← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1423–1462 · переход к 1428.

стр. 1423

قال المزني: قد قال: «لو أعْسَرَ بالصَّداقِ ولم يُعْسِرْ بالنَّفَقَةِ، فاخْتارَتِ المُقامَ معه .. لم يَكُنْ لها فِراقُه؛ لأنّه لا ضَرَرَ على بَدَنِها إذا أنْفَقَ عليها في اسْتِئخارِ صَدَاقِها»، قال المزني: فهذا دليلٌ على أن لا خِيارَ لها فيه كالنَّفَقَةِ (١). (٢٧٨٣) قال الشافعي: ولو اخْتارَت المُقامَ معه .. فمتى شاءَتْ أجِّلَ أيضًا؛ لأنّ ذلك عَفْوٌ عمّا مَضَى، ولو عَلِمَتْ عُسْرَتَه؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يُوسِرَ ويَتَطَوَّعَ عنه بالغُرْمِ. (٢٧٨٤) ولها أن لا تَدْخُلَ عليه إذا أعْسَرَ بصَداقِها حتّى تَقْبِضَه. (٢٧٨٥) واحْتَجَّ على مخالِفِه، فقال: إذا خَيَّرْتها في العِنِّينِ يُؤجَّلُ سَنَةً، ورَضِيتَ منه بجِماعٍ مَرَّةً، وإنّما هو فَقْدُ لَذَّةٍ، ولا صَبْرَ لها على فَقْدِ النَّفَقَةِ، فكيف أقْرَرْتَها معه في أعْظَمِ الضَّرَرَيْن، وفَرَّقْتَ بينهما في أصْغَرِ الضَّرَرَيْن؟

стр. 1424

(٢٨٩) باب نفقة التي لا يَملِك زوجُها رَجْعتَها وغير ذلك (٢٧٨٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، فلمّا أوْجَبَ اللهُ لها نَفَقَةً بالحمْلِ، دَلّ على أن لا نَفَقَةَ لها بخلافِ الحمْلِ، ولم أعْلَمْ مخالِفًا أنّ التي يَمْلِكُ رَجْعَتَها في معاني الأزْواجِ في أنّ عليه نَفَقَتَها وسُكْناها، وأنّ طَلاقَه وإيلاءَه وظِهارَه ولِعانَه يَقَعُ عليها، وأنّها تَرِثُه ويَرِثُها، فكانَت الآيَةُ على غَيْرِها مِنْ المطَلَّقاتِ، وهي التي لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها، وبذلك جاءَت سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في فاطمةَ بنتِ قيسٍ، بَتَّ زَوْجُها طَلاقَها، فذَكَرَتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: «لَيْسَ لكِ عليهم نَفَقَةٌ»، وعن جابر بن عبدالله أنّه قال: «نَفَقَةُ المطَلَّقَةِ ما لم تَحْرُمْ»، وعن عطاءٍ: «لَيْسَت المبْتُوتَةُ الحُبْلَى منه في شَيْءٍ، إلّا أنّه يُنْفِقُ عليها مِنْ أجْلِ الحَبَلِ، فإنْ كانَتْ غَيْرَ حُبْلَى فلا نَفَقَةَ لها» (١). (٢٧٨٧) قال الشافعي: وكُلُّ ما وَصَفْنا مِنْ مُتْعَةٍ أو نَفَقَةٍ أو سُكْنَى، فلَيْسَتْ إلّا في نكاحٍ صحيحٍ، فأمّا كُلُّ نكاحٍ كان مَفْسُوخًا فلا نَفَقَةَ لها، حامِلًا أو غَيْرَ حامِلٍ (٢).

стр. 1425

(٢٧٨٨) فإن ادَّعَت الحَمْلَ ففيها قولان: أحدهما - أنّه لا يُعْلَمُ بيَقِينٍ حتّى تَلِدَ، فتُعْطَى نَفَقَةَ ما مَضَى لها، وهكذا لو أوْصَى لحَمْلٍ (١) أو كان الوارِثُ أو الموصَى له غائبًا، فلا يُعْطَى إلّا بيَقِينٍ، أرأيْتَ لو أعْطَيْناها بقَوْلِ النِّساءِ ثُمّ انْفَشَّ (٢)، ألَيْسَ قد أعْطَيْنا مِنْ … مالِه ما لم يَجِبْ عليه؟ والقول الثاني - أن يُحْصَى مِنْ يَوْمِ فارَقَها، فإذا قال النِّساءُ: «بها حَمْلٌ» أنْفَقَ عليها حتّى تَضَعَ ولِما مَضَى. قال المزني: هذا عندي أوْلَى بقَوْلِه؛ لأنّ الله ﵎ أوْجَبَ بالحمْلِ النَّفَقَةَ، وحَمْلُها قَبْلَ أنْ تَضَعَ (٣). (٢٧٨٩) قال الشافعي: ولو ظَهَرَ بها حملٌ فنَفاه وقَذَفَها .. لاعَنَها ولا نَفَقَةَ عليه، فإنْ أكْذَبَ نَفْسَه .. حُدَّ ولَحِقَ به الوَلَدُ، ثُمّ أخِذَتْ منه النَّفَقَةُ التي بَطَلَتْ عنه. (٢٧٩٠) ولو أعْطاها بقَوْلِ القَوابِلِ أنّ بها حَمْلًا، ثُمّ عُلِمَ أن لم يَكُنْ بها حَمْلٌ، أو أنْفَقَ عليها فجاوَزَتْ أرْبَعَ سِنين .. رَجَعَ عليها بما أخَذَتْ. (٢٧٩١) ولو كان يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فلم تُقِرَّ بثلاثِ حِيَضٍ، أو كان حَيْضُها يَخْتَلِفُ فيَطُولُ ويَقْصُرُ .. لم أجْعَلْ لها إلّا الأقْصَرَ؛ لأنّ ذلك اليَقِينُ، وأطْرَحُ الشَّكَّ. قال المزني: إذا حَكَمَ بأنّ العِدَّةَ قائمةٌ فكذلك النَّفَقَةُ في القياسِ لها

стр. 1426

بالعِدَّةِ قائمةٌ، ولو جاز قَطْعُ النَّفَقَةِ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، لجازَ انْقِطاعُ الرَّجْعَةِ (١) بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلمّا لم تَزُل الرَّجْعَةُ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، لم يَجُزْ أن نُزِيلَ النَّفَقَةَ بالشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ (٢). (٢٧٩٢) قال الشافعي: ولا أعْلَمُ حُجَّةً بأن لا يُنْفِقَ على الأمَةِ الحامِلِ، ولو زَعَمْنا أنّ النَّفَقَةَ للحَمْلِ كانَتْ نَفَقَةُ الحمْلِ لا تَبْلُغُ بَعْضَ نَفَقَةِ أمِّه، ولكنَّه حُكْمُ الله جلَّ ثناؤُه. وقال في «كتاب الإملاء»: «النَّفَقَةُ على السَّيِّدِ». قال المزني: الأوَّلُ أحَقُّ به؛ لأنّه شَهِدَ أنّه حُكْمُ اللهِ تبارك اسمه، وحُكْمُ اللهِ أوْلَى ممّا خالَفَه (٣). (٢٧٩٣) قال الشافعي: فأمّا كُلُّ نكاحٍ كان مَفْسُوخًا فلا نَفَقَةَ لها ولا سُكْنَى، حاملًا أو غَيْرَ حامِلٍ (٤).

стр. 1427

وقال في موضع آخر: «إلّا أن يَتَطَوَّعَ المصِيبُ لها بذلِكَ ليُحَصِّنَها، فيَكُونَ ذلك لها بتَطَوُّعِه، وله تَحْصِينُها» (١).

стр. 1428

(٢٩٠) باب النفقة على الأقارب من كتاب النفقة، ومن ثلاثة كتب (١) (٢٧٩٤) قال الشافعي: في كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رَسُولِه بَيانُ أنّ على الأبِ أن يَقُومَ بالمؤُونَةِ في صَلاحِ صِغارِ وَلَدِه مِنْ رَضاعٍ ونَفَقَةٍ وكُِسْوَةٍ وخِدْمَةٍ، دُونَ أمِّهِ، وفيه دَلالَةٌ على أنّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ على الميراثِ، قال ابنُ عبّاسٍ في قَوْلِ الله : ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]: «مِنْ أن لا تُضارَّ والِدَةٌ بوَلَدِها، لا أنّ عليها النَّفَقَةَ (٢)». (٢٧٩٥) قال الشافعي: فيُنْفِقُ الرَّجُلُ على وَلَدِه حتّى يَبْلُغُوا الحُلُمَ أو المحِيضَ (٣)، ثُمّ لا نَفَقَةَ إلّا أن يَكُونُوا زَمْنَى، فيُنْفِقُ عليهم إذا كانُوا لا يُغْنُون أنْفُسَهُم (٤)، وكذلك وَلَدُ وَلَدِه وإنْ سَفَلُوا، ما لم يَكُنْ لهم أبٌ دُونَه يَقْدِرُ على أن يُنْفِقَ عليهم، فإنْ كانَتْ لهم أمْوالٌ فنَفَقَتُهم في أمْوالِهِم، وإذا لم يَجُزْ أن يُضَيِّعَ شَيئًا منه .. فكذلك هو مِنْ أبِيه إذا كان الوالِدُ زَمِنًا لا يُغْنِي نَفْسَه ولا عِيالَه ولا حِرْفَةَ، فيُنْفِقُ عليه وَلَدُه ووَلَدُ وَلَدِه وإنْ سَفَلُوا؛ لأنّهم وَلَدٌ، وحَقُّ الوالِدِ على الوَلَدِ أعْظَمُ (٥).

стр. 1429

(٢٧٩٦) ومَن أجْبَرْناه على النَّفَقَةِ بِعْنا فيها العُقارَ (١). (٢٧٩٧) ولا تُجْبَرُ امْرَأةٌ على رَضاعِ وَلَدِها، شَرِيفَةً كانَتْ أو دَنِيَّةً، مُوسِرَةً كانَتْ أو فَقِيرَةً، وأحْكامُ الله فيها واحدةٌ. (٢٧٩٨) وإذا طَلَبَتْ رَضاعَ وَلَدِها وقد فارَقَها زَوْجُها فهي أحَقُّ بما وَجَدَ الأبُ أن يُرْضِعَ به، فإن وَجَدَ بغَيْرِ شَيْءٍ فلَيْسَ للأمِّ أجْرَةٌ، والقَوْلُ قَوْلُ الأبِ مع يَمِينِه. وقال في موضع آخر: «إنْ أرْضَعَتْ أعْطاها أجْرَ مِثْلِها»، قال المزني: هذا أحَبُّ إليَّ؛ لقولِ الله ﵎: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] (٢).

стр. 1430

(٢٩١) باب أي الوالدين أحق بالولد؟ من كتب عِدّة (٢٧٩٩) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي ميمونة (١)، عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بين أبِيه وأمِّه (٢). (٢٨٠٠) وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه خَيَّرَ غُلامًا بَيْنَ أبَوَيْه (٣). (٢٨٠١) وعن عُمارَةَ الجَرْمِيّ قال: «خَيَّرَني عليٌّ بين أمّي وعَمِّي، ثُمّ قال لأخٍ لي أصْغَرَ منِّي: وهذا أيْضًا لو قد بَلَغَ خَيَّرْتُه»، وقال في الحديث: «وكُنْتُ ابْنَ سَبْعِ أو ثَمانِ سنين». (٢٨٠٢) قال الشافعي: فإذا اسْتَكْمَلَ سَبْعَ سنين، ذَكَرًا كان أو أنْثَى، وهو يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِه .. خُيِّرَ. وقال في كتاب النكاح القديم: «إذا بَلَغَ سَبْعَ أو ثَمانِ سنين .. خُيِّرَ إذا كانَتْ دارُهما واحدةً، وكانا جميعًا مأمُونَيْن على الوَلَدِ، فإنْ كان أحَدُهما غَيْرَ مأمُونٍ فهو عند المأمُونِ منهما حتّى يَبْلُغَ» (٤).

стр. 1431

(٢٨٠٣) وإذا افْتَرَقَ الأبَوان وهما في قَرْيَةٍ واحدةٍ .. فالأمُّ أحَقُّ بوَلَدِها ما لم تَتَزَوَّجْ، وعلى أبيه نَفَقَتُه، ولا يُمْنَعُ مِنْ تأدِيبِه، ويَخْرُجُ الغُلامُ إلى الكُتّابِ أو الصِّناعَةِ إن كان مِنْ أهْلِها، ويَأوِي إلى أمِّه. (٢٨٠٤) وإن اخْتار أباه لم يَكُنْ له مَنْعُه مِنْ أن يأتيَ أمَّهُ، وتأتيَه في الأيّامِ (١). (٢٨٠٥) وإذا كانَتْ جاريةً لم تُمْنَع أمُّها مِنْ أن تأتِيَها، ولا أعْلَمُ على أبِيها إخْراجُها إليها، إلّا أن تَمْرَضَ فيُؤْمَرَ بإخْراجِها عائدةً، فإن ماتَت البِنْتُ لم تُمْنَع الأمُّ مِنْ أن تَأتِيَها حتّى تُدْفَنَ (٢)، ولا تُمْنَعُ في مَرَضِها مِنْ أنْ تَلِي تَمْرِيضَها في مَنْزِلِ أبِيها. (٢٨٠٦) وإنْ كان الوَلَدُ مَخْبُولًا .. فهو كالصَّغِيرِ، فالأمُّ أحَقُّ به، ولا يُخَيَّرُ أبَدًا. (٢٨٠٧) وإذا خُيِّرَ فاخْتارَ أحَدَ الأبَوَيْن ثُمّ اخْتارَ الآخَرَ .. حُوِّلَ. (٢٨٠٨) ولو مُنِعَتْ منه بالزَّوْجِ فطَلَّقَها طلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ أو لا يَمْلِكُها (٣) .. رَجَعَتْ إلى (٤) حَقِّها في وَلَدِها؛ لأنّها مُنِعَتْه بوَجْهٍ، فإذا

стр. 1432

ذَهَبَ فهي كما كانَتْ، فإن قيل: كيف تَعُودُ إلى ما بَطَلَ بالنِّكاحِ؟ .. قيل: لو كان بَطَلَ ما كان لأمِّها أنْ تَكُونَ أحَقَّ بوَلَدِها مِنْ أبِيهِم، وكان يَنْبَغِي إذا بَطَلَ عن الأمِّ أن يَبْطُلَ عن الجدَّةِ التي إنّما حَقُّها بحقِّ الأمِّ، وقد قَضَى أبو بكرٍ على عُمَرَ بأنّ جَدَّةَ ابْنِه أحَقُّ به منه، فإن قيل: فما حَقُّ الأمِّ فيهم؟ .. قيل: كحَقِّ الأبِ، هما والدان يَجِدان بالوَلَدِ، فلمّا كان الوَلَدُ لا يَعْقِلُ كانَت الأمُّ أوْلَى به، على أنّ ذلك حَقٌّ للوَلَدِ لا للأبَوَيْن؛ لأنّ الأمَّ أحْنَى عليه وأرَقُّ مِنْ الأبِ (١). (٢٨٠٩) فإذا بَلَغَ الغلامُ .. وَلِيَ نَفْسَه إذا أُونِسَ رُشْدُه، ولم يُجْبَرْ على أن يَكُونَ عند أحَدِهما، وأخْتارُ له بِرَّهُما وتَرْكَ فِراقِهما. (٢٨١٠) وإذا بَلَغَت الجاريةُ .. كانَتْ مع أحَدِهما حتّى تَزَوَّجَ فتكُونَ مع زَوْجِها، فإن آمَتْ وكانَتْ مأمُونَةً سَكَنَتْ حيثُ شاءَتْ ما لم تُرَ رِيبَةٌ، وأخْتارُ لها أن لا تُفارِقَ أبَوَيْها. (٢٨١١) قال: وإذا اجْتَمَعَ القَرابَةُ مِنْ النّساءِ فتَنازَعْنَ الموْلُودَ .. فالأمُّ أوْلَى ثُمّ أمُّها ثُمّ أمّهاتُ أمِّها وإنْ بَعُدْن، ثُمّ الجَدَّةُ أمُّ الأبِ ثُمّ أمُّها وأمَّهاتُها، ثُمّ الجدَّةُ أمُّ الجدِّ للأبِ ثُمّ أمُّها ثُمّ أمّهاتُها، ثُمّ الأخْتُ للأبِ والأمِّ، ثُمّ الأخْتُ للأبِ، ثُمّ الأخْتُ للأمِّ، ثُمّ الخالَةُ، ثُمّ العَمَّةُ (٢). (٢٨١٢) ولا وِلايَةَ لأمِّ أبِي الأمِّ؛ لأنّ قَرابَتَها بأبٍ، لا بأمٍّ، فقَرابَةُ الصَّبِيِّ مِنْ النساءِ أوْلَى.

стр. 1433

(٢٨١٣) ولا حَقَّ لأحَدٍ (١) مع الأبِ غيرِ الأمِّ وأمَّهاتِها، فأمّا أخَوَاتُه وغَيْرُهن .. فإنّما حُقُوقُهُنَّ بالأبِ، فلا يَكُونُ لهنّ حَقٌّ معه، وهُنّ يُدْلِين به. (٢٨١٤) والجدُّ أبو الأبِ يَقُومُ مَقامَ الأبِ إذا لم يَكُنْ أبٌ، أو كان غائبًا، أو غَيْرَ رشيدٍ، وكذلك أبو أبِ الأبِ (٢)، وكذلك العَصَبَةُ يَقُومُون مَقامَ الأبِ إذا لم يَكُنْ أقْرَبُ منهم مع الأمِّ وغَيْرِها مِنْ أمّهاتِها (٣). (٢٨١٥) وإذا أراد الأبُ أن يَنْتَقِلَ عن البَلْدَةِ التي نكَحَ بها المرأةَ، كانَتْ بَلَدَه أو بَلَدَها .. فسَواءٌ، والقَوْلُ قَوْلُه إذا قال: أرَدْتُ النُّقْلَةَ، وهو أحَقُّ بالوَلَدِ، مُرْضَعًا كان أو كبيرًا، وكذلك العَصَبَةُ، إلّا أن تَخْرُجَ الأمُّ إلى ذلك البَلَدِ فتكُونَ أوْلَى. (٢٨١٦) ولا حَقَّ لمن لم تكْمُلْ فيه الحُرِّيَّةُ في وَلَدٍ حُرٍّ (٤)، وإذا كان ولد الحر مماليكَ فسيِّدُهم أحقُّ بهم، وإذا كانُوا مِنْ حُرَّةٍ وأبُوهُم ممْلُوكٌ فهي أحَقُّ بهم، ولا يُخَيَّرُون في وَقْتِ الخِيارِ (٥).

стр. 1434

(٢٩٢) باب نفقة المماليك (٢٨١٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن بكر أو بكير بن عبدالله - شك المزني (١) - عن عجلانَ أبي محمدٍ، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «للمملوكِ طَعامُه وكُِسْوَتُه بالمعروف، ولا يُكَلَّفُ مِنْ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ». (٢٨١٨) قال الشافعي: فعَلَى مالِكِ الممْلُوكِ الذَّكَرِ والأنْثَى البالِغَيْن إذا شَغَلَهما في عَمَلٍ له أن يُنْفِقَ عليهما ويَكْسُوَهما بالمعروفِ، وذلك نَفَقَةُ رَقِيقِ بَلَدِهما، الشِّبَعُ لأوْساطِ النّاسِ الذي تَقُومُ به أبْدانُهُمْ، مِنْ أيِّ الطّعامِ كان، قَمْحًا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو تَمْرًا، وكُِسْوَتُهم كذلك ممّا يَعْرِفُ أهْلُ ذلك البَلَدِ أنّه معروفٌ، صُوفٌ، أو قُطْنٌ، أو كَتّانٌ، أيُّ ذلك كان الأغْلَبَ بذلك البَلَدِ وكان لا يُسَمَّى مِثْلُه ضِيقًا بمَوْضِعِه. (٢٨١٩) قال: والجَوَارِي إذا كانَتْ لهنَّ فَراهَةٌ وجَمالٌ (٢) .. فالمعْرُوفُ أنَّهُنَّ يُكْسَيْن أحْسَنَ مِنْ كُِسْوَةِ اللّائِي دُونَهُنّ.

стр. 1435

(٢٨٢٠) وقال ابنُ عبّاسٍ في الممْلُوكِين: «أطْعِمُوهم ممّا تأكُلُون، واكْسُوهم ممّا تَلْبَسُون»، قال الشافعي: هذا كلامٌ مُجْمَلٌ، يَجُوزُ أن يَكُونَ على الجوازِ (١)، فيَسْألُ السّائلُ عن مَمَالِيكِه وإنّما يَأكُلُ تَمْرًا أو شَعِيرًا ويَلْبَسُ صُوفًا، فقال: أطْعِمُوهُم ممّا تأكُلُونَ، واكْسُوهُمْ ممّا تَلْبَسُون، والسّائلُونَ عَرَبٌ، ولَبُوسُ عامَّتِهِم وطَعامُهُم جَشِبٌ (٢)، ومَعاشُهم ومَعاشُ رَقِيقِهم مُتَقارِبٌ، فأمّا مَنْ خالَفَ مَعاشَ السَّلَفِ والعَرَبِ، فأكَلَ رَقِيقَ الطّعامِ، ولَبِسَ جَيِّدَ الثِّيابِ .. فلو آسَى رَقِيقَه كان أحْسَنَ، وإن لم يَفْعَلْ فَلَه ما قال رسولُ الله ﷺ : «نَفَقَتُه وكُِسْوَتُه بالمعروفِ»، فأمّا مَنْ لَبِسَ الوَشْيَ والخَزَّ والمرَوِيَّ وأكَلَ النَّقِيَّ (٣) وألْوَانَ لُحُومِ الدَّجاجِ .. فهذا لَيْسَ بالمعْرُوفِ للمَمالِيكِ. (٢٨٢١) وقال رسول الله ﷺ : «إذا كَفَى أحَدَكُم خادِمُه طَعَامَه، حَرَّه ودُخانَه .. فَلْيَدْعُه فَلْيُجْلِسْه معه، فإنْ أبَى فلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ فيُناوِلْه إيّاها» (٤) أو كَلِمَةً هذا مَعْناها، قال الشافعي: فلمّا قال ﷺ : «فلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ» .. كان هذا عندنا واللهُ أعْلَمُ على وجهين؛ أَوْلاهما بمَعْناه: أنّ إجْلاسَه معه أفْضَلُ، فإن لم يَفْعَلْ فلَيْسَ بواجبٍ؛ إذْ قال ﵇: «وإلّا فلْيُرَوِّغْ له لُقْمَةً»؛

стр. 1436

لأنّ إجْلاسَه لو كان واجِبًا لم يُجْعَلْ له أن يُرَوِّغَ له لُقْمَةً دون أن يُجْلِسَه معه، أو يَكُونَ بالخيارِ بين أن يُناوِلَه أو يُجْلِسَه، وقد يَكُونُ أمْرَ اخْتِيارٍ غَيْرَ الحَتْمِ، وهذا يَدُلُّ على ما وَصَفْنا مِنْ بَيانِ طَعامِ الممْلُوكِ وطَعَامِ سَيِّدِه، والممْلُوكُ الذي يَلِي طَعامَ الرَّجُلِ مخالِفٌ عِنْدِي الممْلُوكَ الذي لا يَلِي طَعامَه، فيَنْبَغِي أن يُناوِلَه ممّا يَقْرُبُ إليه ولو لُقْمَةً، فإنّ المعْرُوفَ أن لا يَكُونَ يَرَى طَعامًا قد وَلِيَ العَمَلَ فيه ثُمّ لا يَنالُ منه شَيْئًا يَرُدُّ به شَهْوَتَه، وأقَلُّ ما يَرُدُّ به شَهْوَتَه لُقْمَةٌ، وغَيْرُه مِنْ الممالِيكِ لم يَلِهِ ولم يَرَه، والسُّنَّةُ خَصَّتْ هذا مِنْ المماليكِ دُون غَيْرِه، وفي القرآنِ ما يَدُلُّ على ما يُوافِقُ بَعْضَ معنى هذا، قال الله : ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]، ولم يَقُلْ: يَرْزُقُ مِثْلَهُم ممَّن لم يَحْضُرْ، وقيل ذلك في المواريثِ وغيرِها مِنْ الغنائمِ، وهذا أوْسَعُ وأحَبُّ إليَّ، ويُعْطَوْن ما طابَتْ به نَفْسُ المعْطِي بلا تَوْقِيتٍ، ولا يُحْرَمُون (١). (٢٨٢٢) ومَعْنَى «لا يُكَلَّفُ مِنْ العَمَلِ إلّا ما يُطِيقُ» يَعْنِي والله أعلم: إلّا ما يُطِيقُ الدَّوامَ عليه، لا ما يُطِيقُ يَوْمًا أو يَوْمَيْن أو ثلاثةً ونحوَ ذلك ثُمّ يَعْجِزُ، وجملةُ ذلك: ما لا يَضُرُّ ببَدَنِه الضَّرَرَ البَيِّنَ. (٢٨٢٣) فإنْ عَمِيَ أو زَمِنَ .. أنْفَقَ عليه مَوْلاه. (٢٨٢٤) ولَيْسَ له أن يَسْتَرْضِعَ الأمَةَ غَيْرَ وَلَدِها فيَمْنَعَ منها وَلَدَها، إلّا أن يَكُونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه، أو يَكُونَ وَلَدُها يَغْتَذِي بالطّعامِ فيُقِيمُ بَدَنَه، فلا بأسَ به.

стр. 1437

(٢٨٢٥) ويُنْفِقُ على وَلَدِ أمِّ وَلَدِه مِنْ غَيْرِه. (٢٨٢٦) ويَمْنَعُه الإمامُ أن يَجْعَلَ على أمَتِه خَراجًا، إلّا أن يَكُونَ في عَمَلٍ واصِبٍ (١)، وكذلك العَبْدُ إذا لم يُطِق الكَسْبَ، قال عثمانُ في خُطْبَتِه: «لا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ فيَسْرِقَ، ولا الأمَةَ غَيْرَ ذاتِ الصَّنْعَةِ فتَكْسِبَ بفَرْجِها».

стр. 1438

(٢٩٣) باب صفة نفقة الدواب (٢٨٢٧) قال الشافعي: ولو كانَتْ لرَجُلٍ دابَّةٌ في المصْرِ، أو شاةٌ، أو بَعِيرٌ .. عَلَفَه بما يُقِيمُه، فإن امْتَنَعَ أخَذَه السُّلْطانُ بعَلَفِه أو بَيْعِه. (٢٨٢٨) فإن كان ببادِيَةٍ غَنَمٌ أو إبِلٌ أو بَقَرٌ اتُّخِذَتْ على المرْعَى خَلّاها والرَّعْيَ، فإن أجْدَبَت الأرْضُ عَلَفَها أو ذَبَحَها أو باعَها، ولا يَحْبِسُها فتَمُوتَ هُزْلًا، إن لم يَكُنْ في الأرْضِ مُتَعَلَّقٌ (١)، وجُبِرَ على ذلك، إلّا أن يَكُونَ فيها مُتَعَلَّقٌ؛ لأنَّها على ما في الأرْضِ تُتَّخَذُ، ولَيْسَتْ كالدَّوابِّ التي لا تَرْعَى والأرْضُ مُخْصِبَةٌ إلّا رَعْيًا ضَعِيفًا، ولا تَقُومُ للجَدْبِ قِيامَ الرَّواعِي. (٢٨٢٩) قال: ولا تُحْلَبُ أمَّهاتُ النَّسْلِ إلّا فَضْلًا عمّا يُقِيمُ أوْلادَهُنّ، لا يُحْلَبْن فيَمُتْنَ هُزْلًا (٢).

стр. 1439

[٤٩] كتاب الجراح والجنايات (١)

стр. 1440

(٢٩٤) باب تحريم القتل، ومن يجب عليه القصاص، ومن لا قصاص عليه (١) من كتاب قتل العمد (٢) (٢٨٣٠) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]، وقال الله : ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بإحْدَى ثلاثٍ: كُفْرٍ بعد إيمانٍ، أو زِنًا بعد إحْصانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ نَفْسٍ». (٢٨٣١) قال الشافعي: فإذا تكَافأ الدَّمَانِ، مِنْ الأحْرار المسْلِمِين، أو العَبِيدِ المسْلِمِين، أو الأحْرارِ مِنْ المعاهِدِين (٣)، أو العَبِيدِ منهم .. قُتِلَ

стр. 1441

مِنْ كُلِّ صِنْفٍ تَكَافَأ دَمُه منهم، الذَّكَرُ إذا قَتَلَ بالذَّكَرِ وبالأنْثَى، والأنْثَى إذا قَتَلَتْ بالأنْثَى وبالذَّكَرِ. (٢٨٣٢) ولا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»، وأنّه لا خِلافَ أنّه لا يُقْتَلُ بالمسْتأمِنِ، وهو في التَّحْرِيمِ مِثْلُ المعاهِدِ. قال المزني: فإذا لم يُقْتَلْ بأحَدِ الكافِرَيْن المحَرَّمَيْن لم يُقْتَلْ بالآخَرِ. (٢٨٣٣) قال الشافعي: قال قائلٌ: عَنَى النبي ﷺ : لا (١) يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ حَرْبِيٍّ، فهل مِنْ بَيانٍ في مِثْلِ هذا؟ قلت: نعم، قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ بأبي هو وأمِّي: «لا يَرِثُ المؤمِنُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المؤمِنَ»، فهل تَزْعُمُ أنّه أرادَ أهْلَ الحَرْبِ؛ لأنّ دِماءَهُم وأمْوالَهُم حَلالٌ؟ قال: لا، ولكنَّها على جَمِيعِ الكافِرين؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، قلنا: وكذلك «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ»؛ لأنّ اسْمَ الكُفْرِ يَلْزَمُهم، فما الفَرْقُ؟ قال قائل (٢): رَوَيْنا حَدِيثَ ابْنِ السّلْمانيِّ، قلنا: مُنْقَطِعٌ، وخَطأٌ، إنّما رُوِيَ فيما بَلَغَنا أنّ عَمْرَو بن أمَيَّةَ قَتَلَ كافِرًا كان له عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، وكان المقْتُولُ رَسُولًا، فقَتَلَه النبيُّ ﷺ به، ولو كان ثابتًا كُنْتُ قد خالَفْتُه، وكان مَنْسُوخًا؛ لأنّه قَبْلَ الفَتْحِ بزَمانٍ (٣)، وخُطْبَةُ

стр. 1442

رسولِ الله ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ» عامَ الفَتْحِ، وهو خَطأٌ؛ لأنّ عَمْرَو بنَ أمَيَّةَ عاشَ بعد النبيِّ ﷺ دَهْرًا (١)، وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا. (٢٨٣٤) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ حُرٌّ بعَبْدٍ، وفيه قِيمَتُه وإنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ. قال المزني: وفي إجْماعِهِم أنّ يَدَه لا تُقْطَعُ بيَدِ العَبْدِ قَضاءٌ على أنّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ، فإذا مُنِعَ مِنْ أن يُقَصَّ مِنْ يَدِهِ وهي أقَلُّ لفَضْلِ الحرِّيَّةِ على العُبُودِيَّةِ .. كانَت النَّفْسُ أعْظَمَ، ومِن أن تُقَصَّ بنَفْسِ العَبْدِ أبْعَدَ. (٢٨٣٥) قال الشافعي: ولا يُقْتَلُ والِدٌ بوَلَدٍ؛ لأنّه إجماعٌ، ولا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ أمٍّ ولا أبٍ بوَلَدِ وَلَدٍ وإن بَعُدَ؛ لأنّه وَالِدٌ. قال المزني: وهذا عندي (٢) يُؤكِّدُ مِيراثَ الجَدِّ؛ لأنّ الأخَ يُقْتَلُ بأخِيه، ولا يُقْتَلُ الجَدُّ (٣) بابْنِ ابْنِه، ويَمْلِكُ الأخُ أخاه في قَوْلِه، ولا يَمْلِكُ جَدَّه، وفي هذا دليلٌ على أنّ الجَدَّ كالأبِ في حَجْبِ الإخْوَةِ، وليس كالأخِ (٤). (٢٨٣٦) قال الشافعي: ويُقْتَلُ العَبْدُ والكافِرُ بالحُرِّ المسْلِمِ، والوَلَدُ بالوالِدِ. (٢٨٣٧) ومَن جَرَى عليه القصاصُ في النَّفْسِ .. جَرَى عليه القِصاصُ في الجِراحِ.

стр. 1443

(٢٨٣٨) قال: ويُقْتَلُ العَدَدُ بالواحِدِ، واحْتَجّ بأنّ عمرَ بنَ الخطاب قَتَلَ خَمْسَةً أو سَبْعَةً برَجُلٍ قَتَلُوه غِيلَةً (١)، وقال: «لو تَمالَأ عليه أهْلُ صَنْعاءَ لقَتَلْتُهم جميعًا» (٢). (٢٨٣٩) قال: ولو جَرَحَه أحَدُهما مائةَ جُرْحٍ، والآخَرُ جُرْحًا واحدًا، فمات .. كانا في القَوَدِ سَواءً (٣)، ويُجْرَحُون بالجُرْحِ الواحِدِ إذا كان جَرْحُهم إيّاه معًا لا يَتَجَزّأ. (٢٨٤٠) ولا يُقْتَصُّ إلّا مِنْ بالِغٍ، وهو مَنْ احْتَلَمَ مِنْ الذُّكُورِ، أو حاضَ مِنْ النساءِ، أو بَلَغَ أيُّهما كان خمسَ عَشْرَةَ سنةً.

стр. 1444

(٢٩٥) باب صفة قتل العمد وجراح العمد اللَّذَيْن فيهما القصاص، وغير ذلك (٢٨٤١) قال الشافعي: إذا عَمَدَ رَجُلٌ بسَيْفٍ، أو خِنْجَرٍ، أو سِنانِ رُمْحٍ، أو ما يَشُقُّ بحَدِّه إذا ضُرِبَ أو رُمِي به الجِلْدُ واللَّحْمُ، دون الثِّقَلِ (١)، فجَرَحَه جُرْحًا كبيرًا أو صغيرًا، فمات منه .. فعليه القَوَدُ. (٢٨٤٢) وإنْ شَدَخَه بحَجَرٍ، أو تابَعَ عليه الخَنْقَ، أو وَالَى عليه بالسَّوْطِ حتّى يَمُوتَ، أو طَيَّنَ عليه بَيْتًا بغَيْرِ طَعامٍ ولا شَرابٍ مُدَّةً الأغْلَبُ أنّه يَمُوتُ مِنْ مِثْلِه، أو ضَرَبَه بسَوْطٍ في شِدَّةِ بَرْدٍ أو حَرٍّ ونحو ذلك ممّا الأغْلَبُ أنّه يَمُوتُ منه، فماتَ .. فعليه القَوَدُ. (٢٨٤٣) ولو قَطَعَ مَرِيَّهُ أو حُلْقُومَه (٢)، أو قَطَعَ حُِشْوَتَه فأبانَها مِنْ جَوْفِه (٣)، أو صَيَّرَه في حالِ المذْبُوحِ، ثُمّ ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ .. فالأوَّلُ قاتِلٌ (٤)، دُون الآخَرِ، ولو أجافَه أو خَرَقَ مِعَاهُ ما لم يَقْطَعْ حُِشْوَتَه فيُبِينَها منه، ثُمّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَه .. فالأوَّلُ جارِحٌ، والآخَرُ قاتِلٌ، قد جُرِحَ مِعَى

стр. 1445

عُمَرَ بنِ الخطاب في مَوْضِعَيْن (١)، وعاشَ ثلاثًا، فلو قَتَلَه أحَدٌ في تلك الحالِ كان قاتِلًا، وبَرِئَ الذي جَرَحَه مِنْ القَتْلِ. (٢٨٤٤) ولو جَرَحَه جِراحاتٍ فلم يَمُتْ حتّى عاد إليه فذَبَحَه .. صارَ والجِراحُ نَفْسًا (٢)، ولو بَرَأَت الجِراحاتُ ثُمّ عاد فقَتَلَه .. كان عليه ما على الجارِحِ مُنْفَرِدًا، وما على القاتِلِ مُنْفَرِدًا. (٢٨٤٥) ولو تَدَاوَى المجْرُوحُ بِسُمٍّ فماتَ، أو خاطَ الجُرْحَ في لَحْمٍ حَيٍّ فماتَ .. فعلى الجاني نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنّه ماتَ مِنْ فِعْلَيْن، وإنْ كانَت الخِياطَةُ في لَحْمٍ مَيِّتٍ .. فالدِّيَةُ على الجاني. (٢٨٤٦) ولو قَطَعَ يَدَ نَصْرانِيٍّ فأسْلَمَ ثُمّ ماتَ .. لم يَكُنْ فيه قَوَدٌ؛ لأنّ الجِنايَةَ كانَتْ وهو ممّن لا قَوَدَ عليه فيه، وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ، ولا يُشْبِهُ المرْتَدَّ؛ لأنّ قَطْعَه مُباحٌ كالحَدِّ، والنَّصْرانِيُّ يَدُهُ ممْنُوعَةٌ. (٢٨٤٧) ولو أرْسَلَ سَهْمًا، فلم يَقَعْ على نَصْرانِيٍّ حتّى أسْلَمَ، أو على عَبْدٍ فلم يَقَعْ حتّى أعْتِقَ .. لم يَكُنْ عليه قِصاصٌ؛ لأنّ تَخْلِيَةَ السَّهْمِ كانَتْ ولا قِصاصَ، وفيه دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ والكفّارَةُ، وكذلك المرْتَدُّ يُسْلِمُ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ؛ لتَحَوُّلِ الحالِ قبل وُقُوعِ الرَّمْيَةِ (٣).

стр. 1446

(٢٨٤٨) ولو جَرَحَه مُسْلِمًا، فارْتَدَّ، ثُمّ أسْلَمَ، ثُمّ ماتَ .. فالدِّيَةُ والكفّارَةُ، ولا قَوَدَ للحالِ الحادِثَةِ (١)، ولو ماتَ مُرْتَدًّا كان لِوَلِيِّه المسْلِمِ أن يَقْتَصَّ بالجُرْحِ. قال المزني: القياسُ (٢) عندي على أصْلِ قَوْلِه أن لا وِلايَةَ لمسْلِمٍ مِنْ مُرْتَدٍّ كما لا وِراثَةَ له منه، وكما أنّ مالَه للمُسْلِمِين فكذلك الوَلِيُّ في القِصاصِ مِنْ جُرْحِه وَلِيُّ المسْلِمِين (٣). (٢٨٤٩) قال الشافعي: ولو فَقَأ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُه مائتان مِنْ الإبِلِ، فأعْتِقَ، فماتَ .. لم يَكُنْ فيه إلّا دِيَةٌ؛ لأنّ الجنايَةَ تَنْقُصُ بمَوْتِه حُرًّا، وكانَت الدِّيَةُ لسَيِّدِه دُون وَرَثَتِه.

стр. 1447

قال المزني: القياسُ عندي: أنّه قد مَلَكَ السَّيِّدُ قِيمَةَ العَبْدِ وهو عَبْدٌ (١)، فلا يَنْقُصُ ما وَجَبَ له بالعِتْقِ (٢). (٢٨٥٠) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فأعْتِقَ، ثُمّ ماتَ .. فلا قَوَدَ إذا كان الجاني حُرًّا مُسْلِمًا، أو نَصْرَانِيًّا حُرًّا، أو مُسْتَأمِنًا حُرًّا، وعلى الحُرِّ الدِّيَةُ كامِلَةً في مالِه، للسَّيِّدِ منها نِصْفُ قِيمَتِه يَوْمَ قَطَعَه، والباقي لوَرَثَتِه. (٢٨٥١) ولو قَطَعَ ثانٍ بعد الحُرِّيَّةِ رِجْلَه، وثالِثٌ بَعْدَهما يَدَه (٣)، فماتَ .. فعَلَيْهِم دِيَةُ حُرٍّ، وفيما للسَّيِّدِ مِنْ الدِّيَةِ قولان: أحدهما - أنّ له الأقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أو نِصْفِ قِيمَتِه عَبْدًا، لا يُجْعَلُ له أكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِه عَبْدًا ولو كان لا يَبْلُغُ بَعِيرًا (٤)؛ لأنّه لم يَكُنْ في مِلْكِه جِنايَةٌ غَيْرُها، ولا يُجاوَزُ به ثُلُثَ دِيَتِه حُرًّا (٥)، ولو كان نِصْفُ قِيمَتِه مائةَ بَعِيرٍ، مِنْ أجْلِ أنّها تَنْقُصُ بالموْتِ، والقول الثاني - أنّ لسَيِّدِه الأقَلَّ مِنْ ثُلُثِ قِيمَتِه عَبْدًا، أو ثُلُثِ دِيَتِه حُرًّا؛ لأنّه مات مِنْ جِنايَةِ ثلاثَةٍ. قال المزني: وقد قَطَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بأنّه لو جَرَحَه ما الحُكُومَةُ فيه بَعِيرٌ، ولَزِمَه بالحُرِّيَّةِ والموتِ ومَن شَرِكَه عَشْرٌ مِنْ الإبِلِ .. لم يَأخُذِ السَّيِّدُ

стр. 1448

إلّا البَعِيرَ الذي وَجَبَ بالجُرْحِ (١)، قال المزني: فهذا أقْيَسُ لقَوْلِه، وأوْلَى عندي (٢) بأصْلِه، وإذْ (٣) لم يَزِدْه على بَعِيرٍ؛ لأنّه وَجَبَ بالجُرْحِ وهو عَبْدُه .. ففي القِياسِ أن لا يَنْقُصَه وإن جاوَزَ عَقْلَ حُرٍّ؛ لأنّه وَجَبَ له وهو عَبْدُه (٤). (٢٨٥٢) قال الشافعي: وعلى المتَغَلِّبِ باللُّصُوصِيَّةِ والمأمُورِ القَوَدُ إذا كان قاهِرًا للمأمُورِ. (٢٨٥٣) وعلى السَّيِّدِ القَوَدُ إذا أمَرَ عَبْدَه صَبِيًّا أو أعْجَمِيًّا لا يَعْقِلُ بقَتْلِ رَجُلٍ فقَتَلَه، وإنْ كان العَبْدُ يَعْقِلُ .. فعَلَى العَبْدِ القَوَدُ، ولو كانا لغَيْرِه وكانا يُمَيِّزان بَيْنَه وبَيْنَ سَيِّدِهما .. فهما قاتلان، وإنْ كانا لا يُمَيِّزان .. فالآمِرُ القاتِلُ، وعليه القَوَدُ. (٢٨٥٤) ولو قَتَلَ مُرْتَدٌّ نَصْرانِيًّا، ثُمّ رَجَعَ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّ عليه القَوَدَ، وهو أوْلَاهُما؛ لأنّه قَتَلَ ولَيْسَ بمُسْلِمٍ، والثاني - أن لا قَوَدَ عليه؛ لأنّه لا يُقَرُّ على دِينِه. قال المزني: قد أبان أنّ الأوَّلَ أوْلَاهما، والأَوْلَى أحَقُّ بالصَّوابِ، وقد دَلَّ قَوْلُه في رَفْعِ القَوَدِ عنه: «لأنّه لا يُقَرُّ على دِينِه» على أنّه لو كان القاتِلُ نَصْرَانِيًّا يُقَرُّ على دِينِه لكان القَوَدُ عليه وإنْ أسْلَمَ، قال المزني: فإذا

стр. 1449

كان النَّصْرانِيُّ الذي يُقَرُّ على دِينِه الحرامُ الدَّمِ إذا أسْلَمَ يُقْتَلُ بالنَّصْرانِيِّ (١) .. فالمباحُ الدَّمِ بالرِّدَّةِ أحَقُّ أن يُقادَ بالنَّصْرانِيِّ وإنْ أسْلَمَ في قِياسِ قَوْلِه (٢). (٢٨٥٥) قال الشافعي: ويُقْتَلُ الذّابِحُ دُون الماسِكِ؛ كما يُحَدُّ الزّانِي دُون الماسِكِ (٣). (٢٨٥٦) ولو ضَرَبَه بما الأغْلَبُ أنّه يَقْطَعُ عُضْوًا، أو يُوضِحُ رَأسًا .. فعليه القَوَدُ. (٢٨٥٧) ولو عَمَدَ عَيْنَه بإصْبَعِه ففَقَأها .. أُقِصَّ منه؛ لأنّ الإصْبَعَ يَأتِي منها على ما يَأتِي به السِّلاحُ مِنْ النَّفْسِ، وإن لم تَنْفَقِئْ واعْتَلَّتْ حتّى ذَهَبَ بَصَرُها، أو انْبَخَقَتْ (٤) .. ففيها القصاصُ. (٢٨٥٨) وإن كان الجاني مَغْلوبًا على عَقْلِه .. فلا قِصاصَ عليه، إلّا السَّكْرانُ؛ فإنّه كالصَّحِيحِ. (٢٨٥٩) ولو قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وأنْثَيَيْه وشُفْرَيْه عَمْدًا .. قيل: إنْ شِئتَ وَقَفْناك، فإن بِنْتَ ذَكَرًا .. أقَدْناك في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن، وجَعَلْنا لك حُكُومَةً في الشُّفْرَيْن، وإن بِنْتَ أنْثَى .. فلا قَوَدَ لك، وجَعَلْنا لك دِيَةَ امْرَأةٍ في الشُّفْرَيْن، وحُكُومَةً في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن. قال المزني: بَقِيَّةُ هذه المسْألَةِ في مَعْناه أن يُقالَ له: وإن لم تَشَأْ أن تَقِفَ حتّى يَبِينَ أمْرُكَ وعَفَوْتَ عن القِصاصِ وبَرَأتْ .. فلك دِيَةُ شُفْرَيِ

стр. 1450

امْرَأةٍ، وحُكُومَةٌ في الذَّكَرِ والأنْثَيَيْن؛ لأنّه الأقَلُّ، وإن قُلْتَ: لا أعْفُو ولا أقِفُ .. قيل: ولا (١) يَجُوزُ أن يُقَصَّ ممّا لا يُدْرَى أيُّ القِصاصِ لك، فلا بُدّ لك مِنْ أحَدِ الأمْرَيْن على ما وَصَفْنا (٢).

стр. 1451

(٢٩٦) باب الخيار في القصاص (٢٨٦٠) قال الشافعي: أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيد المقْبُرِيّ، عن أبي شُرَيْح الكَعْبِيّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ثُمّ أنْتُمْ يا خُزاعَةُ قد قَتَلْتُم هذا القَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وأنا والله عاقِلُه، فمَن قَتَلَ قَتِيلًا بعده فأهْلُه بَيْنَ خِيرَتَيْن، إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ». (٢٨٦١) قال الشافعي: ولم يختلفوا في أنّ العَقْلَ مَوْرُوثٌ كالمالِ، وإذا كان هكذا فكُلُّ وارِثٍ وَلِيٌّ، زَوْجَةً أو ابْنَةً، لا يَخْرُجُ أحَدٌ منهم مِنْ وِلايَةِ الدَّمِ، ولا يُقْتَلُ إلّا باجْتِماعِهِم. (٢٨٦٢) ويُحْبَسُ القاتِلُ حتّى يَحْضُرَ الغائِبُ ويَبْلُغَ الطِّفْلُ، فإنْ كان فيهم مَعْتُوهٌ فحتّى يُفِيقَ أو يَمُوتَ، فيَقُومُ وارِثُه مَقامَه. (٢٨٦٣) وأيُّهم عَفا القصاصَ (١) .. كان على حَقِّه مِنْ الدِّيَةِ، وإنْ عَفا على غَيْرِ مالٍ كان الباقون على حُقُوقِهم مِنْ الدِّيَةِ. (٢٨٦٤) وإنْ عَفَوْا جميعًا، وعَفا المفْلِسُ يُجْنَى عليه أو على عَبِيدِه القِصاصَ (٢) .. جاز ذلك لهم، ولم يَكُنْ لأهْلِ الدَّيْن والوَصايا مَنْعُهم؛ لأنّ

стр. 1452

المالَ لا يُمْلَكُ بالعَمْدِ إلّا بمَشِيَّةِ المجْنِيّ عليه إنْ كان حَيًّا، وبمَشِيَّةِ الوَرَثَةِ إنْ كان مَيِّتًا. قال المزني: ليْسَ يُشْبِه هذا الاعْتلالُ أصْلَه؛ لأنّه احْتَجَّ في أنّ العَفْوَ يُوجِبُ الدِّيَةَ بأنّ الله لمّا قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، لم يَجُزْ أن يُقالَ: «عَفا»؛ أي (١): صُولِحَ على مالٍ؛ لأنّ العَفْوَ تَرْكٌ بلا عِوَضٍ، فلَمْ يَجُزْ إذا عَفا عن القَتْلِ الذي هو أعْظَمُ الأمْرَيْنِ إلّا أن يَكُونَ له مالٌ في مالِ القاتِلِ أحَبَّ أو كَرِهَ، ولو كان إذا عَفا لم يَكُنْ له شَيْءٌ .. لم يَكُنْ للعافي ما يَتْبَعُه بمَعْرُوفٍ، ولا على القاتِلِ ما يُؤَدِّيه بإحْسانٍ (٢).

стр. 1453

قال المزني: فهذا مالٌ بلا مَشِيَّةٍ، أوَلا تَراه يَقولُ: «إنّ عَفْوَ المحْجُورِ جائزٌ؛ لأنّه زِيادَةٌ في مالِه، وعَفْوَه المالَ لا يَجُوزُ؛ لأنّه نَقْصٌ في مالِه؟»، فهذا مالٌ بغَيْرِ مَشِيَّةٍ، فأقْرَبُ إلى وَجْهِ ما قال عندي في العَفْوِ الذي ليْسَ لأهْلِ الدَّيْن مَنْعُه منه، هو أن يُبْرِئه مِنْ القِصاصِ ويَقُولَ: «بغَيْرِ مالٍ»، فيَسْقُطان، وبالله التوفيق (١).

стр. 1454

(٢٩٧) باب القصاص بالسيف وغيره (٢٨٦٥) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]. (٢٨٦٦) قال: فإذا خَلّى الحاكِمُ الوَلِيَّ وقَتْلَ القاتلِ .. فيَنْبَغِي له أن يَأمُرَ مَنْ يَنْظُرُ إلى سَيْفِه، فإنْ كان صارِمًا، وإلّا أمَرَه بصارِمٍ؛ لِئلّا يُعَذِّبَه، ثُمّ يَدَعُه وضَرْبَ عُنُقِه. (٢٨٦٧) فإن ضَرَبَه بما لا يُخْطِئ بمِثْلِه، مِنْ قَطْعِ رِجْلٍ أو وَسْطٍ .. عُزِّرَ، وإنْ كان ممّا يَلِي العُنُقَ مِنْ رَأسِه أو كَتِفِه .. فلا عُقُوبَةَ عليه، وأجْبَرَه الحاكِمُ على أن يَأمُرَ مَنْ يُحْسِنُ ضَرْبَ العُنُقِ ليُوجِئَه (١). (٢٨٦٨) قال: ولو أذِنَ لرَجُلٍ فتَنَحَّى به، فعَفا الوَلِيُّ، فقَتَلَه قَبْلَ يَعْلَمُ .. ففيها قولان: أحدهما - أن ليس على القاتلِ شَيْءٌ، إلّا أن يَحْلِفَ باللهِ ما عَلِمَه عَفَا، ولا عَلَى العافِي (٢)، والثاني - أن ليس على القاتلِ قَوَدٌ؛ لأنّه قَتَلَه على أنّه مُباحٌ، وعليه الدِّيَةُ والكفّارةُ، ولا يَرْجِعُ بها على الوَلِيّ؛ لأنّه مُتَطَوِّعٌ، وهذا أشْبَهُهُما.

стр. 1455

قال المزني: فالأشْبَهُ أَوْلَى به (١). (٢٨٦٩) قال الشافعي: ولا تُقْتَلُ الحامِلُ حتّى تَضَعَ، فإن لم يَكُنْ لِوَلَدِها مُرْضِعٌ .. فأحَبُّ إليَّ أن لو تُرِكَتْ بطِيبِ نَفْسِ الوَلِيِّ حتّى تُوجَدَ له مُرْضِعٌ، فإن لم يَفْعَلْ قُتِلَتْ. قال المزني: إذا لم يُوجَدْ للمَوْلودِ ما يَحْيَا به، لم يَحِلَّ عندي قَتْلُه بقَتْلِ أمِّه، حتّى يُوجَدَ له ما يَحْيَا به، فتُقْتَلَ (٢). (٢٨٧٠) قال الشافعي: ولو عَجِلَ الإمامُ فأقَصَّ منها حامِلًا .. فعليه المأثَمُ، فإنْ ألْقَتْ جَنِينًا ضَمِنَه الإمامُ على عاقِلَتِه، دُونَ المقْتَصِّ. قال المزني: بل على الوَلِيِّ؛ لأنّه اقْتَصَّ لنَفْسِه مخْتارًا، فجَنَى على مَنْ لا قِصاصَ له عليه، فهو يَغْرَمُ ما أتْلَفَ أوْلَى مِنْ إمامٍ حَكَمَ له بحَقِّه فأخَذَه وما لَيْسَ له (٣). (٢٨٧١) قال الشافعي: ولو قَتَلَ نَفَرًا .. قُتِلَ للأوَّلِ (٤)، وكانَت

стр. 1456

الدِّياتُ لمن بَقِيَ في مالِه، وإنْ خَفِيَ الأوَّلُ منهم .. أقْرِعَ بينهم أيُّهم قُتِلَ أوَّلُ قُتِلَ به (١)، وأعِطِي الباقُونَ الدِّياتِ مِنْ مالِه. (٢٨٧٢) ولو قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وقَتَلَ آخَرَ .. قُطِعَتْ يَدُه باليَدِ، وقُتِلَ بالنَّفْسِ. قال المزني: فإن ماتَ المقْطُوعَةُ يَدُه الأوَّلُ بعد أن اقْتُصَّ مِنْ اليَدِ .. فقِياسُ قَوْلِ الشّافِعِيّ عندي: أنّ لوَلِيِّه أن يَرْجِعَ بنِصْفِ الدِّيَةِ في مالِ قاطِعِه؛ لأنّ المقْطُوعَ قد اسْتَوْفَى قبل مَوْتِه ما فيه نِصْفُ الدِّيَةِ باقْتِصاصِه يَدَ قاطِعِه. (٢٨٧٣) قال الشافعي: ولو قَتَلَه عَمْدًا ومعه صَبِيٌّ، أو مَعْتُوهٌ، أو كان حُرٌّ وعَبْدٌ قَتَلا عَبْدًا، أو مُسْلِمٌ ونَصْرانيٌّ قَتَلا نَصْرانِيًّا، أو قَتَلَ ابْنَه ومعه أجْنَبِيٌّ .. فعلى الذي عليه القِصاصُ القِصاصُ، وعلى الآخَرِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه، وعُقُوبَةٌ إنْ كان الضَّرْبُ عَمْدًا. قال المزني: وشَبَّهَ الشّافِعِيُّ أخْذَ القَوَدِ مِنْ البالِغِ دُونَ الصَّبِيِّ بالقاتِلَيْن عَمْدًا، يَعْفُو الوَليُّ عن أحَدِهما أنّ له قَتْلَ الآخَرِ، فإن قيل: وَجَبَ عَلَيْهما القَوَدُ فَزَالَ عن أحَدِهما بإزالَةِ الوَليِّ .. قيل: فإذا أزالَهُ الوليُّ عنه أزالَهُ عن الآخَرِ، فإن قيل: لا .. قيل: وفِعْلُهما واحِدٌ، فقد حَكَمْتَ لكل واحِدٍ منهما بحُكْمِ نَفْسِه، لا حُكْمِ غَيْرِه، قال الشافعي: «فإنْ شَرِكَه قاتِلُ خَطَأٍ .. فعلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه، وجناية المخْطِئِ على عاقِلَتِه»، واحْتَجَّ على محمد بن الحسن في مَنْعِ القَوَدِ مِنْ العامِدِ إذا شَرِكَه صَبِيٌّ أو مجْنُونٌ، فقال: «إنْ كُنْتَ رَفَعْتَ عنه القَوَدَ؛ لأنّ القَلَمَ عنهما مَرْفُوعٌ، وأنَّ عَمْدَهُما خَطَأ على عاقِلَتِهما .. فَهَلّا أقَدْتَ مِنْ الأجْنَبِيِّ إذا قَتَلَ عَمْدًا مع الأبِ؛

стр. 1457

لأنّ القَلَمَ عن الأبِ لَيْسَ بمَرْفُوعٍ، وهذا تَرْكُ أصْلِكَ؟»، قال المزني: قد شَرِكَ الشافعيُّ محمَّدَ بنَ الحسنِ فيما أنْكَرَ عليه في هذه المسألةِ؛ لأنّ رَفْعَ القِصاصِ عن الخاطِئِ (١) والمجْنُونِ والصَّبِيِّ واحدٌ، فكذلك حُكْمُ مَنْ شَرِكَهُم بالعَمْدِ واحِدٌ (٢). (٢٨٧٤) قال الشافعي: ولو قَتَلَ أحَدُ الوَلِيَّيْن القاتِلَ بغَيْرِ أمْرِ صاحِبِه .. ففيها قولان: أحدهما - أن لا قِصاصَ بِحالٍ؛ للشُّبْهَةِ، قال الله : ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ [الإسراء: ٣٣]، يَحْتَمِلُ أيّ وَلِيٍّ قَتَلَ كان أحَقَّ بالقَتْلِ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ المدينةِ، يُنْزِلُونَه بمَنْزِلَةِ الحَدِّ لهم عن أبِيهِم، إنْ عَفَوْا إلّا واحِدًا كان له أن يَحُدّ، قال الشافعي: وإنْ كان ممّن لا يَجْهَلُ .. عُزِّرَ، وقِيلَ للوُلاةِ معه: لَكُمْ حِصَصُكُم، والقَوْلُ مِنْ أيْنَ يأخُذُونَها؟ واحِدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحدهما - أنّها لهم مِنْ مالِ القاتِلِ، يَرْجِعُ بها وَرَثَةُ القاتِلِ في مالِ قاتِلِه، ومَن قال هذا قال: إنْ عَفَوْا عن القاتِلِ الدِّيَةَ يَرْجِعُ وَرَثَةُ القاتِلِ المقْتُولِ على قاتِلِ صاحِبِهِم بحِصَّةِ الوَرَثَةِ معه مِنْ الدِّيَةِ، والقول الثاني في حِصَصِهم - أنّها لهم في مالِ أخِيهِم القاتِلِ قاتِلَ أبِيهم؛ لأنّ الدِّيَةَ إنّما كانَتْ تَلْزَمُه لو كان لم يَقْتُلْه وليٌّ، فإذا قَتَلَه وليٌّ فلا يَجْتَمِع عليه القَتْلُ والغُرْمُ.

стр. 1458

والقول الثاني - أنّ على مَنْ قَتَلَ مِنْ الأوْلِياءِ قاتِلَ أبيه القِصاصُ حتّى يَجْتَمِعُوا على القَتْلِ. قال المزني: فقَدْ أجاب فيه بثلاثة أقاوِيلَ (١)، وأصْلُ قَوْلِه: أنّ القاتِلَ لو مات كانَت الدِّيَةُ في مالِه، قال المزني: ولَيْسَ تَعَدِّي أخِيه بمُبْطِلٍ حَقَّه ولا مُزِيلِه عمَّن هو عليه، ولا قَوَدَ للشُّبْهَة (٢). (٢٨٧٥) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَه مِنْ مِفْصَلِ الكُوعِ، فلم يَبْرَأ حتّى قَطَعَها آخَرُ مِنْ المرْفَقِ، ثُمّ ماتَ .. فعليهما القَوَدُ، يُقْطَعُ قاطِعُ الكَفِّ مِنْ الكُوعِ، وكذا الآخَرُ مِنْ المرْفَقِ (٣)، ثُمّ يُقْتَلان؛ لأنّ ألَمَ القَطْعِ الأوَّلِ واصِلٌ إلى الجسَدِ كُلِّه. (٢٨٧٦) قال الشافعي: وإذا تَشاحَّ الوُلاةُ .. قيل لهم: لا يَقْتُلُه إلّا واحِدٌ منكم، فإنْ سَلَّمْتُم لواحِدٍ أو لأجْنَبِيٍّ خُلِّيَ وقَتْلَه، وإنْ تَشاحَحْتُم أقْرَعْنا بَيْنكُم، فأيُّكُم خَرَجَتْ قُرْعَتُه خَلَّيْناه وقَتْلَه. (٢٨٧٧) ويُضْرَبُ بأصْرَمِ سَيْفٍ، وأشَدِّ ضَرْبٍ.

стр. 1459

(٢٩٨) باب القصاص بغير السيف (١) (٢٨٧٨) قال الشافعي: وإنْ طَرَحَه في نارٍ حتّى يَمُوتَ .. طُرِحَ في النّارِ حتّى يَمُوتَ. (٢٨٧٩) وإنْ ضَرَبَه بحَجَرٍ فلم يُقْلِعْ عنه حتّى ماتَ .. أعْطِيَ وَلِيُّه حَجَرًا مِثْلَه يَقْتُلُه به (٢)، وقال بعضُ أصْحابِنا: إن لم يَمُتْ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ قُتِلَ بالسَّيْفِ. قال المزني: وهكذا قال الشافعيُّ في المحْبُوسِ بلا طَعامٍ ولا شَرابٍ حتّى مات: إنّه يُحْبَسُ، فإن لم يَمُتْ في تلك المدَّةِ قُتِلَ بالسَّيْفِ، وكذا قال: لو غَرَّقَه في الماءِ، وكذلك يُلْقِيه في مِثْلِ مَهْواةٍ في البُعْدِ (٣)، ومِثْلِ شِدَّةِ الأرْضِ، وكذا عَدَدُ الضَّرْبِ بالصَّخْرَةِ، فإن ماتَ، وإلّا ضُرِبَ عُنُقُه، قال المزني: قلت (٤): فالقياسُ على ما مَضَى في أوَّلِ البابِ: أن يَمْنَعَه الإمامُ الطَّعامَ والشَّرابَ حتّى يَمُوتَ؛ كما قال في النّارِ والحجَرِ والخَنْقِ بالحبْلِ حتّى يَمُوتَ، إذا كان ما صَنَعَ به مِنْ المتْلِفِ الوَحِيِّ (٥).

стр. 1460

(٢٨٨٠) قال الشافعي: ولو قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه فماتَ .. فَعَلَ به الوَليُّ ما فَعَلَ بصاحِبِه، فإن ماتَ، وإلّا قُتِلَ بالسَّيْفِ. (٢٨٨١) ولو كان أجافَه أو قَطَعَ ذِراعَه فمات .. كان لوَلِيِّه أن يَفْعَلَ ذلك به على أنّه يَقْتُلُه، فأمّا على أن لا يَقْتُلَه فلا يُتْرَكُ وإيّاه. وقال في موضع آخر: «فيها قولان: أحَدُهما - هذا، والآخر - لا نُقِصُّه مِنْ ذلك بحالٍ، لَعَلَّه إذا فَعَلَ ذلك أن يَدَعَ قَتْلَه، فيَكُونَ قد عَذَّبَه بما لَيْسَ في مِثْلِه قِصاصٌ» (١). قال المزني: قد أبَى أن يُوالِيَ عليه بالجَوائِفِ كما وَالَى عليه بالنّارِ والحَجَرِ والخَنْقِ بمِثْلِ ذلك الحَبْلِ حتّى يَمُوتَ، ففَرَّقَ بين ذلك، والقِياسُ عندي على مَعْناه (٢): أن يُوالِيَ عليه بالجوائفِ إذا والى بها عليه حتّى يَمُوتَ؛ كما يُوالِي عليه بالنّارِ والحَجَرِ والخَنْقِ بمِثْلِ ذلك الحَبْلِ (٣) حتّى يَمُوتَ. قال المزني: وأوْلاهُما بالحقِّ عندي فيما كان في ذلك مِنْ جِراحٍ: أنّ كُلَّ ما كان فيه القِصاصُ لو بَرَأ أقْصَصْتُه منه، فإن ماتَ، وإلّا قَتَلْتُه بالسَّيْفِ، وما لا قِصاصَ في مِثْلِه لم أُقِصَّه منه وقَتَلْتُه بالسَّيْفِ، قِياسًا على ما قال في

стр. 1461

أحَدِ قَوْلَيْه في الجائفةِ وقَطْعِ الذِّراعِ أنّه لا يُقِصُّه منهما بحالٍ (١)، ويَقْتُلُه بالسَّيْفِ (٢).

стр. 1462

(٢٩٩) باب القصاص في الشِّجاج والجراح والأسنان ومن به نقص أو شلل أو غير ذلك (١) (٢٨٨٢) قال الشافعي: والقِصاصُ دُون النَّفْسِ شَيْئانِ: جُرْحٌ يُشَقُّ، وطَرَفٌ يُقْطَعُ. (٢٨٨٣) فإذا شَجَّه مُوضِحَةً فبَرَأ .. حُلِقَ مَوْضِعُها مِنْ رأسِ الشَّاجِّ، ثُمّ شُقَّ بحَدِيدَةٍ قَدْرَ عَرْضِها وطُولِها، فإنْ أخَذَتْ رَأسَ الشَّاجِّ كُلَّه وبَقِيَ شَيْءٌ أخِذَ منه أرْشُه (٢)، وكذا كُلُّ جُرْحٍ يُقْتَصُّ منه.
следующие страницы →