منهم مِنْ وِلايَةِ الدَّمِ، ولا يُقْتَلُ إلّا باجْتِماعِهِم.
(٢٨٦٢) ويُحْبَسُ القاتِلُ حتّى يَحْضُرَ الغائِبُ ويَبْلُغَ الطِّفْلُ، فإنْ كان فيهم مَعْتُوهٌ فحتّى يُفِيقَ أو يَمُوتَ، فيَقُومُ وارِثُه مَقامَه.
(٢٨٦٣) وأيُّهم عَفا القصاصَ (١) .. كان على حَقِّه مِنْ الدِّيَةِ، وإنْ عَفا على غَيْرِ مالٍ كان الباقون على حُقُوقِهم مِنْ الدِّيَةِ.
(٢٨٦٤) وإنْ عَفَوْا جميعًا، وعَفا المفْلِسُ يُجْنَى عليه أو على عَبِيدِه القِصاصَ (٢) .. جاز ذلك لهم، ولم يَكُنْ لأهْلِ الدَّيْن والوَصايا مَنْعُهم؛ لأنّ
стр. 1452
المالَ لا يُمْلَكُ بالعَمْدِ إلّا بمَشِيَّةِ المجْنِيّ عليه إنْ كان حَيًّا، وبمَشِيَّةِ الوَرَثَةِ إنْ كان مَيِّتًا.
قال المزني: ليْسَ يُشْبِه هذا الاعْتلالُ أصْلَه؛ لأنّه احْتَجَّ في أنّ العَفْوَ يُوجِبُ الدِّيَةَ بأنّ الله لمّا قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، لم يَجُزْ أن يُقالَ: «عَفا»؛ أي (١): صُولِحَ على مالٍ؛ لأنّ العَفْوَ تَرْكٌ بلا عِوَضٍ، فلَمْ يَجُزْ إذا عَفا عن القَتْلِ الذي هو أعْظَمُ الأمْرَيْنِ إلّا أن يَكُونَ له مالٌ في مالِ القاتِلِ أحَبَّ أو كَرِهَ، ولو كان إذا عَفا لم يَكُنْ له شَيْءٌ .. لم يَكُنْ للعافي ما يَتْبَعُه بمَعْرُوفٍ، ولا على القاتِلِ ما يُؤَدِّيه بإحْسانٍ (٢).
стр. 1453
قال المزني: فهذا مالٌ بلا مَشِيَّةٍ، أوَلا تَراه يَقولُ: «إنّ عَفْوَ المحْجُورِ جائزٌ؛ لأنّه زِيادَةٌ في مالِه، وعَفْوَه المالَ لا يَجُوزُ؛ لأنّه نَقْصٌ في مالِه؟»، فهذا مالٌ بغَيْرِ مَشِيَّةٍ، فأقْرَبُ إلى وَجْهِ ما قال عندي في العَفْوِ الذي ليْسَ لأهْلِ الدَّيْن مَنْعُه منه، هو أن يُبْرِئه مِنْ القِصاصِ ويَقُولَ: «بغَيْرِ مالٍ»، فيَسْقُطان، وبالله التوفيق (١).
стр. 1454
(٢٩٧)
باب القصاص بالسيف وغيره
(٢٨٦٥) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣].
(٢٨٦٦) قال: فإذا خَلّى الحاكِمُ الوَلِيَّ وقَتْلَ القاتلِ .. فيَنْبَغِي له أن يَأمُرَ مَنْ يَنْظُرُ إلى سَيْفِه، فإنْ كان صارِمًا، وإلّا أمَرَه بصارِمٍ؛ لِئلّا يُعَذِّبَه، ثُمّ يَدَعُه وضَرْبَ عُنُقِه.
(٢٨٦٧) فإن ضَرَبَه بما لا يُخْطِئ بمِثْلِه، مِنْ قَطْعِ رِجْلٍ أو وَسْطٍ .. عُزِّرَ، وإنْ كان ممّا يَلِي العُنُقَ مِنْ رَأسِه أو كَتِفِه .. فلا عُقُوبَةَ عليه، وأجْبَرَه الحاكِمُ على أن يَأمُرَ مَنْ يُحْسِنُ ضَرْبَ العُنُقِ ليُوجِئَه (١).
(٢٨٦٨) قال: ولو أذِنَ لرَجُلٍ فتَنَحَّى به، فعَفا الوَلِيُّ، فقَتَلَه قَبْلَ يَعْلَمُ .. ففيها قولان: أحدهما - أن ليس على القاتلِ شَيْءٌ، إلّا أن يَحْلِفَ باللهِ ما عَلِمَه عَفَا، ولا عَلَى العافِي (٢)، والثاني - أن ليس على القاتلِ قَوَدٌ؛ لأنّه قَتَلَه على أنّه مُباحٌ، وعليه الدِّيَةُ والكفّارةُ، ولا يَرْجِعُ بها على الوَلِيّ؛ لأنّه مُتَطَوِّعٌ، وهذا أشْبَهُهُما.
стр. 1455
قال المزني: فالأشْبَهُ أَوْلَى به (١).
(٢٨٦٩) قال الشافعي: ولا تُقْتَلُ الحامِلُ حتّى تَضَعَ، فإن لم يَكُنْ لِوَلَدِها مُرْضِعٌ .. فأحَبُّ إليَّ أن لو تُرِكَتْ بطِيبِ نَفْسِ الوَلِيِّ حتّى تُوجَدَ له مُرْضِعٌ، فإن لم يَفْعَلْ قُتِلَتْ.
قال المزني: إذا لم يُوجَدْ للمَوْلودِ ما يَحْيَا به، لم يَحِلَّ عندي قَتْلُه بقَتْلِ أمِّه، حتّى يُوجَدَ له ما يَحْيَا به، فتُقْتَلَ (٢).
(٢٨٧٠) قال الشافعي: ولو عَجِلَ الإمامُ فأقَصَّ منها حامِلًا .. فعليه المأثَمُ، فإنْ ألْقَتْ جَنِينًا ضَمِنَه الإمامُ على عاقِلَتِه، دُونَ المقْتَصِّ.
قال المزني: بل على الوَلِيِّ؛ لأنّه اقْتَصَّ لنَفْسِه مخْتارًا، فجَنَى على مَنْ لا قِصاصَ له عليه، فهو يَغْرَمُ ما أتْلَفَ أوْلَى مِنْ إمامٍ حَكَمَ له بحَقِّه فأخَذَه وما لَيْسَ له (٣).
(٢٨٧١) قال الشافعي: ولو قَتَلَ نَفَرًا .. قُتِلَ للأوَّلِ (٤)، وكانَت
стр. 1456
الدِّياتُ لمن بَقِيَ في مالِه، وإنْ خَفِيَ الأوَّلُ منهم .. أقْرِعَ بينهم أيُّهم قُتِلَ أوَّلُ قُتِلَ به (١)، وأعِطِي الباقُونَ الدِّياتِ مِنْ مالِه.
(٢٨٧٢) ولو قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وقَتَلَ آخَرَ .. قُطِعَتْ يَدُه باليَدِ، وقُتِلَ بالنَّفْسِ.
قال المزني: فإن ماتَ المقْطُوعَةُ يَدُه الأوَّلُ بعد أن اقْتُصَّ مِنْ اليَدِ .. فقِياسُ قَوْلِ الشّافِعِيّ عندي: أنّ لوَلِيِّه أن يَرْجِعَ بنِصْفِ الدِّيَةِ في مالِ قاطِعِه؛ لأنّ المقْطُوعَ قد اسْتَوْفَى قبل مَوْتِه ما فيه نِصْفُ الدِّيَةِ باقْتِصاصِه يَدَ قاطِعِه.
(٢٨٧٣) قال الشافعي: ولو قَتَلَه عَمْدًا ومعه صَبِيٌّ، أو مَعْتُوهٌ، أو كان حُرٌّ وعَبْدٌ قَتَلا عَبْدًا، أو مُسْلِمٌ ونَصْرانيٌّ قَتَلا نَصْرانِيًّا، أو قَتَلَ ابْنَه ومعه أجْنَبِيٌّ .. فعلى الذي عليه القِصاصُ القِصاصُ، وعلى الآخَرِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه، وعُقُوبَةٌ إنْ كان الضَّرْبُ عَمْدًا.
قال المزني: وشَبَّهَ الشّافِعِيُّ أخْذَ القَوَدِ مِنْ البالِغِ دُونَ الصَّبِيِّ بالقاتِلَيْن عَمْدًا، يَعْفُو الوَليُّ عن أحَدِهما أنّ له قَتْلَ الآخَرِ، فإن قيل: وَجَبَ عَلَيْهما القَوَدُ فَزَالَ عن أحَدِهما بإزالَةِ الوَليِّ .. قيل: فإذا أزالَهُ الوليُّ عنه أزالَهُ عن الآخَرِ، فإن قيل: لا .. قيل: وفِعْلُهما واحِدٌ، فقد حَكَمْتَ لكل واحِدٍ منهما بحُكْمِ نَفْسِه، لا حُكْمِ غَيْرِه، قال الشافعي: «فإنْ شَرِكَه قاتِلُ خَطَأٍ .. فعلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه، وجناية المخْطِئِ على عاقِلَتِه»، واحْتَجَّ على محمد بن الحسن في مَنْعِ القَوَدِ مِنْ العامِدِ إذا شَرِكَه صَبِيٌّ أو مجْنُونٌ، فقال: «إنْ كُنْتَ رَفَعْتَ عنه القَوَدَ؛ لأنّ القَلَمَ عنهما مَرْفُوعٌ، وأنَّ عَمْدَهُما خَطَأ على عاقِلَتِهما .. فَهَلّا أقَدْتَ مِنْ الأجْنَبِيِّ إذا قَتَلَ عَمْدًا مع الأبِ؛
стр. 1457
لأنّ القَلَمَ عن الأبِ لَيْسَ بمَرْفُوعٍ، وهذا تَرْكُ أصْلِكَ؟»، قال المزني: قد شَرِكَ الشافعيُّ محمَّدَ بنَ الحسنِ فيما أنْكَرَ عليه في هذه المسألةِ؛ لأنّ رَفْعَ القِصاصِ عن الخاطِئِ (١) والمجْنُونِ والصَّبِيِّ واحدٌ، فكذلك حُكْمُ مَنْ شَرِكَهُم بالعَمْدِ واحِدٌ (٢).
(٢٨٧٤) قال الشافعي: ولو قَتَلَ أحَدُ الوَلِيَّيْن القاتِلَ بغَيْرِ أمْرِ صاحِبِه .. ففيها قولان:
أحدهما - أن لا قِصاصَ بِحالٍ؛ للشُّبْهَةِ، قال الله : ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ [الإسراء: ٣٣]، يَحْتَمِلُ أيّ وَلِيٍّ قَتَلَ كان أحَقَّ بالقَتْلِ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ المدينةِ، يُنْزِلُونَه بمَنْزِلَةِ الحَدِّ لهم عن أبِيهِم، إنْ عَفَوْا إلّا واحِدًا كان له أن يَحُدّ، قال الشافعي: وإنْ كان ممّن لا يَجْهَلُ .. عُزِّرَ، وقِيلَ للوُلاةِ معه: لَكُمْ حِصَصُكُم، والقَوْلُ مِنْ أيْنَ يأخُذُونَها؟ واحِدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحدهما - أنّها لهم مِنْ مالِ القاتِلِ، يَرْجِعُ بها وَرَثَةُ القاتِلِ في مالِ قاتِلِه، ومَن قال هذا قال: إنْ عَفَوْا عن القاتِلِ الدِّيَةَ يَرْجِعُ وَرَثَةُ القاتِلِ المقْتُولِ على قاتِلِ صاحِبِهِم بحِصَّةِ الوَرَثَةِ معه مِنْ الدِّيَةِ، والقول الثاني في حِصَصِهم - أنّها لهم في مالِ أخِيهِم القاتِلِ قاتِلَ أبِيهم؛ لأنّ الدِّيَةَ إنّما كانَتْ تَلْزَمُه لو كان لم يَقْتُلْه وليٌّ، فإذا قَتَلَه وليٌّ فلا يَجْتَمِع عليه القَتْلُ والغُرْمُ.
стр. 1458
والقول الثاني - أنّ على مَنْ قَتَلَ مِنْ الأوْلِياءِ قاتِلَ أبيه القِصاصُ حتّى يَجْتَمِعُوا على القَتْلِ.
قال المزني: فقَدْ أجاب فيه بثلاثة أقاوِيلَ (١)، وأصْلُ قَوْلِه: أنّ القاتِلَ لو مات كانَت الدِّيَةُ في مالِه، قال المزني: ولَيْسَ تَعَدِّي أخِيه بمُبْطِلٍ حَقَّه ولا مُزِيلِه عمَّن هو عليه، ولا قَوَدَ للشُّبْهَة (٢).
(٢٨٧٥) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَه مِنْ مِفْصَلِ الكُوعِ، فلم يَبْرَأ حتّى قَطَعَها آخَرُ مِنْ المرْفَقِ، ثُمّ ماتَ .. فعليهما القَوَدُ، يُقْطَعُ قاطِعُ الكَفِّ مِنْ الكُوعِ، وكذا الآخَرُ مِنْ المرْفَقِ (٣)، ثُمّ يُقْتَلان؛ لأنّ ألَمَ القَطْعِ الأوَّلِ واصِلٌ إلى الجسَدِ كُلِّه.
(٢٨٧٦) قال الشافعي: وإذا تَشاحَّ الوُلاةُ .. قيل لهم: لا يَقْتُلُه إلّا واحِدٌ منكم، فإنْ سَلَّمْتُم لواحِدٍ أو لأجْنَبِيٍّ خُلِّيَ وقَتْلَه، وإنْ تَشاحَحْتُم أقْرَعْنا بَيْنكُم، فأيُّكُم خَرَجَتْ قُرْعَتُه خَلَّيْناه وقَتْلَه.
(٢٨٧٧) ويُضْرَبُ بأصْرَمِ سَيْفٍ، وأشَدِّ ضَرْبٍ.
стр. 1459
(٢٩٨)
باب القصاص بغير السيف (١)(٢٨٧٨) قال الشافعي: وإنْ طَرَحَه في نارٍ حتّى يَمُوتَ .. طُرِحَ في النّارِ حتّى يَمُوتَ.
(٢٨٧٩) وإنْ ضَرَبَه بحَجَرٍ فلم يُقْلِعْ عنه حتّى ماتَ .. أعْطِيَ وَلِيُّه حَجَرًا مِثْلَه يَقْتُلُه به (٢)، وقال بعضُ أصْحابِنا: إن لم يَمُتْ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ قُتِلَ بالسَّيْفِ.
قال المزني: وهكذا قال الشافعيُّ في المحْبُوسِ بلا طَعامٍ ولا شَرابٍ حتّى مات: إنّه يُحْبَسُ، فإن لم يَمُتْ في تلك المدَّةِ قُتِلَ بالسَّيْفِ، وكذا قال: لو غَرَّقَه في الماءِ، وكذلك يُلْقِيه في مِثْلِ مَهْواةٍ في البُعْدِ (٣)، ومِثْلِ شِدَّةِ الأرْضِ، وكذا عَدَدُ الضَّرْبِ بالصَّخْرَةِ، فإن ماتَ، وإلّا ضُرِبَ عُنُقُه، قال المزني: قلت (٤): فالقياسُ على ما مَضَى في أوَّلِ البابِ: أن يَمْنَعَه الإمامُ الطَّعامَ والشَّرابَ حتّى يَمُوتَ؛ كما قال في النّارِ والحجَرِ والخَنْقِ بالحبْلِ حتّى يَمُوتَ، إذا كان ما صَنَعَ به مِنْ المتْلِفِ الوَحِيِّ (٥).
стр. 1460
(٢٨٨٠) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه فماتَ .. فَعَلَ به الوَليُّ ما فَعَلَ بصاحِبِه، فإن ماتَ، وإلّا قُتِلَ بالسَّيْفِ.
(٢٨٨١) ولو كان أجافَه أو قَطَعَ ذِراعَه فمات .. كان لوَلِيِّه أن يَفْعَلَ ذلك به على أنّه يَقْتُلُه، فأمّا على أن لا يَقْتُلَه فلا يُتْرَكُ وإيّاه.
وقال في موضع آخر: «فيها قولان: أحَدُهما - هذا، والآخر - لا نُقِصُّه مِنْ ذلك بحالٍ، لَعَلَّه إذا فَعَلَ ذلك أن يَدَعَ قَتْلَه، فيَكُونَ قد عَذَّبَه بما لَيْسَ في مِثْلِه قِصاصٌ» (١).
قال المزني: قد أبَى أن يُوالِيَ عليه بالجَوائِفِ كما وَالَى عليه بالنّارِ والحَجَرِ والخَنْقِ بمِثْلِ ذلك الحَبْلِ حتّى يَمُوتَ، ففَرَّقَ بين ذلك، والقِياسُ عندي على مَعْناه (٢): أن يُوالِيَ عليه بالجوائفِ إذا والى بها عليه حتّى يَمُوتَ؛ كما يُوالِي عليه بالنّارِ والحَجَرِ والخَنْقِ بمِثْلِ ذلك الحَبْلِ (٣) حتّى يَمُوتَ.
قال المزني: وأوْلاهُما بالحقِّ عندي فيما كان في ذلك مِنْ جِراحٍ: أنّ كُلَّ ما كان فيه القِصاصُ لو بَرَأ أقْصَصْتُه منه، فإن ماتَ، وإلّا قَتَلْتُه بالسَّيْفِ، وما لا قِصاصَ في مِثْلِه لم أُقِصَّه منه وقَتَلْتُه بالسَّيْفِ، قِياسًا على ما قال في
стр. 1461
أحَدِ قَوْلَيْه في الجائفةِ وقَطْعِ الذِّراعِ أنّه لا يُقِصُّه منهما بحالٍ (١)، ويَقْتُلُه بالسَّيْفِ (٢).
стр. 1462
(٢٩٩)
باب القصاص في الشِّجاج والجراح والأسنان
ومن به نقص أو شلل أو غير ذلك (١)(٢٨٨٢) قال الشافعي: والقِصاصُ دُون النَّفْسِ شَيْئانِ: جُرْحٌ يُشَقُّ، وطَرَفٌ يُقْطَعُ.
(٢٨٨٣) فإذا شَجَّه مُوضِحَةً فبَرَأ .. حُلِقَ مَوْضِعُها مِنْ رأسِ الشَّاجِّ، ثُمّ شُقَّ بحَدِيدَةٍ قَدْرَ عَرْضِها وطُولِها، فإنْ أخَذَتْ رَأسَ الشَّاجِّ كُلَّه وبَقِيَ شَيْءٌ أخِذَ منه أرْشُه (٢)، وكذا كُلُّ جُرْحٍ يُقْتَصُّ منه.
стр. 1463
(٢٨٨٤) ولو جَرَحَه فلم يُوضِحْه .. اقْتُصَّ منه بقَدْرِ ما شَقَّ مِنْ الموضِحَةِ، فإنْ أشْكَلَ لم أُقِدْ إلّا ممّا أسْتَيْقِنُ (١).
(٢٨٨٥) وتُقْطَعُ اليَدُ باليَدِ والرِّجْلُ بالرِّجْلِ مِنْ المفاصِلِ، والأنْفُ بالأنْفِ، والأذُنُ بالأذُنِ، والسِّنُّ بالسِّنِّ، كان القاطِعُ أفْضَلَ طَرَفًا أو أدْنَى، ما لم يَكُنْ نَقْصٌ أو شَلَلٌ.
(٢٨٨٦) فإنْ كان قاطِعُ اليَدِ ناقِصًا إصْبَعًا .. قُطِعَتْ يَدُه، وأخِذَ منه أرْشُ إصْبَعٍ، وإنْ كانَتْ شَلّاءَ .. فله الخِيارُ، إنْ شاء اقْتَصَّ؛ لأنّه يَأخُذُ أقَلَّ مِنْ حَقِّه، وإنْ شاءَ أخَذَ دِيَةَ اليَدِ.
(٢٨٨٧) وإنْ كان المقْطُوعُ أشَلَّ .. لم يَكُنْ له القَوَدُ فيَأخُذَ أكْثَرَ، وله حُكُومَةُ يَدٍ شَلّاءَ.
(٢٨٨٨) وإن قَطَعَ إصْبَعَه فتَآكَلَتْ فذَهَبَتْ كَفُّه .. أُقِيدَ مِنْ الإصْبَعِ، وأخَذَ أرْشَ يَدِه إلّا الإصْبَعَ (٢)، ولم يُنْتَظَرْ به أ يَتَرامَى (٣) إلى مِثْلِ جِنايَتِه أم لا؟ ولو سَألَ القَوَدَ ساعَةَ قُطِعَ إصْبَعُه أقَدْتُه، فإنْ ذَهَبَتْ كَفُّ المجْنِيّ عليه .. جَعَلْتُ على الجاني أرْبَعَةَ أخْماسِ دِيَتِها، ولو كان ماتَ منها قَتَلْتُه به (٤)؛
стр. 1464
لأنّ الجانيَ ضامِنٌ لِما حَدَثَ مِنْ جِنايَتِه، والمسْتَقادُ منه غَيْرُ مَضْمُونٍ له ما حَدَثَ مِنْ القَوَدِ بسَبَبِ الحَقِّ.
قال المزني: وسَمِعْتُ الشافعيَّ يقولُ (١): «لو شَجَّه مُوضِحَةً فذَهَبَتْ منها عَيْناه وشَعْرُه فلم يَنْبُتْ، ثُمّ بَرَأ .. اقْتُصَّ مِنْ الموضِحَةِ، فإنْ ذَهَبَتْ عَيْناه ولم يَنْبُتْ شَعْرُه فقد اسْتَوْفى حَقَّه، وإن لم تَذْهَبْ عَيْناه ونَبَتَ شَعْرُه زِدْنا عليه الدِّيَةَ، وفي الشَّعْرِ حُكُومَةٌ، ولا أبْلُغُ بشَعْرِ رَأسِه ولا شَعْرِ لِحْيَتِه دِيَةً»، قال المزني: هذا أشْبَه بقَوْلِه عندي قياسًا على قَوْلِه: إذا قَطَعَ يَدَه فمات عنها أنَّه يَقْطَعُ، فإن ماتَ عنها فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، فكذلك إذا شَجَّه مُقْتَصًّا فذَهَبَتْ منها عَيْناه وشَعْرُه، فقد أخَذَ حَقَّه، غَيْرَ أنّي أقُولُ: إن لم يَنْبُتْ شَعْرُه فعليه حُكُومَةُ الشَّعْرِ ما خَلا مَوْضِعَ الموضِحَةِ؛ فإنّه داخِلٌ في الموضِحَةِ، فلا يَغْرَمُه مَرَّتَيْن (٢).
(٢٨٨٩) قال الشافعي: ولو أصابَتْه مِنْ جُرْحِ يَدِه آكِلَةٌ، فقَطَعَ الكَفَّ لئلّا تَمْشِيَ الآكِلَةُ في جَسَدِه .. لم يَضْمَن الجاني مِنْ قَطْعِ الكَفِّ شَيْئًا (٣)،
стр. 1465
فإنْ مات مِنْ ذلك .. فنِصْفُ الدِّيَةِ على الجاني، ويَسْقُطُ نِصْفُها؛ لأنّه جَنَى على نَفْسِه.
(٢٨٩٠) ولو كان في يَدِ المقْطُوعِ إصْبَعان شَلّاوان .. لم تُقْطَع يَدُ الجاني ولو رَضِيَ، فإن سَألَ المقْطُوعُ أن يُقْطَعَ له أصابعُ القاطِع الثّلاثُ، ويُؤخَذَ له أرْشُ الإصْبَعَيْن والحكُومَةُ في الكَفِّ .. كان ذلك له، ولا أبْلُغُ بحُكُومَةِ كَفِّه دِيَةَ إصْبَعٍ؛ لأنّها تَبَعٌ للأصابعِ، وكُلُّها مُسْتَوِيَةٌ، فلا يَكُونُ أرْشُها كواحِدَةٍ منها.
(٢٨٩١) ولو كان القاطعُ مَقْطُوعَ الإصْبَعَيْن .. قُطِعَتْ له كَفُّه، وأخِذَتْ للمَقْطُوعَةِ يَدُه أرْشُ إصْبَعَيْن تامَّتَيْن.
(٢٨٩٢) ولو كان للقاطعِ سِتُّ أصابعَ .. لم تُقْطَعْ زِيادَةُ الإصْبَعِ (١)، ولو كان الذي له خمْسُ أصابعَ هو القاطعَ كان للمَقْطُوعِ قَطْعُ يَدِه، وحُكُومَةُ الإصْبَعِ الزائدةِ، ولا أبْلُغُ بها أرْشَ إصْبَعٍ.
(٢٨٩٣) ولو قَطَعَ أنْمُلَةً لها طَرَفَانِ .. فله القَوَدُ مِنْ إصْبَعِه، وزيادَةُ حُكُومَةٍ، وإن كان للقاطعِ مِثْلُها أقِيدَ بها ولا حُكُومَةَ، وإن كان للقاطعِ طَرَفانِ وللمَقْطُوعِ واحِدَةٌ فلا قَوَدَ؛ لأنّها أكْثَرُ.
(٢٨٩٤) ولو قَطَعَ أنْمُل طَرَفٍ، ومِن آخَرَ الوُسْطَى، [مِنْ إصْبَعٍ واحدٍ .. فإنْ جاء الأوَّلُ قَبْلُ أُقِصَّ له، ثُمّ الوُسْطَى (٢)، وإنْ جاء صاحِبُ الوُسْطَى قَبْلُ .. قيل: لا قِصاصَ لك إلّا بعد الطَّرَفِ، ولك الدِّيَةُ.
(٢٨٩٥) قال: ولا أقِيدُ بيُمْنَى يُسْرَى، ولا بيُسْرَى يُمْنَى.
стр. 1466
(٢٨٩٦) ولو قَلَعَ سِنَّه، أو قَطَعَ أُذُنَه، ثُمّ إنّ المقْطُوعَ ذلك منه ألْصَقَه بدَمِه وسَألَ القَوَدَ .. فله ذلك؛ لأنّه وَجَبَ له بإبانَتِه، وكذلك الجاني لا يُقْطَعُ ثانِيَةً إذا أقِيدَ منه مَرَّةً إلّا بأن يُقْطَعَ؛ لأنّها مَيِّتَةٌ.
(٢٨٩٧) قال: ويُقادُ بذَكَرِ رَجلٍ، وشَيْخٍ، وخَصِيٍّ، وصَبِيٍّ، والذي لا يَأتِي النساءَ، كان الذَّكَرُ يَنْتَشِرُ أو لا يَنْتَشِرُ، ما لم يَكُنْ به شَلَلٌ يَمْنَعُه مِنْ أن يَنْقَبِضَ أو يَنْبَسِطَ (١)، وبأنْثَيَي الخَصِيِّ؛ لأنّ كُلَّ ذلك طَرَفٌ.
(٢٨٩٨) وإن قُدِرَ على أن يُقادَ مِنْ إحْدَى أنْثَيَيْ رَجُلٍ بلا ذَهابِ الأخْرَى أقِيدَ منه، وإن قَطَعَهما ففيهما القصاصُ والدِّيَةُ تامَّةً.
(٢٨٩٩) فإن قال الجاني: جَنَيْتُ عليه وهو مَوْجُوءٌ، وقال المجْنِيُّ عليه: بل صحيحٌ .. فالقَوْلُ قَوْلُ المجْنِيِّ عليه مع يَمِينِه؛ لأنّ هذا يَغِيبُ عن أبْصارِ النّاسِ، ولا يَجُوزُ كَشْفُه لهم.
(٣٠٠٠) ويُقادُ أنْفُ الصَّحِيحِ بأنْفِ الأجْذَمِ (٢) ما لم يَسْقُطْ أنْفُه أو شَيْءٌ منه، وأذُنُ الصَّحِيحِ بأذُنِ الأصَمِّ.
(٣٠٠١) وإن قَلَعَ سِنَّ مَنْ قد ثُغِرَ .. قُلِعَ سِنُّه (٣)، وإن كان المقْلُوعُ سِنُّه لم يُثْغِرْ .. فلا قَوَدَ حتّى يُثْغِرَ فتَتَامَّ (٤) طَرْحُه أسْنانَه ونَباتُها، فإن لم يَنْبُتْ سِنُّه وقال أهلُ العِلْمِ به: لا يَنْبُتُ .. أقَدْناه.
стр. 1467
(٣٠٠٢) ولو قَلَعَ له سِنًّا زائدةً .. ففيها حُكُومَةٌ، إلّا أن يَكُونَ للقالعِ مِثْلُها، فيُقادَ منه (١).
(٣٠٠٣) ومَن اقْتَصَّ حَقَّه بغَيْرِ سُلْطانٍ عُزِّرَ، ولا شَيْءَ عليه.
(٣٠٠٤) ولو قال المقْتَصُّ: أخْرِجْ يَمِينَك، فأخْرَجَ يَسارَه، فقَطَعَها، وقال: عَمَدْتُ وأنا عالمٌ .. فلا عَقْلَ ولا قِصاصَ، فإذا بَرَأ أُقِصَّ مِنْ يَمِينِه، وإن قال: لم أسْمَعْ، أو: رَأيْتُ أنّ القِصاصَ بها يَسْقُطُ عن يَمِينِي .. لَزِمَ المقْتَصَّ دِيَةُ اليَدِ، ولو كان ذلك في سَرِقَةٍ لم يُقْطَعْ يَمِينُه، ولا يُشْبِهُ الحَدُّ حُقُوقَ العِبادِ.
(٣٠٠٥) ولو قال الجاني: مات مِنْ قَطْعِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْن، وقال الوليُّ: مات مِنْ غَيْرِهما .. فالقَوْلُ قَوْلُ الوليِّ.
(٣٠٠٦) قال: ويُحْضِرُ الإمامُ القِصاصَ عَدْلَيْن عاقِلَيْن، حتّى لا يُقادَ إلّا بحَدِيدٍ حادٍّ مَسْقِيٍّ (٢)، ويَتَفَقَّدَ حَدِيدَتَه لئلّا يَسُمَّها (٣) فيَقْتُل، فيَقْطَعَ مِنْ حيثُ قَطَعَ بأيْسَرِ ما يَكُونُ به القَطْعُ.
(٣٠٠٧) قال الشافعي: ويَرْزُقُ مَنْ يُقِيمُ الحدُودَ ويَأخُذُ القِصاصَ مِنْ سَهْمِ النبيِّ ﷺ مِنْ الخمُسِ كما يَرْزُقُ الحُكّامَ، فإن لم يَفْعَلْ فعلى المقْتَصِّ منه الأجْرُ؛ كما عليه أجْرُ الكَيّالِ والوَزّانِ فيما لَزِمَه.
стр. 1468
(٣٠٠)
باب عفو المجني عليه ثم يموت وغير ذلك (١)(٣٠٠٨) قال الشافعي: ولو قال المجْنِي عليه عَمْدًا: قد عَفَوْتُ عن جِنايَتِه مِنْ قَوَدٍ وعَقْلٍ، ثُمّ صَحَّ .. جاز فيما لَزِمَه بالجنايةِ، ولم يَجُزْ فيما لَزِمَه مِنْ الزِّيادَةِ؛ لأنّها لم تكُن وَجَبَتْ حين عَفا.
(٣٠٠٩) ولو قال: قد عَفَوْتُ عنها وما يَحْدُثُ منها مِنْ عَقْلٍ وقَوَدٍ، ثُمّ مات منها .. فلا سبيلَ إلى القَوَدِ للعَفْوِ، ونُظِرَ إلى أرْشِ الجنايةِ .. فكان فيها قولان (٢): أحدهما - أنّه جائزُ العَفْوِ عنه مِنْ ثُلُثِ مالِ العافِي كأنّها مُوضِحَةٌ، فهي نِصْفُ العُشْرِ، ويُؤخَذُ بباقي الدِّيَةِ، والقول الثاني - أن يُؤخَذَ بجَمِيعِ الجنايةِ؛ لأنّها صارَتْ نَفْسًا، وهذا قاتِلٌ لا يَجُوزُ له وَصِيَّةٌ بحالٍ.
قال المزني: هذا أوْلَى بقَوْلِه؛ لأنّ كُلَّ ذلك وَصِيَّةٌ لقاتِلٍ، فلمّا بَطَلَ بَعْضُها بَطَلَ جمِيعُها، ولأنّه قَطَعَ بأنّه لو عَفا والقاتِلُ عَبْدٌ جاز العَفْوُ مِنْ ثُلُثِ الميِّتِ، ولأنّه قال: «وإنّما أجَزْنا ذلك لأنّها وَصِيَّةٌ لسَيِّدِ العَبْدِ مع أهْلِ الوَصايا»، ولأنّه قال في «قتل الخطأ»: «لو عَفا عن أرْشِ الجنايةِ جاز عَفْوُه؛ لأنّها وَصِيَّةٌ لغَيْرِ قاتلٍ» (٣).
стр. 1469
(٣٠١٠) قال الشافعي: ولو كان القاتلُ خَطَأً ذِمِّيًّا لا يَجْرِي على عاقِلَتِه الحكْمُ، أو مُسْلِمًا أقَرَّ بجِنايَةِ خَطَأٍ .. فالدِّيَةُ في أمْوالِهما، والعَفْوُ باطلٌ؛ لأنّه وَصِيَّةٌ لقاتِلٍ، ولو كان لهما عاقلةٌ لم يَكُنْ عَفْوًا عن العاقلةِ، إلّا أن يُرِيدَ بقَوْلِه: «عَفَوْتُ عنه» أرْشَ الجِنايةِ، أو: «ما يَلْزَمُه مِنْ أرْشِ الجنايةِ قد عَفَوْتُ ذلك عن عاقلتِه»، فيَجُوزُ ذلك لها.
قال المزني: قد أثْبَتَ أنّها وَصِيَّةٌ، وأنّها باطلٌ لقاتلٍ.
(٣٠١١) قال الشافعي: ولو جَنَى عَبْدٌ على حُرٍّ، فابْتاعَه بأرْشِ الجرْحِ .. فهو عَفْوٌ، ولم يَجُز البَيْعُ إلّا أن يَعْلَما أرْشَ الجُرْحِ؛ لأنّ الأثْمانَ لا تَجُوزُ إلّا مَعْلُومَةً، فإن أصاب به عَيْبًا رَدَّه، وكان له في عُنُقِه أرْشُ جِنايَتِه.
стр. 1470
(٣٠١)
باب أسنان الإبل المغلَّظةِ، والعَمْدِ، وكيف يشبه العمد الخطأ (١)(٣٠١٢) الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ في قَتْلِ العَمْدِ الخَطَأِ بالسَّوْطِ والعَصَا مائةً مِنْ الإبِلِ مُغَلَّظَةً، منها أرْبَعُون خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»، قال الشافعي: فهَذا خَطَأٌ في القَتْلِ وإنْ كان عَمْدًا في الضَّرْبِ.
(٣٠١٣) واحْتَجَّ بعُمَرَ بنِ الخطاب وعطاءٍ؛ أنّهما قالا في تَغْلِيظِ الإبِلِ: «أربعون خَلِفَةً، وثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً»، قال الشافعي: و «الخَلِفَةُ»: الحاملُ، وقَلَّ ما تَحْمِلُ إلا ثَنِيَّةٌ فصاعِدًا، فأيُّ ناقةٍ مِنْ إبلِ العاقِلَةِ حَمَلَتْ فهي خَلِفَةٌ، تُجْزِئ في الدِّيَةِ، ما لم تكُنْ مَعِيبَةً (٢).
(٣٠١٤) وكذلك لو ضَرَبَه بعَمُودٍ خَفِيفٍ، أو بحَجَرٍ لا يَشْدَخُ، أو بحَدِّ
стр. 1471
سَيْفٍ ولم يَجْرَحْ، أو ألْقاه في بَحْرٍ قُرْبَ البَرِّ وهو يُحْسِنُ العَوْمَ، أو ما الأغْلَبُ أنّه لا يَمُوتُ مِنْ مِثْلِه (١)، فمات .. فلا قَوَدَ، وفيه الدِّيَةُ على العاقِلَةِ، وكذلك الجِراحُ.
(٣٠١٥) وكذلك التَّغْلِيظُ في النفسِ والجِراحِ في الشَّهْرِ الحرامِ والبَلَدِ الحرامِ وذِي الرَّحِمِ، ورُوِيَ عن عثمانَ أنّه قَضَى في دِيَةِ امْرَأةٍ وُطِئَتْ بمَكَّةَ بِدِيَةٍ وثُلُثٍ.
(٣٠١٦) قال الشافعي: وهكذا أسْنانُ دِيَةِ العَمْدِ حالَّةٌ في مالِه إذا زال عنه القِصاصُ.
قال المزني: إذا كانَت المغَلَّظَةُ أعْلَى سِنًّا مِنْ سِنِّ الخَطَأِ للتَّغْلِيظِ، فالعامِدُ أحَقُّ بالتَّغْلِيظِ إذا صارَتْ عليه الدِّيَةُ، وبالله التوفيق.
стр. 1472
(٣٠٢)
باب أسنان الخطأ وتقويمها، ودِياتِ النفوس والجراح وغيرها
(٣٠١٧) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ [النساء: ٩٢]، وأبانَ على لِسانِ رَسُولِه ﷺ أنّ الدِّيَةَ مائَةٌ مِنْ الإبلِ، ورُوِيَ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ أنّهم كانُوا يَقُولُون: «دِيَةُ الخَطأِ مائةٌ مِنْ الإبِلِ، عشرون بِنْتَ مَخاضٍ، وعشرون بِنْتَ لَبُونٍ، وعشرون ابْنَ لَبُونٍ، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعَةً» (١)، قال الشافعي: فبهذا نَأخُذُ.
(٣٠١٨) ولا نُكَلِّفُ أحَدًا مِنْ العاقِلَةِ غَيْرَ إبِلِه، ولا يُقْبَلُ منه دُونَها، فإن لم تَكُنْ لبَلَدِه إبِلٌ .. كُلِّفَ إبِلَ أقْرَبِ البُلْدان إليه، فإنْ كانَتْ إبِلُ العاقِلَةِ مخْتَلِفَةً .. أدَّى كُلُّ رَجُلٍ منهم مِنْ إبِلِه (٢)، فإنْ كانَتْ مِراضًا أو عِجافًا أو جَرْباءَ .. قيل: إنْ أدَّيْتَ صِحاحًا جُبِرَ على قَبُولِها.
(٣٠١٩) فإنْ أعْوَزَت الإبِلُ .. فقِيمَتُها بالدَّنانيرِ أو الدَّراهمِ كما قَوَّمَها عمرُ بنُ الخطاب، وقال عطاءٌ: «كانَت الإبِلَ، حتّى قَوَّمَها عمرُ»، قال
стр. 1473
الشافعي: والعِلْمُ مُحِيطٌ (١) أنّه لم يُقَوِّمْها إلّا قِيمَةَ يَوْمِها، وإذا قَوَّمَها كذلك فاتِّباعُه أن تُقَوَّمَ متى وَجَبَتْ، ولعلَّه أن لا يَكُونَ قَوَّمَها إلّا في حينٍ وبَلَدٍ أعْوَزَتْ فيه، أو برِضَا الجانِي والوليِّ، ويَدُلُّ على تَقْوِيمِه للإعْوازِ قولُه: «لا يُكَلَّفُ أعْرابيٌّ الذَّهَبَ ولا الوَرِقَ»؛ لأنّه يَجِدُ الإبِلَ، ولأخْذِه ذلك مِنْ القَرَوِيِّ لإعْوازِ الإبِلِ فيما أرَى والله أعلم، ولو جازَ أن يَقُومَ بغَيْرِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ .. جَعَلْنا على أهْلِ الخَيْلِ الخَيْلَ، وعلى أهلِ الطّعامِ الطعامَ.
قال المزني: وقولُه القديمُ: «على أهْلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وعلى أهل الوَرِقِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ درهمٍ»، ورُجُوعُه عن القديمِ رَغْبَةٌ عنه إلى الجديدِ، وهو أشْبَه بالسُّنَّةِ (٢).
(٣٠٢٠) قال الشافعي: وفي الموضِحَةِ خمْسٌ مِنْ الإبِلِ، وهي التي تُبْرِزُ العَظْمَ حتّى يُقْرَعَ بالمرْوَدِ؛ لأنّها على الأسْماءِ، صَغُرَتْ أو كَبُرَتْ، شانَتْ أو لم تَشِنْ.
(٣٠٢١) ولو كان وَسَطَها ما لم يَنْخَرِقْ .. فهي مُوضِحَتان، فإن قال: أنا شَقَقْتُها مِنْ رأسِي، وقال الجاني: بل تَآكَلَتْ مِنْ جِنايَتِي .. فالقَوْلُ قَوْلُ المجْنِيِّ عليه مع يَمِينِه؛ لأنّهما وَجَبَتا له، فلا يُبْطِلُهما إلّا إقْرارُه أو بَيِّنَةٌ عليه.
(٣٠٢٢) وفي الهاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الإبِلِ، وهي التي تُوضِحُ وتَهْشِمُ.
(٣٠٢٣) وفي المُنَقِّلَة خمسَ عَشْرَةَ مِنْ الإبِلِ، وهي التي تكْسِرُ عَظْمَ الرّأسِ حتّى تَشَظَّى، فتَنْقُلُ مِنْ عِظامِه ليَلْتَئِمَ.
стр. 1474
(٣٠٢٤) وذلك كُلُّه في الرّأسِ والوَجْهِ واللَّحْيِ الأسْفَلِ، وفي المأمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وهي التي تَخْرِقُ إلى جِلْدِ الدِّماغِ.
(٣٠٢٥) ولم أعْلَمْ رسولَ الله ﷺ حَكَمَ فيما دُونَ الموضِحَةِ بشَيْءٍ، ففيما دُونَها حُكُومَةٌ لا يَبْلُغُ بها قَدْرَ مُوضِحَةٍ، وإنْ كان الشَّيْنُ أكْثَرَ.
(٣٠٢٦) وكُلُّ جُرْحٍ عَدا الوَجْهَ والرّأسَ .. ففيه حُكُومَةٌ (١)، إلّا الجائفَةَ، ففيها ثُلُثُ النَّفْسِ، وهي التي تَخْرِقُ إلى الجَوْفِ؛ مِنْ بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو ثُغْرَةِ النَّحْرِ (٢)، فهي جائِفَةٌ.
(٣٠٢٧) وفي الأذُنَيْنِ الدِّيَةُ.
(٣٠٢٨) وفي السَّمْعِ الدِّيَةُ، ويَتَغَفَّلُ ويَصِيحُ به (٣)، فإنْ أجابَ وعَرَفَ أنّه يَسْمَعُ .. لم يَقْبَلْ قَوْلَه، وإن لم يُجِبْ عند غَفَلاتِه ولم يَفْزَعْ إذا صِيحَ به .. حَلَفَ: لَقَدْ ذَهَبَ سَمْعُه، وأخَذَ الدِّيَةَ.
(٣٠٢٩) وفي ذَهابِ العَقْلِ الدِّيَةُ.
(٣٠٣٠) وفي العَيْنَيْن الدِّيَةُ.
(٣٠٣١) وفي ذَهابِ بَصَرِهما الدِّيَةُ، فإن نَقَصَتْ إحْداهُما عن الأخْرَى .. اخْتَبَرْتُه بأنْ أعْصِبَ عَيْنَه العَلِيلَةَ وأطْلِقَ الصَّحِيحَةَ، وأنْصِبَ له شَخْصًا على رَبْوَةٍ أو مُسْتَوًى (٤)، فإذا أثْبَتَه بَعَّدْتُه حتّى يَنْتَهِيَ بَصَرُها، ثُمّ
стр. 1475
أعْصِبَ الصَّحِيحَةَ وأطْلِقَ العَلِيلَةَ حتّى يَنْتَهِيَ بَصَرُها، ثُمّ أذْرَعَ بَيْنَهما، وأعْطِيَه على قَدْرِ ما نَقَصَتْ عن الصَّحِيحَةِ.
(٣٠٣٢) ولو قال: جَنَيْتُ عليه وهو ذاهِبُ البَصَرِ .. فعلى المجْنِيِّ عليه البَيِّنَةُ أنْ كان يُبْصِرُ، ويَسَعُها أن تَشْهَدَ إذا رَأتْه يُتْبِعُ الشَّخْصَ بَصَرَه ويَطْرِفُ عنه ويَتَوَقّاه (١)، وكذلك المعْرِفَةُ بانْبِساطِ اليَدِ والذَّكَرِ وانْقِباضِهِما، وكذلك المعْتُوهُ والصَّبِيُّ، ومتى عُلِمَ أنّه صَحِيحٌ، فهو على الصِّحَّةِ حتّى يُعْلَمَ غَيْرُها.
(٣٠٣٣) وفي الجفُونِ (٢) إذا اسْتُؤصِلَت الدِّيَةُ، وفي كُلِّ واحِدٍ منهما رُبُعُ الدِّيَةِ؛ لأنّ ذلك مِنْ تَمامِ خِلْقَتِه وما يَأْلَمُ بقَطْعِه.
(٣٠٣٤) وفي الأنْفِ إذا أُوعِيَ مارِنُه جَدْعًا الدِّيَةُ (٣).
(٣٠٣٥) وفي ذَهابِ الشَّمِّ الدِّيَةُ.
(٣٠٣٦) وفي الشَّفَتَيْن الدِّيَةُ إذا اسْتُوعِبَتا (٤)، [وفي كُلِّ واحِدَةٍ منهما نِصْفُ الدِّيَةِ (٥).
стр. 1476
(٣٠٣٧) وفي اللِّسانِ الدِّيَةُ.
(٣٠٣٨) وإنْ خَرِسَ .. ففيه الدِّيَةُ، وإنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَلامِه اعْتُبِرَ عليه بحُرُوفِ المعْجَمِ، ثُمّ كان ما ذَهَبَ مِنْ عَدَدِ الحرُوفِ بحِسابٍ.
(٣٠٣٩) فإن قُطِعَ رُبُعُ اللِّسانِ فذَهَبَ بأقَلَّ مِنْ رُبُعِ الكَلامِ .. فرُبُعُ الدِّيَةِ، وإنْ ذَهَبَ نِصْفُ الكَلامِ .. فنِصْفُ الدِّيَةِ.
(٣٠٤٠) وفي لِسانِ الصَّبِيِّ إذا حَرَّكَه ببُكاءٍ أو بِشَيْءٍ يُعَبِّرُه اللِّسانُ الدِّيَةُ.
(٣٠٤١) وفي لِسانِ الأخْرَسِ حُكُومَةٌ، فإن قال: لم أكُنْ أبْكَمَ .. فالقَوْلُ قَوْلُ الجاني مع يَمِينِه، فإنْ عُلِمَ أنّه ناطِقٌ فهو ناطِقٌ حتّى يُعْلَمَ خِلافُ ذلك.
(٣٠٤٢) وفي السِّنِّ خمْسٌ مِنْ الإبِلِ إذا كان قد ثُغِرَ، فإن لم يُثْغِرِ انْتُظِرَ به، فإن لم تَنْبُتْ تَمّ عَقْلُها، وإن نَبَتَتْ فلا عَقْلَ لها.
(٣٠٤٣) والضِّرْسُ سِنٌّ وإن سُمِّيَ ضِرْسًا؛ كما أنّ الثَّنِيَّةَ سِنٌّ وإن سُمِّيَتْ ثَنِيَّةً (١)، وكما أنّ اسْمَ الإبْهامِ غَيْرُ اسْمِ الخِنْصِرِ، وكِلاهُما إصْبَعٌ، وعَقْلُ كُلِّ إصْبَعٍ سَواءٌ.
(٣٠٤٤) قال: فإن نَبَتَتْ سِنُّ رَجُلٍ قُلِعَتْ بعد أخْذِه أرْشَها .. قال في موضع: يَرُدُّ ما أخَذَ، وقال في موضع آخر: لا يَرُدُّ شَيْئًا.
قال المزني: هذا عندي (٢) أقْيَسُ في مَعْناه؛ لأنّه لم يَنْتَظِرْ بسِنِّ الرَّجُلِ كما انْتَظَرَ بسِنِّ مَنْ لم يُثْغِرْ هل تَنْبُتُ أم لا؟ فدَلَّ ذلك عندي (٣) مِنْ قَوْلِه أنّ
стр. 1477
عَقْلَها أو القَوَدَ منها قد تَمّ، ولولا ذلك لانْتَظَرَ كما انْتَظَر بسِنِّ مَنْ لم يُثْغِرْ (١)، وقياسًا على قَوْلِه: «لو قُطِعَ لِسانُه فأخَذَ أرْشَه ثُمّ نَبَتَ صَحِيحًا لم يَرُدّ شَيْئًا، ولو قَطَعَه آخَرُ ففيه الأرْشُ تامًّا»، ومِن أصْلِ قَوْلِه أنّ الحُكْمَ على الأسْماءِ، قال المزني: فكذلك السِّنُّ في القِياسِ نَبَتَتْ أو لم تَنْبُتْ سَواءٌ، إلّا أنْ تَكُونَ في الصَّغِيرِ إذا نَبَتَتْ لم يَكُنْ لها عَقْلٌ أصْلًا، فيُتْرَكُ له القياسُ (٢).
(٣٠٤٥) قال الشافعي: والأسْنانُ العُلْيا في عَظْمِ الرَّأسِ، والسُّفْلَى في اللَّحْيَيْن مُلْتَصِقَيْن، ففي اللَّحْيَيْن الدِّيَةُ، وفي كُلِّ سِنٍّ مِنْ أسْنانِها خمْسٌ مِنْ الإبِلِ.
(٣٠٤٦) ولو ضَرَبَها فاسْوَدَّتْ ففيها حُكُومَةٌ.
وقال في «كتاب العُقُولِ»: «تَمّ عَقْلُها»، قال المزني: الحُكُومَةُ به أوْلَى؛ لأنّ مَنْفَعَتَها بالقَطْعِ والمضْغِ ورَدِّ الرِّيقِ وسَدِّ مَوْضِعِها قائمةٌ؛ كما لو اسْوَدَّ بَياضُ العَيْنِ لم يَكُنْ فيها إلّا حُكُومَةٌ؛ لأنّ مَنْفَعَتَها بالنَّظَرِ قائمةٌ (٣).
(٣٠٤٧) قال الشافعي: وفي اليَدَيْن الدِّيَةُ، وفي الرِّجْلَيْن الدِّيَةُ، وفي كُلِّ إصْبَعٍ ممّا هُنالِكَ عَشْرٌ مِنْ الإبِلِ، وفي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِ إصْبَعٍ، إلّا